النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٢١ سورة البقرة :«وصرحت آيات أخرى بغرقه مع آله، من ذلك قوله تعالى: (فأغرقناه ومن معه جميعاً) (١) وقوله تعالى: (فأخذفاه وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم)(٢) ومن تمام النعمة أن الله - تعالى - أهلك مع فرعون كل مناصر له: . وقوله تعالى (وأنتم تنظرون) أى: أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم بأعينكم ، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم، وأبلغ فى الشماتة به ، وأرجى اشكر النعمة - ولاشك أن مشاهدة المنعم عليه النعمة فيها لذة كبرى، ، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى، ومعايفته لا فقراق البحر فيها تقوية لإيمانه ، وتثبيت ليقينه ، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون. قال الإمام الرازى ما ملخصه: (أعلم أن هذه الواقعة - أى واقعة إظق البحر - تضمنت فعما كثيرة على بنى إسرائيل فى الدين والدنيا، أما فعم الدنيافمن وجوه: .١- : أولها. أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا فى موقف حرج، لأنفرعون خ وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم، فإن هم توقفوا أدر كهم عدوهم وأهلكهم، وإن هم تقدموا أغرقوا . فحصل لهم خوف عظيم، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم . ثانيها : أن الله - تعالى - خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريماً ورعاية لهم. ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب، وقم لهم الأمن والاطمئنان، وذلك نعمة عظمى، لأنهم لو نجوادون هلاك فرعون لبقى خوفهم على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا، لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبنى إسرائيل . أما نعم الدین فمن وجوه : (١) سورة الإسراء الآية ١٠٤. (٢) سورة الذاريات الآية ٤١. (م ١١ - البقرة) ١٦٢ الجزء الأول أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة. زالت عن قلوبهم .. الشكوك والشبهات، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى ، تقترب من العلم الضرورى . ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعياً لهم على الثبات والانقياد .. أوامر فهم . ثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله، فإنه لاعز فى الدنيا أكمل مما كان لفرعون، ولا ذل أشد مما كان لبنى إسرائيل، ثم إن الله - تعالى -. فى لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزاً، والقوى ضعيفاً،. والضعيف قوياً، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، والإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق - عز وجل -)(١). هذا، ونعمة فرق البحر لبنى إسرائيل، وإنجائهم من عدو هم قد تسكرو ذكرها فى القرآن، من ذلك قوله تعالى فى سورة الشعراء: ( فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدر كون . قال كلا إن معى ربى سيهدين . فأوحينه. إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانغلق فكان كل فرق كالطود العظيم . وأز لفنائم الآخرين. وأنجيناموسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين (٢). وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أجل المنعم - وهى نعمة فرق البحر جم - لكى يشكروا خالقهم عليها ، ويتبعوا نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم، فحقت عليهم اللعنة فى الدنيا والعقوبة فى الآخرة ، جزاء جحودهم. وطغيانهم وما ربك بظلام العبيد . رابعاً: نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل: (١) تفسير الرازى بتصريف جـ ١ ص ٠٣٦٠ (٢) الآيات من ٦٣ - ٠٦٧ ١.٦٣ سورة البقرة ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهى عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره ، فقال تعالى: وَإِذْ وَ عَدْنَا مُؤَسَّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَ اتَخَذُ الْعِبْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلُونَ (٢٦) ثُمَّعَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المواعدة : مفاعلة من الجانبين ، وهى هنا على غير بابها، لأن المراد بها هنا أمر الله - تعالى - لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيداًلإعطائه التوراة ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو وأبى جعفر (وعدنا). وقيل: المفاعلة على بابها، على معنى أن الله - تعالى - وعد نبيه موسى - عليه السلام - أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعدموسىربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين . وملخص هذه القصة أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه ، فوعده - سبحانه - أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته ، وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقى التوراة من ربه الفخذ بنو إسرائيل عجلا جسداً له خوار فعبدوه من دون الله، وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه ، فرجع إليهم غاضباً حزيناً ، وأعلهم بأن توبتهم أن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم ، فلما فعلوا ذلك عفا الله تعالى عنهم لكى يشكروه، ويلتزموا الصراط المستقيم . ومعنى الآيتين الكريمتين: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن وعدنا موسى أن نؤتيه التوراة بعد انقضاء أربعين ليلة من هذا الوعد ، فلما حل الوعد وجاء موسى لميقاتنا عبدقم العجل فى غيبتة، ولا شك أنكم ظلمتم ١٦٤ الجزء الأول أنفسكم بعبادة غير الله، ويوضعكم الأمور فى غير مواضعها، ومع هذا فلم فعاجلكم بالعقوبة، بل قبلنا قوبت كم، وعفونا عنكم ، لتكونوا من الشاكرين الله تعالى . وهذا النذكير يحمل فى طياته التعجيب من حالهم، لأنهم قابلوانعم أله بأقبح أنواع الكفر والجهالة ، حيث عبدوا فى غيبة نبيهم ما هو مثال فى الغباوة والبلادة. وهو العجل . وفى اختيار حرف العطف ( ثم ) المفيد التراخى الرقيى فى جملة ( ثم اتخذتم العجل من بعده) إشعار بأهم انحدروا إلى دركات سحيقة من الجحود والجهل، وأن ماارتكبوه هو من عظائم الأمور فى الفبح والمعصية وحذف المفعول الثانى لاتخذتم وهو ((إلهاً أو معبوداً لشناعة ذكره ولعلهم بأنهم اتخذوه إلهاً . وقوله تعالى: (من بعده) معناه: من بعد مضيه لميقات ربه إلى الطور وغيابه عنهم . وفى ذلك زيادة تشنيع عليهم ، حيث وصفهم - سبحانه - بعدم الوفاء، لأنهم كان من الواجب عليهم -لو كانوا يعقلون - أن يستمروا على توحيد الله فى غيبة نبيهم لاسيما وقد رأوا من المعجزات والنعم، ما يطمئن النفوس، ويقوى الإيمان ويغرس فى القلوب الطاعة لله تعالى . وجملة ( وأنتم ظالمون) حالية مقيدة لاتخذتم، ليكون اتخاذهم العجل. معبوداً، مقروناً بالتعدى والظلم من بدته إلى نهايته ، وللإشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا . وقوله تعالى ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ) معناه ثم تركنا معاجلتكم بالعقوبة، ومحونا ذنوبكم ، لتوبتكم من بعد اتخاذكم العجل معبوداً من دون الله، رجاء أن تشكروا خالقكم على عفوه عنكم وتستعملوا نعمه فيما خلقت له وتتبعوا رسوله (صلى الله عليه وسلم). وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ، ما يدل على غباء بنى إسرائيل وقصر نظرهم ، لأنهم اتخذوا العجل إلهاً بعدأن شاهدوا البراهين على صدق ١٦٥ سورة البقرة . نبيهم ، كما تضمنتا تسلية للرسول (صلى الله عليه وسلم ) عما كان يشاهده من اليهوذ المعاصرين للدعوة الإسلامية ، فكأنه سبحانه يقول: إن ماقام به بنو إسرائيل المعاصرون لك من أذى وحقد قد فعل ما يشبهه آباؤهم الأقدمون مع نبيهم موسى - عليهالسلام - فلقد اخذوا فى غيبته عجلا جسداً له خوار دون أن يفطنوا إلى أنه لا يكلمهم ولا بهديهم سبيلا، اتخذوه وكانوا ظالمين خامساً : نعمة إيتاء موسى التوراة هدايتهم . ثم ذكرهم - سبحانه - بتعمة خامسة فيها صلاح أمورهم، وانتظام شئونهم ألا وهى إعطاء نبيهم موسى - عليه السلام - التوراة، فقال تعالى: وَإِذْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (g). ومعنى الآية الكريمة : أذكروا بابنى إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه السلام - التوراة، وفيها الشرائع والأحكام، لكى تهتدوا بها إلى طريق القلاح والرشاد فى الدنيا، وإلى الفوز بالسعادة فى الآخرة . فالمراد بالكتاب التوراة التى أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للمهد. والفرقان - بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل، أستعير لتمييز الحق من الباطل؛ وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوى المنزل من عند الله كما فى قوله تعالى (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده) (١) كما يطلق على المعجزة كما فى قوله تعالى (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) (٢) أى المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً . والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير. قال ابن جرير ما ملخصه: (وأولى الأقوال بتأويل الآية ماروى عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذى ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى فى هذا الموضع، هو الكتاب الذى فرق به بين الحق والباطل وهو فعت التوراة وصفة لها ، فيكون تأويل الآية حينتد. (١) سورة الفرقان الآية ١ (٢) سورة الأنبياء الآية ٤٩ ١٦٦ الجزء الأول وإذآتينا موسى التوراة التى كتبناها له فى الألواح، وفرقنا بها بين الحق والباطل. فيكون الكتاب اعتاً للتوراة، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها ) (١). وقوله تعالى ( لعلكم تهتدون) بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة؛ لأن إنيان موسى الكتاب والفرقان، المقصود منه هدايتهم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور . ولكن ماذا كان موقف بنى إسرائيل من التوراة التى أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم ؟ كان موقفهم منها - كما هى عادتهم - موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأنيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك، وشبههم فى تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها ، بالحمار الذى يحمل كتب العلم ولكنه لا يدرى ما فيها . فقال تعالى فى سورة الجمعة: ((مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا. بتس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله. والله لا يهدي القوم الظالمين، (٢) . حملوا التوراة : أى علموها وكلفوا العمل بها، ثم لم يحملوها : أى: لم يعملوا بها ولم يفتفعوا بما اشتملت عليه. والأسفار: جمع سفر وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرى .. ومعنى الآية الكريمة : مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدرى مافيها ، ولا يناله من حملها إلا التعب، بنس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التى تشهد بصدق النبى (صلى الله عليه وسلم)، وتذكر صفاته التى لا تنطبق إلا عليه ، وقد جرت سنة الله - تعالى-فى خلقه ألا يهدى إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين، لأنهم استحيوا العمى على الهدى ، وباعوا دينهم بدنياهم . (١) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٢٨٥ طبعة الحلبى. (٢) الآية . ١٦٧ سورة البقرة قال صاحب الكشاف: (شبه اتّه - تعالى - اليهود فى أنهم حملة التوراة وقراؤها، وحفاظ مافيها ثم إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها فعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والبشارة به، ولم يؤمنوا به شبههم - بالحمار يحمل أسفاراً، أى: كتباً كباراً من كتب العلم، فهو يمشى بها ولا يدرى منها إلا مايمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل عن علم ولم يعتل ، فهذا بمثله وبئس المثل، (١). وقال الإمام ابن القيم: ( شبه الله - تعالى - من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير قدير ولانفهم ولا اتباع له ، ولاتحكيم لنصوصه - شبيهه - بجمار على ظهره زاملة أسفار لا يدرى ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التى على ظهره، فهذا المثل ، وإن كان قد ضرب اليهود ، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ، ولم يرعه حق رعايته ) (٢) . ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة ، وجعلها فوراً وهدى لهم، ولكنهم تركوها، ولم يعملوا بما فيها، واستحبوا العمى على الهدى، ((فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين). سادسا: ( نعمه إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم ) : ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليلة، وهى إرشادهم إلى مابه بتخلصون من ذنوبهم، وإخبارهم بقبول توبتهم ، فقال تعالى: (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٧٥ (٢) أعلام الموقعين لابن القيم (نقلا عن تفسير القاسمى)١٦٨ صـ٨٥٠ ١ ١٠٠١٦٨ الجزء الأول وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يُقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَهُمْ أَنْفُسَكُم بِالْخَذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِكُمْ غَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَرِبِكُمْ فَتَبَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّبُ الرَّحِيمُ ﴾ والمعنى: واذكروا يابنى إسرائيل - لتفتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال. موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيداً عنهم: يا قوم! إنكم ظلم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى -. فإذا أردتم التفكير عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم قوبة صادقة نصوحاً، واقتلوا أنفسكم لتقالوا عفو ربكم، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإقامة. على المعصية، ففعلتم ذلك فقبل الله قوبتكم؛ لأنه هو الذى يقبل التوبة. عن عباده على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب ؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن . ينسب إليه ويستقيم على صراطه الواضح. وفى نداء موسى - عليه السلام-لهم بقوله: ((ياقوم، تلطف فى الخطاب .. ليجذب قلوبهم إلى سماعه، وليحملهم على تلقى أوامره بحسن الطاعة ، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه، والشأن فيمن كان كذلك ألا. يكذب عليهم أو يخدعهم، وإنما يريد لهم الخير. والبادىء هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب ، فهو. أخص من الخالق، ولذا قال تعالى: «هو الخالق البارىء المصور». وفى هذا التعبير الحكيم، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارى. الذى أحسن كل شىء خلقه ، وفيه أيضاً تقريع لهم على غباوتهم ، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض ، وعبدوا عجلا ضرب به المثل فى الغباوة فقالوا(( أبلد من ثور، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: لقد ١٦٩ سورة البقرة اتخذتم هذا العجل إلهاً لتشابهكم معه فى البلادة وضيق الأفق. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارى؟ قلت: البارى. هو الذى خلق الخلق بريئاً من التفاوت، (( ما ترى. فى خلق الرحمن من تفاوت، ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذى برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة، أرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقرالتى هى مثل فى الغباوة والبلادة ، حتى عرضوا أنفسهم لسخط. الله وتزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، وشر ما نظم من صورهم. وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة فى ذلك ، وغمطوها بعبادة مالا يقدر على شىء منها، هـ (١) . وقوله تعالى: ((فاقتلوا أنفسكم )، أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة ، وهذا الأمر بلغه موسى. إياهم عن ربه، إذمثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحى لأنه تشريع من. الله - تعالى - . والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عايديه ، فيكون المعنى: ليقتل بعضكم بعضاً، كما فى قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتاً فلوا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة، أى فليسلم بعضكم على بيض وقيل: المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقياً حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقى منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا ، وهذا هو معنى التوبة فى قوله تعالى ,فتاب عليكم)، ومعنى العفو فى قوله تعالى: فى الآية السابقة ((ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون)). وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيراً من الآثار التى تحدثت عن كيفية حصول هذا القتل، من ذلك مارواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ض ١٤٠ ١٧٠ الجزء الأول أنه قال: ((قال تعالى لموسى: إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل فى ذلك الموطن فتاب: أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون ، ما أطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها !. وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله القاتل والمقتول) (١). وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: ((لما أمر بنوإسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم موسى ، فتضاربوابالسيوف، وقطاعنوا بالخاجر وموسى رافع يديه، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم ، فقال له : يا نبى الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه بشدون يديه. فلم يزل أمرهم على ذلك حتى. إذا قبل الله قوبتهم قبض أيدى بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبغو إسرائيل الذى كان من القتل فيهم ، فأوحى الله - جل ثناؤه إلى موسى (( لا تحزن)، أما من قتل فحى عندى برزق، وأما من بقى،! فقد قبلت قوبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل، (٢) . وجملة ((ذلكم خير لكم عند بارئكم، تعليلية، جيء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نييهم - عليه السلام - واسم الإشارة (ذلكم)) يعود إلى التوبة والقتل المفهومين ما تقدم. وقال «عند بارتكم، ولم يقتل عنده، لأن فى هذا التكرير حملا المخاطبين على التفكير والتذكير والطاعة، وإشعاراً لهم بأن عبادة من برأهم وذرأهم وخلقهم فى أحسن تقويم، خبر هم فى دنياهم وأخراهم. وجملة ((فتاب عليكم) جواب الشرط محذوف للإيجاز، أى فامتثلتم ما ما أمرتم به، فقيل البارى توبتكم ، وهى خطاب من الله - تعالى - لبنى إسرائيل على لسان موسى، فيه تذكير بنعمته، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم . وعطعت هذه الجملة (( فتاب عليكم، بالفاء، لإشعارهم بأنه - سبحانه- (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٩٢ (٢) تقصير ان جرير ١٥ ص ٢٨٦ طبية الحلبى ١٧١ سورة البقرة لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعاً بالقتل، بل تداركهم بلطفه ورحمته، فقبل توبتهم ، ورفع عقوبة القتل عمن بقى منهم . وقوله تعالى ((إنه هو التواب الرحيم)) إخبار وثناء على الله - تعالى- بما هو أهله من عفو ورحمة. وأكدها - سبحانه - لتنزيلهم منزلة من يشك فى قبول توبته، لعظم جريمتهم وضخامة خطينتهم وسهم إلى أمد بعيد فى طريق الشيطان . وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله - تعالى - اطف بهم، ورحمهم، وقبل أوبثهم، وعفا عن قتلهم أنفسهم، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم فى توبتهم ، كما تضمنت - أيضاً - تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى بنعم الله عليهم. لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدواهم، وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة الشريعة التى أتى بها محمد (صلى الله عليه وسلم) وإغراء اليهود المعاصرين له بالدخول فى الإسلام لأنه إذا كان آباؤهم لم تقبل قوبتهم إلا بقتفهم أنفسهم فإن شريعة الإسلام تقول لهم: لقد جاءكم النبى الذى رفع عنكم إصركم والأغلال التى كانت على أسلافكم، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون. سابعاً: فعمة بعثهم من بعد موتهم : ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة، وهذه النعمة تتجلى فى بعثهم من بعد موتهم ، فقال تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُؤْمِنَ لَكَ خََّ نَّ اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُ الصَّدْعِقَةُ وَنُمْ نَنْظُرُونَ (َ ثُمَّبَعَنْنَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُونَ (٢٦) جهرة: فى الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدها .. واستمبرت ١٧٢ الجزء الأول للمعاينة لما بينها من الاتحاد فى الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول فى المسموعات والثانى فى المنصرات . والصاعقة : - كما قال ابن جرير - ( كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أضابه، حتى يصير من هو له وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل . صوتاً كان ذلك أو فاراً أو زلزلة أو رجفة، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقاً وهو حى غير ميت، قوله - تعالى -: ((وخر موسى صعقاً)). يعنى مغشياً عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتاً، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال: ( سبحانك تبت إليك .. ) (١). وأصل البعث فى اللغة: إثارة الشىء من محله، وتحريكه بعد سكون ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبر كها للسير، ويستعمل بمعنى الإيقاظ، كما ورد فى قصة أهل الكهف ( فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عدداً. ثم بعثناهم ... ) أى: أيقظناهم . ويستعمل - أيضاً - بمعنى الإحياء. وهو المراد فى الآية التى معنا، بدليل. قوله تعالى: ((من بعد موتكم)). ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم. حدودكم، وتعنتم فى الطلب، فقلتم لنيكم موسى بجفاء وغلظة: لن نؤمن. لك، ولن تقر بما جئتنا به، حتى نرى الله عياناً وعلافية، فيأمرنا بالإيمان بك، وبما جئت به، وأخذتكم العقوبة التى صعقتكم - بسبب جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها بعيونكم , ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم الصاعقة، لكى تشكروا الله على نعمه التى من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم . قال الإمام ابن جرير: ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف آبائهم. وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره. (١) ابن جرير ج ١ ص ٢٩٠ طبعة الحلى. ١٧٣ سورة البقرة ما تثلج بأقلها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس ، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم ، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم - أن يجعل لهم إلهاًغير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون:(ان نؤمن لك حتى نرى الله جهرة). وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: اذهب أنت وربك فقائلا إنا ههنا قاعدون) ومرة يقال لهم: قولوا حطة وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطاياكم )) فيقولون حنطة فى شعيرة، .ويدخلون الباب من قبل أستاهم ، مع غير ذلك من أفعالهم القبحة التى يكثر إحصاؤها، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهر انى مهاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنهم لن يعدوا أن يكونوا فى تكذيبهم محمداً (صلى الله عليه وسلم ) وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم قصصهم فى ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وقوقبهم على نبيه موسى - عليهم السلام - قارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلاته عليهم) (١) .. والقائلون لموسى - عليه السلام - : (لن نؤمن لك حتى ترى الله جهرة) يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب . معه إلى ميقات ربه، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأى. من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس فى قوله تعالى : (فأخذتكم الصاعقة ) أنه قال : هم السبعون الذين اختارهم موسى -فساروا معه . وقالوا: اطلب لناربك لتسمع كلامه. قال: سمعوا كلاما، فقالوا: ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) قال: فسمعوا صوتاً فصعقوا يقول : ماتوا، فذلك قوله: ثم بعثناكم من بعد موتكم) فبعثوا من بعد «وتهم، لأن مونهم ذلك عقوبة لهم ، فبعثوا لبقيه آجالهم). ... وقال ابن كثير: ((الذين قالوا لموسى: (أرنا الله جهرة) المراد بهم .(١) تفسير ابن جرير جـ١ ص ٢٦٨. ١٧٤ الجزء الأول السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواء . وقيل: إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل. بدونَ تحديد لهؤلاء السبعين، فقد روى عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلمانه قال فى تفسير هذه الآية . ((قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح. قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل . فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب اللّه عليهم، فقال لهم موسى: ((إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذى أمركم به، ونهيكم الذى نها كم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك. أنت؟ لا واقه حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابى فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى: ((أن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة))؛ قال: فجاءت غضبة من الله - تعالى-، بجاءتهم صاعقة بعدالتوبة. فصعقتهم فاتوا جميعاً. قال: ثم أحياهم الله من بعد موهم، وقرأ قوله تعالى : ( ثم بعثنا کم من بعد موتكم لعلكم تشكرون). فقال لهم موسى: خذرا كتاب الله، فقالوا لا، فقال: أى شىء أصابكم؟ فقالوا : أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال : خذوا كتاب الله، قالوا لا ،فبعث الله ملائكة فنتقت الجمل فوقهم) (١). قال الإمام ابن كثير: ((وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا. ثم قال: وقد حكى الماوردى فى ذلك قولين : أحدهما: أنهم - قط التكليف. لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق ، والثانى: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف (٢) . وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع. تكليفهم، لأن بنى إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاما من خوارق العادات (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٩٤ (٢) تفسير ابن كثير ص ٩٤ . ١٧٥ سورة البقرة ،وهم مع ذلك مكلفون؛ وهذا واضح، والله أعلم) (١). وقال ابن جرير: «ولا خبر عندنا بصحة شىء ما قاله من ذكرنا قوله فى سبب قيلهم ذلك لموسى، تقوم به حجة، فنسلم لهم، وجائز أن يكون ذلك. بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول. فيه أن يقال: إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له ( يا موسى أن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كما أخبر عنهم أنهم قالو ..... (٢) وفی نداتهم لنبیهم باسمه ، یا موسی» سوء أدب منهم معه، لأنهكان من الواجب عليهم ، أن يقولوا له: يا رسول اللّه أو يا نبى الله، من الصفات التى تشعر بصفات التعظيم والتوقير ، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجرداً . فى كثير من المواطن . ومن أدب الصحابة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنهم كانوا يقولون. له : يا رسول الله، استجابة لأمر الله - تعالى - في قوله: ( لا تجملوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً). وقولهم: ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) دليل على تمردهم وعصيانهم، وفلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم ، وما شاهدوا معجزات، إذ أفهم طلبوا منه أن يروا الله عياناً، فإن لم يروه داخلهم الشك فى صدق نبيهم. وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبى، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية. الحسية ، أغلظ قلوبهم ، وجفاء طباعهم . وقوله تعالى: ( فأخذتكم الصادقة ) إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم. بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب. (١) تفسير ابن كثير ص ٩٤. (٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٩٣ طبعة الحلبى . ١٧٦ الجزء الأول وجملة (وأنتم تنظرون) تفيد أن العقوبة فزات عليهم وهم يشاهدونها وفى مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم ، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان فى حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم فی أن ینالوا ما ليس من حقهم . والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة فى الدنيا ، وأنهم علقوا إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى .. ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة . وجملة ( ثم بعثناكم من بعد موتكم) هى محل النعمة والمنة ، وهى معطوفة على قوله تعالى (فأخذتكم الصاعقة) ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زماناً نتصور فيه المهلة والتأخير . والمرد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى - عليه السلام - استجابة لدعائه . وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للمعهد النبوى، من محاربة الدعوة الإسلامية ، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها؛ وفيها أيضاً تسلية النبى ( صلى الله عليه وسلم ) عما لا قاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم، وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون. ثامناً . فعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم : ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل خممتين، وهما يظليهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى ، فقال تعالى : ١٧٧ سورة البقرة " وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْلْنَا ـع عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُواْ مِن ◌َِّئَتِ مَارَزَقْتَكُمْ وَمَا ظَهُوَ ،وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ ﴾ الغمام : جمع غمامة ، وهى السحابة ، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض . والمن : اسم جنس لا واحد من لفظه، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل . والسلوى: اسم جنس جمعى ، واحدته سلواة ، وهر طائر برى لذيذ اللحم، سهل للعبيد، يسمى بالسمانى، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل حساء ، فيمسكونه قبضاً بدون تعب . وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، كان فى مدة نبيهم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى - ( قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض) . قال السدى: (لما دخل بنو إسرائيل النية، قالوا لموسى - عليه السلام - كيف لنا بماما هنا، أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شحرة الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سميناً ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أناه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله - تعالى - موسى أن يضرب بعصاه الحجر -خضر به فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل الله عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل. فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما أطول الصبيان ولا يتمزق لهم توب، فذلك قوله تعالى: ((وظللنا عليكم الغمام وأزلنا عليكم المن ١٧٨ الجزء الأول. ومعنى الآيةالكريمة : واذكروا يا بنى إسرائيل من بين نعمى عليكم نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم فى التية ليقيكم حر الشمس، وحرارة الجو، ولولاً منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب منكم فى تحصيله هلكتم، وقلنا لكم كلوا من طيبات مارزقنا كم واشكروا الذى رزقكم هذه النعم، ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شىء ، لأن الخلق جميعاً أن. يبلغوا ضرى فيضروفى ولن يبلغوا نفعى فينفعونى. فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى ((وماظلمونه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)). وقوله تعالى((وما ظلمونا، معطوف على محذوف، أى فععوا ولم يقابلوا النعم بالشكر. ويرى البعض أنه لاحاجة إلى التقدير، وأن جملة ((وماظلمونا، معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل. والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة «كانوا، والفعل المضارع ((يظلمون)». يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لاتقول فى ذم إنسان . . كان يى. إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة قلو الأخرى. قال الإمام ابن جرير - رحمه الله - فى تفسير قوله تعالى ((وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) ماملخصه:، هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ماترك منه، وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات مارزقناكم فخالفوا ما أمر ناهم به، وعصواربهم، ثم رسولنا إليهم، وماظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك، وقوله ((وما ظلمونا، أى: ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله - تعالى- لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل ، بل نفسه يظلم الظالم وحظها يبخس العاصى، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل ) (١). (١) تفسير ابن جرير ج١ ص ٩٧ ١٧٩ سورة البقرة وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهى تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ولكن بنى إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه، ولذا أرسل الله عليهم رجزاً من السماء بسبب ظلمهم وفقهم . . . تاسعاً: نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك . .. ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها ومارءوه! حق رعايتها - وهى تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم فى دخول بلدة يجدون فيها الراحة والهناء ، وإرشادهم إلى القول الذى يخلصهم ما استوجبوه من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى : وَ إِذْ قُلْنَا أَدْ خُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُواْ مِنْهَ حَيْثُ شِهُمْ رَغَدًا وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ ◌ُجَّدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيْكُمْ وَسَتَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلُوا قَوْلًا غَيْرُ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَهُواْ رِ جْزَامِنَ اَلَّمَاءُ ◌ِمَاكَانُوا يَفْسُقُونَ ١٩ القرية : هى البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها بيت المقدس على الراجح . والرغد : الواسع من العيش الحنى. ، الذى لا يتعب صاحبه، يقال : أرغد فلان : أصاب واسعاً من العيش الهنى . . الحطة : من حط بمعنى وضع ، وهى مصدر مراد به طلب حط الذنوب قال صاحب الكشاف : ( حطة ) فعلة من الخط كالجلسة. وهى خبر (١) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٣٩٨ طبعة الحلى. ١٨٠ ١ الجزء الأول مبتدأ محذوف، أى مسالتنا حطة، والأصل فيها النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات .. ) (١). والمعنى: اذكروا يابنى إسرائيل - لتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من النيه، وأبحنا لهم أن يأكلوا من خيراتها أكلا هنيئاً ذا سعة وقلنالهم : ادخلوامن بابها راكعين شكراً لله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه - سبحانه- بأن يحط عنكم ذنوبكم، فإن فعلتم ذلك العمل البير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرفا عنكم سيئاتكم ، وزدنا المحسن منهم خيرا جزاء إحسانه، ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوا أوامره، فبدلوا بالقول الذى أمرهم الله به قولا آخر أنوا به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء، فأزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - : (وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون - عليه السلام - وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يُدخلوا الباب (باب البلد) -جداً أى شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وانقاذهم من التيه والضلال)(٢) وقوله تعالى: (( فكلوا منها حيث شئتم رغداً، فيه إشعار بكال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها . حيث أذن لهم فى التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أی مکان شاءوا . وقوله تعالى: ((وأدخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم ، بأيسر الطرق وأسهل السبل، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التى فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم ، ويمحو سيتاتهم . (١) تفسير الكشاف = ١ ٢١٦ (٢) تفسير ابن جرير ج١ صـ٩٨