النص المفهرس

صفحات 121-140

٠١٢١
سورة البقرة.
وهذه الآية الكريمة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر فى ذهن السامع.
الجملة السابقة، إذ الشأن أن يقال عند سماعهم قوله - تعالى -: ((أنبئونى
بأسماء هؤلاء»، مادا كان من الملائكة؟ هل أنبأوا بأسماء المسميات.
المعروضة عليهم؟ فقال - تعالى -: ((قالوا سبحانك لا علم لنا، الخ الآية ..
ولو قال الملائكة : لا علم لنا بأسماء هذه المسميات الكان جوابهم على
قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك.
المسميات المعروضة على أبلغ، وجه فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئاً غير
ما يعلمهم الله، ودخل فى ضمن هذا النفى العام الاعتراف بالقصور عن معرفة
الأسماء المسئول عنها .
ومعنى (( إنك أنت العليم الحكيم، أى: أنت يا ربنا العليم بكل شىء،
الحكيم فى خلقك وأمرك وفى تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة.
فى ذلك ، والعدل التام .
وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة، ليكون وصفه بالعلم متصلا
بنفيهم عن أنفسهم فى قولهم: ((لا علم لنا إلا ما علمتنا)).
وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ماسئلوا:
عنه، وجه - سبحانه - الخطاب إلى آدم، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة بالأسماء
التى سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال - تعالى -:
( قال يا آدم أنيتهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم.
إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وماكنتم تكتمون).
ففى هذه الآية الكريمة أخبرنا الله - تعالى - أنه قد أذن لآدم فى أن يخبر
الملائكة بالأسماء التى فاقتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم ، ويزدادوا طمناناً
إلى أن إسناد الخلافة إليه، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة .
وعلم الغيب يختص به واجب الوجود - سبحانه - لأنه هو الذى يعلم.
المغيبات بذاته ، وأما العلم بشىء من المغيبات الحاصل من تعليم اللّه فلا يقال.
لصاحبه إنه يعلم الغيب .

١٢٢
الجزء الأول
وقوله - تعالى - (( ألم أقل لكم إنى أعلم ... ، الخ الآية، استحضار
.وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك، «إنى أعلم ما لا تعلمون)). وإعادة له على
وجه من التفصيل أفاد أن علبه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما
يضمرونہ فی أنفسهم .
وفى قوله ((ألم أقل لكم ... الخ)) تعريض بمعاقبتهم على ترك الأولى،
حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة ، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب
المناسب لقام الألوهية، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه
من وجوه العلم .
ومن الفوائد التى تؤخذ من هذه الآيات، أن الله - تعالى - قد أظهر
فيها فضل آدم - عليه السلام - من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له ،
فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن العلم
الذى يحصل عن طريق النظر والفكر فد يعتريه الخلل ، وبحوم حوله
الخطأ، فيقع صاحبه فى الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح ، بخلاف
العلم الذى يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعاً، ولا
يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح، وصاحب هذا العلم هو
الذى يصلح للخلافة فى الأرض ، ومن هنا ، كانت السياسة الشرعية أرشد
من كل سياسة، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة
فى الأرض .
وبعد أن بين القرآن فى الآيات السابقة بعض الكرامات التى خص الله بها
آدم، انتقل إلى بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم - عليه السلام - وهى أمره
الملائكة بالسجودله، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس، فقال - تعالى -:

١٢٣
سورة البقرة
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَعْجُدُواْ لَدَمَ
فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ (3)
وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًّا حَيْثُ
شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِنَ ﴾ فَأَنَُّمَا
الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَفِّهٌ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّ وَمَعُ إِلَى حِبٍ (٣٦) فَلَقََّادَمُ مِن
وَّبِّهِ كَلِمَتِ فَبَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّبُ الرَّحِيمُ (8﴾ قُلْنَا أَهْبِطُواْ
مِنْهَا ◌َجِعًاً فَإِنَّا يَأْتِنَّكُ مِّى هُدَّى ◌َنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلا ◌َخَوْفُّ
عَلَيْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَبُرْ بِعَايَئِنَا أُوْلَئِكَ
أَضْتَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
وقوله - تعالى -: ((وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .. ، الخ، معطوف
على قوله - تعالى قبل ذلك ، وإذ قال ربك للملائكة .. )) الخ ، من باب
عطف القصة على القصة، وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغنى عن إعادة
ظرفه، تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها ، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة
فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام .
والسجود : لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره. وخص
فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة .

١٢٤
الجزء الأول
وللمداء فى كيفية السجود الذى أمر الله به الملائكة لآدم أقوال:
أرجحها أن السجود المأمور به فى الآية يحمل على المعنى المعروف فى اللغة ،
أى: أن الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهراً من مظاهر التواضع
والخضوع له تحية وتعظيماً، وإقراراً له بالفضل دون وضع الجبهة على
الأرض الذى هو عبادة ، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه .
وعلى هذا الرأى سار علماء أهل السنة . وقيل: إن السجود كان لله ،
وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له ، وإلى هذا الرأى اتجه
علماء المعتزلة ، وقد قالوا ذلك هرباً من أن تكون الآية الكريمة حجة
عليهم، فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة ، والصالحون من البشر
أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم، وخالفت المعتزلة فى.
ذلك، وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان
/
كالقبلة .
والذى نراه أن ماسار عليه أهل السنة أرجح، لأن ماذهب إليه المعتزلة.
يبعده أن المقام مقام لإظهار فضل آدم على الملائكة، وإظهار فضله عليهم
لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للجود .
وأمر الملائكة بالسجود لآدم هو لون من الابتلاء والاختبار، ليميز
الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم، واقتضته المشيد، والحكمة:
ثم بين - سبحانه - ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال :
( فسحد وا إلا إبليس أبى واستكير وكان من الكافرين ).
إبليس: اسم مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشىء من شدة اليأس،
وفعله أبلس، والراجح أنه اسم أعجمى، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة
وهو كائن حى ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى
النفوس، إذ ليس من المعقول أن يكون كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنهيرى ..
الناس ولا يرونه. قال - تعالى - (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاقرونهم).
وقوله ( أبى واستكبر ) الإباء : الامتناع عن الفعل أنفة مع التمكن

١٢٥
سورة القرة
منه. والاستكبار: التكبر والتماظم والغرور، بمعنى أن يرى الشخص فى
نفسه علواً على غيره ، وهو خلق مذموم .
وکان فى قوله ( وكان من الكافرين) بمعنى صار .
وجاء العطف فى قوله ((فسجدوا ... ) بالفاء المفيدة التعقيب، للإشار
إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد، ولم يصدهم ما كان فى
نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق ، مظهر فساد وسفك دماء
لأنهم ميزهون عن المعاصى .
والعلماء فى كون إبليس من الملائكة أم لا قولان: أحدهما: أنه كان
منهم لأنه - سبحانه - أمرهم بالمجود لآدم ، ولولا أنه كان منهم لما توجـ
إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصياً، وم
:استحق الخزى والنكال .
ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى
يقوم دليل على أنه خارج عنه . وقد اختار هذا الرأى ابن عباس
ـوابن مسعود وجمهور المفسرين .
وقيل إنه ليس منهم لقوله - تعالى - ((إلا إبليس كان من الجن، ففسؤ
عن أمر ربه،، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق
من نار ، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية ولاذرية الملائكة
- وقد اختار هذا القول الحسن وقتادة وغيرهما .
وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال: والصواب التفصيل
فى هذه المسألة، وأن القولين فى الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان ما
الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان من نار وأصل الملائك
من نور، فالنافى كونه من الملائكة. والمثبت لم يتواردا على محل واحد(١)
ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصياناً
إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقوله (أبى واستكبر) على أنه امتنع من الجو.
(١) تفسير القاسمى ج ٢ ص ١٠٤

١٢٦٠
الجزء الأول
أنفة، وتعاظماً، وأردف هذا التعاظم والغرور بأعراضه على الله - تعالى-
فى تفضيل آدم ، فصار بذلك فى فريق الكافرين، ولذا ختمت الآية بقوله
- تعالى - : ((وکان من الكافرین ، ای : مار بجب عصيانه واستکباره من
الكافرين بالله، الجاحدين لنعمه، البعيدين عن رحمته ورضوانه.
وقوله - تعالى - (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة ) معطوف
قوله (وإذ قلنا الملائكة ... الخ) أى: بعد أن أمرنا الملائكة بالسجود
لآدم، قلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة، فهذه تكرمة أكرمه الله بها.
بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاء الملائكة .
وقوله (اسكن) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن على وجه الاستقرار.
والزوج}: يطلق على الرجل والمرأة والمراد به هنا حواء، حيث تقول
العرب للمرأة زوج، ولا تكاد تقول زوجة .
والجنة : هى كل بستان ذى شجر متكاثف، ملتف الأغصان ، يظلل.
ماتحته ويستره ، من الجن ، وهو ستر الشىء عن الحاسة .
وجمهور أهل السنة على أن المراد بها هنا دار الثواب . التى أعدها الله.
للمؤمنين يوم القيامة ، لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق.
ويرى جمهور علماء المعتزلة أن المراد بها هنا بستان بمكان مرتفع من
الأرض ، خلقه الله الإسكان آدم وزوجه، واختلفوا فى مكانه، فقيل
بفلسطين . وقيل بغيرها .
وقد ساق الإمام ابن القيم فى كتابه ( حادى الأرواح ) أدلة الفريقين.
دون أن يرجح شيئاً منها . والأحوط والأسلم: الكف عن تعيينها وعن
القطع به، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدى فى التأويلات، إذا
ليس لهذه المسألة تأثير فى العقيدة .
والمخاطب بالأمر بسكنى الجنة آدم وحواء ، ولكن الأسلوب جاء فى.
صيغة الخطاب لآدم وعطفت عليه زوجه، لأنههو المقصود بالأمر وزوجه
تبع له .

١٢٧
سورة البقرة
ثم بين - سبحانه - أنه قد أباح لهما أن يأكلا من ثمار الجنة أكلا
واسعا فقال :
( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) أى كلا من مطاعم الجنة وثمارها.
أكلا هنيئاً أو واسعاً فى أى مكان من الجنة أردتم .
يقال : رغد عيش القوم أى: اتح وطاب ، وأرغد القوم، أى:
أخصيوا وصاروا فى رزق واسع .
والضمير فى قوله «منها، بعود إلى الجنة، والمراد بالأكل منها: الأكل
من مطاعمها وثمارها ، لأن الجنة تستلزم ثماراً هى المقصودة .. بالأكل.
ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال:
( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) .
القرب : الدنو، والمنهى عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهى.
بالقرب منها إذا قال ((ولا تقربا) القصد منه المبالغة فى النهى عن الأكل،
إذ فى النهى عن القرب من الشىء قطع الوسيلة التلبس به ، كما قال تعالى.
((ولا تقربوا الزنا، فنهى عن القرب من الزنا ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه
وهى القرب منه. وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة.
ظلماً فقال: ((فتكونا من الظالمين)، وقد ظلما أنفسهما إذ أ كلامنها، فقد
ترقب على أكلها منها أن أخرجا من الجنة التى كانا يعيشان فيها عيشة راضية .
وقد تكلم العلماء كثيراً عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هى التينة ،
وقيل: هى السنبلة، وقيل هى الكرم .. الخ. إلا أن القرآن لم يذكر نوعها.
على عادته فى عدم التعرض لذكر مالم يدع المقصود من سوق القصة إلى بيانه.
وقد أحسن الإمام ابن جرير فى التعبير عن هذا المعنى فقال: ((والصواب.
فى ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة.
يعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأى
شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن
ولا من السنة الصحيحة ، وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقيل كانت شجرة.

١٢٨
الجزء الأول
االعنب. وذلك على إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم
يضره جهله به (١) .
ثم بين القرآن بعد ذلك ما وقع فيه آدم من خطأ فقال: (فأزلهما الشيطان
عنها فأخرجهما مما كانا فيه) أى : أذهبهما وأبعدهما عن الجنة بكذبه عليهما
.ومقاسمته أنه لهما من الناصحين.
وأزلمن الإزلالوهو الإزلاق :زل یزل زلاوز الا، أى: زلق فىطین
أو منطق. والاسم الزلة . وأزله غيره واستزله: أى أزلقه. أطلق وأريد
ـيه لازمه وهو الإذهاب .
وقرىء « فأزلهما، أى: نحاهما من الإزالة، تقول أزلت الشىء عن
مكانه إزالة . أى: نحيته وأذهيته عنه .
ثم استعمل هذا اللفظ فى ارتكاب الخطيئة كما استعمل فى خطأ الرأى
مجازاً. والضمير فى قوله ((إعنها، يعود إلى الشجرة، ومعنى أزلهما عن
الشجرة أوقعهما فى الزلة بسببها .
والتعبير بقوله , فأخرجهما ما كانا فيه، أبلغ فى الدلالة على فخامة.
الخيرات التى كانا يتقلبان فيها ما لو قيل: فأخرجهما من النعيم أو من الجنة
لأن من أساليب البلاغة فى الدلالة على عظم الشىء أن يعبر عنه بلفظ مبهم
كماهنا. لكى تذهب نفس السامع فى تصور عظمته وكماله إلى أنصى ما يمكنها
أن تذهب إليه .
ونسبته إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فى قوله «فأخرجهما من قبيل
- نسبة الفعل إلى ما كان سبباً فيه ، وذلك أن أ كلها من الشجرة الذى قرتب
عليه إخراجها من الجنة إنما وقع بسبب وسوسة الشيطان لهما .
وقوله - تعالى - وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو الخطاب فيه لآدم
«وحواء، وإبليس ، وقيل الخطاب لآدم وحواء ونسلها .
والهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل عند الصعود. يقال: هبط يهبط
,(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٥٢١

١٢٩
سورة البقرة
.«ويهيط أى: نزل من على إلى سفل.
والعداوة معناها التناكر والتنافر بالقلوب .
أى: قلنا لآدم وحواء والشيطان انزلوا إلى الأرض متنافرين متباغضين،
يبغى بعضكم على بعض .
وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أن أمر بالسجود له
فأبى وامتنع وقال : أنا خير منه .
وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيدلهم بالوسوسة والإغراء
-وفى هذه الجملة الكريمة إرشاد لآدم وذريته، ونهى لهم عن اتباع خطوات
"الشيطان، لأنه عدو لهم، ومن شأن العدو أنه يسعى لمضرة عدوه .
قال - تعالى -: ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، إنما يدعو حزبه
ائليكونوا من أصحاب السغير)).
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -: ((ولكم فى الأرض مستقر ومتاع
.. إلى حين».
المستقر: موضع الاستقرار والثبات، وهو مقابل القلق والاضطراب،
- والمتاع : اسم لما يستمتع به من مأكل ومشرب وملبس وحياة وأفس وغير
ذلك، مأخوذ من متع النهار متوعاً إذا ارتفع ، ويطلق على الانتفاع
المعتد الوقت .
والحين : الجزء من الزمان غير محدد بحد، والمراد به هنا وقت الموت
أو يوم القيامة.
والمعنى : انزلوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو؛ ولكم فيها منزل
ـوموضع استقرار. وتمتع بالعيش إلى أن يأتيكم الموت .
ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره فى الأرض وتمتعه بنعيمها
حمينتهى فى وقت، لا يدرى متى يدركه، فشأنه أن يفتفع بخيرلتها ويتمتع
سيطيب العيش فيها، وهو مقبيل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر
١٠
(م - ٩ البقرة)

١٣٠
الجزء الأول
لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملذات هذه الحياة
ومظاهر زيتها.
ثم حكى القرآن أن آدم قد بادر بطلب العفو والمغفرة من ربه فقال:
((فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)).
التلقى فى الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل بمعنى أخذ الشىء وقبوله،.
تقول : تلقيت رسالة من فلان . أى : أخذتها منه وقبلتها .
والكلمات : جمع كلمة، وهى اللفظة الموضوعة لمعنى، وأرجح ما قيل
فى تعيين هذه الكمات، ما أشار إليه القرآن فى سورة الأعراف بقوله :
((الا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).
والتوبة فى أصل اللغة معناها: الرجوع ، وإذا عديت بمن كان معناها
الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى - كما فى هذه الآية -
كان معناها قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد
أى : يقبل قوبته .
وجملة ((إنه هو التواب الرحيم، واردة مورد التعليل لقوله: (( فتاب.
علیه ».
والتواب وصف له - تعالى - من تاب، أى: قبل التوبة، وجاء التعبير
بصيغة فعال، للإشعار بأنه كثير القبول للتوبة من عباده، وليدل على أنهـ
يقبل توبة العبد وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه ثم يعود إليه.
بعد التوبة ثم يتوب بعد العودة إليه قوبة صادقة نصوحاً .
وبعد أن أخبر القرآن فى الآيات السابقة أن الله - تعالى - قد أمر آدم.
وحواء وإبليس بالهبوط من الجنة، نراه بعد ذلك قد أعاد خبر الأمر
بالهبوط فقال :
((قلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى.
فلا خوف عليهم ولا م حزنون».

١٣١
سورة البقرة
وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذى يقصد منه مجرد التوكيد ،
١
بل قص الأمر بالهبوط أولا ليعلق عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدواً.
ثم قصه ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من قفصيل
لحال المخاطبين ، وانقسامهم إلى مهتدين وضالين .
والفاء فى قوله « فإما، لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين
وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله ((اهبطوا)).
و((إما، هى إن الشرطية دخلت عليها ((ما) لإفادة التوكيد، ويغلب
على فعل شرطها أن يكون مؤكداً بالنون وأوجب بعضهم ذلك .
والهدى من الله معناه الدلالة على ما هو حق وخير بلسان رسول،
أو بآيات كتاب.
وقد صرح - سبحانه - بأن الهدى صادر منه بقوله: ((متى هدى))
ثم أضافه إلى نفسه بقوله («هداى)) للإيذان بتعظيم أمر الهدى؛ وأنه أحق
بأن يتبع، ويتخذسبيلا لطمأنينة النفسر فى الدنيا، والفوز بالسعادة فى الأخرى.
والخوف : الفزع وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله .
والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب .
ومعنى ((لا خوف عليهم، أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها
فزع، ولا ينتابها ذعر ، كما أن قوله ((ولاهم يحزنون)، ينفى عنهم الاغتمام
لفوات مطلوب أو فقد محبوب .
ونفى الخوف والحزن ورد فى الآية على وجه الإطلاق، وظاهر أن المهتدين
لا يعتربهم الخوف ولا الحزن فى دنياهم ولا فى آخرتهم، ولكن قوله فيما
يقابله من جزاء الكافرين ((أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون،، يرجح
أن يكون المراد :فى الخوف والحزن فى الدار الآخرة .
وافى الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامةإكتابة عن سلامتهم من
العذاب وفوزم بالنعم الخالد فى الجنة، فتمت المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء
الكافرين المشار إليه بقوله - تعالى - :

١٣٢
الجزء الأول
(( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)).
إذ هذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ((فمن تبع هداى)).
الخ، وواردة مورد المقابل له فى تفصيل أحوال من يأتيهم الهدى من الله.
ولم يقل: والذين لم يتبعوا هداى أولئك أصحاب النار .. وإنما قال: ((والذين
كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك.، الخ، وذلك لأن من لم يقبع هدى الله يشمل
من لم تبلغه الدعوة، وغير المكلفين مثل الصبيان وفاقدى العقل، وهؤلاء
ليسوا من أصحاب النار . فظهر أن قوله ((والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ...
جىء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار والمجازاة
بالعذاب الخالد الأليم .
والآيات: جمع آية ، وهى فى الأصل العلامة، وتستعمل فى الطائفة
من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله وتوحيده، من نحو
بدائع مصنوعاته ومظاهر عنايته بالإنسان .
وأضاف - سبحانه - الآيات إلى نفسه فقال (( بآياتنا، ليكون قبح
التكذيب بها أظهر، وأتى بنون العظمة فقال ( بآياتنا) دون أن يقول
«بآياتى، لبعث المهابة فى نفوس السامعين، وذلك أدعى إلى تلقى الوعيد
باهتمام وخشية.
وأصحاب : جمع صاحب مأخوذ من الصحبة ، وهى الاقتران والملازمة،
ودل بقوله ( هم فيها خالدون) على أن صحبتهم للنار دائمة ، وليست من
الصحبة التى تستمر مدة ثم تنقطع .
هذا جانب من قصة آدم كما حكاه القرآن فى هذه السورة، ومن الحكم
التى تؤخذ منها : أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس
راسخ من العلم، وأن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة، وأن روح الشر
الخبيثة إذا طغت على نفس من النفوس. جعلتها لا ترى البراهين الساطعة،
ولا يوجهها إلى الخير وعد ، ولا يردعها عن الشر وعيد .
كما يستفاد منها كيف أن الرئيس يفسح المجال لمرؤسيه المخلصين،

١٣٣
سورة البقرة
يجادلونه فى أمر يريد قضاءه، ولا يزيد عن أن يبين لهم وجهة نظره فى رفق،
وإذا تجاوزوا حدود الأدب اللائق به راعی فی عتابهم ما عرفه فيهم من
سلامة القلب ، وتلقى أوامره بحسن الطاعة .
كما يؤخذ منها أن المتقلب فى نعمة يجب أن يحافظ عليها بشكر الله،
ولا يعمل عملا فيه مخالفة لأوامر الله؛ لأن مخالفة أوامر الله، كثيراً ما
تؤدى إلى زوال تلك النعمة ، ومن أراد أن تزداد النعم بين يديه ، فعليه أن
يلتزم طاعة الله وشكره .
وقال بعض العلماء: ((وقد يتبادر إلى الذهن أن آدم قد ارة كب مانهى
عنه، ارتكاب من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، مع أنه
من الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من مخالفة أوامر الله.
والجواب عن ذلك أن آدم تعمد الأكل من الشجرة، ناسياً النهى عن
الأكل منها، وفعل المنهى عنه على وجه النسيان لا يعد من قبيل المعاصى التى
يرتكبها الشخص وهو متذكر أنه يرتكب محرماً، إذ أن ارتكاب المحرم
عن علم وتذكر هو الذى يجعل مرتكبه مستحقاً للعقاب، والأنبياء.
معصومون من ذلك .
وإذا عاتب اللّه بعض الأخيار من عباده عل ما صدر منهم على وجه
النسيان ، فلأن علمهم بالنهى يدعوهم إلى أن يقع النهى من نفوسهم موقع
الاهتمام ، بحيث يستفظعون مخالفته استفظاعاً يملأ نفوسهم بالنفور منها،
ويجعلهم على حذر من الوقوع فى بلائمها .
فالذى وقع من آدم - عليه السلام - هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم
فى استحضار النهى وجعله نصب عينيه حتى أدركه النسيان ، ففعل مانى
عنه غير متعمد للمخالفة ، قال - تعالى - :
(((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزماً،.

١٣٤
الجزء الأول
هذا ، وبعد أن ذكر القرآن الكريم الناس جميعاً بنعم الله عليهم ،
ليحملهم بذلك على إخلاص العبادة له ، وتصديق رسوله - صلى الله عليه
وسلم - فيما جاء به، ومن بين هذه النعم خلق آدم وإظهار فضله على الملائكة،
بعد كل ذلك اتجه إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنى
- صلى الله عليه وسلم - وهم بنو إسرائيل، استمالة لقلوبهم نحو الإيمان
بالله، وكسرا لعنادهم ولجاجتهم، فقال - تعالى -:
يَّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ
◌ِمَتِىَ الَّ أَنْعَمْتُ عَبْكُمْ وَأَوْ فُوا بِعَهْدِىّ أَوْفٍ بِعَهْدِكُمْ وَإِّىَ
. فَارْ هُنٍ ﴾ وَلِنُواْبِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا
أَوَّلَ كَاِبِهِهَ وَلَ تَشْتَرُواْبِعَايَتِى تَّنّا قَلِلًا وَ إَنَ فَاتَّقُونِ (ج) وَلَا
تُكِسُواْ الْحَقِّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقِّ وَأَنتُمْ تَعَلَمُونَ () وَأَقِيمُوا
◌َّلوَةَ وَءَاتُوْ اَلَّكَوَةَ وَأَرْكُوْ مَعَ الَّكِمِينَ
٤٣
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إن اهيم - عليهم السلام - وفى
١
إضافتهم إلى أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم ، وحث لهم على الامتثال
لأوامر الله ونواهيه، فكأنه قيل: يا بنى العبد الصالح، والنبى الكريم،
(كونوا مثل أبيكم فى الطاعة والعبادة.
ويستعمل مثل هذا التعبير فى مقام الترغيب والترهيب ، بناء على أن
الحسنة فى نفسها حسنة وهى من بيت النبوة أحسن، والسيئة فى نفسها -بئة
وهى من بيت النبوة أسوأ، ففي هذا النداء . خير داع لذوى الفطر السليمة
منهم إلى الإقبال على مايرد بعده من التذكير بالنعمة، واستعمالهافيها خلقت له.
ومعنى ( أذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم) تنبهوا بعقولكم وقلوبكم

١٢٥
سورة البقرة
لتلك المنافع التى أنتكم على سبيل الإحسان منى، وقوموا بحقوقها وأكثروا
من الحديث عنها بالسفتكم، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها .
والمراد بالنعمة: المنعم بها عليهم، وتجمع على نعم ، وقد وردت فى
القرآن الكريم بمعنى الجمع كما فى قوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها ) فإن لفظ العدد والإحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة: النعم
الكثيرة . ويبدو أن المراد بالنعمة فى الآية التى معنا كذلك النعم المتعددة
حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة ، وعلماء البيان يعدون
استعمال المفرد فى معنى الجمع - اعتماداً على القرينة - من أبلغ الأساليب
الكلامية .
ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه، فقال تعالى: ((وأوفوا
بعهدى أوف بعهد كم، العهد مامن شأنه أن يراعى ويحفظ، كالمين والوصية
وغيرهما، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً، يقال: أوفيت بعهدى ،
أى بما عاهدت غيرى عليه، وأوفيت بعهدك ، أى بما عاهدتك عليه ،
وعبد الله: أوامره ونواهيه، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به، واجتناب.
ما نهى عنه ؛ ويندرج فيه كل ما أخذ على بنى إسرائيل فى التوراة ، من
اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - متى بعث، والإيمان بما جاء به من
عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه.
والمعنى: وأوقوا بما عاهد تمونى عليه من الإيمان بى، والطاعة لى،
والتصديق برسلى، أوفى بما عامدتكم عليه من التمكين فى الأرض فى
الدنيا والسعادة فى الآخرة .
ثم أمرهم - سبحانه - بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده ،
فقال - تعالى -: ((وإياى فارهبون، أى: خافونى ولاتخافوا سواى،
وليكن قلوبكم عامرة بخشيتى وحدى، فإن ذلك بعينكم على طاعتى،
ويبعدكم عن معصيتى.
وحذف متعلق الرهبة العموم، أى ارهبونى فى جميع ما تأتون،،

١٣٦
الجزء الأول
وما قذرون ، حتى لا أنزل بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ ..
وغيره، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً.
وبعد أن أمر الله - عز وجل - بنى إسرائيل، أن يوفوا بعهده عموماً"
أقبع ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفى التعبير عنه
بذلك تعظيم لشأنه ، وتفخيم لأمره ، وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن
يؤمنوا به مع إندراجه فى قوله - تعالى - ( وأوفوا بعهدى ) الإشارة ..
إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به .
والمرادد بما معهم، التوراة، والتعبيرعنها بذلك للإشعار بعلمهم بتصديقه.
لها . والمعنى: آمنوا يا بنى إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد - صلى الله عليه
وسلم - وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوراة، ومن مظاهر هذا التصديق.
اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها، من الأمر بتوحيد الله - تعالى - والحث.
على التمسك بالفضائل ، والبعد عن الرذائل ، وإخباره بما جاء به من
الإشارة إلى بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم -، ومطابقة ما وصفه به مطابقة
واضحة جلية وموافقته لها فى أصول الدين الكلية ، وهيمنته عليها، ولذا قال ..
- عليه الصلاة والسلام -: ((لو كان موسى حياً ماوسعه إلا اقباعى)) (١).
وفى إخبار بنى إسرائيل بأن القرآن الكريممصدق لما معهم، إثارة لحممهم
لو كانوا يعقلون - للإقبال عليه، متدبرين آياته، حتى تستقن نفوسهم،
أنه دعوة الحق والإصلاح المؤدية إلى السعادة فى الدنيا والآخرة وحتى.
تطمئن قلوبهم إلى أن الإيمان به معناه الإيمان بما معهم، والكفر به، كفر
بما بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - صلى الله ..
عليه وسلم - المنزل عليه القرآن الكريم.
قال الإمام الرازى: ( وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبى ..
أ
- صلى الله عليه وسلم - من وجهين :
أولهما : أن الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها لا تكون إلا حقاً.
(١) رواه الإمام أحمد فى مسنده عن جابر بن عبدالله - رضى الله عنهما ..

١٣٧
سورة البقرة
وثانيهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد أخبرم عما فی کتبهم بدون ..
معرفة سابقة لها، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحى) (١).
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإيمان الخالص، عرض بهم لتكذيبهم ..
وجحوهم، فقال - تعالى -: ((ولا تكونوا أول كافربه)) أى: لا تكونوا
أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم ، فيقتدى بكم أناس آخرون
وبهذا تصيرون أئمة الكفرمع أن من الواجب عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان
به لأنكم أدرى الناس بأنه من عند الله، وأكثرهم علماً بأنه الرسول الذى ..
نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق الأمين فما يبلغه عن ربه .
والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تبكيتهم على مسارعتهم فى الكفر ،
واستعظام وقوع الججود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل .
قال الإمام الرازى : ( هذه الجملة خطاب لبنى إسرائيل قبل غيرهم ،
فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لا تكفروا بمحمد ، فإنه سيكون بعد كم.
كفرة، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأوليةموجبة لمزيد الإثم، وذلك ..
لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا ، فإن اقتدى ..
بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد
بهم غيرهم ، اجتمع عليهم أمران: السبق إلى الكفر؛ والتفرد به و کلاهما:
منقصة عظيمة ، وتؤدى إلى العاقبة الوبيلة ) (٢) .
ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بدنياهم، فقال - تعالى -: ((ولا تشتروا
بآياتى ثمناً قليلا،. والاشتراء هنا استعادة للاستبدال، والذى استبدل به.
الثمن القليل هو الإيمان بالآيات، والمراد بالآيات: البراهين المؤيدة لصدق.
النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى مقدمتها القرآن الكريم والتوراة.
والمراد بالمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من يحو الرياسة والمال.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٤٣٠
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤٣٢ بتصرف وتلخيص.

١٣٨
الجزء الأول
والجاء ، وما إلى ذلك من الأمور التى خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول
- صلى الله عليه وسلم - .
والمعنى: لا تستبدلوا بالإيمان بما أنزات مصدقاً لمامعكم شيئاً من حطام الدنيا،
ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأمرال، فإنها مهما كثرت فهى قليلة
مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية فى الدنيا،
و غيرات حسان فى الأخرى .
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو
من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات ، إذ لا يكون إلا قليلا وإن
بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - عز وجل - .
ونزل تمكينهم من الإيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل ،
فكان الإيمان كان فى حوزتهم، ولكنهم خلهوه وفبذوه، مستبد لين الذى
هو أدنى بالذي هو خير ؛ فيا وا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن
الكريم وبتوراتهم التى بشرت بالرسول - عليه الصلاة والسلام - .
ثم حذرهم - سبحانه - من التمادى فى الكفر بما أنزل، مصدقاًلما معهم،
فقال - تعالى - ((وإياى فانقون، الاتقاء معناه الحذر، يقال: فلان انقى الله
أى حذر عقابه وبطشه، والحذر من عقاب الله، يستلزم امتثال أوامره،
واجتناب نواهيه، فمعنى «وإياى فانقون، آمنوابى، واتبعوا الحق وأعرضوا
عن الباطل .
وبعد أن نهى القرآن الكريم بنى إسرائيل عن الكفر والضلال، عقب
ذلك بنهيهم عن أن يعملوا لإضلال غيرهم، فقال - تعالى -: ((ولا تلبسوا
الحق بالباطل، وتكتموا الحق وأنتم (تعلمون)).
اللبس - بفتح اللام -الخلط، وفعله: ليس، من باب: ضرب تقول:
ليست عليه الأمر، أليسه إذا مزجت بينه بمشكله، وحقه بباله .
ولدعاة الضلالة طريقتان فى إغواء الناس :
إحداهما: طريقة خلط الحق بالباطل حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر

١٣٩
سورة البقرة
وهى المشار إليها بقوله تعالى: ((ولا قلبسوا الحق بالباطل)».
والثانية: طريقة جحد الحق وإخفائه حتى لا يظهر، وهى المشار إليها
بقوله تعالى: ((وتكتموا الحق)).
وقد استعمل بنو إسرائيل الطريقتين لصرف الناس عن الإسلام، فقد
كان بعضهم يؤول نصوص كتبهم الدالة على صدق النبى - حدد -
تأويلا فاسداً ، يخلطون فيه الحق بالباطل، ليوهموا العامة أنه ليس هو الغبى
المنتظر، وكان بعضهم يلقى حول الحق الظاهر شبهاً، ليوقع ضعفاء الإيمان
فى حيرة وتردد، وكان بعضهم يخفى أو بحذف النصوص الدالة على مدق
النبى - عَ الله-، والتى لاتوافق أهواءهم وشهواتهم، فنهاهم الله
- تعالى - عن هذه التصرفات الخبيثة.
والمعنى : لا تخلطوا الحق الواضح الذى نطقت به الكتب السماوية،
وأيدته العقول السليمة، بالباطل الذى تخترعونه من عند أنفسكم ، إرضاء
لأهوائكم، ولا تكتموا الحق الذى تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم، بغية
.انصراف الناس عنه ((لأن من جهل شيئاً عاداه))، فالنهى الأول عن التغيير
والخلط ، والنهى الثانى عن الكتمان والإخفاء .
وقوله تعالى: ((وأنتم تعلمون)) جملة حالية، أى وأنتم من ذوى العلم،
ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق ، أو يلبسه بالباطل ، وإذا كان
هذا الفعل - وهو ليس الحق بالباطل، أو كتمانه وإظهار الباطل وحده -
يعد من كبائر الذنوب، فإن وقعه يكون أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم
متى صدر من عالم فاهم ، يميز بين الحق والباطل .
ففى هذه الجملة الكريمة بيان لحال بنى إسرائيل، المخاطبين بهذا النهى،
وقبكيت لهم، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار
على سلوك هذا الطريق المعوج .
قال أبو حيان فى البحر: ((وهذه الحال، وإن كان ظاهرها إنها قيد فى
النهى عن اللبس والكتم ، فلا تدل بمفهومها على جواز البس والكتم حالة

١٤٠
الجزء الأول
الجهل، إذ الجاهل بحال الشىء لا يدرى كونه حقاً أو باطلا، وإنما فائدتها
بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلمبها، أفحش من الإقدام.
عليها مع الجهل . (١).
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بأصل الدين الذى هو الإيمان به وبرسوله
محمد (صلى الله عليه وسلم) أردفه بر كنين من أركانه العملية ، إذا قاموا بهما.
لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله وحده، فقال تعالى:
((( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، والمراد بإقامة الصلاة،
أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها.
لمستحقيها كاملة غير منقوصة .
والمعنى: عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة، التى هى.
أعظم العبادات البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التى هى أعظم العبادات المالية،
وأن تخضعوا لما يلزمكم فى دين الله - تعالى - لأن فى محافظتكم على هذه.
العبادات تطهيراً لقلوبكم، وتأليفاً لنفوسكم، وتزكية لمشاعركم، ولأنكم
إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله - تعالى - فسيلحقكم الخزى فى الدنيا،
والعذاب فى الأخرى .
هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان.
ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ ، بما قاله أبو حيان فى
تفسيره ، فقد قال - رحمه الله - :
(( وفى هذه الجمل - وإن كانت معطوفات بالواو التى لا تقتضى فى الوضع.
رقيباً - ترتيب عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه ..
تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التى أنعمها عليهم، إذ فى ذلك ما يدعو إلى
محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذى التزموه للمنعم،
(١) تفسير (البحر المحيط، لأبي حيان ج ١ ص ١٨٠، مطبعة السعادة.
سنة ١٣٢٧ ٠٥
٤