النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
٤٠ سورة البقرة
وقد جرد لهم النبى - بَّ الله - الحجة أولا، والسيف آخراً فلم
يعارضوا إلا السيف وحده، وما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعملمهم
أنهم أعجز من المعارضة، وبذلك يظهر أن فى قوله - تعالى - (ولن تفعلوا)
معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا ....
وحيث عجز عرب ذلك العصر فما سواهم أعجز فى هذا الأمر ....
فدل على أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق القوى والقدر،
أنزله تصديقاً لرسوله، وتحقيقاً لمقوله (١).
وبعد أن ذكر القرآن الكفار ومآ لهم، عطف على ذلك ذكر المؤمنين
وما يفوزون به من نعم فى حياتهم الباقية ، كما هى سنة القرآن فى الجمع بين
الترغيب والترهيب والوعد والوعيد فقال - تعالى - :
وَبَشِيرِ الَّذِينَءَ امُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ أَنَّلَهُمْ
جَّتِ تَجْرِى مِنْ تَِّهَا الْأَنْهَرَّ كُلّمَاء ◌ُبِقُواْ مِنْهَا مِنْ تَرَةٍ رِزْقًاٌ قَالُوا
هَذَا الَّذِ رُزِقْنَا مِن قَبْلُّ وَأُوْبِهِ، مُتَتَئِّ وَهُمْ فِهَا أَزْوَّْ
تُعَةٌ وَهُمْ فِيَا خَدُونَ
٢٥
البشارة: الخبر السار فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن أثره
يظهر على البشرة وهى ظاهر جلد الإنسان، والمأمور بالتبشير هو النبى -
صلى الله عليه وسلم - أو كل من يتأتى منه تفخيماً لأمره، وتعظيماً لشأنه.
والصالحات : جمع صالحة وهى الفعلة الحسنة ، وهى من الصفات التى
جرت مجرى الأسماء فى إيلائها العوامل.
(١) تفسير القاسمى ج ٢ ص ٠٧٧

١٠٢
الجزء الأول
والجنات : جمع جنة، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف
الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره ، من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة،
ثم صارت الجنة اسماً شرعياً لدار النعيم فى الآخرة ، وهى سبع درجات:
جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة النعيم، ودار الخلد ، وجنة المأوى،
: ودار السلام، وعليون ... وتتفاوت منازل المؤمنين فى كل درجة بتفاوت
الأعمال الصالحة .
والأنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح - وهو الأخدود
الذى يجرى فيه الماء على الأرض، وهو مشتق من مادة نهر الدالة على الانشقاق
والاتساع، ويكون كبيراً أو صغيراً.
وأسند إليه الجرى فى الآية مع أن الذى يجرى فى الحقيقة هو الماء،
أخذاً بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل إلى مكانه، توسعاً فى
أساليب البيان .
وقوله (( من تحتها)، وارد على طريقة الإيجاز بحذف كلمة « أشجار،
اعتماداً على تبادرها إلى الذهن، والمعنى: تجرى من تحت أشجارها الأنهار.
ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المؤمنين الصالحين فقال :
( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذى رزقنا من قبل).
أى: إن سكان الجنة كلما رزقوا فى الجنة ثمرة من ثمراتها، وجدوها
مثل الذى رزقوه فيها من قبل ، فى بلوغه الغاية من حسن المنظر ولذة الطعم
وفى هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة فى حسن منظرها ، ولذة طعمه
بحيث لا تفضل ثمرة فى ذلك على أخرى ، فجميع ثمرها بسر له القلب
ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم.
ثم قال - تعالى - (وأتوا به متشابهاً) أى: يشبه بعضه بعضاً فى الصور
والرائحة ، ويختلف فى اللذة والطعم ، أو فى المزية والحسن ، وعن ابن عباس
, لی فی الدنیا مما فى الجنة إلا الأسامی»؛ وهذه الجملة مؤ کدة لما قبلها (
معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله فى حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا يفضل

١٠٣
سورة البقرة
حقيها ثمر على آخر؛ بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت فى مناظره حسناً، وفى
طعومه لذة .
ويرى بعض العلماء حمل قوله - تعالى - ((قالوا هذا الذى رزقنا من قبل))
على تقدير: من قبل دخول الجنة، أى هذا الذى رزقناء فى الدنيا، وإلى هذا
:الرأى مال صاحب الكشاف فقد فقال: ((فإن قلت: كيف قيل .. هذا
الذى رزقنا من قبل)»؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم فى الجنة هى ذات
: الذى رزقوه فى الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذى رزقناه من قبل وشيه،
ببدليل قوله ((وأقوا به متشابهاً، فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى قوله:
((وأقوا به، ؟ قلت: إلى المرزوق فى الدنيا والآخرة جميعاً، لأن قوله وهذا
الذی رزقنا من قبل ، انطوی تحته ذکر ما رزقوه فی الدارین. فإن قلت لأى.
غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة؟ قلت: لأن الإنسان بالمألوف آنس؛ وإلى
«المعهود أميل، وإذا رأى مالم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسة (١)».
ثم قال - تعالى - ( ولهم فيها أزواج مطهره وهم فيها خالدون).
الأزواج: جمع زوج وهى المرأه يختص بها الرجل، والضمير فى ((فيها).
يعود إلى الجنات .
والمعنى: أن لهؤلاء المؤمنين نساء مختصات بهم، مطهرات غاية التطهير
-من كل دنس وقذر، حسى ومعنوى، لا كنساء الدنيا، وهم فى هذه الجنات
باقون على الدوام، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم، أما
إذا كان محتملا للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال، إذ سيتذكر أنه
سيفقده فى يوم من الأيام، جملة ((وهم فيها خالدون، جى بها على سيل
الاحتراس من وهم الانقطاع.
1
وبعد هذا البيان الجامع عن أحوال المهتدين بهديه أو الناكبين عن
(١) تفسير الكشاف = ١ ص ٠١٠٨

١٠٤
الجزء الأول
صراطه، وما تخلل ذلك من المواعظ النافعة، والتمثيلات الرائعة، والبشارات ..
الطيبة لمن آمن وعمل صالحاً، بعد كل ذلك بين - سبحانه - أنه لا يعبأ أن
يضرب مثلاً بشىء حقير أو غير حقير، فقال - تعالى:
١
إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيٌ أَنْ يَضْرِبَ
"مَثَلَّ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ فَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْخَىُّ مِنْ.
◌َّيِّهِمْ وَأَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُهَا مَثَلاَ يُضِلُّ
◌ِّ كَثِيراً وَ يَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِل ◌ِةِ إِلَّ الْغَسِقِينَ (﴾ الَّذِنَّ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِّ
أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ أَه
روى الواحدى فى أسباب النزول عن ابن عباس أن الله - تعالى - لا
أنزل قوله - تعالى - (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو
اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وقوله -تعالى- (مثل
الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً).
لما نزل ذلك قال المشركون: أرأيتم أى شىء يصنع بهذا ؟! فأنزل الله
( إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها .. ).
د. وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت فى كتابه
وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا: ما يشبه أن يكون هذا من كلام اللّه!
فأنزل الله هذه الآية ((إن الله لا يستحيى)) .. الخ.
وقال السدى : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعنى قوله تعالى:

١٠٥
سورة البقرة .
( مثلهم كمثل الذى استوقد ناراً .. ) وقوله تعالى: ( أو كصيب من السماء).
قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله
هذه الآية .
ويبدو أن الآية الكريمة قد نزلت للرد على جميع تلك الفرق.
الضالة ، فقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول الآية الواحدة.
أو للطائفة من الآيات .
والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم
واستأجر واستجاب. وهو فى أصل اللغة انقباض النفس وانكسارها من.
خوف ما يعاب به ويذم . وهذا المعنى غير لائق بجلال الله ، أذا ذهب
جمع من المفسرين إلى تأويله بإرادة لازمه، وهو ترك ضرب الأمثال بها.
والمعنى . إن الله لا يترك أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، وإطلاق
الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كفرك الفعل ، مألوف فى الكلام.
البليغ حيث يكون المراد واضحاً .
ومذهب السلف : إمرار هذا وأمثاله على ما ورد ، وتفويض علم كنهه
وكيفيته إلى الله - تعالى - مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من
صفات المحدثات .
أى: ليس الحياء بمافع لله - تعالى - من ضرب الأمثال بهذه المخلوقات.
الحقيرة الصغيرة فى نظركم ؛ كالبعوض والذباب والعنكبوت ، فإن فيها.
من دلائل القدرة، وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، ويشهد بحكمة الخالق
والمثل فى اللغة: الشبيه. وهو فى عرف القرآن: الكلام البليغ المشتمل
على تشبيه بديع ، كالمثلين السابقين اللذين ضربهما الله فى حال المنافقين ؛
أو وصف غريب نحو قوله تعالى :
( يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله
لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له؛ وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه
منه ) .

١٠٦
الجزء الأول
وضرب المثل: إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة ما يحدث عنه
من التأثير فى نفس السامع .
و ( ما) فى قوله (مثلاما) هى ما الإبهامية ، تجى- بعد النكرة فتزيدها.
شيوعاً وعموماً ، كقولك: أعطنى كتاباً ما، تزيد أى كتاب كان .
والبعوضة واحدة البعوض وهى حشرة صغيرة تطلق على الناموس
وهی بدل أو بيان من قوله ( مثلا ).
وقوله ( فيما فوقها ) عطف على بعوضة ، والمراد فمافوقها فى الحجم
كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار ، أو فما فوقها فى المعنى الذى وقع
التمثيل فيه، وهو الصغر والحقارة كجناحها أر كالذرة .
قال صاحب الكشاف : سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة
.والسفها- وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات
من الأشياء مضروباً بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من
جهة أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض
المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد .. وأن لله - تعالى -أن يتمثل الأنداد
وحقارة شأنها بما لا شىء أصغر منه وأقل ، كالو تمثل بالجزء الذى لا يتجزأ
أو بما لا يدركه لتناهيه فى صغره إلا هو وحده .. وقوله (فيما فوقها) فيه
معنيان : أحدهما : فيما تجاوزها وزاد عليها فى المعنى الذى ضربت فيه مثلا
وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم، هو
قوق ذلك ، تريد هو أعرق فيما وصف من السفالة والنذالة، والثانى: فيما زاد
عليها فى الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب.
والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة (١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقف الناس أمام هذه الأمثال فقال:
((فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم)).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١١١ وما بعدها.

١٠٧
سورة البقرة
أما حرف مفيد للشرط والتفصيل والتأكيد ، أما الشرط فلوقوع الفاء
. فى جوابها ، وأما التفصيل فلوقوعها بعد مجمل مذ كور أو مقدر، وأما التأكيد
.فلأنك إذا قلت : زيد ذاهب ، ثم قصدت تأكيد ذلك وإفادة أن ذهابه
واقع لا محالة قات : أما زيد فذاهب.
والضمير فى قوله ( أنه ) يعود على المثل ، أو على ضربه المفهوم من قوله
.( أن يضرب مثلا).
والحق : خلاف الباطل، وهو الثابت الذى لا يسوغ إنكاره.
ووجه كون المثل أو ضربه حقاً ، أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل ،
فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها .
ووجه تفصيل الناس فى هذه الآية إلى قسمين ، أنهم بالنسبة إلى التشريع
... والتنزيل كذلك، فهم مؤمن أو كافر .
والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم، وتيئيس
الذين أرادوا تشكيكهم بيان أن إيمانهم يحول بينهم وبين الشك.
وعبر فى جانب المؤمنين بيعلمون تعريضاً بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا
عناداً ومكابرة ، وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز .
وقال ((أنه الحق»، معرفاً بأل، ولم يقل: أنه حق للمبالغة فى حقيقة المثل.
ومن المعروف فى علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفاً بأل، للدلالة
على أن المخبر عنه بالغ فى الوصف الذى أخبر به عنه مرتبة الكمال .
وقوله ((من ربهم، حال من الحق، ومن ابتدائية، أى: إن هذا الكلام
وارد من الله، لاكما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب ، فهو مؤذن
بأنه من كلام الخالق الذى لا يقع منه الخطأ .
ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذه الأمثال عندما تتلى
عليهم فقال :
وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أرادات بهذا مثلا».

١٠٨٪
الجزء الأول
كلمة ( ماذا) مركبة من ما الاستفهامية وذا اسم الإشارة، غير أن العرب.
قوسعوا فيها فاستعملوها اسم استفهام مركباً من كلمتين، وذلك حيث يكون
المشار اليه معبراً عنه بلفظ آخر غير الإشارة، حتى تصير الإشارة اليه مع
التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد نحو : ماذا التوانى ؟ أو حيث لا يكون
الإشارة موقع كقوله تعالى (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) وقد
يتوسعون فيها توسعاً أقوى فيجعلوزذا اسم موصول، وذلك حين يكون.
المسئول عنه معروفاللمخاطب بشىء من أحواله ، فلذلك يجرون عليه جملة
أونحوها هى صلة ويجعلون ذا موصولا نحو ( ماذا أنزل ربكم ) ونحو
( ماذا أراد الله بهذا مثلا)، أى: ما الذى أراده الله بهذا المثل.
والإرادة فى أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل، وإذا أسندت إلى الله
دلت على صفة له تتعلق بالممكنات ، فيترجح بها أحد وجهى المقدور، وقد
كان جائز الوقوع وعدم الوقوع .
وقوله ((مثلا)) واقع موقع التمييز لاسم الإشارة , هذا، كقولك لمن
أجاب بجواب غير مقبول: ماذا أردت هذا جواباً ؟
والاستفهام الذى حكاء القرآن على ألسنة هؤلاء الكافرين، المقصود
به الإنكار والتحقير لهذه الأمثال، ولأن يكون الله - تعالى- قدضربهاللناس.
والمعنى: فأما المؤمنون الذين من عادتهم الإنصاف، والنظر فى الأمور
بنظر العقل واليقين، فإنهم إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل عدوا أنه الحق الذى
لاتمر الشبهة باحته، وأما الكافرون فإنهم لا تعطماس بصيرتهم ، وتغلب
الأحقاد على قلوبهم فإنهم إذا محعوا ذلك عاندوا وکابروا و قابلوه بالا فكار
ثم ساق - سبحانه - جملتين بين فيهما الحكمة من ضرب الأمثال
فقال: (( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا)).
فقد دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقاً، ما يزداد به
المؤمنون رشداً على رشدم ، وأن أفكاره ضلال يزداد به الكافرون
تخبطاً فى ظلمات جهاهم .

١٠٩
سورة البقرة
ووصف كلا من فريقى المؤمنين والمنكرين له بالكثرة مع أن المهديين
وصفوا بالقلة كثيرا كما فى قوله (( وقليل من عادى الشكور»، وذلك لأز
أهل الهدى كثيرون فى أنفسهم، وإذا وصفوا بالقلة فبالقياس إلى أهل الضلال
وأيضاً فإن القليل من أهل الهدى كثير فى الحقيقة، وإن قلوا فى الصورة :
فوصفوا بالكثرة ذهاباً إلى هذه الحقيقة.
وقدم الإضلال على الهداية ، ليكون أول ما يقرع أسماع المبطلين عن
الجواب أمراً فظيماً يسوءهم ويفت فى أعضاديم.
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - ((وما يضل به إلا الفاسقين)).
الفاسقون: جمع فاسق، من الفسق، وهو فى أصل اللغة: الخروج.
يقال: فسقت الرطبة من قشرها. أى: خرجت منه، وشرعاً: الخروج
عن طاعة الله، فيشمل الخروج من حدود الإيمان، وهو الكفر ، ثم مادوز
الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص فى العرف بارتكاب
الكبيرة ، ولم يسمع الفسق فى كلام الجاهلية، بمعنى الخروج عن الطاعة
فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية .
وقصر الإضلال بالثل على الفاسقين ، إيذان بأن الفسق هو الذى
أعدهم لأن يضلوا به ، حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبير
فيه حتى أنكروه وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا .
ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء الفاسقين بثلاث خصال ذميمة فقال:
فى بيان الخصلة الأولى: ((الذين ينقضون عهد الله من بعد مينافة)).
والنقض: فى اللغة حقيقة فى فسخ وحل ماركب ووصل، بفغل
يعاكس الفعل الذى كان به التركيب . وقد استعمل إهنا مجازاً فى إبطال
العهد بقرينة إضافته إلى عهد الله.
وعبر عن إبطال العهد بالنقض ، لأنه أبلغ فى الدلالة على الإبطال من
القطع والصرم ونحوهما ، لأن فى النقض إفساداً لهيئة الحبل ، وزوال رجاء
عودها وأما القطع فهو تجزئة .

١١٠
١
الجزء الأول
والعهد : اسم للموثق الذى يلزم مراعاته وحفظه، يقال: عهد اليه فى.
كذا، إذا أوصاه به ووثقه عليه .
وعهد الله: قاره يكون بما ركز فى المقول من الحجة على التوحيد،.
وقارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله - صلوات الله عليهم -
وقارة بما يلتزمه المؤمن. وليس بلازم له فى أصل الشرع مما ليس بمعصية.
كالنذور وما يجرى مجراها .
والميناق: التوثقة، وهى التقوية والتثبيت، والمراد به: ما قوى الله.
به عبده .
وقوله (( من بعد ميثاقه، متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وميثاقه.
الضمير فيه يجوز أن يعود علىالعهد ، وأن يعود على اسم الله - تعالى-فهو
على الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثانى مضاف الفاعل.
أما الصفة الثانية التى وصفهم الله بها فهى قوله: ((ويقطعون ما أمر القه
به أن يوصل، وهو عام فى كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الرحم ،.
والإعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل.
الأقوال الطيبه بالأعمال الصالحة ، وسائر مافيه رفض خير أو تعاطى شر ،.
وأما الصفة الثالثة التى وصفهم بها فهى قوله - تعالى -:
((ويفسدون فى الأرض)).
والفساد فى الأرض يقع بعبادة غير الله ، وبالدعاية إلى الكفر به ،.
وبالاستهزاء بالحق، وبالاعتداء على حقوق الغير، وبغير ذلك من الأمور
التى حرمها الله - تعالى -.
وعبر بقوله ((فى الأرض، للإشعار بأن فسادهم لا يقتصر عليهم"
وإنما هو يتعداه إلى غيرهم .
ثم بين - سبحانه - بعد أن دمفهم بتلك الصفات المرذولة عافية-
أمرهم فقال: (( أولئك هم الخاسرون)).

١١١
سورة البقرة
الخاسرون: جمع خاسر مأخوذ من الخسر والخسران وهو النقص ،
ومن فقض عمد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد فى الأرض، لاشك.
أنه قد نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزى فى الدنيا
والعذاب فى الأخرى .
قال ابن جرير: والخاسرون جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم.
حظوظهم من رحمة الله بسبب معصيتهم له، كما يخسر الرجل فى تجارته بأن
-يوضع من رأس ماله فى بيعه، وكذلك المنافق والكافر قد خسرا بحر.اناقه
لهما من رحمته التى خلقها لعباده (١) .....
وبعد أن عدد القرآن مساوى- أولئك الضالين ، وبين سوء مصيرم،
ومآلهم ، وجه إليهم الإنكار والتوبيخ فخاطبهم بقوله :
كَيفَ
تَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَكُمْ أَمْوَنَا فَأَحْيَكٌُّ ثُمَ يُّكُمْ تُمْ يُحِكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ (٣٨) هُوَالَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِى الْأَرْضِ جِيعًا ثُمَ أَسْتَكَّ
إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُنَ سَبْعَ سَوَتٍ وَهُوَيَكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
(كيف) اسم استفهام للسؤال عن الأحوال، وليس المراد به هنا استعلام
المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته فى صورة
الاستفهام وهو الإفكار والتوبيخ. كما تقول لشخص: كيف تؤذى أباك
وقد رباك؟ ؛ لا تقصد إلا أن تفكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها.
وفى الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب ؛ لزيادة تقريمهم:
(١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤١٧ طبعة دار المعارف.

١١٢
الجزء الأول
والتعجب من أحوالهم الغريبة، لأنهم معهم ما يدعو إلى الإيمان ومع ذلك
فهم منصر فون إلى الكفر .
وقوله ((وكنتم أمواتاً فأحياكم، جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشى.
عن جهل وعدم تأمل فى أدلة الإيمان القاتمة أمام أعينهم .
والأموات: جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء: بمعنى الخلق.
والمعنى: كيف تكفرون بالله وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم،
.وأخرجكم إلى الوجود كما قال - تعالى - :
((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً.ذكوراً)).
ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدى الحياة . والإحياء بنفخ الروح.
فيهم فيكون المعنى: وكنتم أمواتاً يوم استقراركم نطفاً فى الأرحام إلى تمام
الأطوار بعدها ، فنفخ فيكم الأرواح؛ وأصبحتم فى طور إحساس وحركة
وتفكير وبيان .
وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة ، أورد
جملا لاستيفاء الأطوار التى ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره
الخالد فى دار نعيم أو عذاب فقال: (ثم يميتكم) بقبض أرواحكم عند انقضاء
آجالكم (ثم يحييكم) ببعثكم بعد الموت (ثم إليه ترجعون).
أى تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم فى المحشر؛ ويتولى حسابكم،
والحكم فى أمركم بمقتضى عدله , فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل
مثقال ذرة شراً يره)) .
أما الإماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين ، وأما البعث فقد
أخبر اللّه عنه بما يدل على صحته وينفى استبعاده، أو استحالته، بأدلة عقلية
ونقلية كثيرة، أما الأدلة العقلية، فمنها : أن الذى قدر على إحيائهم من
العدم، قادر على إحياتهم، فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته ،
وأما الأدلة النقلية ، فمنها قوله - تعالى - :

١١٣
سورة البقرة
( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون).
وفى قوله - تعالى - «ثم اليه ترجعون)) ترهيب لمن ينزع إلى
الشر، ويرتكب المعاصى من غير مبالاة، وترغيب من يقبل على فعل
الخير ، وبقوم على الطاعات .
قال الجمل: ((والفاء فى قوله ((فأحياكم، على بابها من التعقيب، وثم
على بابها من التراخى ، لأن المراد بالموت الأول، العدم السابق ، وبالحياة !
الأولى الخلق، وبالموت الثانى الموت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة البعث
فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخى، على هذا التفسير وهو
أحمن الأفوال، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى
(الجزاء أيضاً متراخ عن البعث)، (١).
وبعد أن ذكر- سبحانه - ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة
٢٠المتعلقه بذوات المكلفين، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى:
( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جمعا) .
أى: أنه خلق جميع ما فى الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن
-والجبال من أجلكم، فهو المنعم عليكم لتفتفعوا بها فى دنياكم، وتستعينوا
بها على طاعته .
وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهداً على أن الأشياء التى فيها منافع
- مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها .
ثم استدل - سبحانه - على مظاهر قدرته بخلق السموات فقال :
( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم).
استوى إلى السماء: أقبل وعمدة إليها بإرادته. وتسويتها معناه: تعديل
خلقها وتقويمه. والسماء ليس المراد منها فرداً من أفراد السموات، وإنما المراد
هنها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات ، فصح أن يعود عليها ضمير
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٥
( م. ٨ - البقرة )

١١٤
الجزء الأول
جمع الإناث فى قوله ( فسواهن )، وكذلك علماء البيان يريدون أن اللفظ
إذا أريد منه جفس ما وضع له صار فى معنى الجمع .
فمعنى (ثم استوى إلى السماء ) علا إليها وارتفع ، من غير تكييف ولا
تحديد ولا تشبيه ، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات ، وقد سئل الإمام.
مالك عن الاستواء على العرش فقال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير
معقول، والإيمان به وأجب، والسؤال عنه بدعه .
وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة .
وجملة (ثم استوى) معطوفة على جملة (خلق لكم)، وكان العطفه.
يثم لعظم خلق السماء عن خلق الأرض .
وعبر بسواهن الإشعار بأنه - سبحانه - خلقهن فى استقامة، واستقامة
الخلق هى انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب. قال - تعالى -:
( ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ).
وجملة ((وهو بكل شيء عليم، مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات
والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة ، فقد دلت على أن ترتيب.
أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها، إنما حدث ..
عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها، ولإحاطته بكل شىء علماً وضع
کل جزء فى موضعه اللائق به .
وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة خلقه لهم ما فى الأرض.
جمیعاً ، بدأ بعد ذلك یذ کرهم بنعمة أخریهی نعمة خلقه لأ بهمآدم، وخلق.
آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال تعالى:

١١٥
سورة البقرة
وَ إِذْ قَالَ
بُكَ لِلْمَلَِّكَةِ إِى جَاعِلُ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةً قَالُواْ أَنَجَعَلُ فِهَا
نِ يُفْسِدُ فِهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِحُ بَحْدِكَ وَنُقَدِّسُ
كَّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَالَا تَعْلُونَ (٢﴾ وَعََّءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُّهَا ثُمّ
رَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِعُونِىِ بِأَسْمَاءِ هَنَؤُلَاءٍ إِن كُنْتُمْ
دِدِقِينَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لَ عِّمَ لَنَآ إِلَّ مَاعَلَمْتَنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ
قَالَ يَشَادَمُ أَنْبِهُمْ بِأَسْمَِّمْ قَلَّا أَنْبَهُمْ
٣٢
مَكِيمُ الْحَكِيمُ.
سِّمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْإِنَّ أَعلَمُ غَيْبَ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْمُ
تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (9)
ففى هذه الآيات الكريمة عطف - سبحانه - قمة خلق آدم أبى البشر
على قصة خلق الأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا فى الاستدلال على
أن الله واحد ، وجمعاً بين تعدد الأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها،
حتى يكون التدليل أجمع ، والإيمان بالله أقوى وأثبت .
وإذ وإذا ظرفان الزمان، الأول الماضى والثانى للمستقبل، فإن جاء إذ
مع المضارع أفاد الماضى كقوله :
(وإذ تقول للذى أنعم الله عليه ... ) وإن جاء إذا مع الماضى أفاد
الاستقبال كقوله ( إذا جاء نصر الله والفتح) .
وإذ هنا واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام .

١١٦
الجزء الأول
والمعنى: وأذكر با محمد وقت أن قال ربك للملائكة أبى جأعل فى
الأرض خليفة .
وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحاً به فى آيات أخرى كما قال تعالى :
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) .
والملائكة جمع ملك. والتاء التأنيث الجمع، وأصله ملاك، من ملك،
نحو شمال من شمل، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك، وقيل: إن ملاك
من لأك إذا أرسل، ومنه الألوكة ، أى : الرسالة .
والملائكة . هم جند من خلق اللّه، ركز الله فيهم العقل والفهم،
وفطرهم على الطاعة، وأقدرهم على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال
العظيمة الشاقة، ووصفهم فى القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم («يسبحون
اليل والنهارلا يفترون، وأنهم ((لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)
ومنها: أنهم رسل الله أرسلهم بأمره ((ومنهم رسل الوحى إلى من اصطفاهم
من خلقه للنبوة والرسالة . قال تعالى :
( جاعل الملائكة رسلا ) وقال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا
ومن الناس) وقال - تعالى -: (بنزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء
من عباده ) .
و (الخليفة ) من يخلف غيره وينوب منابه، فهو فعيل بمعنى فاعل،
والتاء فيه المبالغة، والمراد به آدم - عليه السلام - لأنه كان خليفة
الله فى الأرض، وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله - تعالى - فى عمارة
الأرض، وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم، وإجراء أحكامه عليهم ،
وتنفيذ أوامره فيهم . وقيل: آدم وذريته، لأنه يخلف بعضهم بعضاً فى
عمارة الأرض ، واستغنى بذ کره عن ذكر ذريته لكونه الأمل .
وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل فى الأرض خليفة، ليس المقصود
منه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن
وجه الحكمة من هذه الخلافة ، وما أجيبوا به من بعد ، أومن أجل تعليم

١١٧
سورة البقرة
العباد المشاورة فى أمورهم قبل أن يقدمواعليها وعرضها على ثقاتهم ونصحاتهم
وإن كان هو - سبحانه - بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة. أو الحكمة
تعظيم شأن المجهول ، وإظهار فضله ، بأن بشربوجود سكان ملكوته ، ونوه
بعظيم شأن المجعول ،
بذكره فى الملا الأعلا قبل إيجاده، ولقبه بالخليفة .
ثم حكى - سبحانه - إجابة الملائكة فقال:
(قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقس لك)
الفساد: الخروج عن الاعتدال والاستقامة ويضاده الصلاح. يقال
فسد الشىء فساداً وفوداً وأفسده غيره .
والسفك : الصب والإهراق، يقال: سفكت الدم والدمع سفكاً - من
باب ضرب - صببته . والفاعل سافك وسفاك، والمراد به حصول التقائل
بين أفراد بنى الإنسان ظداً وعدواناً .
والتسبيح : مشتق من السبح وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء ،
فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وقبرئته من السوء .
والتقديس : التطهير والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال .
فيكون التسبيح ففى مالا يليق، والتقديس إثبات ما يليق ، وقدم التسبيح
على التقديس من باب تقديم التخلية على التحلية .
والمعنى: أتجعل فى الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ويريق الدماء والحال
أننا نحن تتزمك عما لا يليق بعظمتك، تنزيهاً متلبساً بحمدك والثناء عليك،
وتطهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيماً لك وتمجيداً .
وقولهم: ((أتجعل فيها من يفسد فيها الخ)) إبما صدر منهم على وجه
استطلاع الحكمة فى خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإفساد فى الأرض
وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله فى كل ما يفعل لا ينافى تعجبهممن بعض
أفعاله، لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل
شىء وأحب الإطلاع على الحَامة الباعثة على فعله لا يعد مكراً .

١١٨
الجزء الأول
والملائكة لا يعلمون الغيب ، فلا بد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون
من الفساد فى الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التى يطلع الله بها
على غيبه بعض المصطفين الأخيار من خلقه .
قاو الإمام ابن كثير فى توضيح هذا المعنى: قوله - تعالى -: «أتجعل
فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ((أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك
وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه
أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حما مسنون، أو فهموا من
الخليفة أنه الذى يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم . وبردعهم
عن المحارم والمآثم .. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله
ولا على وجه الحسد لبنى آدم كما قد يتوهمه البعض .. وإنما هو سؤال استعلام
واستكشاف عن الحكمة فى ذلك ، يقولون ياربنا ما الحكمة فى خلق هؤلاء
مع أن منهم من يفسد فى الأرض ، ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك
فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، ولا يصدر منا شىء من ذلك فهلا وقع
الاقتصار علينا؟ (١) .
وقد رد الله - تعالى - على الملائكة بقوله: (قال إنى أعلم ما لا تعلمون).
أى : إنى أعلم من المصلحة الراجحة فى خلق هذا الصنف على المعاد
التى ذكر تموها ما لا تعلمون أنتم ، فإنى سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم
الرسل ويوجدمنهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء
والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والمحبون له - تعالى - المتبعون رسله.
فالجمة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذى من شأنه أن يقف بهم عند
حدود الأدب اللائق بمقام الخالق - عز وجل - وقنبيه إلى أنه - تعالى -
عالم بما لايحيط به على أحد من خله ، فله أن يفعل مايشاء ويأمر بما يشاء،
وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشىء،
أو يعلمهم بأنه سيفعل شيئاً، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعلة ، بل شأنهم
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٦٩

١١٩
سورة البقرة
"أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها
فقد ظفروا بأمنيتهم ، وإن وقفت عقولهم دونها ، ففى تسليمهم لقدر
الله، وامتثالهم لأوامره الكفاية فى القيام بحق التكليف والفوز برضا الله،
الذى هو الغاية من الإيمان به والإقبال على طاعته .
قال بعض العلماء: «وفى هذه الآية الكريمة تسلية للنى - صلى الله عليه
وسلم - عن تكذيب بعض الناس له، لأنه إذا كان الملا الأعلى قد مثلوا
على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر
بالناس أن يكونوا معذورين - وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة
المقربين، أى: فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين ، وترشد
"المسترشدين، وتأتى أهل الدعوة بسلطان مبين (١).
ثم أخذ - سبحانه - فى بيان جانب من حكمة خلق آدم، وجعله
خليفة فى الأرض ، بعد أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب
الحكم فقال - تعالى -:
( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبتونى بأسماء
هؤلاء إن كنتم صادقين ) .
علم من التعليم وهو التعريف بالشى .. وآدم: اسم لأبى البشر، قيل
لأنه عبر انى مشتق من أدمه، وهى لغة عبرانية معناها التراب، كما أن ((حوا.))
كلمة عبرانية معناها ((حى)، وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء.
و((الأسماء، جمع اسم، والاسم ما يكون علامة على الشىء، وتاكيد
"الأسماء بلفظ (,كلها، ظاهر فى أنه علمه إسماء كل ماخلق من المحدثات من
إنسان وحيوان ودابة، وطير، وغير ذلك. ويصح حمل الأسماء على خواص
الأشياء ومنافعها، فإن الخواص: المنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق.
وقوله (ثم عرضهم على الملائكة) عرض الشىء إظهاره وإبانته والضمير
فى (عرضهم) يعود على المسميات، وهى مفهومة من قوله (( الأسماء كلها))
(١) تفسير القاسمى = ٢ ص ٠٧

١٢٠
الجزء الأول
إذ الأسماء لا بد لها من مسميات ، فإذا أجرى حديث عن الأسماء حضر
فى ذهن السامع ما هو لازم لها، أعنى المسميات .
ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال: ((عرضهم)) ولم ..
يقل عرضها، لأن فى جملة هذه المسميات أنواعاً من العقلاء: كالملائكة ،
والإنس ، ومن الأساليب المعروفة بين فصحاء العرب تغليب الكامل على
الناقص، فإذا اشتركا فى نحو الجمع أو التثذية أتى بالجمع أو التثنية على
ما يطلق حال الكامل منهما .
والأمر فى قوله: أنبتونى بأسماء هؤلاء، ليس من قبيل الأوامر التى.
يقصد بها التكليف ، أى: طلب الإتيان بالمأمور به، وإنما هو وارد على
جهة إقحام المخاطب بالحجة .
والمعنى: أن الله - تعالى - ألهم آدم معرفة ذوات الأشياء التى خلقها فى ..
الجنة ، ومعرفة أسمائها ومنافعها ، ثم عرض هذا المسميات على الملائكة .
فقال لهم على سبيل التعجيز ((أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)).
فيما اختلج فى خواطركم من أنى لا أخلق خلقاً إلا وأنتم أعلم منه وأفضل}.
قال ابن جرير: ((وفى هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن.
أذكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله
فى هذا القرآن من لطائف الحكم التى تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك .
أن الله - تعالى - احتج فيها لنبيه - صلى الله عليه وسلم- على من كان بين.
ظهرافيه من يهود بنى إسرائيل ، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التى لم يكن.
- تعالى - أطلع عليها خلقه إلا خاصاً، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار
ليقرر عندهم صدق فيوته، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله )).
ثم حكى - سبحانه - ما كان من الملائكة فقال:
( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح؛ أى التنزيه، وهو منصوب بفعل ..
مضمر لا يكاد يستعمل معه .