النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة البقرة
حَتَلهم كمثل الذى استَوقدَ فارَ آفلما أضّاءَتْ ماَحَوْله ذَهب الله
يِتُورِهِمْ وَرَكَّهُمْ فِ ظَُتِ لَّا يُبْصِرُونَ (9) صُمْ بُكُ عَّىٌ فَهُمْ
لَ يَرْجِعُونَ (٨) أَوْ كَصَيْبٍ مِنَ السَّمَاءَ فِيهِ ظُلُنَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌّ
يَجْعَلُونَ أَصَنِعَهُمْ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَِّ حَدَرَ الْمَوْنِ وَاللهُ
ج
◌ُِطٌ بِالْكُفِرِينَ (١٩) بَكَادُ الْبَرْقُ تِخْطَفُ أَبْصَدِرَهْ حُكْمَةَ
أَضَاءَ لَهُ مَّشَوْاْفِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْشَآءَ الَهُلَذَهَبَ
◌ِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (چ
وقوله تعالى: («مثلهم، أى: صفتهم، وأصل المثل بمعنى المثل، والمثل
النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو
الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة
ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شان عجيب وفيها غرابة،
وعلى هذا المعنى يحمل المثل فى هذه الآية ،
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب المعقول من المحسوس،
وعرض الغائب فى صورة الشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع
فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .
واستوقد التار: طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع لهيبها، أو أوقدها
لأن أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب.
والنار : جوهر لطيف حار محرق من فار ينور إذا نفر لحركتها
واضطرابها، وأضاءت ما حوله: جعلت ما حوله مضيئاً، أو أشرقت فيها
حوله. وحول الشىء: ما يحيط به من جميع نواحيه، وإذا قيل العام حول،
ظلفه و دورانه حتى يعود كما كان .
(م - ٦ البقرة)

٨٢
الجزء الأول
والنور : الضوء الذى يكون الشىء المضىء، وهو مأخوذ من النار.
ومعنی : ( ذهب أقه بتورهم) ستبه منهم ، وفى إسناد ذهب إلى ا
تعالى - إشعار بأن النور الذى سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم
لأن الذى سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره.
وقال ( بنورهم) ولم يقل بنارهم ، لأن إيقاد النار يكون الإضا
والإحراق والمقصود من إيقاد النار الواردة فى المثل إنما هو الإضاءة.
وقال (بنورهم) ولم يقل بنوره، مع أن الضمير يعود على (الذى استوقد
وهو بحسب الظاهر مفرد، لأن (الذى ) قد يطلق أحيانا بمعنى الذين
كما فى قوله تعالى: (وخضتم كالذى خاضوا) أو لأن (الذى ) أريد ..
جنس المستوقد، لا مستوقد بعينه ، فصار فى معنى جماعة من المستوقدين
وصح أن يعود عليه ضمير الجمع فى قوله ( بنورهم) لذلك .
وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة فى شدتها ، فكأنها لشدة كثافته
ظلمات بعضها فوق بعض، وأكدهذا بقوله (لا يبصرون) أى: أن هذه الظلماء
بالغة فى الشدة حتى أو لتك المحاطين بها لا يتأتى لهم أن ويبصروا، كما أن الشار
كذلك بالنسبة للذين طمس على أعينهم.
وعبر - سبحانه - بقوله ((وتركهم)) ولم يقل: ذهب بنورهم وبقوا!
ظلمات، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم ، وأنهم متروكو
غضباً علیهم ونکایة بهم .
هذا، والعلماء رأبان فى تطبيق هذا المثل على المنافقين، أما الرأى الأول
فيرى أصحابه ، أن هذا المثل قد ضرب فى قوم دخلوا فى الإسلام عندوصوا
النبى - ٣ - إلى المدينة، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفا.
فيقال فى تطبيق هذا المثل عليهم: إن قصة هؤلاء المنافقين الذين اكتسبو
بإيمانهم فوراً، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم، ووقعوا فى حيرة عظيمة، كقص
من أستوقدوا ناراً؛ فلما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم الضوء فراحو
فى ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا .

٨٣
سورة البقرة
وأما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب فى قوم لم يسبق
لحم إيمان وإنما دخلوا فى الإسلام من أول أمرهم نفاقاً، فيقال فى تطبيق هذا.
المثل عليهم : إن قصة هؤلاء الذين دخلوا فى الإسلام نفاقاً، فظفروا بحقن
دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وتمتعوا بذلك فى الدنياقليلا
ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم فى الآخرة - قصة هؤلاء كقصة من
استوقدوا فارا لتضى لهم ويفتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلا، ثم طفئت
: وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة .
ثم قال - تعالى -: ( صم بكم عمى فهم لا يرجعون).
قال القرطبى: والصمم فى كلام العرب: الانسداد، بقال: قناقصما. إذا
لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة إذا سددتها . فالأصممن انسدت خروق
مسامعه. والأبكم الذى لا ينطق ولا يفهم!، والعمى ذهاب البصر. وليس
الغرض مما ذكر ناه فى الإدراكات عن حو أسهم جملة، وإنما الغرض نفيها
من جهة ما (١) .
والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين، أى: هم بكم عمى
ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة
تنطق ، وأعين تبصر ، إلا أنهم لا يسمعون خيراً . ولا يتكلمون بما ينفعهم
ولا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية ، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد
حواسه سواء، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكاهم إلى أنفسهم .
ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف ، فلم يقل : صم وبكم
وعمى، لما عرف من استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف
من حرف العطف بفيد تأكيدها، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل
صفة منها على حدة .
ومعنى ((فهم لا يرجعون))، لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ،
أو لايرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها.
(١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ٢١٤.

٨٤
الجزء الأول
والفاء فى قوله - تعالى - ( فهم) التفريع أو التسبب ، لأنها توحى
بأن عدم رجوعهم عما فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات ، ومسبب
عن هذه العاهات .
ثم ساق - سبحانه - المثل الثانى فقال: ((أو كصيب من السماء فيه
ظلمات ورعد وبرق)).( أو)) النسوية بين الشيئين وهى مفيدة أن التمثيل
بأيهما أو بمجموعها يؤدى إلى المقصود، فهى مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما.
و (الصيب) - كسيد - المطر، من الصوب وهو النزول. يقال: ساب
صوباً، إذا نزل أوانحدر ، سمى به المطر لنزوله، وفى الجملة الكريمة إيجاز
بحذف مادل عليه المقام دلالة واضحة . والتقدير : أو كمثل ذوى صيب.
والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذى استوقد ناراً، أو بقصة
ذوى صيب .
والسماء : كل ماعلاك من سقف ونحوه ، والمراد بها السحاب.
والرعد : الصوت الذى يسمع حين تصطك أجرام السماء بعضها ببعض
والبرق : ما يحدث من أثر ذلك الاحتكاك بإثارة شرارة كهربائية يتصل
موجبها بسالبها ، وهو من برق الشىء برقاً إذا لمع .
وإيراد هذه الألفاظ بصفة التفكير للتهويل ، ويكون المعنى : أو أن
مثل هؤلاء المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها
سواد الليل، ورعد الآذان، وبرق يخطف الأبصار ؛ وصواعق تحرق
ما تصيبه .
ثم قال - تعالى- ((يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حذر الموت))
الصواعق: جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذى يصحبه
- غالباً - قطعة من فار لا تأتى على شىء إلا أهلكته .
( من) فى قوله - تعالى - (من الصواعق) للتعليل. وإنما كانت الصواعق
داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضى بصوتها الهائل
إلى الموت ، وجاء هذا مصرحاً به فى قوله - تعالى - ( حذر الموت).

٨٥
سورة البقرة
والمعنى : يدون آذانهم من أجل الصواعق خوفاً من أن تقتلهم
بشدة صوتها.
ومن المعروف أن الذى يجعل فى الآذان عند الفزع بعض الأصابع
لا كلها ، إلا أنه عبر بالأصابع مبالغة فى فرط فزعهم وشدة اضطر أبهم ،
ومسايرة للمألوف فى اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشىء إلى ذلك الشىء،
حيث يكون المراد جلياً واضحاً. وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل
وإرادة البعض .
وقوفه ( حذر الموت) يدل على أنهم لميموقوا من تلك المفزعات وهذه
المروعات . إمدادا فى عذابهم. ومطاولة فى نكالهم .
وقوله - تعالى -: ((والله محيط بالكافرين، جملة معترضة فى أثناء ..
ضرب المثل بذوى الصيب .
وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لامهرب لهم منه ، فهو
محيط بهم إحاطة قامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء و كيف شاء ..
ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب ،.
إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم .
ثم قال - تعالى -: ((يكاد البرق يخطف أبصارم)).
يكاد من الأفعال التى تدخل على اسم يسند اليه فعل بعده نحو ( البرق
مخطف ) . فتدل على أن المسند اليه وهو البرق قد قارب أن يقع منه الفعل
وهو خطف الأبصار.
والخطف: الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة
فى العين يدرك بها الألوان والأشكال .
والمعنى: أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارهم ، وهو
تصوير بليغ لشدة ذلك البرق ، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره فى
جانب البرق، ولم يذكر قوقيهم للأعين بوضع شىء عليها اكتفاء بما ذكره
توقى الآذان أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين.

٨٦
الجزء الأول
وقوله - تعالى -: ((كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا))
وصف رائع لما يصنعه أهل الصيب فى حالتى ظهور البرق واختفائه .
وكل ظرف ، وما مصدرية ولا قصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها
هو جوابها وهو (مشوا) و(أعضاء) بمعنى لمع، و(أظلم) من الإظلام
وهو اختفاء النور. و(5مو!) أى وقفوا وثبتوا فى مكانهم . من قام
الماء إذا جمد. ويقال: قامت الدابة إذا وقفت.
والمعنى : أنهم إذا صادفوا من البرق وميضاً انتهزوا ذلك الوميض
فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفى لمعانه وقفوا فى مكانهم ، فالجملة
الكريمة تدل على فرط حرصهم على النجاة من شدة ما هم فيه من أهوال
ثم قال - تعالى - ( ولو شاء اللّه لذهب بسمعهم وأبصارهم)).
لو : أداة شرط، وشاء بمعنى أراد . أى: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم
وأبصارهم لزاد فى قصف الرعد فأصمهم ، وفى ضوء البرق فأعماهم . أو
يقال: إن قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين فى المثل سببان كافيان لأن يذهبا
بسمع ذوى الصيب وأبصارهم لوشاء الله ذلك. فيكون قوله تعالى: ((ولو شاء
اللّه لذهب))، إشعاراً بأن تأثير الأسباب فى مسبباتها إنما هو بإرادته - تعالى-
وخص السمع والبصر بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم ، لأهميتها.
ولأنها هى التى سبق ذكرها، أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه
إذا كان قادراً على إذهاب ما حافظوا عليه ، كان قادراً على غيره من
باب أولى .
ثم ختم الآية بقوله - تعالى - ((إن الله على كل شىء قدير)).
الشىء فى أصل اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويحمل فى هذه
الآية على الممكن خاصة موجوداً كان أو معدوماً، لأن القدرة إنما تتعلق
بالممكنات دون الواجب والمستحيل .
والقدير: الفعال لما يريد. يقال: قدرت على الشىء أقدره قدرة وقدراً.
وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة السابقة

AV
سورة البقرة
-من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم
-متى شاء .
وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه: إن أصحاب الصيب لضمفهم
وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل ، ولا يستطيعون فتح أعينهم فى البرق
اللامع ، فيجعلون أصابعهم فى آذانهم فرعاً من قصف الرعد، وخوناً من
هو اعق تجاجل فوق رءوسهم فتدعهم حصیداً خامدين، وكذلكحالهؤلاء
المنافقين فإنهم لضعف بصائرهم، وأنطاس عقولهم، تشتد عليهم زواجر
القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه
. أسماعهم خشية أن تعلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة.
قال ابن كثير: ((وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين
المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون ((أو)، فى قوله تعالى (( أو
كصيب، بمعنى الواو، كقوله تعالى (ولا قطع منهم آثماً أو كفوراً)، أو تكون
ذ للتخيير، أى، أضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، أو التساوى مثل:
جالس الحسن أو ابن سيرين .. قلت : وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين،
فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كماذكرما الله تعالى فى سورة براءة بقوله:
((ومنهم من يقول ائذن لى)) ... ومنهم من عاهد الله، . . ومنهم من يلزك
(فى الصدقات)) . الخ . فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم
وصفاتهم (١).،
هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز. أن المثلين
لطائفتى الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ((مثلهم كمثل
الذين أستوقد ناراً، ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التى ذكرها الله الكافرين
وأن الذى ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثانى وحده وهو قوله
تعالى ((أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق .. )) فقد ضرب الله
لكلنا الطائفتين مثلا يناسبها.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص٦

٠٫٨٨
الجزء الأول
قال فضيلته: فضرب مثلا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كافو؟"
يسيرون فى ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم فاراً يهتدون بضوتها، فلا؛
أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر.
ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة ، فذلك ..
مثل النور الذى طلع به محمد صلى الله عليه وسلم فى تلك الأمة على فترة.
من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء ...
المستكبرين الذين ألفوا العيش فى ظلام الجاهلية ، فلم يرفعوا له رأسا بل ...
تكسوا على رؤسهم، ولم يفتحوا له عيناً بل خروا عليه مما وعميانا.
وضرب مثلا للنترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر فى ليلة.
ذات رعد وبرق ، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم يتالوا منه فيلا، فلاشربوا
منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة .. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات.
والزعد والبرق فكانت هى مثار اهتمامهم ، ومناط تفكيرهم ، ولذلك جعلوا
يترصيدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال ليوسها: سيراً
تارة، ووقوفاً تارة، واختفاء قادة أخرى .
فكانوا إذا رأوا عرضاً قريباً وسفراً قاصداً وبرقت لهم (بروق) الأمل
فى الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنباً إلى جنب ، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت
(صواعقها) منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو
قائلين (( إن بيوتنا عورة، حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة.
ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين ..
لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك
((فإن كان لكم فتح من اللّه قالوإ ألم تكن معكم، وإن كان الكافرين
نصيب قالوا ألم تستحوذ عليكم وتمنعكم من المؤمنين)).
ذلك دأب المنافقين فى كل أمرهم، إن توقعواربحاً عاجلا الخمسوه فى
أى صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التى يناهم فى سبيلها.

٨٩.
سورة البقرة
شىء مكروه؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيداً إلى هؤلاء ولا إلى
هؤلاء؛ أما الذى يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبلة واحدة يولى وجهه ..
شطرها ، هى قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم :
وليس يبالى حين يقتل مسلما
" علی أی جنب كان فى الله مصرعه (١)
هذا هو رأی فضيلةالدكتور دراز، وهو رأىمستساغ بتمشى معروح
الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصور ان أحوال المبطلين بصورة
حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم فى إبراز المعانى المعقولة فى صورة.
محسة واضحة من شأنها أن تمدى الناس إلى طريق الحق والرشاد .
وبعد أن بينت السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة ، وعاقبة كل قسم
منهم، ساقت لهم نداءاً عاماً دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده، قال تعالى:
بَيُّهَا النَّاسُ.
أَعُواْ رَبَّكُ الَّذِى خَلَفَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ (١)
الَّذِى جَعَلَ لَكُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءٍ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
عَآَ فَأَخْرَجَ بِ مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَكُرْ فَلَا تَجْعَلُواْلَّهِأَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
حورو ٠
٢٣
تعلمون
ففى هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذى خلقوا من أجله وهو
عبادة الله دون ما سواه، وبيان البراهين الساطعة التى تدل على وحدانية
الله وعظيم قدرته .
(١) من كتاب النبأ العظيم ص ١٦٤ لفضيلة المرحوم الدكتور الشيخ.
محمد عبد الله دراز .

٩٠
الجزء الأول
و((يا، حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا، فهو أصل
حروف النداء .
و((أى)) اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالإسم المقصود بالنداء الذى
يأتى بعده .
و (ها ) المتصلة بين مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء .
و (العبادة ) الخضوع البالغ الغابة .
وقد كثر النداء فى القرآن الكريم بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد
الذى كثيراً ما يقتضيه المقام .
وفى ذكره تعالى باسم الرب ، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية الداعية
إقبالهم على عبادته .
فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون اللّه مالكاله، أومربياً
له وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام ، لم يلبث أن
يخصه بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإجلال .
وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى،
إذ ليس ثمةرب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله.
ثم بين - سبحانه - الموجبات التى من شأنها أن تحملهم على عبادته
وحده فقال «الذى خلقكم والذين من قبلكم).
والخلق : أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ، ويطلق فى القرآن وفى
عرف الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة، فهو إخراجها من العدم إلى
الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر .
والمعنى : اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده، لأنه هو الذى
أوجدكم فى أحسن تقويم بعد أن كنتم فى عدم، كما أوجد الذين تقدموكم .
وقدم وصفه بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم ،
لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره .
وقوله تعالى ((والذين من قبلكم، فيه رد على الدهريين من المخاطبين

٩١ .
سورة القرة
الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت
.ونحيا وما إيهلكنا إلا الدهر .
فكان قوله ( والذين من قبلكم) تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين
لابد أن ينتهوا إلى أن أول قد خلقه الله تعالى.
وجملة ((املكم تتقون)) تعليل للأمر بالعبادة، ولذلك فصلت.
و (لعل) حرف موضوع ليدل على الترجى ، وهو توقع حصول الشىء
- عند ما يحصل سببه وتنتفى موانعه. والشىء المتوقع حصوله فى الآية هو التقوى
وسببه العبادة، إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى وهى الفوز
بالهدى والفلاح، والترجى قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل
لعل فى الكلام على أن يكون الترجى مصروفاًللمخاطب ، فيكون المترجى هو
المخاطب لا المتكلم، وعلى هذا الوجه يحمل الترجى فى هذه الآية، لاستحالة
توقع حصول الشىء من عالم الغيب والشهادة، لأن توقع الإنسان لحصول
الشىء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع، وعليه
فيكون المعنى : اعبدوا ربكم راجين أن تكونوامن المتقين ، الذين بلغوا الغاية
فى الهدى والفلاح .
ثم أضاف - سبحانه - أسباباً أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته
فقال: ((الذى جعل لكم الأرض فراشا)).
لفراس: ما يفترشه الإنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام . أى:
اجعلوا عبادتكم لله الذى صير الأرض لأجلكم مهاداً كالبساط المفروش،
:فذالها لكم ولم يجعلها صعبة غليظة، لكى يتهيأ لكم الاستقرار عليها.
-والتقلب فى مناكبها ، والانتفاع بما أودع الله فى باطنها من خيرات .
وتصوير الأرض بصورة الفراش لاينافى كونها كروية ، لأن الكرة
إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان الانتفاع بها .
((والسماء بناء، يقال أسقف البيت بناء أى: جعل الماء كالسقف
للأرض، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال - تعالى - (وجعلنا
"السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون)).

٠٩٢
الجزء الأول
وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين،
وانتفاعهم بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء.
قال بعض الأدباء: (إذا تأملت هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل
ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط،.
والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كما لك البيت المتصرف فيه وضروب
النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه ,فهذه جملة واضحة
دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل ، وتقدير شامل ، وحكمة بالغة ،
وقدرة غير متناهية ).
ثم قال - تعالى- ((وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم»:
السماء: السحاب. والثمرات: ما ينتجه الشجر. والرزق: ما يصلح.
لأن ينتفع به . والباء فى . ( به ) للسببية .
أى: إنه جعل الماء سبباً فى خروج الثمرة، وهو القادر على أن ينشئها.
بلا سبب كما أنشأ الأسباب .
وأورد (ماء) و (رزقاً) فى صيغة التنكير التى تستعمل عند إرادة بعض ..
أفراد المعنى الذى وضع له اللفط لغة، وذلك لأن من الماء ما لم ينزل من السماء،
ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات. فمعنى الجملة الكريمة: أنزل من السماء.
بعض الماء، فأخرج به من الشمرات بعض ما يكون رزقاً لكم .
ثم قال - تعالى - ((فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ..
الأنداد: جمع ند، وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعد عنه.
وأصله من: ند البعير يندندا ونداداً ونداً، إذا تفردو ذهب على وجهه شارداً.
والمعنى: فلا تجعلوا لله أمثالا ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة، وتعتقدون.
فيها النفع والضر ، وتجعلون لها مالله تعالى وحده ، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا
يصح جعلها أنداداً مساوية له تعالى. أو وأنتم من ذوى العلم والنظر، فلوتأملتم
أدنى تأمل لا نصرفتم بقوة إلى عبادة الله وحده. ولتركتم الإشراك به.

٩٣
سورة البقرة
وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترقبها على الكلام السابق، المترتب على
، الأمر بعبادة الله وحده.
وسمى القرآن الشركاء المزعومين أنداداً تهكماً بالعابدين لها ، ولأن
المشركين لما تر كواعبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة شابهت حالهم
.. حال من يعتقد أنها آلهة ، قادرة على مخالفته ومضادته ، وذلك معنى جعلها
أنداداً الذى هو مصب النهى فى الآبة .
وجملة (وأنتم تعلمون)، حالية، ومفعول تعلمون مقروك، لأن الفعل
لم يقصد تعليقه بمفعول، بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل الفعل منزلة اللازم،
- وفى هذه الجملة مبالغة فى زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله، لأن
ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحاً، وأدعى
إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإنكار. كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلمواعن عبادة
غير الله، فإن كان من ذوى العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من
لا عقل له. وهذا لون جليل من ألوان التربية، فإن من سمات المربى
الناجح أن يجمع بين القسوة فى النهى عن القبيح ، وبين إثارة همة الموعوظ.
. حتى لا يقتل همته باليأس، لأن الإنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه خارت
عزيمته ، وفترت همته .
هذا، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التى تدعو إلى توحيد الله،
وتنهى عن الإشراك، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود
قال: قلت يارسول الله أى الذنب أعظم عند الله ؟ قال أن تجعل لله نداً
وهو خلقك ).
قال الإمام ابن كثير: وهذه الآية دالة على توحيده - تعالى - بالعباده
- وحده لاشريك له ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف
أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ، على قدرة خالقها وحكمته وعلمه .
-وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على

٩٤
الجزء الأول
وجود الله - تعالى -؟ فقال: يا سبحان الله !! إن البعر ليدل على البعير؛ ..
وإن أثر القدم ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج،
وبحار ذات أمواج، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير )(١).
وبعد أن ساق - سبحانه - فى هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة.
على وحدانية الله؛ وففى عقيده الشرك، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على
صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن.
ليس من صنع بشر، وإنما هو كلام واهب القوى والقدرة فقال - تعالى -:
وَإِنَ كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِمَّانَزَّلْنَا عَلَى عَدْنَا فَأَنُواْ بِسُورَةٍ
مِّنْ مِثْهِ، وَادْعُواْ شُهَدَآءَ كُم مِّنِ دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْالنَّارَ الَّى وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْخِجَارَةُ
أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ (٣)
ففى هاتين الآيتين انتقال لإثبات الجزء الثانى من جزأى الإيمان ، وهو
صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فى رسالته، بعد أن تم إثبات الجزء الأول.
من ذلك وهو وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته .
والمعنى: إن ارتبتم أيها المشركون فى شأن هذا القرآن الذى أنزلناه على عبدنا
محمد على مهل وتدريج، فأتوا أنتم بسورة من مثله فى سمو الرقبة، وعلى الطبقة.
واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون ، ليساعدوكم
فى مهمتكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أفيتم بما يمائله، إن كنتم صادقين فى
زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٥٨

٩٥
سورة البقرة
والمقصود بقوله: (وإن كنتم في ريب ما نزلنا على عبدنا ... )
قفى الريب عن المنزل عليه بنفيه عن المنزل .
والتعبير عن اعتقادهم فى حقه بالريب للإيذان بأن أقصى ما يمكن
صدوره عنهم هو الارتياب فى شأنه، أو للتنبيه على أن كلامهم فى شأن
القرآن هو بمنزلة القريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن
القرآن من عند الله - تعالى -.
وعبر بقوله (وإن كنتم فى ريب) ولم يقل: وإن أرقمتم فيما نزلنا، للإشارة
إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب، ولا إيطير إلى أفقها شرارة من شك،
وأنه أثير حوله أى شك فمرجعه إلى اقطماس بصيرتهم ، وضعف تفكيرهم،
واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم .
وأتى بإن المفيدة للشك مع أن كونهم فى ريب ما نزل على النبى - صلى
الله عليه وسلم - أمر محقق، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيهاً
لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أى أحد ، وتوبيخاً لهم على
وضعهم الأمور فى غير مواضعها .
ووجه الإتيان بفى الدالة على الظرفية ، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم
الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
وقال ((نزلنا)) دون أنزلنا، لأن المراد النزول على سبيل التدريج،
ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما فى مدة تزيد على عشرين سنة.
قال صاحب الكشاف: ( فإن قلت: لم قيل: ( مما نزلنا) على لفظ
التنزيل دون الإنزال ؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم.
وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا القرآن من عند الله، لم ينزل هكذا
نجوماً سورة بعد سوره، وآيات غب آيات، على حسب النوازل، وعلى سنن
ما نزى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً حيناً
حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجدده ... فقيل لهم: إن أرقيتم فى هذا
الذى وقع إنزاله هكذا علىمهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحده من نو به».

٩٦
الجزء الأول
.وهائوا نجما فردامن نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفترقات،
وهذا غابة التبكيت ومنتهى إزاحة العلل ) (١) أم ملخصاً.
والمراد بالعبد فى قوله - تعالى- (على عبدنا) محمد - صلى الله عليه وسلم -
وفى إضافته إلى الله - تعالى - تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به .
وفى ذكره - صلوات الله عليه - باسم العبودية تذكير لأمته بهذا
المعنى، حتى لا يغالوا فى تعظيمه فيدعوا ألوهيته كما غالت بعض للفرق فى
تعظيم أنبياتها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم .
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتى أفلها ثلاث
آيات، والضمير فى قوله ( من مثله) يعود على المنزل وهو القرآن .
والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه فى حسن النظم ، وبراعة الأسلوب
. وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق فى كل سورة.
وقيل : إن الضمير فى قوله ( من مثله ) يعود على المنزل عليه القرآن ،
وهو النبى - صلى الله عليه وسلم - ولكن الرأى الأول أرجح.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: وعود الضمير إلى القرآن أرجح لوجوه
أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة فى باب التحدى لاسيما ما
ذكره فى سورة يونس من قوله (فأتوابسورة مثله .. ) وثانيها: أن البحث
إنما وقع فى المنزل وهو القرآن، لأنه قال (وإن كنتم في ريب مما نزلنا .. )
فوجب صرف الضمير اليه، ألا ترى أن المعنى، وإن ارتتم فى أن القرآن
منزل من عند الله فها توا أنتم شيتابعما يماثله، وقضية الترتيب لو كان الضمير
مردودا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقال: وإن ارتبتم فى أن
محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله. وثالثها: أن الضمير لو كان عائدا إلى
القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أوانفردوا
وسواء كانوا أميين أو عالمين، أما لو كان عائدا إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -
فذلك لا يقتضى إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٩٧

٩٧
سورة البقرة
مثل محمد إلا الشخص الأمى ، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوامثل
محمد، لأن الجماعة لا تمائل الواحد، والقارى. لا يكون مثل الأمى، ولا
شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها: أننا لو صرفنا الضمير إلى
محمد - صلى الله عليه وسلم - لكان ذلك يوم أن صدور مثل القرآن مما
لم يكن مثل محمد فى كونه أميا ممكن، ولو صرفناء إلى القرآن لدل ذلك على
أن صدور مثله من الأمى ومن غير الأمى ممتنع فكان هذا أولى) (١).
وقوله - تعالى - (وادعوا شهداء كم من دون الله) معطوف على
.. قوله: (فأتوا بسورة).
وأدعوا : من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى: نادوهم.
وشهداءكم: أى: آلهتكم ، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة، فقد كانوا.
يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق . وقيل : الشهداء
جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإمام، وكأنه سمى به لأنه يحضر.
المجالس وتعرم بمحضره الأمور .
٤
ودرن : بمعنى غير : وتطلق فى أصل اللغة على أدنى مكان من الشىء ،
ومنه قدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أى:
خذه من أدنى مكان منك ، ثم استعير للتفاوت فى الرقب فقيل: زبددون
عمرو أى: فى الشرف، ومنه الشىء الدون، ثم انسع فيه فاستمل فی کل
تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر ..
قال الجمل: ( والمعنى ): وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم
معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر على أن يأتى
بمثله إلا الله .. ، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أقيتم
به مثله ، ولا تستشهدوا بالله، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز
عن إقامة الحجة، أوشهداءكم الذين اتخذ تموهم من دون الله آلهة وزعمتم
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٢٢٢
(م ٧ - البقرة )

٠٫٩٨
الجزء الأول
٠) .
أنها تشهد لكم يوم القيامة( (١) .
وفى أمرهم بدعوة أصنامهم وهى جماد، وفى تسميتها شهداء مع إضافتها.
إليهم مع أنها لا تعقل ولا تنطق، فى كل ذلك أقوى ألوان التهكم ، لكى.
يثير فى نفوسهم من الألم ماقد يكون سبباً لتنبيههم إلى جهلهم، وانصرافهم ..
عن ضلالهم.
وقوله - تعالى - (إن كنتم صادقين) جملة معترضة فى آخر الكلام.
وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار
ذكره فى نظم الكلام ما ينزل به عن مرتبة البلاغة .
والمعنى : إن كنتم صادقين فى زعمكم أنكم تقدرون على معارضة.
القرآن فأتوا بسورة من مثله. وأدعوا آلهتكم وبلغاء كم وجمع البشر
ليعنيوكم أو ليشهدوا لكم أنكم أقيتم بما يماثله فى حكمة معافيه وحسن بيانه.
وفى هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم ، إذ عرض بعدم صدقهم ،
قتتوفر دواعيهم على المعارضة التى زعموا أنهم أهل لها .
ثم قال - تعالى - (فإن لم تفعلوا وأن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودهنة.
الناس والحجارة ) .
المعنى: فإن لم تفعلوا أى. تعارضوا القرآن، وتبين لكم أن أحداً لا
يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذى أعده الله الجاحدين وهو النار التى ..
وقودها الناس والحجارة» .
والوقود : ما يلقى فى النار الإضرامها كالخطب ونحوه، والحجارة :
الأصنام التى كانوا يعبدونها من دون الله كما قال - تعالى -: ((إنكم وما
تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)).
واقترأن المشركين بما كانوا يعبدون فى النار مبالغة فى إيلامهم وتحسيرهم ..
والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس فى النار غير هما.
بدليل ماذكر فى مواضع أخرى من القرآن أن الجن والشياطين يدخلونها ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ١ ص ٣٨.

٩
سورة البقرة
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: انتفاء إقيانهم بالسورة واجب فهلا
جىء بإذا الذى للوجوب دون إن الذى للشك؟ قلت: فيه وجهان أحدهما
أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم ، وأن العجز عن
المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لا تكالهم على فصاحتهم
واقتدارهم على الكلام . والثانى: أن يتمكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة
الواثق من نفسه بالغلبة على من يعاديه : إن غلمتك لم أبق عليك وهو يعلم.
أنه غالبه ويقيقته تهكماً به (١) .
وقال: فإن لم تفعلوا، ولم يقل فإن لم تأتوا بسورة من مثله، لأن قوله
(فإن لم تفعلوا ) جار مجرى الكتابة التى تعطى اختصاراً ووجازة تغنى
عن طول المكنى عنه، ولأن الإتيان ما هو إلا فعل من الأفعال، تقول:
أنيت فلانا . فيقال لك : نعم ما فعلت .
وجملة ( ولن تفعلوا ) جملة معترضة بين الشرط والجزاء ، جيء بها
لتأكيد عجزهم عن معارضته . فإن فى ففيها فى المستقبل بإطلاق تأ كيدا
لنفيها فى الحال .
قال الإمام الرازى: ( فإن قيل: فما معنى اشتراطه فى اتقاء النار انتفاء
إتيانهم بسورة من مثله؟ فالجواب أنه إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم
صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا صح ذلك ثم لزمواالعناد استوجبوا
العقاب بالنار ، فاققاء النار يوجب ترك العناد، فأقم المؤتر مقام الأثر ،
وجعل قوله: ( فاتقوا النار ) قائماً مقام قوله فاتر كوا العناد ، وهذا هو
الإنجاز الذى هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل اشأن العناد ، الإنابة
اتفاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار) (٢) .
ومعنى ( أعدت للكافرين) هيئت لهم، لأنهم الذين يخلدون فيها ،
أو أنهم خصوا بها وإن كانت معدة للفاسقين - أيضا لأنه يريد بذلك نازاً
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ١٠١
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٢٢٤

١٠٠
الجزء الأول
. مخصوصة لايدخلها غيرهم كما قال - تعالى - (إن المنافقين فى الدرا
الأسفل من النار ).
وفى هذه الآية الكريمة معجزة من نوع الإخبار بالغيب، إذ لم تقـ
المعارضة من أحد فى أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر .
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على
ماهو عليه حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم و عارض .• بشى. لم يمتنع أن بتواصفا
الناس وبتناقلوه، إذ خفاء مثله فيها عليه مبنى العادة محال، لاسين
والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فيحين لم ينقل علم أنه إخبار
بالغيب على ما هو به، فكان معجزة) (١).
وقال بعض العلماء: ( هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التى صدعت
بتحدى الكافرين بالتنزيل الكريم . وقد تحداهم الله فى غير موضع منه
فقال فى سورة القصص :
(قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين)
وقال فى سورة الإسراء (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل
هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) وقال فى سورة
يونس (أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم
من دون الله إن كنتم صادقين ). وكل هذه الآيات مكية .
ثم تحداهم أيضا فى المدينة بهذه الآية (وإن كنتم فى ديب) .. الخ
فعجزوا عن آخرهم ، وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام ، وقد خصوا
من البلاغة والحكم مالم يخص به غيرهم من الأمم، جعل الله لهم ذلك طبعاً
وخلقة وفيهم غزيرة وقوة . يأتون منه على البديهة بالعجب وبدلون به إلىكل
سبب، فيخطبون، ويمدحون؛ ويقدحون، ويتوسلون ، وبتوصلون،
ويرفعون، ويضعون، فيأنون بالسحر الحلال ... ومع هذا فلم يتصد
المعارضة القرآن منهم أحد، ولم ينهض - لمقدارسورةمنه - فاهض من بلغاتهم،
ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط فى المضارة والمضادة.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٠٢