النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة القرة شتى، وهى: ذكر اسم الاشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وقوسيط الفصل بينه وبين أولئك، ليبصرك مرتباتهم، ويرغبك فى طلب ما طلبوا، .وينشطك لتقديم ما قدموا، ويشبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب .. والتمنى على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته ... )) (١). وإلى هنا :- كون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم بما يستحقه، وأثنت على من اهتدوا بهديه، ووصفتهم بالصفات السامية، وبشرتهم بالبشارات الكريمة وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب وأثره فى الهداية والإرشاد، وقصوير حال المتقين الذين اهتدوا به، وما اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية ، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة وحسن الجزاء ، أقول بعد أن انتهى من بيان كل ذلك شرع فى بيان حال الكافرين، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح الأرصاف فقال: إِنَ الّذِيع كَفُرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ، أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (*) خَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَ أَبْصَدِ هِمْ غِشَةٌ وَهُمْ عَذَابٌ رو ٧ عَظَمْـ ففى هاتين الآيتين بيان لأحوال طائعة ثانية من الناس، على الضد فى طبيعتها وأوصافها ومآ لها من الطائفة الأولى التى فازت برضوان الله. ٣ - والكهر - بالضم - ضد الإيمان. وأصله المأخوذ منه الكفر - بالفتح- وهو ستر الشىء وتغطيته، ومنه سمى الليل كافراً ، لأنه يغطى كل شىء بسواده، -فسمى السحاب كافراً لستره ضوء الشمس. ثم شاع الكفر فى مجرد ستر النعمة، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده ١. ويستعمله الشارع فى عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٤٦. ٦٢ الجزء الأول وسمی من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إلیه-كافراً، لأنهسار بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له . والمراد بالذين كفروا فى الآية التى معنا، طائفة معينة صمت آذاتها عن الحق ، عناداً وحسداً، وليس عموم الكافرين ، لأن منهم من دخل فى. الإسلام بعد نزول هذه الآية. وسواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أى: مستو ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر، كما فى قوله - تعالى: (( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)). أى : مستوية . والإنذار : إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف ، فإن. لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - . والمعنى: إن الذين كفروا برسالتك يا محمد ((مستو عندهم إنذارك. وعدمه، فهم لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون الداعى الهدى ، لسوء. استعدادهم ، وفساد فطرهم. وجاءت جملة ( إن الذين كفروا: مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذى سيق له الكلام ، إذ فى الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم . وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: ((فإن قلت ثم قطعت. قصة الكفار عن قصه المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: «إن الأبرار أفى نعيم. وإن الفجار لفى جحيم .. وغيره من الآيات الكثيرة ؟ قلت :ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت . لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقه لذ كر الكتاب وأنه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت ؛ فبين الجملتين تباين فى الفرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف)). ٦٣ سورة البقرة وقوله «سواء)خبر إن،و «علیهم،متعلق به، و((أأنذرتهم، مؤ ول بمصدر فاعل سواء . أى: إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه، مع أن الإنذار إنما يواجههم به نى قوى. أمين مؤيد من الله - تعالى -، لأنهم لما جحدوا نعم الله، وعبوا عن آياته، وحسدوا رسوله على ما آتاهالله من فضله،صاروا بسببذلك فى حضیض جهد معه شعورهم ، وبرد فيه إحساسهم، فلا تؤثر فيهم موجعات القول ، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج . فهم كما قال الشاعر : لقد أسمعت إذ ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى ولم يذكر - سبحانه -التبشير مع الإنذار، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإنذار أوقع فى القلوب، والذى لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى. ولم يقل - سبحانه - سواء عليك ألفذرتهم أم لم تنذرهم .. الخ، لأنه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم لا يستوى الأمران، إذ هو فى حالة إنذاره لهم. مثاب ومأجور، أما فى حالة عدم إنذاره فهو مآخذ من الله - تعالى - لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه . وجملة (( لا يؤمنون)، مفسرة لمعنى الجملة التى قبلها ومؤكدة لها، لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء، فلا يتوقع منهم الإيمان. ولذلك فعلت. وفى هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم البتة، وذلك لأن حرف (( لا ) إذا دخل على الفعل المضارع - كما هنا - أفاد أن الفعل لا يقع فى المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفى فى المستقبل على وقت محدد . :٠ والحكمة فى الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار، تسلية النبى - م التيع - حتى لا يكون فى صدره حرج من تمردهم وعدم. إيمانهم بعد أن قام بواجب دعونهم، وفى ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن. لا يحترق قلبه أسفاً على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم بعد أن دعاهم إليه ، وبذل قصارى جهده فى تبصيرهم وإرشادهم . ٦٤ الجزء الأول ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المواقع التى حالت بينهم وبين الاهتداء إلى لحق فى الماضى والمستقبل فقال تعالى : ( ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ). والختم: الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشىء وطبعه ، للإستیثاق ، لكى لا يخرج منه ماهو بداخله، ولا يدخله ماهو خارجعنه. قال القرطبى: ((والختم مصدر ختمت الشىء ختماً فهو مختوم مختم، شدد بالغة، ومعناه التغطية على الشىء والاستيثاق منه، وقد يكون محسوساً فى ختم الكتاب والباب، وقد يكون معنوياً كالختم على القلوب . .. » (١) والقلوب: جمع قلب، وهو المضغة التى توجد بالجانب الأيسر من صدر انسان، ويستعمل فى القوة العاقلة التى هى محل الفهم والعلم . والسمع : مصدر سمع . ويطلق على الآلة التى يقع بها السمع. ولما كان الختم يمنع من أن يدخل فى المختوم عليه شىء، أستعير لإحداث ـنة فى القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما. الأبصار: جمع بصر، وهو فى الأصل الإدراك بالعين ، ويطلق على ـة التى يقع بها الإبصار، وعلى العين نفسها . وهذا المعنى أقرب ما تحمل ه الأبصار فى الآية. وهو الأنسب لأن تجعل عليه غشاوة . ومفاد الآية تصير أبصارهم بحيث لا تهتدى إلى النظر فى حكمة المخلوقات وعجائب منوعات : باعتبار وقدبر , حتى لكأنما جعلت عليها غشاوة. والغشاوة: ما يغطى به الشىء، من غشاء إذا غطاه. يقال: غشبه غشاوة - مثلثة - وغشابة. أى: ستره وغطاه. فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز (١) تفسير القرطبى ج ١ ص ١٨٦. ٦٥ سورة البقرة 1 حصينة ، وأفضالا متينة ، وغشاوات مطبقة ، قد ضربت على أسماعهم وعلى قلوبهم حتى أصبحوا لا يخيفهم تذيع، ولا يرغبهم بشير. وعبر فى جانب القلب والسمع بالختم ، وفى جانب البصر بالغشاوة ، - لمعنى سام، وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، إذ غشاوة العين معروفة لنا ، فالتعبير فى جانب العين بالغشاوة مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا قدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقدصور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الحتم وعبر فى جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث، «وفى جانب البصر يجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير ، ولا يواجهون بحجة، وإنما كان صوت التذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبى صلى الله عليه وسلم. وأما ما يدرك بالبصر من دلائل وجود الله وآبات قدرته ، فقد كان قائما فى السماوات وفىالأرض - وفى الأنفس ، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية ، وأن يستدل به المنبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عنآ يات اللّه القائمة حادثاً متجدداً ، بل هم قد صحيهم العمى من بده وجودهم ، فلما .. دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى ، وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل ، فكان . عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم، وكذلك عان الناس فيما تنظمه أبصارهم من آيات الله فى كونه ، فإن أنظارهم تختلف فى -عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون من آيات الله فى الآفاق. وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعاً شىء واحد هى الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه له النبيون . لذلك كان الناس جميعاً كأنهم على سمع واحد، فكان إفراد السمع ١٠ ذاناً من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد . ( مه البقرة) - ٦٦ الجزء الأول ونرى القرآن هنا قدم القلب فى الذكر على السمع ، بينما فى سورة الجاثية قدم السمع فى الذكر على القلب فقال : ( أفر أيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله اله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؛ أفلا تذكرون). وذلك لأنه - سبحانه - فى سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله «اتخذ إلهه هواء، ومن اتخذإلهه هواه یکون أول ما يبدو منهللناسر ویعرف. هو إغراضه عن النصح ، ولى رأسه عن استماع الحجة ، فكان مظهر عدم. السماع منه أول ما يبدو للناظرين ، فلذلك قدم السمع على القلب. وأما آيتنا هذه وهى قوله - تعالى - «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم». فقد جاءت إثر الآبة المختومة بقوله ((لا يؤمنون)). والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبراهين ، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو بالقلب فكان التحليل. المتصل الواضح لنفى الإيمان أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، أولا: يتسرب إليها فور البرهان لذلك قدم القلب على السمع . هذا وقوله - تعالى - (( ختم الله على قلوبهم)) .. الخ . لا ينفى عنهم قبعة .. لكفر، لأنهم هم الذين باشروا من فاسد الأعمال، وذميم الخصال، ومتابعة. الهوى، مانسج على قلوبهم الأغلفة السميكة، وأصم إلى جانب ذلك آذانهم. وأعمى أبصارهم، « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلون)). ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسأله فايرجع إليه من شاء. ثم بين - سبحانه - ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم فىه. لكفر . واستحبابهم المعاصى فقال : (( ولهم عذاب عظيم)). : أى: ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع مؤلم الأبدانهم وأجسامسه .. ٦٧ سورة البقرة وأصل العذاب: المنع ، يقال: عذب الفرس - كضرب - امتنع عن العلف . وعذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم ، فهو عاذب وعذوب . ثم أطلق على الإيجاع الشديد لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم: الكبير ، من عظم الشىء ، وأصله كبر عظمه ، ثم استعير لكل كبير محسوساكان أو معقولا . ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيراً هيناً . قال أبو حيان فى البحر : وقد ذكروا فى هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعاً . الأول : الخطاب العام اللفظ ، الخاص المعنى . الثانى الاستفهام الذى يراد به تقرير المعنى فى النفس . أى: يتقرر أن الانذار وعدمه سواءعندهم. الثالث: المجاز ويسمى الاستعارة وهو فى قوله-تعالى-, ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)، وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا معنوى ؛ فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير اسم المختوم عليه، فبين أنه من مجاز الاستعارة. الرابع: الحذف وهو فى مواضع منها ((أن الذين كفروا .. ، أى: القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به، ومنها (لا يؤمنون) أى بالله وبما أخبرتم به عنه .. ) (١) وإلى هنا يكون القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس: طائفة المتقين ومالها من جميل الصفات ، وجزيل الثواب، وطائفة الكافرين ومالها من ذمم النعوت، وشديد العقاب . ١ ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص المتقين، وليس لديها صراحة الكافرين ، وإنما هى طائفة قلقة مذبذة لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، تلك الطائفة الثالثة هى طائفة المنافقين الذين فضحهم القرآن . وأماط اللئام عن خفاياهم وخذاعهم فقال: (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج١ ص ٥٠ ٦٨ الجزء الأول وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّ بِلهِ وَ بِلْيَوْمِ آَلَآَخِرِ وَمَا هُمْ يُؤْ مِنِينَ (٨) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ نُفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِ قُلُوبِهِم مََّضُ فَزَادَهُ اللّهُ مَرَضِّاً لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ () قال صاحب الكشاف: ((افتتح - سبحانه - كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ووافق سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، قلوناً وألسنة، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا. وهم الذين قال فيهم: ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده ، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وقدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعاً، واذلك أنزل فيهم:((إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار، ووصف حال الذين كفروا فى آيتين ووصف حال الذين نافقوا فى ثلاث عشرة آية، فعى عليهم فيها خبثهم ، ومكرهم ، وفضحهم، وسفههم . واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم ، وسجل طغيانهم، ودعاهم صما بكما عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة . وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف الجملة على الجملة))(١) . والناس: اسم لجماعة الإنس. قال القرطبى: ((واختلف النحاة فى لفظ الناس فقيل: هو من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة على غير اللفظ، وتصغيره وبس، فالناس من النوس وهو الحركة، يقال: ناس) (١) تفسير الكثاف ج ١ ص ٠٥٤ ٦٩ سورة البقرة ينوس أى : تحرك. وقيل : أصله فسى، فأصل قاس نسى، قلب فصار نيس، تحر كت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، ثم دخلت الألف واللام فقيل: الناس ، قال ابن عباس : نسى آدم عبد اللّه فمى إنساناً. وقيل: سمى إنساناً لأفسه بربه ، قال الشاعر : ولا القلب إلا أنه يتقلب (١) ". وما سمى الإنسان إلا لأنسه واليوم الآخر هو اليوم الذى يبتدى بالبعث ولا ينقطع أبداً ، وقد يراد منه اليوم الذى يبتدى. بالبعث وينتهى باستقرار أهل الجنة فى الجنة. وأهل النار فى النار . وقال القرآن فى شأن المنافقين ((ومن الناس) مجرداً إياهم من الوصفين السابقين، وصف الإيمان ووصف الكفر، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين، ولا يحسب باطنه مع المؤمنين ، لذا عبر عنهم بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أنهم لاهم مؤمنون . ولاهم كافرون وفى ذلك مبالغة فى الحط من شأنهم . فهم لم يخرجوا عن كونهم ناساً فقط ، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصر حاء فى كفرهم، بل بقوا فى منحدر من الأرض ، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولاسالك المعوج من الطرق . وعبر القرآن بلفظ «يقول آمناً، ليفيد أنه مجرد قول باللسان ، لا أثر له فى القلوب، وإنما هم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم . وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا فى إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، لميزيدوا فى التمويه على المؤمنين بإدعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من طرفيه ، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، استجابة لدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن من شأنه أن يكون - أيضا - مؤمناً برسل الله وملائكته وكتبه . (١) تفسير القرطبى ج ١ ص ١٩٢. ٧٠. الجزء الأول وقد كذبهم الله - تعالى - فى دعواهم الإيمان ، فقال: ١٠ ((وماهم بمؤمنين)). فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإيمان ، ونفى له على أبلغ وجه ، إذ جاء النفى مؤكداً بالباء فى قوله ((بمؤمنين)). ثم أن الجملة نفت عنهم الإيمان على سبيل الإطلاق، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته. ثم بين - سبحانه - الدوافع التى دفعتهم إلى أن يقولوا آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين، فقال : (يخادعون الله والذين آمنوا). والخدع فى أصل اللغة: الإخفاء والإبهام، يقال خدعه - كمنعه - خدعا، ختله وأراد به مكروهاً من حيث لا يعلم؛ وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإقبال عليه ثم خرج من باب آخر . وخداعهم الله - تعالى - معناه إظهارهم الإيمان وإيطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويفوزوا بسهم من الغنائم ، وسمى فعلهم هذا خداعاً لله - تعالى - لأن صورته صورة الخداع ، فالجمله الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة، ولا يجوز حملها على الحقيقة، لأنه - سبحانه - لا يحفى عليه صنع المنافقين، بل لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولافي السماء . قال - تعالى - ١ (((إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم). أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم فى العقيدة وأنهم لايريدون لهم إلا الخير . بينما هم فى الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر . وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف ، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة، إذ أن قول المنافقين , آمنا، وماهم بمؤمنين ، بشير فى نفس السامعين استفهاماعما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحالى المضطربة والحياة ٧١ سورة البقرة القلقة المقامة على الكذب، فكان الجواب: أنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين، جهلا منهم بصفات خالقهم . وقال القرآن: ((يخادعون الله والذين آمنوا)). ولم يذكر مخادمتهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولعل الحكمة فى ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة الله مخادعة لرسوله، لأنه هو الذى بعثه إليهم، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه. قال - تعالى - : ( إن الذين يبابعونك إنما يبايعون اله يدالله فوق أيديهم) وقال - تعالى- .( من يطع الرسول فقد أطاع الله) . ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال: ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون). الأنفس : جمع نفس بمعنى ذات الشىء وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذى يكون به الحس والحركة والإدراك. ويشعرون: مضارع شعر بالشىء - كنصر وكرم - يقال": شعر بالشىء أى: فطن له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره -من غريب المعانى ودقائقها . . والشهور: العلم الحاصل بالحواس، ومنه مشاعر الإنسان أى: حواسه والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون، ولم يخادعوا "المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين، وإنما يخدعون أنفسهم لأنَّ ضرر المخادعة عائد عليهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. لأن ظلام الغى خالط قلوبهم ، فجعلهم عديمى الشعور ، فاقدى الحس . وأتى بجملة ((وما يخدعون إلا أنفسهم، بأسلوب القصر مع أن خداعهم المؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك ، أما المؤمنون فحتى لو قالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه وففى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها، ولم يستعمارها فيها خلقت له، فكانوا كالفاقدين لها. ٧٢ 1 الجزء الأول ثم بين - سبحانه - العلة فى خداعهم لله وللمؤمنين فقال: (فى قلوبهم مرض ) . والمرض : العلة فى البدن وفقيضه الصحة ، وقد يستعمل على وجه الاستعارة. فيها يعرض للمرء فيخل بكال نفسه، كسوء العقيدة والحسد، والبغضاء .. والنفاق، وهو المراد هنا . وسمى ما هم فيه من نفاق وكفر مرض ، لكونه مانعا لهم من .. إدراك الفضائل . كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل . وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للعرض ، للإشعار بأنه تمكن منها تمكينا .. شديدا كما يتمكن الظرف من المظروف فيه . ثم أخبر - سبحانه - بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا. وخسراً فقال: ( فزادهم الله مرضاً ). لأنهم استمروا فى نفاقهم وشكهم ، ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج مرضه زاد لا محالة مرضه، إذ المرض ينشىء المرض، والانحراف. يبدأ يسيراً ثم تنفرج الزاوية فى كل خطوة وتزداد . والمعنى: أن هؤلاء المنافقين قد زادهم الله رجساً على رجسهم، ومرضا: على مرضهم، وحسدا على حسدهم، لأنهم عموا وصموا عن الحق، ولأنهم .. كانوا يحزنون لأى نعمة تنزل بالمؤمنين. كما قال - تعالى -: (إن. تمسكم حسنة تسؤهم ، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: (ولهم عذاب أليم بما. كانوا يكذبون) . ((أُلم، أى: مؤلم وموجع وجعاً شديداً. من ألم - كفرح - فهو ألم، وآله يؤلمه إيلاما، أى: أوجعه إيجاعا شديدا. والكذب: الإخبار عن الشىء مخلاف الواقع. ولقدكان المنافقون كاذبين. فى قولهم (( آمناً بأنه وباليوم الآخر ، وهم غير مؤمنين ، وجعلت الآية الكريمة العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم كفرة ،. ٧٢ سورة البقرة والكفر أكبر معصية من الكذب، للإشعار بقبح الكذب ، وللتنفير منه. بأبلغ وجه، فهؤلاء المنافقون قد جمعوا الخستين، الكفر الذى توعد الله. مرتكبه بالعذاب العظيم، والكذب الذى توعد الله مقترفه بالعقاب الأليم .. وعبر بقوله «كانوا يكذبون، لإفادة تحدد الكذب وحدوثه منهم حيناً بعد حين، وأن هذه الصفة هى أخص صفائهم، وأبرز جرائمهم ، ثم وصفهم الله - تعالى - بعد ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال : ، وَإِذَا قِلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (٥) أَلْآ إِنْهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ (٢) وَإِذَا قِلَ لَهُمْءَ امِنُواْ كَمَاَ ءَ امَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَاَ ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَ إِنَّهُمْ مُ السُّفَهَاءُ وَلَئِكِنْ لَّا يَعْلُونَ () الفساد: خروج الشىء عن حالة الاعتدال والاستقامة، وعن كونه. منتفعاً به، وعنده الصلاح، يقال منه: فسدالشى. فساداً، وأفسده إفساداً. والمراد به هنا كفرهم، ومعاصيهم ، ومن كفر بالله وانتهك محارمه. فقد أفسد فى الأرض ، لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة. ومن أبرز معاصى هؤلاء المنافقين ، ما كانوا يدعون إليه فى السر من .. تكذيب الرسول - عَّ الله - وإلقاء الشبه فى طريق دعوته، والتحالف. مع المشركين ضد المسلمين كاما وجدوا إلى ذلك سبيلا . وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال: «وإذا قيل لهم، بالبناء للمفعول. ٧٤ الجزء الاول دون أن يسند الفعل إلى فاعله، لأن مصدر القول المعبر عن النهى عن الإفساد ليس مصدراً واحداً ، فقد يصل آذانهم هذا النهى مرة من رسول الله، وأخرى من أصحابه، وقد يفهمون هذا النهى مرة من صريح القول. وأخرى ما كانوا. يقابلون به من ناحية الرسول مَّامٍ وأصحابه من نجهم وإعراض. وعلق بالفعل الذى هو الإفساد قوله: ((فى الأرض، إيذاناً بأن الإفساد. مهما ضاقت حدوده ، فإنه لا بد يوماً أن يتعدى الحدود إلى ما وراء ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد فى الاحتياط له ، لذلك جعل ظرف إفسادهم الأرض كلها مع أنهم موجودون فى بقعة محصورة هى المدينة المنورة . ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من تبجح وادعاء فقال : ( قالوا: إنما نحن مصلحون). فقد بالغوا فى الرد فحصروا أنفسهم أولاً فى الإصلاح مبالغة المفجوع الذى أذهلته المفاجأة بكشف أستار حقيقته ، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا: ((إنا مصلحون)) بل قالوا (( إنما). ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا بذلك على أن شأنهم فى الإصلاح ثابت لازم .. قال الراغب: صوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما فى قلوبهم من المرض، كما فى قوله - تعالى -: أفمن زين له سو عمله فرآه حسناً). وقوله: وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. وقوله: ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنياوهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً). ولقد كذبهم الله - تعالى - تكذيباً مؤكداً فى دعواهم أنهم مصلحون فقال : ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) . فأنت ترى أن القرآن الكريم قد وضع فى الرد عليهم جملة صدرها بأداة الاستفتاح إيذاناً بأن ما قالوه يجب أن يهمل إهمالا ، بل يجب أن يكون ٧٥ سورة البقرة وصفهم بالإفساد قضية مبتدأة مقررة حتى يتلقاها السامعَ وهو منتبه النفس، حاصر الذهن . والمراد من الناس المؤسون بالرسول بست له الصادقون فى إيمانهم. ثم أكد الجملة بعدة تأكيدات منها: وصل ((ألا)، ((بإن) الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه، ومنها تأكيد الضمير بضمير منفصل حتى يتم التصاق الخبر بالمبتدأ، ومنها أسمية الجملة ، ومنها إفادة قصرهم على الإفسادفى مقابل تأ کیدهم أنهم هم المصلحون . ولما كان هذا الرد المؤ كد عليهم يستدعى عجباً، لأنهم زعموا أنهم لا حال لهم إلا الصلاح، مع أنهم فى الحقيقة لا حال لهم إلا إلافساد ، لما كان الأمر كذلك، فقد أزال القرآن هذا العجب بقوله: ( ولكن لا يشعرون). أى: أنهم ما قالوه إلا عن غباء استولى على إحساسهم، وففى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد ، فأمسوا لا يدركون من شأن أنفسهم شيئاً، ومن أسوأ ألوان الجهل أن يكون الإنسان مفسداً ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساد. ظاهر فى العيان ، مرئى لكل ذى حس . فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منى. باختلاف آلات إدراكهم، حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحا، والشرخيراً وليس عدم شعورهم رافعاً العقاب عنهم ، لأن الجاهل لا يعذر بجهله خصوصاً إذا كان جهله يزول بأدنى تأمل لوضوح الأدلة ، وسطوع البراهين. ثم بين القرآن أن الناصحين قد أمروهم بالمعروف بعد أن نهودم عن المنكر فقال : ( وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء). السفهاء: جمع سفيه، وأصل السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال: ثوب سفيه، إذا كان ردىء النسج خفيفه، أو كان باليارقيقاً. وتسفهت. الريح الشجر. أى: مالت به . وزمام سفيه: كثير الاضطراب، لمنازعة ٧٦ الجزء الأول الناقة إياء، وشاع فى خفة العقل وضعف الرأى. وهو المعنى المقصود بالسفهاء. فى الآية . فقد كان المنافقون يصفون المسلمين بذلك فما بينهم . وروى أنهم كانوا يقولون: أنؤمن كما آمن سفيه بنى فلان ، وسفيه بنى فلان ؟! فأوحى الله النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذا الذى كانوا يقولونه. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: لم وصفوهم بالسفه وهم العقلاء المراجيح؟ قلت لأن المنافقين لجهلهم وإخلالهم بالنظر، اعتقدوا أن ماهم فيه هو الحق ، وأن ماعداه باطل ، ومن ركب منن الباطل كان سفيهاً، ولأنهم. كانوا فى رياسة من قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال. كصهيث وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم (١) اهـ ملخصا. وقد رد الله عليهم بما يكتبهم ويفضحهم فقال : (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) لأنهم أعرضوا عن النظر فى الدليل وباعوا آخرتهم بدنياهم ، وهذا أقصى ما يبلغه الإنسان من سفه العقل . وقد تضمن هذا العقل تسفيهم وتكذيبهم فى دعوى سفه الصادقين فى إيمانهم، فإن قوله - تعالى - ((ألا إنهم هم السفهاء، يفيد أن السفه مقصور عليهم فلا يتجاوزهم إلى المؤمنين، وقد تضمنت من المؤكدات ما تضمنته .. الجملة السابقة فى قوله - تعالى - ((ألا إنهم هم المفسدون)). وإنما قال فى الآية السابقة ((ولكن لا يشعرون)) وقال فى هذه الآية (ولكن لا يعلمون، لأن الآية السابقة وصفتهم بالإفساد، وهو من المحسوسات التى. تدرك بأدنى نظر فيناسبه ففى الشعور الذى هو الإدراك بالمشاعر: الحواس، أما هذه الآية فقد وصفتهم بالسفه، وهو ضعف الرأى والجهل بالأمور ، وهذا لا يدركه الشخص فى نفسه إلا يعد نظر وإمعان فكر فيناسبه نفى العلم. ثم بين التمرآن ماهم عليه من سلوك ذمم، وأنهم يقابلون الناس بوجوه ... مختلفة فقال : (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٤ ٧٧ سورة البقرة وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَ امَنَّا وَ إِذَا خَلَوَاْ إِلَى شَِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ (18) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغَيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوَأْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى فَا رَبِحَتْ تِزَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (٣) ((وإذا مالقوا الذين آمنوا، يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته وصادفته . وكان قريباً منك. والمصدر اللقاء واللقى والقية . والمقصود: استقبلوهم وكانوا فى مواجهتهم وقريبا منهم. ومرادهم بقولهم (آمناً، أخلصنا الإيمان يقلوبنا لأن الإقرار باللسان معلوم منهم . . وإذا خلوا إلى شياطينهم، أى: انفردوا مع رؤسائهم وقادتهم المشبهين "الشياطين فى تمردهم وعنوهم وصدهم عن سبيل الحق. يقال: خلا به .وإليه ومعه، خلواو خلاء وخلوة: سأله أن يجتمع به فى خلوة ففعل وأخلاه معه أو المعنى: وإذا مضوا وذهبوا إلى شياطينهم، يقال: خلا بمعنى مضى وذهب، ومنه قوله تعالى((قد خلت من قبلكم سنن)). أى مضت. وغير عن حالهم مع المؤمنين بالملاقاة ، وعن حالهم مع الشياطين بالخلوة إيذانا بأن هؤلاء المنافقين لا أفس لهم بالمؤمنين، ولاطمأنينة منهم إليهم فهم لايجالسونهم ولا يسامرونهم ، وإنما كل ما هنالك أن يلقوهم فى عرض طريق، أما شأنهم مع شياطينهم فهم إليهم بر كنون ، وإليهم يتسامرون ويتحادثون ، لذلك هم بهم يحلون . والمعية فى قولهم ((إنا معكم)، والمراد منها موافقتهم فى دينهم، وأكدوا ماخاطبوا به شياطينهم بحرف التأكيد، إذ قالوا (( إنا معكم ) ليزيلوا ما قد يجرى فى خواطرهم من أنهم فارقوا دينهم وانقلبوا إلى دين الإسلام بقلوبهم ولم يأؤكدوا ما خاطبوا به المؤمنين، إذ قالوا لهم (آمعا) ولم يقولوا (( إنا ٧٨ الجزء الأول آمنا ليوهموهم أنهم بمرقبة لا ينبغى أن يترددوا فى إيمانهم حتى يحتاجوا: إلى تأكيد. وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( إنما نحن مستهز أون). وارد مورد الجواب عما قد يعترض به عليهم شياطينهم إذا قالوا لهم : كيف تدعون. أنكم معنامع أنکم توافقون المؤمنين فىعقيدتهم و تشار كونهم فى مظاهر دينهم؟ فكان جوابهم عليهم ( إنما نحن مستهزئون) والاستهزاء : السخرية. والاستخفاف بالغير، يقال: «زا منه وبه - كمنع وسمع - واستهزا به،. أى : سخر . والمعنى: إننا نظهر للمؤمنين الموافقة على دينهم استخفافاً بهم وسخرية. منهم ، لا أن ذلك صادر منا عن صدق وإخلاص . ثم بين - سبحانه - موقفه منهم فقال: (الله يستهزىء بهم). حمل بعض العلماء استهزاء الله بهم على الحقيقة وإن لم يكن من أسماه. المستهزى، لأن معناه يحتقرهم على وجه شأنه أن يتعجب منه، وهذا المعنى. غير مستحيل على الله، فيصح إسناده إليه - تعالى - على وجه الحقية. ويرى جمهور العلماء أن الاستهزاء لاينفك عن التلبيس كان يظهر المستهزىء استحسان الشىء وهو فى الواقع غير حسن، أويقر المستهزأ به. على أمر غير صواب ، وهذا المعنى لا يليق بجلال الله، فيجب حمل الاستهزاء المسند اليه تعالى على معنى يليق بجلاله ، فيحمل على ما يلزم على الاستهزاء. من الانتقام والعقوبة والجزاء المقابل لاستهزائهم، وسمى ذلك استهزاء. على سبيل المشاركة كما فى قوله تعالى: ((وجزاء سيئة سيئة مثلها». وهذا دليل على غيرة الله على عباده المؤمنين، وافتقامهمنكلمن يستهزى. بهم أو يؤذيهم . وعبر بالمضارع فى قوله (يستهزىء ) للإبذان بأن احتقاره لهم، أو مجازاتهم على استهزائهم يتجدد ويقع المرة بعد الأخرى : ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان غضبه عليهم فقال: « ويهد فى طغيانهم يعمرون)). ٠ ٧٩ سورة البقرة المد : الإمهال والمطاولة والزيادة، من المد بمعنى الإمهال ، يقال : مده فى غيه - من باب رد - أمهله وطول له ، ويقال: مد الجيش وأمده إذا ألحق به ما يقويه ويكثره ويزيده، وقيل: أكثر ما يستعمل المد فى المكروه، والإمداد فى المحبوب، والطغيان: مجاوزة الحد، ومنه طغا الماء ، أى : ارتفع . ويعمون : يعمون عن الرشد ، أويتحيرون ويترددون بين الإظهار والإخفاء، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان . يقال: عمه - كفرح ومنع - عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمد كر كع . والمعنى: أن الله تعالى يجازى هؤلاء المنافقين على استهزائهم وخداعهم، ويمكنهم من المعاصى أو يملى لهم ليزدادوا إثماً. حال كونهم يعمون عن الرشد ، فلا يبصرون الحق حقاً ولا الباطل باطلا . ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غبائهم وبلادتهم فقال: « أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى)). الاشتراء: استبدال السلعة بالثمن . والمراد : أنهم استبدلوا ماكره اهـ من الضلالة بما أحبه من الهدى . والمشاراليه بأولئك هم المنافقون: الموصوفون فى الآيات السابقة بالكذب والمخادعة، والفساد فى الأرض، ورمى المؤمنين بالسفاهة واستهزائهم بهم. والسر فى الإشارة اليهم والتعبير عنهم بأولئك. تميزهم وتوضيحهم بأكمل صورة وأجلى بيان . إذ من المعروف عند علماء البلاغة أن اسم الإشارة إذا أشير به إلى أشخاص وصفوا بصفات يلاحظ فيه تلك الصفات ، فهو بمنزلة إعادة ذكرها وإحضارها فى أذهان المخاطبين . فتكون تلك الصفات، وهى هنا الكذب والمخادعة وما عطف عليها، كأنها ذكرت فى هذه الآية مرة أخرى ليعرف بها علة الحكم الوارد بعد اسم الإشارة ، وهو هنا اشتراء الضلالة بالهدى . أى : اختبارها . واستبدالها به . ٨٠٠٠٠ الجزء الأول وعبرت الآية بالاشتراء على سبيل الاستعارة ليتحدد مقدار رغبتهم فى الضلالة، وزهدهم فى الهدى، فإن المشترى فى العادة يكون شديد الرغبة فيما يشترى ، رغبة تجعله شديد الزهد فيما يبذله من ثمن . فهم راغبون فى الضلالة، زاهدون فى الهدى . وقوله تعالى: ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) لا يقتعنى أنهم كانوا على هدى من ربهم فتركوه، بل يكفى فيه أن يجعل تمكنهم من الهدى لقيام أدليه . بمنزلة الهدى الحاصل بالفعل. ثم بين سبحانه نتيجة أخذهم الضلال وتركهم الهدى فقال : فما ربحت تجارتهم، أى : أنهم لم يحصلوا من اشترائهم الضلالة - بالهدى على الربح، وإذا كانت التجارة الحقيقية قد يفوت صاحبها الربح، ولكنه لا يقع فى خسارة بأن يبقى له رأس ماله محفوظاً، فإن التجارة المقصودة من الآية هى استبدال الضلالة بالهدى، لا يقابل الربح فيها إلا الخسران ، . فإذا نفى عنها الربح فذلك يعنى أنها تجارة خاسرة . ثم قال - تعالى -: «وما كانوا مهتدين، أى: وما كانوا مهتدين إلى سبيل الرشاد وما تتجه إليه العقول الراجحة من الدين الحق، وما كانوا. مهتدين إلى طرق التجارة الرابحة، فهم أولا لم يربحوا فى تجارتهم بل خروها، وهم ثانياً ذهب نور الهدى من حولهم فبقوا فى ظلة الضلال . وما أوجع أن يجتمع على التاجر خسارته وتورطه، وما أوجع أن يجتمع عليه أن ينقطع عن غايته، وأن يكون فى ظلمة تعل قه عن التبصر. وبعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين فى الآيات السابقة، ساق مثلين التوضيح سو. تصرفهم، وشدة حيرتهم واضطرابهم. فقال تعالى: