النص المفهرس

صفحات 41-60

الجزء الأول
لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل
شاسعة، وفضلا عن ذلك فإن تصدير السور بمثل هذه الحروف المقطعة.
بجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر،
لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم،
وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيستمعوا حكما وحججاً.
قد تكون سبباً فى هدايتهم واستجابتهم للحق .
هذه خلاصة لآراء العداء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض.
السور القرآنية، ومن أراد مزيداً لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب (الإتقان».
السيوطى، وإلى كتاب (البرهان) الزر كشى، وإلى تفسير الآلومى.
ثم قال - تعالى -: ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين).
(ذلك ) اسم إشارة واللام للبعد حقيقة فى الحس ، مجازاً فى الرقبة ،
والمكاف الخطاب، والمشار إليه - على الراجح -الكتاب الموعود به- محله
- فى قوله - تعالى - ( إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا).
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أخبرنى عن تأليف ( ذلك الكتاب )مع.
( ألم) قلت: إن جعلت (ألم) اسماً للسورة ففى التأليف وجوه. أن يكون
( ألم) مبتدأو ( ذلك) مبتدأ ثانياً، و(الكتاب) خبره. والجملة خبر
المبتدأ الأول .
ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل ، كان ما عداه من الكتب فى ..
مقابلته ناقص ، وأنه الذى يستأمل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل،
أى : الكامل فى الرجولية ، الجامع لما يكون فى الرجال من مرضيات الخصال ...
.. وإن جعلت ( ألم) بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب، أى :.
ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل (١) .. ٠) اهـ ملخصاً.
وقيل: المشار إليه (ألم) على أنه اسم السورة والمراد المسمى.
١ (١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٣.

٥١
سورة البقرة
و (الكتاب ) مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم
بالخياطة . واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأريدبه
هنا المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التى يتألف منها فى الخط ، تسمية.
للشىء باسم ما يؤ ول إليه .
و ( الريب) فى الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة،
وحقيقة الربية، قلق النفس واضطرابها، ثم استعمل فى معنى الشك مطلقاً.
وقال ابن الأثير : الريب هو الشك مع التهمة .
و ((هدى)). مصدر هداه هدى وهداية وهدية - بكسرها - فهدى،
ومعناه الدلالة الموصلة إلى البغية ، وضده الضلال .
و («المتقون، جمع متق، اسم فاعل من اتقى وأصله او تقى - بوزن.
افتعل - من وقى الشىء وقاية، أى: صافه وحفظه ما يضره ويؤذيه .
والمعنى: ذلك الكتاب الكامل، وهو القرآن الكريم ، ليس محملا لأن
يرقاب عاقل أو منصف فى أنه منزل من عند الله، وأنه هداية وإرشاد
المتقين الذين يجتنبون كل مكروره من قول أو فعل، حتى يصونوا أنفسهم.
عما يضرها ويؤذيها.
وكانت الإشارة بصيغة البعيد، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه، فإن
نظرت إليه من ناحية تراكييه فهو معجز البلغاء، وإن نظرت إليه من ناحية
معافيه فهو فوق مدارك الحكماء، وإننظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه
فهو أصدق محدث عن الماضين، وأدق محدد لتاريخ السابقين ، فلا جرم أن
كانت الإشارة فى الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا
القرآن ، وقد شاع فى كلام البلغاء تمثيل الأمر الشريف بالشىء المرفوع فى
عزة المنال ، لأن الشىء النفيس عزيز على أهله، فمن العادة أن يجعلوه فى مكان
مرتفع بعيد عن الأبدى .
وححت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل بعد، لأن الإشارة إلى بعضه
كالإشارة إلى الكل حيث كان بصدد الإنزال، فهو حاضر فى الأذهان ،

٥٢
الجزء الأول
فشبه بالحاضر فى العيان .
وففى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين
حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة حكمته، وسطوع حجته،
لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحياً سماوياً، ومصدر هداية وإصلاح.
فالجملة الكريمة تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا
على النظر فيه بروية ، ومن أرتاب فى القرآن فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية،
أو بصيرة نافذة . أو قلب سليم.
وقدم جملة ((لا ريب فيه)) على جملة «هدى للمتقين، لأنه أراد أن ينفى
عن ساحة كونه كتاباً هادياً غبار الريب، وغيوم الشكوك، حتى يستقر
فى النفوس وصفه ، وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهداياته .
وفصل جملة ((لا ريب فيه، عما قبلها لكمال الاتصال، حيث كانت جملة
(ذلك الكتاب) مفيدة لكماله، وجملة (لا ريب فيه) مفيدة أنفى الريب عنه.
والمراد بكونه (( هدى للمتقين ، مع أنه هداية لهم ولغيرهم، لأنهم هم
المنتفعون به دون سواهم .
قال تعالى: ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى
آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد).
ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما
قال - تعالى - :
( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) .
ويصح أن يكون المعنى: هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية،
كما قلت: هديت مهتديا، أو كتبت مكتوبا ، على معنى أنى هديت شخصاً مار
مهدياً بهذه الهداية، وكتبت خطاباً صار مكتوباً بهذه الكتابة، وهو أسلوب
عربى صحيح . كما ورد فى حديث ((من قتل قتيلا فله سلبه)).

٥٣
سورة البقرة
قال صاحب الكشاف: ((ومحل «هدى للمتقين) الرفع، لأنه خبر
مبتدأ محذوف، أو خبر مع ((لا ريب فيه) لذلك ... والذى هو أرسخ عرقاً
فى البلاعة أن يضرب عن هذه المحال صفحاً، وأن يقال: إن قوله ((ألم))
جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها .
و((ذلك الكتاب، جملة ثانية. و((لا ريب فيه)) ثالثة. و«هدى
للمتقين)) رابعة . وقد أصيب بترقيها مفصل البلاعة وموجب حسن النظم،
حيث جىء بها متناسقة هكذا من غير فسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً
بعضها بعنق بعض . فالثانية متحدة بالأولى معتفقة لها، وهلم جراً إلى الثالثة
والرابعة: بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه
الكتاب المنعوت بغاية الكمال . فكان تقريراً لجهة التحدى، وشدأ من أعداده
ثم نفى عنه أن يتشبث به من طرف الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله .
لأنه لا كمال أكمل من الحق واليقين. ولا نقص أنقص مما للباطل والشبه.
وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: فى حجة تتبختر اتضاحاً، وفى
شبهة تتضاءل افقضاحاً . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه
يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه
ثم لم تخل كل واحدة من الأربع - بعد أن رقبت هذا الترتيب الأنيق - من
نكتة ذات جزالة. ففى الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه.
وفى الثانية ما فى التعريف من الفخامة، وفى الثالثة ما فى تقديم الريب على
الظرف، وفى الرابعة الحذف (١) ...
ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين، ومدحهم بجملة من المناقب
الحميدة، فقال: ((الذين يؤمنون بالغيب، أى: يصدقون بما غاب عن
حواسهم، كالصانع وصفاته، وكاليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب
وثواب وعقاب .
--
والإيمان لغه التصديق والإذعان ، وهو إفعال من الأمن. وشرعاً التصديق
بما علم بالضرورة أنه من الدين ، كالا يمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٦.

٥٤
الجزء الأول
الآخر ... الخ، وعدى ( يؤمنون) بالباء لتضمينه معنى أقر وأعترف .
أ والغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيراً ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو الظاهر
من هذه الآية الكريمة. ومعناه: ما لا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل.
قال بعض العلماء: وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات
الإيمان، لأن الإيمان بالغيب هو الأصل فى اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل
عن وجود الله والعالم الحلوى، فإذا آمن به المرء قصدى لسماع دعوة الرسول
والنظر فيما يبلغه عن الله - تعالى - فسهل عليه إدراك الأدلة ، وأما من يعتقد
أنه ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر ، فقد راض نفسه على الإعراض
عن الدعوة، كما هو حال الماديين الذين يقولون: ((ما يهلكنا إلا الدهر (١):
والإيمان بالغيب : يستلزم التصديق به على وجه الجزم، وهو لا يحصل
إلا عن دليل . ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل
المؤمن بهذا الغيب مصدقاً عن دليل، فنحن لا تحتاج فى الإيمان بالملائكة
والكتب السماوية السابقة، والرسل الذين أرسلوا من قبل ، والبعث وما فيه
من ثواب وعقاب، لا نحتاج فى الإيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على الأدلة
التى قامت على صدق نبينا محمد عبيد .
والإيمان بالغيب دليل على اتساع العقول، وسلامة ((قلوب، إذ أن
معنى الإيمان بالغيب هو أن عقولهم قد سلم إدراكها، وتقشمت عنها غشاواتها،
وامتد نظرها فى الكائنات فأدركت أن لها مبدءاً حكيماً وخالقً قديراً، جعلها
تسير بنظام تحكم ، فهذه كواكب تظهر وتغيب، وسماء مرفوعة بغير
عمد، وأرض راسية لا تميد ولا تضطرب ... ((صنع الله الذى أتقن كل
شىء )) فكان من ذلك لتلك العقول براهين قاطعة على وجود خالق جبار ،
وحكيم قدير ، ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم .
والإيمان بالغيب الذى أخبر به الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -
يقوى ويعظم كلما قوى الإيمان فى القلوب، واستولى الصفاء على النفوس،
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ١ ص١١٨ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

سورة البقرة
سوقد مدح النى - شِّل ـ المؤمنين بالغيب فى أحاديث متعددة، منها
ما باء عن خالد بن دریك، عن ابن مصیریز قال : قلت لا بن جمعة : حدثنا
حديثاً سمعته من رسول الله - صَلّى - قال: نعم أحدثك حديثاً.
تعدينا مع رسول الله - صَّخاله ـ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال:
يارسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: نعم.
قوم من بعدكم يؤمنون بی ولم یرونی ) .
قال ابن كثير : فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجراً من هذه
الحيثية لا مطلقاً (١).
وأخرج ابن أبى حاتم والطبرانى وابن منده وأبو نعيم عن بديلة بنت
أسلم قالت: صليت الظهر أو العصر فى مسجد بني حارثة، واستقبلنا مسجد
:إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله - صَ له ـ
قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال، فصلينا
السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ ذلك النبى - صلى الله
عليه وسلم - فقال: (( أولتك قوم آمنوا بالغيب، (٢).
تلك أول صفة نتيجة التقوى وهى الإيمان بالغيب ، أما الصفة الثانية.
التى مدح الله بها المتقين فهى قوله - تعالى -
(ويقيمون الصلاة) .
الصلاة فى اللغة الدعاء ، من صلى يصلى إذا دعا، واستعملها الشارع فى .
العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء ، والاقامة فى الأصل:
الدوام والثبات ، من قولك: قام الحق أى : ظهر و ثبت !.
ومعنى ((يقيمون الصلاة)): يؤدونها فى أوقاتها المقدرة لها، مع تعديل أركانها،
وإيقاعها مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها. فإن الصلاة المقامة
.(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٤١
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢

٥٦
الجزء الأول
بحق هى تلك التى يصحبها الإخلاص ، واستحضار جلال الله فى الركوع
والسجود، وهى التى تترقب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس، وعفافها،
وتركها لكل الشرور والآثام، كما قال - تعالى -((إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر ،.
وقدم الإيمان بالغيب على إمامة الصلاة تعظيماً لعمل القلب، واعتداداً.
بشرطية الإيمان فى صحة أعمال الجوارح .
وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق ، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ،.
ولأنها تتكرر فى اليوم خمس مرات، ولأنها صلة بين العبد وربه، والإنفاق ...
صلته بالناس، ولأن مشروعيتها كانت سابقة على مشروعية الزكاة .
أما الصفة الثالثة التى مدح الله بها المتقين فهى قوله - تعالى -:
(ومما رزقناهم ينفقون ).
أى : ومما أعطيناهم وملكناهم يتصدقون فى وجوه الخير ، ويمدون.
أيديهم بالإحسان إلى الفقير والمسكين .
والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للإنتفاع به حلالا كان أو حراماً،.
خلافاً المعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق . والإنفاق: إخراج المال.
وإنفاد، وصرفه، يقال: نفق - كفرح ونصر - نفد وفنى أو قل. وأنفق.
ماله أنفده، وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب ، ومنه: نافق فلان ،
والنافقاء، والنفق. وقال ((ينفقون)، ولم يقل أنفقوا، ليشعر بأن الإنفاق
منهم يتجدد بين وقت وآخر . ولم يحدد وجوه الانفاق بل تركها مطلقة ..
لتشمل الفرض الواجب وغيرهما من وجوه الإحسان .
وإيراد ((من، فى قوله - تعالى - ((ومما رزقناهم) الإشارة إلى أن مواظبتهم.
على إنفاق أموالهم بين الحين والحين ، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة المهتدين
المفلحين ، والإشعار بأنهم ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف.
والتبذير حتى لا يتركوا ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس .

٥٧
سورة البقرة
هذا، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحض على الإنفاق فى وجوه.
الخير، ومدح الذين يفعلون ذلك مدحاً عظيماً فى عشرات الآيات ، وذلك ..
لأن الأمة التى يكثرفيها المنفقون لأموالهم فى وجوه الخير، لابدأن تعز كلمتهما،
وقسلم من كوارث شتى، كالجهل، والفقر ، والمرض . فيبذل المال قد.
حاجات البؤساء، وتشاد معاهد التعليم ، وتقام وسائل حفظ الصحة ،
وقنمو المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء.
قال تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت
سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة ، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع.
علیمٍ).
ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفاً رابعاً فقال :
( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك).
والمراد بقوله - تعالى - ((بما أنزل إليك، القرآن الكريم، وإنما عبر عنه.
بلفظ الماضى - وإن كان بعضه مترقباً - تغليباً للموجود على ما لم يوجد.
والمراد بقوله - تعالى - وما أنزل من قبلك، الكتب الإلهية السابقة.
إالتى أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود. وهذا كقوله - تعالى -
( يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذى نزل على رسوله.
والكتاب الذى أنزل من قبل)(١).
والإيمان بما أنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستلزم الإيمان.
برسالته ، ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته .
وإيجاب العمل بما تضمنه القرآن الذى أنزله الله على محمد - صلى الله عليه ..
وسلم - باق على إطلاقه . أما الكتب السماوية السابقة فيكفى الإيمان
بأنها كانت وحياً وهدايه، وقد تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه
(١) سورة النساء الآية ٠١٢٦

٥٨
الجزء الأول
(الكتب من هدايات وأصبح بنزوله مهيمناً عليها، قال - تعالى -:
(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شىء ).
وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات.
وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان بما أنزل على الذين من قبله ، مع
أن الترقيب يقتضى العكس، لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا
محمد - * -
ولم يقل: ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير يؤمنون، للإشعار بأن
الإيمان به وبهم واحد، لا تغاير فيه وإن تعدد متعلقه.
ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة ، أهل الكتاب الذين
آمنوا بالكتب السماوية التى نزلت قبل القرآن، ثم لما نزل القرآن على النبى
محمد - زيتلم د وعرفوا أنه الحق - آمنوا به أيضاً -، فصارلهم أجران،
كما جاء فى الحديث الشريف، الذى ثبت فى الصحيحين عن أبى موسى
الأشعرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ((ثلاثة بؤقون أجرهم مرتين
يوم القيامة : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآ من بى، ورجل ملوك أدى حق
الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وقزوجها
ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال: ((وبالآخرة م يوقنون))
الآخرة تأنيث الآخر .
وهذا اللفظ قارة يجىء وصفاً ليوم القيامة مع ذكر الموصوف، كما فى
قوله - تعالى - ((وللدار الآخرة خير للذين يتقون، وقارة هذا المعنى ولكن
بدون ذكر الموصوف ، كما فى الآية التى معنا، وكما فى قوله - تعالى -
( والآخرة خير لك من الأولى).
وسميت آخرة لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الأولى .
و («بوقنون)) من الإبقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق الواقع، بحيث
لا يطرأ عليه شك، ولا تحوم حوله شبهة. يقال بقن الماء، إذاسكن وظهر

٥٩
سورة البقرة
-ما تحته، ويقال: يقنت - بالكسر - يقناً، وأيقنت، وتيقنت، واستيقنت
بمعنى واحد .
والمعنى: وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب
هم يوقنون إيقافاً قطعياً، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة، والأوهام الباطلة.
وفى إيراد ((هم، قبل قوله ((يوقنون)) تعريض، بغيرهم، ممن كان
اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرقبة اليقين.
ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، له أثر
عظيم فى فعل الخيرات ، واجتناب المنكرات، لأن من أدرك أن هناك يوماً
سيحاسب فيه على عمله، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذى يكسبه
- رضى اللّه يوم بلقاه.
قال أبو حيان:((وذكر لفظة (م) فى قوله: «وبالآخرة هم يوقنون)) ولم
يذكرها فى قوله: ((وما رزقناهم بنفقون)، لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى
من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد،
ولأنه لو ذكرهم هناك لكان فيه قلق لفظى، إذ يكون التركيب ((وما
.رزقناهم هم ينفقون (١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار التى ترتبت على تقواهم فقال :
( أولئك على هدى من ربهم ، وأولئك هم المفلحون) .
المفلحون: من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية، وأصله من الفلح-
بسكون اللام-وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث.
وأستعمل منه الفلاح فى الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى
مبتغاه، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت.
والمعنى: أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على نور من
(١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان ج ١ ص ٤٢.

٦٠
الجزء الأول
ربهم، وأولئك هم الفائزون بما طلبوا، الناجون مما منه هربوا، بسبب
إيمانهم العميق ، وأعمالهم الصالحة .
والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين فى المنزلة العليا من.
الكمال الإنسانى، فقد وصفهم ـ سبحانه ـ بأنهم علی ھدی عظيم ، ويدل
على عظيم هذا الهدى إيراده بصيغة التفكير ، إذ من المعلوم عند علماء البيان
أن التفكير بدل بمعونة المقام على التعظيم. كما يدل - أيضاً - على عظم هذا.
الهدى وصفه بأنه ((من ربهم))، فهو الذى وفقهم إليه، ويسرطم أسبابه.
وفى قوله - تعالى - ((على هدى)) إشعار بأهم تمكنوا منه تمكن من ...
استعلى على الشىء ، وصار فى قرار راسخ من٠١٨
وجملة «وأولئك هم المفلحون، بيان لما ظفر به المتقون الحائزون
لتلك الخصال ، من سعادة فى الدنيا والآخرة .
م
وتعريف الخبر وهو ((المفلحون، مع إيراد ضمير الفصل ((هم) يفيد أن
الفلاح مقصور على أولئك المتقين ، فمن لم يؤمن بالغيب ، أو أضاع الصلاة ،
أو بخل بالمال الذى منحه الله إياه فلم يؤده فى وجوهه المشروعة، فإنه لا
يكون من المهتدين، ولا من المفلحين الذين سعدوا فى دنياهم وآخرتهم.
قال الإمام الرازى: ((وفى تكرير (( أولئك، تنبيه على أنهم كما ثبت هم.
الاختصاص بالهدى، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح - أيضاً- فقد تميزواعن
غيرهم بهذين الاختصاصين، فإن قيل: لم جىء بالعاطف؟ وما الفرق بينه وبين
قوله: ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ).
قلنا: قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة
فإنهما متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالهائم شىء واحد ،
.كانت الثانية مقررة لما فى الأولى، فهى من العطف بمعزل» (١).
وقال صاحب الكشاف بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة .... فانظر
كيف كرر الله التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٠١٦٩