النص المفهرس
صفحات 21-40
وتحقيق القول فى ذلك مرجعه إلى كتب الفقه ، وإلى كتب التفسير التى عنيت بتفسير آيات الأحكام . الحَُّد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم ((الحمد، هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها . (((رب العالمين، أى: مالكهم، إذ الرب مصدر «ربه يربه، إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئاً فشيئا درجة الكمال . وهو اسم من أسماء الله - تعالى - ولا يطلق على غيره إلا مقيداً فيقال: رب الدار، ورب الضيعة أى: صاحبها ومالكها . والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى - قال القرطبى: ((وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، وقيل : المراد بالعالمين أولو العلم من الإنس والجن والملائكة. وقد افتتحت سورة الفاتحة بهذه الجملة الكريمة ((الحمد لله رب العالمين)) لأنه سبحانه أول كل شىء وآخر كل شىء، ولكى يعلمنا - سبحانه - أن نبدأ كتبنا وخطبنا بالحمد والثناء عليه ، حتى نبدأ ونحن فى صلة باله تكشف عن النفوس أغشيتها، وتجلو عن القلوب أصداءها . والمعنى - كما قال ابن جرير - ((الشكر خالصاً لله - جل ثناؤه . دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التى لا يحصيها العدد. ولا يحيط بعددها غيره أحد، فى تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم فى دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق لهم عليه، ومع ما نبهم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود ٢١ فى دار المقام فى النعيم المقيم . لربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخراً (١). فالآية الكريمة قد قررت بصراحة ووضوح ثبوت الثناء المطلق الذى لا يحد لله - تعالى - وانه ليس لأحد أن ينازعه إباه ، لأنه - سبحانه - هو رب العالمين . وجملة ((الحمد لله، مفيدة لقصر الحمد عليه - سبحانه - نحو قولهم: ((المكرم فى العرب). كما أن أل في «الحمد، للاستغراق. أى: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين . وإنما كان الحمد مقصوراً فى الحقيقة على اللّه، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه ومرجعه إليه، إذ هو الخالق لكل شىء ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحساهم، فهو فى الحقيقة حمد الله ، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك وأعانهم عليه. ولم تفتتح السورة بصيغة الأمر بأن يقال: أحمد والله، وإنما افتتحت بصيغة الخبر ((الحمد لله))، لأن الأمر يقتضى التكليف: والتكليف قد تنفر منه النفوس أحياناً، فأراد - سبحانه- وهو يبادتهم بشرعة جديدة وبكاليف لم يعهدوها ، أن يؤنس نفوسهم ، ويؤلف قلوبهم ، فساق لهم الخطاب بصيغة الخبر، ترفقا بهم، حتى يديمرا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من بتكاليف. وقد تكلم بعض المفسرين عن الحكمة فى ابتداء السورة الكريمة بقوله - تعالى - ((الحمد لله،، دون قوله - تعالى -: المدح له، أو: الشكر لله. فقال : اعلم أن المدح أعم من الحمد، والحمد أعم من الشكر . أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلان المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ترى أنه كا يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله . أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٣٥ طبعة دار المعارف. . حن الإنعام والإحسان، فثبت أن المدح أعم من الحمد. وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ماصدر عنه من الإنعام. سواء أكان ذلك الإنعام وأصلا إليك أم إلى غيرك. وأما الشكر فهو عبادة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك» - فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر. إذا عرفت هذا فنقول: إنما لم يقل: المدح لله، لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره. وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا الفاعل المحتار. فكان قوله .. الحمدلله، تصريحاً بأن المؤثرفى وجودهذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة ... وإنما لم يقل: الشكر لله، لأننا بينا أن الشكر عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك، وهذا يشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة. فحيفذ يكون المطلوب الأصلى له وصول النعمة إليه. وهذه درجة حقيرة، فأما إذا قال ((الحمد لله))، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحُقدلا لخصوص أنه - سبحانه - أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص ا کمل، واستغراق القلب فى مشاهدة فور الحق أتم، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت (١) . وقد أجرى - سبحانه - على لفظ الجلالة نعت الربوبيه للعالمين، ليكون كالاستدلال على استحقاقه - تعالى - للحمد وحده، وفى ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم، إذ الأمر بغير توجيه فيه إيماء إلى إهمال عقولهم». أما إذا كان موجهاً ومعللا فإنه يكون فيه إشعار لهم برعاية ناحية العقل فيهم، وفى تلك الرعاية تشريف وتكريم لهم .' فكأنه - سبحانه - يقول لهم: اجملوا حمدكم وثناءكم لى وحدى. لأنى أنا رب العالمين. وأنا الذى تعهدتكم برعاتى وعنايتى وتربيتى منذ تكوينكم من الطين حتى استويتم عقلاء مفكرين. (١) تفسير الفخر الرازى ح٤ ٣ طبعة المطبعة الشرقية سنة ١١٣٣٤ وقد أتبع - سبحانه - هذا الوصف وهو («رب العالمين، بوصف آخر هو (الرحمن الرحيم) لحكم سامية من أبرزها: أن وصفه - تعالى - (برب العالمين ) أى: مالكهم ، قد يثير فى النفوس شيئاً من الخوف أو الرحبة ، فإن المربى قد يكون خشناً جباراً متعنتاً، وذلك مما يخدش من جميل التربية ، وينقص من فضل التعهد . لذا قرن - سبحانه - كونه مربياً، بكونه الرحمن الرحيم ، لينفى بذلك 'هذا الاحتمال، وليفهم عباده بأن ربوبيته لهممصدرها عموم رحمته و شمول إحسانه، فهم برحمته يوجدون، وبرحمته يتصرفون ويرزقون، وبرحمته .. يبعثون ويسألون . ولا شك أن فى هذا الإفهام تحريضاً لهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة، ونفوس مبتهجة، ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة . والإحسان ، لا على الجبروت والطغيان ، فالراحمون يرحمهم الرحمن . مالك يوم الدين بعد أن بين - سبحانه - لعباده موجبات حمده، وأنه الجدير وحده . بالحمد، لأنه المربى الرحيم ، والمنعم الكريم، أقبع ذلك بيان أنه - سبحانه- ( مالك يوم الدين ). والمالك وصف من الملك - بكسر الميم - بمعنى حيازة الشى. مع القدرةعلى التصرف فيه. واليوم فى العرف: ما يكون من طلوع الشمس إلى غروبها، وليس هذا مراداً هنا، وإنما المراد مطلق الزمن وهو يوم القيامة . والدين: الجزاء والحساب، يقال: دفته بما صنع، أى: جازته على صنيعه، ومنه قولهم : كما تدين تدان . أى : كما تفعل تجازى ، وفى الحديث (الكيس مندان نفسه وعمل لما بعد الموت ) أى : حاسب نفسه: والمعنى: أنه - تعالى - يتصرف فى أمور يوم الدين من حساب وثواب وعقاب، تصرف. ٢٤ ٠٠ المالك فيما بملك، كما قال - تعالى - ,يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله» وهناك قراءة أخرى للآية وهى (( ملك يوم الدين، من الملك - بضم الميم - وعليها يكون المعنى: أنه - تعالى - هو المدير لأمور يوم الدين، وأنه. له على ذلك اليوم هيمنة الملوك وسيطرتهم، فكل شىء فى ذلك اليوم يجرى. بأمره، وكل تصرف فيه ينفذ باسمه، كما قال - تعالى - «لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار) . قال الإمام ابن كثير : (وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه هـ لأنه قد تقدم الإخبار بأه رب العالمين، وذلك عام فى الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين ، لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئاً ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال - تعالى - «يوم يقوم الروح والملائكة صفا، لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ،. والملك فى الحقيقة هو الله، قال - تعالى - ((هو الله الذى لا إله إلا هو. الملك القدوس السلام ، وفى الصحيحين عن أبى هريرة، عن رسول الله .. - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون، ثم قال: وأما تسمية غيره فى الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال - تعالى -. ((إن الله قد بعث لكم طالوت ما كا)) (١). وفى هذه الأوصاف التى أجريت على اللّه تعالى، من كونه ربا للعالمين. وملكا الأمر كله يوم الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: ((الحمد لله) فى كل ذلك دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق على الحقيقة سواء، فإن ترتب الحكم. على الوصف مشعر بعليته له ، (٢) . (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٢٥ (٢) « فتح البيان - ١ ص ٢٩. الشيخ صديق حسن خان. ٢٥ والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإنسان وغرس الإيمان "العميق فى قلبه، لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسىء، وأن زمام الحكم فى ذلك اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سبقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير على الطريق المستقيم ((إبَّاكَ تَعْبُدُ وإياكَ تَسْتَعين)) كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريراًجمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نستعين به إنماهو الله الذى تجلت أو صافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون ولفظ (( إيا)، ضمير منفصل، و((الكاف) الملحقة به للخطاب. والعبارة : الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة فتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به الذى - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن جرير : ( لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطنته الأقدام وذله البابلة معبداً، ،) (١). والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الاقتدار على الشىء والتمكن من فعله . والمعنى : لك ياربنا وحدك فخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها ، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل شىء، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية ، ولا تتوارى عنك نية . وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: ((إياك نعبد،، لإفادة قصر (١) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٩١. ٢٦ العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص . وقال «عبد، بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين ، وللإشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخاتهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شؤونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جمعيتهم، فهم كما قال النبى - صلى اللّه عليه وسلم- (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم وقدمت العبادة على الاستعافة ، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب ، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها. ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل مانتجه إليه نفس الإنسان من الأعمال الصالحة. وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، قلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: ((فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان . وهو قد يكون من الغيبه إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم ... وذلك على عادة العرب فى افتتاتهم فى الكلام وقصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن قطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص موافعه بفوائد. وبما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام ، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن ، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يامن هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا فعبد غيرك ولا نستعينه ... )، (١). هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة ، ومن ذلك (١) تفسير الكشاف حـ ١ ص ١٣ طبعة بيروت. ٢٧ - قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسر ها هذه الكلمه ( إياك نعبد وإباك. فستعين ، فالأول تبرؤ من الشرك ، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ، (١) . ثم بين - سبحانه - أن أفضل شىء يطلبه العبد من ربه، إنما هو حدايته إلى الطريق الذى يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى .. واهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، ، والهداية : هى الإرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وقسند الهداية إلى الله وإلى التى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإيصال إلى .. ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله - تعالى -. ! قال أبو حبان فى البحر ما ملخصه: وقد تأتى بمعنى التبين كما فى قوله - تعالى - (وأما نمود فهديناهم ) أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإلهام. كما فى قوله تعالى . (قال: فمن ربكما ياموسى؟ قال: ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى). قال المفسرون معناه: أهم الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله . تعالى ( ولكل قوم هاد) أى: داع. والأصل فى حدى أن يصل إلى ثانى معموليه باللام كما فى قوله . تعالى. ((إن هذا القرآن يهدى للتی می أقوم، أو یإلی کافی قوله تعالى.(وإنك اتهدى إلى صراط مستقيم) ثم يتسع فيه فيعدى إليه بنفسه ومنه. احد نا الصراط المستقيم) (٢). والصراط : الجادة والطريق، من سرط الشىء إذا ابتلعه، وسعى. الطريق بذلك لأنه يبتلع المارين فيه، وتبدل دينه صاد على لغة قريش. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥ طبعة الطلبى. (٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ٢٥ ٢٨ والمستقيم : المعتدل الذى لا اعوجاج فيه . وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، وفعم الله كثيرة لا تحصى ( غير المغضوب عليهم ) الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل . إلى الانتقام، وهو ضد الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام "أو بمعنى الانتقام نفسه . والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لا تقة بجلاله لا نعلم حقيقتها مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة ، وإنزال العقوبة بهم . والمعنى: أهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة، ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يامولانا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات، فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب . وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين ، والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين . قال الإمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم) لأنه أنجح الحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشدنا الله إليه لأنه الأ كمل (١) وقد تكلم المفسرون كلاماً كثيراً عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية إليه فى هذه السورة أول دعوة علها لعباده. والذى نراه أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد بالصراط المستقيم، هو ما جاءبه الإسلام من عقائد وآداب وأحكام ، توصل الناس متى اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٠٢٦ ٢٩ فإن طريق السلام هو الطريق لذى ختم الله به الرسالات السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صلى الله عليه وسلم أمر تبليغه وبيانه. وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيدهذا القول ، ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد فى مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول اللّه عَّقعليه أنه قال: (ضرب الله مثلا صراطا مستقما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما. أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى بابه الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه قلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى. قلب كل مسلم) . والمراد بقوله - تعالى - ( اهدنا الصراط المستقيم) أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير فى سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله فى كل. وقت لمكى يثبته على الهداية، ويزيده منها، ويعينه عليها . وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا: (ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ). وجملة ( صراط الذين أنعمت عليهم ) بدل من الصراط المستقيم. ولم يقل (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) مستغنياً عزذكر الصراط. المستقيم ، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم . وقال: (صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله: (أنعمت عليهم ) لأن المراد بالإنعام هنا - على الراجح - الإنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به . ٣٠ قال بعض العلماء: (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم. عليهم المعنيين: أولهما هو إبراز نفسية المحب المخلص ، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضافى ثقة عملاً نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام ما يملا نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين . وثانيهما : أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين)(١). وقوله - تعالى - (غير المغضوب عليهم) بدل من (الذين أنعمت عليهم). وأتى فى وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: (أنعمت عليهم). وفى وصف الغضب باسم المفعول فقال: ( غير المغضوب عليهم ) وفى ذلك تعليم لأدب جميل ، وهو أن الإنسان يجمل به أن يسند أفعال الإحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإحسان. والعقاب صادراً منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى- حكايةعنمؤمنی الجن. ( وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً )(٢). وحرف (لا) فى قوله (ولا الضالين) جى به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كامة غير . والمراد بالمغضوب عليهم اليهود . وبالضالين النصارى. وقد. ورد هذا التفسير عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه الإمام أحمدفى مسنده وابن حبان فى صحيحه . ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عناداً وجحودا، وأن المراد بالضالين من. فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم. وقدم المغضوب عليهم على الضالين ، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم ، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين. (١) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الأستاذ الشيخ حامد محيسن بمجلة الأزهر السنة ٢٢ العدد ١٣ ص ٨٨٥ (٢) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين بمجلة لواء الإسلام العدد الأول من سنة. الأولى ص ١٠ ٣١ -كان جديراً بأن يوضع فى مقابلته قبل الضالين . قال العلماء: ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين)ومعناه اللهم استجب وليس هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب النأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن بن حجر قال: سمعت النبى بتج قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقال : (آمين ) مد بها صوته. وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافقتأمينه تأمين الملائكة غفر الله له . ما تقدم من ذنبه ) . هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد وعبادات وأحكام ، ومن ذلك قول ابن كثير . ( اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد .وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتعرى من حولهم وقوتهم ، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ، وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحه ليكونوا مع أهلها يوم القيامه، والتحذير من مسالك الباطل لئلا بحشروا مع سالكيها يوم القيامه، وهم المغضوب عليهم والضالون) (١). وقال القرطبى: ( سورة الفاتحه مشتملة على أربعه أنوع من العلوم هى مناط الدين. أحدها علم الأصول وإليه الإشارة بقوله (الحمد للهرب العالمين. الرحمن الرحيم )، ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: (أنعمت عليم) ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله (مالك يوم الدين) وثانيها على الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإشارة بقوله (إياك نعبد) وثالثها علم الأخلاق، وإليه الإشارة (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٠. ٣٢ -بقوله ( وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم) ورابعها ، علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد بقوله (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٠ (م - ٣ البقرة) ٣٣ سورة البقرة سورة البقرة أطول سورة فى القرآن الكريم ، فقد استغرقت جزءين .. وقصف جزء تقريباً من ثلاثين جزءاً قسم إليها القرآن . وقبلغ آياتها ستاً وثمانين ومائتى آية . وقيل سبع وثمانون ومائتا آية. ، وسميت بذلك لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التى كف قوم موسى)) ... يذبحها بعد أن قتل فيهم قتيل ولم يعرفوا قاتله . وهى مدفية بإجماع الآراء، وقد ابتدأ نزولها بعد هجرة النبى بَّل إلى المدينة، وقد نزل معظمها فى السنوات الأولى من الهجرة ، واستمر نزولها إلى قبيل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بفترة قليلة . وكانت آخر آية من القرأن نزولا منها، وهى قوله - تعالى - ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلون ) . مناسبتها لسورة الفاتحة : هناك مناسبة ظاهرة بين السورتين، لأن سورة الفاتحة قد اشتملت على أحكام الألوهية والعبودية وطلب الهداية إلى الصراط . . المستقيم اشتمالا إجمالياً، فجاءت سورة البقرة ففصلت تلك المقاصد، ووضحت ما أشتملت عليه سورة الفاتحة من هدايات وتوجيهات . فضلها : وقد ورد فى فضل سورة البقرة أحاديث متعددة، وآثار متنوعة . ٣٤ منها ما جاء فى مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، فإن البيت الذى تقرأ فيه سورة البقره لا يدخله الشيطان . وروى ابن حبان فى صحيحه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله عَّ ( إن لكل شىء سنام وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها فى بيته لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ، ومن قرأها فى بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثه أيام ). وروى الترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى هريرة قال: ( بعث النبى صلى الله عليه وسلم بعثاً، وهم ذوو عدد فاستقرأ كل واحد منهم عما معهمن القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معى كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال. اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: واقه ما منعنى أن أتعلم سورة البقرة إلا أنى خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا القرآن وتعلموه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب أوكى أى أغلق ـ على مسك . قال القرطبى : وهذه السورة فضلها عظيم، وثوابها جسيم، ويقال لها فسطاط القرآن، وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها (١). مقاصدها: عندما تفتح كتاب الله فقطالح فيه سورة البقرة بتدبر وعناية، نراها فى مطلعها تنوه بشأن القرآن الكريم، وتصرح بأنه حق لا ريب فيه، وتبين لنا أن الناس أمام حدايته على ثلاثة أقسام : قسم آمن به وانتفخ بداياته فى كانت عاقبته السعادة والفلاح. ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون). وقسم جحد واستكبر واستحب العمى على الهدى ، فأصبح لا يرجى منه خير ولا إيمان ، فكانت عاقبته الحرمان والخسران . (١) تفسير القرطبى ج ١ ص ١٥٢. ٣٥ « ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظیم،. ثم فصلت السورة الحديث عن قسم ثالث هو شر ما تبتلى به الأمم وهم المنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون . وقد تحدثت السورة عنهم فى ثلاث عشرة آية ، كشفت فيها عن خداعهم ، وجبنهم ، ومرض قلوبهم، وبينت ما أعده الله لهم من سوء المصير ، ثم زادت فى فضيحتهم وهتك سرائرهم فضربت مثلين لحيرتهم واضطرابهم ، قال - تعالى - ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون). إلى أن يقول: ( ولو شاء اللّه الذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير ). ثم وجهت السورة نداء إلى الناس جميعاً دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده، وأقامت لهم الأدلة الساطعة على صدق هذه القضية، وتحدثهم - إن كانوا فى ريب من القرآن - أن يأتوا بسورة من مثله، وبينت لهم أنهم لن يستطيعوا ذلك لا فى الحاضر ولا فى المستقبل . ثم ختم الربع الأول منها ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار. جمعت لذائذ المادة والروح، وهم فيها خالدون. ثم قررت السورة الكريمة أن الله - تعالى - لا يمتنع عن ضرب الأمثال بما يوضح ويبين دون نظر إلى قيمة الممثل به فى ذاته أو عند الناس ، كما قررت أن المؤمنين يقابلون هذه الأمثال بالإيمان والإذعان ، أما الكافرون فيقابلونها بالاستهزاء والإنكار . وقد وبخت السورة بعد ذلك أولئك الكافرين على كفرهم، مع وضوح الدلائل على وحدانية الله فى أنفسهم وفى الآفاق فقالت: ٣٦ ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ، ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون. هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شىء علم). ثم ذكرت السورة بعد ذلك جانبا من قصة آدم ، وقد حدثتنافيه عن خلافة آدم فى الأرض، وعما كان من الملائكة من استفسار بشأنه ـ وعن سكنآدم وزوجه الجنة ، ثم عن خروجهما منها بسبب أكلهما من الشجرة المحرمة. ( وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال : إنى أعلم ما لا تعلمون) .. الخ الآيات الكريمة. هذا، وقد عرفنا قبل ذلك أن سورة البقرة نزلت بالمدينة بعد أن هاجر المسلمون إليها، وأصبحت لهم بها دولة فتية ، وكان يجاورهم فيها عدد كبير من اليهود الذين كان أحبارهم يبشرون. بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم. فأخذت السورة الكريمة تتحدث عنهم - فى أكثر من مائة آية - حديثاً طويلا متشعبا . . فتراها فى أواخر الربع الثانى توجه إليهم نداء محبباً إلى نفوسهم، قدعوهم فيه إلى الوفاء بعهودهم، وإلى الإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فتقول: ( يا بنى إسرائيل اذكروا فعمتى التى أنهمت عليكم ، وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ، ولا تشتروا بآياتى ثمناً قليلا وإياى فانقون). ثم تذكرهم فى الربع الثالث بنعم الله عليهم ، وبموقفهم الجحودى من هذه النعم ، تذكرهم بنعمة تفضيلهم على عالمى زمانهم، وبنعمة إنجانهم من عدوهم، وبنعمة فرق البحر بهم، وبنعمة عفو الله عنهم مع تكاثر ذنوبهم، وبنعمة بعثهم من بعد موتهم، وبنعمة تظليلهم بالغمام، وبنعمة إنزال المن وسلوى عليهم . الخ . ٣٧ ولقد كان موقف بنى إسرائيل من هذه النعم يمثل الجحود والعناد والبطر ، فكانت نتيجة ذلك أن . (ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله). ثم تحدثت السورة بعد ذلك حديثاً مستفيضاً عن رذائلهم وقبائحهم ودعوأهم الباطلة ، والعقوبات التى حلت بهم جزاء كفرهم وجحودهم. فنزاها فى الربع الرابع تذكر لنا تنطعهم فى الدين وإلحافهم فى المسألة عندما قال لهم نبيهم موسى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). ثم تذكر قسوة قلوبهم فتقول على سبيل التوبيخ لهم : ( ثم قمت قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء. وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون). وتراها فى الربع الخامس تحدثنا عن تحريفهم الكلم عن مواضعه عن تعمد وإصرار ، وتتوعدهم على ذلك بسوء المصير : ( فويل الذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا، فويل لهم ما كتبت أيديهم وويل لهم ما يكسبون). ثم تحدثنا عن قولهم الباطل: ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة). وترد عليهم بما يبطل حجتهم ، وعن نقضهم لعهودهم ومواثيقهم مع الله ومع الناس ومع أنفسهم ، وعن عدائهم لرسول الله، وعن جحودهم للحق بدافع الحسد والعناد فتقول: ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوامن قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. بدما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فيا.وا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين). ٣٨ ثم نراها فى الربع السادس تحكى لنا نماذج من مزاعمهم الباطلة ، ومن : ذلك زعمهم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس ، ثم ترد عليهم بما يخرس ألسنتهم، وبصور جبنهم وحرصهم المشين على أية حياة حتى لو كانت -ملطخة بالذل والهوان . استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ فيقول: ( قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا .الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. -ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشر كوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو؟ جزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون). ثم تسوق لنا نماذج من سوء أدبهم مع الله، وعداوتهم لملائكته؛ وفبذهم كتاب الله، واتباعهم للسحر والأوهام. ثم نراهافى الربع السابع نقص علينا بعض الصور من المجادلات الدينية، -والمخاصمات الكلامية، التى استعملوها مع النبى صلى الله عليه وسلم لحرب الدعوة الاسلامية، كجدالهم فى قضية النسخ، وفى كون الجنة ان يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وفى كون القرآن ليس معجزة - فى زعمهم - وإنما هم يريدون معجزة كوفية .. الخ. وقد رد القرآن عليهم بما يزهق باطلهم، ويزيد المؤمنين إيماناً على إيمانهم وكما ابتدأ القرآن الحديث معهم بنداء محبب إلى نفوسهم (يابنى إسرائيل). . فقد اختتمه - أيضاً - بالنداء نفسه، لكى يستحثهم على الإيمان فقال: ( يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين. واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون) . ثم أخذت السورة بعد ذلك فى الربع الثامن منها تحدثنا عن الكلمات