النص المفهرس
صفحات 81-100
ويُوجدُ في بعض النُّسخ زيادة هذه الجملة؛ وهي : * ((والمدودُ سبعةٌ: طبيعيٌّ وعارِضٌ، ولازِمٌ، وبَدلٌ، ولِينٌ، ومُتَّصلٌ، ومُنفصلٌ)). وقد مضى البحثُ في كلِّ منها حَدَّاً وحُكْماً إِلَّ البَدلُ؛ وذلك مثل: ﴿وَدَمَ﴾ [البقرة: ٣١]، و﴿اَلْإِيمَنِّ﴾ [التوبة: ٢٣]، و﴿أُوْتُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠]. سُمِّي بَدلاً: لِكونِ حَرفِ المَدِّ فيه بَدلاً عن هَمْزٍ . وحُكْمُه: أنْ يُمدَّ بقَدْر ألِفٍ للجميع، إلّا ورشاً؛ فله فيه المدُّ، والقَصْرُ، والتَّوسُّطُ (١). والاقتصارُ على هذه الأقسام لحالِ المتن، وإلّا فهي تزيد عليها، وقد أنهاها بعضُهم إلى أربعة عشر قِسْماً؛ انظر مُطوَّلات الفرِّ(٢). وفي جعل المنفصل آخر الرسالةِ براعةٌ مَقطع، وحُسْنُ اختتام؛ لأنه يشير من طرفٍ خَفيٍّ إلى انفصالِ الكلام وانقطاعِه(٣). (١) إِلَّا أنَّ حَفْصاً وبقية القُرَّاء ليس لهم فيه إلَّا القصر، ما عدا ورش. انظر: ((أحكام قراءة القرآن الكريم)) للحصري (٢١٣). (٢) انظر: ((الحواشي)) الأزهرية)) للأزهري (٨٧)، وعدَّ أربعة عشر قسماً. (٣) أخي القارىء، وقد أَنْهَيتَ هذه المقدِّمة، وأحببتَ الاستزادة من هذا العلم؛ فإليك أهمَّ الكتب التي تفتح لك آفاق في هذا الفنِّ، مع العناية بالتلقي عن الشِّيخ الضابط المُتَقِن: - ((الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة)) لمكي بن أبي طالب كلّته، = ٨١ = وجميع كتبه يُحرص عليها لنفاستها . - ((التحديد في الإتقان والتجويد)) لأبي عمرو الداني كثّفُهُ، وجميع كتبه و يَحرص عليها لنفاستها . - ((المفيد في شرح عمدة المجيد في النظم والتجويد)) للمرادي كَّتُهُ. - ((المقدمة)) الجزرية)) وشروحها، ومن أنفسها: ((المِنَح الفكرية في شرح المقدمة الجزرية)) لمّا علي القاري تقذفهُ . - («تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عمَّا يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين)) للصفاقسي تخذفه، وهو كتاب نفيس جدًّا. - ((ُجُهْد المُقِلِّ) لساحِقْلي زاده تَّتُهُ، وهو كتاب متين وتحريراته غاية في الجودة . - ((أحكام قراءة القرآن الكريم)) للقارئ الحصري تغذّهُ، وهو نافع جدًّا. - ((هداية القاري إلى تجويد كلام الباري)) للمرصفي تَظّلهُ، وهو مرجع، وتحريراته عالية. - تحقيقات ومؤلّفات الدكتور غانم قدوري الحمد، جزاه الله خيراً، من أحسن وأنفع المصنفات في فن التجويد، فيحرص عليها. والله أعلم. ٨٢ تكملةٌ فِي مَباحِثَ مُهمَّةٍ التَّحذيرُ من الاعتداءِ في الأداءِ(١) قال الحافظُ ابنُ الجزَريِّ في ((مُقدِّمته))(٢) في حدِّ التَّجويدِ : وَهُو إعطاءُ الحرُوفِ حَقَّها مِن صِفَةٍلها ومُستَحقَّها واللَّفظُ في نَظِيرِه كمثِلِهِ ورَدُّ كلٍّ واحدٍ لأصلِه باللُّطْفِ في النُّطق بلا تَعسُّفٍ مُكمِّلاً مِن غير ما تكلُّفٍ قال شارِحُها القاضي زَكريّا (٣): ((فُيُحتَرزُ في التَّرتيلِ عن التَّمْطِيطِ، (١) انظر للاستزادة: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (٨١/٢)، و((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (٢/ ٦٥٧). (٢) انظر: ((الإحكام في ضبط ((المقدمة الجزرية)) (٥٦) و((تحفة الأطفال)) (٨١) ط: الأوقاف الكويتية. (٣) هو الشيخ العلّامة قاضي القضاة، زين الدِّين، أبو يحيى، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، السُّنيكي الأزهري الشافعي، ولد بسُنيكة (٨٤٢هـ)، بلغ في العلم رتبة عليَّة، حتَّى لُقِّب في عصره بـ: ((شيخ الإسلام))، فكان عمدة للعلماء الأعلام، وله تصانيف وفيرة وجليلة، من أشهرها: ((تحفة الباري شرح صحيح البخاري))، و((فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن))، و((الدَّقائق المحكمة في شرح المقدمة))، عُمِّر حتَّى بلغ المئة وتُوقِّي في يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة (٩٢٦ هـ) وحزن الناس عليه كثيراً . = ٨٣ وفي الحدْرِ (١) عن الإدْمَاج؛ إذ القِرَاءة كالبياضِ؛ إن قلَّ صارَ سُمرةً، وإنْ زاد صار بَرَصاً. وفي ((الموظّأ)) و((النَّسائي)): عن حُذيفةَ: أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((اقرؤوا القرآنَ بلُحُونِ العَربِ، وإِيَّاكُم ولُحونِ أهل الفِسْق والكبائر؛ فإنَّه سيجيءُ أقوامٌ من بَعْدِي يُرَجِّعُون القرآن تَرْجِيعَ الغِنَاءِ، والرَّهبانيَّة، والنَّوْحِ، لا يُجاوِزُ حناجِرَهُم، مَفتُونَةٌ قُلوبُهم وقلوبُ مَن يُعجِبُهُم شأنُهم))(٢). والمرادُ بـ: ((ألحانِ العرب)): القراءةُ بالطّبع والسَّليقةِ كما جُبِلُوا علیه من غير زيادةٍ ولا نقصٍ . = انظر ترجمته في: ((الضوء اللامع)) للسخاوي (٢٣٤/٣)، و((والكواكب السائرة)) لابن تغري بردي (١٩٦/١) و((البدر الطالع)) للشوكاني (٢٩٢). (١) الحَدْرُ: هو الإسراعُ، وهو أحدُ مراتب القراءة في مراتب المدُودِ، وهي: التَّرتيل، والحدْرُ، والتَّدوير (وهو التَّوسُّط)، ثم التَّحقيق. انظر: ((التحديد في الإتقان والتجويد)) للداني (٦٩) وما بعدها . (٢) هذا وهمٌّ من الشيخ زكريا الأنصاري تَخْلَفُهُ، وتابعه عليه المصنِّف ◌َفُهُ، فإنَّ الحديث ليس في ((الموطأ)) ولا في ((سنن النسائي))، وإنما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٢٢٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٤٠٦)، وهو منكر، لحال حُصين بن مالك الفَزاري، وبقيَّة بن الوليد، وجهالة أحد الرواة. قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٥٠٦/١) في ترجمة حُصَين الفزاري: تفرَّد عنه بقية، ليس بمعتمد، والخبر منكر. ومثله قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (٢١٩/٣). وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦٩/٧): ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه راوٍ لم يسم، وبقية أيضاً)). ٨٤ وبـ: ((ألحان أهل الفِسْق)): الأنغامُ المستفادَةُ من عِلْم الموسيقى. والأمرُ في الخبر مَحمُولٌ على النَّدب، والنَّهيُ على الكراهةِ إنْ حصلت المحافظةُ على صحَّةٍ ألفاظِ الحروفِ، وإلَّا فعلى التَّحريم. والمراد بـ: ((الذين لا يجاوزُ حنَاجِرَهم)): الذين لا يتدبَّرُونَه، ولا يعملون به)) انتھی(١). وذكر حُجَّة الإسلام الغزالي في ((الإحياءِ)) في ((الباب الثالث: في أعمال الباطِن العشرة في التلاوة)) ما صُوْرتُه: ((السادسُ: التَّخلِّي عن موانع الفَهْم؛ فإنَّ أكثر الناسِ مُنِعُوا عن فَهْم معاني القرآن؛ لأسبابٍ وحُجُبٍ أسْدَلها الشيطانُ على قلوبهم؛ فعُمِّيت عليهم عجائب أسرار القرآن)). ثم قال: ((وحُجُب الفَهْم أربعة: أوَّلُها: أن يكون الهمُّ مُنصرِفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها مِن مخارِجِها، وهذا يتولَّى حِفْظَهُ شيطانٌ وُكِّل بالقُرَّاء؛ ليصْرِفَهُم عن فَهم معاني كلام الله عزَّ وجلَّ؛ فلا يزالُ يحملهم على تَرْديدِ الحرف؛ يُخيِّلُ إليهم أنه لم يخرُج من مَخرَجه؛ فهذا يكون تأمُّله مَقصُوراً على مخارج الحُروفِ؛ فأنَّى تنكشِفُ له المعاني؟! وأعظمُ ضَحِكَةٍ للشيطان مَن كان مُطيعاً لمثل هذا التَّلبيس ... )) إلخ(٢). (١) ((الدَّقائق المحكمة)) (٧٣، ٧٤). (٢) ((إحياء علوم الدين)) (١/ ٢٨٤). يقول مصحِّحُه: ترك الأستاذ الثلاثة الباقية من حُجُب الفهم في كلام = ٨٥ . = الغزالي؛ اقتصاراً على موضع الاستشهاد، ونحن نسوقها؛ تتميماً للفائدة، وإغناء للواقف المتشوف لها؛ لأهميتها عن المراجعة من «إحيائه))؛ فنقول: قال الحجة الغزالي نّهُ ورضي عنه: ((ثانيها: أن يكون مقلِّداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الإتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخصٌ قيَّده مُعتقدُه عن أن يجاوزه، فلا يمكنه أن يخطر بباله غير مُعتقدِهِ فصار نظرُه موقوفاً على مسموعه؛ فإنْ لمع برق على بُعْدٍ وبدا له معنّى من المعاني التي تباين مَسمُوعه؛ حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال: كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أنَّ ذلك غرور من الشيطان، فيتباعد منه ويحترز عن مثله، ولمثل هذا قالت الصوفية: إنَّ العلم حجابٌ، وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرَّد التقليد أو بمجرَّد كلمات جدليّة حرَّرها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم. فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة، فكيف يكون حجاباً وهو منتهى المطلب؟ ثالثها: أن يكون مُصِرَّاً على ذنب، أو مُتصفاً بِكِبْر، أو مبتلى في الجملة بهوّى في الدُّنيا مطاع، فإنَّ ذلك سبب ظلمة القلب وصداه، وهو كالخبث على المرآة؛ فيمنع جليَّة الحق من أن يتجلَّى فيه، وهو أعظم حجاب للقلب، وبه حُجِب الأكثرون. رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً، واعتقد أنه لا معنى الكلمات القرآن إلَّا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنَّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنَّ من فسَّر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار؛ فهذا أيضاً من الحجب العظيمة)). = ٨٦ وقال شَمسُ الدِّين ابنُ القيِّم الدِّمشقيُّ في ((إغاثة اللَّهفان))(١). ((ومِن ذلكَ ـ يعني: من مصائد الشِّيطانِ -: الوَسْوسةُ في مخارج الحُروفِ والتَّنْطَّع فيها . قال: ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم». قال أبو الفَرَج ابنُ الجوزي: ((قد لَبَّس إبليس على بعض المُصلِّين في مخارج الحروف، فتَراهُ يقول: الحمدُ الحمد؛ فيَخرجُ بإعادةِ الكلمةِ عن قانُونِ أدب الصلاةِ. وتارةً يُلِّس عليه في تحقيق التَّشديد في إخراج ضادٍ ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ = ثم قال الغزالي: ((وسنُبَيِّن معنى التفسير بالرأي، وأنَّ ذلك لا يُناقض قول علي ظه: ((إلَّا أن يُؤتي الله عبداً فَهْماً في القرآن)) [البخاري (١١١)]، وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لَمَا اختلفت الناس فیه)). ثم ذَكَر بَعدُ عليه الرحمة: ((أنَّ النهي عن التفسير بالرأي ينزل على أحد و جھین : أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميلٌ من طبعه وهواه؛ فيتأوَّل القرآن على وِفْق رأيه وهواه؛ ليحتَّج على تصحيح غرضه؛ كالمحتجِّ على تصحيح بدعةٍ بتأوُّلٍ يخترعه تلبيساً على خصمه، وكالجاهل المنقحم يتأوَّل ما شاء هواه. وثانيهما: أن يتسارع إلى التأويل بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب التنزيل)). (١) (٢٩٧/١ - ٢٩٩) ط: عالم الفوائد. باختصار. ٨٧ بقُوَّة شديدةٍ(١)، والمرادُ تحقيق الحرف حسبُ. وإبليسُ يُخرِج هؤلاء بالزِّيادةِ عن حدِّ التَّحقيق، ويُشغِلهم بالمبالَغةِ في الحروف عن فَهْم التِّلاوةِ، وكلُّ هذه الوَساوِسُ من إبليس))(٢). قال محمَّد بنُ قتيبة في ((مُشكِل القرآن))(٣): ((وقد كان الناسُ يقرؤونَ بلغاتهم، ثم خَلَف من بعدهم قومٌ من أهل الأمصار وأبناء العَجَم ليس لهم طَبْعِ اللُّغة؛ فهَفَوْا في كثيرٍ من الحُروفِ وزلُّوا وأخلَّوا)). ثم ناقشَ مَن يحمل بعض المُتعلِّمين على المذهب الصَّعب، ويُعسِّر على الأُمَّة ما يَسَّره الله تعالى، ويُضيِّق ما فَسَحه، ويُسبِّب لمشقَّتِهِ وصُعوبته طول اختلاف المُتعلِّم إلى المُقرىء. قال: فإذا رأوه قد اختلف في أمِّ الكتاب عَشْراً، وفي مئةٍ آية شهراً، وفي السَّبع الُوال حَوْلاً، ورأوه عند قراءته مائل الشِّدْقين، دارَّ الوَرِيْدَيْن، راشحَ الجبين؛ تَوهَّمُوا أنَّ ذلك لفضيلةٍ في القراءة وحِذْقٍ بها . وليس هكذا كانت قراءةُ رسولِ الله وٍَّ ولا خيارِ السَّلف، ولا التَّابعين، ولا القُرَّاء العالِمِين بل كانت سهلةً. (١) من هذا يُعلم أنَّ الافتتان بالضَّاد خاصة، والتَّنظُع بأدائه قديمُ العهد، ولم تزل عَدْواه تنتقل جراثيمها من قرن إلى آخر، ويكفي لدحض الغلو فيها سهام ابنُ الجوزي، وأسنَّة الغزالي الآتية؛ فليُتبصّر، اهـ. مصححه شقيق الشارح رحمهما الله .. (٢) ((تلبيس إبليس)) (٧٩٩/٢) ط: دار الوطن. (٣) ((تأويل مشكل القرآن)) (٧٨، ٧٩) باختصار. ٨٨ ثم قال ابنُ القيِّم: والمقصود أنَّ الأئمةَ تركُوا التَّنْظُّع والغُلُوَّ في النُّطْق، ومَن تأمَّل هَدْي رسول الله وَ له وإقرارَه أهل كلِّ لسان على قراءتهم؛ تَبَيَّن له أنَّ التَّنظُعِ والتَّشدُّق والوَسْوسةَ في إخراج الحرف ليس من سُنَّته صلوات الله عليه. انتهى. وقال حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ في فَرْق المغْرُورين من ((إحيائه)): ((وفِرْقةُ أُخرَى تَغْلب عليهم الوَسْوسة في إخراج حُرُوفِ الفاتحة وسائر الأذكارِ من مخارِجها؛ فلا يزال يحتاطُ في التَّشديداتِ، والفَرْق بين الضَّادِ والظّاءِ(١)، وتَصْحِيح مخارج الحروف في جميع صَلاتِهِ لا يَهمُّه غيره، ولا يتفكّرُ فيما سواه، ذَاهِلاً عن معنى القرآن والاتِّعاظِ به، وصَرْفِ الفَهْم إلى أسراره، وهذا من أقبح أنواع الغُرُور؛ فإنَّه لم يُكلِّف الخلقَ في تلاوةِ القرآنِ من تحقيق مخاَرَجِ الحُرُوفِ إلَّا بما جَرتْ به عادتُهم في الكلام. ومثالُ هؤلاءِ مثالُ مَن حملَ رسالةً إلى مجلس سلطان، وأمرَ أنْ يُؤدِّيها على وجهِها، فأخذ يُؤدِّي الرسالةَ ويتأنَّق في مخارج الحروف، ويُكرِّرها ويُعيدُها مرة بعد أُخرى، وهو في ذلك غافلٌ عن مقصودِ الرِّسالة ومراعاةٍ حُرْمةِ المجلس، فما أَحْراهُ بأنْ يُحكَم عليه بفَقْدِ العقل))(٢). (١) هذا أيضاً يُؤيِّد ما كتبناه أولاً من أنَّ الافتتان بالضاد مُتقادِم الزمان موروث عن الغالين والمغرورين، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. مُصحّحه. (٢) ((إحياء علوم الدين) (٣/ ٤٠١). ٨٩ الحثُّ على الثَّرتيل(١) قال تعالى: ﴿وَرَّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. في ((الكشاف))(٢): ترتيلُ القرآن: قراءتُه على تَرسُّلِ وتُؤَدةٍ؛ بتَبْيين الحروف وإشباع الحركات، حتَّى يجيء المتلوُّ منه شَبيهاً بالثَّغْر بالمرتَّل: وهو المفلج، وأنْ لا يَهذَّه هذّاً، ولا يَسْرُدُه سَرْداً . وقوله تعالى: ﴿نَرْتِيلًا﴾: تأكيدٌ في إيجاب الأمر به، وأنَّه ما لا بُدَّ منه للقارئ. وقال حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ في ((إحيائه))(٣): في بحثِ آدابٍ التِّلاوةِ العَشرةِ: ((الخامسُ: الثَّرتيلُ؛ هُو المستحبُّ في هيئة القرآن؛ لأنَّا سُنبيِّنُ أنَّ المقصودَ من القراءةِ التَّفَكَّرُ، والتَّرتيلُ مُعينٌ عليه. ولذلك نَعتَتْ أمُّ سلمة رضي الله عنها قراءةَ رسولِ الله ؛ وَسَلام ◌َلىللهے فإذا هي تَنْعتُ قراءته مُفسَّرةً حَرْفاً حرفاً (٤). (١) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (٦٧٥/٢). (٢) ((الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل)) للزمخشري (٦ /٢٤١). (٣) ((إحياء علوم الدين)) (١ / ٢٧٧). (٤) أخرجه أبو داود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٣)، وأحمد (٢٦٥٢٦)، وهو صحيح لغيره. ٩٠ وقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما: ((لَأَنْ أقرأ البقرةَ وآل عمرانَ أُرِّلُهما وأتدبَّرهُما أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقرأ القرآن كلَّه هَذْرِمةً)). وقال أيضاً: ((لَأَنْ أَقرأَ ((إذا زلزلت))، و((القارعة))، أتَدبَّرُهُما أحبُّ إليَّ من أنْ أقرأ البقرةَ وآل عمران تَهْذِيراً)». واعلم أنَّ الترتيلَ مستحبٌّ لا لمجرَّدِ التَّدبُّر، فإنَّ العَجَميَّ الذي لا يَفْهمُ معنى القرآن يُستحبُّ له في القراءة أيضاً التَّرتيل والتُّؤَدة؛ لأنَّ ذلك أقربَ إلى التَّوقِير والاحترام، وأشدَّ تأثيراً في القلبِ مِن الهذْرَمةِ والاستِعْجالِ . وقال شَمسُ الدِّين ابنُ القيِّم في ((زاد المعاد))(١): ((كان رسول الله وَلّه يُرِّلُ السورةَ حتَّى تكونَ أطولَ مِن أطولَ منها))(٢). وقام بآية يُردِّدُها حتَّى الصباح(٣). * وقد اختلفَ النَّاسُ في التَّرتيل وقِلَّة القراءةِ، والسُّرعةِ مع كثرةٍ القراءة؛ أيُّهما أفضلُ؛ على قولين: (١) ((زاد المعاد)) (٣٢٦/١). (٢) أخرجه مسلم في ((الصحيح)) (٧٣٣) من حديث حفصة رضي الله عنها . (٣) أخرجه النسائي (٧١/٢)، وابن ماجه (١٣٥٠)، وأحمد في ((المسند)) (٢١٣٢٨) من حديث أبي ذرت له، وإسناده حسن. والآية قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. ٩١ - فذهبَ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عبّاس ﴿ه وغيرُهما إلى أنَّ الترتيلَ والتَّدبُّرَ مع قِلَّة القراءةِ أفضلُ من سُرعةِ القراءة مع كثرتها . واحتجَّ أربابُ هذا القول بأنَّ المقصودَ من القرآن فَهْمُه وتَدُّرُه والفقْهُ فيه والعملُ به؛ وتلاوتُه وحِفْظُه وسيلةٌ إلى مَعانِيه. كما قال السَّلفُ: نزلَ القُرآنُ ليُعْمَلَ به؛ فانَّخِذُوا قراءتَه عملاً . لذلك كان أهلُ القُرآنِ هم العالِمُون به، والعاملون بما فيه، وإنْ لم يحفظُوهُ عن ظَهْرٍ قلب. وأمَّا مَن حَفظه ولم يَفْهمه ولم يَعْمل به؛ فليس من أهلِهِ، وإنْ أقامَ حُروفَه إقامةَ السَّهْم. قالوا: ولأَنَّ الإيمانَ أفضلُ الأعمال، وفَهْمُ القرآنِ وتَدُبُّره هو الذي يُثمِر الإيمان، وأمَّا مجرَّد التلاوة من غير فَهْم ولا تَدُّر فيفعلُها البَرُّ والفاجر، والمؤمنُ والمنافِقُ. قالوا: وهذا هَدْي النبيِّ نَّه فإنَّه كان يُرتِّل السورةَ حتَّى تكونَ أطولَ مِن أطول منها كما تقدم، اهـ. مُلخَّصاً. رَوَى أبو داودَ، وغيرُه عن أمِّ سلمة: أنها نَعتَتْ قراءةَ النبيِّ قراءةً مُفسَّرَةً حَرْفاً حرفاً (١). صَلى الله وَسَلام (١) أخرجه أبو داود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٣)، وأحمد (٢٦٥٢٦)، وهو صحيح لغيره. ٩٢ وفي البخاريِّ عن أنسٍ: أنه سُئل عن قراءةِ النبيِّ وَّ فقال: كانت مَدَّا(١). وفي ((الصَّحِيحين)): عن ابن مسعودٍ؛ أنَّ رجلاً قال له: إني أقرأ المُفصَّل(٢) في ركعةٍ؛ فقال: هَذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ(٣). وروى الطبرانيُّ، والبَيْهقيُّ: عن حذيفةَ مَرفُوعاً: ((اقرؤوا القرآنَ بلُحُون العرب)) الحديث (٤). والمرادُ: بـ: ((ألحانِ العرب)): القِرَاءُ بالطَّبْع والسَّليقةِ، كما جُبِلُوا عليهِ من غير زيادة ولا نقص كما تقدَّم. (١) في ((الصحيح)) (٥٠٤٥، و٥٠٤٦). (٢) أي: سُور المُفَصَّل؛ سُمِّيت مفضَّلاً؛ لكثرة الفصول التي بين سورها بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وهي السور التي تلي المثاني، وهي من سورة (قَ)) إلى سورة ((الناس))، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل: من سورة ((قَ)) إلى سورة ((المرسلات)). أوساط المفصل: من سورة ((النبأ)) إلى سورة ((الليل)). قصار المفصل: من سورة ((الضحى)) إلى سورة ((الناس)). وهي مما فُضِّله النبيِّ وَ ﴿ كما ثبت من حديث واثلة بن الأسقع ظُه، أنَّ النبيِ وَّهِ قال: ((أُعْطِيتُ مكان التوراة السَّبْعُ، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلت بالمفصَّل))، أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٦٩٨٢)، وإسناده حسن. (٣) البخاري (٧٧٥)، ومسلم (٨٢٢، ٢٧٩). والرجل السائل: هو نَهِيك بن سنان، كما جاء مصرحاً به عند مسلم. (٤) سبق تخريجه. ٩٣ العِناية بتدبُّر الآياتِ قال السُيوطيُّ في ((الإتقان))(١): ((تُسنُّ القراءةُ بالتَّدبُّر والتَّفهم، فهو المقصودُ الأعظمُ، والمطلوبُ الأهمُّ، وبه تَنْشرحُ الصدُورُ، وتَستنيرُ القلوبُ؛ قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَدٌَّ لِيَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ﴾ [صّ: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اُلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: ٨٢]. وصفةُ ذلك: أنْ يَشغل قلبَه بالتَّفكّر في معنى ما يَلْفِظُ به؛ فَيَعرِفُ معنى كلِّ آيَةٍ، ويتأمَّلُ الأوامرَ والنَّواهيَ ... )) إلخ. قال القاضي زكريا في ((شرح الجزريَّة)): ((الغَرضُ مِن القراءةِ إنَّما هو تصحيحُ ألفاظِها على ما جاء به القرآنُ العظيم، ثم التَّفكّر في معانيه))(٢). قال الإمام الغزاليُّ: ((التَّدبُّر وراء حضور القلب؛ فإنَّه قد لا يَتفكّر في غير القرآن، ولكنَّه يقتصرُ على سماع القرآنِ من نَفْسِه وهو لا يتدبَّره. والمقصودُ من القراءةِ الثَّدُبُّر، ولذلك سُنَّ فيه التَّرتيلُ؛ لأنَّ التَّرتيلَ في الظَّاهر ليتمكَّنَ من التَّدبُّرِ بالباطن. قال عليٍّ ◌َّهِ : لا خيرَ في عبادةٍ لا فِقْه فيها، ولا في قراءةٍ لا تَدُّر فيها)). (١) ((الإتقان في علوم القرآن)) (٦٧٨/٢)، وانظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (٢/ ٨٢). (٢) ((الدقائق المحكمة في شرح المقدمة)) (٧٥). ٩٤ وقال أيضاً عليه الرَّحمة والرِّضوان في باب المغرُورِين: ((وفرقةٌ أُخرَى اغترُّوا بقراءةِ القرآن فيَهُذَّونه هذَا، وربَّما يختمونه في اليوم واللَّيلة مرَّة، ولِسانُ أحدِهم يجري به، وقلبُه يتردّدُ في أوديةِ الأماني؛ إذْ لا يتفكّرُ في معاني القرآن؛ لينزَجِر بزَواجِرِهِ، ويتَّعظَ بمواعِظِه، ويقفَ عند أوامرِهِ ونَواهيهِ، ويَعتبرَ بمواضع الاعتبار فيه، إلى غير ذلك مِن مقاصدِ التِّلاوةِ؛ فهو مَغرُورٌ؛ يظنُّ أنَّ المقصودَ مِن إنزالِ القرآن الهَمْهَمةُ(١) به مع الغفلة عنه . ومثالُه مثالٌ عَبْد كتبَ إليه مولاه ومالكُه كتاباً وأشار عليه فيه بالأوامرِ والنَّواهي، فلم يَصْرِف عنايته إلى فَهْمِه والعمل به، ولكن اقتصرَ على حفْظِه، فهو مُستمِرٌّ على خلاف ما أمرهُ به مولاه، إلَّا أنه يُكرِّر الكتاب بصوتِه ونغْمتِه كلَّ يوم مئةً مرَّة؛ فهو مُستحِقٌّ للعُقوبةِ، ومهما ظنَّ أنَّ ذلك هو المراد منه؛ فهو مغرورٌ. نعم، تلاوتُه إنَّما تُراد لكيلا يُنْسى، بل لِحفْظِه. وحِفْظُه يُرادُ لمعناه، ومعناهُ يُرادُ للعمل به والانتفاع بمعانيه، وقد يكون له صوتٌ طيِّبٌ، فهو يَقرؤُه ويَلْتذُّ به، ويَغترُّ باسْتِلْذَاذِهِ، ويظنُّ أنَّ ذلك لذّة مُناجاةِ الله تعالى وسماع كلامه، وإنَّما هي لَذْتُه في صوته، ولو ردَّد (١) الهَمْهَمة: ترديد الصوت في الصدر. ((الصَّحاح)) للجوهري، مادة: (هوم). وانظر: ((المخصَّص)) لابن سِيْدَه (٢٢٣/١)، و((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير، مادة: (همهم). ٩٥ ألحانه بشعرٍ أو كلام آخر لالْتَذَّ به ذلك الالتذاذ فهو مَغرُورٌ؛ إذ لم يتفقَّد قلبَه فيَعْرِفُ أنَّ لذّتهَ بكلام الله تعالى مِن حيث حُسْن نَظْمِه ومعانيه، أو بصوته))(١). 000 (١) ((إحياء علوم الدين)) (٤٠١/٣). ٩٦ تقاريظ أهل العلم يقول مُصحّح هذا الشرح؛ قاسم خير الدِّين القاسمي شقيق الشارح تغذفه : «قد اطلعتُ في أصله على تقاريظ له جمَّة من مشاهير علماء الشام وأدبائها لعهد تأليفه؛ فأردتُ إثبات بعضها حفظاً لدُرَرِ كَلِمهم)). ٩٧ الشيخ أحمد الحلواني تظّتُهُ * فكتب الأستاذ شيخ القرّاء بالشام الحلواني ما صورته بعد البسملة : الحمد لله الذي خصَّ الإنسان، بحفظ القرآن، وفضَّله تفضيلاً، والصلاة والسَّلام على من أنزل عليه: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. أمَّا بعد: فقد اطّلعتُ على هذا الشرح؛ فوجدتُه مُتقناً محرَّراً مُستوعباً الغالب أحكام التَّجويد، وأرجو الله أن ينفع به المسلمين. وصلّی الله علی سیدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم. قاله بفمه وأمر برقمه أحقر الورى، وخادم القرّاء أحمد الحلواني(١) في ٢٨ رجب سنة ١٣٠٤ هـ (١) انظر ترجمته في: ((إمام الشام في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للشيخ محمد العجمي (١٥٤). ٩٩ الشيخ محمد المنبني العثماني تَُّ * وكتب المولى الهُمَام مُفتي الشام ما صورته بعد البَسْملة: الحمد لله وحده، وصلّى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه . وبعد : فقد سرَّحت الطَّرْف في هذا الشَّرح؛ فوجدتُه شاهداً لجامعه بالنَباهة والنُّجُح. وفَّقنا الله وإياه، لِمَا يحبُّه ويرضاه. حرَّره مفتي الشام محمد المنيني العثماني(١) (١) انظر ترجمته في: ((حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر)) للبيطار (٣/ ١١٨٣). ١٠٠