النص المفهرس
صفحات 41-60
قَالَ المُصنِّفُ رَخَذَهُ(١): (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) : قَالَ الشَّارِحُ كَفُهُ: تُشرع التَّسمية باللِّسان، في ابتداء كلِّ أمر ذي شأنٍ؛ لتكون مُنبِّهةً للقلب إلى الرُّجوع في ذلك العمل إلى الربِّ، ومُلاحِظةً أنه يُعمَلُ لاسْمِه لا لاسْمِ غيرِهِ؛ ابتغاءً لوجهه، وإجلالاً له، ورغبةً في مَرْضاتِهِ وخَيرِه(٢) . الاسمُ: ما دلَّ على المُسمَّى؛ أي: ما يُعرفُ به المُسمَّى(٣). (١) في الأصل، جاء في صدر الرسالة فقط: ((قال المصنِّف))، ثم توالى على (ص)) في جميع مواضعه إشارة لقول المصنِّف تَّفه، و((قال الشارح))، وتوالى على ((ش)) كذلك، إشارة لقول الشارح تثلثهُ، فاستعضت عن الرمز في بقيته كما جاء في طليعته؛ لذا جرى التنبيه. (٢) يقول شيخ المفسرين ابنُ جرير الطبري ◌َّفهُ: ((إنَّ الله تعالى ذِكْره وتقدَّست أسماؤه، أدَّب نبيَّه محمداً ◌َّر بتعليمه تقديم ذِكْر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، ومُقدَّمٌ إليه في وَصِفِه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدَّبه به من ذلك وعلَّمه إِيَّه منه لجميع خَلْقه سُنَّةً يَستُّون بها، وسبيلاً يتَّبِعُونه عليها، في افتتاح أوائل منطقهم، وصُدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم))، اهـ. ((جامع البيان)) (١١١/١). (٣) الأصح أن يقال: إنَّ ((الاسم للمُسمَّى)) كما تَشهدُ به الآيات القرآنية = ٤١ فاسْمُه سبحانه هو ما يُعرَف به، ويُتوجَّه به إليه، والله تعالى إنَّما يُعرَف بأسمائه؛ فإيثارُ الاسم على الذَّات إشارةٌ إلى استيقاف العقل عنده، والحظْرِ عليه في أنْ يَتجاوز بشرَههِ ما بَعدَهُ، فإنَّ الذَّاتِ العَليَّة أسْمَى مِن أن يَتطالَّ إلى اكتِنَاهِها الفِكْر، وأكبرُ من أنْ يَصل إليها العِلْمُ، وأعزُّ من أن تحُومَ حولها المدَارِك. وقد سَدَّ الإسلامُ بابَ التَّفكّرِ في هذا الحِمَى المنيعِ والسِّرِّ العزيز، وأجدِرْ بما سمَّاها قوم: ((الغيبُ المكنُونُ، والغيبُ المصُونُ، وأبطنَ كلَّ باطنٍ ويُطُونٍ))(١)؛ لأنها لا تُشهَد ولا تُعلَم ولا تُدرَك، وإنَّما يُدْرَك منها أنَّها لا تُدْرَك: = والأحاديث النبويَّة الصحيحة؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَ فَاَدَعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكقوله تبارك وتعالى: ﴿قَلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وكقولهِ وَّهُ: ((أسألك بكلِّ اسم هو لك سمَّيت به نفسك))، وغير ذلك؛ فتنبّه. يقول ابنُ جرير الطبري تَذَفُهُ: ((وحَسْبُ امرئ منَ العلم به، والقول فيه أنْ ينتهي إلى قول الله عزَّ وجلّ ثناؤه، الصادق، وهو قوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنّ ◌َيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَىِ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]»، اهـ. («صريح السُّنَّة)) (٣١). وانظر بتوسُّعٍ: ((قاعدة في الاسم والمسمَّى)) ضمن ((مجموع الفتاوي)) لشيخ الإسلام ابن تيمية تخذه (١٨٥/٥ - ٢١٢). (١) ((الغيب المكنون والغيب المصون)) هذا إطلاقٌ صوفيٍّ، ويُرِيدُون به عندهم: ((هو سرُّ الذات وكنهها، الذي لا يعرفه إلا هو، ولهذا كان مصوناً عن الأغيار، مكنوناً عن العقول والأبصار)). انظر: ((معجم مصطلحات الصوفيّة)) للكاشاني (١٨٦). ٤٢ مرامٌ شطَّ مَرْمَى الوَصْف فيه فدُوْنَ مَدَاهُ بِيْدٌ لا تَبِيدُ(١) وللبَسْملةِ(٢) مباحثُ لا يَسعُ لها هذا المختصر. يتقاضى بعضُ(٣) المؤَلِّفين بأنْ يأتوا بالحَمْدلَة؛ لأَثْرٍ يُرْوَى(٤)، (١) أورده ابن الجوزي في ((المدهش)) (١٣٧) وهو عنده: مرامٌ شطّ مرمى العقل . (٢) البَسْملة: مصدر ((بسمل))، وهو نحتٌ من كلمتين أو أكثر في كلمةٍ واحدةٍ، من قول: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، فيقولون ((البسملة)) طلباً للاختصار، ومثل قولهم: ((الحَمْدَلة) كما سيذكره الشارح ◌َظّفُهُ بعد قليل، وهي لِمَن أكثر من قَوْل: ((الحمد لله))، و((الهَيْلَلَة)) من قول: ((لا إله إلَّا الله))، و((الحَوْقلة)) من قول: ((لا حول ولا قوة إلَّا بالله))، وغيرها كثير. انظر: ((مرشد القارىء إلى تحقيق معالم المقارىء)) لابن الطحان (٦٢)، و((المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها)) للسيوطي (٤٨٢/١) النوع (٣٤) معرفة النَّحت. وهنا فرقٌ دقيقٌ بين البسملة؛ وهي قول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وبين التَّسْمية؛ وهي فقط قول: (بِسْمِ اللَّهِ)، والأحاديث تضبط هذا الفرق بينهما، فالبسملة تشرع في قراءة القرآن، وفي صدر الرسائل والكتب. أما التَّسمية فهي أوسع وأشمل من ذلك، وقد فقه هذا الإمام البخاري تَظُّ فقال في ((الصحيح)): باب التَّسمية على كلِّ حال. ومن هنا، فالأجود والأصوب حِفْظُ هذا الفرق بينهما، وعدم الخلط فيهما وجعل أحدهما موضع الآخر. والله أعلم. (٣) في الأصل: ((بعضهم)). (٤) يريد حديث أبي هريرة ظبه قال: قال رسول الله وَلّى: ((كل كلام لا يُبدأ فيه بـ((الحمد لله))؛ فهو أجذمُ))، أخرجه أبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في = ٤٣ وإنْ لم يُخرِّجه وُعاةُ الصِّحاح(١). وأحسنُ ما قالُوا: إنَّ في البَسْملةِ حَمْداً؛ لمَا تَضمَّنتَهُ مِن إظهار صفاتِ الكمالِ، وهو الحمدُ حقيقةً، فمادةُ الحَمْدِ غيرُ مُرادةٍ، ولا يخفى ما صحَّ مِن اكتفاءِ النبيِّ صلواتُ اللهِ عليه في كُتُبه إلى الملوكِ بالبَسْملةِ. = ((الكبرى)) (١٠٢٥٥)، وابن ماجه (١٨٩٤)، وأحمد في ((المسند)) (٨٧١٢)، وهو مرسلٌ ضعيفٌ؛ فإنَّ قُرَّة بن عبد الرحمن المعافري فيه ضعف ونكارة، وحديثه عن الزهري يشتد ضَعْفُه، وهو أيضاً مرسل، كما قال عقبه أبو داود، ورجَّحه الدارقطني في ((العلل)) (٣٠/٨). ثم مراسيل وبلاغات الزهري لا يُحتجُّ بها عند أهل الحديث؛ قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرٌّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ وكلما قدر أن يسمِّ سمَّى، وإنما يترك من لا يحب أن يسمِّيه. قلت - أي الذهبي -: مراسيل الزهري كالمُعْضَل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابيٍّ لأَوْضَحه، ولَمَا عجز عن وَصْله، ولو أنَّه يقول: عن بعض أصحاب النبي ◌َّله، ومن عدَّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير ونحوهما فإنَّه لم يَدْرِ ما يقول. نعم، مرسله كمرسل قتادة ونحوه، اهـ. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٣٨/٥، ٣٣٩). (١) أي: حُفَّاظ ((الصحاح)). ووَعَاه: حَفِظَه. انظر: ((الصِّحاح)) للجوهري، مادة: (وعى). ومنه قولهم: ((ما العلم إلَّا ما وعاه الصدر))، أي: حفظ الصدر. ٤٤ مقدّمة التَّجوِيدُ: عِلمٌ يُبحثُ فيه عن تَصْحِيح الأداء؛ بمَعْرفةِ مخارجٍ الحُروفِ وصِفَاتِها وإعْطَائها حُقوقها مِنها؛ لِيَتلطّف النُّطْق بها على كمالٍ وَضْعِها مِن غيرِ تَفْرِيطِ وتعسُّفٍ، ولا إفراط وتكلَّفٍ، ولْيَلحق من ليس له الأداءُ الفَصيحُ بأهلِهِ. أصلُ مَعْنى التَّجويدِ: مَصدَر جَوَّد الشَّيءَ؛ أتى به جَيِّداً (١). سُمِّي به هذا العِلْم لِمَا في معرفتهِ من تحسين اللَّفظ، وتأنيقٍ المَنْطِقِ، وتَهذيب البيان، وتَلْطِيفِ الكَلِم، ولذا كان مَوضُوعُه الكَلِم العربيَّة مُطْلقاً من جهةِ إعطائها حَقِّها المتقدِّم(٢). ومَنْ خصَّص الكلمات القرآنية بالموضوعيَّةِ؛ فقد لحظ أنَّها المقصودةَ أولاً، وبالذَّات(٣) لواضِعِه؛ أعني مَن صاغ قواعدَه في قالبٍ (١) انظر مادة ((جوَّد)): في ((الصِّحاح)) للجوهري، و((لسان العرب)) لابن منظور. (٢) انظر: ((التحديد في الإتقان والتجويد)) لأبي عمرو الداني (٦٨)، و((جهْد المُقِلِّ) لساجِقْلي زاده (١٠٩). (٣) ((أولاً وبالذات)) تعبير قرشي شهير، و((أولاً)) نُصِب على الظرفية بمعنى قبل، و((بالذات)) عَطْفٌ عليه، و((الباء)) بمعنى ((في))، أي: في ذات المعنى بلا واسطة. ويُقال في مقابلته: ((ثانياً وبالعرض)). =. والأول: كناية عن الحقيقة، والثاني عن المجاز، اهـ مُصحّحه. ٤٥ التَّصنيفِ، وهو - فيما يقال -: موسى بن عُبَيد الله بن يحيى بن خَافَان الخاقاني البغدادي المُقرِئ، المُتوقَّى سنة (٣٢٥هـ)(١). استِمْدادُ هذا الفنِّ: من السَّماعِ والتَّلقِّي، وتَبُّعِ مَنَاحِي العرب في لُحُونِها الفِطْرِيَّة، وتكييف أصواتها، وهو الذي مَهَّد السَّبيل لوَضْع تلك القواعِد الفَنِيَّة، وقد ضُمَّ إليه بالاستنباطِ كثيرٌ مِن المسائلُ، أسوَةَ كلِّ فَنِّ دُوِّن. وذلك ((لأنَّ كلَّ عِلْم فبعضُه مأخوذٌ بالسَّماع، وبعضُه بالاستنباطِ والقياسِ، وبعضُه بالانتِزَاعِ مِن عِلْم آخر)»(٢). = وانظر: ((الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة)) لابن عابدين (٥١) ط : الضامن. (١) أشار إلى هذه الأولية ابن الجزري تخلَثُ في ((غاية النهاية)) (١٣٠٦/٣ ط: الصحابة)، فقال: ((هو أوَّلُ مَن صنَّف في التجويد فيما أعلم، وقصيدتُه ((الرائية)) مشهورة، وشرَحَها الحافظ أبو عَمْرو))، أي: الدَّاني ◌َُّ. ويريد بـ((تصنيفه)): قصيدته ((الرائية في حُسْن أداء القرآن))، وهي في واحد وخمسين بيتاً، وَصَفَها الذهبي تَظَفُ بقوله: ((ونَظَم القصيدة المشهورة في التَّجويد، فأجاد)). ((معرفة القرّاء الكبار)) (١/ ٢٧٤). وانظر في ترجمة الخاقاني: ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٦٢/١٥)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٩/١٥)، و((معرفة القرّاء الكبار)) (٢٧٤/١)، و((غاية النهاية في طبقات القرّاء)) لابن الجزري (١٣٠٦/٣). (٢) هو من قول علي بن مسعود الفرُّغاني (٥٤٨هـ) صاحب ((المستوفي في النحو))، وقد ذكره عنه السيوطي في ((الاقتراح في أصول النحو)) (٢٠٤) مختصراً. ٤٦ : قَالَ المُصَنِّفُ بَّهُ : ((حُرُوفُ المَدِّ ثلاثةٌ: الأَلِفُ السَّاكِنُ المَفْنُوحُ مَا قَبْلَها، والوَاوُ السَّاكِنَةُ المَضْمُومُ مَا قَبْلَها، واليَاءُ السَّاكِنَةُ المَكسُورُ مَا قَبْلَها، مُجتَمِعةٌ في قوْلِهِ تَعَالى: ﴿نُوحِيَهَا﴾ [هود: ٤٩]). قَالَ الشَّارِحُ تَظَتُهُ: المَدُّ في عُرْفِهم(١): إطالةُ الصوتِ بالحرفِ الممدُودِ، مُنقولٌ عن ((البسط))، أحد معانيه اللُّغوية(٢). (١) أي: القُرَّاء. وانظر: ((إبراز المعاني من حرز الأماني)) لأبي شامة (١٣١)، و((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (٣١٣/١)، و((الحواشي الأزهرية في حل ألفاظ المقدمة الجزرية)) للأزهري (٨٦). يقول الصفاقسي تخذتُ عن أهمية القصر والمد: ((وهو بابٌ مهم، وأكثر أحكامه قواعد تجويدية، تَبْرَعُ القرّاء بذكرها في كتبهم لمَّا اضطرهم الحال إلى ذكرها، اختلف فيه القرّاء. والقصر هو الأصل، ولذلك لا يحتاج إلى سبب، والمدُّ فرع، ولذلك لا يكون إلَّا لسبب))، اهـ. ((تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين)) (١٠٨). (٢) انظر: ((القاموس المحيط)) للفيروزآبادي (٣١٨) باب الدال، فصل الميم ((المد)) . = ٤٧ وحروفُهُ ثلاثةٌ: (الألفُ)، ولا يكون ما قبلها إلَّا مَفتُوحاً. و(الواوُ)، و(الياءُ)، إذا سَكَنا وكانت حركةُ ما قَبلِهما من جِنْسِهما(١). وقدِ اجتَمعَتِ الثلاثةُ في كلمةٍ ﴿نُوحِيَهَا﴾ [هود: ٤٩]، ومِثلها ﴿وَأُوْتِنَا﴾ [النمل: ١٦]، و﴿ءَاتُونِ﴾ [الكهف: ٩٦]، والثالثُ(٢) أَوْفَقُ بترتيبِ المُصنّف. * وتُسمَّى الثلاثة أيضاً: - حُروفُ اللِّينِ؛ لأنها تجري في لِيْن، وعدم كُلْفَة على اللِّسان(٣). = ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُم﴾ [آل عمران: ١٢٥]، أي: یزدکم . يقول ابن فارس كَّهُ: ((الميم والدَّال أصلٌ واحد يدلُّ على جرِّ شيءٍ في طول، واتصال شيء بشيء في استطالة. تقول: مَددتُ الشيءَ أمدُّه مدًّا، ومدَّ النهرُ، ومدَّه نهرٌ آخر، أي: زاد فيه ووَاصلَه؛ فأطال مُدَّته)). ((مقاييس اللغة))، مادة: (مد). وانظر: (الصحاح)) للجوهري، مادة: (مدد). (١) قال الحصري ◌َّهُ: ((قال العلماء: وإنما خُصَّت هذه الحروف بالمدِّ دون غيرها؛ لأنها أنفاس قائمة بهواء الفم، وحركاتُها في غيرها، فلذا قَبلت الزيادة، بخلاف غيرها؛ فإنَّ لها حيِّزاً محقّقاً، وحركاتُها في نفسها فلم تقبل الزيادة)). ((أحكام قراءة القرآن)) (٢٠٨). (٢) يريد بالثالث: قوله تعالى: ﴿ءَاتُوِنِ﴾؛ لترتيب الحروف فيها كما ذكرها المصنّف تقذفه: ((الألف، فالواو، ثم الياء)). (٣) قال الإمام مكي بن أبي طالب كَّفُهُ: ((وإنما سُمِّين بحروف اللِّين؛ لأنهنَّ يخرُجْن من اللَّفظ في لين من غير كُلْفة على اللِّسان واللَّهوات، = ٤٨ - وحُرُوف العِلَّة؛ لِمَا يقعُ فيها مِن التَّغييرات المُطَردة(١). وقد يُخصُّ الِّينُ ((بالواو والياء)) إذا سَكَنا وانفتح ما قبلهما على ما سَيجيءُ. = بخلاف سائر الحروف، وإنَّما يَنْسَلِلْن بين الحروف عند النطق بهنَّ انسلالاً بغير تكلُّف)). انظر: ((الرِّعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة)) (١٢٦). وقال العلّامة مُلَّا القاري تَغَفُهُ: ((لأنها تخرج بامتدادٍ ولين من غير كلفة على اللسان؛ لاتساع مخرجها، فإنَّ المخرج إذا اتَّسع انتشر الصوت وامتدًّ ولَان، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصَلُب)). ((المِنَح الفكرية في شرح المقدمة الجزرية)) (٧٨). (١) وتُسمَّى أيضاً: حروف جوفية وهوائية؛ لانتهائها إلى هواء الفم. انظر: ((التحديد في الإتقان والتجويد)» للداني (١٠٨)، و((المِنَح الفكرية)) للقاري (٧٧). ٤٩ قَالَ المُصَنِّفُ تَّهُ : ((وسَبَبُ المَدِّ الطَّوِيلِ شَيْئانِ: هَمْزٌ، أَوْ سُكُونٌ. - فإِذَا كانَ حَرْفُ المَدِّ والهَمْزِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فيُسمَّى المَدُّ مُتَّصلاً. [البقرة: ٢٢٨]، و﴿وَجِاْىَّءَ﴾ مِثالُهُ: ﴿أُوْلَكَ﴾، و﴿قُرْوَةٍ﴾ [الزمر: ٦٩]. وإِذَا كانَ حَرْفُ المَدِّ في كَلِمَةٍ، وَالهَمْزُ في كَلِمَةٍ أُخْرَى؛ فيُسمَّى المَدُّ مُنْفَصِلاً. [البقرة: ٤]، ﴿ءَامَنُوْ إِذَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] مثاله: ﴿بِمَا أَنْزِلَ: و﴿فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٤٤])). * قَالَ الشَّارِحُ كَفُهُ: المَدُّ نوعان: أصليٍّ وفَرعيٍّ. * فالأصلي: هُو اللازم لحروف المدِّ ليس لها وجودٌ بعدمِهِ. ويُسمَّى أيضاً: مَدَّا ذاتيًّا وطبيعيًّا؛ لأنه لا تقومُ ذاتُ الحروفِ المذكورةِ إلَّا به. ويُمدُّ بالطبيعة (١) مِن غير كُلْفة على اللِّسان. ويُسمَّى أيضاً: بالقَصْر؛ لأنه مَقصُورٌ عن أنْ يُزاد فيه على قَدْرِ ألفٍ. * وأمَّا المدُّ الفرعيُّ: فهو الزَّائدُ على المدِّ الأصلي لحروفٍ المدِّ. وسمَّاه المُصنِّف: ((طويلاً))؛ لإطالة الصوتِ بالحرفِ الممْدُودِ فيه على المدِّ الطبيعي(٢). والسَّببُ لزيادةِ مَدِّه شيئان: همزٌّ بعد حرف المدِّ، أو سكونٌ بعدَهُ. والهمْزُ، إِمَّا أن يُوجَد بعد حرفِ المدِّ في كلمةٍ، أو في کلمتین . والسُّكونُ، إمَّا لازمٌ، أو عَارضٌ. فإذا وقعَ بعد حرفِ المَدِّ هَمْزٌ في كلمةٍ، نحو: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ و﴿قُرْوَةٍ﴾، ﴿وَجَآءَ﴾؛ سُمِّي المدُّ الطّويل في هذا القسم: ((مَدَّا مُتصلاً))؛ لاتصالٍ الهمزِ بحرفِ المدِّ في كلمةٍ. و((واجباً)): أيضاً؛ لوجوب الزِّيادةِ فيه على المدِّ الأصلي. (١) أي: يمُدُّه صاحب الطبيعة السليمة. (٢) انظر: ((المِنَح الفكرية)) للقاري (٢٢٠). ٥١ وفي مقدار الزِّيادةِ رواياتٌ(١): ((أَلِفٌ ونصف))، ((ألِفَان فقط))، أو: ((ونصف))، ((ثلاث)). والكلُّ تقريبٌ لا يُضبط إلَّ بالمُشافهةِ والإدْمَان(٢). وإذا وقع حرفُ المدِّ آخرَ كلمةٍ، والهمْزُ أوَّلُ أخرَى؛ نحو: ﴿بِمَآ أُنزِلَ﴾؛ سُمِّي المُّ(مُنفصِلاً))؛ لانفصالِ الهمْزِ عن حرفِ المدِّ خَطًا. و ((جائزاً)) أيضاً؛ لجواز الاقتصارِ فيه على المدِّ الطبيعيِّ، والزيادةِ عليه بالمقادير المُتقدِّمةِ. لا تنبيه : لا تجوزُ الزِّيادةُ على خمسٍ ألفَاتٍ في شيءٍ من القِسْمين؛ المُتَّصل والمنْفَصل، إجماعاً . قال أبو شَامةَ: ((فما يفعَلُه بعضُ الأئمَّةِ وأكثرُ المؤذِّنينِ من الزِّيادة؛ فَمِن أقبح البِدَع، شَديد الكراهةِ))(٣). (١) وهذا اختيار الجعبري في ((كنز المعاني)) (و٥٢/ ب) عن ((المٍنح الفكرية)) للقاري (٢٣٣). (٢) انظر: ((المنح الفكرية)) للقاري (٢٣٣). يقول الإمام ابن الجزري كَفُ: ((ولا أعلم لبلوغ النّهاية في التَّجويد مثل رياضة الأَلْسُن والتكرار على اللَّفظ المُتلقَّى من فم المُحْسِن)). ((النشر)) (٢١٣/١). وقال كَّفُ في أهمية ضبط حروف التَّجويد على مخارجها: ((وجميع ذلك يُضطرُّ في تصحيحه إلى الرياضة، ويُحتَاج في أدائه إلى المشافهة؛ لينكَشفَ خاصُ سِرِّه، ويتضح طريقُ نقلِه)). ((التحديد في الإتقان والتجويد)) (١٦٤). (٣) انظر: ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) له (٢٦٨) والنقل عنه بالمعنى . ٥٢ وذكرَ أيضاً: أنَّ المدَّ بقَدْرٍ ألِفٍ. يعني: بِقَدْر التَّلقُّظ بألِفٍ، أو: بقَدْر عَقْد إصْبعٍ. وقدَّر غيرُه الألف بقَدْر حركتين، وجعلَ الحركةَ بمقْدَار رفع إِصْبْع ووَضْعِه بسُرعةٍ (١). (١) انظر: ((المنح الفكرية)) للقاري (٢٣٣). وهذا كلُّه من باب التقريب والتَّعليم، ويُضبط بالتَّلقين والمُشافهة. وقد أحسن الإمام مكي بن أبي طالب كَّفُ حين قال: ((والتقدير عندنا للمَدِّ بالألفات؛ إنَّما هو تقريب للمُبتدئين وليس على الحقيقة؛ لأنَّ المدَّ إنَّما هو فتح الفم بخروج النَّفَس مع امتداد الصوت وذلك قَدْرٌ لا يعلمه إلَّا الله ولا يَدْري قَدْر الزمان الذي كان فيه المد للحرف ولا قَدْر النَّفَس الذي يخرج مع امتداد الصوت في الحيِّز إلَّا الله تعالى، فمنِ ادَّعى قَدْراً للمدِّ حقيقة، فهو مُدَّعي علم الغيب أو لا يدَّعي ذلك مَن له عقل وتمييز، وقد وقع في كتب القُرَّاء التقدير بالألِف والألفين والثلاثة على التَّقريب للمُتعلِّمين)). انظر: ((تمكينُ المدٍّ في ((آتَى)) و((آمن)) و ((آدم)) وشِبْهِه)) (٣٨). ٥٣ قَالَ المُصَنِّفُ رَفُهُ: ((واللَّازمُ(١) يَنْقسِمُ إلى أربعةِ أقسَامٍ: كَلِمِيٍّ وحَرْفِيٍّ. وَكُلٌّ مِنْهُما إِمَّا مُثقَّلٌ، أَوْ مُخَفَّفٌ. مِثالُ الكَلِمِيِّ المُثقَّلِ: ﴿دَابَةٍ﴾ [هود: ٦]، ﴿الصَّلَنَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة وَمِثَالُ الكَلِمِيِّ المُخَفَّفِ: ﴿َآلَْنَ وَقَّدْ كُم بِهِ، تَسْتَعِْلُونَ﴾ . ﴿ءَالْقَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾، الموْضِعَان في يُونُسَ [٥١، و٩١]. ومِثَالُ الحَرْفِيِّ المُثقَّل وَالمُخَفَّفِ: ﴿الَّمَ﴾ [البقرة: ١]؛ فالمَدُّ عَلى اللََّمِ مُثقَّلٌ، وعَلى المِيْمِ مُخَفَّفٌ)). : قَالَ الشَّارِعُ تَظَُّهُ : هذا هُو النَّوع الثاني، وهو ما كانَ سَببُ زيادةٍ مَدِّه السُّكونُ. يعني: أنْ يقع بعدَ حرفِ المدِّ ساكنٌ لازمٌ. ومعنى لُزُومِه: وُجُودُه عند الجميع وَصْلاً ووَقْفاً، ويُسمَّى المدُّ الزائدُ في هذا القسم مَدَّا لازِماً. (١) أي المد اللازم. ٥٤ ثم السَّاكن الواقع بعد حرف المدِّ؛ إمَّا مَدٌّ مُدْغَم أو غير مدغم. وكلٌّ منهما؛ إمَّا في كلمةٍ، ويُسمَّى كَلِمِيًّا؛ لاجتماعه مع سَبَبِهِ فيها . أو في حرفٍ، ويُسمَّى حَرْفِيًّا. فجملةُ أقسامِه أربعةٌ(١)، والأمثلةُ ذكرَها المُصنّف. واللَّازِمُ بأقسامِهِ يُمدُّ مدًّا زائداً مُشْبعاً قَدْر ثلاث ألِفاتٍ عند الأكثر. قال بعضُهم(٢): مجموعُ أسماءِ الحروفِ في أوائل السُّور أربعة عشر(٣)؛ مُنْقَسِمَةٌ أربعةَ أقسام: سبعةٌ منها فيها مَدُّ زائدٌ على المدِّ الطبيعيِّ؛ وهي: ((لام))، (١) وهي: مَدِّ لازمٌ كلميٌّ مُدْغَم = مُثقَّل. مَدٌّ لازمٌ كلميٍّ غير مُدْغَم = مخفف. مَدٌّ لازمٌ حرفيٌّ مُدْغَم = مُثْقَّل. مَدٌّ لازمٌ حرفيٍّ غير مُدْغَم = مخفف. قال الجمزوري تقذفُ في ((التحفة)): وتلك: كلميُّ وحرفيٌّ معَهْ أقسامُ لازمٍ لديهم أربعةٌ كلاهما: مَخَفَّف مثقَّلُ فهذه أربعةٌ تفضَّلُ (٢) انظر: ((سراج القارئ المبتدي)) لابن القاصح (٦٠). (٣) يجمعُها قولهم: ((نصُّ حكيمٌ قاطعٌ له سِرْ)) أو: ((طرَقَ سمعَك النَّصيحةُ)). انظر: ((نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن المجيد)» للجريسي (١٣٩). (٤) يجمعها قولهم: ((مسلك نقص)). ٥٥ و((ميم))، و(سين))، و((كاف))، و((قاف))، و((صاد))، و(نون))(١). وخمسةٌ منها ليس فيها إلَّا المدَّ الطبيعيَّ، وهي: ((راء))، و(ياء))، و((هاء))، و(طاء))، و((حاء))؛ لعَدَمِ السَّاكن بعدها (٢). وواحدٌ منها فيه وجهان: المدُّ ثلاثُ ألِفاتٍ، والتَّوسُّط ألِفان، والمدُّ مُقدَّم عندهم. وواحدٌ ليس فيه مدٌّ أصلاً، وهو: ألِفٌ. (١) يجمعها قولهم: ((حيٌّ لَهُر)). ٥٦ قَالَ المُصَنِّفُ تَخَذْتُهُ: ((والعَارِضُ(١) نَحْوَ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٣]، و﴿نستَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، و﴿حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] عِنْدَ الوَقْفِ عَليْهَا (٢)). قَالَ الشَّارِحُ كَتُهُ : هذا آخرُ أقسامِ ما يُزاد فيه المدُّ . وهُو ما وقعَ بعدَ حرفِ مدِّه سكونٌ عارضٌ للوَقْف؛ فيُسمَّى المدُّ في هذا القسم مَدَّا عارِضَاً؛ فيُمدُّ حالةَ الوقفِ عليه(٣) كالمَدِّ اللازم، مع جوازِ القَصْر قَدْر حركتين، والتَّوسُّط قدرَ أربع(٤). (١) أي: المد العارض. (٢) ((عند الوقف عليها)) ليست في الأصل، وإثباتها قيد مُهمٌّ، استدركتها من ((متن المقدمة الميدانية)). (٣) فإنْ وُصِلت الآية بما بعدها انتفى المدُّ العارض، وصار مدًّا طبيعيًّا. (٤) ويمدُّ أيضاً طولاً ستَّ حركات. ٥٧ قَالَ المُصَنِّفُ رَّتُهُ: (وَاللِّينُ حَرْفَانِ: (الوَاؤُ)، و(اليَاءُ)، إذَا سَكَنَا وانْفَتَحَ مَا قَبْلَهُما؛ فَيَجُوزُ فِيْهِمَا المَدُّ وَالقَصْرُ والتَّوسُّطُ)). قَالَ الشَّارِحُ بَلْهُ : ليس لِحَرْفي اللِّين المذكورَيْن مدٌّ طبيعيٌّ؛ لأنهما بانفتاح ما قبلهما خرجا عن المدِّ، بَيْد أنهما إذا وقعا قبلَ ساكنٍ عارضٍٍ سكونُهُ للوَقْف؛ فيجوزُ للجميع فيهما المدُّ، والقَصْر، والتَّوسط بالمقادير المتقدِّمة. والقَصْر هنا: بمعنى ترك المدِّ بالكُلِّيَّة، والقَصْرُ أولى للكُلِّ ثم التّوسُّط. [الفاتحة: ٧]، و﴿إِلَيْهِم﴾ قال أبو شامَة: ((فمَن مدَّ ﴿عَلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧]، و﴿لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] ونحو ذلك وَقْفاً أو وَضْلاً، أو مدَّ نحو: ﴿وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢]، و﴿اُلْمَوْتِ﴾(١) [الأحزاب: ١٩]، و﴿اَلْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، في الوَصْل؛ فهُو مُخطئٌ))(٢). والضَّميرُ في قولِ المصنِّف: ((فيهما)) للواوٍ والياءِ؛ لقُرْبهما، أو للعَارِض واللُّين؛ لاشتراكِهِما في هذا الحُكْم. (١) في الأصل: ((البيت)) والتصويب من ((إبراز المعاني)). (٢) (إبراز المعاني من حرز الأماني)) (١٤٣)، ط: عالم الكتب. ٥٨ قَالَ المُصَنِّفُ تَخْشُهُ : «بابٌ أحْكَامُ النُّونِ السَّاكِنَةِ والتَّنوينِ(١) أرْبَعةٌ: إِظْهَارٌ، وإذْغَامٌ، وَإِقْلابٌ، وإخْفَاءٌ. فَحُرُوفُ الإِظْهَارِ سِتَّة: الهَمْزَةُ، وَالهَاءُ، والعَينُ، وَالحَاءُ، والغَينُ، والخَاءُ. وحُرُوفُ الإذْغام سِتَّة، يَجْمَعُها قوْلُكَ: ((يَرْمُلُونَ))؛ مِنْها: ((اللََّّمَ))، و((الرَّاءُ)) بلا غُنَّةٍ، وَالأَرْبَعة البَاقِيةُ بِغُنَّةٍ)). (١) انظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (٤٠٢/١)، و((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (٥٩٩/٢). والنُّون الساكنة: هي التي سُكُونها ثابتٌ في الوصل والوقف، وتثبت خطًّا ولفظاً . والتنوين: نونٌ ساكنةٌ زائدة لغير توكيد، تَلْحق آخر الاسم وصلًا، وتُفارِقه خطًّا ولفظاً. انظر: ((هداية القاري إلى تجويد كلام الباري)» للمرصفي (١٥٧/١)، وفيه بيان محترزات هذين التعريفين. فانظره للفائدة. يقول الصفاقسي ◌َّفُهُ: ((وهو بابٌ مهم، ولهذا لم يُهمله أحدٌ من أئمة القراءة والتَّجويد في تواليفهم؛ لأنَّ دور أحكامه على لسان التَّالي أكثر من غيره، وكثرة الحُكم تستلزم كثرة العمل، وكثرة العمل تستدعي كثرة الثواب))، اهـ. ((تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين)) (١٠٠). ٥٩ قَالَ الشَّارِعُ تَظْتُهُ : تُبَوَّبُ الكتب تَنْشيطاً للنَّفس؛ لأنَّ القارىء إذا قرأ باباً وشَرَع في آخر كان أنشطَ له وأبعثَ؛ كالمسافر إذا قطع مسافةً وشرع في أخری؛ ولذلك جُعل القرآن سُوَراً(١). ذكر في هذا الباب أحوالَ(٢) النُّون الساكنة والتَّنوين عند لُقيِّهما غيرَهما من الحروف. * وهي أربع: ١ - الإظهار: أي: إظهارُهما بلا غُنَّة، وذلك قبل حروف الحلق السِّتة؛ سواء كانا في كلمةٍ أو كلمتين؛ مثل: ﴿ وَيَنَْوْنَ﴾ [الأنعام: ٢٦] و﴿يَنْهَوْنَ﴾ [الأنعام: ٢٦]، و﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: ٧]، و﴿وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، ﴿مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧]، ﴿سَلَمُ هِىَ﴾ [القدر: ٥]، ونحوها(٣). (١) طالع: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (٣٦٢/١)، و((الإتقان في علوم القرآن)» للسيوطي (٤٢٩/٢)، و((مناهل العرفان في علوم القرآن)) للزرقاني (٢٨٥/١). (٢) أي: أحكام النون الساكنة والتنوين. (٣) يقول الإمام أبو عمرو الدَّاني تَّقُ: ((وأجمعوا على إظهارهما عند حروف الحلق الستة))، اهـ. ((التيسير في القراءات السبع)) (١٧٤). ويقول الصفاقسي تقذفُ: ((ولا خلاف بين القرّاء في إظهار النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف الستة))، اهـ. ((تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين)) (١٠٠). ٦٠