النص المفهرس

صفحات 21-40

صُلحاء الأتراك وكِرامِهم، ومَكْتُ عنده نحواً من ثلاث سنين إلى أنْ
أَتَقَنْتُ الخطَّ بالقَلمَيْن(١)، وذلك سنة (١٢٩٥ هـ).
ثم انتقلتُ إلى مكتبٍ في المدرسة الظَّاهريةِ حيثُ قرأتُ قِراءةَ
جِدٍّ واجتهادٍ، من توحيدٍ، وصَرْفٍ، ونحوٍ، ومَنطِق، وبيان،
وعَروضٍ على الشيخ العالِم الفاضل رشيد أفندي قَزِّيها، المعروف
بابن سنان ◌َّهُ(٢).
وكنتُ خِلالَ ذلك شارعاً في قراءةِ المختصراتِ الفِقْهِيَّة والنَّحويَّة
عند والدي زِيْدَ فضله، صباحاً مع طلبةٍ كثيرين ومساءً في جامع
السِّنانية، وفي مجالسِه الحديثية.
وحَضَرْتُ قراءةً على الشيخ سليم بن ياسين العطَّار تقذفُ(٣) شرح
((شُذُورِ الذَّهب))، و((ابن عقيل))، و((جمع الجوامع))، و((تفسير
البيضاوي))، وغيرها .
وسمعتُ منه حِصَّة وافرةً من «صحيح البخاري)» روايةً، ومجالس منه
درايةً، و((الموطأ))، و((مصابيح السُّنَّة)) للبَغَوي، و((الطّريقة المُحمَّدِيَّة))(٤).
وكتب لي إجازةً عامَّة بجميع مَرْويَّاته سنة (١٣٠١ هـ).
(١) أي: خط الرقعة والفارسي.
(٢) انظر في خبره ضمن مشيخة القاسمي في: ((إمام الشام في عصره
جمال الدين القاسمي)) للعجمي (٤٢).
(٣) انظر ترجمته في: ((إمام الشام في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للعجمي
(١٣٠).
(٤) وهو للعلَّامة تقي الدِّين محمَّد بن بير علي البَرْكوي كَُّهُ.
٢١

ومن كبار مشايخي :
العلّامة النِّحْرير (١) الشَّيخ بكري بن حامد بن أحمد العطَّار ◌َخلفه،
عمّ شيخنا المتقدِّم، حَضرْتُه في فُنون متعدِّدة، منها: ((شرح لاميّة
الأفعال)) لبَحْرق، و((مُغنِي اللَّبيب))، و((شذور الذهب))، وسمعتُ منه
حِصةً وافرةً من ((البُخاري))، ومُعْظَم ((مسلم))، و((الموظّأ))،
و (سنن أبي داود))، و((ابن ماجه))، و((الشَّمائل المحمَّدية)).
وأجاز لي إجازةً عامَّة، وكتَبها في غُرَّة محرَّم سنة (١٣٠٢هـ))(٢).
* ومن المواقف الجميلة التي تبيِّنُ شدَّة حِرْص العلّامة الجمال
القاسميِّ تَّثُ على العلم، ما حكاه حفيدُه محمد سعيد القاسمي،
عن موقفٍ طَريف بين جدِّه الجمال وشيخه بكري العطَّار رحمهما الله،
يقُولُ:
((سمعتُ مِنْ بعض أحفاد الشَّيخ بكري العطَّار ◌َّهُ أنه كان يُلْقِي
دُروسَه في داره بعد صلاة الفجر، ويُوجِبُ على طلبته الحضور،
ولو كانوا في أقصى المدينة.
(١) النِّحريرُ: هو العالِمِ المُتقِن؛ لأنه يَنحرُ العِلْم نَحْراً، إذا أتقنَها، كما يُقال:
قَتلها بَحْثاً ودَرْساً، والجمع النَّحارير.
انظر: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) للزبيدي (١٤ /١٨٧)، مادة
(نحر)، و((التوقيف على مهمات التعاريف)) للمناوي (٦٩٣).
(٢) انظر ترجمة الشيخ العطّار في: «إمام الشام في عصره جمال الدِّين
القاسمي)) للعجمي (١٤٢).
٢٢

وفي إحدى ليالي الشتاء المُمْطِرة والباردة، وطُرقُ دمشق وأزقَّتها
مَغْمُورةٌ بالوَحْلِ والِّين، طلبَ الشيخُ بكري مِن أهلِه تحضير ((المِنْقل))؛
لتَدْفِئَة قاعة الدَّرْس كما هي العادةُ؛ فقالت له ابنتُه: إنَّ هذه اللَّيلةَ شَديدةٌ
البَردِ، والطُرق مُغطّاةٌ بالوَحْلِ، والأمطار مُستمرَّةٌ لم تنقطع؛ لذا لن
يحضرَ الطلبةُ الدَّرسَ، ولا حاجةَ لتحضير ((المنقل)).
فأجابها والدُها: إذا لم يحضرِ الطلبةُ بسبب الصَّقيع والمطر،
فلا بدَّ مِن حُضُور جمال الدِّين القاسميّ؛ لأنه لم يَتخلَّف يوماً
عن حَضُور الدَّرْس.
ففعلَتْ، وأحضَرَتِ ((المنقل))، ولمَّا حانَ مَوعدُ الدَّرس عقب
صلاة الفجر، إذا البابُ يُطرَقُّ، ويُطِلُّ محمَّد جمال الدِّين القاسميُّ؛
فيُناديها والدُها الشيخُ قائلاً: ألم أقل لكِ: إنه سيحضر رُغْم كلِّ
الظُروف؟ وهكذا فعل؛ وقرَّر الدَّرسَ للقاسميّ))(١).
قَالَ أَبن يُوسُفَ عَفَا اللهُ عَنْهُمَا: وفي هذه القصةِ اللَّطيفةِ فوائدُ،
أذكرُ منها بعضَها، وهي حَرِيَّةٌ بالثَّعليقِ ومَزيدِ البيانِ وذِكْرِ المَواقفِ
الحسنةِ الشَّاهدةِ لها، ولكن أكتفي هنا بمُجرَّدِ الذِّكْر لمناسبةِ المقام:
الأُوْلى: أهميةُ عنايةِ الشَّيخ بتلاميذهِ وتهيئةِ المكان لهم.
الثانية: العنايةُ بتحريضٍ وتحريصِ الشَّيخ تلاميذَهُ حُضورَ مجالِسٍ
العلم وشِدَّته في ذلك.
الثالثة: العنايةُ باختيارٍ أحسن الأوقات لعَقْدِ الدُّروس العِلْميَّة.
(١) انظر: ((إمام الشام في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للعجمي (١٤٧).
٢٣

الرابعة: فضيلةُ إشراكِ العالم أهلَه الأَجر في خِدْمتهم طَلَبةَ العلم.
الخامسة: تَفرُّس العالم بأنْجَبِ تلاميذهِ، وتَهيئتُه للمكانةِ العَليَّة،
لِسَبْقِه واجتهادِه.
السادسة: أهميةُ المواظبةِ على حِلَق ومجالس العِلْمِ مَهْما حلَّتِ
العوائقُ.
السابعة: عدم تَطلُّع العالِمِ لعدَدِ الآخذين عنه، ولْيتطلّع إلى عِظَم
أجر ذلك.
الثامنة: مَعرفةُ العالم عادةَ بعض تلاميذه، مِن أخبار أحوالهم،
ممَّا يُفيد في المستقبل .
التاسعة: رِفْعةُ العلْم لمن صَدَق في طلبه، بالثّناء الحسن، والخبر
الجميل.
العاشرة: الإخلاصُ في الطَّلب، والصِّدْقُ مع الله فيه؛ يبارك اللهُ به
في صلاح الأبناء وَأبناء الأبناء، أو يمتدُّ بهم إلى غيرهم. والله أعلم.
ومن أَجلَّاء مشايخ القاسمي كَاتُهُ :
الأُستاذُ الجليلُ المُحقِّقِ الشَّيخُ محمَّد بن محمَّد الخاني
النَّقْشَنْديُّ (١):
قال: ((قرأتُ عليه حواشي كتب كثيرة بالحرف، منها: ((حاشية
الصبَّان على الأشموني)) نصفها، وحضرتُه في ((حاشية عطية الأَجْهُوري
شرح البيقونيَّة))، وفي ((شرح جَمْع الجوامع))، وسمعتُ منه أبواباً كثيرة
(١) انظر ترجمته في: ((إمام الشام في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للعجمي
(١٧٠).
٢٤

من ((البخاري))، ومن ((شَرْحه ((للقَسطلَّاني))، ومن ((الموطأ)) مع شرح
الزَّرْقاني، و((سنن أبي داود)) مع ((حاشية السِّندي)) ومن ((سنن
الترمذي))، وسمعتُ منه ((الأربعين العَجْلُونية))، ولازمتُ حلقته مدَّةً
ثم تركتها لأمر ما(١)، وأجاز لي إجازة عامة.
وبالجملة: فهو أفضلُ أشياخي الذين انتفعتُ بمَجالِسهم،
وتأدَّبتُ بآدابهم، واغتبطتُّ بصُحْبتِهم، وكان يحضُّني على تأليف
رسائل في بعض مباحثَ علميّة، وأريتُه كثيراً مما جمعتُه فسُرَّ به)).
وغيرُهم مِن المشايخ الأجِلَّاء رحمهم الله.
* محنتُّه ◌َخْدَهُ ((حادثة المجتهدين» :
يُحدِّثنا بإيجاز العلَّامة الشَّيخُ محمَّد رشيد رضا عن القاسميِّ
رحمهما الله(٢)، فيقولُ عنه: ((كان يتحرَّى مذهبَ السَّلفِ في الدِّين
ويَنصرُه في دُرُوسِه ومُصنَّفاته.
(١) دَوَّن الشيخُ القاسمي على طُرَّة نسخته من ((الرَّوضة النَّدية)) للقِنَّوجي، قولَه:
((من العادة أن يلجأ ضعيف العلم إلى التَّصوف كما يلجأ فاقد المجد إلى
الكبر، وكما يلجأ قليل المال إلى زينة اللباس والأثاث)). عن ((إمام الشام
في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للعجمي (٢٤)، وانظر فيه توجيه تركه
للتصوف (٢٣) ملامح مختصرة من الأطوار التي مرَّ بها العلّامة القاسمي.
قلتُ: يَصْدُقُ في هذا المقام قولة الإمام الشافعي: صَحِبْتُ الصوفيةَ
فلم أنتفعْ منهم إلَّا بجملتين: الوقتُ كالسَّيفِ. والثانيةُ: نفسك إنْ
لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالباطل. انظر بهذا اللفظ: ((الداء والدواء))
لابن القيم (٣٥٨)، وبنحوه في ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٢٠٨/٢).
(٢) ((مجلة المنار)) (١٧ / ٦٢٨).
٢٥

وما مذهَبُ السَّلف إلَّا العملُ بالكتاب والسُّنَّة، بلا زيادةٍ
ولا نُقصان، الذي كانوا يفهمُونه في الصَّدر الأول.
وقد اتّهِم ــ كما اتُّهم غيرُه من المُستقلِّين - بأنه أحدَثَ مذهباً
جَديداً في الإسلام، ولمَّا كانت حادثةُ السِّعاية، لَغَط حُسَّادُه بهذه
المسألة، فقالَ يَردُّ عليهم :
مذهَبي يُدعَى الجمَالي
زَعَمَ النَّاسُ بأنِّي
ـتي الوَرَى أعزو مقالي
وإليه حِينما أُقْ
سَلَفِيُّ الانتِحَالِ
بِ اللهِ ربِّي المُتَعَالي
ـارٍ لا قِيْـلَ وقالِ
ضَى بآرَاءِ الرِّجالِ
وعمّى في كلِّ حالٍ
لا وعَمْرُ الحقِّ إنِّي
مَذْهبي مَا في كِتَا
ثُمَّ مَا صَحَّ مِنَ الأَخبـ
أَقتَفِي الحَقَّ ولا أَرْ
وأرى الثَّقليدَ جهلًا
وقال في هذا المعنى أيضاً:
صَحِيحُ حَديثِ المُصطفَى هو مَذْهبي
أَقُولُ كما قالَ الأئمّةُ قَبْلَنا
أأَلْبَسُ ثوبَ القِيْلِ والقَالِ بَالِياً ولا أتحلَّى بالرِّداء المُذَهَّبِ))
٤ صِفاتهُ كَخَذْتُهُ:
اتَّصفَ العلامةُ القاسميُّ بالصّفاتِ النَّبيلةِ، والشِّيم المرضيَّة،
حتَّى نَعَتَهُ العلّامة محمد رشيد رضا كَثّفُ في ((مجلة المنار))(١)، فقال:
((كان مِن أكملِ ما رأيتُ في أخلاقِه وآدابِه وشَمائِله، كانَ أبيضَ
اللَّونِ، نَحِيفَ الجسم، رَبْعة القَدِّ، أقربَ إلى القصَر منه إلى الطُول،
(١) (٦٢٨/١٧).
٢٦

غَضيض الطَّرف، كثيرَ الإْرَاقِ، خافضَ الصَّوتِ، ثقيلَ السَّمع،
خَفيفَ الرُّوحِ، دائمَ التَّسُّم.
وكان تَقيًّا ناسكاً، واسعَ الحلْم، سليمَ القلب، نَزِيهَ النَّفس
واللِّسانِ والقلم، برًّا بالأهل، وفيًّا للإخوانِ، يأخذُ ما صَفَا، ويَدعُ
ما كَدَر، عائلاً عفيفاً قانِعاً)).
* تلاميذُە کقلتُ :
عالِمٌ كبيرٌ، ومُصلحٌ جليلٌ مثل القاسميِّ كَلَفُهُ لا بدَّ أنْ يكونَ له
تلاميذٌ ومُحبُّون، وأصحابٌ يَأْخُذُون مِن مَعِين عِلْمِه، ويَستفيدُون مِن
شمائله وکریم أخلاقِهِ .
هذا، ومِنْ أَبَرَز تلامِيذِ من كبارِ أهل العِلْم:
- الشَّيخ العلامة محمد بهجة البيطار تَقَّهُ(١).
- الشَّيخ العلّامة محمد حامد التَّقي الدِّمشقي كَّهُ(٢)، وهو أكبرُ
تلاميذه وأكثرهم ملازمة له .
- الشَّيخ العلّامة محمد جميل الشطي مفتي الحنابلة تَظّفُهُ(٣).
- الشَّيخ عبد الفتاح الإمام تظذه(٤) .
- الشَّيخ محب الدِّين الخطيب وكَّته(٥).
(١) انظر خبره في: ((إمام الشام في عصره جمال الدِّين القاسمي)) للعَجْمي (٢٣٦).
(٢) انظر: المصدر السابق (٢٣٣).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢٦٣).
(٤) انظر: المصدر السابق (٢٨٣).
(٥) انظر: المصدر السابق (٢٩١).
٢٧

- الأُستاذُ الشاعر محمد محمود البزم ◌َّتُهُ(١).
- الأُستاذُ الشاعر خير الدِّين الزِّرِكْلِي ◌َّهُ(٢).
- الشَّيخ العلّامة محمد بن عبد العزيز بن مانع كفَّهُ(٣).
وغیرُهم کثیرٌ رحمهم الله.
* مُؤلَّفاتهُ نقذُهُ :
وعن آثار الشَّيخ العلّامة تَّفُ العلميَّة يقُولُ ولدُه الأستاذ ظافر
القاسمي تَّهُ في مُقدِّمة كتاب ((قَواعد التحديث)) مُترْجِماً لوالِده:
((أمَّا كُتُبُه التي أَلَّفها فقد قاربتِ المئةَ، وأقدَمُ ما عَثرتُ عليهِ من
مُؤْلَّفاته: مجموعة سمَّاها ((السَّفينة)) يرجعُ تاريخها إلى عام (١٢٩٩ هـ)؛
ضمَّ فيها طرائفَ مِنْ مُطالَعاتِه في الأدب، والأخلاقِ، والتَّاريخ،
والشِّعْر، وغيرِ ذلك، ولهُ منَ العُمر ستّة عشر عاماً.
ومضى يكتبُ ويكتبُ إلى أنْ عَجِبَ النَّاسُ مِن بَعْده كيف اتَّسعَ
وَقْتُه ـ ولم يَعِشْ إلَّا تسعةً وأربعين عاماً - لهذا الإنتاج الضَّخْم، فضلاً
عن تحمُّل مسؤوليةِ الرأي، وترجيح الأقوال ومُناقشتِها، والرُّجوع إلى
المصادر، وفضلاً عن أعبائه العائليةِ، فلقد كان له زَوجٌ وسبعةُ أولاد،
وفضلاً عن إمامتهِ للنَّاس في الأوقاتِ الخمْسَةِ دُون انقطاع،
ودُرُوسه العامَّة والخاصة، وتَفقُّدہ للرَّحِم، ورحلاته، وزياراته
لأصدقائه، وغير ذلك من المشاغل)).
(١) انظر: ((إمام الشام)) (٢٩٣).
(٢) انظر: المصدر السابق (٢٩٥).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢٩٩).
٢٨

ومن أشهر مؤلّفاتهِ :
((محاسن التأويل)) وهو تفسيرٌ للقرآن الكريم، و((دلائل التَّوحيد))،
و((إصلاح المساجدِ من البِدَع والعوائد))، و((قواعد التَّحديث من فُنون
مصطلح الحديث))، و(تَعِطِير المشام في مآثرٍ دمَشق الشام))(١)،
و((حياة الإمام البخاري))، و(مَوْعظة المؤمنين من إحياء علوم الدِّين))،
و ((آداب العالِم والمُتعلّم والمفتي والمستفتي))(٢) و((النَّفحةُ الرَّحمانية))
وهو هذا الكتابُ الذي أشْرُفُ بتقديمه للقُرَّاءِ لأوَّل مرَّة مُحقَّقاً
بحَمْدِ الله تعالى.
وغيرها من التأليفِ النَّافعة، والمُصنَّفاتِ الماتعةِ.
وفاتُه ◌َظّتُهُ :
كانت وفاةُ الشَّيخ العلّامةِ كَفُهُ مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى
سنة ١٣٣٢ هـ، ودُفن في مقبرةٍ الباب الصغير بدمشق، عليه سحائبُ
الرَّحمات والرِّضوان.
(١) طبع جزء يسير منه بعنوان: ((طبقات مشاهير الدمشقيّين))، تحقيق الأستاذ
محمود الأرنؤوط، وبقي أصله مخطوطاً مسؤَّداً لم يُبيَّض.
(٢) طبع بتحقيقي على نسخة خطَّيَّة بخط الشيخ الجمال القاسمي نَّهُ .
٢٩

ترجمةُ الشيخ الميداني تَظْهُ
لم أكَدْ أظفرُ باليقين على ترجمةِ صاحب ((المقدِّمة الميدانية)) في
التَّجويد، أو ((قواعد التَّجويد))، غير أني كنتُ بعد تتبّع شديدٍ لبعض
الأُصُول الخِيَّة لها، أو لشروحها الخطَّّة أجدهم يذكرون في مَظْلع
شُرُوحِهم القول: (للشيخ محمد، الشهير بالميداني)) أو: ((المنسوبة
للشيخ محمد الميداني))، أو: ((للميداني)(١).
إلَّا أني وجدتُ كخَّالة ◌َُّهُ يُترجم له في ((مُعْجمهِ)) بقوله:
((أحمد بن نُصير الميداني، المقرئ، الضرير. له: ((قواعد التجويد)).
توفي تَُّ سنة (٩٢٣هـ))(٢). ولم يزد على ذلك،. لَّا أنه أحال لرقم
ترجمةٍ ثانية ربطها معه، وكأنَّه يُشعِر بأنَّ الترجمتين لواحدٍ، دون حَسْم
منه؛ فمضيتُ إليها؛ فإذا به يُترجمه باسم: ((محمد))(٣).
(١) انظر: صفحة العنوان ((المقدمة)) نسخة لايبزيك، و((شرح التدمري)) نسخة
طوكيو (و/ ١/أ)، و((شرح أحمد الخالدي)) نسخة جامعة الملك سعود
(و/ ١) والله أعلم.
(٢) انظر: ((معجم المؤلفين)) (٣١٩/١).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٧٥٠).
٣٠

فإذا ربطتَ ما كُتب في المتن أو بعض الشروح بأنَّ اسم مؤلِّفها
((محمد)) وعرضتَ ما دُوِّن في سيرتهِ ومكانته العِلْميَّة في التَّجويد
والقراءات، واشتراكهما في الشمائل والصفات قَوِي الظنُّ بأنَّه هو هو.
وإذا جمعتَ بين التَّرجمتين، وعدتَ إلى مصادر ترجمته، أجدُك
تَتَّفقُ معي - أو يرتقي اتفاقُك معي أكثر من قبل - إلى أنَّ التَّرجمتين
ترجمةٌ واحدةٌ.
وهذا ما ترجمه ابنُ تَغْري بَرْدي بقوله: ((هو الشيخ العلّامة
المُقرئ المُجوِّد، شمس الدِّين، محمد بن نُصير الضرير الدِّمشقي،
الميداني.
كان من أهل العلم بالقراءات، وله في النَّحو مؤلّفات، قال والد
شيخنا(١): وقرأتُه عليه، وكان فقيراً من الدُّنيا، وكان الشيخ شمس
الدِّين بن طُولُون يترَّدد إليه كثيراً(٢)، وانتفع به جماعة)).
(١) يريد به: الشيخ العلامة المفتي الفقيه يونس بن عبد الوهاب العَيْئاوي ◌َُّ
(٩٧٦ هـ). انظر في ترجمته: ((الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة))
لابن تغري بردي (١٩٨/٣).
وأما شيخه: فهو ابنه الشيخ الأجلّ أحمد كَلَهُ (١٠٢٥هـ). انطر ترجمته:
((خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)) للمحبي (٢٩٦/١).
(٢) قال ابن طولون كَّفُ في ((الفلك المشحون)) (١٥) ط: القدسي، في تعداد
شيوخه: ((ومنهم: العلّامة الشمس بن نصير، حلَّيت عليه ((الرامزة الشافية))
الشهيرة الآن بـ: ((الخزرجية))، نظم الضياء الخزرجي)).
وقال أيضاً: ((والكافي لابن بري)).
قلت: وكلاهما في علم العَرُوض والقوافي.
٣١

من مؤلّفاته:
١ - كتاب مُطوَّل سمَّاه: ((ذُخْر الطلاب في علم الإعراب)).
٢ - وآخر مختصر سمَّاه: «تنقيح اللباب، فيما لا بدّ منه أن
يُعتنى به في فنِّ الإعراب)».
٣ - ((قواعد التجويد)) = ((المقدمة الميدانية في علم التجويد))،
وهي كتابنا هذا.
تُوفِّي يوم الخميس قبل المغرب، سابع عشر صفر سنة (٩٢٣هـ).
ودُفِن بمقبرة الجوزة بمحلَّة الميدان(١).
والله أعلم.
(١) انظر ترجمته في: ((الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة)) لابن تغري
بردي (٧٢/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (١٧٥/١٠)،
و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٣١٨/١)، و((إمتاع الفضلاء بتراجم القرّاء))
للبرماوي (٥٣٠/٤).
٣٢

إلماعةٌ حول عناية أهل العلم
بـ: ((المقدمة الميدانية))
لقد كانت ((المُقدِّمة المَيْدانيَّة)) محلَّ عنايةٍ وحَفاوةٍ عند أهل العلم
في تلك الحِقْبة، وكان القُرَّاء يُعلِّمونها مَن رغب في التَّتَلْمُذ عليهم في
عِلْم التَّجويد، وضبط القراءة وإتقانها في متنٍ للمُبتدئ، ثم بعد ذلك
يَترقّى في بقيَّة متون التَّجويد المُتَوسِّطة والمُطوَّلة.
ومِمَّن قرأها على أشياخه:
١ - الشيخ العلامة المحدِّث، النِّحْرير، مفتي الشافعية بدمشق،
محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين الغَزِّي تَذَفُ (ت١١٦٧ هـ).
قال عنه المرادي في ترجمته: ((قرأ القرآن تعليماً على الشيخ
محمد بن إبراهيم الحافظ، وبعد أن خَتَم عليه القرآن تعليماً أقرأه
((الجزرية))، و((مقدمة الميداني)) و((مقدمة الطيبي)) في علم التَّجويد))(١).
٢ - الشيخ الفاضل عبد الرحيم بن سعد بن إسحاق الدِّمشقي
الشافعي، المعروف بـ(المنبر)) تَظّتُهُ (ت١١٩٣ هـ).
(١) ((سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر)) (٥٤/٤).
٣٣

قال عنه المرادي تَّهُ في ترجمته: ((حفظ القرآن على والده،
وهو في سِنِّ السَّبْع، وأقرأه بعده ((مقدِّمة التَّجويد)) للميداني،
و ((الجزرية)) و((الآ جرُّومية)) مع إعرابها))(١).
٣ - الشيخ العلامة المُحقِّق، عمدة الدِّيار الشامية والمصرية،
الإمام محمد أمين، ابن عابدين الحنفي تَّهُ (ت١٢٥٢ هـ)، صاحب
الحاشية الشهيرة: ((رد المحتار على الدر المختار)).
قال عنه البيطار كثّفُهُ، حين تَرْجم له: ((قرأ القرآن ثم جوَّده على
الإمام القُدْوة الشيخ سعيد الحموي شيخ القُرَّاء بها، وقرأ عليه
((الميدانية)) و(الجزرية)) و((الشاطبية)) بعد ما حفظها قراءةَ تدبٍُّ وإمعانٍ،
وبحثٍ وإتقان))(٢).
وغيرهم.
ومِمَّن تناولها بالشَّرْح:
١ - علي بن أحمد التدمري كثّفُ (مخطوط)، كما هو في كشاف
الظاهریة - تجويد رقم (٣٥٥).
وعندي مصورة عن هذا الشرح، مصدره مخطوطات طوكيو.
٢ - الشيخ خليل بن درويش بن حسن بن عيد التاجي تَّتُهُ،
وشرحه: ((الأنوار البهية شرح المقدمة الميدانية)).
(١) ((سلك الدرر)) (٦/٣).
(٢) ((حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر)) (١٢٣٨/٣).
٣٤

وتوجد منه نسختان في المكتبة الظاهرية برقم (٨٤٧٥) و(٣٥٦)،
كما في فهرس الظاهرية .
٣ - الشيخ أحمد بن سليمان الخالدي النقشبندي تَخَذُّهُ.
وتوجد نسخة من شرحه في جامعة الملك سعود، في الرياض،
برقم (٦٦٧٧)، وأخرى في الظاهرية (١٠٤٦٩).
٤ - الشيخ العلامة جمال الدِّين القاسمي كَّهُ (١٣٣٢ هـ).
وهو شرحنا هذا. وهو أولُ شَرح يَصدُر لهذا المتن ((المقدمة
الميدانية)) .
٥ - الشيخ العلامة أحمد دُهمان تَّفُ (١٣٤٥هـ)، أحد أعيان
دمشق. ترجم له الزِّرِكْلي رَحِمَهُ اللهُ، فقال مُعدِّداً تواليفه: ((شرح
الميدانية - خ. في علم التجويد))(١).
وثمة شروح لمجهولين في بعض الكشافات والفهارس الخطية.
فهذه لمحةٌ سريعة حول عناية أهل العلم بها .
(١) ((الأعلام)) (١٢١/١).
٣٥

لِقَاءُ العَشْرِالأوَاخِ
بالمسَجِدِ الحَرَامِ
(٢٣٣)
النَّقَةُ الرَّحْيَانِيَّةُ
شرح دمين الميدانية) في علم التجويد
مُذَيَّلَةٌ بِتَكمِلةٍ مُهِمَّةٍ فِي آدَابٍ التّالي وَالتِّلَاوَةِ
تَأليف
الشيخ العَّامَة جمال الدين الفاسيحي الذيشيقى
توفى سنة ١٣٣٢ هـ
رَحمَه الله تعَالى
ويليْهِ
المُقَدْ مَةُ الْمُنْدَامِ الْقُوِيِّدِّ
لِلشّيْخِ العَلَّمَةِ المُقْرِئِ محٍَّ الميْدَانِيّ
(توفي سنة ٩٢٣هـ)
رَحِمَه الله تَعَالى
اعْتَنَبِهِوَعَلَقَ عَلَيْهِ
د.محمدبن يوسف الجوراني العقلاني

بدايتها الرسم أو اليوم
الحمدُ لله الذي أظهرَ بالقرآن المجيدِ نُورَ التَّوحيدِ، وأَخْفى
باستطالةِ بُرْهانِهِ عارضَ الكُفْر وطُغیانِهِ.
وأَشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له؛ شَهادةَ مَن اتَّصلَ
بحَبْلِه الممدود.
ولازَمَ في حَركاتِه وسَكنَاتِه مَنْهِلَهُ المورُودِ، وأشهدُ أنَّ
سيِّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسُولُه، خاتَمُ الأَنبياءِ، وإمامُ الأصفياءِ،
المُؤيَّدُ بأعظَم تَنْزِيلٍ، والمَأمُورُ فيه بالتَّدُبُّرِ والتَّرتيلِ(١)، فكانَتْ
قراءتُه مَدَّا، وعلى رُؤُوسِ الآي وَقْفاً، وتلاوتُه مُفسَّرَةً حَرْفاً حَرْفاً (٢)،
(١) لقوله: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْتَهُ نَزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]،
ولقوله تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾
[صّ: ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، وفَقِهَ الإمام
البخاري تَظّفُ ذلك؛ فبوَّب في ((الصحيح)) فقال: باب الترتيل في القراءة.
(٢) أمَّا قراءتُه مَدَّا: فَسُئل أنس ◌َّبه عن قراءة النبي ◌َّ؟ فقال: كان يمدُّ مدًّا.
رواه البخاري (٥٠٤٥) و(٥٠٤٦).
وأمَّا وُقُوفُه على رُؤوس الآي: فعن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت قراءة
رسول الله وَله: يقطع قراءته آية آية. وتصف قراءته: يقرأ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبٍ
ـةٍ﴾، ثم يقف. أخرجه أبو داود =
الْعَلَمِينَ﴾، ثم يقف، ﴿الََّنِ
٣٩

صلَّى الله عليه وعلى سائر النَّبِيِّين، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ المُبلِّغين هَدْيه
القَويمِ، والوَاقِفِين على صِراطه المستقيمِ.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أَوْلى ما تُصرَف فيه الهِمَم العَوالِ: كلامُ الله المُتعال، وأهمَّ
ما يُبتَدأُ به: تجويدُ آياته، وإصلاحُ المنطقِ بكلماتِهِ .
وكان أقربَ ما أُلِّف للمُبتدئ في هذا الفنِّ الرِّسالة الشَّهيرة
بـ ((المَيْدانيَّة)).
وفي سنةٍ (١٣٠٣هـ) كتبتُ عليها بعضَ تَعْليقاتٍ سَمَّيتُها :
(النَّفْحَةُ الرَّحمانيَّةُ))
ثُمَّ طُلب منِّي بعدُ، تنقيحُها وضَمُّ تكملةٍ لها في آدابٍ للتَّالي
والتِّلاوةِ؛ فأجبتُ، وعلى الله توكَّلتُ، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.
= (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٧)، وأحمد (٢٦٥٨٣)، ورجاله ثقات،
وطالع تمام تنقيده فيه.
وأمَّا قِراءتهُ مُفسَّرة حَرْفاً حرفاً: فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها نَعتَتْ
قراءتَه بَّهِ، فإذا هي تَنعتُ قراءةً مُفسَّرةً حَرْفاً حرفاً. أخرجه أبو داود
(١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٣)، وأحمد (٢٦٥٢٦)، وهو صحيح لغيره.
٤٠