النص المفهرس

صفحات 21-40

فإنَّ بقية أبياتها التِّسعين يكاد يتقاسم بداياتها حرفان، الأوَّل:
ألف الأمر، والثَّاني: أداة الشَّرط ((مَنْ))، واللاميَّة في مجملها
كعشرات اللاميَّات في الشِّعر العربي قديمًا وحديثًا، تتَّسم بتقديم
التَّوجيهات الخيريَّة، والإرشادات التَّصويبيَّة، الّتي يقدِّم فيها صاحبها
تجربته وخبرته في الحياة.
إنَّ القارئ لـ((لاميَّة)) الصَّحَّاف لَيَشْعر بسَعَة الخلفيَّة الفكريَّة
والثقافيّة والعلميّة الّتي يتمتّع بها صاحبها، وكذلك إحاطته بتجارب من
سبقه من مرشدين وقياديِّين مصلحين، مستفيدًا في ذلك بتوجيهات
الكتاب والسُّنَّة ومُترسِّمًا خطوات من سبقه أيضًا من العلماء
والمصلحين والمجدِّدين، يقول في ((لا ميَّتَه)):
وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ في أَمْرٍ عَزَمْتَ بِهِ وَلَا تُشَاوِرْ عَدِيْمَ الرَّأْيِ في عَمَلِ
طَالَ المَدَى وَاخْشَ مَنْ أَعْدَاكَ عَنْ كَمَلٍ
وَارْعَ الجِوَارَ وَلَا تَنَسِ الجَمِيْلَ وَلَوْ
إلى أن يقول:
مَنْ قَدْ رَجَاكَ وَلَا تَقْطَعْهُ مِنْ أَمَلِ
وَكُنْ لِغَيْظِكَ دَوْمًا كَاظِمًا وَأَنِلْ
وَتُبْ عَنِ الذَّنْبِ مِنْ قَبْلِ انْقِضَا الأَجَلِ
وَاغْنَمْ سُرُوْرَكَ إِنْ أَدْرَكْتَ سَاعَتَهُ
وَلا تَحُمْ يَا أَخِي حَوْلَ الحِمَاءِ(١) فَمَنْ قَدْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى لَمْ يَنْجُ مِنْ زَلَلِ
وهو حين يفتتح ((لاميَّته)) وبعد بيتَي ديباجتها، يأتي مباشرةً على
ذكر العلم وفضله، ويحثُّ على طلب النَّافع منه، ولكنَّه يستثني منه
(١) في المخطوط (الحمى)، ولعل الصواب كما أثبتناه (الحماء) للوزن،
والحمى بالقصر وفي لغة بالمد، وكلاهما جائز.
٢١

أنواعًا ثلاثةً، هي: علم النُّجوم، وعلم الكيمياء، والجدل؛ يقول:
وَكُلَّ عِلْمٍ تَعَلَّمْهُ بِمَعْرِفَةٍ إِلَّا ثَلاثًا فَلا تَعْبَأْ بِهَا وَحُلٍ
كَذَا الجِدَالُ بِسُوْءِ الجَهْلِ وَالخَطَّلِ
عِلْمَ النُّجُوْمِ، وَعِلْمَ الكِيْمِيَاءِ مَعًا
وَخَالَفَ الشَّرِعَ مِثْلَ الرَّصْدِ فِي زُحَلِ
فَالشُّؤْمُ فِي النَّجْمِ إِنْ أَدَّی إلی كَذِبٍ
فَخُذْ مَقَاليَ وَارْفُضْ فَاسِدَ الجَدَلِ
وَالكِيْمِيَاءُ بِهَا الإِقْلَاسُ مُقْتَرِنٌ
وليس معنى ذلك أنَّ الصَّحَّاف يعارض علوم الفلك ومعرفة
النُّجوم والاكتشافات الخاصَّة بها، فهذا العلم في حدٍّ ذاته علمٌ عربيٍّ
إسلاميٌّ، والمسلمون يعتمدون عليه باستمرار حتَّى اليوم وإلى الأبد،
باستخدامه في تدينهم وعباداتهم عبر ما يعرف بـ((علم المواقيت)).
إنَّ ما يعنيه الشَّاعر هنا هو ممارسات التَّنجيم المفضي إلى الرَّجم
بالغيب، الذي يزاوله المنجّمون، الذين قال فيهم رسول الله وَطّ:
((كذب المنجمون ولو صدقوا))(١).
(١) ليس بحديث، وإنما هي مقولة اشتهرت على ألسنة الناس، ومعناه صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)): ((وصناعة التنجيم
التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية
بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية،
صناعة محرمة بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على
لسان جميع المرسلين في جميع الملل، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، قال عمر وغيره: الجبت
السحر)).
٢٢

أمَّا علم الكيمياء الذي ينهى الشَّاعر عن تعلّمه حسب مفهومه
فهو ذلك المختص بالممارسات التَّدليسيَّة، الَّتي منها: تجارب تحويل
المعادن الرَّديئة إلى معادن كريمة، مثل: تحويل خام الحديد إلى
ذهب، كما كان معروفًا بصورٍ محدَّدةٍ، وبطرق ملتوية خلال القرون
الوسطى .
أمَّا حين ينهى الشَّاعر عن الجدال، فإنَّه يعني ذلك الجدال الذي
لا طائل منه، وخاصّة إذا كان بين جهلاء أنانيين أو مستكبرين
متنافسین .
وعلى العموم فإنَّ الإمعان في الجدل يورث فُشُوَّ البغضاء
والشَّحناء بين المتجادلين، لقد قال رسول الله وَير: ((ما أوتي قوم
الجدل إلَّا هلكوا))(١).
ثمَّ يدخل الشَّاعر من خلال ((لاميَّته)) في مجال صوغ الإرشادات
السُّلوكيَّة النبويَّة الكريمة، من رعاية الجار، وإظهار السُّرور والبِشر في
اللقاءات الإنسانيَّة، من كظم الغيظ، والدَّعوة إلى اغتنام أوقات السُّرور،
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وفي الموضوع عدَّة أحاديث، فمنها: عن أبي أمامة
قال: قال ◌َ: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلَّا أوتوا الجدل))
رواه الترمذي (رقم: ٣٢٥٣)، وابن ماجه (رقم: ٤٨). وفي الحديث:
((أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم)) رواه البخاري (رقم: ٧١٨٨).
والألد الخَصِم: الدائم الخصومة. وفي الحديث: ((أنا زعيم بيت في ربض
الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)) رواه أبو داود (رقم: ٤٨٠٠)،
والترمذي (رقم: ١٩٩٣).
٢٣

ولكنَّ الشَّاعر في نفس الوقت يحذّر من التَّمادي في ممارسة المحرَّمات،
وأنَّ من الواجب على مقارفيها قطع ذلك بالتَّوبة عنها نهائيًّا .
ولا يفوت الشَّاعر الصَّخَّاف أنْ يُعطي رأيه في مجمل مواقف
الإنسان - أيَّ إنسان - حيال تصرُّفات الآخرين المتباينة في الحياة
الاجتماعيَّة، مثل: أنْ يقف الإنسان موقفًا يعرِّض فيه نفسه لتُهَم
لم يجنها ولم يقربها، كارتياد مواطن الفساد والانحلال، أو ما يشوب
سلوكه القويم من تصرفات سيّئة؛ يقول الصَّخَّاف في هذا المجال:
بِهَا تُسَاءُ وَتُلْقَى فِي سَلَا جَمَلٍ
وَلا تَقِفْ مَوْقِفًا تُنْمَى لَهُ تُهَمُ
مِثْلَ السَّرابِ كَثِيْرَ المَكْرِ وَالحِيَلِ
وَلا تَثِقْ بِكَذُوْبٍ خَاسِرٍ أَبَدًا
تَعْبَأَ بِفَدْمِ جَهُوْلٍ بِالغُرُوْرِ بُلِي
وَارْشِقْ سِهَامَ صَوَابٍ في الكَلامِ وَلا
ويستمر الشّاعر - من خلال ((لاميَّته)) - في خطابه إلى الآخرين
محدِّدًا لهم نظامًا للاستشارة والاستئناس بآراء الآخرين، فينهى عن
استشارة سبعة أصناف من البشر، وهم: الجاهل، والحسود، والمرائي،
والجبان، والبخيل، وذي العداوة، والذي لا دين له، فيقول:
وَسَبْعَةً لا تُشَاوِرْهُمْ إِذَا حَضَرُوا ذُوْ الجَهْلِ، ثمَّ حَسُوْدٌ غَيْرُ مُنْتَقَلٍ
عَدَاوَةٍ، وَهَوَىّ(١) يُرْدِيْكَ بِالفَشَلِ
كَذَا المُرائِي، جَبَانٌ، وَالبَخِيْلُ، وَذُوْ
كَمْ قَدْ أَسَاؤُوا سَلِيْمَ القَلْبِ بِالخَلَلِ
مَهْمَا اسْتَطَعْتَ تَجَنَّبْ رَأْيَهُمْ(٢) فَهُمُو
(١) في المخطوط (وهوىّ قد)، وعند الخاطر (وهو قد)، ولعل الصواب
ما أثبتناه ليستقيم الوزن والمعنى.
(٢) (دينهم) الخاطر.
٢٤

وَكُنْ فَتَىَّ صَيْرَفِيَّ النَّقْدِذَا وَهَلِ
وَغَرْبِلِ النَّاسَ وَانْخُلْهُمْ بِتَجْرِبَةٍ
مِنْهُمْ كَمَا قَدْ رُوِيْ عَنْ سَيِّدِ الرُّسُلِ
فَالنَّاسُ أَجْنَاسُ فَاخْتَرْ مَنْ تُخَالِلَهُ
غَرْسًا حَوَى ثمَرًا مِنْ صَالِحِ العَمَلِ
وَاغْرِسْ بِمَزْرَعَةِ الدُّنْيَا لِآَخِرَةِ
وَلم تُفَكِّرْ بِمَا يَأْتِي مِنَ العَذَلِ
وَاحْذَرْ عَوَاقِبَ أَمْرٍ قَدْ جُنِنْتَ(١) بِهِ
كذلك لا يفوِّت الشّاعر أنْ يُعطي رأيه في سياقات التَّعابير اللفظيَّة
التي يحضُّ فيها على الإتيان بالحجَّة البالغة الصَّائبة في الدِّفاع عن
الرَّأي، أو لدَحْض آراء الآخرين، يقول:
تَعْبَأُ بِفَدْمِ جَهُوْلٍ بِالغُرُوْرِ بُلِي
وَارْشِقْ سِهَامَ صَوَابٍ في الكَلامِ وَلا
تَكُنْ نَظِيْرًا لَهُ فِي الوَصْفِ وَالمَثَلِ
وَلا تُجَاوِبْ سَفِيْهًا في مُشَاتَمَةٍ
ثمَّ ينتقل الصَّخَّاف في ((لاميَّة البَحرَيْن)) إلى أبياتها المفتتحة
بأداة ((مَنْ)) الشَّرطيّة، وهي أبيات تصل إلى (٢٦) بيتًا، يفتتحها بقوله:
ثَوَابَ فَضْلٍ مَدَى الأَوْقَاتِ لم يَزَلِ
مَنْ يَصْنَعِ العُرْفَ يُجْزَى(٢) مِنْ عَوَاقِهِ
لَكُلِّ رَامٍ بِسَهْمِ الجِدِّ مُحْتَفَلِ
مَنْ ذَمَّذُمَّ وَأَمْسَى عِرْضُهُ هَدَفًا
إلى أنْ يقول مشيرًا إلى بعض طبائع الحيوان الشَّرسة، بل وحتَّى
الأليفة، منها :
وَالقِظُ يُمْزَحُ مَعْهُ مَزْحَ مُعْتَدِلِ
مَنْ لَاعَبَ القِطَّ سَاءَتْهُ أَظَافِرُهُ
بِهَا أَذَاقَتْهُ طَعْمَ المَوْتِ بِالخَتَلِ (٣)
مَنْ أَطْعَمَ الحَيَّةَ الرَّقْطَاءَ مُحْتَفِلًا
(١) في المخطوط (جنيت)، ولعل الصواب (جننت) كما عند الخاطر.
(٢) يجوز رفع المضارع الواقع جوابًا للشرط.
(٣) (النار) المخطوط. الختل: الاحتيال في الخفاء.
٢٥

بعد ذلك يتوجَّه الشّاعر إلى قارئه بتوجيهات أخلاقيَّة عظيمة،
فيقول :
بَرْقٍ وَأَصْبَرَ لِلأَثْقَالِ مِنْ جَمَلِ
وَكُنْ لَدَى مَنْ أَتَى يَدْعُوْكَ أَسْرَع مِنْ
حُسْنِ الوَفَاءِ وَأَرْمَى مِنْ بَنِي ثُعَلٍ(١)
وَفِيَّ وَعْدٍ شَهِيْرًا كَالسَّمَوْأَلِ في
أَرْوَى مِنَ الكُتْبِ فِي عِلْمِ الكَلامِ مَلي
مُلاطِفًا، أَلْمَعِيًّا، حَاذِقًا، فَطِئًا
وَصْفِ الدَّوَاءِ وَفي الإِقْدَامِ كَالبَطَلِ
مُمَارِسًا، مَاهِرًا، بُقْرَاطَ وَقْتِكَ في
مَتْنَ المَعَزَّةِ طَاوِ الرِّجْلَ بِالرَّحَلِ
مُلاعِبًا كَرَّةَ الأَيَّامِ مُمْتَطِبًا
في صَبْرٍ أَيُّوْبَ في كَرِّ الإمَامِ عَلِي
وَابْدُرْ بُدُورَ عُقَابٍ فِي قِوَى أَسَدٍ
وأخيرًا لا يفوتنا هنا ونحن بصدد الانتهاء من هذا التحقيق
التَّشريحي الموجز لـ ((لاميَّة البَحرَيْن)) أنْ نعرض لرأي الشَّاعر الصَّخَّاف
في ((لاميَّته))، حيث يقول في وصفها :
وَاسْمَعْ قَصِيْدَةَ آدَابٍ مُهَذَّبَةٍ تُغْنِيْكَ عَنْ حَانَةِ(٢) الصَّهْبَاءِ وَالعَسَلِ
أَوْدَعْتُهَا حِكَمًا مَتْقُوْنَةَ العَمَلِ
أَلْفَاظُهَا كَعُقُوْدِ الدُّرِّ فِي شَبَهٍ
إلى أنْ يقول:
في كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ إِنْ تُلِيَتْ تَكَادُ تَزْهُوْ عَلى الأَتْرَابِ في المِثَلِ
بِلا فِخَارٍ وَلا ذَمِّ وَلا خَلَل (٣)
فِإِنْ نَحَوْتَ إلى إِنْصَافِ مَعْرٍفَتِي
وَإِنَّ لامِيَّةَ البَحرَيْنِ تَشْهَدُ لي
لامِيَّةَ العَجْمِ تَرْوِيْ فَضْلَ نَاظِمِھَا
(١) يراجع الخاطر.
(٢) (حاجة) الخاطر.
(٣) (ختل) الخاطر.
٢٦

وصف النسخ المعتمدة
اعتمدتُ في إخراج هذه المنظومة على نسخة خطّيَّة وأخرى
مطبوعة :
* الأولى: النُّسخة الخطَّّة:
هي نسخة مكتبة الحرم المكِّي بمكّة المكرّمة، وهي ضمن
مجموعة عبد الوهّاب الدِّهلوي، رقم المخطوط (٣٢٩٢)، ج٢،
صفحة رقم (١٢٧ - ٢٠١)، ويحتوي المجموع على عدَّة قصائد
وأشعار طويلة، وأخرى مقاطع شعريّة صغيرة لمجموعة من شعراء
الحجاز المتأخّرين، تقريبًا من كان في منتصف القرن الرَّابع عشر
الهجري وأوائل القرن العشرين الميلادي.
عدد أوراقها خمسة أوراق، كل ورقة تحتوي على (٢٣) بيتًا،
لم يكتب عليها تاريخ النَّسخ، ولا اسم النَّاسخ.
عُنْوِن في بدايتها: ((لاميَّة البَحرَيْن للشّيخ عبد المحسن))، كتبت
بخطّ واضح في الغالب إلّا مواقع بسيطة، وقد تصحّفت بعض
الكلمات، ورمزت لها بـ (المخطوط).
(١) الشاعر الأديب والباحث المؤرخ مبارك بن راشد بن جاسم الخاطر،
من مواليد مدينة المحرق بالبحرين سنة ١٩٣٥م. كان رحمه الله مهتمًّا =
٢٧

والتُّسخة المخطوطة قد ألحقها الأستاذ مبارك راشد الخاطر(١)
في آخر كتابه الماتع ((المغمورون الثَّلاثة))، تحت عنوان ((ملحق ببعض
الوثائق)) (ص١١٣).
كما قام الأستاذ الشّاعر مبارك عمرو العمَّاري(٢) - جزاه الله
خيرًا - بإعطائي هذه النُّسخة من المخطوط مع تصويباته وتصحيحاته
على المنظومة.
= بجمع الوثائق والمخطوطات والتراجم، وبالأخص المتعلقة بالبحرين،
وله عدة إصدارات تاريخية مهمة، منها: ((نابغة البَحرَيْن)) عبد الله الزايد،
و ((القاضي الرئيس)) (قاسم المهزع)، و((المغمورون الثلاثة))، و((الأديب
الكاتب ناصر خيري))، وله ديوان شعري طبع ((شيئًا من الإصغاء يا سادة)»،
وله عدة بحوث ومقالات، وكان عضوًا في عدة جمعيات أدبيَّة وتاريخيّة،
وشارك في عدد من المؤتمرات والمهرجانات، وحصل على عدة
أوسمة وجوائز في الأدب والإنتاج الفكري، كانت وفاته يوم الخميس
٥/ محرم/ ١٤٢٢هـ، الموافق ٢٩/ مارس / ٢٠٠١م، عن ثمان وستين سنة،
رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.
(١) الشاعر الأديب والباحث المؤرخ مبارك بن عمرو بن محمد العماري
الدوسري - حفظه الله تعالى -. من مواليد مدينة المحرق بالبَحرَيْن
سنة ١٩٤٨م، عمل في عدة وظائف حكومية إدارية، عضو في عدة
جمعيات أدبيَّة وثقافيَّة وتاريخيَّة، ألَّف عدة مؤلفات أدبيَّة وتاريخيَّة
وثقافيَّة، كما أخرج عدد من الدواوين لشعراء البحرين، ومنها ((ديوان
عبد المحسن الصَّحَّاف))، ولا زال قيد البحث والجمع، وكتب العديد
من المقالات والبحوث، وشارك في عدة مؤتمرات ومحاضرات دولية
وحصل على عدة أوسمة وجوائز، منها: وسام الكفاءة من الدرجة الأولى.
٢٨

* الثّانية: التُّسخة المطبوعة:
وهي التي طبعها الأستاذ مبارك الخاطر في ترجمة شاعرنا
عبد المحسن الصَّحَّاف في كتابه ((المغمورون الثَّلاثة))، وذكر عدَّة
قصائد للصَّخَّاف في فصلِ سمَّاه ((نماذج من شعر الصَّحَّاف)) (ص٨١)،
وفيها بعض التَّصويبات من الأستاذ الخاطر، إلّا أن بعض التصحيفات
بقيت على حالها(١)، ورمزت لها بـ (الخاطر).
كما اعتمدت على الموقع الإلكتروني لـ((معجم الباطين))،
لإصلاح بعض الأخطاء.
(١) وتصويبات الأستاذ مبارك العماري جاءت بعد أن أنهيت مراجعة المنظومة
وإصلاحها، وله مني جزيل الشكر وفائق التقدير على تفاعله وتعاونه.
٢٩

منهج العمل
إضافة إلى المقدمة التي ضمَّنتها ترجمة الناظم ودراسةً عن
اللامية، فقد عملت على:
١ - مقابلة المطبوع على المخطوط، وإثبات الفروق المهمة.
٢ - إصلاح الأخطاء العَروضيَّة وإثباتها في الأصل، مع التنبيه
في الحاشية.
٣ - شرح الكلمات الغامضة والأمثال المذكورة.
٣٠

لامية البحرين(*)
بالحزم والعزم لا بالفخر والكسل
والصحق فى الفول تنجي المرء صحبته
فابئر بارض الفقى علما نعز به
واحرص عليه ولازمه تنل شرفا
وكل علم تعلمه بمعرفة
علم النجوم وعلم الكيمياء معا
فالشؤم فى النجم ان ادى الى كلب
والكيمياء بها الإفلاس مفتون
واستات كبه فى أمر هزمت به
وارغ الجوار ولاتنس الجميل ولو
والظهر البشر فى حال التقاء لهم
وكن لغيظه دوما خائلما وائل
واختم سرورك أن أدركت ساعنه
ولاتحم بالخي حول «السماء"، فمن
ولاتكف موقفا تنمى لسه تهم
ولاتلق بكذوب خار أبدا
وارشق سهام صواب فى الكلام ولا
وكن لكل نصوح قابلا واطبع
ولا تجاوب سفيها ف شامه
والفخر في فتكات البيض والاسل
والحفظ يستر قبح العيب وهو خل
واحسن طباعة واتبع موضح السبل
وهائر الجهل واترك صحبة الساق
الا لكن فلا نعبا بها وخل
كذا الجدال بسوء الجهل والخطل
وخالف الشرع مثل الرصد في زحل
فخذ مقالٍ وارفض فاسد الجدل
ولانشاور عديم الرأى فى عمل
طال المدى واخش من اعداد عن كثُل
ولاتكن من وهي كيد الرجال خل
من قدر رجاك ولاتقطعه من أمل
وتب عن الذنب من قبل انفضا الأجل
الد حام حول الحمى لم ينج من زاق
بها نساء وتلقى فى سلا جمال
مثل السراب كثير المكر والحيل
تعبأ بقدم جهول بالغرور بل
اول الامور وإحذر سطوة للدول
تكن تتفيا ه فى الوصف والمثل
- ٨٣ -
الصفحة الأولى من اللاميَّة (المطبوعة)
٣١

حسود غير منتقل
قد يرديك بالفشل
خؤوا سليم القلب بالخلل
صيرفي النقد ذا وهل)
قد روى عن سيد الرسل
ى ثمرا من صالح العمل
: بما باتي من العدل
قصدته الخُّطْبُ لم يحل(١)
ـل مدى الاوقات لم يزل
:ا بلي بالغدر من رجل
بسهم الجد محتفل
خدعة للفارس البطل
لب ولم يبرأ من العلل
باثم والثيران من خبل
طبع تحكى ريحة البصل
ل نقص فى الوضوح جلى
منه بعد الشيب فى نهل
لذل فى حل ومرتحل
ثرة فى سائر المقل
معرة فى رجل منتعل
فرص الاوقات عاد خلى
جته قد مل من ثقل
يُؤذّى ولو فى أرفع القلل
ـوال أساد من الغيل٦
مثمر لم يحظ بالأمل»
على الغدار بالنزل
يها بطبع الخائن الرقل
ر لدى التمرين منتقل
ـرح معه مزح، معتدل
، طعم الموت بالختلM
شحنت بالكيد والفشل
ـ ولـو لانت فى جبل
الورى تسليط ذي عجل
الله فى جود وفى منزل ٣
ملوك ولاترعى مع الهمل(٩)
اغفر الزلات واحتمل
وأخطب كريمة لباء غطارفة
خذ الاصيل وجانب ضده حذرا
واخش الدناءة والطبع الذميم ولا
وان كُويتَ فانضج باللهيب وقل
ولاتكن معجبا بالنفس مبتفيا
اياك تطمع فيما ليس تدركه
وأحبب حبيبك هونا ما وصل رحما
وكن لدى من اتى يدعوك اسرع من
وفي وعد شهيرا كالسموال فى
ملاطفاً للعبا حاتقا قطنا
ممارسا ماهرا بقراط وقتك فى
ملاعبا كرة الايام ممتطيا
وابدر بدور عقاب فى قوى اسد
فى فهم يعقوب فى جود ابن زائدة
فى نطق سحبان فى حسن الخطاب وفى
فى لمح زرقاء فى تدمير ذى يزن
يوما بنجد ويوما بالحجاز وبالهداء بـ
وبالشام ويوماً فى حمى عدن
نزه فؤادك ما اسطعت من كدر
وارحل اذا نابك الضيم المسىء ولا
جنب قلوصك عن تلك الرياض اذا
الله أكبر من سحر العيون ومن
كمّ قتيل بمسن الغانيات وباقط
اياك إياك ان ترنو إلى نظر
واسمع قصيدة آداب مهذبة
الفاطها كعقود الدر فى شبه
قد غصت فى نجج حتى ظفرت بها
فوصفها باهر مع حسن رونقه
والشعر يُظهِر فى شيئين رونقه
أعيذها من عيون الحاسدين لها
فى كل وقت من الأوقات أن تليت
فان نحوت الى انصاف معرفتى
لامية العجم تروي فضل ناظمها
أبياتها اثنان مع تسعين قد حسبت
جاءت بحمد إلهى قرة وجلت
وحسن مطلعها فاقت براعته
قد قلت فى بدئه والله الهمنى
فالعرق دساس يردى نسل كل على ٢٠١
ليس التكهل فى العينين بالكحل
تنظر الى لقمة الانسان فى الأكل
(انا الغريق فما خوفى من البلل)
هوى وشحا مطاعا دائم الكسل
واحسن الى من أسا ياصاح واعتدل
وابغض بغيضك يوما ما ولا تصل
برق واصبر للاثقال من جمل
حسن الوفاء وأرجى من بني نقل
أروى من الكتب فى علم الكلام ملى
وصف الدواء وفى الاقدام كالبطل
متن المعزة طاوي الرجل بالرحل
فى صبر أيوب فى كر الامام على
فى ردع ثعلب من مكر ومن حيل
دها زياد الذى قد ساد كالمثل
فى خير نقد اياس دائم النقل
ـوما ويوما دارة العمل
والهند يوما اظهر الذلل (٢٦)
ولاتَقِم فى حمى نل ولا كسل
تمكث بارض وجنب موضع الخلل
ما جئت نجداً ولا تنزل بها وقلى (١٧)
سمر القدود التى كالغصن فى ميل ١٦)
صرف الكحيل الذي يرنو من الخجل
فيه سهام تلاقى المرء بالاجل
تغنيك عن حاجة الصهباء والعسل
أودعتها حكماً متقوفة العمل
ان التامل يبدي جوهر الاصل
وكيف لا وهي قد فاقت على الاول
بيت من الغزل او بيت من الغزل
بقل أعوذ برب الناس عن كمل
تكاد تزهو على الاتراب فى المثل
بلا فخار ولا ذم ولا ختل
وان لامية البحرين تشهد في
فكن لها حافظا وابذل دعاءك لي
فى عين كل اديب كامل نبل
وهُلَّ ى بُرُج عليا ولم يقل
الحزم بالعزم لا بالعجز والكسل
٠
- ٨٥ -
الصفحة الأخيرة من اللاميَّة (المطبوعة)
٣٢

ابْجرى ـ
ششرار اللماشرب
وافى
لازمكل فنا
وماذرالبلالزلـ
ـ الأ
غرة تينبايا وحل
ميكسا زول الجو
وانا مالك متر
زن
للاتاريخ الأوزعة
أما
كل نـ
را الارائق ، فهلMo
باتار ونشرزمزم
راية
ـش وبطا
تببات نة التورين
ول التاج باراطع أولاً الأمر وبط الس هرة الدول
للاتاريت الفائد
والسيد الجاررع الاخطها
ساذ جا، وأقل وزنا عا
صورة الصفحة الأولى من (المخطوط)
٣٣

ء
وابدر بدور عقابً قوى في صبر ابوب في كرالامام على
في فهم يعقوب فيبودابى زيادة بلوغ تعليت مكرم من جيل
في نطق مسمبان ى من خطاب في دعاء زياد الذي است شارة مثل
في خير نقدايس دائم النقل
في مح زرقاء في تدمير ذي يزن
بوما نوتج ويوما با مازوبا
وبا التام يوما ويوا في جهود
الهدار يوما ويومادارة عمل
والهنديوما ويوما أفظه الذئل
تره فؤادك ما استطعت من كده ولا تقم في محمى ذل ولاكس
وادخال ذات ك الخيم المسيئولا تمكث بأرفى وجيم موضع الخلل
جنيد قلو مسك عن تلك الرياضة: ماجست نجدا ولا تنزي إما دخل
الله اكبر من سحر العيون ومن سمر الحدود التي فى القضية ليل
كرم قبل بع المانيا وب السطرف الكجيل الذي يرفوا فى كمل
إياك يأكل ان تدنوا إلى خطر فيه سهام تلا فى المروبا الاجل
والمع قصيدة الداب مهذبة تغنيك فى حالة الصياد وعسل
الفاظهالعقود الدرية مشيه أودعتها هكما متقوة العمل
قد عدت في الحجم حتى ظفرت بها أن العامل يدي جوهر كامل
فوصفها باهر مع حس ونقد وكيفلا وهي قد فاقت عواد
والشعر مظهر التى دوقة بيت من الغزل البيت فى الغزل
اعند الأص عبون الحصدين لها بقل اعوذ بريان لى على شكل
فى الوقت فى الأوقائد وعين فى دنز هو وعلى الانرائية المثل
فان عود الىانهافى معرفتة بلافخار ولازم ولا خلل
لاحية اله تروي قضاياطها وأن لاحية الجبوري تستهدل
أبياتها اثنان مع فى قد نكى لها حافظًا وأبدرو قائمته
جاءت بعيد البرقية وحلت. في كل عين أديب 8 من قبل
صورة الصفحة ما قبل الأخيرة من (المخطوط)
٣٤

لِقَاءُ العَشْرِ الأوَاخِرِ
بالمسْجِدِ الحَرَامِ
(٢٣٠)
٧,٥
لَمِيَّةُ الرَّحْمَيْنَ
نَظْمُ الْأَدِيْبِ الْكَامِلِ وَالأَرِيْبِ الفَاضِلِ
الشيخ عبد الحْشِ بْ محمّد بن يعقوبَ الصَّحَّافِ
المجِزْ قِيّ البحريني ثُمَّ الحتي
المتَوَفى ١٣٥٠ هـ
تحقيق وتعليق
الدكتورالسَّيَّ مَ فِيْق ◌َينِ

لامِيَّة البحرين(١)
عبد المحسن بن محمد بن يعقوب الصحاف
الحَزْمُ بِالعَزْمِ لَا بِالعَجْزِ وَالكَسَلِ وَالفَخْرُ فِي فَتَكَاتِ البِيْضِ والأَسَلِ(٣)
(١) مجموعة أشعار مخطوطة من مجموعة عبد الله الدهلوي ورقة (رقم ١٢٧
و٢٠١)، مكتبة الحرم المكيّ الشريف.
(٢) الحَزْم: ضبط الأمر وإحكامه. العَزْم: الثبات والصبر والجد
والإرادة القوية، ومن ثَمَّ سمي الرُّسل الذين صبروا وثبتوا أكثر من
غيرهم في سبيل دعوتهم: ((أولو العزم)). العَجْز: الضعف وعدم القدرة
على العمل، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَوَيْلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
اٌلْغُرَبِ﴾ [المائدة: ٣١]. الكَسَل: التثاقل والتهاون والتقصير في
أداء العمل، ومنه قوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ
كَُالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وفي الحديث: «اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ
العَجْزِ والكَسَلِ)). الفَخْر: التباهي وإظهار المحاسن والمآثر
والفضائل والمكارم في النسب والحسب وغيرهما، سواء فيه أو في أهله
وعشيرته، أما من يتفاخر بآبائه وشرفهم مع فحش لسانه، وقبيح فعله،
فيصدق عليه :
لئن فخّرتَ بآباء لهم شرفٌ لقد صَدَقتَ ولكن بئس ما ولدوا
فَتَكَات: جمع فتكة، والفَتْكُ هو القتل على غِرَّة، وفتك بأعدائه
أي بطش بهم. البِيْض: جمع الأبيض وهو السيف. الأَسَل: الرماح
الطوال.
٣٧

وَالصِّدْقُ في القَوْلِ تُنْجِي المَرءَ صُحْبَتُهُ وَالحَظِّ يَسْتُرُ قُبْحَ العَيْبِ وَهْوَ جَلِي(١)
وَاحْسِنِ النَّبَاهة واتَّبِعْ أَوْضَحَ السُّبُل (٣)
وَحَاذِرِ الجَهْلَ وَاتْرُكْ صُحْبَةَ السَّفَل (٤)
إلَّا ثَلاثًا فَلا تَعْبَأُ بِهَا وَحُل (٥)
فَابْذُرْ بِأَرْضِ التُّقَى عِلْمًا(٢) تُعَزُّبِهِ
وَاحْرِصْ عَلَيْهِ وَلَازِمْهُ تَنَلْ شَرَفًا
وَكُلَّ عِلْمُ تَعَلَّمْهُ بِمَعْرِفَةٍ
عِلْمَ النُّجُوْمِ، وَعِلْمَ الكِيْمِيَاءِ مَعًا كَذَا الْجِدَالَ بِسُوْءِ الجَهْلِ وَالخَطَلِ (٦)
(١) الصِّدْق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم. المَرْء: الرجل
أو الإنسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾
[الأنفال: ٢٤].
الحَظّ: النصيب، والجد، والبخت، وجمعه: حُظُوظ، وأحْظِ. القُبْحُ:
ضد الحُسن، وهو ما نقَّر الذَّوْقَ السويّ، ويكون في القول، والفعل،
والصورة، وجمعه: مَقَابحُ على غير قياس، وقبحه اللهُ أي أبعده عن كلّ
خيرٍ وجعله قبيحًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ هُم مِّنَ اُلْمَقْبُوحِينَ﴾
[القصص: ٤٢]، أي من المبعدين عن الفوز بالجنّة. العَيْبُ: الوَصْمة،
وجمعه: عُيُوبٌ. الجَلِيُّ: الواضح البِيِّن.
(٢) (حلمًا) معجم البابطين.
(٣) فَابْذُرْ: أي ازرع. النَّبَاهَة: الفطنة والذكاء. السُّبُل، مفرده السَّبيل:
وهو الطريق الواضح.
(٤) الشَّرَف: العُلوُّ والمجد، وقيل: علو النسب والقدر معًا. السَّفَل: السقاط
من الناس، والسفالة النذالة.
(٥) لا تَعْبَأ: أي لا تهتمّ ولا تُبالي به، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلًا
دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
(٦) علم النجوم علمان:
الأول: هو معرفة أحوال النجوم وطرق سيرها في سبيل ضبط المواقيت =
٣٨

فَالشُّؤْمُ في النَّجْمِ إِنْ أَدَّى إلى كَذِبٍ وَخَالَفَ الشَّرِعَ مِثْلَ الرَّصْدِ فِي زُحَلٍ(١)
= والأنواء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾
[النحل: ١٦]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: ٩٧]، قال الخطابي: ((أما علم النجوم الذي يدرك بطريق
المشاهدة، والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير
داخل فيما نُهي عنه، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة، إلّا أن أهل هذه
الصناعة قد دبّروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني بها الناظر فيها عن
مراعاة مدته ومراصدته)). ((معالم السنن)) (٢٣٠/٤).
الثاني: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية، على الحوادث الأرضية،
وهو المنهي عنه، كما سيأتي.
(١) وفيه يقول النبي ◌َّ: ((من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من
السحر، زاد ما زاد)) رواه أبو داود، وإسناده صحيح. قال الخطابي:
((علم التنجيم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكائنات،
والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان؛ كأوقات هبوب
الرياح، ومجيء المطر، وتغير الأسعار وما في معنى ذلك من الأمور التي
يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها
وافتراقها، ويدّعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تجري على قضايا
موجباتها، وهذا منهم تحكّم على الغيب وتعاطٍ لعلم قد استأثر الله به
لا يعلمه سواه)). ((معالم السنن)) (٢٣٠/٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
((واعلم أن التنجيم مما ينافي التوحيد، ويوقع في الشرك؛ لأنه
ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها وهو الله سبحانه)). ((الفتاوى))
(٣٥/ ١٩٢).
الشؤم: الشر. الرصد: المراقبة والتعقب، رصد العدو أي راقبه وقعد له،
وفي اصطلاح الفلكيين: مراقبة النّجوم وحركاتها، وما يتَّصل بها بواسطة
آلات الرَّصد. زُحَلُ: في علم الفلك: ثاني كواكب المجموعة الشمسية =
٣٩

فَخُذْ مَقَاليَ وَارْفُضْ فَاسِدَ الجَدَلِ (١)
وَالكِيْمِيَاءُ بِهَا الإِقْلَاسُ مُقْتَرِنٌ
وَلَا تُشَاوِرْ عَدِيْمَ الرَّأْي في عَمَلٍ (٢)
وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ في أَمْرٍ عَزَمْتَ بِهِ
طَالَ المَدَى وَاخْشَ مَنْ أَعْدَاكَ عَنْ كَمَل(٣)
وَارْعَ الجِوَارَ وَلَا تَنَسِ الجَمِيْلَ وَلَوْ
وَلَا تَكُنْ مِنْدَهَا (٤) كَيْدِ الرِّجَالِ (٥) خَلِي
وَأَظْهِرِ البِشْرَ في حَالِ اللِّقَاءِ بِهِمْ
= حجمًا بعد المُشْتري، وسادسها بُعدًا عن الشمس، وعند المنجّمين:
يقابل النَّحْس والشؤم والكآبة والانقباض.
(١) الكيمياء عند القدماء: هو علم يتناول تحويل بعض المعادن إلى بعض،
لا سيّما تحويلُها إلى ذهب، وعند المحدثين: هو علمٌ يتناول دراسة خواصٌ
العناصر والمركّبات والقوانين التي تحكم تفاعلاتها. ينظر كلام شيخ
الإسلام ابن تيمية عن عمل الكيمياء وهل تصح بالعقل أو تجوز بالشرع؟
مجموع الفتاوى (٣٦٨/٢٩).
(٢) عزم الأمر: عقد النيَّة ووطّن نفسه على فعله، ومنه قوله تعالى:
فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقيل: من عزم على نيل
العُلا وصل. والشورى: طلب الرأي والنصيحة، ومنه قوله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقيل: إذا شاورت العاقل صار
عقله لك، وإذا شاورت الجاهل أضاع لك عقلك.
(٣) الجار: هو المُجاور في المسكن أو نحوه، والجوار: هو العهد والأمان،
وقيل: الجار أحقّ بالجوار.، ورعَى الجوار: أي حافظ عليه وقام به حقَّ
القيام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
واخش: أي احذر واتقِ. الكَمَل: الكامل.
(٤) (دهی).
(٥) البشر: طلاقة الوجه. الدهاء: هو جودة الرأي والمكر والحذق والمهارة.
الكيد: الحيل. خلي: أي بعيدًا أو معدومًا .
٤٠