النص المفهرس

صفحات 41-60

والمراد بالإحسان في الآيات: البِرُّ، والشفقةُ، والعطفُ،
والتودُّدُ، وإيثارُ رضاهما(١).
[٣١/أ]
٥ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ/
وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
قوله: ﴿وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾، أي: ضعفًا على ضعف، فإنَّها ضعفت
للحمل، والطلق، والولادة(٣).
٦ - وقال تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًّاً﴾ (٤).
٧ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية(٥).
(١) (الإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب، ويراعي دقائق الأدب والخدمة
والشفقة، ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلا، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم
أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما، ويذكرهما في صالح دعائه،
كما أرشد الله تعالى إلى جميع ما ذكرنا في قوله: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍ ... ﴾
إلى آخر الآية). قاله النيسابوري في ((غرائب القرآن)) (٣٢٣/١).
(٢) سورة لقمان: الآية ١٤ .
(فأمر الله تعالى الولد بشكر الوالدين، وقرن شكرهما بشكره، وهذه غاية
في الوصاية بهما). قاله الظُّرُوشي في ((برّ الوالدين)) (ص٩٣).
(٣) ((تفسير الجلالين)) (ص٥٤١).
(٤) سورة العنكبوت: الآية ٨.
(٥) سورة البقرة: الآية ٨٣.
(فإن قال قائل: وما ذلك الإحسان الذي أخذ عليهم بالوالدين الميثاقَ؟ =
٤١

قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ إخبارٌ في معنى النهي، وهو أبلغ من
الصَّريح.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ متعلق بمضمر، أي: وتحسنون بهما إحسانًا،
[٣١/ب] فهو إخبارٌ بمعنى / الأمر (١).
٨ - وقال عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّ
تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً﴾ الآية(٢).
ورُوي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السَّلام: ((إنَّه مَن
بَرَّ لِوَالِدَيْهِ(٣) وعقَّني، كتبتهُ بارًّا، ومَن برَّني وعقَّ وَالِدَيْهِ، كتبتُهُ
عاقًّا)) (٤)
٠
وعن وهب قال: أوحى الله إلى موسى عليه السَّلام: ((يا موسى
وقِّر والدَيكَ؛ فإنَّ مَن وقَّر والديهِ، مددتُ في عُمُرهِ، ووهبتُ لهُ ولدًا
= قيل: نظيرُ ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما، والقول
الجميل، وخفض جناح الذل رحمةً بهما، والتحثُّن عليهما، والرأفة بهما،
والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عبادَه أن
يفعلوا بهما). قاله الطبري في ((جامع البيان)) (١٩٢/٢).
(١) الكشّاف (١٥٩/١).
(٢) سورة الأنعام: الآية ١٥١ .
(٣) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((والديه)).
(٤) ذكره الغزالي في ((إحياء علوم الدِّين)) (٢١٦/٢)، والظُرطُوشي في
(برِّ الوالدين)) (ص٧٢)، وقال الزبيدي في («إتحاف السادة المتقين))
(٢٨٨/٧): (وهذا يدل على أن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة).
٤٢

يَبَرُّهُ. ومَن عقَّ والديهِ، قصَّرتُ عُمُرَهُ، ووهبتُ لهُ ولدًا يعُقُّهُ))(١).
٠
[٣٢/أ]
وقيل: / لمَّا دخل يعقوب على يوسف عليه السَّلام لم يقم له،
فأوحى الله تعالى إليه: ((أتتعاظمُ أن تقومَ لأبيكَ، وعزَّتي وجلالي،
لا أخرجتُ من صُلبكَ نبيًّا))(٢).
[الأحاديث الواردة في برّ الوالدين]
أمّا الأحاديث:
13
١ - فقدرُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجلٌ:
يا رسولَ الله، من أحقُّ بحُسنِ صَحَابتي؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثمَّ مَن؟ قال:
(أُمُّكَ))، قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((أَبُوكَ))(٣).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٥٦٤/٥).
(٢) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدِّين (٢١٦/٢)، والظُرطُوشي في
(برِّ الوالدين)) (ص٧٢)، وتعقَّب الزبيديُّ الغزاليَّ في «إتحاف السادة
المتقين)) (٢٨٨/٧)، فقال: (لكن أخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني قال:
لمّا قدم يعقوب على يوسف، تلقاه يوسف على العجل، ولبس حلية
الملوك، وتلقاه فرعون إكرامًا ليوسف، فقال يوسف لأبيه: إن فرعون قد
أكرمنا، فقل له، فقال له يعقوب: لقد بوركت يا فرعون. وأخرج أيضًا
عن سفيان الثوري قال: لمَّا التقى يوسف ويعقوب، عانق كل منهما
صاحبه وبكى، فقال يوسف: يا أبت، بكيت علَيَّ حتَّى ذهب بصرك،
ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بني، ولكن خشيت أن تسلب
دينك، فيحال بينك وبيني). وانظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (٥٩٠/٤).
(٣) متفق عليه: رواه البخاري في ((صحيحه)) (٥٩٧١)، ومسلم في ((صحيحه))
(٢٥٤٨).
٤٣

وفي رواية قال: (أُمُّكَ، ثمَّ أُمُّكَ، [ثمَّ أُمُّكَ](١)، ثمَّ أَبوكَ،
ثُمَّ أدناكَ، ثم أدناكَ))(٢) متفق عليه.
[٣٢/ب]
لا يخفى أن مآل الروايتين في أمر / الأبوين متحد، فقد تكرر
فيهما لفظ الأم ثلاث مرات، واتحد لفظ الأب.
واستدل بعضهم بهذا على زيادة حق الأم على الأب بثلاث
درجات(٣).
ولا يعارضها ما في بعض الروايات من أنَّ «برَّ الوَالِدَةِ على
الوَالِدِ (٤) ضِعفَانِ))(٥)؛ لأنها متفق عليها .
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والاستدراك من ((صحيح مسلم)).
(٢) رواه مسلم في «صحيحه» (٢٥٤٨).
(٣) (في هذا الحديث دليل أن محبة الأم، والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة
أمثال محبة الأب؛ لأن النبي ◌َچ و كرر ذكر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب
في المرة الرابعة فقط، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن
صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم،
وتشقى بها دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب). قاله ابن بطال
في ((شرح صحيح البخاري)) (١٨٩/٩).
(٤) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((الولد))، كما في ((الإحياء)).
(٥) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدِّين)) (٢١٧/٢)، وقال العراقي في
((تخريج الإحياء)): (غريبٌ بهذا اللَّفظ)، وأقرَّه الزبيدي في «إتحاف السادة
المتقين)) (٢٩٠/٧)، وذكره التاج السبكي في ((طبقات الشَّافعية الكبرى))
(٣١٧/٦) ضمن الفصل الذي جمع فيه أحاديث ((الإحياء)) التي لم يجد
لها إسنادًا .
=
٤٤

ووجه هذه الزيادة: بأن الأم تحملت مشقة الحمل، والطلق،
وللوضع(١)، والإرضاع، كما قال تعالى: ﴿حَمَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا [وَوَضَعَتْهُ
= قلتُ: ويُغني عنه ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
جاءَ رجلٌ إلى النَّبِيّ ◌ََّ، فقال: مَنِ أولى النَّاسِ بحُسنِ الصُّحبةِ مِنِّي؟
قال: ((أُمَّكَ))، قال: ثمَّ مَن؟ قال: ((أُمَّكَ))، قال: ثمَّ مَن؟ قال: (أَبُوكَ))،
رواه الحُميدي في «مسنده)) (١١٥١)، وأحمد في ((مسنده)) (٩٠٨١)،
وابن ماجه في «سننه» (٣٦٥٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٤٣٣)،
والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٦٧٠)، وصحَّحه الألباني في
((صحيح سنن ابن ماجه)) (٢٩٦٦)، قال سفيان بن عيينة - أحد
رواة الحديث ـ: (فيرون أنَّ للأمِّ الثُلُثَينِ من البِرِّ، وللأبِ الخُلُثُ).
انظر: («المسند» (٤٧٦/٢) للحُميدي، و((صحيح ابن حبان)) (١٧٦/٢)،
و((شرح مشكل الآثار)) (٣٧٠/٤)، وبنحوه قال الحسن البصري كما في
((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢١٨/٥) بسند صحيح.
وكذلك ما ثبت عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي الله عنه أنه سمع
رسول الله وَل﴿ يقول: ((إنَّ اللهَ يوصِيكم بِأُمَّهَاتِكُمْ ثُمَّ يوصِيكم بِأُمَّهَاتِكُمْ
ثُمَّ يوصِيكم بِآبَائِكُمْ ثُمَّ يوصِيكم بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ))، رواه أحمد في
(مسنده)) (١٧١٨٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٠)، وصحَّحه
الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (١٦٦٦).
هذا، (وليس بين الحديث الذي ظاهره أن لها ثلاثة أرباع البِرِّ، وبين
الحديث المقتضي الثلثين منافاة، بل يحمل الأول على أمُّ ربَّت الولد
وأرضعته، والثاني على أمِّ لم يوجد منها ذلك، وهذا ما سنح به الخاطر،
ولعلَّه الصواب). قاله الصدر المناوي في ((كشف المناهج والتناقيح))
(٤ / ٢٧١ - ٢٧٢).
(١) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((والوضع)).
٤٥

كُرُهَاً](١) وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ تَثُونَ شَهْرًا﴾(٢)، / فقد رجح الأم بهذه الصفة على
[٣٣/أ]
الأب، وهي تقتضي زيادة الإحسان إليها(٣)، ويحتمل أن يكون هذا
الزيادة(٤) رحمتها، وشفقتها على الولد، بالقياس إلى الأب(٥).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٢) سورة الأحقاف: الآية ١٥.
و(دلت الآية على أن حق الأم أعظم؛ لأنه تعالى قال أولًا:
﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًّا﴾، فذكرهما معاً، ثم خصَّ الأم بالذكر فقال:
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُهًا﴾، وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن
وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، والأخبار مذكورة في هذا الباب).
قاله الرازي في ((مفاتيح الغيب)) (١٥/٢٨).
(٣) روى البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤) بسند صحَّحه الألباني في صحيح
((الأدب المفرد)) (٤) عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما،
أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي،
فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةِ؟ قَالَ: (أُمُّكَ
حَيَّةٌ؟)، قَالَ: لَا. قَالَ: (تُبْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ)،
فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: (إِنِّي لَا أَعْلَمُ
عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِّ الْوَالِدَةِ).
(٤) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((لزيادة)).
(٥) قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٠٢/١٦): (قال العلماء: وسبب
تقديم الأم، كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله
ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك. ونقل الحارث
المحاسبي إجماع العلماء على أن الأم تفضل في البر على الأب. وحكى
القاضي عياض خلافًا في ذلك، فقال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم:
يكون برهما سواء، قال: ونسب بعضهم هذا إلى مالك، والصواب =
٤٦
٠

ومن ثم قال الفقهاء: إن حق الأم على الولد أعظم من حق
الأب عليه، والإحسان إليها واجب ومؤكد أشد وجوبًا وتأكيدًا .
٢ - وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَّل: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ / أَنْفُهُ))، قيل: مَن [٢٣/ب]
يا رسولَ اللهِ؟ قال: «مَن أدركَ والديْهِ عِندَ الكِبَرِ أحدَهُما، أو كلاهما،
ثمَّ لم يَدخُلِ الجنَّةَ))(١).
أي: لم يؤد حقهما، ولم يحسن إليهما، فإنَّه ترك الواجب.
وهو يقتضي عدم دخول الجنة؛ لأن تارك البر إما أن يجحد
وجوبه، أو لا، فالأول: كافر، والثاني: مرتكب الكبيرة(٢) مستحق
للعقاب، وإن دخل الجنة بعد الشفاعة.
= الأول، لصريح هذه الأحاديث في المعنى المذكور)، وأقرَّه علي القاري
في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٧٩/٧)، فقال: (وفي التنزيل إشارة إلى هذا
التأويل في قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ
شَهْرًا﴾، فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم، وهي تعب الحمل،
ومشقة الوضع، ومحنة الرضاع).
(١) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٢٥٥١).
(قال أهل اللغة: معناه: ذلّ، وقيل: كره وخزي، وهو بفتح الغين
وكسرها، وهو الرغم، بضم الراء وفتحها وكسرها، وأصله لصق أنفه
بالرغام، وهو تراب مختلط برمل، وقيل: الرغم كل ما أصاب الأنف
مما يؤذيه. وفيه: الحث على برّ الوالدين، وعظم ثوابه، ومعناه: أن برهما
عند كبرهما وضعفهما بالخدمة أو النفقة أو غير ذلك سبب لدخول الجنة،
فمن قصَّر في ذلك، فاته دخول الجنة، وأرغم الله أنفه). قاله النَّووي في
((شرح صحيح مسلم)) (١٠٨/١٦ - ١٠٩).
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((للكبيرة)).
٤٧

٣ - وروى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله
[١/٣٤] عنهما قالت: قَدِمَتْ / عليَّ أُمِّ، وهيَ مُشركةٌ في عهدٍ قُريشٍ، فقلتُ:
يا رسولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ، وهيَ راغبةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قالَ:
(نَعَم، صِلِيهَا))(١).
٤ - وروى الشيخان عن المغيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَلَه : ((إنَّ الله حَرَّمَ عليكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهاتِ ... )) الحديث(٢).
العُقُوق: بالضم، عدم الانقياد(٣).
واكتفى بذكر الأمهات، للاهتمام بهن؛ فإنَّ حقوقهن أقوى
[٣٤/ب] من حقوق الآباء، أو لأن قلوبهن ضعيفة تحزن / بأمر يسير،
(١) متفق عليه: رواه البخاري في ((صحيحه)) (٢٦٢٠، و٣١٨٣، و٥٩٧٨)،
ومسلم في (صحيحه)) (١٠٠٣).
(قال الخطابي: فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه، كما توصل
المسلمة. ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان
الولد مسلمًا اهـ
وفيه موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة، والسفر في زيارة
القريب، وتحري أسماء في أمر دينها، وكيف لا وهي بنت الصِّدِّيق وزوج
الزبير لز). قاله ابن حجر في ((فتح الباري)) (٢٣٤/٥).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري في ((صحيحه)) (٢٤٠٨، و٥٩٧٥)، ومسلم في
((صحيحه)) (٥٩٣).
(٣) (يُقال: عَقَّ وَالِدَه يَعُقُّه عُقوقًا، فهو عاقٌّ، إذا آذاه وعَصَاه وخرج عليه،
وهو ضِدُّ البِرِّ بِهِ، وأصلُه من العَقِّ: الشَّق والقَطْع)، قاله ابن الأثير في
((النهاية)) (٣/ ٢٧٧).
٤٨

أو لأن الأولاد يقصرون ويتهاونون في أداء حقوقهن غالبًا؛ لقلة
هیبتھن(١).
٥ - وروى الشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَالَى: ((مِنَ الكبائرِ شَتمُ الرَّجلِ والديْهِ))، قالوا:
يا رسولَ اللهِ، وهل شتم(٢) الرَّجلُ والديْهِ؟ قال: ((نَعم، يَسبُّ [أبا](٣)
الرَّجلِ، فَيَسْبُّ أباهُ، ويَسْبُّ أُمَّهُ، فَيَسِبُّ أُمَّهُ)(٤).
(١) (وخصَّ الأمهات بالذكر، للاهتمام بشأنهن وضعفهن، ويمكن أن يكون
من قبيل الاكتفاء بذكر أحد الشيئين من الآخر؛ كقوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ آلْحَرَّ﴾؛ أي: الحر والبرد.
وقال الخطابي: لم يخصَّ الأمهات بالعقوق، فإنَّ عقوق الآباء محرم
أيضًا، ولكن نبّه بأحدهما عن الآخر، فإنَّ بِرَّ الأم مقدم على بر الأب،
إلّا أن لعقوق الأمهات مزيّة في القبح، وحق الأب مقدم في الطاعة،
وحسن المتابعة؛ لرأيه، والنفوذ لأمره، وقبول الأدب منه). قاله علي
القاري في ((مرقاة المفاتيح)» (٣٠٨١/٧).
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((يشتم)).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والاستدراك من ((صحيح
مسلم)).
(٤) متفق عليه: رواه البخاري في ((صحيحه)) (٥٩٧٣) بلفظ: ((إنَّ مِنْ أَكْبَرِ
الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ))، ومسلم في (صحيحه)) (٩٠)،
واللفظ له.
و(إن كان التسبب إلى لعن الوالد من أكبر الكبائر، فالتصريح بلعنه أشد)،
قاله ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤٠٣/١٠).
٤٩

٦ - وروى ابن ماجه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال
[١/٣٥]
رسول الله وَل﴾: ((لا يَرُدُّ القَدَرَ / إِلََّ الدُّعاءُ، ولا يَزيدُ في العُمر
إلَّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجلَ لَيُحرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنبِ يُصيبُ))(١).
أراد من البِّ، بِرُّ الولد لوالديه.
٧ - وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله وَ له: ((دخلتُ الجنَّةَ - وفي لفظ: ((نِمتُ،
فرأيتُنِي في الجنَّةِ)) - فسمعتُ فيها قراءةً، فقلتُ: مَن هذا؟
قالوا: حارثةُ بن النُّعمانِ (٢)، كَذلِكمُ البِرُّ، كَذلِكُمُ البِرُّ»،
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٣٨٦، و٢٢٤١٣، و٢٢٤٣٨)، وابن ماجه في
((سننه)) (٩٠، و٤٠٢٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٨٧٢)، والحاكم في
(مستدركه)) (٦٧٠/١) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه)،
وقال الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٢٦٤): (حسن، دون قوله:
وإن الرَّجل ... ).
و(قوله ◌َّ في هذا الخبر لم يُرِد به عمومه، وذاك أن الذَّنب لا يحرم
الرزق الذي رُزق العبدُ، بل يُكدِّر عليه صفاءه إذا فكر في تعقيب
الحالة فيه، ودوام المرء على الدعاء يُطيبُ له ورودَ القضاء، فكأنه ردَّه
لقلَّة حسِّه بألمه، والبِرُّ يُطيبُ العيشَ؛ حتَّى كأنَّه يُزاد في عمره بطيب
عيشه، وقلَّة تعذّر ذلك في الأحوال). قاله ابن حبان في (صحيحه))
(١٥٤/٣).
(٢) حارثة بن النعمان بن نفع بن زيد الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، شهد
بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، ومن
أبر الناس بأمِّه. انظر: ((أسد الغابة» (٦٥٥/١)، و((الإصابة في تمييز
الصحابة)) (١ /٧٠٧).
٥

وكانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ(١).
ورُوي هذا في ((شرح السُّنَّة)) أيضًا.
٨ - وروى الترمذي عن / عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَّ: ((رِضَى الرَّبِ في رِضَى الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِ في [٣٥/ب]
سَخَطِ الوالِدِ))(٢).
(١) رواه أحمد في («مسنده)) (٢٤٠٨٠، و٢٥١٨٢، و٢٥٣٣٧)، والنسائي في
(سننه الكبرى)) (٨١٧٦)، وأبو يعلى في («مسنده)) (٤٤٢٥)، وابن حبان
في ((صحيحه)) (٧٠١٤، و٧٠١٥)، والحاكم في ((مستدركه)) (٢٢٩/٣)
و(٤/ ١٦٧) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرّجاه)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٦٧)، والبغوي في ((شرح
السُّنَّة)) (٧/١٣)، وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٩١٣): (صحيح
على شرط الشيخين).
(٢) رواه الترمذي في ((سننه)) (١٨٩٩) ثم قال: (حدثنا محمد بن بشار قال:
حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن
عبد الله بن عمرو، نحوه، ولم یرفعه، وهذا أصحُّ. وهكذا روى أصحاب
شعبة عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو،
موقوفًا. ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن
الحارث ثقة، مأمون؛ سمعت محمد بن المثنى يقول: ما رأيت بالبصرة
مثل خالد بن الحارث، ولا بالكوفة مثل عبد الله بن إدريس. وفي الباب
عن عبد الله بن مسعود). ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٤٢٩)، والحاكم
في ((مستدركه)) (١٦٨/٤) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم،
ولم يخرّجاه). وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (١٨٩٩).
قال علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٨٩/٧): (وكذا حكم الوالدة، =
٥١

٩ - وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه
أن رجلاً أتاه، فقال: إنَّ لي امرأةً، وإنَّ أمِّ تأمُرُني بطلاقِها، فقالَ لهُ:
سمعتُ رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ((الوالِدَةُ أَوسطُ أبوابِ الجَنَّةِ، فإنْ شِئتَ
فحافِظُ على البَابِ، أو ضَبِّعْ))(١).
١٠ - وروى الترمذي، وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه
[١/٣٦] عن جده رضي الله عنه / قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قال:
(أُمَّكَ))، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: (أُمَّكَ))، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال:
= بل هي أولى)، وعلَّل ذلك المباركفوري في تحفة الأحوذي
(٢٢/٦) فقال: (لأنه تعالى أمر أن يطاع الأب ويكرم، فمن أطاعه،
فقد أطاع الله، ومن أغضبه، فقد أغضب الله، وهذا وعيد شديد يفيد أن
العقوق كبيرة).
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢١٧١٧، و٢١٧٢٦، و٢٧٥١١، و٢٧٥٢٨،
و٢٧٥٥٢)، والترمذي في ((سننه)) (١٩٠٠) وقال: (هذا حديث صحيح)،
وابن ماجه في ((سننه)) (٢٠٨٩، و٣٦٦٣)، وابن حبان في (صحيحه))
(٤٢٥)، والحاكم في ((مستدركه)) (٢١٥/٢، و١٦٨/٤) وقال: (هذا
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن
الترمذي)) (١٩٠٠).
(قال القاضي: أي: خير الأبواب وأعلاها، والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به
إلى دخول الجنة، ويتوصل به إلى وصول درجتها العالية، مطاوعة الوالد،
ومراعاة جانبه. وقال غيره: إن للجنة أبوابًا، وأحسنها دخولًا أوسطها، وأن
سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد اهـ. فالمراد بالوالد
الجنس، أو إذا كان حكم الوالد هذا، فحكم الوالدة أقوى، وبالاعتبار
أولى)، قاله علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٨٩/٧).
٥٢

[(أُمَّكَ))، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: ((ثُمَّ](١) أَبُوكَ(٢)، ثمَّ الأقرَبَ،
فالأقرَبَ))(٣).
١١ - وروى النسائي، والداراني(٤) عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يَدخلُ الجَنَّةَ مَنَّانٌ،
ولا عَاقٌّ، ولا مُدمِنُ خَمٍ))(٥).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والاستدراك من ((المسند))
وغيره.
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((أباك)).
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٠٠٢٨، و٢٠٠٤٨)، والبخاري في ((الأدب
المفرد» (٣)، والترمذي في ((سننه)) (١٨٩٧) وقال: (هذا حديث حسن)،
وأبو داود في ((سننه)) (٥١٣٩)، والحاكم في ((مستدركه)) (٧٤٤/٣،
و١٦٦/٤)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه)، وقال
الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (٥١٣٩): (حسن صحيح).
(٤) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((الدارمي)).
(٥) رواه أحمد في «مسنده)) (٦٨٨٢، و٦٨٩٢)، والنسائي في ((سننه))
(٥٦٧٢)، و(سننه الكبرى)) (٤٨٩٤ - ٤٨٩٨)، والدارمي في ((سننه))
(٢١٣٨، و٢١٣٩)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣٨٣، و٣٣٨٤)،
وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (٥٦٨٨).
قال علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)» (٣٠٩١/٧): (قال التوربشتي:
محمل هذا أنه لا يدخل مع الفائزين، أو لا يدخل حتَّى يُعاقب بما اجترحه
من الإثم بكل واحد من الأعمال الثلاثة اهـ. قلتُ: لا بد من تقييده
بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ أي: بشفاعة
أو بغيرها).
٥٣

١٢ - وروى أبو داود، وابن ماجه عن أبي أَسَيْد السَّاعدي
رضي الله عنه قال: بينا نحنُ عند رسول الله وَ لَ إذا(١) جاءه رجلٌ من
[٣٦/ب] بني سَلَمة، فقال: / يا رسول الله، هل بَقِيَ من بِرِّ أَبوَايَ شيءٌ أَبِرَّهُما
بهِ بعدَ موتِهما؟ قال: ((نَعَم، الصَّلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ
عهدهما من بعدهما، وصلةُ الرَّحم التي لا تُوصلُ إلَّا بهما، وإكرامُ
صديقهما))(٢)
قوله: ((الصَّلاةُ عليهما))، يُحتمل أن يُراد به الدعاء، أو صلاة
الجنازة(٣).
(١) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((إذ)).
(٢) رواه أحمد في «مسنده)) (١٦٠٥٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٥)،
وأبو داود في ((سننه)) (٥١٤٢)، وابن ماجه في ((سننه)) (٣٦٦٤)، وابن حبان
في ((صحيحه)) (٤١٨)، والحاكم في ((مستدركه)) (١٧١/٤) وقال:
(هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه)، وأشار المنذري إلى ثبوته في
(الترغيب والترهيب)) (٢٢٢/٣)، وحسَّنه ابن العربي في عارضة الأحوذي
(٤ / ٣٠٧)، والعراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٢١/١)، وأقرَّه الزبيدي في
(«إتحاف السادة المتقين)) (٣٣٣/٥)، وحسَّنه ابن حجر كما في ((الفتوحات
الربانية)) (١٠٦/٤)، وقال ابن باز في ((حاشيته على بلوغ المرام))
(ص٧٧٩): (له شواهد تدلُّ على صحّته)، وضعَّفه الألباني في ((السلسلة
الضعيفة)) (٥٩٧).
(٣) (أي الدُّعاء لهما بالرَّحمةِ، وإن لم يكن بلفظِ الصَّلاة، لكن الظَّاهر شُمول
ما كانَ بلفظِ الصَّلاة أيضًا، ويُحتملُ أنَّ المراد صلاة الجنازة). قاله
السندي في («كفاية الحاجة)) (٣٨٩/٢ - ٣٩٠).
٥٤

١٣ - وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبِيّ ◌َل
قال: ((بَينهما(١) ثلاثةُ نَفَرِ يَتَماشَونَ، أخذهمُ المطرُ، / فمالوا إلى غارٍ [٣٧/ ب]
في الجبلِ، فانحظّتْ على فَم غارهم صخرةٌ مِن الجبلِ، فأطبقَتْ
عليهم، فقالَ بعضهم لبعضٍ: انظُروا أعمالًا عملتُمُوها لله صالحةً،
فادعُوا الله بها، لعلَّهُ يَفْرُجُها.
فقالَ أحدُهُم: اللَّهم إنَّه كانَ لي والِدانِ شيخانٍ كبيرانٍ، ولي
صِبيةٌ صِغارٌ، كنتُ أرعى عليهم، فإذا رُحتُ عليهم، فحَلبتُ، بدأتُ
بوَالِدَيَّ، أَسقِيهما قبل وَلَدِي، وإنَّه قد نَاءَ بِي الشَّجرُ، فما أتيتُ
حتَّى أمسيتُ، [فَوجدتُهُما قَد نَامَا](٢)، فحَلبتُ كما أحلُبُ،
فجئتُ بالحِلافِ(٣)، فقُمتُ عند رؤوسهما، - وفي لفظ: ((على
رؤوسهما)) -، أكرهُ أن أوقظَهُمَا، وأكرهُ أن أبدأَ بالصِّبيةِ قبلهُما،
والصِّبيةُ يَتَضَاغَوْنَ عندَ قَدَمَيَّ، فلم يزل ذلكَ دأبي ودأبهُم حتَّى تطلعَ(٤)
الفجرُ، فإنْ كنتَ تعلمُ أَنِّي فعلتُ ذلكَ ابتغاءَ وجهكَ، فافرُجْ فُرجةً،
نرى منها السَّماءَ، فَفَرَجَ اللهُ لهم حتَّى يرونَ السَّماءَ)) الحديث (٥).
(١) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((بينما)).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والاستدراك من الصَّحيحين.
(٣) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((بالحلاب)).
(٤) هكذا ورد في الأصل، وفي الصَّحيحين: ((طلع)).
(٥) متفق عليه: رواه البخاري في ((صحيحه)) (٢٢١٥، و٢٢٧٢، و٢٣٣٣،
و ٣٤٦٥، و٥٩٧٤)، ومسلم في «صحيحه» (٢٧٤٣).
(فيه فضل برّ الوالدين، وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمل
المشقة لأجلهما، وقد استشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع =
٥٥

قوله: ((يَتَضَاغَوْنَ))(١)، أي: يتخالطون(٢).
١٤ - وروى أحمد، والنسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
[١/٣٨] عن معاوية بن جَاهِمَة رضي الله عنه / أنَّ جاهمةَ جاءَ إلى النَّبِيّ ◌َه
فقال: يا رسولَ اللهِ، أردتُ أَنْ أَغزُوَ، وقد جئتُ أستشيركَ، فقال:
((هَل لكَ مِن أُمَّ؟))، قالَ: نَعَم. قال: ((فَالْزَمْهَا، فإنَّ الجَنَّةَ عِندَ
رِجْلَيْهَا))(٣).
= طول ليلتهما مع قدرته على تسكين جوعهم، فقيل: كان في شرعهم
تقديم نفقة الأصل على غيرهم، وقيل: يحتمل أن بكاءهم ليس عن الجوع.
وقد تقدم ما يرده. وقيل: لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سد الرمق.
وهذا أولى)، قاله ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥١٠/٦).
(١) (أي: يصوتون باكين، وقيل: الضغاء، ممدود: صوت الاستجداء
والذلة. وقيل: هو الصياح والبكاء). قاله ابن حجر في ((فتح الباري))
(١٤٧/١).
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((يتباكون)).
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٥٥٣٨)، والنسائي في ((سننه)) (٣١٠٤)، وسننه
الكبرى (٤٢٩٧)، وابن ماجه في ((سننه)) (٢٧٨١)، والحاكم في
((مستدركه)) (١١٤/٢، و١٦٧/٤) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد،
ولم يخرّجاه)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٤٨، و٧٤٤٩،
و٧٤٥٠)، وقال الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (٣١٠٤): (حسن
صحیح).
(قال الطيبي: قوله: عند رجليها، كناية عن غاية الخضوع، ونهاية التذلل،
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]،
ولعله ◌َّ﴿ عرف من حاله وحال أمه، حيث ألزمه خدمتها، ولزومها أن
ذلك أولى به). قاله علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩٧/٧).
٥٦

١٥ - وروى الترمذي، وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: كانت تحتي مرأةٌ(١) أُحِبُّها، وكانَ عُمرُ يَكرَهُهَا، فقال لي:
طَلِّقْهَا، فأبيتُ، فأتى عُمرُ رسول اللهِ وَّهِ، فذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ لي
رسولُ اللهِ وَهِ: ((طَلِّمْهَا))(٢).
١٦ - وروى ابن ماجه عن أَبي أمامةَ رضي الله / عنه أن [٣٨/ب]
رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، مَا حقُّ الوالدَيْنِ على وَلَدِهما؟ قال:
(١) هكذا ورد في الأصل، والصواب: ((امرأة)).
(٢) رواه أحمد في («مسنده)) (٤٧١١، و٥٠١١، و٥١٤٤، و٦٤٧٠)، وأبو داود
في «سننه)) (٥١٣٨)، والترمذي في ((سننه)) (١١٨٩) وقال: (هذا حديث
حسن صحيح)، وابن ماجه في «سننه» (٢٠٨٨)، وابن حبان في (صحيحه))
(٤٢٦، و٤٢٧)، والحاكم في ((مستدركه)) (٢١٥/٢، و١٦٩/٤)، وقال:
(هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه)، وصحَّحه الألباني
في ((صحيح سنن أبي داود)) (٥١٣٨).
* وفي ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (٧١/٨ - ٧٢): (سأل رجل الإمام
أحمد فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي. قال: لا تطلقها.
قال: أليس عمر رضي الله عنه أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟
قال: حتَّى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه، يعني: لا تطلقها بأمره
حتَّى يصير مثل عمر في تحريه الحق والعدل، وعدم اتباع هواه في مثل
هذا الأمر.
واختار أبو بكر من الحنابلة أنه يجب؛ لأمر النَّبِيِّ ◌َّ لابن عمر.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته، قال:
لا يحل له أن يطلقها، بل عليه أن يبرها، وليس تطليق امرأته من
برها).
٥٧

((هُمَا جَنَّتُكَ ونَارُكَ)) (١).
يعني: في برورهما تستحق الجنة، وفي عقوقهما تستوجب النار.
١٧ - ورُوي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّه:
((إنَّ العبدَ لَيموثُ والدَاهُ، أو أحدهما، وإنَّه لهما العاقُّ(٢)، فلا يَزالُ
يَدعُو لهما، ويَستغفرُ لهما حتَّى يَكتبهُ اللهُ بارًّا))(٣).
(١) رواه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٦٦٢)، وأشار المنذري إلى ثبوته في
((الترغيب والترهيب)) (٢١٦/٣)، وضعَّفه البوصيري في ((مصباح الزجاجة))
(٩٩/٤)، وأقرَّه السندي في («كفاية الحاجة)) (٣٨٩/٢)، وضعَّفه الألباني
في ((ضعيف سنن ابن ماجه)) (٧٣٥)، وانظر: ((مطالع البدور)) (ص٤٩)
لأحمد الغماري.
وقوله: ((هما جنتك ونارك)): (أي: أسبابهما، والمعنى: أن حقهما:
رضاهما الموجب لدخول الجنة، وترك عقوقهما المقتضي لدخول النار،
ولا ينحصر في حق دون حق على ما يفهم من السؤال، فالجواب له
مطابقة مع المبالغة، قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، أي:
حقهما: البر والإحسان إليهما، وترك العقوق الموجبان لدخول الجنة
وعدًا، وترك الإحسان والعقوق الموجبان لدخول النار وعيدًا، فأوجز
كما ترى). قاله علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩٧/٧).
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((لعاقٌّ)).
(٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٥٢٤) وقال: (الأول - يعني الحديث
الذي رواه قبل هذا - مع إرساله أصحُّ)، وضعَّفه ابن عدي في ((الكامل))
(٧١/٩)، وابن طاهر المقدسي في ((ذخيرة الحفاظ)) (٥٦٣/١ - ٥٦٤)،
والعراقي في ((تخريج الإحياء)) (٤٩٠/٤)، وأقرَّه الزبيدي في «إتحاف
السادة المتقين)) (٢٧٢/١٤)، ولم يقف عليه التاج السبكي فذكره في =
٥٨

١٨ - ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((مَن / أصبَحَ مُطيعًا لله في والدَيْهِ، أصبحَ لهُ بابانِ
مفتُوحانِ مِن الجَنَّةِ، فإنْ كانَ واحدًا فواحدًا، ومَن أصبَحَ عاصيًا لله
في والدَيْهِ، أصبحَ لهُ بابانِ مفتُوحانٍ مِن النَّارِ، وإنْ كانَ واحدًا
فواحدًا))، قال رجلٌ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قال: ((وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ،
وإِنْ ظَلَماهُ))(١).
[١/٣٩]
= ((طبقات الشَّافعية الكبرى)) (٣٨٤/٦) ضمن الفصل الذي جمع فيه
أحاديث ((الإحياء)) التي لم يجد لها إسنادًا، وضعَّفه أحمد الغماري في
((مطالع البدور)) (ص٩٢ و١٢٨)، وقال الألباني في ((السلسلة الضعيفة))
(٣١٦/٢): (فالحديث لا يصحُّ بوجه من الوجوه).
(١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٥٣٨)، وقال العراقي في ((تخريج
الإحياء)» (٢١٦/٢): (لا يصحُّ)، وصرَّح ابن حجر العسقلاني في ((لسان
الميزان» (٣٨/٥ - ٣٩) بأن هذه الرِّواية من آفات عبد الله بن يحيى
السرخسي، وأقرَّهما الزبيدي في ((إتحاف السادة المتقين)) (٢٨٧/٧)،
وضعَّفه الصعدي في «النوافح العطرة)) (٢٠٣٩)، وقال الألباني في
((السلسلة الضعيفة)) (٦٢٧١): (موضوع).
قلتُ: وقد رُوي الحديث من طرق أخرى لا تسلم من ضعف، منها : طريق
رواه أبو يعلى بسند حسَّنه ابن حجر في ((المطالب العالية)) (٣٢٣/١١)، لكن
أعلَّه أبو زرعة الرازي بالانقطاع كما في ((العلل)) (٤٧٥/٥)، وهي العلة التي
أشار إليها البوصيري في («إتحاف الخيرة المهرة)) (٤٦٩/٥) بقوله: (رواته
ثقات)، وطريق آخر رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧) موقوفًا على
ابن عباس رضي الله عنهما، وضعَّفه الألباني في ((ضعيف الأدب المفرد)»
(١)؛ لجهالة سعيد القيسي أحد رواته.
=
٥٩

١٩ - ورُوي أيضًا عنه رضي الله عنه أن رسول الله وَ خلاله قال:
((مَا مِن وَلدٍ بَارٍّ، ينظُرُ إلى والدَيْهِ نظرةَ رحمةٍ إلَّا كتبَ اللهُ لهُ بكلٌ
[٣٩/ ب] نظرةٍ حَجَّةً مَبرُورةً))، / قالوا: وإنْ نَظَرَ كلَّ يوم مائةَ مرَّةٍ؟
قالَ: (([نَعَم](١)، اللهُ أكبرُ(٢) وأطيبُ))(٣).
= وسرد أحمد الغماري جملةً من طرقه في ((المداوي)) (١٦٩/٦ -
١٧١)، ثم قال: (فهذه الطرق كلها تبرِّئ عبد الله بن يحيى السرخسي
الذي جزم الحافظ بأنه آفته، وتبين أن الحديث له أصل أصيل،
وأنه غير موضوع، بل ثابت صحيح). وانظر: ((مطالع البدور))
(ص١١٨ - ١١٩).
(قال الطيبي: يراد بالظلم ما يتعلق بالأمور الدنيوية لا الأخروية).
نقله علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩٨/٧).
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والاستدراك من ((شعب
الإيمان)).
(٢) هكذا ورد في الأصل، والصَّواب: ((أكثر))، كما في ((شعب الإيمان)).
(٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٧٢)، وقال الذهبي في
((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٨/١٩): (هذا مُنكر)، وضعَّفه أحمد
الغماري في ((مطالع البدور)) (ص٦٦)، وصرَّح الألباني في
(السلسلة الضَّعيفة)) (٢٤٢/٦ - ٢٤٣) بأنه شديد النَّكارة مُسلسل
بالعِلل.
(قال الطيبي: وبالاستبعاد من أن يعطى الرجل بسبب النظرة حجة، وإن
نظر مائة مرة، يعني: الله أكبر مما في اعتقادك من أنه لا يكتب له تلك
الأعداد الكثيرة، ولا يثاب عليه ما هو أطيب). نقله علي القاري في
((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩٨/٧).
٦٠