النص المفهرس

صفحات 61-80

ومُقاتلٌ يخرج بنفسه وماله لتكون كلمة الله هي العُليا، وصابرٌ
يحتسب رضا الله ومحبَّته في صبره، ومُتَّقي يُوفِّى حقَّ تقواه، فيُجازى
كُلٌّ منهم ويُوفَّى له أجره؛ كما وفَّى مقام عُبوديَّته.
وتائبٌ يتوب من شيءٍ دُون شيءٍ، ومُقاتلٌ يطلب الجهاد مع
الغنيمة، وصابرٌ يَظْهَر عليه آثار الجزع، وكُلٌّ يُوقَّى له قسطه على
حسب عمله وتکملته؛ وليسوا سواء.
وهذه كُلُّها أعمالٌ أُمر العبد بها؛ ووُعد عليها بالمحبَّة بشرط
التَّوفية، فمن وفَّاها؛ استحقَّ ما وُعد عليها .
وصِفَة توفيتها ما تقدَّم؛ مِنْ بذل النّفس والعقل والرُّوح فيها
رضى الله(١) ومحبَّته له؛ وإيثاراً له ولأمره على نفسه وهواه وحُظوظه؛
وما يجب من أجل حبيبه، يُجازى بأفضل الجزاء وهي المحبَّة.
هذا أصلٌ غفل عنه أكثر النَّاس؛ وغالب السَّالكين، فإنَّهم
اشتغلوا بطلب نصيبهم منه، فغفلوا، فعكفوا على ذلك، وقصَّروا في
حُقوقه، ولم يعتنوا بها حقَّ الاعتناء والنَّصيحة له فيها، ولو عقلوا؛
لعلموا أنَّ ذلك حظُّهم منه، وهذا حقُّه عليهم .
والمُحبُّ البارُّ النَّاصح، يُؤثر حُقوق محبوبه على حظّه منه، فإن
فعل؛ صار هُو بعينه طريقه إلى نيل حظّه، فيجتمع له الأمران: قيامه
بحقِّ مولاه، ونيل النَّصیب منه.
(١) في النُّسخة الخطّيَّة: (الله).
٦١

الخامسة: أن يعتني بالاقتداء برسول الله وَّهُ في أمره كُلِّه
- مِمَّا تمكَّن منه -:
في أكله وشُربه، ونومه وتهجُّده، وسواكه وطهوره(١)؛
وإيثاره ولباسه؛ ومُعاشرته للأصحاب والأزواج؛ ولُطف طبعه في
موضعه؛ وشدَّته وقُوَّته وغلظته في موضعه، كما قال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾(٢). وقال: ﴿وَأَخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(٣).
فأهل الحديث ونقلته رضي الله عنهم، قد ضبطوا في كُتب
الحديث جميع ما نُقل إليهم من ذلك.
ويتحرَّى العبد نوادبه؛ مثل: غُسل الجُمعة، والصَّفِّ الأوَّل،
وميامنه، والقُرْب من الإمام، والأذكار المشروعة عقيب الصَّلوات،
وعند الحوادث، فقد يقوم العبد بالأوامر ويجتنب النَّواهي، وتهون
عليه هذه الأشياء، ويقول: إنَّ الأصل ذاك، وهذه جُزئيَّات لا يأثم
تاركها؛ ويفوت بتركها كُنوزٌ عظيمةٌ من كُنوز البِرِّ؛ ويتخلَّف عن
المُتابعة .
ومن كمَّل اتِّباعه في الدُّنيا، كان في الآخرة قريباً منه، تحت
منجفه(٤) ولوائه،؛ أنَّه كان مع سُنَّته واتِّباعه في الدُّنيا؛ فيُجازى بأن
(١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (وظهوره).
(٢) سُورة الثَّوبة: الآية ٧٣، سُورة التَّحريم: الآية ٩.
(٣) سورة الحجر: الآية ٨٨.
(٤) في النُّسخة الخطِّيَّة: (صنجفه)، والنَّجيف: السَّهم العريض النَّصل.
٦٢

يكون رفيقه حقيقة في الآخرة، ومن قام ببعضٍ وتخلَّف عن بعضٍ؛
نقص من كمال مُتابعته بقدر ما تخلّف عنه.
وأيضاً؛ فإنَّ للشَّريعة أسراراً لا يقف(١) عليها إلَّ المُكاشفون،
هي أدويةٌ لأسقام القُلوب.
والأذكار المشروعة لها خواصُّ كخواصِ التَّراييق(٢) للسُّموم؛
من سُرعة النُّفوذ والإجابة في جلب المنافع ودفع المضارِّ
والمفاسد، وقد ورد: ((إنَّ الدُّعاء والقضاء يعتلجان بين السَّماء
والأرض))(٣).
(١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (أسرار لا يقفون).
(٢) التِّرْيَاق: هُو ما يُستعمل لدفع السُّم من الأدوية، ويُقال بالدَّال (الدِّرْيَاق)
أيضاً .
(٣) من حديث عائشة رضي الله عنها، ولفظه: ((لا يُغني حذرٌ من قدر،
والدُّعاء ينفع ممَّا نزل؛ وممَّا لم ينزل، وإنَّ الدُّعاء والبلاء ليعتلجان
إلى يوم القيامة)) أخرجه الطَّبرانيُّ في ((الدُّعاء)) [باب ما جاء في فضل
لُزوم الدُّعاء والإلحاح فيه - الحديث رقم (٣٣) - ٨٠٠/٢]،
و((المُعجم الأوسط)) [الحديث رقم (٢٥١٩) - ٢٤٢/٣]، وقال:
(لم يرو هذا الحديث عن هشام إلَّا عظَافٌ، ولا عن عظَّافٍ إلَّا زكريا،
تفرَّد به الحَجَبيُّ)، والحاكم في ((مُستدركه)) [كتاب الدُّعاء والتَّكبير
والتَّهليل والتَّسبيح والذِّكر/ الحديث رقم (١٨١٣) - ٦٦٩/١]، وقال:
(هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وتعقَّبه الذَّهبي بقوله:
(زكريا مُجمعٌ على ضعفه).
٦٣

السَّادسة: أن يكون له نصيبٌ من الدُّعاء والتَّضرُّع:
- خصوصاً في الأسحار - في جميع نوائبه وشُؤونه ومطالبه،
من أمر دينه ودُنياه وآخرته، فمن فُتح عليه باب الدُّعاء؛ لم يُحرم
الإجابة .
وبالدُّعاء تتّسع(١) له الطّاقة(٢) التي بينه وبين الله، وينكشف له في
الإجابة صريح التَّوحيد، ويرى تجرُّد فعل الله تعالى في النَّوائب
والعوارض، فيقوى بذلك إيمانه، ويتمُّ يقينه، وتكمل عبادته، فإنَّ
العبد خُلق محتاجاً، صفته: الحاجة والفاقة والعجز والضَّعف
والنَّقص، كما أنَّ وصف خالقه: الغنى والقُدرة والقُوَّة والكمال.
فمن لازَمَ صفاته؛ وأدام إظهار الحوائج والاحتياج إلى مالكه؛
عرف المراد منه بهذه الصِّفات، وعبد ربَّه بما تقتضيه صفاته المُقدَّسة.
فإنَّ كُلَّ صفةٍ له سُبحانه تقتضي منّا له بها عُبوديّة خاصَّة، عرف ذلك
من عرفه؛ وجهله من جهله، وبالله المُستعان، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
السَّابعة: أن لا يُهمل حال الورع:
وهُو أقسامٌ:
* وَرَعٌ في المأكل:
وهُو أن لا يتناول الحرام؛ ولا ما ظهرت فيه الشَّبهة لغير فاقةٍ .
(١) في النُّسخة الخطّيَّة: (يَتَسع).
(٢) الطّاقة: هي أقصى غاية، وهو اسمٌ لمقدار ما يمكن أن يُفعل بمشقَّةٍ.
٦٤

* ووَرَعٌ في الكلام:
وهُو قسمان: حرامٌ، وفُضولٌ.
* ووَرَعُ في النَّظر:
فليكن مقصوراً على ما يُثاب عليه؛ وعلى مصلحةٍ دُنيويَّةٍ لا بُدَّ
منها، وهُو - أيضاً - قسمان: حرامٌ، وفُضولٌ. فالحرام: النَّظر إلى
الصُّور والمُحرَّمات، والفُضول: معلومٌ.
* ووَرَعٌ في الاستماع:
وهُو - أيضاً - حرامٌ، وفُضولٌ؛ فليقتصر فيه على قدر الحاجة.
ووَرَعٌ في المساعي:
فلتكن في عبادةٍ أو معيشةٍ؛ وتَطْرَح الثَّالث(١).
هذا في الظَّاهر.
وكذلك الوَرَع في الباطن :
فإِنَّه أيضاً قسمان: حرامٌ، وفُضولٌ.
* فالحرام: العقائد الفاسدة؛ وعزائم المعصية؛ والهمم الرَّدِيَّة،
مثل: البُغض لغير الله، والحقد والحسد والغلِّ والكبر واحتقار
المُسلم، ورُؤية النَّفس وعزَّتها، والرِّياء والعُجب، وذلك لا ينكشف
غالباً إلَّا لأهل البصائر والُّور، وأمَّا العامَّة: فقد يُحجب عنهم خَطَر
(١) أي: كُلَّ سعي في غير عبادةٍ أو معيشةٍ، كما قال عبد الله بن مسعودٍ
رضي الله عنه: (إنِّي أكره أن أرى الرَّجل فارغاً؛ لا في عمل دُنيا ولا آخرةٍ)
أخرجه الطَّبرانيُّ في ((معجمه الكبير)) [الحديث رقم (٨٤٦٠) - ٥٠٠/٧].
٦٥

ذلك، ورُبَّما ساعدوا نُفوسهم على نيل هذه المعاصي، وكانوا أجمع
نهارهم في تنفيذها .
فليعلم المُؤمن أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟ إِنَّ
الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَفْتَفُونَ﴾(١).
والعبد لا يتمُّ صفاؤه؛ ولا يكمل نُوره حتَّى يتظَّهر ظاهراً عن
المآئم الظّاهرة، ويتعلَّق بالله عند ورود الخطرات الباطنة.
ومن فُتح له باب التَّعلُّق بالله؛ صار لقلبه معلقاً يتعلَّق به عند النَّوائب،
وذلك هُو حقيقة التَّوكُّل، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا وَبَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهٍُ﴾(٢)؛ أي: كافيه.
والقلب بيت الرَّبِّ، فينبغي أن يُطهّر عن المآثم الباطنة والهمم
الدَّنيَّة؛ ليحلَّ بساحته الأنوار الإلهيّة، وتُحيط به الأملاك.
ومن وُفِّق لذلك: رُزق صحَّة الخاطر؛ وصدق الفراسة، وتَنَزُّل
الإلهام عند الحوادث والنَّوائب؛ إذا افتقر إلى الله تعالى، وجد في قلبه
إلهاماً يُشير إلى أمرٍ يفعله، وقد يلتبس الإلهام بالوسوسة؛ ولا يُفرِّق
بينهما إلَّا الصِّدِّيقون.
ومتى وجد من خواطر السُّوء شيئاً؛ فَلْيَفِرَّ منها إلى ربِّه تعالى،
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُواْ إِلَى اَللَّهِ﴾(٣).
(١) سُورة الأنعام: الآية ١٢٠.
(٢) سُورة الطَّلاق: الآيتان ٢ - ٣.
(٣) سُورة الذَّاريات: الآية ٥٠.
٦٦

وبذلك الفرار استقامة ظاهر العبد وخواطره وأخلاقه النَّاشئة
عنه، فإنَّ من فرَّ إلى الله تعالى: آواه الله تعالى، والله يتولَّى
الصَّالحين.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّدٍ وآله
وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين(١).
(١) كان الفراغ من تقييد التَّعليق؛ وتمام الختام من هذا التَّحقيق: في مكة مهوى
أفئدة المؤمنين؛ وبيت الله الحرام وبلده الأمين، في يوم السَّبت ٢٠ صفر
١٤٣٣ هـ؛ الموافق ١٤ يناير (كانون الثَّاني) ٢٠١٢م.
٦٧

لِقَاءُ العَشْرِ الأوَاخِرِ
بالمسْجِدِ الحَرَامِ
( ٢٢٥)
حَيَاةُ القُلوبُ وَخَرَةُ الأَنْفَاسِ
فِي سُالواولا زَ كِتَابِالأكيل
تَأليفُ
الإِمَامِ الزَّاهِدِ النَّاسِكِ، وَالعَالِمِ اَلْعَابِدِ السَّالِكِ
عماد الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم الحربيضي
المعروف بابن شيخ الزَّارِّين
( ٦٥٧ - ٧١١ هـ)
تحقيق وتعليق
الدكتور وليد بن محمّد بن عبدالله العليّ

وبه الإعانة
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾(١).
الحمد لله كما يستحقُّه حمده.
وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له شهادة عبده
وابن عبده.
وأشهد أنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله وَّهِ الذي ذبَّ عن دين الله بجِدِه
وحَدِّه؛ صلَّى الله عليه وعلى آله والتَّابعين لهم من بعده.
طريقٌ مُختصرٌ إلى الله تعالى لمن كَاسَ(٢) وعَقَلَ وفَهِمَ المُراد
وعمل؛ إذا أعان الله وخلق في العبد استعداداً؛ اختصر له الطّريق،
وقرِّب له ما بَعُد بأسباب التَّوفيق.
(١) سورة إبراهيم: الآية ٢٧.
(٢) أي: فَطِنَ.
٧١

وعلامة هذا العبد المُوفَّق: أن يحكم على نفسه؛ ويقودها
بعِنَانِها، وما ذاك إلَّا لما خُلق فيها من اللَّطافة ولين العريكة،
فلا يستعصي عليه أمرٌ فيه صلاحها؛ خصوصاً إذا استبان لها رُشدها،
وهذا أيضاً من أدلِّ الدَّلالات على فضلها وكمال استعدادها، وهُو قُوَّة
البصر بلا كُلفة.
متى أُشير إليها بنهج سبيل الصَّواب؛ رأته بلا تقليدٍ؛ فانطوت في
مطاويه، ولانت راغبة فيه، بخلاف النُّفوس الأمّارة والمُستعصية
الباردة اليابسة.
ولا ترى الأشياء على حقائقها إلَّا بجُهدٍ جهيدٍ؛ في عُمر طويلٍ
مديدٍ، ورُبَّما رأته وبحقيقته؛ وتوارى عنها؛ وثُمَّ يُحدق فيه بصرها
ولا يثبت على رُؤيته، ثُمَّ يعود فيتعامى عنه لغلبة الطَّبع اليابس والنَّفس
الأمّارة.
وإذا تهيَّأْ لها رُؤية الحقِّ مثلاً؛ واستقرَّت على رُؤيته؛ لا ينجذب
الطّبع إلى الإذعان لسياسته؛ بل تتلكًا (١) وتستعصي وتجمح إلى
التَّسويف وشُبَه التَّأويل.
والنُّفوس الفاضلة المُستعدّة إذا رأت الحقائق رأتها على حقائقها
في أسرع زمانٍ، وانقادت لذلك طباعها في أقرب حينٍ وأوانٍ، وأنَّ
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾(٢).
(١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (تلَّى).
(٢) سُورة الحديد: الآية ٢١، سُورة الجُمعة: الآية ٤.
٧٢

وهذا طريقٌ قريبٌ لمن استعدَّ وزكى إلى الوصول إلى الله تعالى
بلا كُلفةٍ ولا عناءٍ إن شاء الله تعالى، يعلم الذّكيُّ الفاضل أنَّ الله
تعالى بعث الرُّسل ﴿مُّبَشِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِّ﴾(١).
دلَّ على ذلك شريعتنا؛ وكتابنا؛ والأثارة من العلم التي هي
بأيدي أهل الكتاب - وإن كانوا قد بدَّلوا بعض أحكامها - ؛ والعقل
الصَّحيح، يشهد أنَّ دين الأنبياء هُو الحقُّ؛ لا حقَّ غيره، وإلى ذلك
تطمئنُ قُلوب النُّبلاء؛ وتنشرح(٢) له لا إلى غيره، فإنَّ القُلوب تعلم بأنَّه
حقٌّ مُتَّصلٌ بالله.
وغَيْرُ دين الأنبياء: هُو نتائج عُقولٍ ناقصةٍ وأفكارٍ متعوبةٍ؛ في
أُمورٍ وهميَّةٍ غير مُلائمةٍ، تُصيب في شيءٍ واحدٍ؛ وتُخطئ أشياء كثيرة.
فمنهم من عبد الأصنام واتَّخذها آلهة من دُون الله، وفيهم من
عبد النَّار - وُهم المجوس - لِمَا رَأَوْا من تأثيرها في الأجسام
وإشراقها وقُوَّة نُورها، وفيهم من عبد الشَّمس لما رأى فيها من صلاح
العالم من الحيوانات والنَّبات والنُّور الفائض في الكون، ومنهم من
عبد الكواكب، يعبد أحدهم الكوكب حتَّى يغيب، فإذا غاب اتّخذ
صنماً على شكله، وقد توهّم أنَّ له شكلاً؛ فنحت الصَّنم على شكله،
فلا يزال يعبده حتَّى يطلع الإله الذي كان الصَّنم خليفة وعوضاً عنه.
(١) سُورة النِّساء: الآية ١٦٥.
(٢) في النُّسخة الخطِّيَّة: (وينشرح).
٧٣

ثُمَّ هؤلاء يدَّعون العُقول الكاملة؛ وقد تفتّنوا في فُنون العلم من
الفلسفة والعلوم الرِّياضيَّة العقليّة؛ وهذا غاية ما أنتجته عُقولهم في
تألُّههم المخلوقات!
فقد علمت أنَّ الثَّألّه والشَّرائع أمرٌ لا يُوجد إلَّا بالسَّمع من
الأنبياء؛ إذ ليس في قُوَّة العُقول الاهتداء إلى الله، وإلى شرائع الله،
وإنَّما يُعبد الله ويُدان بما أنزل الله؛ وبما عرَّف عباده أن يعبدوه به، ثُمَّ
أيَّد السُّفراء - وهُم الوسائط - بالمُعجزات الباهرة.
فالقُلوب الصَّحيحة تشهد أنَّ ما جاءت به الأنبياء ليس من نتائج
العُقول الفكريَّة التي سبق ذكرها؛ لأنَّ(١) العجز والقُصور ظاهرٌ فيها،
والأنبياء عن محض الحقِّ بَيِّنٌ فيها، ولأجل ذلك تراهم مُختلفين، كُلُّ
صاحب عقلٍ منهم قد حسَّن له عقله وجهة يعبدها .
والأنبياء مُتَّفقون على أُصولهم التي جاءت من عند الله؛ وإن
اختلفت شرائعهم وتفاصيلهم، وكُلٌّ منهم يُصدِّق صاحبه ممَّن كان
قبله، ويُبِّر(٢) به إن كان بعده.
فالعُقول تشهد بأنَّ ذلك من عند الله تعالى، لا من نتائج العُقول،
ولا يظهر للأنبياء في ذلك اختيارٌ وتدبيرٌ أصلاً، بل يراهم العاقل
مُكلَّفين غير مُختارين ولا مُتأمِّلين لما تُنتجه أفكارهم في شرائعهم
وأديانهم، يقولون الحقَّ على أنفسهم ولهم، وكفى بذلك بُرهاناً
(١) في النُّسخة الخطّيَّة: (لئن).
(٢) في النُّسخة الخطِّيَّة: (وينشر).
٧٤

واضحاً على صدقهم؛ ولو لم يظهر لهم مع ذلك مُعجزة؛ فإنَّ الحقَّ
إذا تبرهن للعُقول الفاضلة خرَّت مُنقادة له، ولو لم يظهر لها في
المحسوس من خوارق العادات ما يُصدِّق شاهد هؤلاء، یری - ما ذُكِرَ
بهذه(١) القاعدة - الأَنْفُس فاضلة مُستعدَّة، ترى ذلك حقيقة ولا يُرى،
يتوارى عنها حُكمه في حينٍ من الأحيان.
فصلٌ
إذا عُلم ذلك؛ فليُعلم أنَّ نبيّنا مُحمَّداً وَ ﴿ بعثه الله تعالى على فترةٍ
من الرُّسل، شهدت الفطرة الصَّحيحة بصدق نُبِوَّته، وذلك لأُمورٍ غير
المُعجزات الخارقة للعوائد؛ التي تواتر النَّقل بها عن غير واحدٍ (٢):
الأوَّل: أنَّ رسالته وَ لَه جاءت مُصلحة لما أفسد أهل الحجاز من
دین إبراهیم.
وكانوا يستعملون أشياء منها، مثل الحجِّ والطّواف، وتحريم
الشَّهر الحرام، والهَدْي، والقلائد، وبدَّلوا منها أكثرها، اتَّخذوا مع الله
أنداداً مثل: هُبل، وأَسَاف، ونَائِلَةٍ(٣).
(١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (هذه).
(٢) نصَّ المُؤلِّف رحمه الله تعالى على الأمر الأوَّل فقط من الأُمور التي
شهدت بصدق نُبُوَّة نبيِّنا مُحمَّدٍ وَّةٍ؛ وأغفل ذكر بقيّة الأُمور.
(٣) قال ابن حجر العسقلانيُّ في ((فتح الباري بشرح صحيح البُخاريِ))
(٥٤٩/٦): (وذكر ابن إسحاق: أنَّ سبب عبادة عمرو بن لُحَيِّ الأصنام:
أنَّه خرج إلى الشَّام - وبها يومئذٍ العماليق - ؛ وهُم يعبدون الأصنام، =
٧٥

واتَّخذوا مع الكعبة طواغيت، مثل: الّلات، والعُزَّى، ومناة
الثَّالثة الأُخرى؛ والكعبة اليمانيَّة وهُو البيت الذي كان لخَثْعَم؛ الذي
بعث رسول الله ◌َّ جرير بن عبد الله البجليَّ فهدمه مع خَيْلٍ(١)
أَحْمَس(٢).
وكان أهل الحجاز من المُشركين لا يعتقدون بعثاً ولا نُشوراً،
= فاستوهبهم واحداً منها، وجاء به إلى مَّة، فنصبه إلى الكعبة، وهُو
هُبَل، وكان قبل ذلك في زمن جُرْهُم قد فَجَر رجلٌ يُقال له أَسَافٌ بامرأةٍ
يُقال لها نائلةٌ في الكعبة، فمسخهمًا الله جلَّ وعلا حجریْن، فأخذهما
عمرو بن لُحَيِّ فنصبهما حول الكعبة، فصار من يطوف يتمسَّح بهما، يبدأ
بأَسَافٍ، ويختم بنائلةٍ).
(١) في النُّسخة الخطَّّة: (جبل).
(٢) أخرجه البُخاريُّ في ((صحيحه)) [كتاب الجهاد والسِّيَر/ باب حَرْقِ الدُّور
والنَّخيل - الحديث رقم (٣٠٢٠) - ٩٢٨/٢]، ومُسلمٌ في ((صحيحه))
[كتاب فضائل الصّحابة/ باب من فضائل جرير بن عبد الله رضي الله تعالى
عنه - الحديث رقم (٢٤٧٦) - ٤ /١٩٢٦] من حديث جرير بن عبد الله
البجليِّ رضي الله عنه، ولفظ مُسلم: ((قال لي رسول الله وَله: يا جرير؛
ألا تُريحني من ذي الخَلَصَة - بيتٍ لِخُثْعَم كان يُدعى كعبة اليمانيَّة -؟ قال:
فنفرت في خمسين ومائة فارسٍ، وكُنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك
لرسول الله وَ﴾، فضرب يده في صدري فقال: اللَّهُمَّ ثبّته، واجعله هادياً
مهديًّا. قال: فانطلق فحرَّقها بالنَّار، ثُمَّ بعث جريرٌ إلى رسول الله وَهُ
رجلاً يُبشِّرِه - يُكنى أبا أَرْطَاة - منَّا، فأتى رسولَ الله وَ ◌ّه فقال له: ما جئتك
حتَّى تركناها كأنَّها جملٌ أجرب. فبرَّك رسول اللهِوَِّ على خيلِ أَحْمَس
ورجالها: خمس مرَّات)).
٧٦

يُهُّون لمَنَاة الطَّاغية، ويُقرِّبون القرابين للأصنام، ويُسيِّبون
السَّائبة، ويُحرِّمون الوصيلة والحام، ويقولون: الملائكة بنات الله؛
ويتأذَّون هُم من البنات ويقتلونهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾(١).
وغير ذلك من العقائد والأعمال النَّاقصة، ويظلمون
في الثَّر، يقتلون واحداً من القبيلة التي كان القاتل منها، هذا كان
شأنهم .
وأمَّا اليهود: فبدَّلوا دين مُوسىٍوَلَّ، وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ أَبْنُ
اللَّهِ﴾(٢). وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾(٣). وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ
مَغْلُوَةٌ﴾ (٤). وتركوا حُكم الثَّوراة(٥) من الرَّجم، وعدلوا عنه إلى
التَّجبية(٦) والتَّحميم(٧)، وجعلوا الدِّية لأشرافهم دية مُغلَّظة؛ وت، اونوا
بضُعفائهم، وكذَّبوا عيسى، ورموا أُمَّه بالقذف، وكفروا بالإنجيل،
وأنكروا النَّسخ وغير ذلك من التَّغيير والتَّديل.
(١) سُورة التَّكوير: الآيتان ٨ - ٩.
(٢) سُورة التَّوبة: الآية ٣٠.
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٨١.
(٤) سُورة المائدة: الآية ٦٤.
(٥) في النُّسخة الخطّيَّة: (الثَّورية).
(٦) في النُّسخة الخطّيَّة: (التَّحنية).
(٧) الثَّجبية: أن يُحمل الزَّانيان على حمارٍ وتُقابل أقفيتهما ويُطاف بهما،
والتَّحميم: أن تُسوَّد وجوههما .
٧٧

وأمَّا النَّصارى: فغيَّروا دين عيسى، وأحلَّوا ما حرَّمت التَّوراة(١) من
الخمر(٢)، وصلُّوا إلى الشَّرق بعد بيت المقدس، ورموا الزَّبائل على
الصَّخرة بُغضاً لليهود، ومُخالفة لهم في جميع أمورهم، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ
ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾(٣). وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمْ﴾(٤). وعظّلوا
بيت المقدس، وزادوا فيما فُرض عليهم من الصِّيام، ونقلوه عن وقته
المشروع، وجعلوه في أيَّام الرَّبيع، وأحلوا أشياء حُرِّمت عليهم فضلَّوا.
وكان النَّاس قبل مبعثه وََّ: إمَّا يهودٌ مغضوبٌ عليهم لِمَا بدَّلوا
من دين الله، وإمَّا نصارى ضالِّين عن نهج الصَّواب - وهُم أهل الشَّام
والرُّوم والحبشة ومصر -، وإمَّا مجوسٌ عُبَّاد الأصنام والأوثان - وهُم
أهل الحجاز والتُّرك وأهل الهند من الشَّمسيَّة -، وإمَّا فلاسفةٌ صابئون
- وهُم أهل النُّجوم وعِلْم ما بعد الطّيعة؛ أهل العُلوم الرِّياضيَّة -.
وكان أهل الأرض ضُلَّالاً(٥) جميعهم؛ وكان طُلاب الهُدى
حائرين(٦)، يطوفون الآفاق على الهُدى فلا يجدونه(٧)، مثل: زيد بن
(١) في النُّسخة الخطّيَّة: (الثَّورية).
(٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (الحير).
(٣) سورة المائدة: الآية ٧٣.
(٤) سُورة المائدة: الآيتان ١٧؛ ٧٢.
(٥) في النُّسخة الخطِّيَّة: (ضُلال).
(٦) في النُّسخة الخطِّيَّة: (حائرون).
(٧) في حاشية النُّسخة الخِطِّيَّة: (مطلبٌ: في بعض من كان مُوحِّداً في
الجاهليّة).
٧٨

عمرو بن نُفيلٍ؛ وورقة بن نوفلٍ؛ وسلمان الفارسيِّ.
أمَّا ورقة: فتنصَّر واتَّبع الكُتب؛ غير أنَّه كان مُوحِّداً، وآمن
برسول الله مَلّ، وصدَّق به.
وأمَّا زيدٌ: فوقف؛ فلم يدخل في يهوديَّةٍ ولا نصرانيَّةٍ؛ بل كان
يُوحِّد الله ويعبد الله على دين إبراهيم، لا يأكل ما ذُبح على الصَّنم، وكان
يسجد على راحته يعبد الله بذلك، وقال ◌َله: ((إنَّه يُبعث أُمَّة وحده))(١).
وكان يقول: (الشَّاة يخلقها الله؛ ويُنبت لها الكلأ: فتُذبح لغيره!
(١) أخرجه أحمد في «مُسنده)) [الحديث رقم (١٦٤٨) - ١٨٧/٣] من حديث
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، ولفظه: ((كان رسول الله وليه
بمكّة هُو وزيد بن حارثة؛ فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نُفيلٍ، فدعواه إلى
سُفرة لهما، فقال: يا ابن أخي؛ إنِّي لا آكل ممَّا ذُبح على النُّصب.
قال: فما رُؤي النَّبِيُّ وَّهَ بعد ذلك أكل شيئاً ممَّا ذُبح على النُّصب.
قال: قُلت: يا رسول الله؛ إنَّ أبي كان كما قد رأيت وبلغك، ولو أدركك
لآمن بك واتَّبعك، فاسْتَغْفِرْ له. قال: نعم، فَأَسْتَغْفِرُ له، فإنَّه يُبعث يوم
القيامة أُمَّة وحده)).
وأخرجه البُخاريُّ في ((صحيحه)) [كتاب الذَّبائح والصَّيد/ باب ما ذُبح
على التُّصب والأصنام - الحديث رقم (٥٤٩٩) - ١٧٧٠/٤] من
حديث عبد الله بن عُمر بن الخطّاب رضي الله عنهما، ولفظه:
(عن رسول الله وَل﴿ أَنَّه لقي زيد بن عمر بن نُفيل بأسفل بَلْدَح - أي:
وادٍ بأسفل مكّة في طريق التَّنعيم -، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله والمه
الوحي، فقُدِّم إلى رسول الله وَّ سُفرة لحم، فأبى أن يأكل منها،
ثُمَّ قال: إنِّي لا آكل ممَّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلَّا ممَّا ذُكر
اسم الله علیه).
٧٩

أو على غير اسمه!). أو نحواً ممَّا قال(١).
كان يُنكر ذلك بفطرته السَّليمة التي فطر الله الخلق عليها من
توحيد الله تعالى.
وأمَّا سلمان الفارسيُّ: فوجد قوماً من الرَّهَّابين الذين كانوا على دين
عيسى ولم يُغيِّروا، حتَّى كان عند آخرهم، فقال لهم: إنَّه قد آن أوان نبيٍّ
يُبعث بالحجاز. فقصد سلمان الحجاز، حتَّى اجتمع برسول الله وَاجِ﴾(٢).
فانظر أيُّها العاقل: كيف بَعَث مُحمَّداً مَّ رحمة لأهل الأرض
قاطبة؟ فبيَّن لأهل الحجاز ما أخطؤوا فيه من انِّخاذ الأصنام والأوثان
آلهة من دُون الله، وأقرَّهم على ما كانوا عليه من الحقِّ، مثل: مكارم
الأخلاق، وتعظيم المشاعر والهَدْي والقلائد وغيرها، ليقوم أمرهم
على الحُجَّة الصَّحيحة؛ من الزَّيغ والانحراف الذي كانوا فيه.
فانظر كيف بيَّن لليهود ضلالتهم، وعرَّفهم ما انحرفوا فيه، وردّ
عليهم اتّخاذ العُزَيْر ولد الله؛ وكيف هداهم(٣) إلى تقويم الاعوجاج
الذي انحرفوا فيه.
(١) انظر: ((الرَّوض الأُنُف في شرح غريب السِّير)) للسُّهيليّ (٣٨٢/١).
(٢) قصَّة سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه الطّويلة: أخرجها أحمد في ((مُسنده))
[الحديث رقم (٢٣٧٣٧)، ١٤٠/٣٩ - ١٤٧] من حديث عبد الله بن
عبَّاس رضي الله عنهما قال: (حدَّثني سلمان الفارسيُّ حديثه من فِيهِ)،
وفيها: (فقصصت عليه حديثي كما حدَّثتك يا ابن عبَّاسٍ، قال: فأعجب
رسول الله وَ﴿ أن يسمع ذلك أصحابُه).
(٣) في النُّسخة الخِطَِّّة: (هديهم).
٨٠