النص المفهرس
صفحات 41-60
كتاب تلقيح الأسرار بلوامع الأنوار للعلماء الأبرار نفع الله به من تأمَّله من عباده بفضله وامتنانه الحمد لله الذي نوَّر بصائر المؤمنين بضياء الإيمان، وألهب أسرار الموقنين بشهاب الإيقان، وأطلع على أرواح العارفين شمس العرفان، وجذب قُلوب المُحبِّين إلى أوطان القُرْب عن كُلِّ محبوبٍ من الأكوان، واصطنعهم لنفسه فعاشوا في قُرْبه في أرغد عيشٍ وأقدس مكان، وأقامهم في عُبوديَّته بين خلقه وبريَّته يعمرون ما خَرِبَ من القُلوب والأديان، أولئك خلفاؤه على عباده وورثة أنبيائه فبهم تقوم الأرض ويستنير الزَّمان. وأشهد أن لا إله إلَّ الله وحده لا شريك له الرَّبُّ العظيم المَلِك الدَّيَّان. وأشهد أنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله سيِّد ولد آدم ونُخبة بني عدنان. صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم العرض على الرَّحمن. وبعد : فإنَّه ورد في الحديث الصَّحيح عن رسول الله وََّ أنَّه قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم: كمَثَل الغيث الكثير أصاب أرضاً، وكانت طائفةٌ منها طيِّبةٌ قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعُشب ٤١ الكثير، وكانت منها طائفةٌ أجاذبُ أمسكت الماء؛ فنفع الله بها النَّاس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أُخرى إنَّما هي قيعانٌ؛ لا تُمسك ماء ولا تُنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به))(١). وقال ◌َّ: ((من دلَّ على خيرٍ: فله مِثْل أجر فاعله))(٢). (١) أخرجه البُخاريُّ في ((صحيحه)) [كتاب العلم/ باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم - الحديث رقم (٧٩) - ٥٣/١]، ومُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب الفضائل/ باب بيان مَثَل ما بُعث به النَّبِيُّ وََّ من الهُدى والعلم - الحديث رقم (٢٢٨٢) - ١٧٨٧/٤ - ١٧٨٨] عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، ولفظ مُسلمٍ: ((إنَّ مثل ما بعثني الله به عزَّ وجلَّ من الهُدى والعلم؛ كمَثَل غيثٍ أصابٌ أرضاً، فكانت منها طائفةٌ طيِّةٌ قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكت الماء؛ فنفع الله بها النَّاس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أُخرى إنَّما هي قيعانٌ؛ لا تُمسك ماء ولا تُنبت كلا، فذلك مَثَل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعَلِم وعلَّم، ومَثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به)). (٢) أخرجه مُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب الإمارة/ باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوبٍ وغيره وخلافته في أهله بخيرٍ - الحديث رقم (١٨٩٣) - ١٥٠٦/٣] عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه، ولفظه: ((جاء رجلٌ إِلى النَّبِيِّ وَِّ فقال: إنِّي أُبْدِعَ بي - أي: انْقُطِع بي لكَلال راحِلَتي - ؛ فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجلٌ: يا رسول الله؛ أنا أدلُّه على من يحمله. فقال رسول الله وَلجر: من دلَّ على خيرٍ: فله مثل أجر فاعله)). ٤٢ وقال وَّه: ((من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام ستّة سيِّئة؛ كان عليه وزرها ووزر من عمل بها؛ من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ))(١). وفي الحسان عن رسول الله وَل قال: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سلك الله به طريقاً من طُرق الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضع (١) أخرجه مُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب الزَّكاة/ باب الحثِّ على الصَّدقة ولو بشقِّ تمرةٍ أو كلمةٍ طيِّبةٍ وأنَّها حجابٌ من النَّار - الحديث رقم (١٠١٧) - ٧٠٤/٢ - ٧٠٥] عن جرير بن عبد الله البجليِّ رضي الله عنه، ولفظه: ((كُنَّا عند رسول اللهِوَّ في صدر النَّهار، قال: فجاءه قومٌ حُفاةٌ عُراةٌ؛ مُجتابي النِّمار - أي: الأكسية التي فيها خُطوطٌ بيضٌ وسُودٌ - أو العباء مُتقلِّدي السُّيوف، عامَّتهم من مُضَرٍ؛ بل كُلُّهم من مُضَرٍ، فتمعَّر وجه رسول الله وَ* لِمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام؛ فصلَّى ثُمَّ خطب فقال: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَّكُ مِّنِ نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سُورة النِّساء: الآية ١]، والآية التي في الحشر: ﴿ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَنَّقُواْ اللّهَّ﴾ [سُورة الحشر: الآية ١٨]، تصدَّق رجلٌ من ديناره؛ من درهمه؛ من ثوبه؛ من صاع بُرِّه؛ من صاع تمره، حتَّى قال: ولو بشقِّ تمرةٍ. فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ - كادت كفُّه تعجز عنها؛ بل قد عجزت -، قال: ثُمَّ تتابع النَّاس؛ حتَّى رأيت كَوْمَيْن من طعامٍ وثيابٍ، حتَّى رأيت وجه رسول الله وَليل يتهلَّل؛ كأنَّه مُذْهَبَةٍ، فقال رسول الله وَّهِ: من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة: فله أجرها وأجر من عمل بها بعده؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيِّئة: كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده؛ من غير أن ينقص من أوزارهم شيٌ)). ٤٣ أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السَّماوات ومن في الأرض؛ والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً؛ وإنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٌ وافٍ))(١). وعنه ◌َِّ أَنَّه قال: ((خصلتان لا تجتمعان(٢) في مُنافقٍ: حُسْنُ (١) أخرجه أحمد في ((مُسنده)) [الحديث رقم (٢١٧٦٣) - ١٩٦/٥]، وأبو داود في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب الحثِّ على طلب العلم - الحديث رقم (٣٦٤١) - ص٥٥١]، والتِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة - الحديث رقم (٢٦٨٢) - ص٦٠٤]، وابن ماجه في ((سُنته)) [أبواب السُّنَّة/ باب فضل العُلماء والحثِّ على طلب العلم - الحديث رقم (٢٢٣) - ص٥٦] عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه، ولفظ أبي داود: ((عن كثير بن قيسٍ قال: كُنتُ جالساً مع أبي الدَّرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا الدَّرداء؛ إنِّي جئتك من مدينة الرَّسُولِمَ ﴿ لحديثٍ بلغني أنَّك تُحدِّثه عن رسول الله وَلِّ؛ ما جئت لحاجةٍ. قال: فإِنِّي سمعت رسول الله وَّه يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله عزَّ وجلَّ به طريقاً من طُرق الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإنَّ العالم ليستغفر له من في السَّماوات ومن في الأرض؛ والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً؛ ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (يجتمعان). ٤٤ سَمْتٍ؛ ولا فِقْهٌ في الدِّين))(١). وعنه بَلّ قال: ((من يخرج في طلب العلم: فهُو في سبيل الله حتَّى يرجع))(٢). وعنه وَّةٍ قال: ((لن يشبع المُؤمن من خيرٍ يسمعه؛ حتَّى يكون مُنتهاه الجنَّة))(٣). وعنه وَّه قال: ((من طلب العلم ليُجاري(٤) به العُلماء، أو ليُماري به السُّفهاء، أو ليصرف به وُجوه النَّاس؛ أدخله الله النَّار))(٥). (١) أخرجه التّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة - الحديث رقم (٢٦٨٤) - ص ٦٠٥] عن أبي هُريرة رضي الله عنه. (٢) أخرجه التِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب فضل طلب العلم - الحديث رقم (٢٦٤٧) - ص٥٩٧] عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، ولفظه: ((من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتَّى يرجع)). قال أبو عيسى: (هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، ورواه بعضهم فلم يرفعه). وفي إسناده: خالد بن يزيد، قال العُقَيْلِيُّ في ((الضُّعفاء الكبير)) (٢/ ١٧): (لا يُتابع على كثيرٍ من حديثه)، ثُمَّ أورد له هذا الحديث. (٣) أخرجه التِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب فضل الفقه على العبادة - الحديث رقم (٢٦٨٦) - ص ٦٠٥] عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، وفي إسناده: درَّاج أبو السَّمح، قال العُقَيْلِيُّ في ((الضُّعفاء الكبير)) (٤٣/٢): (حدَّثنا عبد الله بن أحمد؛ قال: سمعت أبي يقول: درَّاج أبو السَّمح أحاديثه مناکیر). (٤) في النُّسخة الخِّيَّة: (ليحازي). (٥) أخرجه التِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدُّنيا - الحديث رقم (٢٦٥٤) - ص٥٩٨] عن كعب بن مالكٍ = ٤٥ وعنه ربَّه قال: ((من تعلَّم علماً ممَّا يُبتغى به وجه الله؛ لا يتعلَّمه إلَّا لِيُصيب به عَرَضاً من الدُّنيا: لم يجد عَرْف الجنَّة يوم القيامة))(١). يعني: ريحها(٢). وقال ◌َ له: «نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدَّاها، فرُبَّ حاملٍ فقهٍ غير فقيهٍ، ورُبَّ حاملٍ فقهٍ إلى من هُو أفقه منه)»(٣) . = رضي الله عنه، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة/ باب الانتفاع بالعلم والعمل به - الحدیث رقم (٢٥٣؛ ٩٢٥٤ ٢٥٩؛ ٢٦٠) - ص٦٢ - ٦٣] عن عبد الله بن عُمر بن الخطّاب؛ وجابر بن عبد الله؛ وحُذيفة بن اليمان؛ وأبي هريرة رضي الله عنهُم، ولفظ التِّرمذيِّ: ((سمعت رسول الله وَّل يقول: من طلب العلم ليُجاري به العُلماء؛ أو ليُماري به السُّفهاء؛ أو يصرف به وُجوه النَّاس إليه: أدخله الله النَّار)). (١) أخرجه أحمد في «مُسنده)) [الحديث رقم (٨٤٥٧) - ١٦٩/١٤]، وأبو داود في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب في طلب العلم لغير الله تعالى - الحديث رقم (٣٦٦٤) - ص٥٥٤]، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة/ باب الانتفاع بالعلم والعمل به - الحديث رقم (٢٥٢) - ص٦١]، عن أبي هُريرة رضي الله عنه. (٢) قاله سُريج بن النُّعمان في حديثه. (٣) أخرجه أحمد في ((مُسنده)) [الحديث رقم (٢١٥٩٠) - ٤٦٧/٣٥]، وأبو داود في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب فضل نشر العلم - الحديث رقم (٣٦٦٠) - ص٥٥٤]، والتِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السَّماع - الحديث رقم (٢٦٥٦) - ص٥٩٨]، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة/ باب من بلَّغ علماً - الحديث = ٤٦ فصلٌ إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه باعثاً يطلب القُرْب منه، وهمَّة تتعلَّق بمحبَّة مُشاهدته ﴿فِي جَنَّتٍ وَنَهَرِ (03) فِ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ﴾(١)، فيتجافى عن دار الغُرور؛ ويميل إلى دار الخُلود، ويستعدُّ للموت قبل نُزوله. فذلك علامة من ﴿شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾(٢). = رقم (٢٣٠) - ص٥٨]، عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، ولفظ ابن ماجه: ((نضَّر الله امراً سمع مقالتي فبلغَها، فرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه)). وأخرجه أحمد في «مُسنده (( [الحديث رقم (٤١٥٧) - ٢٢١/٧]، والتِّرمذيُّ في ((سُننه)) [كتاب العلم/ باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السَّماع - الحديث رقم (٢٦٥٧، ٢٦٥٨) - ص٥٩٩]، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة/ باب من بلَّغ علماً - الحديث رقم (٢٣٢) - ص٥٨]، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في ((مُسنده)) [الحديث رقم (١٣٣٥٠) - ٦٠/٢١]، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة / باب من بلَّغ علماً - الحديث رقم (٢٣٦) - ص٥٩]، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في ((مُسنده)) [الحديث رقم (١٦٧٣٨) - ٣٠٠/٢٧ - ٣٠١]، وابن ماجه في ((سُننه)) [أبواب السُّنَّة / باب من بلَّغ علماً - الحديث رقم (٢٣١) - ص٥٨]، عن جُبير بن مُطعمٍ رضي الله عنه. (١) سُورة القمر: الآيتان ٥٤ _ ٥٥. (٢) سُورة الزُّمر: الآية ٢٢ . ٤٧ فمن رزقه الله تعالى هذه الهمَّة النَّفيسة والمطلب العليَّ - الذي هُو غاية الغايات؛ ومُنتهى الطّلبات -؛ استقامت همَّته؛ وعلا شأنها، كما قيل(١): يا مطلباً ليس لي في غيره أربٌ إليك آلَ التَّقصِّي وانتهى الطَّلبُ إلّا لمعنی إلی علیائك ینتسبُ وما طمحت إلى مَرْأَى ومُسْتَمَعِ وإِنَّ الله تعالى قد جعل لكُلِّ مطلبٍ طريقاً، وخلق لكُلِّ مرغوبٍ إليه دليلاً يدلُّ عليه، ونصب له عَلَماً يُقْصَد إليه؛ لُطفاً منه ورحمة بعباده، وعلى قدر عُلوِّ العبد في القُرْب ينال عليَّ الدَّرجات، وعلى قدر بُعده عنه ينحظُ في الدَّركات. فصلٌ وأقصد الطّريق في ذلك تحصيل العلم ونشره ودعوة الخلق إليه؛ لإعلاء كلمة الله وذكره، وإقامة الحقِّ الذي هُو دين الله على خاصَّة نفسه وأهله أوَّلاً، ثُمَّ على من أقدره الله عليه من الخلق ثانياً؛ فإنَّ العُلماء ورثة الأنبياء، بالعلم يُعرف الله تعالى؛ وبه يُطاع؛ وبه يُسترشد. (١) هُو أبو عبد الله مُحمَّد بن عبد المُنعم الأنصاريُّ؛ المعروف بابن الخَيْمِيِّ؛ في مطلع قصيدته البديعة الغرَّاء التي سارت، كما في: ((ذيل مرآة الزَّمان)) لليُونيني (٣٠٢/٤)، ((نهاية الأرب)) للنُّوَيْري (١٣٦/٣١)، ((تاريخ الإسلام)) للذَّهبيّ [حوادث ووفيَّات ٦٨١ - ٦٩٠ : ص٢٣٨]، ((فوات الوفيَّات)) للكُتْبِيِّ (٤١٤/٣)، ((الوافي بالوفيَّات)) للصَّفديِّ (٥١/٤)، ((طبقات الشَّافعيَّة الكُبرى)) للسُّبكيِّ (٢٥٩/٩)، ((تاريخ ابن الفُرات)) (٤٢/٨)، ((معاهد التَّنصيص)) للعبَّاسيِّ (ص٢٨٤)، ((الكشكول)) للعامليِّ (ص٢٧٠). ٤٨ ومن يُحقّق بذلك نيَّة وعلماً وعملاً وحالاً ودعوة وسياسة، كان صدِّيقاً، وليس فوق رُتبة الصِّدِّيقيَّة إلَّا النُّوَّة. وطريق كمال الاستعداد لذلك أصلان: أحدهما: معرفة الله تعالى ذوقاً وحالاً؛ بعد العلم به اعتقاداً ونظراً. والثَّاني: معرفة عبادته؛ ووضعها موضعها في أحايينها(١) على تراتيبها المشروعة، وقوانينها المسموعة. وغالب النَّقص والانحراف إنَّما دخل على الأُمَّة من الجهل بهما أو بأحدهما، فمن وُفِّق لمعرفة الله تعالى العلميَّة؛ وترقَّى منها ونفذ إلى المعرفة الحاليَّة الذَّوقيَّة؛ وُفِّق لمعرفة كيفيَّة عبادته المشروعة في كتابه وسُنَّة رسوله، واستقام(٢) على سواء السَّبيل إذا ساعده التَّوفيق بالعمل الصَّحيح، كما وُفِّق للعلم الصَّحيح، فالعُلوم إنَّما تُحقِّقها الأعمال، وبالله المُستعان. فصلٌ والطَّريق إلى معرفة الله تعالى الحاليّة الذَّوقيَّة؛ التي من اتَّصف بها سُمِّي عارفاً: تأمُّل النُّصوص الواردة عن الله تعالى وعن رسوله في صفاته المُقدَّسة، والتَّحديق إليها ببصر الإيمان في الخلوات، وخالص العبادات من الأذكار والصَّلوات والخُشوع في الثَّوجُّهات، فبذلك يُرجى أن ينكشف لقلبه أنوارها، ويُنازله منها ما لا تراه العُيون (١) في النُّسخة الخطَّّة: (أحانينها). (٢) في النُّسخة الخطَّّة: (رسوله استقام). ٤٩ من واضح آثارها، فإنَّ رسول الله وَ ﴿ وصف ربَّه بأكمل المعارف وأتمّ الصِّفات؛ لأنَّه كان أعلم البريّة بربِّه، فما من صفةٍ ذكرها ونبّه عليها إلَّا وهي مرقاةٌ لقلب الصَّادق إلى معرفة ربِّه؛ إذا اتَّصف بالصّدق في تلقِّيها وقبولها أوَّلاً، ثُمَّ انَّصف بالصّدق في الثَّوجَّه إلى الموصوف بها ثانياً . ومن انحرف في هذا الشَّأن عمَّا أشار إليه الرَّسول وَّهِ؛ وعدل عنه، قد ينقص بعض النُّفوذ، مع انحراف ظاهرٍ أو كامنٍ(١)؛ لأنَّه عدل عن المحجَّة التي فتحها إليه، والوجه الذي ظهر منها إلى وسائط بينه وبينه یُحال دونه من بعض الوجوه؛ لا من جميعها، فبذلك یکون انحرافه. فصلٌ والطَّريق إلى معرفة دين الله: ضبط ألفاظ الكتاب والسُّنَّة وحلُّ معانيهما، والوقوف معهما بلا انحرافٍ عنهما، ولا بأس بالاتِّساع في العُلوم المُنحرفة عنهما إذا كان القلب واقفاً معهما لا يستعمل غيرهما، ويتعرَّف بتلك العُلوم مذاهب الأضداد؛ ليقوى على الرَّدِّ عليهم لإحاطته بأغوارهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمّ﴾(٢). فالعالم إذا لم يعرف ألسنة قومه وعُلومهم، لا يقوى على البيان لهم. (١) أي: خَفِيٍّ. (٢) سُورة إبراهيم: الآية ٤. ٥٠ فصلٌ وعلامة العالم العارف أن ينشرح صدره بنُور الإيمان، وتُفتح بصيرته لتأمُّل العرفان، ويُقيمه الله تعالى بين يديه عبداً له، يعبده بما أمره به، ويقصد وجهه الكريم في سائر توجّهاته ومساعيه الظّاهرة والباطنة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(١). فهُو عبدٌ أخرجه الله تعالى من الظلمات إلى النُّور، ومن ظلمات الطَّبع وحُجُب الهوى وغان (٢) الرَّيب وحال الرَّدى إلى أنوار المعرفة والقُرْب والهُدى، صار الخَبَر لديه خُبْراً؛ والصِّفة ذوقاً ووُجداناً، فاستنار باطنه بأنوار الله المخزونة التي يمنُّ بها على من يشاء من عباده. فصلٌ والمحجوب عن ذلك حاله كحالِ محبوسٍ في بيتٍ مُظلم، يتصرَّف في حوائجه وشُؤونه، تارة بحدسه، وتارة بفكره، وتارة بلمسه، كما يتقلَّب الأعمى في أُموره. ومن دفع الحجاب عن قلبه؛ كان حاله كحال من فُتحت له في ظُلمة ذلك البيت كُوَّة؛ سقط منها في البيت الشَّمس وشُعاعها، فأبصر من نفسه وهواه وشيطانه وعزائمه وسُباته؛ وبما كان عنه قبل ذلك خَفِيًّا، واستراح في تصرُّفاته بنُور عرفانه وشعاع إيمانه. (١) سُورة النَّجم: الآية ٣٩. (٢) الغيْن: السَّحاب وهُو الغيم. ٥١ ومن كان محجوباً عن نُور الإيمان؛ حظّه منه مُجرَّد التَّصديق، فِمِثْلُه يكون غالباً محجوباً عن آفات نفسه وشُؤونها وحركات الهوى والطّبع ونزغات الشَّيطان ولمَّاته، فتخطفه الأعداء من كُلِّ جانبٍ، وتلدغه عقارب النَّفس والهوى وهُو لا يُبصرها، ويعصي ربَّه بهُمومه وعزائمه وإراداته ولا شُعور له ببُعده بذلك عن ربِّه، فإذا فتح الله قلبه الأنوار معرفته، أشرق باطنه بأنوار العزَّة وأشعة العظمة الإلهيّة. فيُضيء له في تلك الأنوار أسرار الشَّريعة المُحمَّديَّة ومقاصدها، وما يخصُّ نفسه منها، وما يعمُّ الكافَّة من حُكمها، فينهض لله تعالى بحُكم العُبوديَّة على نفسه وأهله أوَّلاً، ثُمَّ على من عمَّ ثانياً، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾(١). ويتطهّر باطنه من ذلك الدَّنس الذي كان فيه، ويُفتح له باب النِّيَّة وصحَّة العزم، ويصير قوَّاماً بعقله على هواه وخاطره، يتَّقي الله تعالى في هُمومه وإرادته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَُّ عَلِيمٌ بِذَاتٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ الصُّدُورِ﴾(٢). وقال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ أُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ اَلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتِفُونَ﴾(٣). (١) سُورة التَّحريم: الآية ٦. (٢) سُورة الملك: الآيتان ١٢ - ١٣. (٣) سورة الأنعام: الآية ١٢٠ . ٥٢ فصلٌ وهذه هي الموهبة السَّنيَّة والمرتبة العليَّة عند الله، وقد قصرت الهمم في زماننا عن طلبها، وعميت البصائر عن تصوُّرها وعظيم خطرها، فَقَلَّ أن ترى من يعرفها علماً؛ ويشتاق إليها حُبًّا؛ فضلاً عمَّن يشتاق إليها حالاً ووجْداً، إلَّا أفراداً اختصَّهم الله تعالى ليُحْيِي بهم دينه؛ ويُقيم بهم شعائره؛ ويُقوِّم بهم اعوجاج عباده، فهُم خُلفاء الرُّسل، وَصْفُهُم الصِّدِّيقَّة، استودعهم الله أسرار دينه وأحكام شريعته ليهتدي بهم العباد؛ وتستنير بهم البلاد، فهُم مصابيح أهل الأرض بهم يهتدون، كالنُّجوم في السَّماء بها يستدلُّ الحائرون: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾(١). فصلٌ ومن رزقه الله تعالى شوقاً إلى هذه الرُّتبة العالية؛ وفتح لقلبه منها ذوقاً يستدلُّ ببعضها على كُلُّها، فعليه أن يعتمد خصالاً يكمل بها بعون الله أمُرُه؛ ويتمُّ بها سعيُه، ويترقّى بها إلى الذَّروة العُليا من هذا الشَّأن: أوَّلها: النِّيَّة وإخلاصها وكمالها في تحصيل العلم: * أمَّا إخلاصها: فيُصفِّيها من مُلاحظة الخلق وشوائب النَّفس. * وأمَّا كمالها: فهُو أن يُقصد الأمران معاً: النَّفع الخاصَّ؛ مع النَّفع المُتعدِّي العام، فمن طلب العلم ليهتدي به، رزقه الله تعالى فهماً يهتدي به، ومن طلبه ليهتدي به؛ ويهدي به معاً: أمدَّه بفهم يقوى به عليها . (١) سُورة الحديد: الآية ٢١، سُورة الجُمعة: الآية ٤. ٥٣ وهذه فائدةٌ يَعِزُّ الشُّهود بها في مبادئ الأُمور، ويُعرف ذوقُها باستعمالها؛ فإنَّ النِّيَّة الخاصَّة لها كيفيَّةٌ بذاتها، والنِّيَّة الخاصَّة والعامَّة لها بمجموعها كيفيَّةٌ أُخرى وخاصيَّةٌ في المُعاملة مع الله تعالى، والله تعالى يُحبُّ معالي الأُمور. وبالضّرورة: النِّيَّةَ الكاملة أعلى من النَّاقصة. الثّانية: الاعتناء بمعرفة سيرة النَّبيِّ ميا الله وَسكم فإنَّها مفتاح الإسلام، وأساس الإيمان، عليها ترتفع قواعده، ومن أصلها تتشعَّب فُروعه، فمن وُفِّق للتَّفقُّه فيها؛ عرف ابتداء ◌ُظُهور النُّبوَّة؛ كيف ظهرت؟ وعلم ابتداء طلوع شمسها وبُزوغ قمرها وكيفيَّة استعلان الحقِّ من جبال فاران؛ كما جاء في الكُتب السَّالفة - وأظنُّه في التَّوراة -: (جاء الله من طُور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن بجبال فاران)(١). فالأولَّ: ظُهور مُوسى. والثَّاني: إشارةٌ إلى ظهور عيسى. والثّالث: إشارةٌ إلى ظهور مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين. فمن أعظم أسباب رُسوخ الإيمان في القلب - مع مشيئة الله تعالى -: رُسوخ معرفة النُّوَّة في القلب، فمتى أيقن القلب بالتُّبوَّة يقيناً (١) انظر: العهد القديم: سفر التَّثنية/ الإصحاح الثَّالث والثَّلاثين/ الفقرة الثَّانية. ٥٤ تامًّا؛ كان التَّوحيد والإيمان بما غاب عن البصر من لوازمها؛ لأنَّها أنبأت عنه، ودعت إلى الإيمان به. والتُّبوَّة مرقاةٌ ومعراجٌ إلى العلم بالله وإلى معرفته، بها عُرف الله وعُبد، ورُبَّما كان نفع معرفة السِّيرة وحال النَّبَوَّة في سكرات الموت أشدَّ، وحاجة العبد إليه في ذلك الموطن آكد، فهنالك قد تعترض الشُّكوك، ويأتي الشَّيطان بالوساوس في الدِّين، ورُبَّما عُرضت عليه الأديان؛ وزُيِّنت له، فإذا كان العبد في ذلك الموطن مفتقراً إلى الله تعالى؛ مُتضلِّعاً من علم ابتداء التُّوَّة ومُعجزاتها وخوارق عاداتها الثَّابتة؛ لم يتطرّق إلى قلبه الوساوس، ولم تتزيَّن(١) لقلبه الأديان المنسوخة، فما أحسن الاستعداد بالزَّاد التَّام لمثل هذه المواطن، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَ﴾(٢). ومن كان له من الإيمان ذوقٌ؛ فإنَّ تَكَمُّلَه وتتمَّته برُسوخ علم ابتداء النُّوَّة وانتهائها في قلبه من حين ظهر بَّةِ؛ بل من حين ولادته، إلى حين بُلوغه ومنشئه(٣)، إلى حين مبعثه وظُهور مُعجزاته وآياته، إلى حين مُهاجرته ومُجاهدته للكُفَّار في إقامة دين ربِّه، إلى حين وفاته واستقرار دين الله قراره: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اُللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (٤) (١) في النُّسخة الخطِيَّة: (يتزيَّن). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٧ . (٣) في النُّسخة الخطّيَّة: (ومنشائه). (٤) سُورة النَّصر: الآيتان ١ - ٢. ٥٥ فإذا عرف القلب ذلك، عرف أُصول الإيمان، وعرف أسباب القضايا في الكتاب العزيز: طوراً بعد طورٍ، على مُقتضى الحوادث المُتَجِدِّدة في أيَّامِ النُّوَّة. فمن عرف السّيرة، ثُمَّ قرأ القُرآن وتدبّره، فهم عن الله مُراده في كُلِّ قصَّةٍ كانت في زمنه وَّهِ، ثُمَّ يأخذ منها بحُكم حاله ما يخصُّه، فيُمكنه حينئذٍ أن يتأدَّب بآداب القُرآن؛ ويكتسي آدابه وأخلاقه وأعماله، وقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله وَلَّه؟ فقالت: ((كان خُلقه القُرآن))(١). الثّالثة: أن يستعمل ما رزقه الله تعالى من ذوق الإيمان في تحصيله للعلم مُقارناً له؛ ويستعمله أيضاً في مصالح دنياه: ولا يَقُل: أَفْرُغُ من العلم؛ وأتفرَّغ للإيمان، بل يستعمله مُقارناً، فإنَّ العلم والإيمان مُتلازمان، متى انفكَّ أحدهما عن صاحبه؛ ضَعُف. وكان الدِّين أوَّلاً في زمن الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم مُجتمعاً، فلذلك كان قويًّا، فلمَّا تفرَّق في عصر المأمون؛ حيث انفرد (١) أخرجه مُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ باب جامع صلاة اللَّيل ومن نام عنه أو مرض - الحديث رقم (٧٤٦) - ١/ ٥١٢ - ٥١٣] من حديث سعد بن هشام رحمه الله تعالى، ولفظه: ((قال: يا أُمَّ المُؤمنين؛ أنبئيني عن خُلُقّ رسول الله وَّهِ. قالت: ألست تقرأ القُرآن؟ قُلتُ: بلى. قالت: فإنَّ خُلُق نبيِّ الله وَلِّ كان القرآن)). ٥٦ الفقهاء بالفقه؛ والصُّوفيَّة بالتّصوُّف؛ ضَعُف الدِّين وتفرَّق، فلا ترى(١) فقيهاً من كُلِّ وجهٍ، ولا صُوفِيًّا قويًّا من كُلِّ وجهٍ. فإنَّ الفقيه قُوَّته في العلم والتَّصوُّر، وتراه في الأعمال ضعيفاً؛ أعني الأعمال البدنيَّة، مثل: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، وإقامة الحُدود والانتصار للحقِّ، وكذلك تراه ضعيفاً في أعمال القُلوب، فغالباً في زماننا، قلَّ أن ترى فقيهاً صادقاً مُخلصاً مُحبًّا عارفاً خاشعاً زاهداً، فإنَّ قُواه أجمعَها انصرفت في العلم؛ فضعفت في الأعمال البدنيّة والقلبيَّة، حيث قام بالشَّطر؛ وأهمل الشَّطر. وكذلك الصُّوفيُّ الصَّادق؛ قد استعمل قُواه جميعَها في الأعمال البدنيَّة والقلبيَّة؛ وقصَّر في التَّعلِّم وإصلاح العقل، فتراه قويًّا في الأعمال؛ ضعيفاً في الانتصار بالحُجَّة والدَّليل، عاجزاً عن استنباط أحكام دينه الخاصِّ؛ فضلاً عمَّا يعمُّ غيره، فلذلك الدِّين ضعيفٌ(٢) في زماننا . ومن وقَّقه الله تعالى لاستعمال الإيمان والعلم معاً؛ لم يتفرَّق دينه، ويتربَّى قلبه في الدِّين التَّامِّ الكامل، فيكون دينه قويًّا كاملاً بعون الله تعالى وتوفيقه. فمن رزقه الله تعالى ذوقاً من الإيمان؛ ورُزق همَّة في تحصيل عُلوم الشَّريعة - فيكون في اشتغاله مُلازماً لما يُمكنه من الإيمان؛ (١) في النُّسخة الخطِّيَّة: (يرى). (٢) في النُّسخة الخطّيَّة: (ضعيفاً). ٥٧ مُتعلِّقاً بشُعبةٍ منه، وهُو دوام الالتجاء والتَّعلَّق بالله في حال تكراره وفكره ومُطالعته وفي كُلِّ لحظةٍ -: يكون لقلبه التفاتٌ إلى جناب الحقِّ بالاستعانة والعُبوديَّة، فتقوى بذلك همَّته في تحصيله، وينكشف لقلبه نُور الافتقار والعُبوديّة؛ ما أظلم عليه من المسائل، ثُمَّ إذا قام إلى الفرائض الخمس، اجتهد فيها على تفريغ قلبه لله، فيكون في الصَّلاة يُحكِّم جميع إيمانه، حيث كان في الصَّلاة مُستعملاً لشُعبةٍ منه؛ مُلازماً لما يُمكنه منه. ومن كان هذا شأنه، كان بعون الله تعالى إيمانه مزيداً لعلمه، وعمله مُكمِّلاً لإيمانه وتسبُّبه، إيمانه في الدُّنيا معونة له على إيمانه وعلمه، حيث يستعمل فيه الالتفات إلى ربِّه بالعُبوديَّة والافتقار، وهذا حال الكُمَّل من المُحمَّدِيِّين؛ أهل الأذواق الكاملة والمعارف التَّامَّة. وكذلك أصحاب رسول الله وَّل ير عارفين بالله، عالمين بأمر الله، مُجاهدين في سبيل الله، مُكتسبين ساعين على أنفسهم وعيالهم، ومن تشبَّه بقومٍ حُشر معهم، وبالله التَّوفيق. الرَّابعة: إذا تعيَّن عليه حقَّ الله تعالى: مثل: صلاةٍ أو زكاةٍ أو حجّ أو أمرٍ بمعروفٍ أو نهي عن مُنكرٍ أو جهادٍ في سبيل الله أو بِرِّ أو صلةِ رحم أو نُصرةٍ مظلوم أو غير ذلك - من الواجبات؛ أو ما تأكَّد من السُّنن؛ قام في ذلك العمل بكُلِّيَّته، فيبذل فيه عقله وقلبه ورُوحه، ويعمله كما يعمل المُحبُّ لحبيبه بالتُّصح التَّامِّ والتَّوفية الكاملة. ٥٨ * ومثال ذلك: لو فُرِضَ مُحبٌّ خاط لمحبوبه ثوباً أو نسجه له؛ أو سعى له في مُهِمٍّ من مُهمَّاته التي يعلم حُصول رضاه بتحصيلها؛ كيف كانت المحبَّة تقتضي(١) منه الاعتناء بذلك الأمر وإتقانه؟ وكيف كان لمُحبِّ أن يُوقعه على أكمل الصّفات وأتمِّها تقرُّباً إلى حبيبه؟ عسى أن يُلحظ بعين وَصْلِه ووِدَادِهِ؛ أو يحنَّ عليه تعطّفاً . والمحبّة تقتضي الْتِذَاذَهُ في الثَّعنِّ بالأعمال الشَّاقَّة من أجل حبيبه، محبّة له ولحوائجه ومهامِّه(٢) وأوامره، فهكذا أهل الله وخاصَّته إذا وجب عليهم الله حقٍّ أقاموا فيه قيام المُحبُّ بحبيبه؛ وبذلك تُنال محبّة الله لعبده. ومحبَّة الله للعبد: هي الغاية القُصوى، فإنَّ السَّالك والعابد والمُحبَّ في عناءٍ وجَهْدٍ؛ ما لم يُلحظ بمحبَّةٍ من ذلك الطَّرْف، ومتى لُحِظَ العبد بمحبَّةٍ ووُدِّ من ذلك الطَّرْف؛ سهلت الأُمور وارتفعت المُؤَن(٣)، وحصل التَّولي للعبد في أُموره؛، حُرس وحُفظ ورُوعي، وصار العبد حينئذٍ مُراداً؛ بعد أن كان مُريداً. وأقرب الأسباب إلى ذلك: الاعتناء بحُقوق الرَّبِّ تعالى؛ وتعظيمها وإيقاعها على أكمل الوجوه، فإنَّ ذلك يُوجب محبّة الله تعالى لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى (١) في النُّسخة الخطّيَّة: (يقتضي). (٢) في النُّسخة الخطِّيَّة: (ومهمامه). (٣) أي: التَّعب والشِّدَّة. ٥٩ سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنِّيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾(١). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾(٣). وفَرْقٌ بين تائبٍ وتائبٍ، ومُقاتلٍ ومُقاتلٍ، وصابرٍ وصابٍ، فمن وَفَّى؛ وُفِّيَ له نصيبه من تلك المحبَّة الموعود بها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ (٤). ومن قصَّر؛ وُفِّي له أجر عمله غير منقوصٍ، وفاته الكمال، ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَئِنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(٥). فتائبٌ يتوب توبةً نصوحاً - يتوب بجميعه -؛ فيُثاب في أوَّل تلبُّسه بها الثَّناء الجميل، كما جاء: ((لقد تاب توبة؛ لو قُسمت بين أهل الأرض لوسعتهم))(٦). (١) سُورة الصَّفِّ: الآية ٤. (٢) سُورة آل عمران: الآية ١٤٦. في النُّسخة الخطّيَّة: (إنَّ الله يُحبُّ الصَّابرين). (٣) سُورة الثَّوبة: الآيتان ٤؛ ٧. (٤) سُورة الفُرقان: الآية ١٦. في النُّسخة الخطّيَّة: (كان على ربِّك عهداً مسؤولاً). (٥) سُورة النَّجم: الآية ٣٩. (٦) أخرجه مُسلمٌ في ((صحيحه)) [كتاب الحُدود/ باب من اعترف على نفسه بالزِّنا - الحديث رقم (١٦٩٥) - ١٣٢١/٣ - ١٣٢٢] من حديث بريدة بن الحُصيب الأسلميِّ رضي الله عنه، ولفظه: ((فقال: استغفروا لماعز بن مالكٍ. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالكٍ. قال: فقال رسول الله وَلافيه : لقد تاب توبة؛ لو قُسمت بين أُمَّةٍ: لوسعتهم)). ٦٠