النص المفهرس
صفحات 61-80
الانتظار أولى من عكسه، بل الأولى عكسه بمعنى أنّ الوجوه ناظرات بأعينها إلى جهة العلو الذي هو قبلة الدعاء، أو إلى آثاره تعالى من الضرب والطعن في الأعداء الصادريْن من الملائكة التي أرسلها الله تعالى لنصرة المؤمنين يوم بدر. على كل حال فإنّ سياق الآية يدلّ دلالة صريحة على أنّ المقصود من ((النظر)) فيها هو المعاينة بالأبصار، وذلك لما يلي: ١ - لأنّ في الانتظار - لو حملنا المعنى عليه: تنغيصاً وتكديراً، والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة، وأهل الجنّة لا ينتظرون شيئاً لأنه مهما خطر لهم أُتوا به . ٢ - ولأنّ الاعتبار والاستدلال خاص بهذه الدار، والآخرة ليست دار استدلال . ٣ - ولأن التعطف والرأفة لا يكون من المخلوق، بل من الخالق جلّ وعلا . ٤ - وهذه الآية بالإضافة إلى كون ((النظر)) فيها موصول بـ ((إلى)) فهو قد أضيف إلى الوجه . نقول: من هذا وغيره فإنّ الآية نصّ صريح في المطلوب. (١) الوجه الثاني: أنّ جماعة من الصحابة والتابعين استدلوا بالآية الكريمة على ما ذهبنا إليه، وسيأتي بعضاً من مروياتهم في هذا الكتاب. الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿كلّ إنّهم عن ربِّهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥]. وجه الدلالة: لما كان أعداء الله محجوبين عن رؤية ربهم جلّ وعلا، فمفهوم منه أنه سبحانه يتجلى لأهل ولايته، ولو لم يكن هذا، لم يكن للتخصيص فائدة. (١) الاعتقاد للبيهقي ص (٥٩). - ٥٦ - قال الشافعي: لما حجب قوماً بالسخط دلّ على أنّ قوماً من أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة. (١) ٢ - الأدلة من السنّة النبويّة : بلغت أحاديث الرؤية مبلغ التواتر، وهو يفيد العلم القطعي بإجماع المسلمين. (٢) وسيأتي معنا في هذا الكتاب ((حديث الرؤية)) من رواية أكثر من عشرين من صحابة النبيّ ◌ََّ، وغالبها صحاح. (٣) قال يحيى بن معين: ((عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلّها صحاح)). ٣ - الأدلة من قول العلماء: أجمع الصحابة والتابعون، واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم من نظرائهم وشيوخهم وتلاميذهم على إثبات الرؤية الله تعالى يوم القيامة، وسيأتي معنا في هذا الكتاب عن جملة منهم وسنذكر هنا مَن بقي لتمام الفائدة. (٤) ١ - قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (ناضرة) من النعيم (ناظرة) قال تنظر إلى ربها عزّ وجل نظراً. (٥) وبنحوه قال: (١) وانظر الاعتقاد للبيهقي ص (٦٦) وصحيح ابن حبان (٢٦٨/٩) الإحسان. (٢) مع العلّم بأنّ حديث الآحاد الصحيح يفيد ذلك أيضاً. (٣) وزاد عليها الإمام المتفنن ابن قيّم الجوزية بضعة أحاديث انظرها في حادي الأرواح. (٤) وسنقتصر على ذكر ما قاله التابعون ومن بعدهم. (٥) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص (٣٠٥) والطبري في تفسيره (١١٩/٢٩/١٠) والآجرّيّ في التصديق بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ص (٥١ - ٥٢) وابن القيم في حادي الأرواح ص (٢٣٤) وأورد جلّ ما سنذكره لذا فسنكتفي بهذه الإشارة عن العزو إليه في كلّ موطن إلّ إذا انفرد ولم نجد ما أورده في غيره من المصنفات التي بين أيدينا. - ٥٧ - مجاهد(١) ومحمد بن كعب القرظيّ(٢) وأبو صالح(٣) وإسماعيل بن أبي خالد(٤) وعطية العوفيّ(٥) وأشياخ أهل الكوفة. (٦) ٢ - وقال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ قال: ((الزيادة)): النظر إلى وجه الله. (٧) وينحوه قال: الأعمش. (٨) ٣ - وقال سعيد بن جبير: إن أشرف أهل الجنة لمن ينظر إلى الله تبارك وتعالى غدوة وعشية . (٩) ٤ - كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله .... أمّا بعد فإني أوصيك بتقوى الله ولزوم طاعته، والتمسك بأمره، والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإنّ بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه، وبها تحق لهم ولايته، وبها وافقوا أنبيائه، وبها نضرت وجوههم، ونظروا إلى خالقهم. (١٠) ٥ - قال عبّاد بن العوّام، قدم علينا شريك بن عبدالله مذ نحو من خمسين سنة فقلت له: يا أبا عبدالله إنّ عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث - يعني المتعلقة بالرؤية - قال: فحدّثني بنحو عشرة أحاديث في هذا، وقال: أمّا نحن فقد أخذنا ديننا هذا من التابعين من أصحاب رسول الله له، فهم عمّن أخذوا؟(١١) (١) الطبريّ (١١٩/٢٩/١٠) وعبدالله بن أحمد في السنة ص (٦١). (٢) السنّة لعبدالله بن أحمد ص (٦٢) والآجرّيّ في التصديق بالنظر ص (٤٨ - ٤٩). (٣) عبدالله بن أحمد في السنّة ص (٦١). (٤) الطبري (١١٩/٢٩/١٠). (٥) المرجع السابق (١٢٠/٢٩/١٠) (٦) المرجع السابق (١١٩/٢٩/١٠). (٧) الاعتقاد للبيهقي ص (٦٢). (٨) حاذي الأرواح ص (٢٣٤). (٩) السنة لعبدالله بن أحمد ص (٦٢). (١٠) الرد على الجهمية للدارمي ص (٣٠٥). (١١) عبدالله بن أحمد في السنة ص (٦٦). - ٥٨ - ٦ - وأثبت أبو حنيفة النعمان بن ثابت وأتباعه الرؤية لله تعالى يوم القيامة وهذا واضح في أكثر من كتاب من كتبهم. ٧ - وقال مالك بن أنس: الناس ينظرون إلى الله عزّ وجلّ يوم القيامة بأعينهم. (١) وقال أشهب: سئل مالك عن قوله عزّ وجلّ: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ أتنظر إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: نعم، فقلت: إن أقواماً يقولون: تنظر ما عنده؟ قال: بل تنظر إليه نظراً، وقد قال موسى ﴿ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ وقال الله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾(٢) وقيل لمالك: إنهم يزعمون أنّ الله لا يرى، فقال مالك: السيف السيف. (٣) وقال الشافعي - كما مضى - في قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ لما حجبهم في السخط كان هذا دليلاً على أنهم يرونه في الرضا. (٤) وقال سعيد بن أسد: قلت للشافعي - رحمه الله -: ما تقول في حديث الرؤية؟ فقال لي: يا ابن أسد اقضي عليّ حييت أو مت أنّ كلّ حديث يصحُّ عن رسول اللّه ◌َل﴾، فإني أقول به، وإن لم يبلغني. (٥) وقال الشافعي، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنّه يرى الله عزّ وجلّ ما عبده. (٦) وقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد بن حنبل - وذكر له شيء في الرؤية فغضب - وقال: مَن قال: إنّ الله عزّ وجلّ لا يُرى في الآخرة فهو كافر. (٧) (١) الآجرّيّ في التصديق بالنظر ص (٤١) والحلية لأبي نعيم (٣٢٦/٦). (٢) حادي الأرواح ص (٢٣٥) مطولاً والتمهيد لابن عبد البرّ (١٥٤/٧) مختصراً. (٣) المرجع السابق . (٤) الاعتقاد للبيهقي ص (٦٦) وغيره. (٥) المرجع السابق. (٦) الحجة في بيان المحجة ورقة (١٨٧). (٧) أنظر مسائله للإمام أحمد ص (٢٦٣) وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ النقول تكاثرت عن الإمام أحمد= - ٥٩ - وقال عبدالله بن أحمد: رأيت أبي يصحح الأحاديث التي تُروى عن النبيّ * في الرؤية ويذهب إليها ويجمعها أبي في كتاب وحدّث بها. (١) وقال حنبل بن إسحق: سمعت أبا عبدالله يقول: قالت الجهمية: إنّ الله عزّ وجلّ لا يُرى في الآخرة، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿كلّ إنّهم عن ربهم يومئذ المحجوبون﴾ فلا يكون هذا إلاّ أن الله عزّ وجلّ يرى، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ فهذا النظر إلى الله تعالى. والأحاديث التي رويت عن النبيّ مَّه ((إنكم ترون ربّكم)) بروايات صحيحة، وأسانيد غير مدفوعة، والقرآن شاهد أنّ الله عزّ وجلّ يُرى في الآخرة. (٢) وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل - وبلغه عن رجل أنه قال: إنّ الله لا يُرى في الآخرة فغضب غضباً شديداً ثم قال: مَن قال إنّ الله عزّ وجلّ لا يُرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه مَن كان من الناس. أليس الله جلّ ذكره قال: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال عزّ وجلّ: ﴿كلّ إنّهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ هذا دليل على أنّ المؤمنين يرون الله . (٣) وقال عبدالله بن المبارك: إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . (٤) وقال أبو بكر صالح المروزي: دسّ الجهمية إلى ابن المبارك رجلاً، فقال: يا أبا عبد الرحمن خذاي رايذان جهان جون بينته؟ فقال: يخشم. يعني كيف نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: بالعين. (٥) = ولكنّا سنقتصر في هذه العجالة على بعضها. (١) عبدالله بن أحمد في السنّة ص (٤٣ - ٤٤). (٢) الآجرّيّ التصديق بالنظر ص (٤٤). (٣) الآجرّيّ في التصديق بالنظر ص (٤٣ - ٤٤). (٤) المرجع السابق ص (٤٥). (٥) الحجة ورقة (١٨٧أ). - ٦٠ - وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: ما حجب الله عنه أحداً. إلاّ عذبه، ثمّ قرأ: ﴿كلاّ إنّهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾. قال ابن المبارك: بالرؤية. (١) وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك ابن أنس وليث بن سعد غير مرّة عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقال: أمروها بلا كيف. (٢). وقال الأوزاعي: إني لأرجو أن يحجب الله عزّ وجلّ جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه الذي وعده الله أولياءه حين يقول: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده الله أولياءه. (٣) وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: لم يزل يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ فقالوا: [يعني الجهمية] لا يراه أحد يوم القيامة، فجحدوا والله أفضل كرامة الله التي أکرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إيّاهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. فورب السماء والأرض ليجعلن رؤيته يوم القيامة للمخلصين له ثواباً لينضر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلح بها حجتهم على الجاحدين وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى، ولا يكلّمهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم. (٤) وقال محمد بن سليمان (لُوَيْن): قيل لسفيان بن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية؟ (١) حادي الأرواح ص (٢٣٦). (٢) التمهيد لابن عبد البرّ (١٥٨/٧). (٣) حادي الأرواح ص (٢٣٦). (٤) حادي الأرواح ص (٢٣٥ - ٢٣٦). - ٦١ - فقال: حق على ما سمعناه ممن نثق به. (١) وقيل لسفيان: إن بشراً يقول: إنّ الله لا يُرى يوم القيامة؟ فقال: قاتل الله الدويبة، ألم يسمع إلى قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون﴾، فإن احتجب عن الأولياء والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء. (٢) وقال يحيى بن المغيرة: كنّا عند جرير بن عبد الحميد، فذكر حديث ابن سابط ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ قال ((الزيادة)) النظر إلى وجه الله عزّ وجلّ. قال: فحضره رجل فأنكره. فصاح به وأخرجه من مجلسه. (٣) وقال سليمان بن حرب وسأله سلمة بن شبيب وهو المستملي فقال له: يا أبا أيوب أذكر حديث أبي موسى في الرؤية. فقال: دعه - فقال رجل بالقرب من سليمان - خفيا - اي والله فدعه - فسمعه سليمان فنظر إليه، فقال: إذاً اتحدثه على رغم أنفك، خذها إليك، فإني أراك ممن تركه، ثمّ بدأ فحدّث به. (٤) وقال عبد الوهاب بن الوراق: قلت للأسود بن سالم: هذه الآثار التي تُروى في معنى النظر إلى وجه الله عزّ وجلّ ونحوها من الأخبار. فقال: نحلف عليها بالطلاق والمشي. قال عبدالله - أحد رجال إسناده -: معناه تصديقاً بها. (٥). وقال عبدالله بن أحمد: حدّثني أحمد بن إبراهيم الدورقي سمعت يزيد ابن هارون لما فرغ من حديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي وَلَّه: (١) السنّة لعبد الله بن أحمد ص (٤٧) والتصديق بالنظر ص (٤٣). (٢) الحلية لأبي نعيم (٢٦٩/٧) وتاريخ بغداد للخطيب (٦٥/٧). (٣) الحجة ورقه (١٨٦ ب). (٤) الحجة في بيان المحجة ورقة (١٨٧). (٥) المرجع السابق. - ٦٢ - ((إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر))(١) فلما فرغ منه قال يزيد: مَن كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله. (٢) وقال يحيى بن معين: سمعت إسماعيل بن عُلَيّة يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ قال: هذا في الدنيا. (٣) وقال وكيع بن الجرّاح: يراه المؤمنون في الجنة ولا يراه إلّ المؤمنون. (٤) وقال قتيبة بن سعيد: قول الأئمة المأخوذ به في الإسلام والسنّة : : الإيمان بالرؤية، والتصديق بالأحاديث التي جاءت عن هذا. (٥) وقال أبو عبيد القاسم بن سلام - وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية -: هذه عندنا حق نقلها الناس بعضهم عن بعض. (٦) وقال الدارمي: هذه الأحاديث في الرؤية، على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، ولم يزل المسلمون قديماً وحديثاً يروونها، ويؤمنون بها، ولا يستنكرونها ولا ينكرونها. ومَن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم وأجزل ثواب الله في أنفسهم النظر إلى وجه خالقهم، حتى ما يعدلون به شيئاً من نعيم الجنة. (٧) وقال الحافظ المتفنن محمد بن إسحق بن خزيمة: إنّ المؤمنين لم يختلفوا أنّ المؤمنين يرون خالقهم يوم المعاد، ومَن أنكر ذلك فليس بمؤمن عند المؤمنين. (٨) (١) سيأتي الحديث في هذا الكتاب. (٢) السنّة له ص (٤٥) وانظر عقيدة السلف للصابونيّ (١١٨/١). (٣) المرجع السابق ص (٦٧). (٤) حادي الأرواح ص (٢٣٦). (٥) المرجع السابق. (٦) الآجرّيّ في التصديق بالنظر ص (٤٦). (٧) الرد على الجهمية ص (٣٠٥). (٨). حادي الأرواح ص (٢٣٩). - ٦٣ - قلنا: وممن قال بإثبات الرؤية خلائق لا يحصون كثرة غير الذين ذكرنا من نظرائهم وتلاميذهم وتابعيهم. المطلب الثاني: الأدلة العقلية: أنكرت الجهمية والمعتزلة ومَن تبعهم - كما سبق بيانه - الرؤية، واحتجوا على ذلك بأدلة عقلية تأولوا الآيات والأحاديث المتعلقة بها بما يتناسب ومذهبهم، الأمر الذي جعلهم يردّون جملة من الأحاديث الصحيحة المصرّحة بالرؤية . وأدى هذا إلى انتصاب جماعات من مثبتي الرؤية إلى مجابهتهم بالردّ عليهم نقلاً وعقلاً . وظهرت بذلك مصنفات حافلة: منها ما هو خاص بهذه المسألة، ومنها ما ضمن هذه المسئلة بين طياته ككتب العقائد والفرق والتفسير، والحديث وشروحاته وغيرها. وقد بيّنا في المطلب الأول جملة من الأدلة النقلية (السمعية)، وهي كافية لدحض شبهاتهم، وكشف زيفهم وترّهاتهم. ومع هذا فلم يقنع أولئك. مما أدى إلى ظهور جماعات من المثبتين المتثبتين قارعوهم الحجة بالحجة، واستدلوا على إمكان وجواز الرؤية بأدلة عقلية. وهذه الدلائل - في الحقيقة - لو جردت عن الدلائل السمعية فإنها لا تقوى على الإثبات، وذلك لعدم خلوها من اعتراضات قوية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنّ مقرربها - رحمهم الله - سلكوا مسلكاً تأثر إلى حدٍ ما بمنهج المعتزلة في الاستدلال. وعلى الرغم من ذلك فهي تعدّ شوكة في حلق منكري الرؤية، وخصوصاً أنها استندت على أدلة نقلية . وكنّا نودّ أن لا نطرق هذا الباب ليقيننا بأن في ما قدمّناه من أدلة نقلية - ٦٤ - ونقول كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن لا يأس من إطلاع القارئ على بعضها دون ذكر للاعتراضات التي اعترضت عليها. له جناالله الدليل الأول: قال أبو الحسن الأشعري: ومما يدلّ على رؤية الله سبحانه بالأبصار: أنّ الله عزّ وجلّ يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائياً فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه. وذلك: أنّ مَن لا يعلم نفسهٍ لا يعلم شيئاً، فلّا كان الله عزّ وجلّ عالماً بالأشياء كان عالماً بنفسه، فلذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء، فلمّا كان الله عزّ وجلّ رائياً لنفسه، وإذا كان رائياً لها فجائز أن يريناً نفسه، كما أنه ما يكان عالماً بنفسه جاز أن يعلمناها، وقد قال الله تعالى: ﴿إثني معكنما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] فأخبر أنه سمع كلامهما ورآهما، ومَن زعتم أنَّ الله عزّ وجلّ لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله عزّ وجلّ رائياً ولا عالماً ولا قادراً، لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى.(١) .... الدليل الثاني: قال أبو الحسن الأشعري أيضاً: ومما يدلّ على رؤية الله عزّ وجلّ بالأبصار. أنّه ليس موجود إلاّ وجائز أن يزيناه الله عزّ وجلّ،(٢) وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلمّا كان الله عزّ وجلّ موجوداً مثبتاً» المكان غير مستحيل أن غيرينا نفسه عزّ وجل: (٣)نعم هذا ناء+ تاريخالتلال) :باء باجها: ريع با طفال (١) الإبانة ص (١٦ - ١٧) والاقتصاد للغزالي ص (٦٩). ٠. (٢) ليس الأمر على إطلاقه: إذ إنّ الوجود المجرد ليس دليلاً كافياً على جواز الرؤية ، إذ يلزم عليه ١٤ لوازم فاسدة. وعذراً إن اعترضنا ها هنا فقد خرجنا عن وعدنا بعدم الاعتراض، ولكنّ التنبيه هنا واجبٍ. والأشعري قال هذا بناء على معتقده في حقيقة الرؤية. (٣) الإبانة صُ (٢٦) والإرشاد للجوينيّ صُّ: (١٧٧) والأربعين في أصول الدين للرّازِي ◌َص (١٩١)، وأنظر أصول البزدوي ص (٨٤) ونهاية الإقدام للشهر ستأني من (٣٥٧) وغاية المرام للآمدي ص (١٦٠ - ١٦١) ومطالع الأنظار على متن طوالع الأنظار الأول لأبي الثناء الأصفهاني عمال: والثاني، للبيضاوي صُنّ (١٨٣) وخواشي على شرح الكبرى للسنوشي ض (٣٨٨) وفُّرُخ الدَّوَاني ٧٨٦٫٠) به بطيقتنا على العقائد العضدية مع شرحه وحواشيه (١٧٠/٢). ٦٥٢ - المطلب الثالث: في رؤية المنافقين والكافرين: إنّ المسلم مطالب باعتقاد أنّ المؤمنين يرون ربهم تعالى في الدار الآخرة، وهذا الذي عليه السلف. وكذلك فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أنّ مَن جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر فإن كان بسبب جهل عُرِّف ذلك، فإن أصرّ بعد بلوغ العلم له فهو كافر. أمّا المسائل التي تتفرع عن هذا الأصل فهي محلّ اختلاف وكلّ فيها مأجور بحسب اجتهاده. والمسئلة التي قدّمناها لم يفضَّ السلف بكارتها، وإنما انتشر الكلام والنزاع فيها بعد المائة الثالثة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وانقسم العلماء معها على قسمين أحدهما: أمسكوا عن الكلام فيها. وثانيهما: تكلّموا واختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنّ الكفار لا يرون ربّهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسر، وهذا قول المحققين والنظار من المتقدمين والمتأخرين. القول الثاني: يراه المنافقون دون الكفار، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة والقاضي أبي يعلى. القول الثالث: يراه أهل الموقف كلّهم مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم ثم يحتجب سبحانه بعد ذلك عن الكفار فلا يرونه، وذكر أصحاب هذا القول أنّ هذا الرؤية رؤية تعريف وتعذيب وإليه ذهب أبو الحسن بن سالم وأصحابه، وهم منتسبون في الأصول إلى الإمام أحمد وأبي سهل التستري. (١) (١) وانظر حادي الأرواح ص (١٩٨) وتحفة الجلساء للسيوطي (١٩٨/٢١) واستحالة المعية بالذات الشنقيطي ص (٣٨٧). -٦٦ - وتمسك أصحاب القول الأول بعموم قوله تعالى: ﴿كلّ إنّهم عن ربّهم يومئذ المحجوبون﴾ وذكروا أنّه يعمّ حجبهم عن ربهم في جميع ذلك اليوم، وذلك اليوم ﴿يوم يقوم الناس لربّ العالمين﴾ وهو يوم القيامة. وذكروا أنه لو قيل: إنه يحجبهم في حال دون حال لكان تخصيصاً للفظ بغير موجب، ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين. لأن الرؤية لا تكون دائمة للمؤمنين، والكلام في هذه الآية خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به، فلا يجوز أن يساويهم المؤمنون في عقاب ولا جزاء سواه. فعلم أن الكافر محجوب على الإطلاق بخلاف المؤمن. أمّا أصحاب القول الثاني فإنهم تمسكوا بما دلت عليه الرواية (١) من حديث أبي هريرة ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى في غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون أنت ربّنا .... )) ومن حديث ابن مسعود(٢) وأبي رزين العقيليّ(٣) ففي هذه الأحاديث دلالة على أنهم يرونه تعالى، وأجاب عنه بعض أصحاب القول الأول بجواب بارد: وهو قولهم: ((إنما وقع اضطراب في هذا الحديث فبعض الرواة لم يثبت القدر الذي ذكر ((المنافقين)) والذي أثبت ذلك إنما رواه بالمعنى، فيكون الحديث مخالفاً لنص القرآن)). (٤) قلنا: مَن أثبت فهو حجة على مَن لم يثبت، لأنه يعدّ من قبيل زيادة الثقة. ويتأكد هذا بعرض طرقه، فقد رواه: إبراهيم بن سعد ومعمر وإبراهيم بن إسماعيل ثلاثتهم عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة. (١) وسيأتي عند المصنف يرقم (٢٤) و(٢٥) و(٢٦) و(٢٧) و(٣٢) و(٣٧) وغيرها. (٢) وسيأتي معك في هذا المصنف. (٣) وسيأتي أيضاً. (٤) أنظر تعليق الكوثري على كتاب الأسماء والصفات ص (٢٩٢). - ٦٧ - ورواة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء به. ميبا بيا ورواه قريش بن حبان عن بكر عن وائل عن الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة. هذا فيما يتعلق بحديث أبي هريرة على حدة، فما بالك بغيره، من هذا وغيره يتبيّن أنّ هذا القول متهافت ساقط. وأجاب المحققون من أصحاب القول الأول عن ذلك يقولهم: إِنّ الأحاديث التي تدلّ على رؤية غير المؤمنين الله يوم القيامة، ليس فيها دلالة صريحة، وإنما تفيد أنّ الجمع الذي فيهم المؤمنون والمنافقون يرون الله، ثم يمتحن بالسّجود، فَمَّن سجد كان مخلصاً ومَن لم يقدر عليه كان منافقاً، وهذا لا يدلّ على أنّ المنافقين يزون الله تعالى: (١) ، ما عته ويطبق) قلنا: وهذا القول أمتن من القول الأول من حيث الصنعة، ولكنه يماثله بضعف الاستدلال. تاجا بري لأنّ ظاهر الحديث يفيد أنّ المنافقين يزونه تعالى وليس هناك من خبر يرة ذلك، وكما قلنا فهذه الرؤية ليست رؤية تكريم بل هي رؤية تعريف وتبكيت، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾ [الحديد: ١٣] بعد أن كانوا يقدرون عليهبهذا تابعيه درهعاد ولي لأ مثلة تبفأ جا: الصافي: وقد عقد في نصرة القول الثاني الحفاظ المتفنن ابن خزيمة في كتاب التوحيد باياً: قال في أوله: لم نجد بيتاينعدوان الثقة ،عقيلة ويهيج للهدفالتىوفقاً} ((باب ذكر البيان أنّ جميع أمّة النبيّ ﴾ برهم وفاجرهمّ مؤمنهم ومنافقهم، وبعض أهل الكتاب يرون الله عزّ وجلّ يوم القيامة، يراه بعضهم رؤية امتحان لا رؤية سرور وفرح وتلذذ بالنظر في وجه ربهم عزّ وجلّ ذي الجلال والإكرام، وهذه الرؤية قبل أن يوضع الجسر بين ظهري جهنم، ويخص لمارجع (٢) (١) المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (١٠٩/٢) وفتح الملهم للديويندي (٣٤٤/١)، (١) =٩٨= عزّ وجلّ أهل ولايته من المؤمثين بالنظر إلى وجهه نظر فرخ وسرور وتلذذ. (١) والسخطًا أما أصحاب القول الثالث: فبنوا مذهبهم على مقتضى تفسير ((اللقاء)) في كتاب الله بالرؤية. ٤٠٠ ,مافيا رة بالتواحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦]. وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ ثعلباً قال في قوله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً محيتهم يوم يلقونه سلام﴾ [الأحزاب: ٤٣ - ٤٤] قال: ((أجمع أهل اللغة على أنّ اللقاء ههنا لا يكون إلاّ معاينة ونظراً بالأبصار)). وجب ولكن بعض أهل اللغة قالوا: تلك مخصوصة إذا قرنت بالتحية. (٢) والح ماية الله واحتجوا أيضاً بحديث التجلي الآتي في هذا المصنف. يقب القيمة بوجمعة قلنا: وأصحاب هذا القول ليس لهم دليل صريح في المطلوب ولا يسلم لهم ما قالوا، والله تعالى أعلم. (٣) ... باه بع 10 ريه ابتغانه المطلب الرابع: في رؤية الملائكة والنساء والجان الله يوم القيامة. طبعا! ١ - الملائكة : علنا ذهب جماعة من العلماء إلى أنّ الملائكة لا يرون ربّهم عزّ وجلّ، منهم: الصفّار من أئمة الحنفية، حيث سئل عن الملائكة هل يرون الله؟ فقال: اعتماد والدي الشهيد أنهم لا يرون ربّهم سوى جبريل فإنّه يرى ربّه مرّة واحدة، ولا يرى بعده أبداً. (١) أنظر ص (١٧٢ - ١٧٨). ٢١٠ كا (٣) (9) (٢) ولابن تيمية في فتاواه كلام طيب في هذا الموضوع فانظره (٤٦٢/٦ - ٤٧٥) , ١٤ (٣) استقينا كثيراً في هذا المطلب من رسالة ابن تيمية - رحمه الله لا إلى أهل البحرين، أنظرها في فتاواه (٤٨٥/٦ - ٥٠٦). ٠_٦٩٧- وسئل إذا کانوا موحدین لم لا یرون ربهم؟ فقال: إنّ الرؤية فضل الله، والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظیم، (١) وإلى هذا القول ذهب أبو الحسن الهروي من الحنفية أيضاً فقال في أرجوزته : وما لهم من نعمة الجنان حظ ولا من رؤية الرحمن(٢) وإليه ذهب أيضاً الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام(٣) وابن جماعة من الشافعية . (٤) وكذا القاضي بدر الدين الشبلي صاحب آكام المرجان(٥) واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار) وقالوا: إنّ مؤمني البشر استثنوا من هذا العموم، فحينئذ يبقى الملائكة على العموم. قلنا: الأرجح بل والأصح أنهم يرونه تعالى لما بيّناه في تفسير الآية الكريمة. وقد نصّ على ما ذهبنا إليه جماعة من العلماء منهم: أبو الحسن الأشعري، فقد قال في الإبانة: ((إن المسلمين اتفقوا على أنّ الجنة فيها ما لا عين، رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعيم المقيم، وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله عزّ وجلّ بالأبصار ... وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبيائه المرسلين وملائكته المقربين وجماعات المؤمنين والصديقين من النظر إلى وجهه عزّ وجلّ. (٦) وتابعه على ذلك البيهقي في كتاب الرؤية، وكذا ابن القيم وجلال الدين (١) الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي ص (٢٢٠). (٢) المرجع السابق ص (٢٠٠). (٣) أنظر القواعد الصغرى له، وآكام المرجان ص (٦٠ - ٦٢). (٤) لوامع الأنوار البهية (٢٤٦/٢). (٥) أنظر آكام المرجان ص (٦٢). (٦) الإبانة ص (١٧). 1 - ٧٠ - البلقيني في شرح جمع الجوامع والبزدوي في أصول الدين(١) والسيوطي(٢) وغيرهم كثير. وترتب على هذه المسئلة مسئلة أخرى: وهي هل رؤيتهم الله رؤية كرامة؟ واختلفوا في ذلك فأثبتها بعضهم على وجه الكرامة، وآخرون قالوا: لا تكون كذلك. (٣) قلنا: ويؤيد ما ذهب إليه المثبتون أحاديث رويت في هذا المقام. ذكرها السيوطي في الحبائك وتحفة الجلساء. esInGs ٢ - النساء: ذهب بعض العلماء أيضاً إلى أن النساء لا يرين الله تعالى يوم القيامة . قال ابن كثير: حكى بعض العلماء خلافاً في النساء هل يرين الله عزّ وجلّ كما يراه الرجال: فقيل: لا، لأنهنّ مقصورات في الخيام وقيل: بلى، لأنه لا مانع من رؤيته تعالى في الخيام وغيرها. وقد قال الله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون﴾ [المطففين: ٣٤] وقال: ﴿هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ينظرون﴾ [يس: ٥٦]. وقال رسول اللّه وَله: ((إنكم سترون ربّكم عزّ وجلّ كما ترون هذا القمر لا تمارون في رؤيته، فإن استطعتم فداوموا على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)) وهذا عام في الرجال والنساء. والله أعلم. وقال بعض العلماء قولاً ثالثاً: وهو أنهنّ يرين الله في مثل أيام الأعياد، فإنّه تعالى يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجلياً عاماً، فيرينه في مثل هذه (١) ص (٧٧)، وانظر الفتاوى الحديثة للهيثمي ص (١٠). (٢) في الحبائك ص (٢٢١) وفي تحفة الجلساء (٢٠٠/٢ - ٢٠١). (٣) أنظر أصول الدين البزدوي ص (٧٧ - ٧٨). - ٧١ - الحال دون غيرها، وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه - والله أعلم. (١)). ** " وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي، كلّ يوم كان للمسلمين عيداً في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه. ويوم الجمعة يدعى (يوم المزيد) ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. " وروي أنه يُشارك الشّتاءُ الرَّجَال فيهَمَا كُما كُنَّ يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة، فهذا لعموم أهل الجنة. قلنا: وعندنا أنّ النساء يرين الله تعالى وذلك لما يلي: أ - أنّ الأدلة في الرؤية عامة للرجال والنساء، ولم يعارض هذا العموم ما يقتضي استثناء هن من ذلك. (ا). السحب ب - أنّ النساء يشاركن الرجال في الأعمال التي توجب الترؤية فينبغي أن يشاركنهم في الثواب. وذلك لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا: الحسنى وزيادة﴾ . فارغ علم ج- أنّ بعض الأدلة جاءت صريحة في ذلك كقوله تعالى: ﴿هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ينظرون﴾ وغيرها وانظر الحديث الآتي برقم (٥٦) . ولولا وعدنا إليك أخي القارئ بالإيجاز وعدم الإطالة لبسطنا المسئلة بأكثر من هذا، مع يقيننا بأنّ هذا يكفي لناشد الحق. ناسخ بالة رهم وتجدر الإشارة إلى أنّ لشيخ الإسلام ابن تيميّة رسالة في هذا الباب أتى فيها بما شفى وطاب. (٣) ملها ش طعماله راسنا يا منه لله الجوية وكذا للحافظ السيوطي رسالة ((تحفة الجلساء في رؤية الله للنساء)) وكلاهما أثبت أنّ النساء يرينه تعالى يوم القيامة عليها وأ راك با بلسب العن خالية ٩٫١٠ بوشينا تباينا رولتن خلع ٢٧٧١٠ ٩٠٠ ١١) ملف تتا بعه ( ٢٣)) ية الغا ية (٢) ٠(١٠٢ - ١٤٢١٠٠٢ (١) أنظرها في فتاواه (٤٠١/٦ - ٤٦٠). ـا جة بابعلينا (م -٧٢ - ٣ - الجان : ذهبت الطائفة التي حرمت الملائكة من الرؤية إلى إجرائها على الجان. واحتجوا بالآية الكريمة نفسها .. " وفي هذا عندنا نظر، لأن الجان داخلون في عموم الرسالة، فمن آمن متهم وأحسن فلا مانع عندئذ من رؤيته الله تعالى كسائر المؤمنين المحسنين، والله أعلم . وليس للمنكرين من دليل يخصصون به خلقاً دون خلق فتبقى أدلة العموم قائمة، والله الموفق لكل خيرة (١)عا يا منتله ثله. امالأرسله بانه فالعطايانة المطلب الخامس في رؤية النبيّ ◌َ ربَّه تعالى في الدنيا: نس مة إختلف السلف والخلف في هذه المسألة اختلافاً متبايناً، فمنهم المثبت ومنهم المنكر، ومنهم المتوقف شيا أ - أمّا الذين ذهبوا إلى أنّه ◌َ﴿ قد رأى ربّه تعالى فجماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم نذكر منهم: إن غموضا راه عيًا ما زون العا عبدالله بن عباس ترجمان القرآن(٢) وأنس بن مالك(٣) وأبو ذر(٤) وروي في ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود(٥)، وعروة بن الزبير وكان يشتد عليه - رضي الله عنه - إذا ذكر له إنكار عائشة - رضي الله عنها، (٦) والحسن البصري وكان يحلف على أنّ محمداً رأى ربّه، (٧) وكعب الأحبار (٨) وعكرمة (٩) وعبد الله (١) وانظر تحفة الجلساء (١/٢ - ٢) واللوامع للسفاريني (٢٤٧/٢ - ٢٤٨) (٢) أخرج حديثه مسلم (١٧٦/١٥٨/١) وسيأتي. (٣) أخرجه ابن خزيمة ص (١٩٩) بإسناد قوي كما حكاه صاحب الفتح (٦٠٨/٨). (٤) أنظر حديث رقم (٢٥٨) و(٢٥٩) من كتابنا هذا. (٥) أنظر شرح مسلم للنووي (٤/٣) وشرح الشفا (٤١٨/١) (٦) أنظر فتح الباري (٦٠٨/٨). (٧) أنظر التوحيد لابن خزيمة ص (١٩٩ - ٢٠٠). (٨) حديثه مخرج في كتابنا هذا برقم (٢٢٥) و(٢٢٦) (٩) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٧) والآخِرّيّ في الشريعة ص (٤٩٦) - ٧٣ - بن الحارث بن نوفل(١) والزهري(٢) وإبراهيم التيميّ(٣) ، وسائر أصحاب ابن عباس(٤) ومعمر بن راشد(٥) وأحمد بن حنبل(٦) وابن خزيمة(٧) والأشعري وأتباعه(٨) وخلائق(٩) . وهؤلاء الذين أثبتوا الرؤية بنوا مذهبهم على مقتضى تفسير قول الله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم، ١١ - ١٣] وعلى قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّ فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] وعلى غير ذلك مما تجده في الكتب التي عزونا إليها. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي العالية عن ابن عباس قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى﴾، قال: ((رآه بفؤاده مرتين)). (١٠). ب - وأمّا الذين ذهبوا إلى أنّ النبيّ وَلَه لم ير ربّه تعالى، فجماعة من الصحابة وتابعيهم أيضاً نذكر منهم: أمّنا عائشة رضي الله عنها وابن مسعود واختلف عليه وعلى أبي هريرة وأبي ذر. وذهب الدارميّ في الرد على الجهمية إلى إجماع الصحابة على أنّ النبيّ ◌َله لم يرَ ربّه ليلة المعراج. (١١) (١) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص (٢٠٨). (٢) أنظر فتح الباري (٦٠٨/٨). (٣) أخرجه ابن خزيمة ص (٢٠٨). (٤) أنظر الفتح (٦٠٨/٨). (٥) أنظر التوحيد لابن خزيمة ص (٢٢٩). (٦) أنظر مجموعة الفتاوى لابن تيمية (٥٠٩/٦ - ٥١٠) والفتح (٦٠٨/٨ - ٦٠٩). (٧) أنظر كتاب التوحيد له فقد عقد فيه فصلاً يتعلق بهذه المسألة. (٨) أنظر شرح مسلم للنووي (٤/٣) والفتح (٦٠٨/٨). (٩) وانظر مرقاة المفاتيح للقاري (٣٠٦/٥) وفتح الملهم (٣٣٥/١). (١٠) أخرجه (١٧٦/١٥٨/١) وسيأتي في کتابنا هذا. (١١) أنظر مجموعة الفتاوى (٥٠٧/٦). - ٧٤ - وبنى المنكرون مذهبهم على عموم قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ٣] وعلى غير ذلك. أخرج البخاري من حديث القاسم عن عائشة قالت: «مَن زعم أنّ محمداً رأى ربّه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه ساداً بين الأفق». (١) وفي الصحيح أيضاً من حديث مسروق، قلت لعائشة: يا أمتاه هل رأى محمد ربّه؟ فقالت: ((لقد قفّ شعري مما قلت، مَن حدّثك أن محمداً وَّ رأى ربّه كذب، ثم قرأت: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين)). (٢) وصرحت في رواية أخرى أنها سألت النبيّ ◌َلّر عن ذلك فقالت: ((أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله بَر فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها هاتين المرتين)). (٣) وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: ((رأى جبريل عليه السلام)) (٤) وأخرجا في الصحيحين عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: ((إن محمد ◌َل رأى جبريل له ستمائة جناح)). (٥) وأخرج مسلم عن أبي ذر أنه سأل النبي وَ ﴿ عن ذلك فقال: ((نورٌ أنى أراه))(٦)، وهذا الجواب قد يكون لأول وهلة مشكلاً لكن بجمع طرقه يمكن أن يتجه لصالح من يذهب إلى إثبات الرؤية. أخرج مسلم في صحيحه عنه أن (١) أخرجه في بدء الخلق من صحيحه. (٢) أخرجه البخاري (٦٠٧/٦). (٣) أخرجه مسلم (١٧٧/١٥٩/١) بأتمّ من هذا. (٤) أخرجه برقم (٤٨٥٦) و(٤٨٥٧) و(٤٨٥٨). (٥) أخرجه البخاري (٦٠٨/٨) ومسلم (١٥٨/١) (١٧٤). (٦) أخرجه (١٧٨/١٦١/١). - ٧٥ -