النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب الواو و ل ق: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَه بالسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥] العامَّة: ((تَلَقُّونَه)) على أنَّه منَ التَّلَقِّي. وعائشةُ رضىَ اللهُ تعالى عنها: ﴿تَلِقُونَه﴾ منَ الوَلْقِ(١). والوَلْقُ قيلَ: هو الإسراعُ في الكذب. وقيلَ: هو الاستمرارُ فيهِ، وهو في الأصلِ: الجنونُ والهَوَجُ. وجاءَتِ الإِبلُ تَلِقُ، أي تسرعُ لِهَوجها. وأنشدَ: [من الرجز] ١٨٣٩- جاءَتْ بهِ عَنْسٌ من الشام تَلِقْ (٢) أي تسرعُ. ورجلٌ مَوْلوقٌ ومالوقٌ، وناقَةٌ وَلْقَى، أي سَريعةٌ. وفي حديثٍ عليّ كرَمَ اللّهُ وجهَه: ((كَذَبْتَ وَوَلَقْتَ))(٢). وهذا كقولِ الآخرِ: [ من الوافر] ١٨٤٠ - وأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً ومَيْنًا (٤) ومثلُه الوَلْعُ، ومنهُ قولُ كعبٍ رضيَ اللّه عنه: [من البسيط] فجعٌ وَوَلْعٌ وإِخلافٌ وَتَبْدِيلُ (٥) ١٨٤١- لكنَّها خُلُّةٌ قد سيطَ مِن دَمِها وفي هذا الحرفِ قراءاتٌ،(٦) ولها تَوجيهات استوفَيْتُها في ((الدرِّ)). و ل ي: قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ المَوْلِى﴾ [الحج: ٧٨] المَوْلَى يطلقُ بإِزاءٍ معانٍ؛ قيلَ على سبيلِ الاشتراكِ اللفظيِّ. وقيلَ: على التَّواطؤِ. فالمَولى: الناصرُ والمنعمُ وابنُ العمِّ والحليفُ والعقيدُ. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلِكُلُّ جَعَلْنا مَواليَ﴾ [النساء: ٣٣]. وكانوا يُتوارثونَ بالحلفِ أولَ الإِسلامِ ثم نُسخَ. (١) قرأت عائشة وابن عباس وزيد بن علي (تَلِقُونه) البحر المحيط ٦ /٤٣٨ والقرطبي ٢٠٤/١٢. (٢) من رجز للشماخ في ديوانه ٤٥٣ واللسان (زلق، ولق) وللقلاخ بن حزن في شرح المفصل ١٤٥/٩ واللسان ( زملق، زلق) . (٣) الفائق ١٨٢/٣ والنهاية ٢٢٦/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٨٣/٢. (٤) تقدم برقم ٣٧٥، وهو عجز بيت لعدي بن زيد في ديوانه ١٨٣. (٥) تقدم برقم ٧٦٦ فيمادة (سوط) والبيت في ديوانه ٨. (٦) قرأ ابن السميفع (تَلْقُونه، تَلْقَوْنَه)، وقرأ أبي وابن مسعود ( تَتَلْقَوْنَه ، تَثْقَفُونه) ، وقرأ أبو جعفر وابن أسلم ( تَأْلِقُونه)، وقرأ يعقوب (تِلْقُونه)، وقرأ ابن مسعود ( تَتَقَفَّوْنَه) المحتسب ١٠٤/٢. ٣٤٢ باب الواو والمَولى: هو السيدُ المُعتقُ والعبدُ المُعتَقِ. قولُه تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ [ مريم: ٥] قيلَ: أرادَ بني عمِّه وعُصبتهِ. ومعناهُ: الذين يلونَه في النسبِ. قوله تعالى: ﴿ ذلكَ بأنَّ اللّه مَولى(١) الذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافرينَ لا مَولى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. فِالمَوْلى هو الناصرُ. وقيلَ: ولِيُّهم والقائمُ بأمرِهم. وكلُّ مَن تَوَلَّى أمرَكَ فهوَ مَولاكَ. وقالَ. الراغبُ (٢): الوَلاءُ والتَّوالي أن يُحصُلَ شيئانٍ فصاعداً حُصولاً ليسَ بينَهُمَا مَا لِيسَ مِنْهُما. قال: ويستعارُ ذلكَ للقربِ من حيثُ المكانُ ومِنْ حيثُ النسبُ ومِن حيثُ الدينُ ومن حيثُ الصداقةُ والنُّصِرةُ والاعتقادُ. والوليُّ والمَولى يُستعملانِ في كلِّ ذلك. وكلٌّ منهما يقالُ في معنى الفاعلِ، أي المُوالي، وفي معنى المفعولِ أي الموالى. إِلا أنه فرِّقَ بينهما بشيءٍ؛ فقالَ: يُقالُ: المؤمنُ ولِيُّ اللّه ولا يقالُ مَولاهُ. ويقالُ: اللّه وليُّ المؤمنِ ومولاهُ. فمن الأولِ: ﴿اللَّهِ وَلَيّ الذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقوله: ﴿فَنِعْمَ المَوَلَى﴾ [الحج: ٧٨]. ومنّ الثاني: ﴿قُلْ ياأيُّها الذينَ هَادُوا إِنْ زَعَمِتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للَّه﴾ [الجمعة: ٦]. قوله تعالى: ﴿ما لَكُم مِنْ وِلايَتِهِم مِن شَيءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. قيلَ: مالكُم مِن مُوالاتِهم ونُصرتِهمٍ وقُرىٍ بفتحِ الواوِ وكسرِها (٣)؛ فقيلَ: هما بمعنى نحوُ الدَّلالة والدَّلالةِ. ومعناها: تَوالي الأمرِ. وقيلَ: بالفتحِ النصرةُ، وبالكسْرِ تَوليّ الأمر. وقالَ الأزهريُّ: بالفتحِ في النسبِ والنصرة. يقالُ: وَلِيٍّ منَ الولايةِ. وأمّا الولايةُ فهي الإمارةُ. ويقالُ: والٍ مِنَ الولايةِ، فشبَّهِ بالصِّناعةِ. قولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُم مِن دُونُهِ مِن والٍ﴾ [ الرعد : ١١] أي وليٍّ، يعني ناصراً وقائماً بأمورهم، نحو قادرٍ وقدیرٍ. : قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَه (٤)﴾ [آل عمران: ١٣٧] قال أبو بكر: معناهُ: يخوِّفِكُمْ أَولياؤه، فحذفَ أولُ مفعوليهِ؛ إِما اقتصاراً أو اختصاراً. وقالَ غيره: إِنَّ المفعولينِ محذوفانٍ. والتقديرُ: يخوّفِكُمُ الشرَّ بأوليائه. قالَ الراغبُ(٥): ونَفَى اللّه الولايةَ (١) قرأ ابن مسعود (وليّ) إملاء العكبري ٣/ ١٧٠. (٢) المفردات ٨٨٥. (٣) قرأها بكسر الواو (ولا يتهم) حمزة والأعمش وابن وثاب والأخفش. الإتحاف: ٢٣٩ والسبعة ٣٠٩ .. (٤) قرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وعطاء ( يخوفكم أولياءه) ، وقرأ أبي والنخعي ( يخوفكم بأوليائه) البحر المحيط ١٢٠/٣، وقرئت(يخوفكم أولياؤه) إِملاء العكبري ٩٢/١. (٥) المفردات ٨٨٦. ٣٤٣ باب الواو منَ المؤمنِ والكافرِ في غيرٍ آيةٍ، فقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تَتْخذوا اليهودَ والنَّصارى أَوْلياءَ﴾ [المائدة: ٥١]. وجعلَ بينَ الكافرينَ والشياطينَ مُوالاةً في الدُّنيا، ونَفَى عنهم المُولاةَ في الآخرةِ. قال تعالى في المُوالاةِ بينَهم في الدنيا: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطينَ أولياءَ للذينَ لا يُؤمنون﴾ [الأعراف: ٢٧]. فكما جَعَلَ بينَهم وبينَ الشياطينِ مُوالاةٌ جعلَ للشياطينِ عليهم سُلطانً في الدُّنيا، فقالَ: ﴿إِنَّمَا سُلطانُه على الذينَ يَتَوَلَّوْنَه ◌ُ [النحل: ١٠٠]. ونَفَى المُوالاةَ بينَهُم في الآخرةِ فقالَ في مُوالاة الكفارِ بعضهم بعضاً: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلِىٌ عَن مَوْلِىٌ شيئاً﴾ [الدخان: ٤١]. قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهم﴾ [يوسف: ٨٤] أي أَعرضَ. قالَ بعضُهم: ((تَولَّى)) إِذا عُدِّي بنفسهِ اقْتَضَى معنَى الولايةِ وحصولُه في أقربِ المواضعِ. يقالُ: وَلَيتُ سَمعي كذا، ووليتُ عَيني كذا: أقبلتُ بهِ عليهِ. قال تعالى: ﴿فولٌّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال: وإذا عُدِّي بِعَن لفظاً أو تَقْدِيراً اقْتَضَى معنى الإعراضِ وتَركِ قُربِهِ. فمنَ الأولِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ومنَ الثاني: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فإِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بالمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٢]. قال: والتَّولي قد يكونُ بالجسم، وقد يكونُ بتركِ والإصغاءِ الائتمارِ؛ قال تعالى: ﴿ وَلا تَوَلُوا عنهُ وأَنْتُم تَسْمَعونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] أي لا تَفْعلوا ما فعلَ المَوصوفونَ بقوله: ﴿وَاسْتَغْشَوا ثيابَهُمْ وَأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا﴾ [نوح: ٧]. ولا تَرْتسموا قولَ مَن حكى عنهِم: ﴿لا تسْمَعوا لهذا القرآنِ والْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. وقولُهُ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٥] أي أنَّنا نكونُ مِن أوليائكَ. قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَه وَلِيٍّ مِنَ الذُّلِ﴾ [الإسراء: ١١١] أي ناصرٌ منَ الذلِّ، ولا مانعَ لهُ لاعتزازه. وقيلَ: لم يوالِ أحدٌ مِن أجلِ مَذَلَّةٍ. وقولُه تعالى: ﴿أَولِى لَكَ فأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] من هذا. ومعناهُ: العقابُ أَولى لكَ وبِكَ. قالَ الراغبُ(١): وقيلَ: هذا فعلُ المتعدِّي بمعنى افعلْ. يقالَ: وَلِيَ الشيءُ الشيءَ، وأوليتُ الشيءَ شيئاً آخَرَ، أي جعلتُه إِليهِ. وقيلَ: معناهُ انزجِرْ. وقيلَ: هذهِ كلمةُ تهديدٍ. وقالَ الأصمعيُّ: قاربَكَ فاحذَرْه؛ مأخوذٌ منَ الوليِّ وهو القُربُ. وإِعرابُ الكلمةِ أنَّ ((أولى)) مبتدأ، و((لك)) خبرُه على مَعنى (١) المفردات ٨٨٧. .-. ٣٤٤ باب الواو القرب منَ العذاب مستقرِّ لك. وقيلَ: ((أولى)) خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي العذابُ أولى لكَ وبكَ مِن غيرهِ. و((فأولى)) عَطفٌ عليهِ على سبيلِ التأكيدِ المعنويِّ. وفي هذا الحرفِ أقوالٌ كثيرةٌ حررتُها في ((الدرِّ المصونِ)) وغيره. قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِيِها (١)﴾ [البقرة: ١٤٨] أي مُتَولِّيها. والتّوليةُ تكونُ إقبالاً لهذه الآية، أي مُستقبلها. ويكونُ انصرافاً إِذا عُدِّيت بعن، وقد تَقدَّم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١] أي تحمَّلَ وِزْرَهُ مِن قولهم: تَولَّى الأمرَ، أي وليَهُ وتبعَهُ. وفي الحديث: ((ألْحِقُوا المالَ بالفرائضِ فما أبقَتِ السهامُ فلأَوْلى رجلٍ ذكرٍ))(٢) يَعني أَدنى وأقربَ في النَّسب. وفي الحديث أيضاً: ((سُئُلَ عنِ الإِبلِ فقالَ: أعنانُ الشياطين، لا تُقْبِلُ إِلا مُوَلْيَةً ولا تُدْبِرٍ إِلا مُولِيةً))(٣) قيلَ: هوَ كالمثلِ المضروبِ فيها، قالَّهُ الهرويُّ: وفي حديثٍ ((ابنٍ عمرَ )) أنَّه كانَ يقومُ لهُ الرجلُ مِن لِيَةٍ نَفْسِهِ فلا يقعُدُ مِكانَ نفسه))(٤) قالَ الأزهريُّ: هو عندي فعلُه منَ الحروفِ الناقصةِ أوائلُها. هو مِنْ وَلَي ◌َلِي، مثلُ دِيةٍ وشِيَة. وقالَ ابنُ الأعرابِيُّ: يقالُ: فعلَ كذا مِنْ إِيَةِ نفسِهِ، أي مِن قِبَلِ نفسِهِ؛ كأنَّ الواوَ جُعلتْ همزةٌ. وفي الحديثِ: ((نَهَى أنْ يجلسَ الرجلُ على الولاياً)) (٥) هو جِمِعٌّ وَلَيَّةِ، والوليّةُ: البَرْذَعَةُ، لأنها تَلي ظهرَ الدابةِ. وهذا كنايةٌ عن المكث على ظهورِ الدوابُ. والوَلاءُ في العتقِ استحقاقُ العتقِ. ووَرَّثْتُه المالَ العتيقَ مأخوذٌ من الوليِّ وَهِو القربُ والأحقِيَّةُ. وفي الحديثِ: ((نهى عن بيعِ الولاءِ وهِبَتَهِ))(٦) وكانتِ الجاهليةُ تفعلُ ذلك فنهاهم. فصل الواو والنون و ن ي: قولُه تعالى: ﴿وَلا تَنِيا (٧) في ذِكري﴾ [طه: ٤٢] أي لا تَفْتَرًا ولا تَضْعُفا. يقالُ: (١) قرأ ابن عامر وابن عباس وأبو رجاء وعاصم وأبو بكر (مُوَلاَها) الإتحاف ١٥٠ والنشر ٢٢٣/٢. . (٢) أخرجه البخاري في الفرائض، باب (٤) حديث ٦٣٥١ ومسلم في الفرائض ١٦١٥، (٣) الفائق ٢ /١٩١ والنهاية ٢٣٠/٥. (٤) الفائق ١ /٤١ والنهاية ٤ /٢٨٦ وغريب ابن الجوزي ٤٨٤/٢ . (٥) الفائق ١٨١/٣ والنهاية ٢٣٠/٥ وغريب ابن الجوزي ٤٨٤/٢. (٦) غريب ابن الجوزي ٢ /٤٨٤ والنهاية ٢٢٧/٥ والحديث لعبد الله بن عمر، أخرجه مسلم برقم ١٥٠٦. (٧) قرأ ابن وثاب ( تنيا)، وقرأ ابن مسعيد (تهنا) البحر المحيط ٦ /٢٤٥. ٣٤٥ باب الواو وَنَى في الأمرِ يَني: إِذا ضَعُفَ فيهِ وقصَّر في تحصيلهِ وَنْياً، وَتَوانِي تَوانياً. والأصلُ تَواتُياً بضمِ النونِ فكُسرتِ لتصحَّ الياءُ. والوَّنَى بفتحِ الفاءِ والعينِ: الفتورُ أيضاً. وزعمَ بعضُ النحويين أنَّ وَنى يجيءُ بمعنى زالَ الناقصةِ فتعملُ بعدَ النفيِ وشِبْهِهِ. يقالُ: ما وَنَّى زيدٌ قائماً، أي ما زالَ قائماً. وأنشدَ: [ من الخفيف] ١٨٤٢ - لا يني الحبُّ شِيمةَ الحِبِّ ما دا مَ فَلا تَحسِبَنَّه ذا ارعواءٍ (١) فصل الواو والهاء وهـ ب: قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسحاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. الهبّةُ: أنْ تجعلَ الملْكَ لغيركَ من غِيرٍ عِوَضٍ. يقالُ: وهبتُه هبةٌ ومَوْهباً. وقوله تعالى: ﴿لاَهَبَ لكِ غُلاماً زكياً﴾ [ مريم: ١٩]. قرىَ بإسنادِ الفعلِ إِلى المتكلمُ وهو جبريلُ لأنَّه سببٌّ في ذلكَ(٢)؛ وپإِسنادهِ إِلى الباري تعالى(٣). فالأولُ على التوسُّحِ، والثاني على الحقيقةِ. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] هو كثيرُ الهبةِ، أي العطية من غيرِ استحقاقٍ عليهِ، بل هوَ تفضّلّ منه على خلقهِ. فوُصِفَ اللّه تعالى بالوهابِ والوهاب على هذا النحوِ. وقالَ الراغبُ: وَيُوصَفُ اللّه تعالى بذلك، يَعني أنه يُعطي على قدْرٍ استحقاقه. وفي الحديث: ((لقد حَمَمْتُ أَلاَّ أنَّهِبَ إِلا مِن قُرَشِيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثَقَفي))(٤) الاتّهابُ: قَبولُ الهبة. وقد رَوى الهرويُّ هذا الحديثَ ولم يذكُرْ (( إلا مِن قرشي)) فقط. وقالَ في تفسيرهِ: يقولُ: لا أقبلُ الهديةَ، وذلكَ أنَّ في أخلاقِ أهلِ الباديةِ جفاءٌ وذَهاباً عن المودة وطلباً للزيادة. ر ھـ ج: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا سراجاً وَهَاجاً﴾ [النبأ: ١٣] اشتعالُها. والمعنى: جعلنا سراجاً مضيئاً قويًّ الضوءِ، والمعني به الشمسُ. الوَهَجُ: حصولُ الضوءِ وقوَّتُه. وقد (١) البيت بلا نسبة في الدرر ٤٨/٢ (الكويت) والهمع ١ / ١١٢. (٢) قرئت (أمرني أن أهب) البحر المحيط ١٨٠/٦. (٣) قرأ نافع وقالون وورش والحسن وشيبة والزهري ويعقوب (لِيَهَبَ) السبعة ٤٠٨ والنشر ٣١٧/٢. (٤) مسند أحمد ٢٩٥/١ والنسائي ٢٨٠/٦. ٣٤٦ باب الواو وَهَجتِ النارُ تَوْهَجُ، وَوَهَجَتْ تَهجُ، أي اتَّقَدتْ. وأنشدَ (١). وَتَوهَّجتِ الحربُ، على الاستعارة نحوُ: تَوقَّدَتْ. وتوقَّدَ الجوهرُ، أي تلالاً تَوقُّداً. وهـ ن : قولُه تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ (٢) العَظْمُ مني﴾ [مريم: ٤] أي ضعُفَ وَرَقَّ. وقالَ بعضُهم: الوَهنُ: ضعفٌ من حيثُ الْخَلْقُ والخُلُقُ. قوله تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ(٣)﴾ [لقمان: ١٤] أي ضَعفاً على ضَعفٍ، والمَعنى أنه كُلَّمَا عَظُم في بطنِها زادَها ضَعْفاً. قالَ قَتَادَةُ: جَهداً على جهدٍ. يقالُ: ضعُفَتْ لحملها إِياهُ مرةً بعدَ مرةٍ. قوله: ﴿ ولا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمروان: ١٣٩] أي لا تَضْعُفوا ولا تَجْبُنُوا. قالَ الفراءُ: يقالُ: وَهَنَهَ اللّهُ وَأَوْهَنَه. وفي الحديث: ((أنَّ فلاناً دخلَ عليهِ وفي عضُدِهِ حَلْقَةٌ من صُفْرٍ. فقالَ: هذا مِنَ الواهنةِ. فقال: أمّا إِنَّها لا تَزِيدُكَ إِلا وَهْناً)»(٤) قيلَ: الواهنةُ: عِرْقٌ يَأْخُذُ في المَنْكِبِ وفي اليدِ كلّها فيُرْقَى مِنْها. وقيلَ: هو مرضٌ يأخُذُ في عضُدِ الرجلِ، وربَّما عُقِد عليها جنسٌ من الخرزِ يقالُ: خَرَزُ الواهنةِ. وهي تأخُدُ الرجال دون النساء. وهـ ي: قوله تعالى: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦) أي منشقَّةٌ ضعيفةٌ. وأصلُ ذلك مِنَ الوَهْيِ وهو شَقُّ الأديمِ والثوبِ ونحوِهما، ومِنْ ذلك قولهم: وهت عَزَالي السماءِ بمائها(٥)، وذلك على الاستعارة. فصل الواو والياء و ي ل: قوله تعالى: ﴿ويلٌ لِلْمُطْفَّفِينَ﴾ [المطففين: ١]. الويلُ: القُبوحُ والتَّعَسُ. قالَ الأصمعيُّ: ويلٌ قَبوحٌ. وقد تستعملُ على التحسُّرِ ووَيْسٌ استصغارٌ، وويحٌ تِرِحُّمٌ. وقالَ (١) بياض في الأصل، ولعله يريد ما جاء في اللسان . مادة (وهج): ( مصمقرّ الهجير ذو وهجان) (٢) قرأ الأعمش (وهِن) وقرئت (وهُنٍ) البحر المحيط ٦ /١٧٣ . (٣) قرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي (وهَناً على وهَنٍ) البحر المحيط ١٨٧/٧. (٤) مسند أحمد ٤٤٥/٤. (٥) يقال للشيء إِذا استرخى. اللسان (وهى) والمجمل ٤ / ٩٣٨. ٣٤٧ باب الواو بعضُهم: ويلٌ: وادٍ فِي جهنَّمَ. قالَ الراغبُ (١): وَمَن قالَ: ((ويلٌّ وادٍ فِي جهنَّمَ)) (٢) فإِنه لم يُرِدِ أنَّ وَيْلاً في اللغةِ موضوعٌ لهذا وإِنَّمَا أَرادَ مَن قَال اللّه ذلكَ فيهِ فقد استحقَّ مَقَراً منَ النارِ وَثَبَتَّ له ذلك. وقالَ ابنُ كيسانَ: قَالَ ثعلبٌ: قالَ المازنيُّ: قال الأصمعيُّ: الويلُ قبوحٌ، والويحُ ترحُمٌ. وَيْس تصغيرُها، أي هي دُونَها. وقالَ الهرويُّ في قولهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لعمارٍ: ((وَيْحَ ابْنِ سُمَّيَّةَ تقتُلُهُ الفئَةُ الباغِيَةُ» (٣) توجُّعٌ لهُ. وَوَيْحَ: كلمةٌ تقالُ لمن وقعَ في هَلكةٍ لا يستحقُّها فيُترحُّمُ عليهِ وَيُرِقُ له. ووبلّ تقالُ لمن يستحقُها ولا يُترجَّمُ عليهِ. وقالَ سيبويهِ (٤): ويحَ كلمةُ زجرٍ لمن أشرفَ على الهَلكةِ، وويلٌ لِمن وقعَ في الهلكة. وقالَ ابنُ عرفةً: الويلُ: الحزنُ والمكروهُ. وأتشدَ: [ من الوافر] يَميني لا تُعلّلُ بالقليلِ (٥) ١٨٤٣ - تویَّل إِن مددت يدي و کانَتْ تَوَيَّل، أي دَعا بالوَيلِ. وإِنَّما يُفعلُ ذلك عندَ شدَّةِ الحزنِ. وعن ابنِ عباسٍ: الوَيلُ: المشقّةُ منَ العذاب. والوَيْلةُ تأنيثُ الويلِ؛ يقالُ: ويلٌ ووَيلةٌ. قالَ تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَنَا(٦)﴾ [الكهف : ٤٩ ] وقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلِتَا لَيْتَني لم أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] یریدُ : یا وَيُلْتِي، فَقُلبت الياءُ ألفاً وهيَ لغةٌ فَصيحةٌ. والمعنى: يا وَيْلَتا، تَعالَيْ فهذا وَقْتُكِ. وقالَ الفراءُ: الأصلُ في الويلِ وَيْ، أي حُزْنٌّ. كما نقولُ: وَيْ لفلان، أي حزنٌ له. فوصلتْه العربُ باللامِ، وقدَّروا أنها منه فأعربوها. ر ي: قوله تعالى: ﴿وَيْكانَّه﴾ [القصص: ٨٢] قالَ قطربٌ: وهيَ كلمةُ تفجُّعٍ، وكانَّ حرفُ تشبيهِ، إِلا أنَّه لم يَرْتَضِه. وقالَ غيرُه: أصلُها وَيْلَكَ، فحذفت اللامُ. ومنهُ قولُ (١) المفردات ٨٨٨. (٢) روي في ذلك عن النبي ◌َّ أنه قال: ((الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره)) أخرجه أحمد ٧٥/٣، وانظر عارضة الأحوذي ١٢ /٢١ (٣) الفائق ١٨٧/٣ والنهاية ٠٠٢٣٥/٥ (٤) لم يرد قوله في كتابه . وهو في فروق اللغات ٢٢٠ واللسان (ويح) (٥) البيت في اللسان والتاج (ويل). (٦) قرأ الحسن (يا ويلتي) الإتحاف ٣٢٩. ٣٤٨ باب الواو عنترةً: [ من الكامل] ٤ ١٧٤ - وَيْكَ عنترُ أَقْدِمِ (٢) وقيلَ: وَيْ كلمةُ تعجبٍ اسمُ فعلٍ مضارعٍ بمعنى أعجَبُ. والكافُ بمعنى لامٍ العلّة، أي أعجبُ لأنَّه لا يفلحُ. واختلفَ الرسمُ في وصلٍ ((وي)) بكلمةٍ (( كانَّ) وفَصْلِها. وقالُ الهرويُّ: وَي كلمةُ تذكيرٍ للتحيُّرِ والتندُّمِ والتعجبِ. وقد ذكرنا للناس أقوالاً كثيرةٌ في هذا الحرفِ في ((الدرِّ المصونِ)) و ((العقدِ النضيدِ)) وغيرهما. فعليكَ باعتماده ثَمَّةً. ۔۔ (١) تقدم برقم ١١٤١ في مادة (قدم) ٣٤٩ باب الياء فصل الياء والهمزة ي أُس: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٣] اليأسُ: انتفاءُ الطمعِ. يقالُ: يَئِسَ واسْتَياسَ نحوُ عَجِبَ واسْتَعْجبَ، وسَخِرَ واسْتَسْخَر. ومنهُ قولُه تعالى: ﴿فلمّا اسْتَياسُوا(١) منهُ خَلَصُوا تَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠]. وقولُه: ﴿أَفَلَّمْ بَيْأَسِ الذِينَ آمَنُوا﴾ [ الرعد: ٣١] قالَ بعضُهم(٢): ألمْ يَعْلموا عِلماً يَيْأسونَ معَه مِن أن يكونَ غيرَ ما عَلموهُ. ولهذا قالَ الراغبُ (٣): قيلَ: معناهُ أفلمْ يَعلموا ولم يُرد أنَّ اليأسَ موضوعٌ في كلامِهم للعلم، وإنَّما قصَدَ أنَّ يأْس الذين آمنوا من ذلك يَقْتضي أن يحصُلَ بعدَ العلمِ بانتفاءِ ذلك؛ فإِذاً ثبوتُ يأْسِهِم يَقْتَضي حصولَ علمِهم. قالَ بعضُهم: اليأسُ بمعنى العلم لغةً للنجع، وأنشد لجابر بن سحيم: [من الطويل] ١٨٤٥ - أقولُ لُهُم بالشُعبِ إِذ يَيْسِرونَني: ألم تيأسوا أني ابنُ فارسِ زَهْدَمِ؟ (٤) أي ألم يَعْلموا، وهو قولُ قَتادةَ. وقيلَ: معناهُ: أفلم بيأسِ الذين آمنوا من إِيمانِ مَن وصفَهم اللّه بأنّهم لا يؤمنون؟ لأنه قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللّه لَجَمعُهُمْ على الهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. قوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَفِسَ الكُفَّارُ﴾ [الممتحنة: ١٣] قالَ ابنُ عرفَةَ: مَعنى قولٍ مجاهدٍ: كما يئسَ الكفارُ في قُبُورِهم مِن رحمةِ اللّه تعالى لانَّهم (١) قرأ ابن كثير (استأيسوا) إملاء العكبري ٣١/٢ وقرأ ابن كثير وخلف وشبل (استايسوا) النشر ١ /٤٠٥ والإتحاف ٢٦٦. (٢) قرأ ابن كثير والبزي (يايس) الإتحاف ٢٧٠ وقرأ ابن عباس وعكرمة وزيد بن علي والجحدري (يتبين) البحر المحيط ٣٩٣/٥ والقرطبي ٣٢٠/٩. (٣) المفردات ٨٩٢. (٤) البيت لجابر بن سحيم أولاًبيه سحيم بن وثيل اليربوعي في اللسان (يسر، ياس، زهدم) والتاج (يسر، يفس، زهدم، لزم) وأساس البلاغة (يئس) وديوان الأدب ٤ /٢١٦. ٣٥٠ باب الياء آمنوا بالبعث بعد الموت فلم يَنْفَعْهم إِيمانُهم حينئذٍ. وقالَ غيرُه: كما يئسُوا من أصحاب القبور أنْ يَحْيَوا ويُبْعثوا. قلتُ: فقولُه: مِن أصحابِ القبورِ على القولِ الأولِ يكونُ بياناً لقولهِ ﴿الكفار﴾. وعلى الثاني تكونُ متعلقةٌ باليأسِ. وقد حقَّقْنا هذا في غيرِ هذا. قولهُ تعالى: ﴿كانَ يُؤوساً﴾ [الإسراء: ٨٣] أي شديد اليأسِ. يقالُ: أَيْسَ فهو آيسٌ ويؤوسٌ، نحوُ ضاربٍ وضَروبٍ. وفي صفتهِ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا يَأْسَ من طُولٍ)(١) فسَّرِه الهرويُّ بأنَّ معناهُ أنَّ قامتَه لا يُؤْيَسُ من طولِهِ، لأنَّه كانَ إِلى الطولِ أقربَ. وأنشدَ قولُ أبي وَجْزَةَ: [من الكامل] وحماسهن لها من الحساو(٢) يقول: يئسن من مباراتها في القوام. ١٨٤٦ - يَسَ القصارُ فليسَ مِن نِسوانِها فصل الياء والباء ي ب س : : قولُه تعالى: ﴿فاضْرِبْ لَهُم طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَسا(٣)﴾ [طه: ٧٧] قالَ الراغب(٤): اليَيْسُ: المكانُ الذي يكونُ فيه ماءً فيذهبُ. وَلَيْسُ: يابسُ النباتِ، وهو ما كانَ فيهِ رُطوبةٌ فذِهَبَتْ. يقالُ: يَبِسُّ النباتُ بَيْبَسُ ويَيْبِسُ يَيْساً وَيُبُوساً، فهو يابسٌ. قالَ تعالى: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابسٍ (٥)﴾ [الأنعام: ٥٩]. ويُستعارُ في كبرِ السِّنَّ فيقالُ: يَيِسَ عظمُه: لأن الشيخَ تَجِفُ رُطوبتُه . والأَيْيَسانِ: مالا لحمَ عليهِ منَ الساقينِ إِلى الكعبينِ. فصل الياء والتاء ي ت م: قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا اليتامى أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. اليتامى: جمعُ يتيم، وهو مَن (١) الفائق ١ ٧٨ والنهاية ٢٩١/٥. (٢) لم أهتد إِلى البيت. (٣) قرأ الحسن (يَبْساً)، وقرأ أبو حيوة (يابساً) البحر المحيط ٦ /٢٦٤. (٤) المفردات ٨٨٩. (٥) قرأ الحسن وابن السميفع وابن أبي إسحاق (ولا رطب ولا يابسٌ) البحر المحيط ٤ /١٤٦. ٣٥١ باب الياء فقَدَ أَبَاهُ قبلَ بلوغ الحِنْثِ ذكراً كان أو أنثى. فأمّا بعدَ البلوغِ فلا يُتْمَ، هذا بالنسبةِ إِلى الحقيقة الشرعية. وأمّا الْيُتْمُ لغةً فالانفرادُ. ومنه: دُرَّةٌ يتيمةٌ، لانفرادِها عن نظائرِها بحسْنها. وقالَ بعضُهم: الْيُتْمُ في الآدميينَ مِن فقدِ الآباءِ، وفي غيرِهم من الحيوانات من قبلٍ فقدِ الأمّاتِ. ونظيرُ يَتِيمِ ويَتَامى أسيرٌ وأَسارى. ويقالُ: يَتِمَ وبَيْتُمُ يُتْماً فهو يَتِيمٌ. وأنشدَ: [ من الطويل] ١٨٤٧ - وكِيدَ ضِباعُ القُفِ يَأْكُلْنَ جُتِي وَكِيدَ خِرافٌ بعدَ ذلكَ يَيْتُمُ (١) واليَتامي جمعُ اليتيمِ واليتيمةِ. قال تعالى: ﴿فِي يَتَامى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] وقالَ الشاعرُ: [من الرجز] النِّسوةُ الأراملُ اليتامى(٢) ١٨٤٨ - إِنَّ القبور تنکحُ الأیامی ومثلُ ذلك المسكينُ، جمعُ المسكينِ والمسكينةِ. وفي الحديثِ: ((إِنِّي امرأةٌ مُؤْتِمَةٌ))(٣) أي ذاتُ أَيتام. والأصلُ مِيتَمةٌ فقُلبتِ الواوُ لانضمامِ ما قبلَها. وهذه الروايةُ تُوافقُ رأيَ الأخفشِ في المحافظةِ على الضَّمةِ وقلبِ الحرف لأجلها. وقد ذكرْنا هذه القاعدةَ في قولهِ: ﴿ مَعيشة﴾ [ طه: ١٢٤]. قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامِى أَمْوالَّهُمْ﴾ سَمّاهُم يَتَامى بعدَ البلوغ اعتباراً بما كانوا عليهِ، كما يتجوَّزُ عن الشيءٍ بما يؤولُ إِليه كقولهِ: ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٣٦] وهو إنما يعصِرُ العنبَ. فصل الياء والدال ي د ي: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّه فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. واليدُ تطلقُ على العقد والعهد. وقيلَ: يدُه فوقَ أيديهِم في الثوابِ. وقيلَ: في الوفاءِ. وجاءَ في التفسيرِ: يدُ اللّه (١) البيت لأبي خراش الهذلي في ديوان الهذليين ٢ /١٤٨ وشرح أشعار الهذليين ١٢٢٠ واللسان (كيد ، زيل) وبلا نسبة في شرح المفصل ٧٢/١٠. وتقدم البيت في مادة (کید) برقم ١٤٠٨. (٢) الرجز القرشية في جمهرة اللغة ٥٦٤، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ١٢١٣ (تحقيق رمزي البعلبكي - دار العلم للملايين - بيروت - ١٩٨٧ وروايته فيه: (إِن القبور تنكح الايامى والصبية الأصاغر اليتامى والمرء لا تنقى له سُلامى ) (٣) الفائق ٢٢٦/٣ والنهاية ٢٩٢/٥. ٣٥٢ باب الياء في المنَّةِ عليهم فوقَ أيديهم في الطاعةِ. واليدُ تُعبِّرُ عن القدرةِ والسَّعة في الإنفاقِ. فمنَ الأولِ قولُه تعالى: ﴿وأولي الأيدي(١)﴾ [ص: ٤٥] أي القدرة والقوة. ومنّ الثاني قولُه تعالى: ﴿وقالت اليهودُ يَدُ اللّه مَغلولٌ غُلَّتْ أَيدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] ولذلك عَقَّبِهُ بقوله: ﴿بَلْ يداهُ مَبْسوطتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وهذا كنايةٌ عن بسطِ اليد في النفقة وقبضها. واليدُ: النعمةُ أيضاً. ومنه: لي على فلانٍ يَدِّ، إلا أنه خُولِفَ بينَهُمَا في الجمعِ فقالوا في الجارحةِ أيدٍ وفي الجمعِ أيادٍ ويَدَيّ. وأنشدَ الراغب(٢) [من الطويل] ١٨٤٩ - فإن له عندي يَديّاً وأنعُماً (٣) وإنّما أُطلقتِ اليدُ على هذه الأشياءِ لأنَّها يُتَعاطى بها ذلك. وقد ذكر الهرويُّ أنَّ اليدَ تُطلقُ على أشياءَ منها الاستسلامُ. ومنه قوله عليه الصلاةُ والسلام في مناجاته لربِّه. ((هذه يدي لك)) (٤) أي أنقدتُ واستسلمتُ. ومنه أيضاً حديثُ عثمانَ: « هذه يدي لعمارٍ) (٥) أي أنا منقادُ له فليحتِكمْ عليَّ. وقالَ الشاعرُ: [من الطويل] ١٨٥٠ - أطاعَ يَداً بالقَوْدِ فَهْوَ ذَلُولُ (٦) ومنها القدرةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولي الأيدي والأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. أي القُدرةِ والبصائرِ. وتقولُ العربُ: هُمْ يدٌ على الآخرينَ، أي قادرونَ عليهم. ومنه قولُ عليّ: بِنٍ عَديِّ الغَنَويُّ الذي عُرف بالغُدير: [من الكامل] ١٨٥١- فاعْمدْ لما يَعْلو فما لكَ بالذي لا تَستطيعُ منَ الأمورِ يدَان (٧) (١) قرأ المطوعي والحسن وابن مسعود والأعمش (الأيد) الإتحاف ٢٧٢، وقرئت (الأيادي) البحر المحيط ٤٠٢/٧. (٢) المفردات ٨٩٠. ! (٣) هذا عجز بيت وصدره: (فلن أذكر النعمان إلا بصالح). والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي في نوادر أبي زيد ٢٥٠ واللسان (زنم)، وللأعشى في اللسان (يدي)، والنابغة الذبياني في اللسان (نعم) ، وبلا نسبة في الخزانة ٧ / ٤٧٠ وشرح المفصل ١٠ /٥٦ واللسان (سود). (٤) الفائق ٢٢٧/٣ والنهاية ٢٩٣/٩ وغريب ابن الجوزي ٥٠٩/٢. (٥) الفائق ١ /٦٥٦ والنهاية ٢٩٣/٥. (٦) من الأمثال في اللسان ( يدي) ومجمع الأمثال ٤٣٣/١. (٧) البيت لعلي بن الغدير الغنوي في اللسان والتاج (علا) وأمالي القالى ١٨١/٢، ولكعب بن سعد الغنوي في التاج واللسان ( يدي)، ولسويد بن الصامت في أساس البلاغة (علو) . ٣٥٣ باب الياء أي قدرةٌ وطاعةً. ومنها القوةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أولي الايدي﴾ في القولِ الثاني. ومنها النعمةُ. ومنها المُلْكُ، ومنها السلطانُ، ومنها الطاعةُ، ومنها الأكلُ؛ يقالُ: ضَعْ يَدَكَ، أي كُلْ. ومنها الندمُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ولْما سُقْطَ في أَيْدِيَهُمْ(١)﴾ [الأعراف: ١٤٩] أي نَدموا، ومنها الغيظُ ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿فَرَدُّوا أيدِيَهُم في أفواهِهِم﴾ [إبراهيم: ٩] أي اغْتاظوا غَيظاً عظيماً. قالَ ابنُ مسعودٍ: عَضُّوا على أطرافٍ أصابعهم. وقالَ غيرُه: فعلوهُ حُتْقاً. وأنشدَ لصخر الهذلي: [من المتقارب] فأمسَى يَعْضُّ عليَّ الوظيفا(٢) ١٨٥٢ - قَدَ افْنِى أَناملَه أزمُه وقالَ الآخرُ: [ من المتقارب ] ١٨٥٣- يَرُدُّونَ فِي فيهِ عَشْرَ الحَسود(٣) واليدُ: العصيانُ، ومنه: جرحَ فلانٌ تارعاً يدَهُ، أي عاصياً. واليدُ: الجماعةُ، ومنه قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((وهم يَدٌّ على مَن سِواهُم))(٤) أي مجتمعون. يَعني أنَّ المسلمينَ لا يسَعُهم التجادلُ، بل يعاونُ بعضُهم بعضاً. ومنها الابتداءُ بالشيءٍ، ومنه: أعطاني عن ظهرِ يدٍ، أي ابتداءُ. واليدُ: الطريقُ، ومنه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «فأخَذَ بِهِم يَدّ البحر))(٥) أي طريقَ الساحل. واليدُ: الصَّدَقَةُ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((أَسْرَعُكُنَّ لُحوقاً أطولُكُنَّ يداً))(٦) أي أكثرُ صدقةٌ، فكانَتْ سَوْدَةَ. وكانتْ تحبُّ الصدقةً. وهذه المعاني التي ذكرها إِنما هي بطريقِ اللازمِ أو التجوُّز. ووجهُ ذلك كلّه ظاهرً، فلا حاجةً إِلى الإطالة معَه في البحث. وأصل اليد للجارحة، وأصلُها يَدْيِّ أو يَدَيِّ - بسكونِ العينِ وفتحِها - ويجمحُ على أَيْدٍ. قالَ تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشونَ بِهَا﴾ (١) قرأ يعقوب (أيديهم) الإتحاف ٢٣٠. (٢) تقدم برقم ٥٧٦ في مادة (رود)، والبيت في ديوان الهذليين ٢ /٧٣. (٣) الشطر دون نسبة في اللسان (يدي) وتهذيب اللغة ١٤ /٢٤٢. (٤) الفائق ٥١٤/٢ والنهاية ٢٩٣/٥ وغريب ابن الجوزي ٥٠٩/٢. (٥) الفائق ٣٣٦/٢ والنهاية ٢٩٤/٥. وغريب ابن الجوزي ٥٠٩/٢. (٦) أخرجه البخاري في الزكاة، باب (١٠) حديث ١٣٥٤ ومسلم في فضائل الصحابة ٢٤٥٢. ٣٥٤ باب الياء [الأعراف: ١٩٥] إلا أنَّ الراجحَ أنْ يكونَ فَعْلاً بدليلٍ جمعهِ على أفعِلٍ؛ فإِنَّ أَفْعِلُهُ فِي فَعْلٍ أكثرُ منْهُ فِي فَعَلٍ - فالفتح .- وقد جاءَ فيهِ نحوِ جَبَلٍ وأَجْبُلٍ، وزَمَنٍ وأزمُنِ. واستدلَّ بعضُهم على أنها ((فَعَل)) بالفتح من قولِهِم: يَدَيان، في التثنية، وفيه نظرً لانه لم يرِدْ ذلك إِلا ضرورةً. فيجوزُ أن تكونَ حركةُ العينِ للضرورةِ. ويدلُّ على أنَّ لامَه ياءٌ قولُهم في التثنية يَدَيان. وأنشدَ: [ من الكامل] ١٨٥٤- یدیان بيضاوان عندَ محلّمٍ قَدِ يَمْنعانِكَ أنْ تُضامَ وَتُظْهَر!(١) والأكثرُ في تثنيتهٍ حذفُ اللامِ كقولهِ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسوطِتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿تَبُّتْ يَدا أبي لهبٍ﴾ [المسد: ١]. وقد ترِدُ كالبيتِ المتقدِّم. ومثلُها في حذفِ اللامِ تثنيةٌ وَرَدِّها قليلاً دمٌ عكسُ أبٍ أخواتهِ. وقد حقَّقْتُ ذلك كله في موضوعات النحوٍ. قولهِ: ﴿فَوَيَلٌ لهم مِمّا كَتَبتْ أيديهم﴾ [البقرة: ٧٩] فنسبةُ الكُتب إِلى الايدي تنبيهٌ أنَّهم اخْتَلقوهُ بأفواههم، تَنْبيهاً على اختلافِهم، وإلا فمعلومٌ أنَّ الكِتْبَ والقَوْلَ إِنّما هُما باليدِ والفم. قولُه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجزيَةَ عِن يَدٍ وهُم صَاغِرونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أي عن قوة منگم وقُدرةٍ. وقیلاً: يُعطون ذلك في مقابلة نعمه عليهم في استقرارِهم ببلادٍ الإسلامِ. فصل الياء والسين ي س: 1 قولُه تعالى: ﴿يَس(٢) والقرآنِ الحَكيمِ﴾ [ يس: ١-٢] هذانِ حرفُ تهجٌّ، القولُ فيهما كالقولِ في سائرِ الحروفِ المقطعة نحوُ ((ألم)) و ((كَھَعص)). وفيها أقوالٌ كثيرةٌ جداً حررتُها في ((التفسيرِ الكبيرِ)) و((الدرِّ المصون)). وقيل: معناهُ یا رجلُ. وقيلَ: يا إِنسانُ. والاولُ أُصحُ. (١) البيت دون نسبة في اللسان والتاج (يدي) وتهذيب اللغة ١٤ /٢٣٨ والخزانة ٧ / ٤٨٢ . وثمة خلاف في الرواية . (٢) قرأ الحسن وابن عباس ونصر بن عاصم (ياسين)، وقرأ عيسى بن عمران (ياسين)، وقرأ الكلبي وشعبة وهارون الأعور ( ياسينُ) البحر المحيط ٣٢٣/٧ والقرطبي ٠٣/١٥ ۔۔ ٣٫٥٥ باب الياء - ي س ر: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً(١)﴾ [الشرح: ٦] اليُسْرُ: السهولةُ ضدُّ العُسر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسْرَ﴾ [المزمل: ٢٠] أي ما سَهُلَ. وقولُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القرآنَ للذُّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] أي سَهَّلناه. ولولا ذلكَ لم يُطِقِ أحدٌ أَنْ يحفظُه في صدرهِ. ولذلك كانتْ كتبُ الأولينَ لا تُحفظُ في الصدورِ؛ فإِنَّ كلامَ الله تعالى أعظمُ مِن ذلك لولا تيسيرُ ذلك. وأيْسرَت المرأةُ وتَيسَّرَتْ: وُلِدَتْ بسهولةٍ. قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهِ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] فإِنَّما سَهّلناهُ بلغتِكَ. قولُه تعالى: ﴿فَسَنْيَسْرُهُ للعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] لمشاكلة قوله تعالى: فَسَنْيَسْرُهُ لِلْيُسْرِى(٢)﴾ [الليل: ٧]. وقيلَ: على التهكم نحوُ: ﴿فبشّرْهُمْ بعذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. قوله: ﴿فَقُلْ لَهُم قَوْلاً مَيْسوراً﴾ [الإسراء: ٢٨]. واليسيرُ يقالُ في الشيءِ القليلِ. قولُه: ﴿وَكانَ ذلكَ على اللّه يَسيراً﴾ [النساء: ٣٠] خطاباً لهُم على ما يتعارفونَه من عسرٍ الأمور وسُهولتها. واليسيرُ يقالُ في الشيءِ القليلِ كقولهِ تعالى: ﴿وما تَلَّثوا بها إِلا يَسيراً﴾ [الأحزاب: ١٤]. قولُه: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي إلى يُسٍ وغنى. وقُّرِئٍ ((ميسَرَة)) و((ميسرة))، بالفتحِ والضمِّ(٢) . واليسارُ أختُ اليمينِ، والمشهورُ فتحُ الياءِ. ونقلَ الراغبُ كسرَها (٤). واليَّسَرَاتُ: القوائمُ الخِفافُ. ويسَرَتِ الغنمُ: تهيّأتْ للولادةِ. وأنشدَ الفراءُ لأبي أسيدةَ الدُّبيريُّ: [من الطويل] ١٨٥٥- هُما سیّدانا یزعمان، وإنّما يَسوداننا أنْ يَسُّرَتْ غَتَماهُما(٥) (١) قرأ أبو عمرى وأبو جعفر وعيسى بن عمر وابن وثاب (يُسُراً) الإتحاف ٤٤١ والنشر ٢١٦/٢. (٢) قرأ أبو جعفر وأبو عمرو (لليُسُرى) الإتحاف ٤٤٠. (٣) قرأ الكسائي (مَمُسَرَ) غيث الصفاقسي ١٧١، وقرأ نافع ومجاهد وشيبة والحسن (مَيْسُرَة) الإتحاف ١٦٦ والنشر ٢٣٦/٢، وقرأ عطاء ومجاهد وابن يعقوب (مَيْسُرِهِ)، وقرأ ابن مسعود (مَيْسُورِهِ) البحر المحيط ٢ / ٣٤٠. (٤) المفردات ٨٩٢. (٥) البيت لابي أسيدة في الدرر ٢٥٥/٢ (الكويت) والمقاصد النحوية ٤٠٣/٢ واللسان (يسر)، وبلا نسبة في الهمع ١ /١٥٣ واللسان والتاج (غنم) . ٣٥٦ باب الياء وفي الحديث: ((كُلِّ مُيسّرٌ لِما خُلِقَ لهُ))(١) أي مْهيًّاً ومَصروفٌ إِليه. وأنشدَ للأعشى: [من الطويل] أَمِينُ القُوى في صُلْبةِ المُتْرِنِّمِ(٢) : ١٨٥٦ - ويَسَّرَ سَهماً ذا غراءٍ يَسوقُهُ قولُه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسْرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] أي سهَّلَ خُروجَه. قوله تعالى: ﴿إِنّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الميسرُ: القمارُ. وله كيفيةٌ ذكرناها مُسْتوفاةً، واختلافُ أهْلِ اللغةِ فيها في كتابنا ((القولِ الوجيزِ)). وله عَشْرَةُ أسهمٍ مَعروفة. وقالَ بعضُهم: الميسِرُ: الجَزُورُ، لأنَّها تجزًّا. وكلُّ شيءٍ جزأتَهُ فقد يَسَّرْتَه. والياسِرُ: الجازِرُ. يقالُ: ياسِرٌ وَيَسْرِّ والجمعُ أيسارٌ. ورجلٌ يَسْرٌ وَأَيْسَرُ، أي سَهْلٌ. وفي الحديث: ((كان عمرُ أَعْسَرَ أَيْسَرَ))(٢) قال أبو عبيدة: هكذا رواهُ المحدِّثون، والصوابُ: ((أَعسَرَ يَسَراً)) وهو الاضبطُ الذي يَعْمِلُ بكلتا يديه. قولُه: ﴿ذلك كيل يسير﴾ [يوسف: ٦٥] أي لقلّته يسهُلُ إِعطاؤه. فصل الياء والقاف ي ق ظ : قولُه تعالى: ﴿وَتَحْسِبُهُمْ أَيْقاظاً﴾ [الكهف: ١٨] هُم جمعُ يقظٍ، بكسرِ العينِ وضمِّها. واليَقَظَّةُ: التنبُّهُ ضدُّ النَّومِ. ويقالُ: رجلٌ يقظانُ، والجمعُ يَقاظى. قال الشاعر: [من الطويل] ١٨٥٧- ينامُ پإحدى مقلتيه ويتّقي بأخرى الرَّزایا فَهْوَ یقظانُ نائم(٤) ي ق ن: قولُّه تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] أي الأمرُ الثابتُ الذي لا شكَّ يخالجُهُ. واليقينُ هو سكونُ الفَهم مع ثباتِ الحُكم، وأصلُه مِن يقَنَ الماءُ أي ثبَتَ وسكْنَ. قالَ بعضُهم: اليقينُ من صفةِ العلمِ فوقَ المَعْرِفةِ والدرايةِ، وأخواتِهما. يقالُ: علمُ يقينٍ ولا يقالُ: معرفةُ يَقِينٍ. وبِقالُ: عِلمُ اليقينِ، عينُ اليقينِ، وبينَهُما حقُ اليقينِ، فروقٌ. (١) أخرجه البخاري في القدر، باب (١) حديث ٦٢٢٣، ومسلم في القدر ٢:٦٤٩. (٢) ديوانه ١٧١ . (٣) الفائق ٤٤٦/٢ والنهاية ٢٩٧/٥ وغريب ابن الجوزي ٥١٠/٢. (٤) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ١٠٥ والخزانة ٤ /٢٩٢ (هارون) والمقاصد النحوية ٥٦٢/١. ٣٥٧ باب الياء فالأولُ أَدناها، والثاني أعلاها، والثالثُ بينَهُما. وفيها أقوالٌ غيرُ ذلك حققتُها في غير هذا الموضوع. قولُه: ﴿وَاسْتَيْقَتَنْهَا أَنْفُسُهم﴾ [النمل: ١٤] أي تَيَقْنَتْها. يقالُ: أيقنَ الرجلُ ويَقِنَ وتَيقَّنَ وَاسْتَيْقَنَ. وقوله تعالى: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ [الجاثية: ٤] وقوله تعالى: ﴿حَتّى يأتيَكَ اليقينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أي الحقُّ الذي وعدَكَ اللّه من نصرهِ لكَ ولدينه. وقيلَ: اليقينُ هُنا الموتُ ولا شكَّ أنَّ الموتَ فردُ من أفراده. قوله تعالى: ﴿وما قَتَلوُهُ يَقِيناً﴾ [النساء: ١٥٧] أي حكموا بذلك تَخميناً وتوهماً. فصل الياء والميم ي م م: قولُه تعالى: ﴿وَلا تَيَمِمُوا (١) الخبيثَ منهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي لا تقصدوا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا (٢) صَعيداً طيباً﴾ [النساء: ٤٣] أي اقْصُدُوا الترابَ . ومنه قولُ الشاعر: [من الطويل] ١٨٥٨- تيممت الماءَ الذي عندَ ضارج (٣) واليَمُّ: البحرُ، قيلَ: مُطلقاً. وقيلَ: هو الذي غرقَ فيهِ فرعونُ بخصوصهِ، ويُسمى أسافُ، وقيلَ: هو البحرُ بلغة الحبشة. واليمامُ: طائرٌ أصغرُ من الوَرْشانِ. واليمامُ: هو ذو الطّوق الذي يَكونُ في البيوتِ، عكسُ الحمامِ الذي لا يكون في البيوت. وهو خلافُ عُرُفِ الناسِ اليومَ. واليمامةُ: مدينةٌ معروفةٌ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ - لعنَه الله - يضافُ إِليها، فيقالُ: رَحمانُ اليمامة. ي م ن: قولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأتونَنا عنِ اليمينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي عن القوة (١) قرأ ابن مسعود (ولا تَأَمَّمُوا، ولا تُؤَمِّمُوا، ولا تَؤُمُّوا) البحر المحيط ٣١٧/٢ والقرطبي ٣٢٦/٣ (٢) قرأ ابن مسعود (فأُمُّوا) الطبري ٤٠٧/٨. (٣) صدر البيت لامرئ القيس في ديوانه ٤٧٥ واللسان والتاج (ضرج، عرمض) وأساس البلاغة (فياً)، وعجزه: ( يفيء عليها الطلح عر مضها طامى) . ٣٥٨ باب الياء والقهر، أي غَلبتمونا وقَهرتمونا حتى أطعناكم، ورَكَّبوا معاصِيَهم على قَادَتِهم. قالَ ابنُ عرفةً: أي تمنعوتَنا من طاعةِ الله، أي تأتونَنا من قبلِ الحقِّ فتُلبسوه علينا. والعربُ تنسبُ الفعلَ المحمودَ إِلى اليمينِ والمذمومَ إِلى الشمال. قالَ الشمّاغُ: [ من الوافر] تَلقَّاها عَرَابَةُ باليمينِ (١) ١٨٥٩ - إذا مارایةٌ رُفعت لمجد قولُه: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ باليمينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] عبارةٌ عن الهلكة، لأنَّ السيافَ عادةً يأخُذُ مَن يِضربُ عنقَه من جهة اليمينِ ليتمكَّنَ من ضربهِ. وقيلَ: معناهُ: أخذناهُ بالقوة والقدرة. وقيلَ: أَخَذْنَا قُوَّتَه وقُدْرتَّه. واليمينُ في الأصلِ هي الجارحةُ المعروفةُ. وعبِّر عن تلكَ الأشياء بها كما عبِّر عنها باليدِ فيما تقدَّم. وعبّر عن السعادةِ باليمينِ كقوله تعالى: ﴿وَأَصحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] الآية وعن الشقاوة بالشِّمالِ كقوله تعالى: وأصحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١]. ولذلك أُعطيَ السُّعداءُ كتُبَهم بالايمانِ، وضدُّهم بالشمائل. واليمينُ في القَسَم لأنَّ الحالفَ غالباً يصفّقُ بيمينهِ. وقُرِئَ قوله تعالى: ﴿إِنَّهم لا أَيمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] بفتحِ الهمزة جمعَ يمينٍ، أي لا موثقَ بيمينٍ لأنَّهم يَنْقُضون العهدَ. وبالكسرِ على أنه (الإيمانُ)) وهو التَّصديقُ بالجَنانِ(٢). والياءُ في الأولِ أَصِلٌ بنفسها. وفي الثاني مُنْقلبةً عن همزة حسبما بيناه غيرَ مرةٍ. وفي الحديث: ((الحجرُ الأسودُ يَمِينُ اللّه في الأرضِ))(٣) أي يُتَوَصَّل بهِ إِلى السعادةِ المقرِّبَةِ إِليه. واليمينُ والتيمُّنُ: السعادةُ. فصل الياء والنون ي ن ع: قولُه تعالى: ﴿وَيَنْعِهُ﴾ [الأنعام: ٩٩] أي نُضجهِ. يقالُ: يَنَعَتْ تَيْنَعُ يَنْعاً، وأَينَعَتْ إيناعاً فهيَ مُونِعَةً. وقالَ ابنُ الانباريِّ: الْيَنَعُ جمعُ يانعٍ وهو المُدرِكُ البالغُ؛ كأنَّه جعله مثلَ صاحبٍ وصَحْبٍ، وراكبٍ وركبٍ. قالَ القراءُ: أَيْنَعَ أكثرُ مِنْ يَنَعَ. قلتُ: وكأنَّ هذا الحاملَ لأبي بكرٍ على جعلهِ جَمعاً لا مَصدراً ثلاًّ يجيءَ القرآنُ على اللغة القليلة؛ إِذ لو ٠ (١) البيت في ديوانه ٣٣٦ ومحاضرات الراغب ١٤٢/١. (٢) قرأ ابن عامر وزيد بن على والحسن وعطاء (إيمان) الإتخاف ٢٤٠ والسبعة ٣١٢. (٣) المستدرك ١ /٤٥٧. ۔۔ ٣٥٩ باب الياء جاءَ على الكثيرِ لقيلَ: إِيناعهِ. وقرئ: ((ويُنْعِهِ))(١) قيلَ: هوَ جمعُ يانعٍ. قلتُ: وكأنَّه جعله مثلَ خادمٍ وَخُدْمٍ. وفي الحرفِ قراءاتٌ حررتُها في غيرِ هذا. واليَنَعَةُ: الخرزةُ الحمراءُ. فصل الیاء والواو ي ر م: قوله تعالى: ﴿وَذَكَّرُهُمْ بِأَيّامِ اللّه﴾ [إبراهيم: ٥] أي بِنَقماتِه وشدائده. والا يامُ يعبّرُ بها عن الشدائد والوقائعِ. ومنهُ أيامُ العربِ كيومِ الكُلابِ ونحوِهِ. وقالَ بعضُهم: إِضافةُ الأيامِ إِلى اللّه للتشريفِ لها لِما أفاضَ عليهم مِن نِعمهِ فيها. وقالَ عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ للحجاجّ الخبيثِ وقد أرسلَه: ((سِرْ إِلى العراقِ غِرار النومِ طويل اليومِ))(٢) أي اجتهدْ في المسيرِ دائباً ليلَكَ ونهارَكَ. واليومُ عبارةً عن مدةِ الزمانِ من طلوعِ الفجرِ إِلى غُرُوبِ الشمسِ، والنهارُ مثلُه، وقيل: بل هوَ مِن طلوعِ الشمسِ إِلى غروبها. وقد جعلَ الراغبُ(٣) اليومَ عبارةٌ عن وقت الشمس إلى غروبِها. وإِنَّه اشْتُبِهَ عليهِ ذلك القولُ المنقولُ في النهارِ. وقد يُعبِّرُ باليومٍ عن مطلقِ الزمانِ قلَّ أَوْ كثُرَ من ليلٍ أو نهارٍ. قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يومئذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهو عبارةٌ عن وقتِ الاحتضارِ. وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الذين تَوَلَّوا مِنْكُم يومَ الْتَّقَى الجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقالَ امرؤُ القيسِ: [ من الطويل] لِدَى سَمُراتِ الحِيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ (٤) ١٨٦٠ - كأنِّي غَدَاةَ البَیْنِ یومَ تَحمَّلوا وزعمَ بعضُهم أنَّ اليومَ في البيتِ على حقيقتهِ، وأنه بَدَلٌ مِن غداةَ، وجعله دليلاً على إِبدالِ الكُلِّ منَ البعضِ، هو مَذهَبٌ مَرَجوحٌ، وجوابُه ما تقدَّمَ. (١) قرأ ابن محيصن وقتادة والضحاك (ويُنْعه)، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميع (ويانعه) البحر المحيط ٠١٩١/٤ (٢) النهاية ٥ / ٣٠٣ وغريب ابن الجوزي ٥١٣/٢. (٣) المفردات ٨٩٤. (٤) تقدم برقم ٧٤٨ في مادة (سمر) وهو في ديوانه ٩. ٣٦٠ باب الياء وليكُنْ هذا آخِرَ ما أردْتُه وخاتمةً ما حررتُه. وكمُلَ الكتابُ وتمَّ، والحمدُ لمن فضلُه عمَّ. راجياً منه النفْعَ إِنْ شاءَ اللّه تعالى وبهِ التوفيقُ. وحسْبُنَا اللَّهُ ونعم الوكيل، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيمِ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وآله وصحبه وسَلِّمْ تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وكانَ الفراغُ من رَقْمِ هذهِ الأحرفِ الباليةِ الفانيةِ في يومِ الخميسِ المباركِ الثامنِ أو التاسع من ذي الحجةِ خِتَامَ عامٍ سنةٍ واحدٍ وثلاثِينَ وألفٍ منَ الهجرة النبوية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام. على يدِ أفقرِ العبادِ وأحقرِهم عبدُ الرحمن بنُ محمد المِنْشاويُّ. عفاالله عنه . جَلَّ مَن لا فيه عيبٌ وَعلا ١٨٦١ - إِنْ تَجِدْ عَيباً فسُدَّ الخللا