النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب النون نَصَب ينصُبُ نَصْباً ونَصَباً فهو ناصِبٌّ. وأَنْصَبني كذا: أَتْعَبني. وأنشدَ : [من الطويل] ١٦٤٥ - تأوَّبَنِي هَمِّ مع الليل مُنْصِبٌ(١) وهمِّ ناصِبٌّ من بابٍ ﴿ماءٍ دافقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿وعيشة راضيةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] على النَّسب. وأنشدَ للنابغة: [من الطويل] ١٦٤٦- كليني لهمِّ يا أميمةَ ناصِبٍ وليلٍ أقاسيهِ بطيءٍ الكواكب(٢) ويجوزُ أن يكونَ «نَصب» متعدياً وهذا منهُ، فيكونُ من بابٍ فعلَ وأفعلَ. ويقالُ: نصبٌ فهو نَصیبٌ وناصِبٌ، نحوُ فرح فهو فارح. قوله: ﴿إِلى نَصْبٍ يُوفِضون ﴾ أي إِلى عَلَمٍ مَنصوبٍ. ومَن قرأ ((نُصُب)) أو ((نُصْب)) فمعناه الأنصاب. قولُه: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبُ(٣)﴾ [الشرح: ٧]، أي إِذا فرغْتَ منَ الفريضة فاجهَدْ في النَّافلةِ، من نَصَب في كذا، أي تَعَبٍ. وقيلَ: إِذا فرغْتَ من صلاتِكَ فانْصَبْ في الدعاءِ والتَّضرُّعَ. قولُه: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] أي تعبانةٌ مجتهدةٌ في العبادة. وعَنَى بذلك الرهبانَ التي لا تَجني من عبادتها شيئاً. ونصابُ الشيءِ أصلُه وما يرجعُ إِليه. ومَنْصِبُ الرجلِ : زينتُهُ وما يعانيه ويرجعُ إِليه. ونصابُ السكينِ: بمنزلة الأصل لها. وناصبَةٌ في الحربِ، وفي العداوة. ويقالُ: تيسٌ أَنصَبُ، وعِيرٌ نَصباءُ، منتصبُ القرون، وناقَةٌ نَصْباءُ: منتصبةُ الصدرِ. ونَصَب السُّتْرَ: رفعَه. وتنصَّبَ الغبارُ: ارتفعَ. وَالنَّصْبُ: غناءُ العربِ يشبه الحُداءِ. وفي الحديث: (لو نَصَبتَ لنا نَصْبَ العربِ)) (٤) قالَ الهرويُّ: لو تَغْنَّيتَ. وَالنَّصبُ: ضربٌ من أغاني العربِ. والنصْبُ: أيضاً: أحدُ ألقابِ الإِعراب. والنصبُ أيضاً: الخطُّ المنصوبُ، أي المعيّنُ. (١) صدر بيت لطفيل الغنوي في ديوانه ٣٧ واللسان والتاج (عقب) وعجزه : ( وجاء من الأخبار ما لا أكذب). ١ (٢) ديوانه ٤٠ واللسان (نصب، أسس) وسيبويه ٢ /٢٠٧ وشرح المفصل ١٠٧/٢. (٣) قرئت (فانْصَب، فانصبْ) البحر المحيط ٤٨٩/٨. (٤) الفائق ٤٦٩/٢ والنهاية ٦٢/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٠/٢ والحديث لنائل مولى عثمان قاله لرباح ابن المعترف . ١٨٢ باب النون ن ص ت : قولُه تعالى: ﴿وَأَنْصُتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قيلَ: معناهُ اسْكُنوا سكوتَ المُستعمينَ. ونصَتَ وأَنصَتَ بمعنىٌّ واحدٍ. ويكونُ نَصَتَ متعدياً. وفي حديث طلحةَ. ((أَنْصِتوني))(١) يقالُ: أَنْصتَهُ وأَنصَتَ له، نحو: نصحتُه ونصحتُ له. قالَه الهرويُّ وقالَ الراغبُ(٢): الإنصاتُ: الاستماعُ إِلى الصوتِ معَ تركِ الكلام، قلتُ: لولا قولُه: مع تركِ الكلام كانَ تكريراً في الآيةِ الكريمةِ، ولذلك لم يفسِّرْه غيرُهُ إِلا بالسكوتِ. قيلَ: هو من بابِ قوله: ﴿صَلواتٌ من ربِّهم ورحمةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] لاختلاف اللفظ. قالَ: وقالَ بعضُهم: يقالُ: للإِجابةِ إِنْصاتٌ. قالَ: وليسَ ذلك بشيءٍ، لأنَّ الإِجابةَ تكونُ بعدَ الإنصاتِ، وإِن استُعمل فيه فذلكَ حثٍّ على الاستماعِ لتمكَّنِ الإجابةِ. ن ص ح: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَهُ ناصحونَ﴾ [القصص: ١٢] أي صادقون فيما يُشيرون به. عليه. قالَ أبو زيد: نصحتُه: صدَقْتُه. قولُه: ﴿تُوبوا إِلى اللّه تَوبةً نصوحاً﴾ [التحريم: ٨] أي صادقةٌ. وقال الراغب(٣)؛ النُّصحُ: يجري مجرى فعل أو قول فیهِ صلاحُ صاحبهِ. وهو مِن قولك نصحْتُ له الوُدَّ، أي أخلصته. وناصِحُ العَسَلِ: خالصُه، أو مِن قولِهِم: نصحتُ الجلدَ: خطّتُه، والناصحُ: الخيّاطُ، والنّصاحُ: الخيطُ. والتوبة النصوح من أحدٍ هذين الوجهينٍ؛ إِمّ الإِخلاصُ وإِما الإِحكامُ. ويقالُ: نَصوحٌ ونَصاحٌ مثلُ ذَهوبٍ وذَهاب وأنشدَ : [من الطويل] ١٦٤٧ - أحبَكَ حُباً خالطَتْهِ نَصاحَةٌ (٤) وقد قُرئَ: ﴿تَوبةٌ نَصُوحاً﴾ [التحريم: ٨] بفتح النون وضمّها (٥)؛ وقالَ الزجَّاجُ: (تَوبةً نصوحاً)) أي بالغةً في النُّصح؛ وهو مأخوذٌ منَ النصحِ وهو الخياطةُ، كأنَّ الغضبانَ (١) النهاية ٥ /٦٢ والفائق ٣ /٩١ (٢) لم ترد في المفردات مادة ( صمت) . (٣) المفردات ٨٠٨ . (٤) صدر بيت لذي الرمة في ديوانه ١٧٢٥ والتاج (معك) وعجزه : ( وإن كنت إِحدى اللاويات المواعك). (٥) قرأ عاصم ونافع والأعرج وعيسى وشعبة والحسن (نُصُوحا) الإتحاف ٤١٩ والسبعة ٦٤١. ١٨٣ باب النون يخرِقُ، والتوبةَ النصوحَ ترقَعُ. والنِّصاحُ والمِنْصَحُ: ما يخاطُ بهِ نحوُ إِزارٍ ومِئزرٍ. والنِّصاحُ أيضاً: الخيطُ. وقالَ ابنُ عرفةً: ((نَصوحاً)) خالصةٌ. ونصُحَ الشيءُ: خلصَ، ونصَح له: أخلَصَ له القولَ، وأنشدَ لجريرٍ بن الخطفى: [ من الطويل] ١٦٤٨- ترکْت بنا لَوْحاً ولو شئت جادنا بُعَيدَ الكَرِى ثلجٌ بِكَرْمانَ ناصِحُ(١) وفي حديث الشورى قال عبدُ الرحمن بن عَوفٍ: (( وإِنَّ جُرْعَةً شَروب أَنصَحُ لَكُم مِن عذبٍ مُوبٍ))(٢) وقالَ الأصمعيُّ: إِذا شرِبَ دونَ الرِّيِّ يقال: نَضَحتُ الرِّيَّ - بالضاد. معجمةٌ - فإِن روِيَ قيلَ ذلك بالصادِ - غيرَ معجمةٍ - نَصْحاً. ن ص ر: قوله تعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرْنِي﴾ [هود: ٦٣] أي يمنعُني. والنَّصْرُ والنَّصْرةُ: الإِعانةُ والمنَعَةُ. يقالُ: نصرْتُه، أي أعنتُه على عدوّه ومنَعْتُه منه. ونصَرَ الغيثُ البلدَ، أي أعانه على الخصبِ والنبات. ونصَرْتُ المكانَ: أتيتُه، قالَه ثعلبٌ وأنشدَ: [ من الطويل] ١٦٤٩ - إِذا دخَلَ الشَّهرُ الحرامُ فوَدِّعي بلادَ تميمٍ وانصُري أرضَ عامِر(٣) قولُه: ﴿والنَّصارى﴾ [آل عمران: ٦٧] قيلَ: هُم جمعُ نَصرانٍ نحوُ ندمانٍ ونَدامَى. المؤنثةُ نَصرانةٌ وينشدَ لأبي الأخرزِ الحمانيِّ: [من الطويل] ١٦٥٠- فكلتاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رأسُها كما أَسجدَتْ نَصرانةٌ لم تَحَّفٍ(٤) قالَ: وهم منسوبون إِلى ناصرةً، قيل: هي قريةً. وقالَ بعضُهم: قيلَ لهم نَصارى لأنهم نَصروا اللّه من قولهِ تعالى حكايةً عن عيسى: ﴿مَن أنصاري إِلى الله قالَ الحواريونَ نحنُ أنصارُ اللّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]. قالَ: ويقالُ: نصرانيٌّ وأنصارٌ، وأنشدَ: [ من الرجز] (١) ديوانه ١٠٠ وشرح شواهد المغني ٨٩٠. (٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٥٢٤ والنهاية ٢ /٤٥٥. (٣) البيت للراعي في ديوانه ١٣٣ (ألمانيا) واللسان والتاج (نصر). (٤) البيت للحماني في الإنصاف ٤٤٥ وسيبويه ٣ /٤١١ واللسان (نصر)، وبلانسبة في الكتاب لسيبويه ٢٥٦/٣. ١٨٤ باب النون شَمَّرَّتُ عن ركبتي الإزارا(١) ١٦٥١ - لما رأيتُ نَبطأ أنصارا يريدُ: نَصارى. ويقالُ: نَصرانيٌّ بِيِّنُ النَّصرانيةِ. وقيلَ: هم منسوبونَ إِلى قريةٍ يقالُ لها نَصران، وهذا أقيسُ في النسبِ مِن كونِها ناصِرة. قولُه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] نصرةُ اللّهِ لعباده، وأمَّا نصرتُهم له تَعالى فمعناها إِنْ تَنْصروا دينَ اللّه ينصُرْكُم وتَنْصُرُوا أنبياءَه وأولياءَه. وقيل: نصرتُه القيامَ بحفظِ حدوده ورعاية عهوده واعتبارٍ أحكامهِ واجتناب نهيهٍ. قلتُ: هذا هوَ نصرةُ دینِ اللّهِ بعينِهِ، فهو شرحٌ لذلك. قولُه: ﴿أَنِي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ولم يقُلْ فَانْصُرْنِي، تنبيهٌ على أنَّ ما نالَ النبيَّ وكانَّما نالَ مَن أرسلَه على سبيلِ المجازِ كقوله حكايةً عن ربِّه: ((مَن عادَى ثي ولياً فقد آذَنَني بالمحاربةِ)»(٢). وفي معناهُ: ﴿إِنَّ الذينَ يُبايعونَكَ إِنَّما يُبايعونَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٠] قال الراغبُ (٣)؛ لم يقُلْ: اهْصُرْ تَنْبيهاً أَنَّ ما يلحَقُنِي يلحَقُكَ مّن حيثُ إِنِّي جئتُهُم بأمرِكَ، فإِذا نَصَرْتَني فقد انتصْتَ لنفسِكَ. وفي العبارةِ بعضُ شيءٍ، ونصرتُ فلاناً: أعطيتُه، وهو استعارةٌ من العَونِ أو من انصرِ المطرِ الأرضَ. وفي الحديث: ((لاَ يُؤْمََّّكُمْ أَنْصَرُ ولا أَزَنُّ ولا أَفْرَعُ)) (٤) الأنصَرُ: الأَقلَفُ، والأُزَنُّ: الحاقِنُ، والأُفرَعُ: الموسوسُ. كذا جاءَتْ مفسَّرَةٌ في الحديثِ. ن ص ف: قولُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. النصفُ من كلِّ شيءٍ شطرُهُ مساوياً له في القَدْرِ. يقالُ: نَصْفٌ ونَصيفٌ. وفي الحديث: ((ولا نَصِيفَه))(٥). ويقالُ: نصْفٌ ونَصيفٌ نحوُ عُشرٍ وعَشير. ونصَفَ ينصُفُ، وأنشدَ: [ من الكامل] ١٦٥٢ - نَصَفَ النَّهَارُ، الماءُ غامرُهُ ورفيقُهُ بِالْغَيْبِ لا يَدْرِي(٦) (١) الشطر الأول في اللسان والتاج (نصر) دون نسبة . (٢) أخرجه البخاري في الرقاق، باب (٣٨) حديث ٦١٣٧ : (٣) المفردات ٨٠٩. (٤) الفائق ٣ / ٩٩ وغريب ابن الجوزي ٤١١/٢ والنهاية ٦٤/٥. (٥) الفائق ١٥/٣ وغريب ابن الجوزي ٤١٢/٢ والنهاية ٦٥/٥. (٦) البيت للمسيب بن على فى ديوانه ٦١٠ والتاج واللبان (نصف) وتهذيب اللغة ٢٠٣/١٢. ١٨٥ باب النون ونصَفَ النَّهارُ، أي بلغَ نصفه، وانتصَفَه كذلك. فنصَفَ وانتصَفَ يكونانِ لازمينٍ ومتعدِّيينٍ. والنَّصيفُ أيضاً: مكيالٌ كبيرٌ. والنصيفُ أيضاً: المقْنعةُ، وقيلَ: الخمارُ، كانه نصْفُ مِقنعةٍ. وفي الحديثِ في صفةِ الحور: ((ولَنَصيف إِحداهُنَّ على رأسِها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فيها)(١). وقيلَ: هوَ مِعْجرُ المرأةِ. وأنشدَ النابغة الذبيانيّ: [من الكامل] فتناولَتْهُ وَاتَّقَتنا باليد (٢) ١٦٥٣ - سَقَط النَّصيفُ ولم تُرِدْ إِسقاطَهُ والنَّصَفُ: المرأةُ العَوانُ، أي التي لم تبلُغْ سِنَّ الكبرِ وتجاوزَت الصِّغَرَ؛ فهي بينَ السنَّيْنِ، وأنشدَ: [من البسيط] فإِنَّ أطيبَ نِصْفَيها الذي ذَهَا(٣) ١٦٥٤ - وإِنْ أتَوْكَ وقالوا إنها نَصَفٌ والإنصافُ في المعاملةِ العدْلُ، وهو أنْ لا تأخُذَ مِن صاحبك منَ المنافعِ إِلا مثلَ ما تُعطيه، ولا تُنيلُه مِنَ المضارِّ إِلا مثلَ ما ينالُه. والخادمُ: نَاصِفٌ، والنَّصَفَةُ: الخِدْمَةُ. وفي حديثٍ ابنِ عباسٍ وذُكر داودُ فقالَ: ((دخَلَ المحرابَ وأَقْعَدَ مِنْصَفاً على البابِ))(٤) يعني خادماً. وجمعُ الناصِفِ نُصُفٌ. والإنصافُ والانْتصافُ: طلبُ النَّصَفة. ن ص و : قولُه تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] الناصيةُ: مقدَّمُ الرأسِ، وهي قُصاصُ الشعرِ: والسَّفْعُ: الأخذُ بها. قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنَّواصِي والأقدامِ﴾ [الرحمن: ٤١] أي تُجمَعُ نَواصيهم إِلى أقدامهم، ثم يُطرحُ بهم في النارِ كقوله: ﴿فَكُبْكِبوا فيها هم والغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]. ونَصْوتُ فُلاناً، وانْتَصَيتُه، ونَاصَيْتُه: أخذتُ بناصيتهِ. وقولُه: ﴿ ما مِن دابَّةٍ إِلا هُوَ آخذٌ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦] عبارةٌ عن اقتداره تعالى وقهرهِ لكلِّ ما يدبُّ على الأرضِ من إنسانٍ وغيره. (١) أخرجه البخاري فى الجهاد، باب (٦)، حديث ٢٦٤٣ ومسند أحمد ١٤١/٣. (٢) ديوانه ٩٣ واللسان ( نصف) . (٣) تقدم مع بيت آخر برقم ١٨٥ في مادة (بكر) وهو لأبي علي الحرمازي في ديوان المعاني ٢٤٠/٢ وعيون الأخبار ٤ /٤٣. (٤) الفائق ٩٨/٣ والنهاية ٦٦/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٢/٢. : ١٨٦ باب النون ولامُ الناصية. يجوزُ أنْ تكونَ واواً وأنْ تكون ياءً. ويدلُّ على ذلك أنَّ العلماءَ ذكروها في المادَّتينِ. وفي حديث عائشةَ رضي اللّه تعالى عنها: ((على مَ تَنْصُونَ مَيْتَكُمْ؟)) (١) أي تُسرِّحون شعِرَهُ. وأصلُه من تسريحِ الناصية. يقالُ: نَصَوْتُ الرجلَ أنصوهُ نَصْواً، أي مددْتُ ناضِيتَه، ويُروى عن عائشةَ: ((مالكُمْ تَنْصُون مَيَتكم)) أي تَمُدُّونَ ناصيتَه؛ قالهُ الراغبُ(٢) .. وفلانٌ ناصيةُ قومِهِ، كقولك: رأسُهم وعينُهم ووجهُهم. والنَّصْيُ مرعى من أفضلٍ المراعي. واستُغيرَ للكثيرِ؛ فقيلَ: فلانٌ نَصْيَةُ قومهِ، لنفعهِ لهم نفعَ المراعي. وفي الحديث: (نَصِيَّةٌ مِن هَمْدانَ))(٢) أي الرؤساءُ والأشرافُ، أخذاً من الناصية. (( وانتصَيْتُ منَ القومِ. "رجلاً))(٤) أي اخترْتَه. وفي الحديث: ((لم تكُنْ واحدةٌ تُناصيني))(٥) أي تنازِعُني، كان كلَّ واحدٍ يأخدُ بناصيةِ الآخَرِ فصل النون والضاد ن ض ج: قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا تَضِجَتْ جُلُودُهُم﴾ [النساء: ٥٦] النِّضْجُ والنَّضْجُ: إِدراكُ اللحم نهاية شَيِّه وطبخهِ. قالَ امرؤ القيسِ: [ من الطويل] ١٦٥٥ - فظَلَّ طُهاةُ اللحم ما بين منْضِجٍ صَفِيفَ شواءٍ أو قَدِيرٍ مُعْجَّل(٦) وناقَةٌ مُنَضِّجَةٌ: جاوزَتْ بِحَمْلِها وقتَ ولادَتِها. وفلانٌ نَضيجُ الرأي، أي مُحكَمُه. وفي حديثٍ لقمانَ بن عادٍ: ((قريبٌ مِن نَضيجٍ بَعِيدٌ مِن نِيءٍ))(٧) يريدُ أنه لا يُعجلهِ الفزعُ من إنضاجٍ ما يطبخُه وهم يُمدحون بذلك. وصارَ ذلك كنايةٌ عن العجلة. وأنشدً للشمّاخ: [ من الطويل] (١) الفائق ٩٨/٣ والنهاية ٥ /٦٨ وغريب ابن الجوزي ٤١٣/٢. (٢) المفردات ٨١٠ .. (٣) الفائق ٩٤/٣ والنهاية ٥ /٦٨ وغريب ابن الجوزي ٤١٣/٢. (٤) النهاية ٦٨/٥. (٥) الفائق ٩٨/٣ والنهاية ٩٥/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٣/٢، والحديث لعائشة . (٦) تقدم برقم ٥٨٨، وهو في ديوانه ٢٢ . (٧) الفائق ١ /٥٨ والنهاية ٦٩/٥ ١٨٧ باب النون وحرُّ الشواءِ بالعَصا غيرُ مُنْضِجٍ (١) ١٦٥٦- وأشعثَ قد قدَّ السِّفارُ قميصَهُ ويريدُ أنَّه لا يُنضجُه لعجلته. ن ض خ: قولُه تعالى: ﴿فيهِما عَينان نَضَّا خَتانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] النَّضْخُ والنَّضْحُ، متقاربانٍ وهما رشُّ الماءِ. وقالَ الأصمعيُّ: النَّضخُ فوقَ النَّضحِ، قالَ: ولا يقالُ منها فَعِلَ ولا يَفْعِلُ. قالَ أبو زيد: هُمَا سَواءٌ يقالُ: نَضَختُ أَنضَخَ بالفتح، بالحاء والخاء. والنِّضاعُ: المُناضَخةُ، وأنشد : [ من الطويل] ١٦٥٧ - بهِ مِن نَضاخِ الشُّلِ رَدْعٌ كأنَّهُ نُقاعةُ حنّاءِ بماءِ الصَّوبرِ(٢) وقال القطاميُّ: [من الكامل] سُرُحَ اليدينِ تُخالسُ الخَطَرانا(٣) ١٦٥٨ - وإِذا تَضَيَّفني الهمومُ قَرَيْتُها نُضختْ مغابئها به نَضخانا حَرَجاً مِنَ الكُحيلِ صُبابَةً ويقالُ: نَضَخْناهم بالنَّبَل، أي فَرَّقناها فيهم، بالحاءِ والخاءِ. والنَّضْخَةُ: المطرةُ. وأنشدَ : [ من البسيط ] وهُمْ كِرامٌ إذا اشتدَّ الملازيبُ (٤) ١٦٥٩- لا يَفْرحون إِذا ما نَضْخٌ وَقَعتْ وعينٌ نَضَّاخَةٌ: كثيرةُ الماءِ. وقالَ أبو عبيدِ الهَرويُّ: النَّضخُ دونَ النَّضحِ. وقالَ في تفسير قولٍ قتادةَ: ((النَّضَحُ من النَّضحِ))(٥) أي من أصابَه نضحٌ منَ البولِ فعليهِ أنْ ينضَحَه بالماءِ. وقالَ ابنُ الأعرابيّ: النَّضْخُ: ما نَضَخْتَه بيدِك مُتَعمِّداً، والنَّضْحُ: مِن غيرِ اعتمادٍ؛ إِذا مرَّ فوطئَ على ماءٍ فنضَحَه عليه. فهذا فرقٌ من وجهٍ آخَرَ. وفي حديثٍ إِبراهيمَ: (( كانَ لا (١) ديوانه ٨٠ واللسان (نضج) وشرح الحماسة للتبريزي ٤ /١٣٣. (٢) البيت دون نسبة في اللسان والتاج (نضخ ، نقع) (٣) ديوانه ٦٠ واللسان والتاج (نضخ) . (٤) البيت دون عزو في اللسان والتاج (لزب، نضخ) والأساس (نضخ) . (٥) الفائق ١٠١/٣ والنهاية ٥ / ٧٠ وغريب ابن الجوزي ٤١٤/٢. ١٨٨ باب النون يَرَى بِنَضْحِ البَولِ بأساً﴾(١) قالَ الهرويِّ: أي بنثرِهِ. ن ض د : قولُه تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] أي مُتراكبٌ بعضُه على بعضٍ. يقالُ: نَضَدْتُ المَتَاعَ: ألقيتُ بعضَه فوقَ بعضٍ، فهو نَضيدٌ ومَنْضودٌ. والنَّضَدُ أيضاً: السحابُ المُتراكمُ. وأنضادُ القومِ: جماعاتُهم. ونَضَّدُ الرجلِ: مَن يتقَوَّى بهم من أعمامه وأخواله. والنضَدُ: السريرُ الذي يُنْضَدُ عليه المَتَاعُ. ومنه الحديثُ: ((احتبسَ الوحيٌ لكلب))(٢). وقيلَ: النَّضَدُ: متاعُ البيتِ. وقال أبو بكرٍ: ((لَتَّخِذُنَّ عليهم نضائِدَ الدِّيباجِ))(٣) الواحدةُ نَضيدةٌ وهي الوسادةٌ، وأنشدَ لأبي محمد الفَفْعَسِيُّ: [ من الرجز] ١٦٦٠- وقَرَّبَتْ خُدَّامُها الوسائدا حتى إذا ما عَلُّوا النَّضائد! سَبْحتُ ربي قائماً وقاعدا(٤) وفي الحديث: ((شجرُ الجنةِ نَضِيدٌ من أصلها إِلى فَرْعِها))(٥) يريدُ: ليسَ لها سوقٌ خاليةٌ من الثمرِ. ن ض ر: قولُه تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجوهِهِم نَضْرَةَ (٦) النَّعِيمِ﴾ [ المطففين: ٢٤ ] أي حسنُه. ورونقهُ. قالَ تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمِ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: ١١]. قولُه تعالى: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ (٧) إلى ربِّها ناظرةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] أي مسرورةٌ حسنةٌ. والنَّضْرةُ والنَّضارَة: الحُسْنُ والبَهجةُ. ومِنه قيلَ للذَّهب نُضارٌ. (١) النهاية ٥/ ٧٠، وهو إبراهيم النخعي. (٢) الفائق ١٠٠/٣ والنهاية ٧١/٥ وتتمة الحديث: ((أن جبريل عليه السلام احتبس عنه لكلب كان تحت نضد)). (٣) الفائق ١ / ٨١ والنهاية ٥ / ٧١ وغريب ابن الجوزي ٤١٤/٢. (٤) الرجز في اللسان والتاج (نضد ) . (٥) الفائق ١ /٣٣٢ والنهاية ٧١/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٤/٢، والحديث لمسروق . (٦) قرأ يعقوب وطلحة وشيبة والزعفراني (يُعْرَفُ .. نَضْرَةُ) الإتحاف ٤٣٥ والنشر ٣٩٩/٢. (٧) قرأ زيد بن علي (نَضِرَةٌ) البحر المحيط ٣٨٨/٨ . ١٨٩ باب النون وأخضَرُ ناضرٌ كأصفَرَ فاقعٍ. وقدَحٌ نُضارٌ: خالصٌ. ويُروى بالإضافة، أي مُتَّخدٌ من شجرٍ هذا اسمُهُ تشبيهاً بالذَّهبِ. وفي الحديث: ((نَضَرَ اللَّهُ امراً)(١) يُروَى بالتخفيفِ والتَّشديد، أي حسَّنَ. وأنشدَ الأصمعيُّ شاهداً للتشديدِ قولَ ابنِ قيسٍ الرقيات: [ من الخفيف ] بسجستانَ طلحَةَ الطَّلَحات(٢) ١٦٦١- نضَّرَ اللَّهُ أَعْظُماً دَفَتوها ورواهُ أبو عبيدٍ بالتخفيف، أي نَعِمَ. ويقالُ: نضَرَهُ، ونضِرَ يَنْضَرُ لغتان. وقالَ الحسنُ بنُ موسى: ليس هذا من الحسنِ في الوجهِ، إِنما معناهُ حسِّنَ اللَّهُ وجهَه في خلقه، أي جاهّه وَقَدْرَه. وهو مثلُ قولهِ: ((اطلبوا الحوائج إِلى حسان الوجوه))(٣) يعني به ذَوي الوجوه في الناسِ وذَوي الأقدارِ فيهم. وقالَ ابنُ شميلٍ: نضَّر الله، ونضَرَ الله، وأنْضَرَ اللَّهُ. وفي حديثٍ إِبراهيمَ: ((لا بأسَ أن يَشربَ في قدِحِ النَّضار))(٤)، قالَ شَمِرٌ: قالَ بعضُهُم: هي الأقداحُ الحُمُر الجيشانيَّةُ . وقالَ ابنُ الأعرابي: النَّضارُ: البيعُ، والنضارُ: شجرٌ الإبل، والُّضارُ: الخالصُ من كلِّ شيءٍ، والنَّضار والنَّضِيرُ والنَّضَر: الذهبُ. وقد سُمي بكلِّ مِن هذه الألفاظ الثلاثةِ شَخصٌ منَ الأَناسيّ. ومنه: بَنو النَّضير، والنضرُ بنُ الحارثِ. وأنشدَ بعضُهم عن الشيخ تقيِّ الدين بنِ دقيقِ العيدِ لنفسه: [ من الكامل] أبداً، ويُخفِضُ عالي المقدارِ ١٦٦٢ - والدَّهرُ كالميزانِ يرفَعُ ناقصاً في الوزنِ بينَ نَحاسةٍ ونُضارٍ وإِذا انْتَحِى الإِنصافُ ساوَى عدلُهُ فصل النون والطاء ن ط ح : قولُه تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ (٥)﴾ [المائدة: ٣] هي ما نَطَحها غيرُها منَ النَّعم فماتَتْ. وكانوا يأكلونها كسائرِ الميتاتِ. وفعيلٌ إِذا كانَ بمعنى مفعولٍ حقُّه أَلا يؤنَّثَ إِلا إِذا ألبسَ، (١) الفائق ٩٩/٣ والنهاية ٥ / ٧١ وغريب ابن الجوزي ٤١٤/٢. (٢) ديوانه ٢٠ والحيوان ٣٣٢/١ والخزانة ١٠/٨ وشرح المفصل ٤٧/١ واللسان (طلح). (٣) كشف الخفاء ١٣٦/١ والمجازات النبوية ١٦٣. (٤) الفائق ٣/ ١٠١ والنهاية ٧١/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٤/٢ وهو إبراهيم النخعي . (٥) قرأ ابن مسعود وأبو ميسرة (والمنطوحة) البحر المحيط ٤٢٣/٣. ١٩٠ باب النون نحو: مررتُ بقبيلة بني فلان. وقد خرجتْ هذه اللفظةُ عن نظائرها فأُنَّثَتْ، ومثلُها: الذَّبيحةُ. والناطحُ: ما استِقبلَكَ بوجههِ مِن ظبيٍ أو طائرٍ، كأنه يَنْطِحُكَ. والعربُ تتشاءَم بهِ. والناطحُ أيضاً: الوعلُ، وأنشدَ للأعشى: [من البسيط] ١٦٦٣- كناطحٍ صخرةً يوماً ليقلعها فلم يَضِرْها وأَوهَى قَرْنَهِ الْوَعِلُ(١). ورجلٌ نَطيحٌ: مشؤُومٌ. وَواطِحُ الدهرِ: شدائدُه. وفرسٌ تطيحٌ: يَأْخُذُ وْدَيْ رأسِه بياضٌ. وفي الحديث: ((فارسُ نطحةً أو نطحتينٍ ثم لا فارسَ))(٢). وقال أبو بكرٍ: معناهُ تَنطحُ نطحةً ثم يزولُ ملكُها ويذهبُ، فحذفَ الفعلَ كقولِ حُميدٍ بنٍ ثورٍ: [ من الطويل] وفي الحبلِ رَوْعَاءُ الفؤادِ فَروقُ (٣) ١٦٦٤ - رأتني بحَلَيها فصدَّتْ مَخافةٌ أي رأتْني أقبلتُ بحبليها. ن ط ف: قولُه تعالى: ﴿نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] النُّطفةُ هنا المنيُّ المخلوقُ منه البشرُ. وأصلُها الماءُ الصافي، فعبَّرَ بها عن ماءِ الفحل. وقيلَ: النُّطفةُ أصلُها للماءِ قليلاً كان أو كثيراً، ومنه الحديثُ: ((حتى يسير الراكبُ بينَ النُّطفتينِ لا يَخْشِى جَوراً)»(٤) أي بين بحرِ المشرق وبحرِ المغرب، وفي بعضِ الأخبار: ((إِنا نقطعُ إِليكُم هذه النُّطفة))(٥) أي ماءُ البحر. وشربَ بعضُ الأعرابِ من ركيَّةٍ فَقالَ: هذه نُطفةٌ عذبةٌ. وليلةٌ نَطوفٌ، أي ممطرةٌ. والناطفُ: السائلُ من المائعات. وفلانٌ نطَفَ بسوءِ، استعارةٌ لصدورِ الشرِّ منه. ويُكنَّى عن اللؤلؤَّةِ بالنُّطفةِ. ومنه صبيٌّ مُنَطَّفٌ، أي في أذُنِهِ نُطفةٌ من اللؤلؤة . ن ط ق: قوله تعالى: ﴿عُلَّمْنَا مِنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] أي أنَّ اللَّه تعالى عَلَّمنا من (١) ديوانه ١١١ والمقاصد النحوية ٥٢٩/٣ والتاج (وعل). (٢) النهاية ٧٣/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٦/٢ وبعده في النهاية ((معناه أن فارس تقاتل المسلمين مرتين ثم يبطل ملكها ويزول ، فحذف الفعل لبيان معناه». (٣) ديوانه ٣٥ واللسان والتاج (نسع، فرق) . (٤) الفائق ١٠٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٤١٦/٢ والنهاية ٧٤/٥. (٥) المصادر السابقة . ١٩١ باب النون أصواتِ الطيرِ ما تقولُ، وإِن لم تنطقْ بنطقِ البشر. فسمَّى أصواتَ الطيرِ نُطقاً، اعتباراً بفهمه عنها؛ فمن فَهم من شيءٍ فهو ناطقُ بالنسبةِ إِليه، وإِنْ كان صامتاً بالنسبةِ إِلى غيرهِ. والنُّطْقُ في العُرفِ العامُ: الأصواتُ المُقْطِّعةُ التي يُظهرُها اللسانُ وتَعيها الآذانُ. ولا يكاد يُقالُ إِلا للإنسانِ، ولا يُقالُ لغيرهِ إِلا على سَبيلِ التِّبعِ، نحوُ الناطقِ والصامتِ. فيرادُ بالناطقِ ما لَه صوتٌ، وبالصامت ما لا صوتَ له. ولا يقالُ للحيوان ناطقٌ إِلا مُقَيَّداً، أو على سبيلٍ التَّشبيهِ، كقول الشاعر: [من الطويل] فصيحاً ولم تَفْغَرْ بِمَنْطِقِها فَمَا (١) ١٦٦٥- عجبتُ لها أنَّی یکونُ غنائها قال الهرويُّ: فأما معنى قول جرير: [ من الطويل] وعَنَّى طِلابَ الغانيات وشَيَّبا (٢) ١٦٦٦- لقد نطق اليوم الحمامُ لُطْرِبا فإِنَّ الحمامَ لا نطقَ له، وإِنما هو صوتُ رجلٍ ناطقٍ بمصوّتٍ، وليسَ كلُّ مصوَّتٍ ناطقاً. ولا يقالُ للصوتِ نطق حتى يكونَ هناكَ صوتٌ وحروفٌ تُعرفُ بها المعاني. وإنما اسْتَخارَ الشاعرُ أن يقولَ: لقد نطقَ الحمامُ، لأنه لمّا شوَّقَّه إِلى إِلهِ عرفَ ما أراد على سبيلٍ التجوُّز. وقالَ الراغبُ الأصبهانيُّ(٣): والمنطقيون يُسمُّون القوةَ التي منها النُّطْقُ نُطقاً، وإِيّاها عَنَوا حيثُ حدُّوا الإِنسانَ بالحيوانِ الناطقِ المائتِ. فالنطقُ لفظٌ مشتركٌ عندَهُم بينَ القوةِ الإِنسانية التي يكونُ بها الكلامُ وبينَ الكلامِ المُبْرَزِ بالصوتِ. وقد يقالُ الناطقُ لِما يدلُّ على شيءٍ، وعلى هذا قيلَ لحكيمٍ: ما الصامتُ الناطقُ؟ فقال: الدلائلُ المُخْبِرَةُ والعِبرُ الواعظةُ. قولُه: ﴿لقد عَلِمْتَ مَا هؤلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] إِشارةٌ إِلى أنَّهم ليسوا منَ الناطقينَ ذَوي العقول. قولُه: ﴿قالوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الذي أَنْطَقَ كلَّ شيءٍ﴾ [فصلت: ٢١] قيلَ: أرادَ به الاعتبارَ. قال الهرويُّ: معلومٌ أنَّ الأشياءَ كلَّها ليستْ تنطِقُ إِلا مِن حيثُ العبرةُ. ثم قالَ: وقد قيلَ: إِنَّ ذلك يكونُ بالصَّوت المسموعِ. وقيلَ: يكونُ الاعتبارُ، والله أعلمُ، بما يكونُ في النشأة الآخرةِ. قولُه: ﴿هذا (١) البيت لحميد بن ثور في ديوانه ٢٧ وديوان المعاني ١ /٣٢٩ واللسان (فغر، غنا). (٢) ديوانه ١٢ . (٣) المفردات ٨١١. ١٩٢ باب النون كِتأبُنَا يَنْطِقُ عليكُم بالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] أي هو بمنزلة مَن يشهدُ نُطْقاً حقّاً، ويجوزُ أنْ يكونَ ذلك حقيقةً يخلقُ فيه قوةً. وقالَ بعضُهم: حقيقةُ النطقِ اللفظُ الذي هو كالنِّطاقِ للمعنَى في ضمِّهُ وحَصْرِهِ. وَالمِنْطِقُ والمِنْطَقَةُ: ما يُشِدُّ به الوسَطُ. وقيلَ في قولِ الشاعرِ: [ من الوافر] بحمدِ اللّهِ مُنْتَطِقاً مُجيدا(١) ١٦٦٧ - وأبرح ما أدام الله قومي مُنْتَطقاً جانباً فرساً لم يَرْكَبْهُ. قالَ الراغبُ (٢): فإِنْ لم يكُنْ في المعنى غيرُ هُذَا البيتِ، فإِنَّهُ يَحتملُ أن يكونَ أرادَ بالمُنتطقِ الذي شَدَّ نطاقَه كقولهم: ((مَن يطُل ذيلُ أبيهِ يَنْطقُّ به))(٢). وقد قيلَ: مَعنى المنتطقِ المجيدِ هو الذي يقولُ قَولاً فیجیدُ فيه. والمِنْطَقُ والنِّطاقُ واحدٌ، وهو أن تلبسَ المرأةُ ثوباً، وتشُدُّ وسَطَها بحبلٍ. ثم ترسِلُ الأعلى على الأسفل. ومنهُ الحديثُ: ((فِعَمَدْنِ إِلى حُجَزِ مَناطِقِهِنَّ)(٤) هو جمعُ مِنْطق. وكانتْ أسماءُ تُسمى ((ذاتَ النِّطاقين))(٥) لأنها كانت تلبَسُ واحداً، وتحملُ في الآخَر الزادَ للنبِيِّ ◌َُّ وهوَ في الغارِ. وقيلَ: لأنَّها شَقَّت مِقْنعةً لها، فانتطقَتْ بواحدٍ، وجمعتْ سُفرةً للنبيِّ تَمَُّ بُخْروياً لها. وكانَ الخبيثُ الحجاجُ یعیِّرُ عبد الله بـ: یابْنَ ذات النطاقينِ(٦)، لذَّعارتِهِ وحسِّهِ. وفي مدحِ العباسِ للنبيَّّهُ: [من المنسرح] ١٦٦٨ - حتى احْتَوى بيتُكَ المُهَيْمِنُ من خِنْدِفَ عَلَيا تحتَها النُّطُقُ (٧) ضَرَب النطاقَ مثلاً له في ارتفاعهِ وتوسِّطهِ في عشيرتهِ، فجعلَه في عُليا وجعلَهم تحتَه نطاقاً . (١) البيت لخداش بن زهير في اللسان (نطق) والمقاصد النحوية ٦٤/٢ وديوانه ٤٢، وبلا نسبة في الخزانة ٩ /٢٤٣ والدرر ٤٦/٢ (الكويت) والهمع ١ /١١١. (٢) المفردات ٨١٢. (٣) من كلام الإمام علي، وهو من الأمثال في مجمع الامثال ٣٠٠/٢ والمستقصى ٣٦٣/٢ والأمثال لابن سلام ١٩٨ وجمهرة الأمثال ٢٥٣/٢. (٤) النهاية ٧٦/٥، والحديث لعائشة . (٥) الفائق ٣١٢/١ وغريب ابن الجوزي ٤١٧/٢ والنهاية ٧٥/٥. (٦) الفائق ١٠٥/٣. (٧) البيت في غريب ابن الجوزي ٤١٧/٢ والنهاية ٥ /٧٥، وتقدم البيت برقم ٢١٠. ١٩٣ باب النون فصل النون والظاء ن ظ ر: قوله تعالى: ﴿ثَمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] النظرُ في الأصلِ تقليبُ البصر وتوجيههُ إِلى جهة المنظورِ، فهو بمعنى الرؤيةِ. ثم يُستعملُ في تقليبِ البصيرةِ، فيكونُ بمعنى التفكّر. قالَ بعضُهم: هو تقلُّبُ البصرِ أو البصيرةِ لإِدراكِ الشيءٍ ورؤيتهِ. وقد يُرادُ به التأمُّلُ والفحصُ. وقد يرادُ به المعرفةُ الحاصلةُ بعدَ الفحص. وقولُه تعالى: ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ﴾ [يونس: ١٠١] أي تأمَّلوا. وقالَ بعضُهم: إِذا عُدِّيَ بنفسِهِ كانَ بمعنى الرؤيةِ، وإِذا عُدي بإِلى كانَ بمعنى الميلِ، وإِذا عُديَ بفي كان بمعنى التفكّرِ. وقال آخرون: استعمالُ النظر في البصرِ أكثرُ عندَ العامةِ، وفي البصيرة أكثرُ عندَ الخاصَّة. وقيلَ؛ نظرتُ إِلى كذا: مدَدْتُ طَرْفِي إِليه، رأيتَه أم لم تَرَه. ونظرتُ إِليه، أي رأيتُه وتدبَّرْتُه أيضاً، كقولهِ تعالى: ﴿أَفْلاَ يَنْظرونَ إِلى الإِبلِ كيفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. قولُه: ﴿أو لم يَنْظروا فِي مَلكوتِ السماواتِ والأرضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] هذا بمعنى الفكرة، حثَّهم على تأمُّلٍ حكمته في خَلقها وما فيها من عجائب المصنوعات، وتباين المخلوقاتِ. قولُه: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ [آل عمران: ٧٧] نظرُ اللّه تعالى إلى عباده عبارةٌ عن إِحسانه إِليهم وإِفاضةُ نعمهِ عليهم، وهو متعالٍ عن تقليب الحدَقَة والحاسَّة. قولُه تعالى: ﴿انْظُرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: ١٣] أي انْتَظِرونا. وقد قُرِئَ: ((أَنْظِرونا))(١) منَ الإِنظار وهو التأخيرُ، لقولهِ: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يومٍ يُبْعَثُون﴾ [الأعراف: ١٤]. قولُه: ﴿وما كانُوا مُنْظَرِين﴾ [الدخان: ٢٩] قالَ بعضُهم: نَفَى الإِنظارَ عنهم إِشارةٌ إِلى ما نَبَّهَ عليه بقوله تعالى: ﴿فإِذا جاءَ أجلُهم لا يَسْتأخرون ساعةً ولا يَسْتَقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]. قولُه: ﴿غيْرَ ناظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي منتظرين نُضْجَه. قوله تعالى: ﴿وَقُولوا انْظُرنا(٢) ﴾ [البقرة: ١٠٤] أي انْتَظرنا وتأنَّ علينا، كما تقدَّمَ. ومن ذلك قولُ امرئ القيس: [من الطويل ] (١) هي قراءة حمزة والمطوعي والأعمش وطلحة. الإتحاف ٤١٠ والنشر ٣٨٤/٢. (٢) قرأ أُبيّ والأعمش (أَنْظِرْنا) البحر المحيط ٣٣٩/١. ١٩٤ باب النون ١٦٦٩ - فإِنكما إِن تُنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أمِّ جندب (١) : أي تَنْظراني . قولُه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ(٢) إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي انتظارٌ وتأخيرٌ، قوله: ﴿وَأَغْرَقْنا آل فرعونَ وأَنْتُم ◌ِتَنْظُرُون﴾ [البقرة: ٥٠] أي تُبْصرون وتُشاهدون ذلك، وقيلَ: تَعْتبرون. ويقالُ: نظرَهُ، أي أَعانَهُ. وبه نظرةٌ، أي مَسٌّ منَ الجنِّ، وأنشدَ: [من الرمل] ١٦٧٠- نظَرَ الدَّهْرُ إِليهم فَابْتَهَلْ (٣) أي خانَهم فأَهلكَهُمْ مجازاً. والنظيرُ: المَثِيلُ، وأصلُه المُناظِرُ، كأنَّه ينظرُ كلُّ واحدٍ منهما إِلى صاحبه، فيناظرُهُ ويُباريهِ. والمناظرةُ: المباحثةُ والمباراةُ فِي النظرِ، واستحضرُ كُلِّ ما يراهُ ببصيرته. والنظرُ اصطلاحاً: البحثُ، وهو أعمُّ عندَهُم منَ القياسِ؛ فكلٌّ قياسٍ نظرٌ وليس كلُّ نظرٍ قياساً. قوله: ﴿اَنْتَظِرِوا إِنَّا مُنْتَظِرِون﴾ [الأنعام: ١٥٨]، أي انْتَظِرِوا مَا تتريَّصون به من ظهورِكُم عَلينا على زَعْمكم إِنّا مُنْتظرون ما وَعَدَنا ربُّكم مِن نصرهِ، أو انْتَظروا - كما يَزْعمون ويقولون - انتهاءَ مدَّتِنَا وتقاصُرَ أَمرِنا إِنَا مُنْتظرون ما يقَعُ بكم مَنَ العَذاب. وقد حقَّقَ اللّه ما أنتظرَهُ المؤمنون، وأبطلَ ما انتظَرَه الكافرون. قولُه: ﴿هَل يَنْظُرُونِ إِلَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] أي هل ينظرون إلا نزول العذاب بهم؟ قوله: ﴿فهل يَنْظرون إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الملائكةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قيلَ: ينتظرون. قوله تعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كِيفَ تَعْملون﴾ [الأعراف: ١٢٩] أي يُجازِيكُم بحسبٍ أعمالِكُم جزاءَ مَن شاهَدَ على العاملِ. قولُه: ﴿إِلى ربِّها ناظِرَةٌ ﴾ [القيامة: ٢٣] أي مشاهدةٌ تليقُ بجلالهِ من غِيرٍ تكييفٍ ولا تحييز، كما صُرِّحَ بذلك في الأخبارِالصريحة . فلوِ اسْتَقْصينا الكلامَ في هذه المسألةِ لطالَ الكتابُ وخَرجنا عمّا نحنُ بصدَدِهِ وقد أتقنَّاها في ((القولِ الوجيزِ)) وغيرهٍ ولله الحمدُ. وذكَّرْنًا تأويلَ المعتزلة من أنَّ إِلى جمعُ إِلَّ، لا حرفُ جرِّ. والجوابُ عنه قُولُه: ﴿لَن تَراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] فعليكَ باعتباره. وفي (١) ديوانه ٤١ ومقاييس اللغة ٥ / ٤٤٤. (٢) قرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد وقتادة والضحاك (قَنَظْرَةٌ) الإتحاف ١٦٥، وقرأ مجاهد وعطاء (فناظِرَةٌ)، وقرأ عطاء (فناظرَّةٌ، فناظِرُهُ)، وقرأ ابن مسعود (فناظروه) البحر المحيط ٣٤٠/٢. (٣) تقدم في مادة (بهل) برقم ٢٠٢ ، وهو للبيد. ١٩٥ باب النون حديث الزُّهْريّ: ((لا تُناظِرْ بكتاب الله عزَّ وجَلَّ ولا بسُنَّةٍ رسولهِ))(١) قيل: معناه: لا تَجعلْ شَيْئاً نَظيراً لهما يقولُ: لا تَتَبَعْ قولَ قائلٍ وتدَعْهما. وقال أبو عبيدٍ: لا تَجْعلُهُما مَثَلاً لشيءٍ يعرضُ؛ كقولِ القائلِ لرجلٍ يجيءُ في وقتٍ يحتاجُ فيه إِليه: ﴿ثم جئتَ على قَدَرٍ يا مُوسى﴾ [طه: ٤٠]. وفي الحديث: ((النّظرُ إِلى وجهِ عليٌّ عبادة))(٢) قالَ ابنُ الإعرابيّ: تأويلُه أنَّ علياً رضيَ اللهُ تعالى عنه كانَ إِذا برزَ قالَ الناسُ: لا إِلهَ إِلا الله ما أشرفَ هذا الفتى! لا إِلهَ إِلا اللّه ما أشجعَ هذا الفتى! لا إله إلا اللّه ما أكرَمَ هذا الفتى! وفي الحديث أيضاً: ((إِنَّ عبد المطلب كان يمرُّ بامرأةٍ تَنْظُرُ))(٣) أي تَتكهُّنُ. فصل النون والعين ن عج: قولُه تعالى: ﴿ولي نعجةٌ واحِدةٌ﴾ [ص: ٢٣]النعجةُ: الأنثى منَ الغَنم الضَّأن، والتاءُ فيها لتأكيد التأنيث، لأنَّ مذكَّرَها له لفظً يخصُّه وهو خروفٌ، وهُما نظيرُ ناقةٍ وجملٍ. والنعجةُ أيضاً البقرةُ الوحشيةُ، وللثورِ الوحشيّ شاءً. وأنشد [من الخفيف] كنِعاجِ المَلاءِ تعسَّفْنَ رَمِْلا(٤) ١٦٧١ - قلتُ إِذْ أقبلتْ وزهَرَ تَھادی ويُكنَّى بالنَّعجة عن المرأة، وهو مرادُ الآيةِ الكريمة. وقد [قيل] (٥) إِنَّ المرادَ النعجة المعهودةُ، وأنَّ الخصامَ وقعَ في غنمٍ حقيقةٌ. وقد بينًا ذلك في التفسيرٍ. ونَعجَ الرجلُ، أي أكل لحمَ ضأنٍ فَأَتْخَم. وأَنعجَ: سَمِنت نعاجُه. والنَّعْجُ: الأبْيضاضُ، ومنه: أرضٌ ناعجةٌ، أي بيضاءُ. قولُه تعالى: ﴿أَمَنَةٌ نُعاساً﴾ [آل عمران: ١٥٤] النُّعاسُ: مَبادئُ النومٍ، وهو بمعنى ن ع س: (١) الفائق ١٠٧/٣ والنهاية ٧٨/٥ وغريب ابن الجوزي ٤١٨/٢. (٢) الفائق ١٠٧/٣ والنهاية ٧٧/٥. وقول ابن الأعرابي في النهاية. (٣) الفائق ١٠٦/٣ وغريب ابن الجوزي ٤١٨/٢ والنهاية ٧٧/٥. (٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٩٨ وشرح المفصل ٧٦/٣ وشرح أبيات سيبويه ٢ /١٠١ والمقاصد النحوية ٤ /١٦١ . (٥) بياض في الأصل ، ولعل السياق يقتضى ما ذكرناه . ١٩٦ باب التون السُّنَّة. قالَ عديُ بنُ الرقاع: [ من الكامل] ١٦٧٢- وسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ في جفنهِ سِنَةٌ وليسَ بنَائِمٍ (١). وقال الراغبُ(٢): النَّومُ القليلُ، كذا قالَ. وهذا البيتُ يردُّه؛ فإِنه نَّفى عنه النومَ وأثبتَ لُهُ النَّعاسَ. وقيلَ: النعاسُ في الآيةِ الكريمةِ السكونُ والهدوءُ، وعليه حُمل قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((طوُبِى لكلُ عبدِ نُوَمَةٍ))(٣) النَّوَمَةُ: الكثيرُ النَّوم. و﴿نُعَاساً﴾ بدَلٌ من ﴿ أَمَنَة﴾ أو مفعولٌ له أو به. ولهُ موضوع غيرُ هذا. ن ع ق: قولُه تعالى: ﴿يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] يقالُ: نَعَقَ الراعي بالغَنْم ينعِقُ نَعيقاً: إِذا صوَّتَ وصاحَ عليها لترجعَ. فمعنى الآية: إِنَّ مثلَ داعي الكفرةِ كمثلٍ الراعي الناعِقِ بالغنمِ، والغنمِ المنعوقِ بها في أنَّه لم يحصُلْ للكفرَةِ من الدعاءِ الهدْيُ الأمثلُ ما يحْصُلُ للغنم من صوتِ الناعقِ بها، وهو سماعُ الصوتِ من غيرِ فهمٍ لمعناهُ. ولذلكَ قالَ: ﴿إِلا دُعَاءٌ ونِداءٌ﴾ [البقرة: ١٧١] فذكَرَ في أولِ الآيةِ المدعُوَّ، وحذَفَ الداعي، وفي آخرها ذكَرّ الداعي وحذَفَ المدعوَّ. فحذفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه، ومنَ الثاني لدلالةِ الأولِ عليه. وفي الآيةِ أقوالٌ هذا أَبْيَنُها، وإليه نحا سيبويه. ن ع ل: قولُه تعالى: ﴿فَاخْلَعْ تَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] النَّعْلُ: ما ينتعلُه الإِنسانُ، أي يلبسَّه في رجلهِ. وانتعَلَ: لبِسَ نَعْلاً. قال الأعشى: [من البسيط ] ١٥٧٣- في فتيةٍ كسيوف الهند قد عَلموا أنْ هالكٌ كلٌّ من يَحْفَى وينتَعِلُ(٤). (١) البيت لعدي بن الرقاع في اللسان والتاج (نعس، رنق ، وسن). (٢) المفردات ٨١٤ . (٣) الفائق ١٣٥/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٤٢/٢ والنهاية ١٣١/٥، والحديث للإمام علي وليس للنبي. (٤) ديوانه ١٠٩، وأخطأ الناسخ هنا فخلط بين صدر بيت وعجز بيت آخر، والبيتان هما : (إمّا ترينا حفاة لانعال لنا إنا- كذلك ما نحفى وننتعل) أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل) ( في فتیة کسیوف الهند قد علموا ١٩٧ باب النون والنعلُ مؤنثةٌ قالَ: [ من البسيط] ١٥٧٤ - أَلْقَى الصَّحيفَةَ كي يخفّفَ رحلَهُ والزَّادَ حتى نعْلَهُ أَلقاها (١) وبِهِ شُبِّه تعلُ الفرسِ ونعلُ السيف؛ وهوَ الحديدةُ المَجْعولةُ في أسفله. وفي الحديث: ((كان نعلُ سيف رسولِ اللَّهَِه مِن فضَّةٍ))(٢) قال شمرٌ: النعلُ منَ السيف الحديدةُ التي تكونُ في أسفلِّ قرابِهِ، ومنهُ: ((إِذا ابتَّتِ النَّعالُ فالصلاةُ في الرحالِ))(٢) قيلَ: هُنا ما غلُظَ من الأرضِ. وقيلَ: هي النَّعالُ المعروفةُ. ويُكنَّى بالنعلِ عن الرجلِ الذليلِ، وأنشدَ للعجاج: [من الرجز] ١٦٧٥ - ألم أكُنْ ذراعَه ونعلاه(٤) قيلَ: إِنَّما أمرَ موسى عليه السلامُ بخلعهما لأنَّهما من جلدِ حمارٍ ميتٍ لم يُدبغْ. وفي المثلِ: ((أطْري فإِنَّك ناعِلَةٌ))(٥) أصلُه أنَّ رجلاً كان معَه أَمْتَانِ إِحداهُما حافيةٌ والأخرى منتعلةٌ، فقالَ للمُنتعلةِ: أَطُّري، أي اسْلُكي الطُّرَرَ، وهي الحجارةُ، فإِنكِ ذاتُ نعل. يضربُ مثلاً لمن تقاعدَ عن أمرٍ فيه طاقةٌ لُهُ بهِ. ن عم: قوله تعالى: ﴿نعم﴾ [الأعراف: ٤٤] نعم: حرف جوابٍ وتصديق، ويكون جواباً للنفْيِ والإِثبات؛ يقالُ: ما قامَ زيدٌ، فيقالُ: نعَمْ، أي ما قامَ. وقامَ زيدٌ، فيقالُ: نعمْ، أي قامَ بخلافٍ بَلَى فإِنها لا يجابُ بها إِلا للنفي كما تقدَّمَ. ويجوزُ كسرُ العينِ، وهي لغةٌ قرأ بها الكسائيُّ(٦) ويجوز إبدالُ عينها حاءٌ. قولُه: ﴿نِعْمَ(٧) الَعِبْدُ﴾ [ص: ٣٠] نعمَ: فعلٌ جامدٌ عندَ البصريين، واسمٌ عندَ (١) البيت للمتلمس في ملحق ديوانه ٣٢٧ وشرح شواهد المغني ١ /٣٧٠ ، ولأبي مروان النحوي في الخزانة ٣ /٢١، ٢٤ (هارون) والدرر ٤ /١١٣ (الكويت) والكتاب ١ /٩٧. (٢) الفائق ١٠١/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٢٠/٢ والنهاية ٥ /٨٢. (٣) الفائق ٣ /١٠٨ وغريب ابن الجوزي ٢ /٤٢٠ والنهاية ٨٣/٥. (٤) لم يرد في ديوانه . (٥) فصل المقال ١٦٩ والامثال لابن سلام ١١٥ والمستقصى ١ /٢٢١ ومجمع الامثال ١ /٤٣٠ وجمهرة الامثال ٥٠/١. (٦) قرأ الكسائي وابن وثاب والأعمش (نَعِمْ) الإتحاف ٢٢٤ والنشر ٢٦٩/٢. (٧) قرئت (نَعمَ) البحر المحيط ٣٩٦/٧. ١٩٨ باب النون الكوفيين، (١) بدليل دخول حرفُ الجرِّ عليها، كقوله: (( والله ما هيَ بِنِعْمَ المولودة، نصرتُها بكاء وبِرِّها سَرقَةٌ))(٢) وأنشدَ: [ من الرجز]. ١٦٧٦ - صَبِّحكَ اللَّهُ بخيرٍ باكرٍ بِنُعمِ طيرٍ وشبابٍ فاخرٍ(٢) وهو مؤوَّلٌ عِندَ البصريينَ، ويَقتضي المدحَ، عكسُ بئسَ، ولا يَرَفِعَانِ إِلا ما فيهِ أَلْ أو مضافاً لما هُما فيهِ، أو ضميرَ نكرةٍ مفسِّرةٍ لما بعدَه، أو التامَّة على رأيٍ. ولا يكونُ غِيرَ ذلك إِلا ضرورةً. وفيه أربعُ لغاتٍ، وكذا في كلِّ ما كانَ على وزنِ فِعْل، عينُه حرفُ حلَقِ اسماً كان أو فعلاً نحوُ فَخْذٍ ونِعْم وبئْسَ، وأنشدَ : [ من الرجز] ١٦٧٧ - لو شَهْدَ عاداً في زَمانِ تُبَّع(٤) يريدُ شَهِدَ فسكَّنَ الْعِينَ قولُه: ﴿وتلكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عليّ أنْ عَبَّدْتَ ﴾ [ الشعراء: ٢٢] النعمةُ: الحالةُ الحسنةُ، وبناءُ النعمةِ كبناءِ الحالة التي يكونُ عليها الإِنسانُ كالجلسة والرِّكْبَة. قوله تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كانوا فيها فَاكِهِيْنِ﴾ [الدخان: ٢٧] وقوله: ﴿أُولِيّ النَّعمةِ﴾ [المزمل: ١١] النَّعْمةُ: التنعُمُ، وبناؤها بناءُ المَرَّةِ منَ الفِعْلِ. قولُه تعالى: ﴿صراط الذين أنعمتَ عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] أي أوصلتَ الإِحسانَ إِليهم. فالإِنعامُ: إِيصالُ الإِحسانِ إِلى الغيرِ. قالَ الراغبُ(٥): ولا يقالُ إِلا إِذا كان المُوصَلُ إِليهِ منَ الناطقينَ، فإنه لا يقَالُ: أَنْعَمْ فلانٌّ على فرسِهِ. قولُه: ﴿نَعْمَاءَ بعدَ ضَرَّاءَ﴾ [هود: ١٠]. النَّعماءُ مقابلُ الضَّرَّاءِ، والنُّعْمَى مقابلُ البؤسَ. والنعيمُ: حيثُ وردَ فهوَ النعمةُ الكثيرةُ. وتنعَّمَ: تناوَلَ ما فيه نعمةٌ وطيبُ عیشٍ. والناعمُ ضدُّ الخشن. قوله: ﴿وإِنَّ لَكُم في الأنعامِ﴾ [النحل: ٦٦] الأنعامُ جمع نَعَمِ، والنَّعَمُ قال الراغبُ: وَتُسميتُه بذلك لكونِ الإِبلِ عندَهِم أعظمَ نِعمةٍ. ثم قالَ: لكنِ الأنعامُ تقالُ الإِبلِ والبقرِ والغنمِ. ولا يقالُ لها أنعامٌ حتى يكونَ فیھا إِلٌّ. وقالَ في قولِه (١) الإنصاف ٩٧ وقطر الندى ٢٧. (٢) الإنصاف ٩٨ . (٣) الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (نعم) والمقاصد النحوية ٢/٤ والهمع ٨٤/٢ والدرر ١٩٥/٥ (الكويت ) . (٤) لم أهتد إليه . (٥) المفردات ٨١٥. ١٩٩ باب النون تعالى: ﴿ممَّا يأكُلُ الناسُ والأنعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إِنَّ الأنعامَ هاهُنا عامٌّ في الإبلِ وغيرِها. وقال أبو عبيد الهرويُّ: ((وإِنَّ لَكُم في الأنعامِ لَعِيرةٌ نُسْقِيكُم ممَّا في بُطونِهِ)) معنى الأنعامِ النِّعمُ والنَّعمُ، يذكَّرُ ويؤنَّثُ. ثم قال: الأنعامُ: المَواشي من الإِبلِ والبقرِ والغنم. فإِذا قيلَ: نَعَمِّ فهوَ الإِبلُ خاصةً. وأمّا إِفرادُ الضميرِ وتذكيرُه في قولِهِ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ فلانهَ في تأويلِ نعم كقولِ الآخرِ: [ من الرجز]. ١٦٧٨ - وطابَ أَلبانُ اللقاحِ وبَرَدْ(١) لأنه في معنى لَبّن، وفيه نظرٌ لِما قَدَّمتُه من أنَّ الأنعامَ شاملةٌ للثلاثةِ الأنعامِ، والنعمُ لواحدٍ منها خُصوصاً. والنُّعامى: الريحُ الجنوبُ الناعمةُ الهبوب. والنَّعامَةُ: سُميتْ بذلك لشبهها بالأنعامِ خلقةٌ، ولذلكَ أَوجبوا في جزاء الصيد فيها بَدَنَةً. والنعامةُ: المظلَّةُ على الجبلِ أو على رأسِ البثِ، تشبيهاً بالنعامة في الهيئة. والنَّعائمُ: منزلةٌ من منازلِ القمرِ تشبيهاً بالنعامة، نحوُ النسرِ، والنعامَةُ أيضاً: باطنُ القدمِ، ويعبّرُ بها عن الرجل، وأَنشدَ: [ من الكامل] ١٦٧٩ - وابنُ النعامةِ عندَ ذلك مركبي(٢) شبََّ رجلَهُ بها في السرعةِ وقولُهم: نُعْمى عينٍ، ونُعامَ عينٍ، ونُعْمَةً عَينٍ. ومنه الحديثُ: (نَعْمَ وتُعْمَةَ عَينٍ))(٣) فنعَم جوابٌ، ونُعمةً عينٍ منصوبٌ بمقدَّرٍ، أي: وأَجعلُ لك قرةَ عَينٍ. وفي الحديثِ: ((إِنَّ أبا بكرٍ وعمرَ منهم وأَنْعَما))(٤) يعني من أهلِ علِّينَ، ((وأنْعما)) أي زادا. يقالُ: أحسنْتَ وأَنعَمتَ، أي زدْتَ. قالَ الراغبُ(٥): وأصلُه من الإنعامِ، يعني إيصالُ النعمة كما تقدَّمَ. وقالَ الفراءُ: أي صارا إِلى النعيم ودَخلا فيه، نحوُ أجنَبَ، أي دخلَ في الجنوبِ . ونَعِمَ يَنَعَمُ بمعنى تنعَّم، ومنه الحديثُ: ((كيف أَنْعمُ؟))(١) أي كيفَ أفرحُ؟ (١) الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج ( خرت ، فضخ، كتد ، جبه) . (٢) عجز بيت وصدره: (ويكون مركبك القعودُ ورحله) والبيت لعنترة في ديوانه ٣٣ والمخصص ٢٠٦/١٣، ولخرز بن لوذان في اللسان والتاج (نعم، عنق) . (٣) الفائق ١٠/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٢٠/٢ والنهاية ٨٤/٥، والحديث للحسن. (٤) الفائق ٣ /٤٤٣ وغريب ابن الجوزي ٤٢٠/٢ والنهاية ٨٣/٥. (٥) المفردات ٨١٥ . (٦) غريب ابن الجوزي ٤٢٠/٢ والنهاية ٨٣/٥. ٢٠٠ باب التون والنَّعْمةُ: المسَرَّةُ، وتفسيرُهم ((نعمة الله)) في قوله: ﴿ومن يُبَدِّلْ نَعْمَةَ اللّه﴾ [البقرة: ٢١١] بالدِّينِ والإِسلامِ حسَنٌّ، لأنهما أعظمُ النِّعَم. قولُه: ﴿فما أنتَ بنعمةٍ رَبِّكَ بكاهِنٍ﴾ [الطور: ٢٩] أي برَّكَ اللّه من ذلك بنعمته، والباءُ سَبيةٌ. فصل النون والغين ن غض : قولُه تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِليكَ رؤوسَهُم﴾ [الإسراء: ٥١] أي يحرِّكونها تحريك استهزاءٍ. وقيلَ: الإِنغاضُ: تحريكُ الرأسِ نحو الغيرِ كالمتعجب منه. ويقالُ: نَغْضَ رأسُه وَأَنْغَضَها فَنَعْضَتْ. فَنَغَضَ متعدّ ولازمٌ، وَفَعَلَ وأَفعلَ فيه بمعنىً. وفي الحديث: ((وإِذا الخاتَمُ في ناغَضِ كتفهِ الأيمنِ))(١) يعني خاتَمَ النبوَّةِ. والناغِضُ: غُضروفُ الكتِفِ. وَقِيلَ له نُغضٌ أيضاً (٢). وكذا في روايةٍ سُمي بذلك لتخركُه. ومنه سُمى الظليمَ نَغْضاً لتحريك رأسهِ عندَ العَدْوِ. وقالَ: شَمرُ: الناغضُ من الإِنسانِ أصلُ العنقِ، حيثُ يحرَّكُ رأسَه. ونَغْضُ الكتفِ هو العظمُ الرقيقُ على طرفِها، وقالَ غيرُه: الناغضُ: فرجُ الكتف. ووصفَ عليهٌ رضي اللّه تعالى عنه النبيَّّه فقال: ((كان نَغَاضَ البطنِ. فقالَ له عمرُ رضي الله تعالى عنه: ما نَغّاضُ البطن؟ قالَ: مُعَكَّنُ البطْنِ، وكانتْ عُكُنُهُ أحسنَ من سبائك الذهبِ والفضةَِ ◌ّهِ))(٣). وقالَ عثمانُ رضي اللّه تعالى عنه: (سَلِسَ بَولي ونَغَضَتْ أسناني))(٤) أي قَلقتْ عن مَنابتها وتحركَتْ، يصفُ نفسَه بالطّعن في السِّنِّ. فصل النون والفاء ن ف ث : قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئاتِ(٥) في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] هنّ الساحراتُ ينفُثْنَ في عُقَدٍ يعقدْنَها. قيلَ: هنّ بناتُ لُبيدِ بنِ الأعصم. وأصلُ النفثِ قذفُ الريقِ القليلِ مِنَ (١) غريب ابن الجوزي ٢/ ٤٢٢ والنهاية ٥ /٨٧، والحديث لسلمان . (٢) النهاية ٥ /٨٧ وغريب ابن الجوزي ٤٢٢/٢. (٣) الفائق ١١٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٤٢٢/٢ والنهاية ٨٧/٥. (٤) غريب ابن الجوزي ٤٢٢/٢ والنهاية ٥ /٨٧. (٥) قرأ الكسائي ورويس والحسن وعاصم وأبو السمال (النافثات) الإتحاف ٤٤٥ والبحر المحيط ٥٣١/٨، وقرأ روح والحسن (النُّفَاثات)، وقرأ الحسن وأبو الربيع (النَّفئات) النشر ٤٠٤/٢.