النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب الميم لك بمؤمنين. واختلفَ النحاةُ هل هي بسيطةٌ أم مركبةٌ، والقائلون بتركيبها اخْتلفوا؛ فقال بعضُهم: مركبةٌ من مَه: اسم فعل، وما الشرطية، فلما رُكبتا هُجر معنى اسم الفعل. وقال آخرون: مركبةٌ مِن ما الشرطية مكررةً تأكيداً، فاستُثْقِل اللفظُ، فأُبدلتِ الهاءُ مِن ألفِ ما الأولى. وتحقيقُه في غيرِ هذا. وقد تُزادُ استفهاماً. قالَ الشاعرُ: [ من السريع] أَوْدَى بِنَعْلِيَّ وسِرْبِالِيَهْ (١) ١٥٦٨ - مَهْمًا لِيَ الليلةَ مَهْمَا لِيَهْ م ھ ن : قولُه تعالى: ﴿ألم نَخْلُقْكُم من ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] أي ضعيفٍ حقيرٍ. يشيرُ إِلى النَّطفةِ التي هي أولُ خَلقهِ، وإلى ذلك نّحا أميرُ المؤمنين بقوله رضي الله عنه: ((ما لابنِ آدمَ والفخرَ! وإنما أولُه نُطفةٌ مَذِرةٌ، وآخرُه جيفةٌ قَذِرةٌ، وهو فيما ذلك يحملُ العَذِرَةِ))(٢). ونظمَه بعضُهم فقال: [من السريع] وجيفةٌ آخرُه يفخرُ؟(٣) ١٥٦٩- ما بالُ مَن أوَّلُهُ نُطفةٌ يَرجو ولا يؤخر ما يحذّرُ أُصبحَ لا يملكُ تقدیم ما وقولُه تعالى حكايةً عن فرعونَ: ﴿أَمْ أنا خيرٌ مِن هذا الذي هوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي ضعيفٌ قليلٌ ذليلٌ، فقوَّاهُ ربُّه وكثَّره وأعزَّه بتسعٍ آياتٍ إِحداها عصاً من العصيِّ صارتْ حِيةٌ أحدُ لَحْبَيْها تحتَ قصرهِ والآخرُ على أعلى شُرفاته. والمهانة: الذلة والقلة . قولُه: ﴿ولا تُطِعْ كلُّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أي ضعيف الرأي والتمييز، قالَ الفراءُ: هو ها هنا الفاجرُ، وغلّبَ في العُرف على الكسلانِ الكلِّ على الناس، يقالُ: مَهَنَ يَمْهَنُ مَهانةً فهو مَهِينٌ، وامْتَهنتُه: استخدمتُه. المِهْنة: الخِدْمة، وفي حديثٍ سلمانَ: ((إِني أكرهُ أَنْ أجمعَ على ماهنٍ مَهْنتينٍ)) (٤)، المَهنةُ - بفتح الميم - والفقهاءُ يكسرونها (١) البيت لعمرو بن ملقط في الأزهية ٢٥٦ والخزانة ١٨/٩ والدرر ٧٣/٥ (الكويت) والمقاصد النحوية ٤٥٨/٢ ونوادر أبي زيد ٦٢ والهمع ٥٨/٢ واللسان (مهه). (٢) الحديث في سجع الحمام ٣٦٧. (٣) لم أهتد إليه. (٤) الفائق ٥٦/٣ والنهاية ٤ /٣٧٦ وغريب ابن الجوزي ٣٧٩/٢. ١٢٢ باب الميم فيقولون: ما يبدو في المِهْنَةِ، وقد نصَّ الهرويُّ على أن خفضَ الميمِ خطأ، قالَه شمِرٌ عن أشياخه. يقالُ: مَهَنْتُ القومَ أَمَهُنُهم وأمهَنُهم، وَامْتَهَنوتي، أي ابتذلوني. فصل الميم والواو م و ت: قوله تعالى: ﴿وكنْتُم أمواتاً فأَحْياكم﴾ [البقرة: ٢٨] أي كنتم نُطفاً في أصلاب الأباءِ فأَحياكم بالخلقِ والإِيجاد، ﴿ثمَّ يُميتُكم﴾ [البقرة: ٢٨] الموتَ المتعارف ﴿ثم يُحْيِيكُم﴾ [البقرة: ٢٨] من القبورِ، وقيل: كنتم أمواتاً أي نُطفاً في الأرحامٍ فأحياكم فيها، والظاهرُ الأولُ، وعليه قولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثنتَيْنِ وَأُحْيَيْبنا اثنتينٍ﴾ [غافر: ١١] فالإحياءُ والإِماتةُ مرتانٍ، وهل يَسْتدعي الموتُ سبقَ حياةٍ؟ ظاهرُ كلامٍ أكثرِهم على أنه حقيقةٌ في ذلك، واستعمالُه في غيرهِ مجازٌ، فقوله: ﴿وكنتم أمواتاً﴾ مجازٌ، وقولُه: ﴿ثم يُميتكم﴾ حقيقةٌ، قال بعضُهم (١): الموتُ أنواعٌ بحسب أنواعِ الحياةِ؛ الأول: ما هوَ بِزاءِ القوة النامية الموجودة في الإِنسان والحيوان والنبات، نحوُ قوله: ﴿وَأَحْيَينا به بلدةٌ مَيْتاً(٢) ﴾ [ق: ١١] والثاني: زوالُ القوة الحاسَّةِ، كقوله تعالى: ﴿يُحْبِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقوله: ﴿أئذا ما مِتُ(٣) لسوفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم: ٦٦] والثالثُ: زواُ القوةِ وهيَ الجهالةُ، وعليه قولُه: ﴿أُوَمَنْ كَانَ مَيْتاً(٤) فَأَحْيِينَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وإِياهُ قَصَدَ بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمَعُ المَوْتِى﴾ [النمل: ٨٠]، الرابعُ: الحزنُ المكدِّرُ للحياة، وإِياه قصَدَ بقوله تعالى: ﴿وَيَاتيهِ الموتُ من كلُّ مكانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] و﴿ما هو بمَيِّتٍ﴾ [ إبراهيم: ١٧] قلتُ: وفي معناهُ قولُه تعالى: ﴿ثم لا يموتُ فيها وَلا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] وعليه قولُ الشاعرِ: [ من الطويل] ١٥٧٠ - ألا مَن لنفسٍ لا تموتُ فِيَنْقَضي شَقاها ولا تَحْيا حياةٌ لها طَعْمُ(*) (١) المفردات ٧٨١. (٢) قرأ أبو جعفر وخالد (ميتا) الإتحاف ٣٩٨. (٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم (مُتّ) الإتحاف ٣٠٠. (٤) قرأنافع وأبو جعفر ويعقوب (مَّيِّتاً) الإتحاف ٢١٦. (٥) البيت دون نسبة في اللسان (طعم) . ١٢٣ باب الميم وكانَ عمرُ بنُ عبد العزيز كثيراً ما يتمثَّلُ بقولِ الشاعرِ: [ من الطويل] ١٥٧١ - كفَى حَزَناً أنْ لا حياةَ هَنيئةٌ ولا عملاً يرضى بهِ اللّه صالحُ(١) الخامسُ: المنامُ، ومن ثَمَّ قيلَ: النومُ موتٌ خفيفٌ، والموتُ نومٌ ثقيلٌ، ومن ثَمَّ سمَّاهُ الله تعالى وفاةً، فقالَ: ﴿اللّه يَتَوفَّى الأنْفُسَ حينَ مَوتِها والتي لم تَمُتْ فِي مَنَامِها ﴾ [الزمر: ٤٢] الآية، ﴿وهوَ الذي يَتَوقّكم بالليلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وسأل رجلٌ ابن سيرينَ عن رجلٍ فقالَ: تُونِّي. فلما رأى جزَعَ الرجلِ قال: ألم تسمعِ اللّه تعالى يقولُ: ﴿اللّه يَتَوَقِّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها﴾ الآية، فسكنَ جاشُه. قولُه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الذين قُتلوا في سَبِيلِ اللّه أمواتاً بل أحياءً﴾ [آل عمران: ١٦٩] قيلَ: معناهُ: نَفَى عنهُم الحزنَ المذكورَ في قولهِ: ﴿ويأتيهِ الموتُ من كلّ مكانٍ﴾ [إِبراهيم: ١٧] وقيلَ: نَفَى عنهُم وعن أرواحهم فإِنه نبّه على نفسهم. وقد جاءَ مفسّراً في الحديث: ((إِنَّ أرواحهم في حواصل طيرٍ خضرٍ تعلق من الجنة وتأوي إِلی قناديل من ذهبٍ)(٢) فهذه حياتُهم ونَفْيُ الموتِ عنهُم. قوله: ﴿كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ(٣)﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذه عبارةٌ عن زوال القوة الحيوانية وإبانة الروحِ عن الجسد. قوله: ﴿إِنَّكَ مَيْتٌ وإِنَّهِم مَيِّتونَ (٤)﴾ [الزمر: ٣٠] أي أنَّك ستموتُ، تَنْبيهاً أنه لا ينغلتُ منه أحدٌ وإِن كان أكرمَ الخلقِ، كقوله: ﴿ وما جَعَلْنا لبشرٍ مِن قَبَلِكَ الخُلْدَ أفإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وقال الشاعرُ: [من الطويل] ١٥٧٢- ولو كانَ مجدٌ يخلدُ الدهرُ واحداً. خلدتُ ولكنْ ليسَ حيٍّ بخالد(٥) (١) البيت دون نسبة في اللسان والتاج (مهه). (٢) تقدم الحديث في مادة ( رزق) . (٣) قرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق والمطوعي والحسن (ذائقة الموتَ)، وقرأ الأعمش والمطوعي ( ذائقةُ الموتَ) الإتحاف ١٨٣ والبحر المحيط ١٣٣/٣. (٤) قرأ ابن محيصن والحسن وابن الزبير وابن أبي عبلة (مائت ... مائتون) الإتحاف ٣٧٥. (٥) تقدم برقم ٤٥٩. ١٢٤ باب الميم وقال آخرُ: [ من السريع] ١٥٧٣- والموتُ حتمٌ في رقاب العبادْ(١) وقال آخرون: الميتُ في الآيةِ معناهُ التحلُّلُ والنَّقْصُ؛ فقولُه: ﴿إِنَّكَ مِيِّتٌ ﴾ ليس إِشارةً إِلى إِبانة الروحِ عنِ الجسدِ، بل هو إِشارةٌ إلى ما يَعْرِي الإِنسانَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ التحلَّلِ والنَّصِ، فإِنَّ البشَرَ ما دامَ في الدُّنيا يموتُ جزءاً فجزءاً. وقد عبَّر قومٌ عن هذا المعنى بالمائت، وفرَّقوا بينَ الميّتِ والمائت، فقالوا: المائتُ هو المُتحلّلُ، وقد ردَّ هذا القاضي الجُرجاني فقال: ليسَ في لغتنا مائتٌ على حسَبٍ ما قالوهُ، وإِنما يقولون: موْتٌ مائِتٌ نحوُ: شِعرٌ شاعرٌ، وسَيْلٌ سائلٌ ويقالُ: مَيِّتٌ وميتٌ، قالَ فجمعَ بِينَ اللغتين: [ من الخفيف ] إِنَّمَا الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ(٢): ١٥٧٤ - ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بميتٍ والأصلُ مَيْوِتٌ، فَأُدغِمَ بعدَ القلبِ، ومثلُه ﴿المؤمنُ هَيْنٌ لِيْنٌ﴾ الأصلْ التشديدُ. والمَيْتَةُ منَ الحيوان: ما زالتْ روحُه بغيرِ تذكيةٍ، والمَوَتَانُ يقابلُ الحيوان، وهي (الأرضُ التي لم تَحْيَ للَّرعِ. وأرضٌ مَواتٌ. ووقَعَ في الإِبلِّ مَوَتَانٌ كثيرٌ. وناقةٌ مُميتٌ ومميتةٌ: ماتَ ولدُها. وأميتَتِ الخمرُ: مُزُجِتْ، وقيلَ: طُبختْ. والمستميتُ: المتعرِّضُ للموت، وأنشدُ: [من الوافر] ١٥٧٥- فأعْطَيْتُ الجَعالةَ مُسْتَمیتا(٣) والمَوْتَةُ شبْهُ الجنونِ كأنَّه مِن موتِ العلمِ والعقلِ، ومنه رجلٌ مَوْتانُ القلبِ، وامرأةٌ مَوْتانَةٌ. ويقالُ: ماتَ يموتُ ويَماتُ. قال(٤): ! (١) عجز بيت وصدره: (قد كان في الموت له راحة) والبيت في البيان والتبيين ٣٥٩/٣،٢٠١١/١ وزهر الآداب ١١٨، وكان يتمثل به زيد بن علي . (٢) البيت لعدي بن الرعلاء في معجم الشعراء ٢٥٢، وتقدم برقم ٤١٣. (٣) صدر بيت وعجزه: (إخفيف الحاذِ من فتيان جرمٍ) والبيت في التاج (جعل) للسليك بن شقيق الأسدي ، وفي اللسان (جعل) للأسدي ، وبلا نسبة في أساس البلاغة (موت) . .(٤) فراغ في الأصل، وربما المقصود ما جاء في اللسان (موت): عيشي ولا يؤمن أن تمانتي) (بني يا سيدة البنات ١٢٥ باب المیم وقد قُرئ بهما؛ بضمِ الميمٍ وكسرِها (١). قال بعضُهم: ما كانَ حَيواناً قيلَ منهُ مِيئَةٌ بالتخفيف، وما كانَ جَماداً قيل ميّتة بالتشديد. ولذلك لم يُقرأ ﴿حُرِّمتْ عليكم المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إِلاَّ تخفيفاً. قلتُ: وهذا في المتواترِ، ولكن يردُ قوله قراءتُهم في المتواتر ﴿الأرضُ المَيْتَةٌ﴾ [يس: ٣٣] بالوجهين(٢). م ر ج: قوله تعالى: ﴿في موجٍ﴾ [هود: ٤٢] الموجُ في البحرِ ما علا وارتفعَ عندَ هیجانِ البحرِ منَ الماءِ ومن غَواربهِ وهو الآذِيِّ، وأصلُه من الاضطراب والحركة والاختلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكنا بعضَهُم يومئذٍ يموجُ في بعضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] أي يختلطونَ مضطربين. وماجَ البُرُ يمُوجُ، وتَمَوِّجَ يتموَّجُ تموّجاً: اضطربَ. والجمعُ أمواج. م و ر: قولُه تعالى: ﴿يومَ تمورُ السَّمَاءُ مَوْراً﴾ [الطور: ٩] أي تدورُ دَوَراناً، وقال آخرون: تجيءُ وتذهبُ، مِن مارَ الدمُ يمورُ: إِذا جَرَى وتردَّدَ على وجه الأرض. ومارَ الشيءُ: اضطربَ، وهو قريبٌ مِن ماجَ، وسُميَ الطريقُ مَوراً، لأنه يُذهبُ فيه ويُجاءُ، قالَ طرفةُ: [ من الطويل] ١٤٧٦ - وظيفاً وظيفاً فوقَ مَورٍ مُعبَّدٍ (٣) أي طريقٌ مذلَّلٌ بالسلوكِ. قيلَ: المَوْرُ: الجَريانُ السَّرِيعُ. والمُورُ - بالضم - الترابُ المُتردّدُ بهِ الريحُ. وناقةٌ تمورُ في سيرِها فهيَ موَّارةٌ ومَوّارٌ - دونَ تاء -. وفي حديث آدمَ: (لمّا تُفحّ في جسدهِ مارَ في رأسِهِ فَعَطْسَ)(٤) أي دارَ. (١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة (مُتٌ) القرطبي ٢٨٧/١١ وهي من قوله تعالى في سورة الأنبياء / ٣٤ ﴿أفإِن متّ فهم الخالدون ﴾. (٢) قرأ أبو جعفر (الميتة) الإتحاف ١٩٨. (٣) عجز بيت في ديوانه ٢٢ وصدره: (تباري عتاقاً ناجيات وأتبعتْ). (٤) النهاية ٤ / ٣٧١ وغريب ابن الجوزي ٣٧٧/٢. ١٢٦ باب المیم م و س: قوله تعالى: ﴿موسی﴾ موسی بنُ عمران صلوات الله علیه وسلم. موسی، أي ماءٌ وشجرٌ لأنه دخلَ في نيلِ مصرَ حيثُ ألقتْه أمُّه إِلى قِصرِ فرعونَ من جداولَ تسرعُ إِلى النيلِ، وكانَ فيه شجرٌ. ومن ثَمَّ سُمي بذلك فعرَّبتْه العربُ إِلى موسى. والموسَى عند العرب هذه الآلةُ المعروفة التي يُستحدُّ بها ويُحلقُ. واختلفَ الصرفيون في اشتقاقها؛ فقيل: مِن أَوْسَيتُ رأسَه: حلقْتُه، فوزنُه [مُفْعَل]. وقيلَ: من ماسَهُ أي حسَّنَه، فوَزْنُه فُعْلى، وليس هذا من موسى العلم في شيء فإِن ذاك أعجمي وهذا عربي(١) . : م و ل: ۔۔ قولُه تعالى: ﴿المَالُ والبنونَ﴾ [الكهف: ٤٦] المالُ: مامُلك من متاعِ الدُّنيا وصحَّ الانتفاعُ به، وغلبَ في النقودِ والعُروضِ المعدَّةِ للتجارةَ. قوله: ﴿وما أموالكم ولا أولادُكم بالتي تُقربِّكم﴾ [سبأ: ٣٧]؛ نَفْيٌّ لِما كانوا يعتدُّونَ به؛ فإِنَّ الرجلَ يدفعُ عن نفسهِ بماله ويقيهِ بولده. وقال الأعصمي، وتبعهُ الراغبُ (٢): سُمي المالُ مالاً لأنه يميلُ مِن هذا إِلى ذاك. قال الراغبُ: ولذلك سُمِّي عَرَضاً، وعلى هذا دلَّ قولُ مَن قالَ: ((المالُ قحبة، يوماً تكونُ في بيْتِ عطارٍ، ويوماً في دارِ بيطارٍ))(٢). وخطّأَ الناسُ قائلَ ذلك فإِنَّ المالَ منَ الواو بدليلٍ مُوَيَل وأموال، وتموَّلَ فلانٌ. وبأنَّ الميلَ منَ الياءِ وليس خطأ، فإِنَّ هذا منَ الاشتقاق الأكبرِ، وقد فَعلوا مثلَه كثيراً - كما تقدَّمَ - في لفظِ الصلاةِ وغيرِها. م. و هـ: قولُّه تعالى: ﴿وأنزلَ منَ السماءِ ماءٌ﴾ [البقرة: ٢٢] هو المطرُ، وأصلُّه مَوَةٌ، فقلّبوا الهاءَ همزةٌ كما قلب الهمزة هاءٌ في هرِجت وهرقت وهزّت، ويدلُّ على ذلك قولُهم في التصغيرِ مُوَيْه، وفي التكثيرِ مياه وأمْواه(٤)، والتصغيرُ والتكثيرُ يردّان الأشياءَ إِلى أصولها. (١) سفر السعادة ٤٨٤. (٢) المفردات ٧٨٤. (٣) القول للصاحب بن عباد في التمثيل والمحاضرة ٢٥٠، وانظر بصائر ذوي التمييز ٤ /٥٤٠ (٤) المسائل العضديات ١٥٤. ١٢٧ باب الميم وقالوا أيضاً: ماهَتِ الركيَّةُ وموَّهَتْ: كثُر ماؤها، وماهَتْ تَمِيهُ وتماهُ، وبثرٌ مَيُّهَةٌ وماهَةٌ ومَيْهَةٌ. وأمَّاهَ الرجلُ وَأَمْهَى: بلغَ الماءَ، ورجلٌ ماهُ القلبِ وما هي القلبِ: كثير ماء القلب. وقد اختلفَ الناسُ في الماءِ هل كلُّه منَ السماءِ، أو كلُّه منَ الأرضِ، أو بعضُه من هذهِ وبعضُهُ من هذه؟ خلافٌ لا طائلَ تحتَه، وقد جاءَ لكلِّ قولٍ ظاهرٌ من القرآن. قولُه: ﴿وَجَعَلنا منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] هو الماءُ المعهودُ، وكذا كلّ دابةٍ من ماءٍ. وقيل: هو المنيُّ. قوله: ﴿وَأَنْزَلَنَا مِنَ السَّماءِ ماءَ﴾ من محاسنِ الكلامِ، وتسميةُ المنيِّ ماءً مجازٌ، ولذلكَ سُمي نطفةٌ وهي العاقبةُ، والسُّلالةً وهي المنسَلَّةُ من الطين. ما: في كلامهم تردُ للنَّفي، وهي فيهِ على قسمين: عاملةٍ عملٌ ليسَ وهي لغةُ الحجاز، وعليها جاءَ التنزيلُ كقوله: ﴿ما هذا بَشَرَأْ﴾ [يوسف: ٣١] ﴿ما هُنَّ أَمَّهاتِهِم) [المجادلة: ٢]. وغيرٍ عاملةٍ وهي لغةُ تميمٍ، ولها أحكامٌ وشروطٌ أتقنّاها في كُتبنا النحوية، وتكونُ شرطيةٌ جازمةٌ فعلينِ كإِنْ، كقولهِ: ﴿وما تَفْعلوا مِن خيرٍ يَعْلَمْه اللّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وتكون استفهاماً كقوله تعالى: ﴿ما هذه التَّماثيلُ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. ويُستفهم بها عن الذواتِ وأجناسِها وأنواعها وعن جنسٍ صفاتِ الشيءٍ ونوعِه، وتكونُ موصولةٌ اسميةٌ بمعنى الذي وفروعهِ كقوله: ﴿قُلْ ما عندَ الله خيرٌ منَ اللهوِ﴾ [الجمعة: ١١]، وموصولةٌ حرفيةٌ ينسبُكَ منها ومما بعدَها مصدرٌ، كقوله تعالى: ﴿بما عَصَوا وكانُوا يَعْتدون﴾ [البقرة: ٦١] أي بسبب عصيانهم، وهيَ على قسمينٍ: ظرفيةٍ وغيرِ ظرفيةٍ؛ فالظرفيةُ: ﴿وكنتُ عليهم شَهِيداً مادمْتُ فيهِم﴾ [المائدة: ١١٧] أي مدةً دَوامي فيهم .. وتكونُ نكرةٌ موصوفةً كقولهم: مررتُ بما مُعجِبٍ لكَ أي شيءٍ معجبٍ. وصفةً لنكرةٍ كقولهم: ((لأمرٍ ما جدَعَ قَصيرٌ أَنفَهُ))(١) أي لأمرٍ عظيم، وقالَ امرأ القيس: [من المديد ] ١٥٧٧ - وحديثٌ ما على قِصَرِهْ (٢) (١) المستقصى ٢٤٠/٢. ومجمع الأمثال ١٩٦/٢ والدرة الآخرة ١ / ١٠٦. (٢) ديوانه ١٢٧ واللسان والتاج (هنا) وتمام البيت : (وحديث الركب يوم هنا وحديث ما على قصره). ١٢٨ باب الميم في أحد القولين، ومنه أحد الأوجه: ﴿مثلاً مابَعوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦] وتكونُ نكرة تامةً لا موصوفةً ولا موصولةٌ في قولِهِ: ﴿نِعِمًا (١)﴾ [النساء: ٥٨] كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمّا (٢) هيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿بِسَمَا اشْتَرَوْا بِه أنفسَهُم﴾ [ البقرة: ٩٠ ] على خلاف ذلكَ أتقنّاهُ في ((الدرِّ)) وغيرهِ. وتكونُ تعجُّياً نحو: ﴿فَمَا أَصْرَهُم على النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. وقيلَ: هي هنا موصولةٌ اسميةٌ، وتحقيقُ هذا في غيرِ هذا الموضوعِ. وتكونُ زائدةً؛ فإِذا زيدتْ فتارةً ببطُلُ معها عملُ عاملٍ إِنَّ وأخواتِها إِلا ليتَ نحو: ﴿إِنَّمَا اللّهِ إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١] عندَ الجمهورِ؛ ومعَ ليتَ يجوزُ الأمرانِ كقولٍ النابغة: [من البسيط ] ١٥٧٨- قالتْ ألا ليْتَما هذا الحمامُ لنا إلى حمامَتنا ونصْفُهُ فَقِدَ (٣) ورفعَه. ولسيبويه في البيتِ كلامٌ (٤)، وتارةً لا يبطلُ عملُه البتّةَ. وفي زيادَتِها بعدَ : مَن وعَن والباءِ كقولهِ تعالى: ﴿مِمّا خَطِيئَاتِهِم﴾ [نوح: ٢٥] ﴿عَمّا قَليلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿فبما رحمة﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وتارةً يجوزُ الأمران، وذلك في زيادَتها بعد ليتَ - كما تقدَّمَ - وبعد رُبَّ والكاف، وينشدُ: [من الخفيف ] ١٥٧٩- ربَّما الجامِلُ المُؤْبَّل فِيهِمْ وعَنَاجِيجُ بِينهنَّ المِهِارُ(٥) وقولُ الآخرِ: [ من الطويل] كما الناسِ مجرومٌ عليه وجارمُ(٦) ١٥٨٠- وننصُرُ مولانا ونعلمُ أنَّه (١) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف واليزيدي (نَّعِمًا)، وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر والحسن (نعْمًا) الإتحاف ١٩٢. (٢) قرأ الحسن وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف والأعمش (فتَعِمّاً) ، وقرأ بو عمرو ونافع وعاصم وقالون وأبو جعفر (نِعْمًا) الإتحاف ١٦٥ والنشر ٢٣٥/٢. (٣) تقدم برقم ١٢٨٨. (٤) انظر ما تقدم في مادة (ليت) حول حاشية البيت ١٢٨٨. (٥) البيت لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ٣١٦ والأزهية ٩٤ والمقاصد النحوية ٣٢٨/٣ وشرح المفصل ٢٩/٨ ، وبلا نسبة في الجنى الداني ٤٤٨، ٤٥٥ والهمع ٢٦/٢. (٦) البيت لعمرو بن براقة في أمالي القالي ١٢٢/٢ وشرح شواهد المغني ٢٠٢/١، ٥٠٠ والمقاصد النحوية ٣٣٢/٣، وبلا نسبة في الخزانة ١٠ / ٢٠٧ والهمع ٣٨/٢ ،١٣٠ والدرر ٨١/٦ ( الكويت ) . ١٢٩ باب الميم برفعٍ الجاملِ والناسِ وجرِّهما. وتكونُ مهيِّئَةٌ وكافَّةً، وهي متصلةٌ تارةٌ بحسبٍ الجملة بعدَها، فإِن كانت الجملةُ فعليةٌ كانتْ مهيِّئَةً نحو: ﴿إِنما يَخشَى اللّه من عباده العلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وإِنْ كانتْ اسميةً فهي كافَّة نحوُ: ﴿إِنَّمَا اللّه إِلهٌ واحدٌ﴾، ﴿إِنّما إِلَهُكُم اللَّه﴾ [طه: ٩٨] وهل تفيدُ الحصرَ حينئذٍ أم لا؟ وتزادُ بعدَ بعضِ أدواتِ الشرطِ، وهي فيهِ على ضربينٍ: ضربٍ يلزمُ فيه زيادتُها وهو: إِذ وحيثُ، لا تكونانِ شرطينٍ إِلا معَ ما کقوله: [ من الكامل] حَقًّاً عليكَ إِذا اطمأنَّ المجلسُ (١) ١٥٨١- إِذْ ما أتيْتَ إِلى الرسولِ فقُلْ لهُ وقولُه تعالى: ﴿وحيثُما كنتُمْ فَولُوا وجوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وهل إِذْ ما حينئذٍ على اسميَّتها أم صارتْ حرفاً ... (٢) سيبويهِ الثاني وجوازاً بعدَ إِنْ وإِذا ومتَى وأينَ كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تكونُوا يدرِكْكُمُ الوتُ ولو كنْتُم في بروجٍ مشيَّدةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ويمنعُ زيادتها بعدَ مَن وما ومهما، وهذا كلُّه نبذٌ من أصولٍ طويلةٍ نبهتُكَّ عليها. وتكونُ كافةً للفعلِ أيضاً، وذلك في: قَلَّ، وطالَ، وكَثْرَ، نحو: قلَّما تفعلُ كذا، وكثْرَ ما تفعلُ، وطالما تفعلُّ، وقيل: بل هيَ هنا مصدريةٌ، وتُكتبُ ما متصلةً بثلاثة الأفعال المذكورة، وقيلَ: إِن اعتُقد كونُها زائدةٌ كُتبتْ متَّصلةً، وإِنْ كانتْ مصدريةً فمنفصلة، قال الشاعرُ: [من الطويل] ١٥٨١- صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وطالمَا وصالٌ على طُولِ الصدودِ يدُومُ(٣) فإِذا جاءَتْك ((ما)) في الكتاب العزيزِ فاعتبرْها بما ذكرتُ لك من هذه الأنواعِ، واللّه أعلمُ. (١) البيت للعباس بن مرداس في ديوانه ٨٨ والخزانة ٢٩/٩ وشرح أبيات سيبويه ٩٣/٢ والكتاب ٥٧/٣ وشرح المفصل ٤ /٤٦/٧,٩٧ واللسان ( أذ ذ). (٢) كلمة غير واضحة في الأصل، وثمة اضطراب في الكلمات بعدها ويقتضي المعنى والسياق (ويرى سيبويه أنه يجازى بعد)) انظر الكتاب ٥٧/٣ .٥٨. (٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٥٠٢، وللمرار الفقعسي في ديوانه ٤٨٠، والأزهية ٩١ والخزانة ٢٢٦/١٠ والدرر ١٩٠/٥ (الكويت)، وبلا نسبة في الإنصاف ١٤٤ والخصائص ١٤٣/١ وشرح المفصل ١١٦/٧. ١٣٠ باب المیم فصل الميم والياء : م ي د: قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنزِلْ علينا مائدةٌ منَ السماء﴾ [المائدة: ١١٤] المائدةُ: الخوانُ ما كانَ عليه طعامٌ، وإلا فهو خوانٌ، كالكأسِ ما فيهِ شرابٌ، وإِلاَ قَدَحٌ. ولهما أخواتٌ، وأصلُها مِن مادهُ يَميدُهُ: أي أعطاهُ مَيُّداً، فهو مائدٌ، والمطلوبُ منه المَيَدُ ممتادٌ. وأنشِدَ لرؤيةً: [من الرجز] ١٥٨٣ - إِلى أمير المؤمنين الممتاد(١). وقيل: المائدةُ: الطبَقُ الذي عليه الطعامُ، قالهُ الراغبُ (٢). ويقالُ لِكلِّ واحدٍ منهُما مائدةٌ، وهذا خلافُ المشهورِ. ومادني : أَطعَمني، وقيلَ : يُعشِيني. قولُه: ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي تضطربُ وتتحركُ حركةً شديدةً. وقيلَ: هو اضطرابُ الشيءِ المعظّمِ، كاضطرابِ الأرضِ ونحوِها. وقيلَ في قوله تعالى: ﴿ مائدةٌ﴾ إِنها طعامٌ. وقيلَ: طَلبوا أشياءَ منَ العِلم وسماهُ مائدةٌ، من حيثُ إِنَّ العلمَ غذاءُ الأرواحِ كما أنَّ الطعامَ غذاءُ الأبدان، قاله الراغبُ. وهذا وإنْ كانَ صَحيحاً في الجملةِ إِلا أنه ليس المرادَ لِما يدلُّ عليه الظاهرُ والآثارُ المنقولةُ. والمَيْدانُ: مركضُ الدوابِ لاضطرابها وحركتِها ذهاباً وإياباً، وقيلَ في قولِ الشاعرِ: [ من الطويل] ١٥٨٤- نُعَيماً ومَيْداناً من العيشِ أَخْضرا(٣) ..- إِنه الممتدُّ منَ العيش. (١) الرجز في ديوانه ٤٠ واللسان والتاج (ميد) وتهذيب اللغة ٢١٩/١٤. (٢) المفردات ٧٨٣. (٣) عجز بيت لعمرو بن أحمر في ديوانه ٧٩ واللسان ولتاج (ميد) والمقاييس ٢٨٨/٥، وقال الصاغاني في التكملة (ميد) : ذكره الجوهري ، وهو غلط وتحريف والرواية (أغيدا) ، والبيت: نعيما وميداناً من العيش أغيدا) ( وإن خضمت ريق الشباب وصادفت ١٣١ باب الميم ومادَ الرجلُ: إِذا أصابه المَيْدُ من ر کوب البحر. ورجلٌ مائدٌ، ورجالٌ مَیْدی، ولیس يُعبأ به، ومادَ الرجلُ: إِذا أديرَ بهِ وأصابَه الدَّورانُ، وإِن لم يكنْ من ركوبِ البحرِ. وفي الحديث: ((نحنُ السابقون الآخِرِونَ مَيْدَ أنّا أُوتينا الكتابَ من بعدهم))(١). مَيْدَ وبَيْدَ بمعنَى سِوَى أو غير ... ، وقيل: معناه على أنّا. م ي ر: قوله تعالى: ﴿وَنَمِيرُ (٢) أَهْلَنا﴾ [يوسف: ٦٥] أي نحملُ لهُم الميرةَ، وهي الطعامُ والأزوادُ، وكلُّ مُقْتاتٍ فهو ميرةٌ؛ يقالُ: مِرْتُ القومَ أَمِيرُهم مَيْراً فأنا مائِرٌ، والجالبون للميرة مَيّارَةٌ، والميرةُ والخيرةُ متقاربان. مي ز: قولُه تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخبيثَ مِنَ الطَّيبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] أي ليبينَ ويخلصَ هذا من هذا. والمَيْزُ والتَّمييزُ: الفَصلُ بينَ المُشْتَبهات، يقالُ: مازَه يميزُهُ مَيْزاً، وميَّزَه يُميّزُه تَمْيِيزاً، وقد قرئَّ بهما(٣). وقولُ النحاة: ((تمييزٌ)) أي بيانٌ لِما أُبْهم في ذاتٍ نحوُ عشرينَ درهماً، أو نسبة نحو طابَ زيدٌ نَفْساً. قولُه: ﴿وَامْتازوا اليومَ﴾ [يس: ٩] أي انْعزلوا ولا تَخْلطوا بالمؤمنين حتى تُعرفوا، يقالُ: مِزْتُه فامتازَ وانْمازَ وتميَّزَ، أي انفصلَ وانقطعَ وانسلخَ عمّا كان كان مُتَّصلاً به. قولُه: ﴿تَكَادُ تَميَّزُ(٤) مِنَ الغَيظِ﴾ [الملك: ٨] أي تنفصِلُ وتنقطعُ من غيظِها، إِمّا بأنْ خلقَ اللَّهُ فيها قوةَ ذلك أو تكونَ من مجازِ التخييل، وفي حديث جبريلَ: ((اسْتَمازَ رجلٌ من رجلٍ بِهِ بلاءٌ فابْتُليَ (٥) به)) أي تباعدَ منه وانفصَلَ. ويقالُ: لا مُستمازلك، أي لا ملجأً ولا فاصلَ. ويطلقُ التمييزُ على القوَّة التي في الدماغِ، وبها تُستنبط المعاني، لا تمييز لفلان . (١) غريب ابن الجوزي ٣٨١/٢ والنهاية ٣٧٩/٤ والفائق ١٢٣/١. (٢) قرأ أبو عبد الرحمن السلمي (ونُمير) البحر المحيط ٣٢٤/٥ (٣) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف والأعمش والحسن (ليُميِّز) الإتحاف ٢٣٧ والنشر ٢٧٦/٢. (٤) قرأ طلحة (تَتَمَيُّرُ)، وقرأ الضحاك ( تَمايَزُ)، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة (تمِيزُ) البحر المحيط ٢٩٩/٨. (٥) الحديث النخعي في الفائق ٥٩/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٨١/٢ والنهاية ٣٨٠/٤. ١٣٢ باب الميم م ي ل : قوله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلوا﴾ [النساء ١٢٩] أي ولا تَجوروا، وأصلُ الميلِ العدولُ من جهةِ الوسطِ إلى أحد الجانبين، فاستُعملَ في الجَوْرِ مَجازاً، قيلَ: وإِذا استعملَ في الأجسامِ فإِنه يقالُ فيما كانَ في خلقهٍ مَيَلُ - بالفتح - وفيما كان عَرَضاً مَيْلٌ - بالسكون ويقال - ملتُ إِلى فلانٍ، أي أحببتُهُ وعاونْتُه. وملتُ عليه، أي تحاملتُ. قوله تعالى: ﴿فيميلونَ عليكُمْ مَيْلَةً واحدة﴾ [النساء: ١٠٢] وفي حديثٍ ذمُ النساء: ((مائلاتٌ مُميلاتٌ))(١) فيه أوجهٌ؛ أحدُها يَمْتَشِطْنَ المِشْطةَ الميلاءَ وهي مِشطَةٌ البغايا، وإِیّاها عنى امرؤُ القيس بقوله: [ من الطويل] ١٥٨٥- غدائرُهُ مُسْتَشزراتٌ إِلى العُلا تَضِلُّ العقاصُ في مُثَنَّى وَمُرْسَلٍ (٢) ونَهى الشرعُ عنهما، والمُميلاتُ: الفاعلاتُ ذلك بغيرِهنَّ، وقيلَ: ماثلاتٌ عمّا أمر اللَّه. مُميلات: مُعلِّماتٌ غيرَهُن الميلَ، وقيلَ: هنَّ المُتَبختراتُ اللاتي يتمايَّلْنَ في مِشْبِهِن، و کلُّه مرادٌ فإِنه موجود. (١) الفائق ٤١٠/٢ وغريب ابن الجوزي ٣٨٢/٢ والنهاية ٤ /٣٨٢. : (٢) ديوانه ١٧ واللسان (شزر، عقص) وتقدم برقم ٤٨٨. ١٣٣ باب النون فصل النون والهمزة ن ا ش: قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التناوُشُ من مكانٍ بعيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢]. قُرِئَ في المُتواتر ((التناوش)) بالهمز والواوٍ؛ فمن قرأ بالهمزِ قالَ: هو التناولُ من بُعد (١). يقالُ: ناشَ إِذا أبطأ وتأخَّر. وأنشدَ: [من الطويل] ١٥٨٦ - تمنَّى نَفيشاً أن يكونَ أطاعَني (٢) أي، أخيراً. ومَن قرأَ بالواوٍ قالَ: هو التناولُ بسهولةٍ. وأُنشدَ قولُ عنترةً: [ من الکامل ] يقصمْنَ قلةَ رأسهِ والمعصَمِ(٣) ١٥٨٧- فتركتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَتُشْتَهُ يقالُ: ناشَه ينوشُه، وتناوشَه يَتَنَاوشُه تَناوشاً. وهذه التفرقةُ لأبي عمرٍوٍ. وقالَ غيرُه: القراءتان بمعنّى، والهمزُ بدلٌ منَ الواوٍ، وقالَ: لانَّهم إِذا أبدلوا الواو ساكنةٌ مَضْموماً ما قبلَها، لأجلِ تلك الضمةِ في قولِ الشاعرِ: [ من الوافر] ١٥٨٨ - أحبُّ المؤقدين إلى مؤسى(٤) فَلاَنْ يبدَّلونَها مضمومةً أولى. وعليه: ﴿أُقُّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] و (( وُقْتَتْ)). وقيل: هو بالهمزِ بمعنَى الطلب، والمعنى: كيفَ يتناولون أو يطلبونَ الإِيمانَ من مكانٍ (١) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم وشعبة وخلف والأعمش (التناؤش) الإتحاف ٣٦٠ والنشر ٣٥١/٢. (٢) صدر بيت لنهشل بن حري في ديوانه ٩٥ واللسان والتاج (ناش) وعجزه: ( ويحدث من بعد الأمور أمور ) والبيت بلا نسبة في الأساس (ناش) والمقاييس ٣٧٧/٥ وتهذيب اللغة ٤١٧/١١ (٣) من معلقته في ديوانه ٢٦. (٤) صدر بيت لجرير وعجزه: (وجعدة إِذ أضاءهما الوقودُ) والبيت في ديوانه ١٤٧ والخصائص ١٧٥/٢، ١٤٦/٣ والمحتسب ٤٧/١. ١٣٤ باب النون بعيد أو يطلبونه من مكانٍ قريبٍ؟ وهي حالةُ الاختيارِ والانتفاع إِشارةً لقوله: ﴿لا ينفَعُ نَفْساً إِيمانُها لم تكُّنْ آمنتْ من قبلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ن ا ي: قولُه تعالى: ﴿العرضَِ ونَأَى﴾ [الإسراء: ٨٣] أي، تباعدَ. يقالُ: نَأَى عِنِي يَنْأَى نَأياً، فهو ناءٍ. وأنشدَ : [من الطويل] وهند أتّى من دونِها النَّأَيُ والبعدُ(١) ١٥٨٩- ألا حبِّدًا هندٌ وأرض بها هندُ جمعَ المترادفينِ تأكيداً، وحسَّنَه اختلافُهما كقولهِ: ﴿صلواتٌ من ربِّهم ورحمةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقولِ الآخرِ: [ من الوافر] ١٥٩٠- فألفی قولها كذباً ومينا (٢) وقيلَ: نَأَى أي، أعرِضَ، وقيلَ: تكَّر نحو شَمخَ بأنفهِ. وكلُّها معانٍ مُتَقاربةٌ. ومن ذلك النُّيُ، وهو ما يُحفَرُ حولَ الخباءِ، لينفَذَ منه الماءُ، وأنشدَ للنابغة: [من البسيط] والنؤيُ كالَوضٍ بالمظلومة الجلد(٣) ١٥٩١- إِلا الأواريُ لأياً ما أُبيِّنه فصل النون و الباء . ن با: قولُه تعالى: ﴿ولقد جاءِكَ من نبأ الْمُرْسَلِين﴾ [الأنعام: ٣٤] أي، مِن أخبارِهم معَ قَومِهم. والنَّبأُ: الخبرُ، كذا فسَّرِه الهرويُّ وغيرُه. ولم يكتف الراغبُ بذلك، بل قيَّده بثلاثة أمورٍ فَقالَ (٤): النبأُ خبرٌ ذو فائدة عظيمةٍ، يحصلُ به علمٌ أو غلبةُ ظنّ، قالَ: ولا يقالُ للخبرِ في الأصلِ نبأً حتى يتضمَّنَّ هذه الأشياء الثلاثةَ. وحقٌّ الخبرِ الذي يقالُ فيه نبأ، أنْ يتعرَّى عن الكذبِ، كالتواتُرِ وخبرِ اللّهِ وخبرِ الرسولِ. قالَ: ولتضمَّنِّ النبأ معنى الخبرِ يقالُ: أنْبَاتُه بكذا أي أخبرتُه به، ولتضمُّنْهِ معنى العلم قيلَ: أتباتُه كذا كقولك: أعلمتُه كذا. قالَ (١) البيت للحطيئة، وتقدم برقم ١١٨٣. (٢) من بيت لعدي بن زيد إ، وتقدم برقم ٣٧٥ . (٣) تقدم برقم ٣٩. (٤ ) المفردات ٧٨٨ - ٧٨٩. ١٣٥ باب النون تعالى: ﴿قُلْ هوَ نبأٌ عظيمٌ أنتمُ عنهُ مُعْرِضون﴾ [ص: ٦٧ و٨٦]. قلتُ: أنبأَ ونبًّا، وأَخبرَ وخبَّرَ متَى تضمَّنتْ معنى أَعلمَ تعدَّتْ لثلاثة مفاعيلَ. وهي نهايةُ التعدِّي. وأمَّا أَعلمتُه بكذا فتلضمّنْه معنى الإِحاطةِ . قولُه: ﴿إِنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتَبِيُّوا﴾ [الحجرات: ٦] فيه تنبيهٌ أنَّه إِذا كانَ الخبرُ شَيئاً عظيماً له قدرٌ، فحقُّه أن يتثبتَ فيه ويتيقَّنَ، وإِنْ غلبَ صحتُه على الظنَّ حتى يعادَ النظرُ فيه. قيلَ: ونبّاتهُ أبلغُ من أنباتُه، ولذلك قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْبَاكَ هذا قالَ نّاني العليمُ الخبيرُ﴾ [التحريم: ٣]، ولم يقُلْ: أنباني. فنزلَ ذلكَ على أنَّه من قِبلِ اللَّه تعالى. قولُه: ﴿قُلْ هوَ نبأ عظيمٌ﴾ [ص:٦٧] قيلَ: هو أخبَرَ به من أمرٍ يوم القيامة. قولُه: ﴿عَمّ يتساءلون﴾ [النبأ: ١] قيلَ: هو القرآنُ، وقيلَ: أمرُ القيامة. قولُه: ﴿نَبِّنا بتأويلهِ﴾ [ يوسف: ٣٦] أي خيِرنا. وذلكَ لأنه أمرٌ عظيمٌ عندَ مارأيا ما رأيا. قولُه: ﴿وَأَوْحَنيا إِليه لتُنبئِنَّهم (١) بأمرِهم﴾ [يوسف: ١٥] أي، لتجازِينَّهم بأمرِهم. فعبِّر بذلك عن المجاوزَى غالباً يؤنَّبُ من مجازيهِ. والعربُ تقولُ لمن تتوعدَّهُ: لأنبعنَّكَ. ومثلُه قولُه تعالى: فَلْتُنَبَِّنَّ الذينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ [فصلت: ٥٠] أي، لنقرعَنْهم. والنبيُّ قُرئً بالهمزِ وبغيرِ الهمزِ؛ فمن همزَه جعله من النبأ. وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، لأنه مُنبأ من جهة اللّه تعالى ومُخَّر. وقيلَ: بمعنى فاعلٍ، لأنه يُنبئُ الإنسانَ بما أُوحِيَ إِليهِ. ويدلُّ على ذلك أَعني أنَّ الهمزَ جمعٌ لفظُه على نُبَآءَ قالَ: [من الكامل] ١٥٩٢- يا خاتِمَ النَُّآءِ إِنك مرسلٌ(٢) وقد أنكرَ بعضُهم هذه القراءةَ. وليس بمصيبٍ، لحديثٍ رواهُ وهو أن رجلاً قالَ: (( يَا نبيءَ اللّه، فقالَ: لستُ بنبيءِ اللّهِ، ولكنْ نبيُّ اللّه))(٣). وقد ذكرْنا هذا مُستوفىّ في (١) قرأ ابن سلام (لَنُنَّنهم)، وقرأ ابن عمر (ليُنَّنهم) البحر المحيط ٢٨٨/٥. (٢) صدر بيت للعباس بن مرداس في ديوانه ١٢٢ وعجزه (بالخير، كل هُدَى السبيل هداكا) والبيت في النهاية ٤/٥ واللسان (نبأ) والجمهرة ٢١٢/٣ والفائق ٦٢/٣. (٣) الفائق ٣ /٦٢ وغريب ابن الجوزي ٣٨٦/٢ والنهاية ٣/٥. ٠١٣٦ باب النون ((العقد)) و ((الدرِّ) وغيرِهما، فعليكَ باعتبارِ ثَمَّةً. ومَن قرأَه غيرَ مهموزٍ فمِن نَّا يَنْبو. وسيأتي في مادته. ن ب ت : قولُه تعالى: ﴿وَأَثْبِتَهَا نَبَاتاً حَسناً﴾ [آل عمران: ٣٧] هذا مجازٌ عن [التربية](١) أي، ربّاها تربيةً. والنبتُ: والنباتُ: مايخرُجُ من الأرضِ من النّاميات، سواءٌ كانَ له ساقٌ كالشجر أو لم يكنْ كالنجم. ولكن اختصُّ في التعارِف بما لا ساق له. قال الراغبُ (٢): بل اختصَّ عندَ العامة بما تأكلُهِ الحيواناتُ، وعليه قولُه تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَقَبَاتَاً﴾ [النبأ: ١٥] ومتى اعتُبرت الحقيقةُ فإِنه يُستعملُ في كلِّ نامٍ نباتاً كان أو حيواناً أو إِنساناً. قال بعضُهم في قولِه تعالى: ﴿والله أنْبَتَكُم مِنَ الأرْضِ نِبَاتاً﴾ [ نوح: ١٧]: النحويون يقولون: نباتاً لموضوعٌ موضعَ الإِنباتِ، وهو مصدرٌ. وقال غيرُهُم: هو حالٌ لا مصدرٌ، ونبَّهَ بذلك أن الإنسانَ هو من وجه نباتٌ من حيثُ إِنَّ بدْأَه ونشأَه من التراب، وإِنَّه ينمُو نمَّه وإِنْ كانَ له وَصِفٌ زائدٌ على النَّبات. وعليه نبَّه في قوله تعالى: ﴿هوَ الذي خَلَقكمُ من تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]. قولُه: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] قرئ تَنبتُ من نبتَ ثلاثياً، وتُنْبَتَ من أنبتَ(٣). وفي ذلك أقوالٌ أحدها أنَّ الباءَ مزيدةٌ في قراءةٍ تُنُبتُ، كقوله: ﴿ولا تُلْقُوا بأيديكُم﴾ [البقرة : ١٩٥] . ١٥٩٣ - لا يَقْرأن بالسورِ (٤) ويقالُ: إِنَّ بني فلان لنابتةٌ شَدٍّ. ونَبَتَتْ فيهم نابتٌ، أي نشأ فيهم صغارٌ. (١) بياض في الأصل ، والإضافة يقتضيها السياق .. (٢) المفردات ٧٨٧. (٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس وابن محيصن (تُنْبتُ) الإتحاف ٣١٨ والنشر ٣٢٨/٢، وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز (تُنْيَّتُ) وقرأ أُبي (تُثمر) البحر المحيط ٦ /٤٠١، وقرأ ابن مسعود (تَخْرُج) القرطبي ١١٦/١٢. (٤) من بيت الراعي النميري في ديوانه ١٢٢ (ألمانيا) وتمام البيت: سود المحاجر لا يقرأن بالسور). ( من الجرائر لاربات أحمرة وتقدم البيت برقم ١٣٣١. ١٣٧ باب النون ن ب ذ: قولُه تعالى: ﴿فَتَبِذُوهِ وراءَ ظُهورِهم﴾ [آل عمران: ١٨٧] أي رَموه وطَرحوه. قولُه: ﴿وراءَ ظهورهم﴾ تمثيلٌ عن قلةٍ مبالاتهم بهِ. لم يَكْتفوا بطرحه بل لا يهمُّون به، لأنَّ الإِنسانَ قد يَرمي الشيءَ معَ التفاتِهِ إِليهِ. وفي المثل: ((نبذَه نبذَ النَّعل الخَلِقِ»(١). قولُه: ﴿فَائْبِذْ إِليهم على سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي ألقِ عهدَهُم إِليه، وآذِنْهم بالحربِ ولا تأخذهم على غِرَّةٍ. قيلَ: واستعمالُ النَّبذ هنا كاستعمال الإلقاءِ في قولِهِ: ﴿فَأَلْقَوا إِليهِمُ القَولَ﴾ [النحل: ٨٦] ﴿وَأَلْقَوا إِلى اللّهِ يومئذِ السَّلَمْ﴾ [النحل: ٨٧] تنبيهٌ ألا يؤكِّدَ معَهُم عهداً بل حقُّهم أن يُطرَحَ إِليهم ذلك طَرْحاً، مُستَحقاً به على سبيلٍ المجاملة، وأن يراعِيَهُم حسبَ مُراعاتِهِم، ويعاهِدَهُم على قدرِ ما عاهَدوه. قولُه: ﴿انْتَبِذَتْ مِن أهلها﴾ [مريم: ١٦] أي، اعتزلتْ وتنحَّتْ؛ يقال: انتبذَ فلانٌ مجلسَهُ، وجلسَ نَبْذَةً ونُبَدَةً أي: اعتزلَ، يحيثُ إِذا نبذتَ إِليه شيئاً وصلَ إِليه. وصبِيِّ منبوذٌ ونبيذ نحو ملقوطٍ ولّقيطٍ. قيلَ: لكنْ منبوذٌ يقال اعتباراً بمَن طرحَه، وملقوطٌ ولقيطٌ اعتباراً بمن تناوَلَه. والنبيذُ: ما ألقيَ فيه تمرٌ أو زَبيبٌ مع الماء، يقصدون بذلك تحليةَ الماءِ وعذوبته. ولذلك نَهى الشارعُ عن الانتباذِ في أوانٍ مخصوصةٍ، لئلا يشتدَّ فُسْكِرَ. وصار النبيذُ في العُرفِ العامِّ اسماً للشرابِ المُسكر، وإِن كانَ النبيذُ في الأصل إِنما هو للشيءٍ المُلْقَى في الماءِ كالثَّمرِ والفَضيحِ ونحوِهما، ثم أطلق على ذلك الماءِ الذي أُلقيَ فيه مجازاً للمجاورة، ثم غَلب على المسكر. وتابذْتُ زيداً عهدَه، يجوزُ أن يكونَ مما وقع منه فاعلتُ موقعَ فعلتُ، نحو: سافرتُ وعاقبتُ الصَّ وطارقتُ النعلَ، وأن يكونَ على بابهِ منَ المفاعلةِ، وأنَّ كلاً منهما نبذَ عهدَ صاحبه إلى الآخر. ن ب ز: قولُه تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزوا بالألقابِ﴾ [الحجرات: ١١] أي: لا تَداعوا به. وهذا محمولٌ على ما إِذا كانَ التلقيبُ مؤذياً لصاحبه. فأما إِذا كانَ غيرَ مُؤذيه، وفيه تعظيمُه فلا (٣) مجمع الامثال ١/ ١٤٥ وجمهرة الامثال ١ /٢٦٥. ١٣٨ باب التون حُرمةً. وكذا إِذا لم يُعرف إِلا به، وكان فيه مَفسدةٌ لو لم يُذكر به، كتضييعِ حقٌّ الغير لا سيما إِذا رُوي عنه كالأعرجِ والأعمشِ، حيث غلب على هذين. وكره سعيدُ بنُ المسيِّب فتحّ الياء من المسِّيب، وكان يقولُ: سَيَّبَ اللَّهُ مِن سَيِّبَ أبي. وكُرهَ التلقيبُ مُطلقاً وإِنْ أحبَّه صاحبُه. ن ب ط : . قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَّه الذين يَسْتَنبطونه منهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] أي يستخرجونه. يقالُ: استنبطتُ الماءَ منَ الأرض، وأنبطتُه، أي استخرجتُه. وأصلُه من النَّبط وهو أولُ ما يَخرجُ من البئرِ حين تُحفَرُ وفي المثلِ: ((أَنْبَطَ في غَضرَاءَ))(١) أي استخرجَ الماءَ من طينٍ حُرٌّ. وأنشدَ : [ من الطويل] ١٥٩٤ - نَعم، صادقاً، والقائلُ الفاعلُ الذي إِذا قالَ قَولاً أنبطَ الماءَ، في الثرى(٢) وسُئل بعضُهم عن رجلٍ فِقالَ: ذاكَ قريبُ الثَّرى بعيدُ النَّبط (٢) أي: قريبُ الوعد بعيدُ الوفاء. وفي الحديث: ((ورجلٌ ارتَبَطَ فَرساً لِيَسْتَنْبِطَها(٤)) أي ليخرجَ ما في بطنِها. وسألَ عمرُ بنُ الخطابِ عمرَوَ بنَ معدي كرب عنه فقال: ((ذاكَ أُعرابيِّ فِي حِبُوتِهِ، نَبَطَيِّ في جِبْوتهِ))(٥) أرادَ أنه في حِبْوة العربِ، وكالنَّبطيِّ في علمهِ بأمرِ الخراجِ وجبايتهِ وعمارةٍ الأرضِ، حِذْقاً بها ومهارةً فيها .. والنَّبْطُ: جيلٌ معروفٌ، سُموا بذلك، لأنهم يَنْبطونَ الماءَ في الأرضِ ويزرعونَها، ويستخرجون بذرَها. بمقابلة العربِ يقالُ: ذاك عربيٍّ وهذا نَبْطِيٌّ، ولذلك قال الفقهاءُ: لو قال لعربيٍّ: يانبطيُّ كان قذفاً. وكان عمرُ يقولُ: ((تَمَعْدَدوا ولا تَسْتَنْبطوا))(٦) أي تشبَّهوا بمعَدِّ لا بالنَّبط. (١) ورد في مجمع الأمثال ١ /١٩٩ ((لو كان في غضراء لم ينشف)) ولم أجده برواية المؤلف. (٢) البيت دون نسبة في الدر المصون ٥١/٤ والبحر المحيط ٠٣٠٣/٣: (٣) النهاية ٥ /٩ وغريب ابن الجوزي:٣٨٧/٢. (٤) الفائق ٢٣٣/٢ وغريب ابن الجوزي ٣٨٧/٢ والنهاية ٩/٥. (٥) الفائق ١ /٢٣٤ والنهاية ٩/٥ وغريب ابن الجوزي ٣٨٧/٢. (٦) الفائق ٦٣/٣ والنهاية ٩/٥. ١٣٩ باب النون وفرسٌ أنبطُ : أبيضٌ ما تحتَ الإِبطِ ن بع: قولُه تعالى: ﴿ينابيعَ في الأرضِ﴾ [الزمر: ٢١] هو جمعُ ينبوعٍ. واليَنْبوعُ: العينُ التي يخرجُ منها الماءُ. ويقالُ: نبعَ ينبعُ نَبْعاً ونُبوعاً، فهو نابعٌ منَ الينبوعِ. وقال تعالى: ﴿حتَّى تَفْجُرَ لنا منَ الأرضِ يَنْبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] ووزنُه يُفْعول منَ النّبْع. والنبعُ: شجرٌ تُتَّخذُ منه القسيُّ. ن ب و: قولُه تعالى: ﴿يا أيُّها النبيُّ﴾ [التوبة: ٧٣] قد تقدم في لفظ النبيُّ قولان: أحدهما أنَّه من النبأُ مهموزٌ، والثاني أنَّه مِن نّا يَنْبو، أي ارتفعَ. قال بعضهم: هو من النَّبْوة، أي الرفعة. سُمي نبياً لرفعةٍ محلّه عن سائرِ الناسِ المدلولِ عليها بقوله: ﴿وَرَفَعناهُ مكاناً عليّاً ﴾ [ مريم: ٥٧ ]. وعن قتادةَ: (( ما كانَ رجلٌ بالبصرةِ أعلمُ من حُميدٍ بنِ هلالٍ، غيرَ أنَّ النَّبَاوَ أُضرَّتْ به))(١). النَّباوةُ والنّبَوةُ: الارتفاعُ. يقالُ: له نباوةٌ ونَبْوة، أيّ رفعةٌ وشرفٌ. وقال غيره: النبيُّ ما ارتفعَ منَ الأرضِ واحْدَوْدَبَ. ومنه الحديثُ: ((لا تُصَلُّوا على النَّبِيِّ))(٢) يقولُ: لا تُصلُّوا على الأرضِ المرتفعةِ المُحْدوديةِ. وقيلَ: على الطرقِ. وسُميتْ رسُلُ اللّهِ أنبياءَ الكونِهِم طُرّقاً إِلى الله. والنَّباوةُ أيضاً: موضعٌ بالطائفِ. ومنه الحديثُ: ((وخطب يوماً بالنباوة من الطائفِ))(٣). ونبا السيفُ من الضريبة: ارتدَّ عنا. ونبا بصرُه عن كذا تشبيهاً بذلك. فصل النون والتاء ن ت ق: قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]. نتَقَ الشيءَ: جذبَه ونزَعَه حتى (١) الفائق ٦٤/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٨٨/٢ والنهاية ١١/٥. (٢) الفائق ٦٥/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٨٨/٢ والنهاية ١١/٥. (٣) غريب ابن الجوزي ٣٨٨/٢ والنهاية ١١/٥. ١٤٠ باب النون يسترخيَ، كنَتْق ◌ُرى الحِمْل. ومنه استُعيرَ: امرأةٌ ناتقٌ: جذا كثُرَ ولدُها. ومنه قيلَ: زَنِدٌ ناتقٌ، أي وأ تشبيهاً بذلك أبو عبيدةَ: زَعْزَعناهُ واستخرجناهُ من مقرّه. وكلُّ شيءٍ قلعته ورميتَ به فقد انتقْتَه. ونتقْتُ الشيءَ: نقضْتُه. وهو یرجعُ إِلی امعنی الرمي. وقالَ غيرُهُ: نَتَقْنَاهُ: رفعناهُ بدليلٍ قولهِ ﴿ وَرفَعْنَا فَوقَكم الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]. ابنُ الأعرابيّ: الناتقُ: الرافعُ، والناتق الباسطُ، والناتقُ: الفائقُ. وامرأةٌ ناتقٌ ومنتاقٌ: كثيرُة الولد (١). القتيبيُّ: أخذَ ذلك من نتقِ السقاءِ، وهو نفضُه حتى يقتلعَ الزُّدَةَ منه. قالَ: وقولهُ ﴿وَإِذْ نَتَقنا الجبلَ﴾ كأنه قُلعَ من أصلهِ. ابنُ اليزيدي: نتقّ الجرابَ: تَثر ما فيها. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه: (البيتُ المعمورُ نتاقُ الكعبة من قوقِها))(٢) أي هو مطلٌّ عليها. قال القُتيبي: هو مِن قولهِ: ! ﴿وَإِذْ نَتَقنا الجبلَ من فوقِهِم﴾. فصل النون والثاء ن ٹ ر: قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الكواكبُ انْتَثرتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أي تقرَّقَتْ ورُمي بها من مقارِّها، ونَثَر الشيءَ: نشَرَهِ. يقالُ: نثرتُه فانتثَرَ، ويقالُ: نثَر السكرَ نثرةً، بالضم ونثر الماء نثرة بالکسر. وفي الحديث: ((إِذا توضأت فانْثِرْ))(٣) وفي آخَرَ ((فاستنثر))(٤) أي استنشق. وحقيقتُهُ اجعلِ الماءَ في أَنفِكَ. والأنفُ يقال له: نَثْرَةٌ. وقيلَ: هي طرفهُ. والنَّْرة أيضاً: نجمٌ معروفٌ، لأنه بمنزلة نجمٍ آخَرَ يقالُ له الأسد. ويقالُ للدرعِ إِذا لُبِسَ: نَثْرة. وذلك لنشْرِها عندَ لبسِها. (١) في مجالس ثعلب ٣٧٠ ((نتقت المرأة ولدها إِذا رمت بهم). (٢) الفائق٠ ٥٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٣٨٩/٢ والنهاية ١٣/٥. (٣) الفائق ٦٧/٣ وغريب ابن الجوزي ٣٩٠/٢ والنهاية ٠١٣/٥ (٤) أخرج البخاري في الوضوء، باب (٢٤)، حديث ١٥٩، ومسلم في الطهارة ٢٣٧ (من توضأ فليستنثر) .