النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب الكاف
قولُه: ﴿وَيُحِقُّ الحقَّ بكلماته﴾ [الشورى: ٢٤] أي: بحُجَجه التي جعلها اللهُ
لكم سُلطاناً مُبينً أي قوتَه.
قوله: ﴿يريدونَ أنْ يُبدِّلوا كلامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥] إِشارةٌ إِلى ما قالَ: ﴿فَقُلْ لِنْ
تَخْر جوامَعي أبداً ولن تُقاتِلوامعي عَدوًا﴾ [التوبة: ٨٣]، وذلك أنه تعالى لمّا قالَ: ﴿فَقُلْ
لنْ تَخرجوا﴾ قال هؤلاءِ المنافقون: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾. وقصدُهُم بذلك تبديلُ كلامٍ
الله، فنّه أنَّ هؤلاء لا يفعلون، وكيفَ يفعلون وقد علمَ اللهُ منهُم أنَّهم لا يفعلون ذلك،
وقد سبقَ بذلك حكمُهُ وقُرئَ: ((كلامَ الله)) و(( كلمَ الله))(١) ومعناهُما متقارب.
قولُه: ﴿يُحرِّفُونَ الكلمَ (٢) عن مَواضعهِ﴾ [النساء: ٤٦] قيلَ: إِنَّهم كانوا يبدُّلون
الألفاظَ ويُغيرونَها، وذلك نحوُ وصفهم: آدمُ طُوالٌ، فكانَ معتدلاً أبيضَ مشرَّباً بحمرةٍ، في
صفته عليه الصلاة السلام. وقيلَ: إِنَّ تحريفَهم كان من جهةِ المعنى، وهو حملُه على غیرِ
ما قُصد به واقتضاهُ. وقد رجَّحَ هذا جماعةٌ، منهُم الراغبُ فقال: وهذا أمثلُ القولين(٣).
ولم يبينْ وجهَ ذلك، وبيِّنَه غيرُه فقالَ: كيفَ يُعتقدُ أنه تغييرُ اللفظِ والتوراةُ كثيرةُ النسخ
منتشرةٌ في البلدان؟ فهبْ أن يهود المدينةِ حَرَّفوا كتبَهم فكيفَ وافَقَهم جميعُ الناس؟
وكيفَ اتفقَ التغييرُ أيضاً؟ وعندي جوابٌ نقلتُه عن شيخنا برهانِ الدينِ الجعبريّ
المقرى(٤). وقد ذكرتُ هذا الاعتراضَ بحضرةٍ جماعةٍ بالحرمِ، حرمِ الخليلِ إِبراهيمَ تَّةُ،
فذكرَلي أن بعضَ مشايخه أجابَ به وهو أنَّ اليهودَ كانوا مُنْحصرين بالمدينةِ وما حَوالَيْها،
والتوراةُ لم تُعلم إِلا عندَهُم، وذلك أنهم انْتقلوا من الشامِ لانتظارِ النبيُّ المبعوث كما هو
في القصّة المشهورة. فقولُهم: إِنَّ اليهودَ كانوا في البلدانِ والتوراةُ منتشرةٌ معهم خلافُ
الواقع، وإِنْ وجدّ اليهودُ بأرضٍ فإِنما ذلك على سبيلِ التردُّدِ لا الإقامة، وإِن اتَّفقَ ذلك
فنادرٌ. قوله: ﴿لولا يُكُلِّمُنَا اللهُ﴾ [البقرة: ١١٨] أي مواجهةٌ.
(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش ويحيى بن وثاب (كَلمَ) الإتحاف ٣٩٦ والنشر ٣٧٥/٢.
(٢) قرأ ابن محيصن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن النخعي (الكلام) الإتحاف ١٩١ والبحر المحيط
٢٦٣/٣، وقرئت (الكلم) البحر المحيط ٢٦٣/٣.
(٣) المفردات ٧٢٥ .
(٤) إِبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري (٧٣٢ هـ / ١٣٣٢م) عالم بالقراءات، من فقهاء
الشافعية، له نحو مائة كتاب ، منها شرح الشاطبية ، وخلاصة الأبحاث . انظر الأعلام ١ /٤٩.

٤٢٢
باب الكاف
قولُه: ﴿وما كانَ لبشرٍ أَنْ يُكَلِّمَهِ اللهُ إِلا وَحْياً أو من وراء حجابٍ أو يُرسِلَ رَسولاً
فُيُوحِيَ بإِذنهِ ما يشاءُ﴾ [الشورى: ٥١]. اعلمْ أنَّ كلامَ الله البشرَ على ضربينٍ (١):
أحدُهما في الدُّنيا وهو ما نَبَّه عليه بقوله: ﴿وما كانَ لبشرٍ﴾ الآية، والثاني في الآخرةِ
يكلمُهم بما فيهِ غايةُ السعادةِ، وهو قولُه كما أخبرَ عنه الصادقُ: ((اليومَ أحلُّ عليكم
رِضواني فلا أسخطُ عليكمُ بعدَه أبداً))(٢). قال بعضُهم: كلامُه لهم في الآخرةِ ثوابُه
للمؤمنين وكرامةٌ لهم تَخْفَى عليهم كيفيتُه. وبَّه تعالى أنه يَحْرمُ ذلك على الكفارِ بقوله:
﴿وَلا يُكلّمُهم اللهُ ولا ينظرُ إِليهم﴾ [آل عمران: ٧٧]
قوله: ﴿لنفدَ البحرُ قبلَ أن تنفذَ كلماتُ ربي﴾ [الكهف: ١٠٩] أي علمُه.
قولُه: ﴿تعالَوْاْ إِلى كلمةٍ (٣) سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] هي مفسّرةٌ بقوله: ﴿الأ
نَعْبُدَ إِلا اللهَ﴾ [آل عمران: ٦٤) الآية. وكلُّ ما دَعا اللهُ الناسَ إِلیه فهو كلمةٌ.
قولُه: ﴿وصدَّقَتْ بكلمات(٤) ربِّها وكُتبُهِ﴾ [التحريم: ١٢] قيلَ: عَنى بها
عيسى، وفيه نظرً من حيثُ الجمعُ. وفي الحديث: ((أعودُ بكلمات الله التامّات))(٥)، عَنی
بها القرآن. وفيه: ((واسْتَحللتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله))(٦) قيلَ: أراد قوله سبحانه: ﴿فإِمساكٌ
بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
:
وأصلُ اشتقاقِ الكلامِ من الكَلْم وهو التأثيرُ، ومنه قيلَ للجرحِ كَلْمٌّ لتأثيره في
الجلد. وقد قُرئَّ: ﴿تَكْلِمُهِمْ﴾ و﴿ تُكلِّمُهم﴾ [النمل: ٨٢] أي تَسِمُهم، أي تُخَبِّلَ
منه التأثيرُ المعنويُّ، فقيلَ: جرحَه بلسانهِ: إِذا كلَّمه بكلامٍ أثَّر فيه؛ قال امرؤ القيس:
[ من المتقارب ]
١٣٦٧ - وجُرحُ اللسانِ كجُرْح اليد(٧)
(١) المفردات ٧٢٤ .
(٢) أخرجه البخاري في الرقاق، بأب (٥١) حديث ٦١٨٣، وأعاده في التوحيد ، باب (٨٣) حديث
٧٠٨٠، وأخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها برقم ٢٨٢٩ .
(٣) قرأ أبو السمال (كلمة، كلمة) البحر المحيط ٢ /٤٨٢ .
(٤) قرأ الحسن ومجاهد والجحدري وأبو العالية (بكلمة) البحر المحيط ٢٩٥/٨ والقرطبي ٢٠٤/١٨.
(٥) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب (١٢) حديث ٣١٩١.
(٦) غريب ابن الجوزي ٢٩٩/٢ والنهاية ١٩٨/٤.
(٧) تقدم برقم ٢٧٢ .

٤٢٣
باب الكاف
وقال الراغبُ(١): والكَلُمُ: التأثيرُ بإِحدى الحاسَّتينِ: السمعِ والبصرِ، فالكلامُ مُدْرَكٌ
بحاسَّة السمعِ والكُلْمُ مدرٌَ بالبَصرِ.
وكلّمتُه: جرَحْتُه جراحةً بانَ أثرُها، ولاجتماعهما في ذلك قال:
١٣٦٨- والكَلِمُ الأصيلُ كأرغَبِ الكَلْمِ (٢)
وقال الآخر:
١٣٦٩- وجرحُ اللسان کجرحِ الیدِ
قالَ: ((والكلامُ يقعُ على الألفاظِ المنظومةِ وعلى المعاني التي تحتَها مجموعةً،
وعندَ النحويين يقعُ على الجزءِ منه، اسماً كانَ أو فعلاً أو أداةً. وعند كثيرٍ من المتكلمينَ
لا يقعُ إِلا على الجملةِ المركبة المفيدة، وهو أخصُّ من القول؛ فإِنَّ القولَ عندهُم يقعُ على
المفردات، والكلمةُ تقعُ على كلِّ واحدٍ من الأنواعِ الثلاثةِ، وقد قيلَ بخلاف ذلك))(٢)
قلتُ: ما ذكرَه من كونِ الكلامِ عند المتكلمين كذا وعندَ النحويين كذا ليسَ كما زعمَ بل
ما قالَه عن المتكلمين هو مذهبُ النحاةِ. وقد فرَّقنا بينَ الكلامِ والكُلِم والكَلِمة والقولِ.
وذكرنا ما بينَهما من العموم والخصوصِ وغيرِ ذلك في غيرِ هذا الموضع.
والكلامُ ليس مصدراً بل اسمُ مصدرٍ وهو التَّكليمُ، ولكنَّه يعملُ عملَ المصدرِ،
وأنشد: [ من الطويل]
١٣٧٠ - فإِنَّ كلامَها شِفَاءٌ لِما بِيا (٤)
قولُه تعالى: ﴿وكلاً (٥) وعدَ اللهُ الحُسنَى﴾ [النساء: ٩٥]. كلٌّ من ألفاظ
ك ل ل :
(١) المفردات ٧٢٢ .
(٢) من بيت لطرفة في ديوانه ٨٧ والصناعتين ٤٣٩، وتمام البيت:
(بحسام سيفك أو لسانك وال كلم الأصيل كأرغب الكلم).
(٣) المفردات ٧٢٢ .
(٤) عجز بيت نسب إِلى ذي الرمة في الدرر ٢ /١٢٨ والهمع ٢ /٩٥، ودون عزو في ابن يعيش ٢١/١
وصدره : ( فأشفي نفسي من تباريح ما بها ) .
(٥) قرئت (وكُلِّ) البحر المحيط ٣٣٣/٣ وإملاء العكبري ١١٢/١.

٤٢٤
باب الكاف
العموم، واستعمالُه مؤكداً لغيره تابعاً له في إعرابه أكثرُ من استعمالهِ مبنياً على عاملٍ لفظيّ
أو معنويّ، نحوُ: جاءَ كلُّ القومِ و﴿ كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وضربتُ
كلاًّ ومررتُ بكلِّ. وهي مِنَ الأسماءِ اللازمة للإضافةِ. وقد تقعُ لفظاً فتنوَّنُ، وفيه خلافٌ؛
هل هو تنوينُ عوضٍ أم لا؟ وهي نقيضةٌ بعضٍ، وإِذا أضيفتْ إِلى معرفةٍ جازَ أن يُراعَى
لفظها تارةً ومعناها أخرى، قال تعالى: ﴿وكلُّهم آتيهِ يومَ القيامةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٥].
وإِن أضيفتْ إِلى نكرةٍ فالمشهورُ اعتبارُ لفظِها نحو: ﴿ كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ﴾ وكلُّ
رجلٍ قائمٌ، فأمَّا قولُ عنترةَ: [ من الكامل]
فتركْنَ كلّ حديقةٍ كالدِّرْهَم(١)
١٣٧١ - جادَتْ عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ.
فقد راعَى مَعناها من حيثُ إِنه قالَ: فتركْنَ، فأتى بضميرِ الجمع، وليسَ بقياس(٢).
إِذا قُطعتْ عن الإِضافةِ رُوعِيَّ معناها وهو الأكثرُ كقولهِ: ﴿وَكلِّ أَتَوْهُ داخِرِين﴾
[النمل: ٨٧] وللزومها الإضافةَ خُطئَ من أَدخلَ عليها ((ال)) ونصبها حالاً. وأما
قراءةُ: ﴿إِنّا كَلاَّ فيها﴾ [غافر: ٤٨] فكلاً تأكيدٌ لاسمٍ إِنّا، وفيها أبحاثٌ كثيرةٌ تركناها هنا
إِيثاراً للاختصارِ واستغناءً بِمَا أَودعناهُ غيرَه من الكتبِ اللائقة بذلك.
قال الراغبُ(٣): لفظُ كُلُّ هو لِضمّ أجزاءٍ الشيءِ، وذلك ضربان: أحدُهما الضَّامُّ
لذاتِ الشيءٍ وأحوالهِ المختصَّةِ بِهِ، ويفيدُ معنى التَّمام نحوُ قولهِ تعالى: ﴿ ولا تَبْسُطُها.
كلَّ البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] أي بسطاً تاماً، وأنشد: [من مجزوء الرجز]
١٣٧٢- ليس الفتى كلُّ الفتّى
إلا الفتَى في أدبه(٤)
أي التامُ الفُتَوَّة. والثاني الضَّامُّ للذَّواتِ، وقد تضافُ تارةً إلى جمع مُعرَّفٍ بالألف
واللام نحوُ؛ كلُّ القوم، قال(٥): وقد تُعرَّى عن الإضافةِ، وتقديرُ ذلك فيهِ نحوُ: ﴿ كلٌّ فِي
(١) البيت من معلقته في ديوانه ١٨ واللسان والتاج (ثرر، حدق) والمقاييس ٣٦٧/١
(٢) يقصد أن الشاعر لم يقل ((تركتْ)) بل قال ((تركْنَ)) والبيت شاهد عند النجويين على جواز: (كلّ رجل
قائم وقائمون)، انظر المقاصد النحوية ٣٨٠/٣، وشرح شواهد المغني ٤٨٠/١، ٥٤١/٢ والهمع
٢ /٧٤.
(٣) المفردات ٧١٩ .
(٤) البيت اليزيدي، يحيى بن المبارك، في معجم الشعراء ٤٨٧ والظرف والظرفاء ٤٧، وفي الأصل عزاه
المؤلف إلى لبيد .
(٥) المفردات ٧١٩ .

٤٢٥
باب الكاف
فلكٍ يَسْبِحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. ولم يردْ في شيءٍ من القرآن ولا في شيءٍ من كلامٍ
العرب الفُصحاءِ ((الكلِّ)) بالألف واللامٍ، وإنما ذلك شيءٌ يجري في كلامٍ المتكلمين
والفقهاءِ ومَن نَحا نَحوهُم(١).
قلتُ: وقد وُجدذلك في عبارةِ بعضِ النحاةِ لكنه اعتذرَ عنه، نحوُ: بدلُ الكلِّ
والبعض.
قولُه تعالى: ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. اختلفَ الناسُ في
ذلك اختلافاً كثيراً؛ فقال ابنُ عباسٍ: الكلالةُ اسمٌّ لِمَنْ عَدا الوَلدَ، وقيلَ: لِمَن عَدا الوالدَ
والولد(٢)، ورُوي عن النبي ◌َُّ أنه سُئل عن الكلالة فقال: ((منْ ماتَ وليسَ له ولدٌ ولا
والدٌ))(٣) فجعلَه اسماً للميت. قال الراغبُ(٤): وكلا القولينِ صَحيحٌ؛ فإِنَّ الكلالة
مصدرٌ يجَمعُ الوارثَ والمَوْروثَ، وتسميتُها بذلك إِمّا لانَّ النسبَ كلَّ عن اللحوقِ به،
أو لأنه قدلحقَ به بالعَرْضِ من أحد طرفيهِ، وذلك أنَّ الانتسابَ ضربان: أحدهما بالعُمق
كنسبةِ الأُبِ والابنِ. والثاني بالعَرْضَ كنسبةٍ الآَخِ والعمِّ. وقالَ قطربٌ: الكَلالةُ اسمٌ
لِمَا عَدا الأبويْنِ والاخِ. وردَّه الهرويِّ، وقال آخرون: هو اسمٌ لكلِّ وارثٍ، وأنشدَ:
[ من مجزوء الكامل]
قِ وللكلالةِ ما يُسِيمُ(٥)
١٣٧٣ - والمرءُ يبخَلُ بالحُقو
وقد ردَّه الراغبُ فقالُ (٦): ولم يقصد الشاعرُ بما ظنَّه هذا، وإنما خصَّ الكلالةَ ليزْهدَ
الناسُ في جمعِ المالِ؛ لأنَّ تركَ المالِ لهم أشدُّ من تركهِ للأولادِ، وتنبيهاً أنَّ مَن خلَّفْتَ له
المالَ فَجارٍ مَجرى الكلالةِ، وذلك كقولك: ما تجمعُه فهو للعدوّ. وقال السُّدِّيُ (٧):
(١) في اللسان: كلل ((وكلٌّ وبعض معرفتان، ولم يجئ عن العرب بالألف واللام ، وهو جائز، لأن فيهما
معنى الإضافة ، أضفتَ أم لم تضف )) .
( ٢) انظر الدر المنثور ٧٥٧/٢ وتفسير ابن كثير ١ /٤٧٠، ٦٠٦/١.
(٣) أخرج ابن داود في المراسيل ٢٧٢ ١ جاء رجل إلى النبي ◌َله فسأله عن الكلالة، فقال: أما سمعت
الآية التي أنزلت في الصيف ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ فمن لم يترك ولداً ولا والداً
فورثته كلالة )) وانظر المستدرك ٣٣٦/٤ والدر المنثور ٧٥٤/٢.
(٤) المفردات ٧٢٠ .
(٥) البيت ليزيد بن الحكم في شرح الحماسة للتبريزي ١٠٦/٣.
(٦) المفردات ٧٢٠ .
(٦) هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (١٢٨ هـ /٧٤٥م) حجازي الأصل ، سكن الكوفة . ألّف في
التفسير والمغازي والسير . وانظر الاعلام ١ /٣١٣ والنجوم الزاهرة ٣٠٨/١.

٤٢٦
باب الكاف
الكلالةُ الذي لم يدعْ والداً ولا ولداً. وهذا يَنْبغي أن يكون أصحَّها لما تقدَّم في
الحديث. قال أبو منصورٍ: أصلُها مِن تكلّلهُ النسبُ إِذا لم يكُن الذي يرثه ابنُه ولا أبوه.
فالكلالةُ ما عدا الوالد والولد فكأنه قال: وإِنْ كان رجلٌ يورَثُ متكلّلاً لهم تَسباً.
والكلالةُ بكونُ الوارثَ وتكونُ الموروثَ، وهم الإِخوةُ للأمُّ دونَ الأب، فأمّا الكلالةُ
في آخرِ هذه السورةِ فهي الاختُ للأبُ(١)، قالَه الهرويِّ، وقال ابنُ عرفةً: فإِذا
ماتَ الإِنسَانُ وليسُ له ولدٌّ ولا والدّ فذلك الكلالةُ، لأنَّ ورثَته متكلاً نسبُهم. وقال
القتيبيُّ: الأبُ والابنُ طرفانٍ للرجلِ، فإِذا ماتَ ولم يخلفْهما فقد ماتَ عن ذهاب
طرفيهِ فسُمي ذهابُ الطرفينِ كلالةٌ. وقال غيره: كلُّ ما احتفَّ بالشيء من جوانبهِ فهو
إِكليلٌ له، وبهِ سُميتِ الكلالةٌ لتكلُّلِ النسبُ (٢)، والعصبةُ - وإِن بعُدِتْ - كلالةٌ، وتقولُ
العربُ: لم يُرِثْ فلانٌ كذا كلالةٌ، لِمَن تخصَّص بشيءٍ قد كانَ لأبيهِ، وأنشد:
[ من الطويل]
١٣٧٤ - ورثتُمْ قناةَ المُلكِ غيرَ كلالةٍ عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ: عبدٍ شمسٍ وهاشمٍ(٣)
والإكليلُ سُمي لإِطافتهِ بالرأسِ، وفي حديثٍ جابرٍ: ((مرضتُ مرضاً أشفيتُ منه على
الموتِ فأتاني رسولُ الله ◌ُّهُ يَعودُني، فقلتُ: يا رسولَ الله إِنِي رجلٌ ليس يرثُنِي إِلا
كَلالةٌ))(٤) أي يرثُني ورثَةٌ ليسوا بوالدٍ ولا ولدٍ، وإِنما كان يرتُه أخواتُه فهذا واقعٌ على
الوارث. وظاهرُ القرآنِ يدلُّ على أنه اسمٌ للميْتِ، فإِنَّ كلالةٌ من قولهِ: ﴿يورَّث كَلالةٌ﴾
[النساء: ١٢] حالٌ من الموروثِ، ومَن جعله اسماً للوارث قال: تقديرُه ذا كلالة
وقد حقَّقْنا ذلك في ((الدرِّ)) وغيرهِ. وعن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما: ((سَلوني ما
شئتم إِلا الكلالة».
(١) قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطبته: ((ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شان
الفرائض : أنزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية: أنزلها في الزوج والزوجة، والإخوة من الأم .
والآية التي ختم بها سورة النساء : أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم .)) تفسير ابن كثير
١ /٠٦٠٧
(٢) هذا القول مع القول السابق للقتيبي ورد في النهاية ٤ /١٩٧.
(٣) البيت للفرزدق في ديوانه ٨٥٢ واللسان ( كلل) والمقاييس ١٢٢/٥ والمجمل ٧٦٥/٣.
(٤) الحديث لجابر بن عبد الله في تفسير ابن كثير ٦٠٦/١، وانظر مسند أحمد ٢٩٨/٣ :.
:

٤٢٧
باب الكاف
قولُه تعالى: ﴿وهوَ كُلٌّ على مَوَلاءُ﴾ [النحل: ٧٦] أي ثقيلٌ، يقالُ: كلَّ فلانٌ
أي ثقُلَ، وكَلَّ في مشيهِ كَلالاً: ثقُلَ عنه. وكلَّ السيفُ: إِذا نَبا، واللسانُ: إِذا تعبَ،
كُلُولاً وكُلَّةً وأكلَّ [فُلانٌ] (١): كلَّتْ راحلتُه. والكَلْكَلُ: الصدرُ، قال امرؤ القيسِ:
[ من الطويل]
وأردفَ أعجازاً وناءَ بِكَلْكَلٍ(٢)
١٣٧٥ - فقلتُ له لمّا تَمطَّی بصلیه
وقال: [ من الوافر]
أَنَخْنَا لِلکلاكلِ فَارْتَمَينا (٣)
١٣٧٦ - ولمّا أنْ تَوافَیْنا قَليلاً
كأنَّه سُمِّي بذلك لأنه محلٌّ الكلال، فإِنَّ البعيرَ يبركُ عليه.
قولُه تعالى: ﴿كَلاّ(٤) إِنَّ كتابَ الأبرارِ﴾ [المطففين: ١٨]. اعلمْ أنَّ كلاً حرفٌ
موضوعٌ للَّدع والزجرِ، وقد جَعلها بعضُهم على أضرُب:
أحدُها: أنه ردعٌ وزجرٌ لقولهِ تعالى: ﴿ فيقولُ ربِي أکرمنٍ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿ رَبِّي
أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ثم قالَ: ((كلاً)) أي ارتدعوا عن هذا الاعتقاد؛ فإِنَّ مَن رزقَه اللهُ
مالاً لا يدلُّ على كرامتهِ عندَه، ولا مَن حرَمَه مالاً لا يدلُّ على إِهانتهِ عندَه، فقد جعلَ
الكفرةَ مُلوكاً.
الثاني: حرفُ استفتاحٍ، كقوله: ﴿كلا سَيَعْلمون ثم كلا سَيعلمون﴾
[ النبأ : ٤-٥ ]
الثالثُ: بمعنى حقاً كقولهِ: ﴿ثم يُنْجِيهِ كَلاَ﴾ [المعارج: ١٤-١٥]. وهذه
يوقفُ عليها ولا يُبتدأ بها.
الرابعُ: أنها بمعنى ليسَ كقولهِ: ﴿فيقولُ ربي أهانَنِ كلا﴾ أي: ليسَ الأمرُ كذلك.
(١) إضافة من المفردات ٧٢٠ .
(٢) تقدم البيت برقم ٣١٢، وهو من معلقته .
(٣) تقدم البيت في مادة (رد ف) برقم ٥٨١ ، وهو لعبد الشارق بن عبد العزى في شرح الحماسة
المرزوقي ٤٤٧، ودون عزو في رصف المباني ١١٦ والدر المصون ٤٤/١.
(٤) انظر تفسير القول في ((كلاً)): البرهان ٣٦٨/١، ٣١٣/٤ والإتقان ٢٦١/٢ - ٢٦٢ والأشباه والنظائر
٢٣٢ ٠

٤٢٨
باب الکاف
۔۔
والتحقيقُ أنها ردعٌ وزجرٌ، وما ذُكر من هذا الآي صالحٌ لُهُ، وقد حققناهُ في غير هذا،
وذلك بحسب المواد، ولذلك قال الراغب(١): كلا: ردعٌ وزجرٌ وإِبطالٌ لقول القائل،
وذلكَ نقيضُ ((إِيْ) في بعضِ الإِثباتِ، قال تعالى: ﴿لعلّي أعملُ صالحاً فيما تَرَكْتُ
كُلا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. قلتُ: يعني نقيضَ ((إِيْ)) بكسرِ الهمزة وسكون الياء، ويعني
بها حرفَ الجوابِ الواقعَ قبلَ القَسَم، كقولهِ: ﴿إِيْ وربِي إِنَّه لَحقٌّ﴾ [ يونس: ٥٣]
ك ل و:
قولُه تعالى: ﴿أو كلاهما﴾ [الإسراء: ٢٣] كلا ألفُها عن واوٍ بدليل قولِهم في
مؤنَّعِ كِلْتا، فأَبدلوا الواوَ تاءً لأنَّه قد كِثُرَ إِبدالُها منها في تِرَةٍ وتَولَج وتُخَمة(٢) وأخواتٍ لها.
مذكورةٍ، ولفظُهما مفردٌ ، معنَاهُما التثنيةُ، ولذلك رُوعي هذا مرةً وهذا أُخرى، وقد جمع
بينَهما مَن قالَ: [من البسيط]
١٣٧٧٠- كلاهُما حينَ جَدَّ الجَرْيُ بينَهما
قدْ أَقْلعا وكِلا أَنْفَيهِما رابي(٢)
فراعى المعنى في قوله: بينَهما وأقلعا، فثَّنى، واللفظَ في قولهِ: رابي فأفردّ، لكنَّ.
الأكثرَ مراعاةُ اللفظ، ولذلكَ لِمِ يجئِ التنزيلُ إِلا عليه كقولهِ: ﴿ كلتا الجَنَّتِينِ آتَتْ أُكُلَهَا ﴾.
[الكهف: ٣٣] ولم يقُل: آتَتَا أُكُلَهُما. وزعمَ الكوفيون أنَّهما مثنيان لفظاً ومعنى(٤)، وأنه.
يقالُ: كل وكلْت، وأنشدوا: [ من الرجز]
١٣٧٨ - في كِلْتِ رجليها سُلامى واحدَهْ
وزعمَ البصريون أنه موضوعٌ(٦).
كلتاهُما قد قُرنتْ بزائدة(٥)
(١) المفردات ٧٢٥ .
(٢) الترة: النقص، والظلم في الثأر، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، مثل وعدته عدة. (اللسان :.
وتر: ٢٧٤/٥). التولج: كناس الظبي ، أو الوحش الذي يلج فيه، التاء فيه مبدلة من الواو.
(اللسان: ولج ٢ /٤٠٠). التخمة: أصلها وخم. وانظر سيبويه ٤ /٣٣٢ - ٠٣٣٣
(٣) البيت للفرزدق في الإنصاف ٤٤٧ والعيني ١٥٧/١ وابن يعيش ١ /٥٤ والخصائص ٤٢١/٢،
٣١٤/٣ وديوانه ١/ ٣٤ (دار صادر) :
(٤) الإنصاف ٤٣٩، وهي المسالة رقم ٦٢ .
(٥) البيت دون عزو في اللسان (كلا) والإنصاف ٤٣٩ والخزانة ١ /٦٢ ومعانى الفراء ١ /٤٠٥،
٠١٢٣/٣
(٦) الإنصاف ٤٣٩، وانظر البرهان ٤ /٣٢٦ والإتقان ٢٦١/٢.

٤٢٩
باب الكاف
ويجريان مجرى المثنَّى في الإعراب إِذا أُضيفا إِلى مُضمرٍ، ويقدَّرُ إِعرابُهما
كالمثنى. ويقدَّرُ إِعرابُهما كالمقصورِ إِذا أُضيفا إِلى ظاهرٍ عندَ غيرِ بنِّ كِنانةَ، وعندهُم
كالمثنى مُطلقاً، ويلزمان الإضافةَ لفظاً ومعنىً. ولا يضافانٍ إِلا إِلى مُثنى أو ما أَفْهَم المثنى،
نحو: كلانا على طاعة الرحمن. فأمّا قولُ الشاعرِ: [من الرمل]
١٣٧٩ - إِنَّ للخيرِ وللشرّ مدى
وكلا ذلك وجهٌ وَقَبَلْ (١)
فلأنَّ ذلك يقعُ موقع المثنى، كقولهِ تعالى: ﴿عوانٌ بينَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨].
فذلك إِشارةٌ لقوله: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكرّ﴾، فإِنْ فُرِّق بالعطفِ جازّ ذلك على قلّةٍ كقولٍ
الشاعر: [ من الطويل]
١٣٨٠- كلا السيف والساقِ الذي ضُربتْ به
على مَهَلِ ألقاهُ باثْنين صاحبُهْ (٢)
وفي إِمالتِها خلافٌ بينَ القراء، وهي في تأكيد المثنى ككُلّ في تأكيدِ الجمع، فلا
يقالُ: تَقاتَل الزيدان كلاهُما، إِذ لا يتأتَّى ذلك إِلا في اثنينٍ. وقد أتقّنًا جميعَ ذلك في غیرِ
هذا الموضع ولله الحمدُ والمنّة.
فصل الكاف والميم
ك م ل :
قولُه تعالى: ﴿تلكَ عَشرةٌ كاملةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي كاملةٌ الاجرِ، وقيلَ: هوَ على
التأكيد. ((وقيلَ: إِنَّما ذكرَ العشرةَ الكاملةَ، لا لُيُعلمنا أنَّ السبعةَ والثلاثةَ عِشْرَةٍ(٣)، بل ليبين
أنَّ بحصولِ صيامٍ العشرةِ يحصلُ كمالُ الصومِ القائمِ مَقَامَ الهَدْي، وقيلَ: إِنَّ وصفَه العَشَرَةِ
بالكاملة استطرادٌ في الكلامِ وتنبيهً على فضيلةٍ له فيها بينَ عَلْمِ العددِ، وأن العشرةَ أُولُ
عقدٍ يَنتهي إِليه العددُ فيكملُ، وما بعدَه يكونُ مكرَّراً ممّا قبلَه، فالعشرةُ هي العددُ
(١) البيت لابن الزبعري في ديوانه ٤١ وابن يعيش ٣/٣ والهمع ٥٠/٢ وشرح شواهد المغني ٤ /٢٥١
والدور ٢ /٦٠ .
(٢) البيت دون عزو في شرح المفصل ٣/٣.
(٣) يقصد قوله تعالى في الآية السابقة ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة
كاملة ﴾ .

٤٣٠
باب الكاف
الكامل))(١).
والكمالُ لغةً حصولُ بما فيهِ الغرضُ منه؛ فإِذا قيلَ: كمُلَ معناهُ، فمعناه حصولُ ما
هوَ الغَرضُ منه، وعليه قولُه تعالى: ﴿والوالداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حولين كاملينِ﴾
[البقرة: ٢٣٣] نبّه بذلك على أنها غايةٌ مايتعلّقُ به إِصلاحُ الولدِ .
قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوزازَهُم كاملةً﴾ [النحل: ٢٥] نبَّ بذلك على أنه يحصلُ لهم
كمالُ العقوبة. وأكملتُ الشيءَ وكمَّلِتُه: جعلتُه كاملاً، وقد قرئَّ بالوجهينِ قوله تعالى:
﴿وَلِتُكْمِلوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] مِن أَكمَلَ وكَمَّل مُشدَّدًا(٢). ويقالُ: كَمَلَ وكمُلَ.
بفتح العينِ وضمها فهو كاملٌ كمالاً.
ك م م:
قولُه تعالى: ﴿والنخلُ ذاتُ الأكمام﴾ [الرحمن: ١١]. الأكمامُ جمعُ كِمِّ وهوَ
وعاءُ الثمرة، وكلُّ ما غَطَّى شَيئاً فهو كِمٌّ له، ومنهُ كُمُّ القميصِ لتغطيتهِ اليدَ، ويُجمع على
كِمامٍ أيضاً، نحوُ: رُمح ورِمَاح. والكُمَّةُ: ما يُغطي الرأسَ كالقَلْسوة، وقيلَ: أكمامُ
النخلة: مَا غَطَّى جُمَّارَها مِنَ الليفِ والسَّعَف(٣). وكَمُّ الطَّلِعة: قشرُها. وتكمَّمَ وتكَمْكَم
واحدٌ. وفي الحديث: ((رأَى [عمر] جاريةٌ مُتْكمِكمَةً))(٤) أي مغطاةً الرأسُ. ويقالُ:
تكَمَّا والأصلُ تَكَمْكَموا، وأنشدَ : [ من الرجز]
١٣٨١- بلْ لو رأيتَ الخيلَ إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ، لو تُفَرَّجْ غُمُّوا(٥)
وتكْمْكَمَ: إِذا تلفَّفَ بثوبِهِ، وفي حديثِ النُّعمانِ: ((إِلى أَكِمَّةٍ خُيولهم))(٦) عنَى
بالأكمَّةِ المَخالي المعلّقةَ برؤوسِ الخيلِ تَشبيهاً بالكُمَّةِ .
وكَم: اسمُ عددٍ مُبهم، فمن ثمَّ افتقرتْ إِلى تمييزٍ. وهي على ضربين: استفهامية
(١) القول بين الهلالين في المفردات ٧٢٦ ..
(٢) قرأ أبو عمرو وعاصم والحسن وقتادة والأعرج وشعبة وأبو رجاء والجحدري ويعقوب (ولتكمّلوا)
الإتحاف ١٥٤ والنشر ٢٢٦/٢ والسبعة ١٧٦ .
(٣) جمّار النخل: شحمه، واحدته جمارة. وهي تؤكل بالعسل. (اللسان: جمر) .
(٤) الفائق ٢/ ٤٢٩ وغريب ابن الجوزي ٣٠٠/٢ والنهاية ٤ /٢٠٠.
(٥) الرجز للعجاج في اللسان ( كمم) .
(٦) الحديث للنعمان بن مقرن فى الفائق ٣٥٨/١ والنهاية ٤ / ٢٠٠ وغريب ابن الجوزي ٣٠٠/٢.

٤٣١
باب الكاف
فيطلبُ بها كميةُ ذلك المعدود، وخبريةٍ فيرادُ بها التكثيرُ كقوله تعالى: ﴿أو لم يَرَوْا إِلى
الأرضِ كَم أَنْبتنا فيها من كلِّ زوجٍ کریمٍ﴾ [الشعراء: ٧] أي كثيراً من الأزواج أَنْبتنا فيها.
وكلاهُما له صدرُ الكلام، ومميزُ الاستفهامية واحدٌ منصوبٌ، يجوزُ جرِّ إِذا جُرَّتْ هي
بحرفٍ نحوُ: بِكم درهم اشتريتَه؟ ومميزُ الخبرية بواحدٍ أو جمعٍ مجرورٍ، ويُنصبُ
إِذا فُصل بظرفٍ ونحوهِ نحوُ: كم في الدارِ عَبيداً ملكتُ! وقد يَبْقى جرِّه كقولِ الشاعرِ:
[ من الرمل]
وكريمٍ بخلُهُ قد وضَعَهْ(١)
١٣٨٢- كم بجودٍ مُقْرفٍ نال العُلى
فإِنْ كانَ الفاصلُ جملةً وجبَ النصبُ كقولِ الشاعرِ: [من البسيط]
إِذْ لا أكادُ منَ الإِقتارِ أَحتملُ(٢)
١٣٨٣- کم نالني منھُم فَضْلاً علی عدَمٍ.
ولها أحكامٌ قَرَّرناها في غيرِ هذا الموضعِ.
ك مھـ:
قولُه: ﴿وَتَبْرِئُّ الأُكْمَه والأبرصَ﴾ [المائدة: ١١٠] قيلَ: الأكمه مَن وُلد أعمى.
ويقالُ: هو الذي يولَدُ مطموسَ العين. وقيل: بل هو الذي طرأَ عليه العَمى أو ذهابُ
العين، قال الشاعر: [من البسيط]
إلا على أكمه لا يُدركُ القَمرا(٣)
١٣٨٤- لقد ظَهرْتَ فلا تَخْفَى على أحدٍ
وقال رؤبةُ بنُ العجاج: [ من الرجز]
١٣٨٥ - فارتدً عنها كارتداد الأكمه(٤)
ويقالُ: إِنه لم يوجدْ في هذه الآفةِ أكمهٌ بالتفسيرينِ الأوَّلينِ إِلا قتادةُ بنُ دِعامةً
السَّدوسي صاحبُ التفسير.
(١) البيت لأنس بن زنيم، وتقدم برقم ١١٥٧ في مادة (قرف) وبرقم ١٢٤٠ في مادة ( كرم) .
(٢) البيت للقطامي في ابن يعيش ٤ /١٢٩، ١٣١ وسيبويه ١٦٥/٢ والخزانة ١٢٢/٣ والهمع ٢٥٥/١
والعيني ٢٩٨/٣، ٤٩٤/٤ .
(٣) تقدم في ( خفي) برقم ٤٥٧.
(٤) الرجز في اللسان (كمه) والأضداد ٣٧٨ وروايته فيه: (هرّجت فارتد ارتداد الأكمه) .

٤٣٢
باب الكاف
ويقالُ: كَمَهَ يَكْمَهُ كَمْهاً، وأنشدَ لسويد: [ من الرمل]
١٣٨٦ - كَمِهَتْ عيناهُ حتى ابيضًًّا(١)
وهذا يؤيدُ القولَ بأنْ يقالَ للعمى الطارئ.
فصل الكاف والنون
ك ن د :
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لربِّهِ لَكَنودٌ﴾ [العاديات: ٦] أي جَحودٌ؛ يقالُ: كنَدَ
يكنُدُ: إِذا جحدَ، وقيلَ لكفورِ نعمةٍ ربِّه، وهو قريبٌ من الأولِ. قيلَ: ومنهُ أرضٌ كنودٌ:
إِذَالم تُنْبتْ شيئاً ...
وكندةُ: قبيلة معروفةً، قال الشاعرُ: [ من الطويل]
١٣٨٧- كنودٌ لنَعماءِ الرجالِ يبعْدُ(٢)
أي: لكفورُ نعماءِ الرجالِ. وعن ابن عباسٍ: هو بلسانِ كندةَ وحضرموتّ العاصي،
وبلسان ربيعَة ومضر الكَفورُ، وبلسانِ كنانةَ البخيلُ، وأنشدَ أبو زيد: [من الخفيف]
١٣٨٨- إِنْ تفُتْني فلم أَطِبْ عنكَ نَفْساً غيرَ أنْي أُمْنَى بدينٍ كَنُودٍ (٣)
ك ن ز:
قولُه تعالى: ﴿وَالذينَ يَكْتِرُونَ(٤) الذهبَ وَالفَضَّةَ ﴾ [التوبة: ٣٤] الكنزُ تَخْبِشَةُ
النقْدَين وادِخارُهما. وقيلَ: هو جعلُ الذهب والفضةِ بعضها فوقَ بعضٍ. وأصلُه مِن كَتَرَتُ
الَّمَرَ في الوعاءِ: إِذا كُبستْ فيه وزمنُ الكِنازِ: وقتُ كنزِ التمر.
وناقةٌ كنازٌ: مُكتزةُ اللحم أي مجتمعتُهُ مُنضَّمتُه، وهو أقوى لها. والجمعُ كنزٌ.
(١) هو أحد الأئمة الأعلام. كان رأساً في الغريب والعربية والأنساب. توفي سنة ١١٧ هـ. انظر نكت
الهميان ٢٣٠ - ٢٣١ .
(٢) صدر بيت لسويد بن أبي كاهل في اللسان (كمه) والمفضليات ٢٢٠ والمجمل ٧٧٠/٣ وتهذيب
اللغة ٢٩/٦ والأضداد ٣٧٨، وعجز البيت: (فَهْوَ يلحى نفسه لما نزعْ).
(٣) البيت لأبي زبيد الطائي في ديوانه ٦٠٥ والمراثي لليزيدي ٥٧ وجمهرة أشعار العرب ١٤١
(٤) قرأ أبو السمال ويحيى بن يعمر (يُكْنزون) البحر المحيط ٣٦/٥.

٤٣٣
باب الكاف
والكنزُ أيضاً نفسُ المكنوزِ تسميةً له بالمصدرِ. وفي الحديث: ((ما أُدِّيتْ زكاتُه فليسَ
بكْنزٍ))(١) أي لا يعذَّبُ به صاحبُه، عكسُ مَن مَنْع الزكاةَ فإِنه يعذَّبُ كما أُخبر بذلك في
الحديث: ((يَمْثُلُ له كنزُهُ شُجاعاً أَفْرِعَ))(٢) الحديث، والجمعُ كنوزٌ.
قولُه تعالى: ﴿وكان تحتَه كنزٌ لهما﴾ [الكهف: ٨٢] قيلَ: لم يكُن ذهباً
ولا فضةً بل ألواحٌ فيها حكمٌ ومواعظُ. قيلَ: هي ((عجبت لِمَن يوقِنُ بالموتِ كيفَ يفرحُ،
ولِمَن يُوقِنُ بالرزِق كيفَ يحزنُ، لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسول الله))(٣) إِلى غير ذلك.
قولُه تعالى: ﴿كم تركوا من جناتٍ وعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] وكنوزٍ هي الأموالُ
التي ادَّخَروها في الجبالِ وتحتَ الأرضِ .
ك ن س :
قولُه تعالى: ﴿الجَوارِ الكُتَّسِ﴾ [التكوير: ١٦] جمعُ كانس، والكانِسُ منَ الوحشِ
ما دخلَ كناسَه كالظبي وبقرِ الوحش، والمرادُ هنا النجومُ؛ شَبَّهها في استتارِها ببروجها
بالوحشِ الداخلِ كناسَه، وقد كُنَستْ كُنوساً؛ قيلَ: هي من الكواكبِ خمسٌ: زُحل و
المِرِّيخ والمُشتري وعُطارد والزُّهَرة. وقيلَ: كلُّ كوكبٍ. وقد تقدَّم تفسيرُ ذلك في قولهِ :
﴿الخُنَّس﴾ [التكوير: ١٥]. وقيلَ: أردَ البقَرَ الوحشيةَ والظبيّ، وللهِ أنْ يُقْسِمَ بما شاء.
ك ن ن :
قولُه: ﴿وَجَعَلَ لكُم مَن الجبالِ أَكْناناً﴾ [النحل: ٨١] هي جمعُ كِنُّ. والكِنُّ:ما
يَكُنُّك أي يستُرُك ويصونُك عمَّا يؤذيك. وكنَنْتُ الشيءَ: جعلتُه في كِنَّ، قيلَ: وَخُصَّ
كتنْتُ بمايُسْتَرُ بثوبٍ أو بيتٍ ونحوِهِ من الأجسام؛قال تعالى: ﴿ كأنهنَّ بيضٌ مَكْنونٌ﴾
[ الصافات: ٤٩] يريدُ بيضَ النعام لأنها تصونُه بدَفْنِه في الرمل.
وقولُه: ﴿إِنَّه لقرآنٌ كريمٌ في كتابٍ مَكنونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٨] أي محفوظ لا
يأتيهِ الباطلُ مِن بينِ يديْهِ ولا مِن خلفهِ. وأكننْتُ: خُصَّ بما يُسترَ في الضمير، وعليه قولُه
(١) النهاية ٢٠٣/٤.
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب (٣) حديث ١٣٣٨، وأعاده في تفسير سورة آل عمران برقم
٤٢٨٩، وفي تفسير سورة التوبة برقم ٤٣٨٢، وفي كتاب الحيل ، باب (٣) حديث ٦٥٥٧.
(٣) انظر تفسير ابن كثير ١٠٤/٣، وفيه أقوال مشابهة لأبي ذر والحسن البصري وعمر مولى غفرة.

٤٣٤
باب الكاف
:
تعالى: ﴿أو أَكْنَنْتُم في أَنفُسِكُم﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿وما تُكِنِّ صُدُورُهُم﴾
[ القصص: ٦٩].
قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلنا على قُلوبِهم أَكنَّةُ﴾ [الأنعام: ٢٥] جمعُ كِنان وهي الأغطيةُ
وهو كقولهِ تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عِليها بكُفْرِهِم﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿خَتَمَ اللهُ على:
قُلوبِهِم﴾ [البقرة: ٧].
والكتابُ المَكْنونُ قيلَ: القرآنُ، وقيل: اللوحُ المحفوظ، وقيل: قلبُ المؤمن،
وقيلَ: إِشارةٌ إِلى أنَّه محفوظٌ عندَالله تعالى، إِشارةٌ إِلى قولهِ تعالى: ﴿وإِنّا لَهُ لحافظون﴾
[ يوسف: ١٢].
:
وسُميت المرأةُ المتزوجةُ كنَّةٌ لِحمايَتِها من حيثُ إِنَّها تُصانُ وتُحفظُ في بيتٍ
زَوجِها والكنانَةُ: جَعبة غيرُ مثقوبةٍ تُجمع فيها السهامُ، وبها سُميتْ هذه القبيلةُ المشهورة.
ومن كلامِ الخبيثَ الحجَّاجِ: ((إِنَّ أميرَ المؤمنين نَثَلَ كِنانته فعَجَمها فوجَدني أصلَبَها عوداً
فَبَعَثني إِليكم))(١) وكانَ متلثماً فكشفَ لِئامَه عن وجهٍ قَبيحٍ، فقالَ بعضُ الحاضرين: ما
رأيتُ كاليومِ أقبحَ من أمیرِنا. فأنشدَ : [ من الوافر]
١٣٨٩ - أنا ابنُ جَلا وطُلاعُ النَّنايا مَتَى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفوني(٢)
قاتَلَه اللهُ ما أَفْضَحها
فصل الكاف والهاء
كـ هـ ف:
قوله تعالى: ﴿أَمَ حَسِبِتَ أنَّ أصحابَ الكهفِ والرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] الكهفُ:
الغارُ في الجبلِ، والجمعُ كُهوفٌّ. وأصحابُ الكهف قد قصَّ اللهُ خبَرَهُم أحسنَ القصصِ
فلا حاجةَ إِلى ذكرِهِ، وأسماؤهُم وكيفيةُ ذهابهم مذكورٌ في التفسير(٣).
-
(١) من خطبته حين تولى العراق، وهي في البيان والتبيين ٣٠٩/٢.
(٢) البيت في الأصمعيات ١٧ وابن يعيش ١/ ٦١، ٥٩/٣، ٦٢، ١٠٥/٤ وسيبويه ٢٠٧/٣ والخزانة
١١٢/٤،٣١٢/٢٠١٢٣/١ والهمع ٣٠/١ وأمالي القالي ٢٤٦/١ والبيان والتبيين ٣٠٧/٢
والجمهرة ٢٢٨/٣ ومصادر أخرى .
(٣) في كتاب التعريف والإعلام للسهيلي، الورقة ٣٣ « أسماؤهم: مليحا مكسلميتا مرطوش برايس أو
بطايس أو يونس سلطليوش ، وباللفظ في أسمائهم اختلاف .. وكانت قصتهم قبل غلبة الروم على
یونان .، وانظر قصتهم في تفسير ابن كثير ٣ /٧٨ - ٧٩ .

٤٣٥
باب الكاف
ك مـ ل :
قوله تعالى: ﴿تُكُلِّمُ الناسَ في المهْدِ وكَهْلاً﴾ [المائدة: ١٠] الكهلُ منَ الرجال
مَن وخَطَهُ الشيبُ، ومنه: اكْتَهلَ النباتُ إِذا قاربَ اليُبُوسَة، على الاستعارة ويقالُ: شابٌ
الزرعُ، على الاستعارة أيضاً، ويقالُ: الكهلُ هو الذي تَمَّ شبابُه، ومنه: اكتهَل النباتُ: تَمَّ
طولُه، ويقابَلُ به الشبابُ، وأنشدَ: [من البسيط]
١٣٩٠ - يَبْكيكَ ناءٍ عنِ الديارِ مُعْتربٌ يَا لَلْكُهولِ وَلِلشُّبَانِ لِلْعَجَبِ(١)
فإِنْ قيلَ: كلامُ الصبيِّ في المهدِ أعجوبةٌ ففي الإِخبار به فائدةٌ عظيمةٌ، وأما كلامُ
الكهل فمعتادٌ فما فائدةُ الإخبارِ به؟ قيلَ: البِشارةُ بأنه يعيشُ إلى حدِّ الكهولة لأنه لم
يتكلمْ صبيٍّ في مهدهِ ثم عاشَ غيرَ عيسى. فلوِ اقْتُصر على الإخبارِ بالأول لسآها ذلك
للعادة فأخبرَهَا بطريقِ البِشارةِ أنَّه يكتهِلُ.
واكْتَهلتِ الدَّوحةُ: إِذا عمَّها النُّورُ، ومنه قولُ الأعشى يصفُ دَوحةٌ: [من البسيط]
١٣٩١- يُضاحِكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ مُؤْزِّرٌ بَعَمِيمِ النَّبتِ مُكتَهِلُ(٢)
وقد تقدَّم في بابِ السينِ ذكرُ تنقُّلِ الإنسانِ من لَدُنْ كونهِ في بطنِ أمِهِ إِلى أن يصيرَ
شَيخاً وفوقَ ذلك، فأُغْنى ذلكَ عن إعادته هنا.
ك هـ ن :
قولُه تعالى: ﴿وَلا بَقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] الكاهنُ: الذي يُخِرُ بالأخبارِ
الماضية الخفيَّةِ بضربٍ منَ الظَّنِّ، وهو عكسُ العَرّافِ الذي يُخبرُ بالأخبارِ المُستَقْبَلة بنحوٍ
ذلك، ولكونِ هاتينِ الصناعتينِ مَبْنيتينٍ على الطنِّ الذي يجوزُ أنْ يُخطئَ ويصيبَ قالَ
عليه الصلاةُ والسلام: ((مَن أتى كاهناً أو عَرَّفاً فصدَّقَه فقد كفَرَ بما أُنزلَ على محمدٍ)(٢).
والكهانَةُ: مصدرُ كَهَنَ يَكْهَنُ إِذا تَعاطَى ذلك. وكهُنَ بالضم تخصَّصَ بها.
(١) البيت بلانسبة في الخزانة ٢ /١٥٤ (هارون) والدرر ٤٢/٣ (الكويت) والهمع ١ /١٨٠ ورصف
المباني ٢٢٠ والمقاصد النحوية ٤ /٢٥٧ واللسان (لوم).
(٢) البيت في ديوانه ١٠٧ ، وتقدم في مادة ( ضحك ) برقم ٩١٧ .
(٣) مسند أحمد ٤٢٩/٢ وعارضة الأحوذي ٢١٧/١ والحاكم ٨/١ وانظر شرح السنة ١٢ /١٨١.

٤٣٦
باب الكاف
وتكهَّنَ: تفعَّلَ ذلك. وقد فُسِر الكاهنُ بنحوِ ما فُسِّر به العرَّافُ، وهو المشهورُ في
الحديثِ. وقد كانت الكهنةُ في زمنه عليه الصلاة والسلام بهذه الصفةِ وذلك لِما يُسمعُ
شياطينُهم فُيُلْقون إِليهم الكلمةَ فيكذبون عليها مئةَ كذبةٍ إِلى أن رُجمتِ الشياطينُ فانقطعَ
السمعُ وانقطعَ التكهُّنُ. وفي الحديث: ((يَخرُجُ من الكاهِنَينِ رجلٌ يقرأُ القرآنَ لا يقرأُ أحدٌ
مثلَه)(١) الكاهنان: هنا: بَنو النَّضير وقُريظةً؛ قبيلتانِ منَ اليهودِ مشهورتان. يقال: المعنيّ
بهذا الرجلِ هو محدُ بنُ كعبٍ القُرطيِّ رضي اللهُ عنه.
فصل الکاف والواو
ك و ب :
قولُه تعالى: ﴿بأكواب وأباريقَ﴾ [الواقعة: ١٨] الأكوابُ: جمعُ كوبٍ، وهو إِناءٌ
مستديرٌ لا عُروةَ له ولا خُرطوم؛ فإِنْ كان لهُ عُروةٌ فهو إِبرِيقٌ. وقال الأزهريُّ: الكوبُ ما لا
خرطومَ له فإِنْ كان فهو إِبريقٌ (٢). وقيلَ: هوِ القَدَحُ الذي لا عروةَ له. وفي الحديث: ((إِنَّ
اللهَ حرَّمَ الخمرَ والكُوبَةَ))(٢) قالَ ابنُ الأعرابيّ: هي النَّرْدُ، وقيل: الطبلُ تَشبيهاً بهيئةٍ
الكوبِ. ويُجمعُ الكوبُ على أكوابٍ وأكاويبَ، وتحقيقُه أنَّ أكاويبَ جمعُ أكواب.
ك و ر:
قولُه تعالى: ﴿إِذا الشمسُ كوِّرِتْ﴾ [التكوير: ١] تكويرُها: لفُّها وضمُّ بعضِها إِلى
بعضٍ كما تُكوَّرُ العِمامةُ وتُلفُّ. وفي التفسيرِ أنها تُلفُّ كما يُلفُّ الثوبُ الخَلَقُ. فسبحانَ
القادر على كلِّ شيء.
والتكويرُ: إِدارةُ الشيءٍ وضمُّ بعضهِ إِلى بعضٍ نحوُ تكويرِ العمامةِ. وعن الرَّبِيعِ بنِ
خَثْعم: كُوِّرَتْ: رُميَ بِها. ومنه: طعنهُ فكوَّرَهُ.
قولُه تعالى: ﴿يُكوِّرُ الليل على النهارِ ويكوِّرُ النَّهارَ على الليلِ﴾ [الزمر: ٥]. قال
أبو عبيدةً: يُدخل هذا على هذا وهذا على هذا. وتحقيقُه: الإشارةُ إِلى جَريانِ الشمسِ في
(١) مسند أحمد ١١/٦ .
(٢) في فقه اللغة ١٥ ((ولايقال كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب)).
: (٣) الفائق ٢ /٣٤٤ وغريب ابن الجوزي ٣٠٣/٢ والنهاية، ٢٠٧/٤. وانظر غريب الهروي ٤ /٢٧٨.

٤٣٧
باب الكاف
مطالِعها وانتقاصِ الليلِ والنهارِ وازديادِهما، وذلك بأن يُدخِلَ أحدَهما في الآخرِ ثم يفصلُه
منه كما أشارَ إِليه في الآيتينِ وهُما: ﴿ يُولِجُ الليلَ في النهارِ ويُولِجُ النهارَ في الليلِ﴾
[الحج: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَآيَّةٌ لُهُم الليلُ نسلخُ منهُ النَّهارَ﴾ [ يس: ٣٧]. فقد تحقَّقَ
معنى التكوير وهو معنى الإِيلاجِ، ثم بعدَه يكونُ الانسلاخُ فيحدُثُ من ذلك الزيادةُ
والنقصانُ.
وطعنَه وكوَّره: إِذا أَلقاهُ مُجتمعاً.
والكُورُ بالضم رَحْلُ الجمل، وبالفتح الزيادةُ، ومنه الحديث: ((أعوذُ بكَ مِنَ الجَوْرَ
بعدَ الكَوْر))(١) قيل: من النقصان بعد الزيادة. وكُوَّارةُ النَّخلِ معروفةٌ لإِدخالِ بعضِها في
بعضٍ والتصاقهِ. وكلُّ مصرٍ كورةٌ، وهو الموضعُ الذي به قُرَىٌّ ومَحالٌ، وذلك لحصول
الاجتماع.
ك و ن :
قوله تعالى: ﴿وكانَ اللهُ غَفوراً رَحيماً﴾ [النساء: ٩٦] كانَ هنا بمعنى لم يزلْ،
وأصلُها للدلالةِ على اقترانِ مضمونِ الجملةِ بالزمنِ الماضي نحو: كانَ زِيدٌ عالماً، معناه أنه
اتصفَ بالعلم فيما مضى دلالةٌ لها على الانقطاعِ؛ فإِذا قلتَ: كان زيدٌ قائماً ليسَ فيه دلالةٌ
على أنه الآن قائم، وهو أحدُ الجوابينِ عن قولهِ تعالى: ﴿وكان اللهُ غَفوراً رحيماً﴾
ونحوهٍ. وتردُ بمعنى صارَ، وأنشدَ : [ من الطويل]
قَطا الحَزْنِ قد كانتْ فِراخاً بُيوضها (٢)
١٣٩٢ - بتيهاءَ قَفْرٍ والمطيُّ كأنَّها
أي صارتْ، ومثلُه قوله تعالى: ﴿كنتُم خيرَ أمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي صرتم،
وتردُ زائدةً باطرادٍ، وهو إِذا كانتْ بلفظ المضيِّ حَشْواً كقولِهِم ما كان أعلمَه، وشدَّ قولُه:
[ من الرجز]
إِذا تهبُّ شَمالٌ بَليلٌ(٣)
١٣٩٣ - أنتَ تكونُ ماجدٌ نَبِيلُ
(١) مسند أحمد ٥ /٨٣.
(٢) البيت لعمرو بن أحمر في ديوانه ١١٩ واللسان (كون) .
(٣) الرجز لام عقيل بنت أبي طالب في أوضح المسالك ١ /١٨٠.

٤٣٨
باب الكاف
لكونها بلفظِ المضارعِ. وقد تزادُ بينَ صفةٍ وموصوفٍ كقوله: [ من الوافر]
وجيران لنا كانوا كرام؟ (١)
١٣٩٤ - فكيف إِذا مررت بدارٍ قومٍ
وبین جار ومجرورٍ کقوله: [ من الوافر]
على كانَ المُسوَّمَةِ العراب(٢)
١٣٩٥- جيادُ بَني أبي بكرٍ تَسامى
واختُلفَ فيها؛ هل لها مصدرٌ أم لا، واختارَ سيبويهِ الأولَ، واستدلَّ بعضُهم بقولِ
الشاعر: [ من الطويل]
وكَوّنُك إِیاهُ عليكَ یَسیرُ(٣)
١٣٩٦- ببذل وحِلمٍ سادَ في قومهِ الفتى
وتكونُ ناقصةٌ، وهي ما قدَّمنا ذكرَه، وتامةً بمعنى حضَرَ كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كانْ
ذو عسرةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وبمعنى عزلَ، نحو: كنتُ الصوتَ. وبمعنى كفلَ، نحو كنتُ
الصبيَّ. وتُحذف لامُها من مضارِعِها المجزومِ إِن لم يلقَه ساكنٌ غالباً ولم يتَّصِلْ بها
ضميرٌ. ولذلك وردَ الاستعمالانِ في القرآن قال في موضع: ﴿ولاتَكُ﴾ [النحل: ١٢٧]
وفي آخرَ: ﴿ولا تُكنْ﴾ [النساء: ١٠٥] ويضمرُ منهما ضميرُ الشأنِ فيرتفعُ الاسمانِ
بعدَها على أنَّهما في محلٌّ الجرِّ، وأنشد: [ من الطويل]
١٣٩٧ - إِذا مُتُّ كانَ الناسُ نصفانٍ: شامِتٌ بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أُصنعُ(٤)
وتضمرُ هي كثيراً وإِنْ بعدَ لو، كقولهِ لَّه ((التمسْ ولو خاتَماً من حديدٍ)(٥) وقولِ
الآخر: [من الكامل]
١٣٩٨- حَدبَتْ عليَّ بِطُونُ ضَبَّةَ كُلُّها إِنْ ظالماً فيهم وإِنْ مَظلوماً (٦)
(١) البيت للفرزدق في ديوانه ٨٣/٥ والخزانة ٤ /٣٧ وسيبويه ١٥٣/٢ واللسان (كون) .
(٢) البيت دون عزو في اللسان والتاج (كون) والخزانة ٤ /٣٣ والعيني ٤١/٢ والدرر ٨٩/١ وابن يعيش
٠١٠٠،٩٩،٩٨/٧
(٣) البيت دون عزو في أوضح المسالك ١٦٧/١ والمقاصد النحوية ١٥/٢ والهمع ١١٤/١.
(٤) البيت للعجير السلولي في كتاب سيبويه ١ /٧١ وابن يعيش ١ /٧٧، ١١٦/٣، ١٠٠/٧، وأمالي
ابن الشجري ٣٣٩/٢ وتقدم البيت برقم ٢٥١.
(٥) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب (٢١) حديث ٤٧٤١ ، ومسلم في النكاح ١٤٢٥ .
(٦) البيت النابغة الذبياني في ديوانه ١٠٣.

٤٣٩
باب الكاف
ويجبُ ذلك إِنْ عُوِّض عنها ما بعدَ أنْ، كقولِ الشاعرِ: [من البسيط ]
فإِنَّ قوميَ لم تأكُلُهُم الضَّبْعُ(١)
١٣٩٩ - أبا خُراشَةَ إِمّا أنتَ ذا نَفَرٍ
ولها أحكامٌ كثيرةٌ لخَّصْناها فيما رأيتَ، وفيهٍ كفايةٌ.
وقال الراغبُ (٢): ((كان)) عبارةٌ عمّا مضَى من الزمان، وفي كثيرٍ من وصف الله
تعالى تُنبئ عن معنى الأزلية، انتهى. يريدُ نحوَ قولهِ تعالى: ﴿وكانَ اللهُ غَفوراً رحيماً﴾
وقال أيضاً: وما استعمل منه في جنسِ الشيءٍ متعلقاً بوصفٍ له وهوَ موجودٌ فيه فتنبيةٌ على
أنَّ ذلك الوصفَ لازمٌ له، قليلُ الانفكاكِ عنه، نحوُ قوله تعالى في الإنسان: ﴿وكانَ
الإِنسانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء: ١٠٠] وقوله تعالى في الشيطان: ﴿وكانَ الشيطانُ لربِّه
كَفوراً﴾ [الإسراء: ٢٧].
قولُه تعالى: ﴿كيفَ نُكلِمُ من كانَ في المهدِ صَبياً﴾ قيلَ: هي زائدةٌ، وفيه نظرٌ من
حيثُ إِنَّ لها اسماً وخبراً، وحملُهم على ذلك أنه ((كان صبياً)) حالَ هذا الكلامِ فلم
يتحقَّق مُضيِّ، وجوابُه أنَّ كان تدلُّ على زمنٍ ماضٍ طويلاً كان أو قصيراً؛ فيقالُ: كان
زيدٌ هنا. وإِنْ كانَ بينَكُما أدنى زمانٍ، فقولُه: ﴿مَن كانَ في المهدِ صبياً﴾ [ مريم: ٢٩]
إِشارةٌ إِلى عيسى وحالتهِ التي شاهدوه عليها. قال الراغبُ(٢): وليس قولُ مَن قالَ هذا
إِشارةٌ إِلى الحالِ بشيءٍ لأنَّ ذلك إِشارةٌ إِلى بعدُ لكنْ إِلى زمانٍ مرادُهُ بالإِشارةِ عودُ الضميرِ
في (( كان)) لا الإِشارةُ صناعةً. وقولُه إِشارةٌ إِلى الحالِ، هو معنى قول القائل: كان زائدة.
في العبارةِ قلقٌ وهذا مرادُه واللهُ أعلمُ.
والكونُ في اصطلاحِ بعضِ المتكلمين عبارةٌ عن استحالة جوهرٍ ما إِلى ما هو أشرفُ
منه، ويقابلُه بالفسادِ وهو استحالةٌ جوهرٍ ما إِلى ما هو دونَه، فيقولونَ: الكونُ والفسادُ.
وبعضُهم يقولُ: الكونُ هو الإِبداعُ. وكَيْنونةٌ مصدرٌ لكانَ، واختلفوا في أصلها؛ فذهبَ
(١) البيت للعباس بن مرداس في ديوانه ١٠٦ وسيبويه ٢٩٣/١ وشرح شواهد المغني ١٧٩ والخزانة
٨٠/٢ والدرر ٩٢/١ وابن يعيش ٩٨/٢، ١٣٢/٨،٩٩ وأمالي ابن الشجري ٣٤/١، ٣٥٣،
٣٥٠/٢ واللسان والتاج (خرش، ضبع)، وينسسب إِلى خفاف بن ندبة في ديوانه ٥٣٣.
(٢) المفردات ٧٣٠ .
(٣) المفردات ٧٣١ .

٤٤٠
باب الكاف
:
سيبويهِ إِلى أنَّ أصلَها كَيْنونةً بتشديد الياء فخفّف بالحذف(١)، وأصلُه كَيْوَنُونَةُ فأدغمت،
كميِّت وأصلُهِ مَيْوِت ثم ميِّت بِالقلبِ والإِدغامِ ثم مَيْت بالتخفيف. قال الراغبُ(٢): ولم
يقولوا كُيُّونَة على الأصلِ كما قالوا ميِّتٌ لِثقلٍ لفظها. قلتُ: قولُه: ولم يقولوا يعني في
المشهور، وإلا فقيلَ في غيره، وأنشد: [ من الرجز]
١٤٠٠ - حتى يعودَ البحرُ كَيْنُونَه(٣)
وذهبَ غِيرُهُ منَ النحاةِ إِلى أن وزنَها فَعْلولة، والأصلُ كَوْنُونَةٌ، فاسْتَئقِلوا واوَینٍ
مُكْتنفين ضمةً فَأَبدلوا الأولى ياء. ولترجيحِ القولين مقامٌّ في غيرِ هذا.
قولُه تعالى: ﴿مَكاناً شَرقياً﴾ [مريم: ١٦] قيلَ: هو مِن كَانَ يكونُ، والأصلُ
مَكُونٌ فأعلَّ كمَقام. وقولُهم: تمكَّنَ يتمكَّنُ يدلُّ على أصالةِ الميم، قالَهُ الراغبُ(٤).
ونظيرُهُ قولُهم: تمسْكُنَ مِن السُّكن.
قولُه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكانوا لربِّهم﴾ [المؤمنون: ٧٦] أي: ما ذَلُّوا وخَضَعوا ..
واختلفوا فيه هلْ هو من ((سكن)) لأنه تركُ الحركة لذله وخضوعه، ووزنُه افتَعَل كاڤْتدِر إِلا
أنه قد أُشبعتِ الفتحةُ
فتولّد منها ألفٌ، وهذا ليسَ من مادَّتنا في شيءٍ أو مِن كانَ فيكونُ وزنُه اسْتَفْعلوا،
والأصلُ اسْتَكْونوا فأعلَّ كاسْتَقاموا أصلُهُ اسْتَقْوموا، فيكونُ مما نحنُ فيهِ منَ المادةِ.
وفي الحديث: ((قلتُ: وما الكُنْتِيُّون؟ قال: الشيوخُ))(٥) يعني الذين يقولون:
كُنتُ وكُنتُ، وكانَ الشيءُ كذا. فُسِبوا إِلى ذلك اللفظِ فيقالُ: فلانٌ كانيٌّ، فلانة كائيّةٌ
وكُنْتِيٌّ وكُنْتِيَةٌ، قالَ الشاعرُ: {مِن الطويل]
١٤٠١ - وكلُّ امرئٍ يوماً إِلى كانَ صائر (٦)
(١) كتاب سيبويه ٤ /٣٦٥.
(٢) المفردات ٧٣١ .
(٣) الرجز في اللسان (كون) أنشده النهشلي ، وهو في الإنصاف ٧٩٧ وسفر السعادة ٥٧٩ وقبله:
:(يا ليت أنّا ضمّنا سفينه).
(٤) المفردات ٧٣١ .
(٥) النهاية ٤ / ٢١٢.
(٦) صدر بيت لأبي خراش الهذلي في اللسان والتاج (كظم) وشرح أشعار الهذليين ١٢٢٥، وعجزه :
(قضاءً ، إِذا ما كان يؤخذ بالكظم).
: