النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب القاف [فصلت: ٢٥]. وفي الحديث: ((ما أكرمَ شابٌ شَيخاً لسِنَّه إِلا قيَّضَ اللهُ له من يُكرِمه عندَ شَيبته))(١) . والمقايضةُ في الْبُيوع: المبادلةُ، مأخوذٌ من النَّساوي؛ يقالُ: هما قَيضان، أي مثلان متساويان في القيمةِ. وفي حديثٍ يومِ القيامةِ: ((قيضَتْ هذه السماءُ الدُّنيا عن أهلها))(٢) أي شُقَّتْ، ومنه اشتُقَّ قيضُ البيضة. واتقاضت البيضةُ انْقياضاً. ق ي ل: قوله تعالى: ﴿خيرٌ مُسْتَقَراً وأحسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] المقيلُ: الحلولُ وقتُ القيلولةِ ، وهي شدةُ الحرّ: قبلَ الزوالِ بساعةٍ وبعدَه بأخرى. وقيل: هي النومُ نصفَ النهارِ. فالمقيلُ يكونُ هنا مصدراً ومكاناً وزماناً، أي أحسنُ قيلولةً أو مكانها أو زمانها؛ يقالُ: قالَ يَقِيلُ قَيلولة ومَقيلاً. وقال الازهريُّ: القَيلولةُ والمَقيلُ: الاستراحةُ نصفَ النهارِ عندَ العربِ وإِن لم يكنْ مع ذلك نَومٌ، قال الله تعالى: ﴿أصحابُ الجنةِ يومئذٍ خيرٌ مستقراً وأحسنُ مَقِيلاً﴾ . والجنةُ لا نومَ فيها. ويقالُ في البَيعِ: قلتُه وأَقلتُه قَيلولةً وإقالةً، كأنهم جَعلوا الراحة الحاصلةَ بذلك مثلَ الراحة الحاصلة وقتَ القائلة. قولُه تعالى: ﴿أو هم قائلون﴾ [الأعراف: ٤] أرادَ أنه يأخذُهم في إِحدِى الغرِّتين؛ إِمّا البياتُ بالليل وإِمّا النومُ نصفَ النهارِ، وهُما وقتُ راحةِ الإِنسان. والقَيْلةُ: شربُ نصف النهارِ، والصَّوحُ: شربُ الغداة، والغَبوقُ: شرب العشيِّ، والقُمْحَةُ: شربُ أولِ الليل، والجاشِرِيَّةُ: شربُ السَّحر. وقيل؛ القُمحةُ: شربُ العشيِّ(٢). والقيلةُ - بالكسر - الأُدْرَةُ(٤)؛ وفي حديثِ أهلِ البيت: ((ولا حامِلِ القِيلةِ))(٥). قلتُ: كأنَّها مشتقةٌ من القَالةِ، وهي كثرةُ القولِ، فتكونُ من مادةٍ أُخرى لا من هذه. (١) غريب ابن الجوزي ٢٧٤/٢ والنهاية ١٣٢/٤. (٢) الفائق ٢ /٣٩٠ والنهاية ١٣٢/٤ وهو من حديث ابن عباس. (٣) فقه اللغة للثعالبي ١٦٩، ولم يرد فيه ((القمحة)). (٤) الأدرة : انتفاخ الخصية. اللسان (أدر) . (٥) غريب ابن الجوزي ٢٧٥/٢ والنهاية ٤ /٢٣٤. ٣٦٢ باب الكاف الكاف: حرفٌ معناهُ التشبيهُ، وقد تردُ تعليلاً كقوله تعالى: ﴿واذكُروهُ كما ھَداكُم﴾ [البقرة: ١٩٨]. وتكونُ اسماً إِذا جرَّتْ بإضافةٍ حرفٍ أو أسند إليهما، كقولِ الشاعر: [من الرجز] ١٣١٢ - فصُيْرُوا مثلَ كعصف مأكولْ(١) في أحدِ الوجهين. وقولِ الأعشى: [من البسيط] ١٣١٣ - هل تنتهونَ؟ ولن يَنْهَى ذَوِي شَطْطٍ كالطّعنِ يذهبُ فيه الزَّيْتُ وَالْفُثُلُ (٢) وزعمَ الأخفشُ أنها تكونُ اسماً مُطلقاً. ويتعيَّن حرفيتُها في قولك: جاءَ الذي كعمرو، ولِمَا قَرَّرناهُ في غيرِ هذا. وقد تردُ زائدةً، وجعلوا منه قوله: ﴿ليسَ كِمثلهِ شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] قيلَ: لئلا يلزمَ محذورٌ، وهذا كلُّه مقرَّرٌ في موضعهِ . فصل الكاف مع الهمزة كأس: ۔۔ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الأبرارَ يشربونَ من كأسٍ﴾ [الإنسان: ٥] الكأسُ: الإِنَاءُ الذي فيه الخمرُ غالباً. قيلَ: ولا يقالُ له كأسٌ إِلا وفيه خمرٌ وإلا فهو قَدَحٌ، كالخوانِ مع المائدة فى أخواتٍ لها قد ذكرتُها. وقد يطلقُ على كلِّ واحدٍ من الشراب أو الإِناءِ بانفراده كأسٌ؛ يقالُ: كأسّ خالٍ من الشرابِ، وشربتُ كأساً، قال تعالى: ﴿ وَيُسْقَون فيها كأساً﴾ [الإنسان: ١٧] وقال تعالى: ﴿وكأسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] وإبدالُ همزتهما ألفاً مطَّردٌ نحوُ رأسٍ وهي مؤنثةٌ وتُجمعُ على أْؤُسٍ وكؤوسٍ نحو أَفْلُسٍ وفُلوس. (١) الرجز لرؤبة أو لحميد الأرقط، وتقدم برقم ١١، وقبله: (ولعبت طير بهم أبابيل ) وانظر اللسان والتاج (عصف ) . (٢) ديوانه ١١٣ . ٣٦٣ باب الكاف فصل الکاف والباء ك ب ب : قولُه تعالى: ﴿أَفمن يَمشي مُكِبّاً﴾ [الملك: ٢٢] الكبُّ: إِسقاطُ الشيءٍ على وجههِ، والإكبابُ: جعلَ وجهَهُ مكبوباً على العملِ، وهذا عكسُ ما هوَ المعهودُ من أنَّ الفعلَ المجردَ يكونُ قاصراً، فإِذا دخلتِ الهمزةُ عَدَتْه لمفعولٍ نحوُ: خرجَ زيدٌ وأخرجتُه، وهذا عكسُه. فيقالُ: كببتُ زيداً فأكبَّ، ومثلُه: قشعتِ الريحُ السحابَ فأقشعتْ، وتحقيقُه أنَّ الهمزةَ هنا للضرورةِ والمُطاوعةِ . والكبكبةُ: تكريرُ الكبِّ، وهو تدهورُ الشيءِ فِي هُوَّةٍ كقولِهِ: ﴿فَكْيْكُبُوا فيها هُم والغاوُون﴾ [الشعراء: ٩٤]. وقيلَ: المعنى جُمعوا. وقيلَ: ألقيَ بعضُهم على بعضٍ، وهي متقاربةٌ. والكُبْكُبَةُ: الجماعةُ - بضمِّ الكاف الأول وفتحها - وفي الحديث: (( كُبْكُبة من بَنِي إِسرائيلَ))(١) أي جماعةٌ. وفي حديثِ ابنِ زِمْلٍ: ((فَأَكْبُّوا رواحلهم في الطريقِ))(٢) قال الهرويُّ: كذا الروايةُ، والصوابُ كُبُّوا، والمعنى: الزَّموها الطريقَ. الرجلُ يُكِبُّ على عملٍ يعملُه: إِذا لزمَه، وأنشدَ قولَ عنترةَ: [من الكامل] ١٣١٤ - قَدَحَ المُكِبُّ على الزنادِ الأَجذم(٣) والكواكبُ: جمعُ كوكبٍ. وهو كجوهرٍ في زيادةٍ واوهِ، ولا يقالُ له كوكبٌ إِلا عندَ ظهورهِ؛ فالكواكبُ: النجومُ الباديةُ، وأنشدَ النابغة الذبيانيِّ: [من الطويل] ١٣١٥ - فإِنك شمسٌ والنجومُ كواكبٌ إِذا طَلعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ(٤) ووجهُ الردِّ أنه سمَّهُ كوكباً عندَ عدمٍ ظهورهِ، وكانَ مُرادُ الراغب (٥) الحقيقةَ، وقولُ النابغة على المجاز. (١) مسند أحمد ١ /٤٠١، ٤٢٠. (٢) غريب ابن الجوزي ٢٧٧/٢ والنهاية ٤ /١٣٨ والفائق ٤٥٣/٢. (٣) البيت من معلقتة في ديوانه ١٩ وصدره: (مزجاً يحكّ ذراعه بذراعه). ( ٤ ) ديوانه ٧٤ . (٥) المفردات ٦٩٥ . ٣٦٤ باب الكاف ويقالُ: هُم كوكبةٌ واحدةٌ أي مجتمعون. وكوكبُ العسكرِ: ما يلمعُ فيه من الحديدِ على التشبيهِ، وفي المثلِ: ((تَفَرَّقُوا تحتَ كلِّ كوكب))(١) إِذا تَشتَّتوا. ك ب ت : قوله تعالى: ﴿كُبِتُوا﴾ [المجادلة: ٥] أي غيظوا شدةً الغيظ، وقيلَ: أُذُلُّوا وأُخزوا. وقيلَ: الأصلُ فيه كُبِدوا ؛ أي أُصيبَ كبدُهم بما لا يقدرُ عليه من الهمومِ والآلام فقُلبت الدالُ تاءً لقرب مخرجهما، كقولهم: سَبَتَ رأسَه وسبَدَها أي حلقَها. وقيل: هو الحزنُ . وقيلَ : أشدُّ الحزن، وهو الصحیحُ. ويدلُّ عليه أنه أخصٌّ من الحزن أنه ێ (رای طلحة حزيناً مَكبوتً))(٢). وقيلَ: الكبتُ: الردُّ بعنفٍ. قولُه تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهم(٣)﴾ [آل عمران: ١٢٧] قال أبو عبيدة: أو يَهزِمَهم. وقيلَ: يُجزِنَهم. والأصلُ فيه ما قدَّمْتُه وما ذكرَه المفسرون أسبابٌ لذلك. ك ب د : قوله تعالى: ﴿لقد خُلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] أي مشقَّةٍ شديدةٌ. وأصلُ ذلك من قولهم: كَبَدْتُه أكبِذُه أي أصبتُ كبِدَه، فأصَابَه الكَبَدُ والكُبادُ أي وجعٌ وصِلَ إِلى الكبد. ونبّه تعالى بقوله: ﴿لقد خَلَقْنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ﴾، على أنه خلقَه على حالةٍ لا يَنفكُّ من المَشاقُ ما لم يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ ويستقرَّ في دارِ القرارِ، كقوله تعالى: ﴿لَتَرَكُبُنَّ طَبَقَاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩ ]. وَكَبِدُ السماءِ وكبدُ القَوسِ: وسطُهُمَا تَشبيهاً بكبدِ الإِنسانِ لتوسُّطها البدَنَ. وكبدُ كلُّ شيءٍ وسطُه. وفي الحديث: ((وتُلقي الأرضُ أفلاذَ كبدها))(٤) أي ما خفيَ من كنوزها. وقيلَ: ﴿في كبدٍ﴾ أي خُلِقَ مُنتصباً غيرَ منحنٍ. وما أبعدَ هذا لفظاً ومعنى! وقالَ ابنُ عرفَةٍ: في كَبَدٍ أي في ضيقٍ كأنه يشيرُ لمحلّه في الرحمِ، وأنشد للبيد : [من المسرح] (١) في مجمع الامثال ١ /٢٨٢ (( ذهبوا تحت كل كوكب)). (٢) الفائق ٣٩٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٧٧/٢ والنهاية ٤ /١٣٨. (٣) قرأ أبو مجلز ولا حق بن حميد (تكبِدُهم)، وقرأ الجمهور (تكبتُهم) البحر المحيط ٥٢/٣. (٤) الفائق ١ /٣٠٢ والنهاية ٤ /١٣٩ وغريب ابن الجوزي ٢٧٨/٢. ٣٦٥ باب الكاف قُمْنا وقامَ الخصومُ في حَبدِ (١) ١٣١٦- یا عین ھلا بکیت أربدَ إِذ قالَ: والإِنسانُ في بطنٍ أمِّه في ضيقٍ ثم يكابدُ ما يكابدُه من أمرٍ دنياهُ وآخرته ثم الموتِ إِلى أن يستقرَّ في جنةٍ أو نارٍ. وفلانٌ يكابدُ معيشته، أي يقاسي منها ضيقةً وشدةً، قال الشاعر(٢): وفي الحديث: كَيَدَهُم البَرْهُ (٣). أي شَقَّ عليهِم. ك ب ر: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عليكَ إِعِرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] أي صعُبَ وشَقَّ. قولُه: ﴿وإِنَّها لكبيرةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] أي شاقَّةٌ. ثم إِنَّ الكبرَ والصغرَ اسمان مُتضايفان باعتبارِ بعضها ببعضٍ، فربُّ شيءٍ يكونُ كبيراً بالنسبة لما دونَه، صَغيراً بالنسبة لما فرقَه، ويُستعملان في الكميةِ المتصلة كما في الأجسامِ نحوُ: الجملُ أكبرُ من الفَرَسِ، كالقلّة والكثرة في استعمالهما في الكمية المنفصلة كالأعداد. وقد يتعاقبُ الكبيرُ والكثيرُ على شيءٍ واحدٍ وذلك بنظرينٍ مُختلفينٍ كما في قولهِ تعالى: ﴿إِثمٌ كبيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] قرئَ ((كبيرٌ)) و((كثيرٌ)) بالياء الموحَّدة والثاءِ المثلَّةِ(٤). وقد حرَّرناه بأكثرَ من هذا في موضعٍ هو أليقُ به. والأصلُ استعمالُه في الأعيانِ ثم يستعارُ للمعاني كقوله تعالى: ﴿فِيهِما إِثمٌ كبيرٌ﴾ ﴿لا يغادرٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ﴾ [الكهف: ٤٩]. قولُه تعالى: ﴿إِلى الناسِ يومَ الحجِّ الأكبرِ﴾ [التوبة: ٣] وصفَه بالكبرِ تنبيهاً على أنَّ العُمرةَ حجٍّ أصغرُ، ولذلك قالَ عليه الصلاة والسلام: ((العُمرةُ هي الحجِّ الأصغرُ))(٥)، ويستعملُ ذلك اعتباراً بتقدُّم الزمان. ومنه: فلانٌ كبيرٌ أي مسنٌّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وقد بَلَغني الكِبِرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]. قال الشاعرُ: [من المتقارب] (١) ديوانه ١٦٠ واللسان والتاج (كبد). (٢) لم يذكره المؤلف ، ولعله يريد قول العجاج كما في اللسان (كبد): ( وليلة من الليالي مرّتْ بكابد كابدتُها وجرّتْ). (٣) الفائق ٣٩٤/٢ والنهاية ٤ /١٣٩ وغريب ابن الجوزي ٢٧٨/٢ والحديث لبلال . (٤) قرأ حمزة والكسائي وابن مسعود (كثير) السبعة ١٨٢ والنشر ٢٢٧/٢. (٥) الحديث لابن عباس في المصنف لابن أبي شيبة ١٥٨/٣ (العمرة: الحجة الصغرى)). والدر المنثور ١ / ٥٠٤ _ ٠٥٠٥ ٣٦٦ باب الكاف كرُّ الغداة ومَرُّ العَشِّيّ(١) ١٣١٧ - أشابَ الصغير وأفنى الكبير وقد يقالُ باعتبارِ المنزلة والرفعة كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شيءٍ أكبرُ شهادةً﴾ [الأنعام: ١٩]. قوله تعالى: ﴿فجعلَهُم جُذاذاً إِلا كبيراً لهم﴾ [الأنبياء: ٥٨] إِنَّما أطلقَ عليه ذلك على زعمهم وتسمپتهم أي باعتبارٍ جثته فإنه كان أعظمهم جثةً. قوله تعالى: ﴿أكابرَ (٢) مُجْرميها﴾ [الأنعام: ١٢٣] أي رؤساءَها، وذلكَ على سبيلِ الاستدراجِ كقوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿سَنَستَدْرِجُهم من حيثُ لا يَعْلُمون﴾ [الأعراف: ١٨٢]. قوله تعالى حكايةً عن فرعون ﴿إِنَّه لگبیرُكُم ﴾ [ طه: ٧١] أي رئیسکم في هذه الصناعة. وفي المثَلِ: ((ورثه کابراً عن كابرٍ))(٣) أي أباً عظيم القدرِ عن أبٍ عظيمٍ مثله . قوله تعالى: ﴿والذينَ يَجْتنبون كبائر الإثم والفواحشِ﴾ [الشورى:٣٧] وقرئ ( كبيرَ)»(٤) فالكبيرةُ مُتعارَفَةٌ في كلِّ ذنبٍ لعظم عقوبته، واختلفَ الناسُ في حدِّها وعدها، ولهما موضعٌ هو أليقٌ بهما بَيْنَاهُما فيه ولله الحمدُ. قولُه تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾ [الكهف: ٥] أي عظُم ذنبُها وعقوبتُها لأنها قولٌ باطلٌ في حقِّ مَن لا يجوزُ عليه ذلكَ بوجهٍ. وليست كسائر الكذبات؛ فإِنَّ الكذب قد يقالُ فيمن يجوزُ عليه مثلُ ذلك الشيء المكذوب فيه كقولك: الأمیرُ ظلمني، ولم یکنْ ظلمٌ، فهذا كذبٌ قبيحٌ وإِنْ كان ممكناً جائزاً وقوعُ الظلم منه، والباري تباركَ وتعالى لا يُتصور في حقّه ما افْتَروهُ. قولُه: ﴿كَبُرٌ مَقْتَاً عندَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعلون﴾ [الصف: ٣] يَعني أنَّ مَقْتَه لكُم على ذلك أشدُّ مِن مَقتهِ لكُم على غيرِهِ مِنَ الذنوبِ، ولذلك أخرجهما نصباً على التمييز. (١) البيت للصلتان العبدي في الشعر والشعراء ٣١٦، وفي الحيوان ٤٧٧/٣ للصلتان السعدي . والبيت من قصيدة في عيون الأخبار ١٣٢/٣ ومعاهد التنصيص ٢٧/١ والعقد الفريد ١٢٣/٢. (٢) قرأ ابن مسلم (أكبر) البحر المحيط ٤ /٢١٥. (٣) المثل في الأساس والتاج واللبنان ( کبر) وانظر صحيح البخاري ، الحديث ٣٢٧٧ (لقد ورثت لکابر عن كابر) . (٤) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف والأعمش ويحيى بن وثاب. الإتحاف ٣٨٣ والنشر ٣٦٧/٢ ٣٦٧ باب الكاف قولُه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ (١) منهُمْ﴾ [النور: ١١] إِشارةٌ إِلى مَن تَولَى حديثَ الإفكِ، ونبّه بذلك على أنَّ كلَّ مَن سَنَّ سَنَّةٌ قبيحةُ يَقْتدي بها غيرُه فذنبُه أعظمُ وعقوبتُه أشدُّ. ولذلك قالَ عَيْهِ: ((كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمل بها))(٢) وفي عكسهِ كذلك والكِبْرُ والتَّكْبُّرُ والاسْتِكبارُ تتقاربُ معنّى، لكنَّ الكِبْرَ الحالةُ التي يتخصَّصُ بها الإِنسانُ من إعجابهِ بنفسهِ، وذلك أنْ يَرَى الإِنسانُ نفسَه أكبرَ من غيره. وأعظمُ الكِبْرِ والتكبِّرِ: ما وقعَ في جانبٍ أوامرِ اللهِ ونواهيهِ، وذلكَ أن يتكبِّرَ على أداءِ طاعاتهِ والانزجارِ عن معاصيهِ . والاستكبارُ يقالُ باعتبارينٍ (٣): أحدُهما تَحرِّي الإنسانِ وطلبُه أن يكون كبيراً. وهذا إِذا كانَ على ما يجبُ وفي المكانِ الذي يجبُ وفي الزمانِ الذي يجبُ محمودٌ غيرُ مذمومٍ. والثاني أن يَتَشبَّعَ فِيُظهِرَ من نفسهِ ما ليسَ له أو يرى نفسه أكبرَ من غيرِه بما أنعمَ اللهُ عليهِ من مال أو جاه. ولذلك قال تعالى: ﴿نَجْعُلُها للذينَ لا يُريدون عُلُوَّاً في الأرضِ ولا فَساداً﴾ [القصص: ٨٣]، فجعلَ إِرادةَ ذلك علةً مستقلةً بدليلٍ إِعادة ((لا)) فيما عُطف. وجميعُ ما وردَ في القرآنِ العظيم منَ الاستكبارِ من هذا النوعِ كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكباراً﴾ [نوح: ٧] أي واستكبرَ، ﴿فيقولُ الضُّعفاءُ للذين اسْتَكْبروا﴾ [غافر: ٤٧] قابَل المستكبرينَ بالضعفاء منبهةً على أنَّ استكبارَهُم عليهم كانَ بما لَهُم منَ القُوَّة في البدنِ والمالِ. وقولُه: ﴿فاسْتَكْبَرُوا وكانوا قوماً مجرمين﴾ [الأعراف: ١٣٣] فنبّه بقوله: ﴿فاستكبروا﴾ على تكبِّرهم وإعجابهم بأنفسهم وبقوله: ﴿وكانوا قوماً مجرمين﴾ أنَّ الحاملَ لهُم على ذلك ما تقدَّم من جرمهم، وأنَّ ذلك ليسَ شيئاً حادثاً منهم بل كانَ دَيْدَنَهم وهجِيراهُم (٤). والتكبِّرُ - أيضاً - يقالُ على وجهين(٥): أحدُهما أن تكونَ الأفعالُ الحسنةُ كثيرةً في الحقيقة وزائدةً على محاسنٍ غيرِها، وبهذا وصفَ اللهُ تعالى نفسَه فقالَ: ﴿العزيزُ الجبّارُ المتكبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] وما أبلغ (١) قرأ الكسائي وأبو عمرو وأبو جعفر والحسن ومجاهد والأعمش (كبره) الإتحاف ٣٢٣ والنشر ٣٣١/٢. (٢) أخرجه مسلم في الزكاة :٦٩ . (٣) المفردات ٦٩٧ . (٤) في اللسان: هجر (مازال ذلك هجّيراه وإِجْرِيّاه وإِهجيراه وهِجّيره وأُهجورته ودأبه وديدنه ، أي دأبه وشأنه وعادته) . (٥) المفردات ٦٩٨ . ٣٦٨ : باب الكاف تناسُبَ هذه الصفات الثلاث العزة والجَبروت والتكبِّر! والثاني: أنْ يوصَفَ بِهِ مَن يُشبَّع بما ليسَ له ويتكلَّفُ ذلك، وهذا في أوصافٍ الناسِ كقولهِ تعالى: ﴿ كذلكَ يَطبعُ اللهُ على كلِّ قلبٍ متكبرٌّ جبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قرىءَ بإضافة القلب إِليه(١). ويوصفُ القلبُ بالمتكبِّر، ولا يجوزُ أن يوصَفَ بالثاني غيرُ الباري تعالى: وجوَّزَ ذلكَ الراغبُ فقالَ (٢): ومَن وُصِفَ بالتكبُّرِ على الوجهِ الأولِ فمحمودٌ. ثم قالَ: ويدلُّ على أنه قد يصحُّ أَنْ يوصَفَ الإِنسانُ بذلك ولا يكونُ مَذَموماً . قولُه: ﴿سأصرِفُ عن آياتي الذينَ يتكَّرُونَ في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فافهمْ أنَّ التكبِّرَ فيها بحقِّ سائغٍ، وفيه نظرٌ لأنه من بابِ قولِه: ﴿ومَن يَدْعُ مِعَ اللهِ إلهاً آخَر لا بُرهانَ لَهُ بهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] إِذ لا مفهومَ لهذه الصفة، أو يكونُ فائدةٌ قوله: ﴿بغير الحقِّ﴾ أنهم لو سُئلوا عن تكبِّرهم لأجابوا بأنه بغيرِ حِقٍّ كما قيلَ ذلك في قوله: ﴿وَيَقْتُلُون الأنبياءَ بغيرِ حَق﴾ [ آل عمران: ١١٢]. والكُبْرُ: كَبِرُ السِّنِّ، ومنه قولُهِلَّهِ: ((كَبِرِ الكُبْرَ))(٣) أي قدِّموا الكبيرَ منكم. والكبرياءُ: الترفُّعُ عن الانقيادِ والطاعةِ، وذلك لا ينبغي أن يوصَفَ بها غيرُ اللّه تعالى، ولذلك قال: ﴿وله الكبرياءُ﴾ [الجاثية: ٣٧] أي له خاصةً لا لغيرِه. وإليه أشارَ رسولُ اللَّهِ عَّه فيما حكاهُ عن ربِّه: (الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إِزاري فمن نازَعَني في شيءٍ منهُما قصمتُه))(٤). والكُبَارُ: مخففاً أبلغُ من الكبير. وأنشد: [من البسيط] يسمعُها لاهُه الكُبارُ(٥) ١٣١٨- گحلفة من أبي دثارٍ والكُبّارُ - مشدداً - أبلغُ منه قالَ تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً(٦)﴾ [نوح: ٢٢]. (١) أي: إِلى التكبر، وقد قرأ أبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن محيصن (قلبٍ متكبر) الإتحاف ٣٧٨، وقرأ ابن مسعود (على قلبٍ كلِّ متكبرٍ) السبعة ٥٧٠ . (٢) المفردات ٦٩٨ . (٣) أخرجه البخاري في الأدب ، (٨٩) باب إكرام الكبير ٥٧٩١ ومسلم في القسامة ١٦٦٩ (٤) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم ٢٦٢٠. (٥) البيت للأعشى في ديوانه ٣٣٣. (٦) قرأ ابن محيصن وزيد بن علي (كباراً) وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن وأبو السمال (كُباراً) البحر. المحيط ٨ / ٣٤١ والقرطبي ٣٠٧/١٨ . ٣٦٩ باب الكاف وأكبرتُه: جعلتُه أو اعتقدتُه كبيراً، كقوله تعالى: ﴿فلما رَأَيْنَه أكبَرْنَه﴾ [يوسف: ٣١]، وكبَّرْتُه مثلُه أيضاً. ومعنى كبرياءِ الله تعالى وصفُنا له بالعظمة، وبقولِنا: اللهُ أكبرُ. قولُه: ﴿لَخَلْقُ السماواتِ والأرضِ أكبرُ مِن خَلْقِ الناسِ﴾ [غافر: ٥٧ ] إِشارةٌ إِلى ما خصَّهُما تعالى من إِبداعه عجائبَ صنعتهٍ ولطائفَ حكمته التي لا يعلمُها إِلا قليلٌ ممن وصفَهُم بقولهِ تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وليسَ قصدُ ذلك كبرَ جثّتِهما فإِنَّ أكثَرَ الخلقِ يَعْلمون ذلك. قولُه: ﴿يومَ نَبْطِشُ الْبَطِشَةَ الكُبرى﴾ [الدخان: ١٦) إِشارةٌ إِلى العذابِ الواقعِ يومَ القيامة، أعاذَنا اللهُ منه، وفيه تنبيهً أنَّ كلَّ ما ينالُ الكافرَ منَ العذابِ في الدنيا أو في البَرْزَخِ صغيرٌ فِي جَنَبِ ما ينالُه في الآخرة. قولُه: ﴿إِنَّها لإِحدَى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] أي إِحدَى العظائم، قيلَ: عنَى بها النارَ. قوله تعالى: ﴿قَالَ كِيرُهُم﴾ [يوسف: ٨٠] عنَى بذلك أكبرَهُم عقلاً لا سِناً، وفي الحديث: ((أخذَ عُوداً في مَنَامِه ليتَّخِذَ منهُ كَبَرَاً))(١) بزنة طللٍ. قالَ شَمِرٌ: هوَ الطبلُ له وجهٌ واحدٌ. وقولُ المؤذن: ((اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ))(٢) ليس فيه تفضيلٌ، إِنَّما المرادُ به اللهُ الكبيرُ، كقولِ الأَحوصِ: [من الكامل] ١٣١٩- إني لأمنحك الصدود وإنني قسماً إِليك مع الصدود لأَمْيَلُ(٣) وقولِ الفرزدقٍ: [من الكامل] ١٣٢٠ - إِنَّ الذي سَمكَ السماءَ بَنَی لنا بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطْولُ(٤) أي المائلُ، وعزيزٌ مائلٌ. والنحويون يقولون ((مِن)) محذوفةٌ لأنَّ أفعلَ خبرٌ، والخبرُ يكثُرُ فيه الحذفُ، والتقديرُ: أكبرُ مِن كلِّ شيءٍ، ومثلُه قولُ الخنساءَ: [ من الطويل] (١) النهاية ٤ /١٤٣ وغريب ابن الجوزي ٢٧٨/٢ والحديث لعبد الله بن زيد الذي أدّى الأذان. (٢) أخرجه البخاري في الأذان، (٦) باب ما يحقن بللاذان من الدملو ٥٨٥ وانظر سفر السعادة ٠٦١٥،١٥ (٣) ديوانه ١٥٣ وابن يعيش ١ /١١٦. (٤) ديوانه ٧١٤ وابن يعيش ٩٩،٩٧/٦ والخزانة ٤٨٦/٣ والعيني ٤ / ٤٢ وسفر السعادة ٦١٥. ٣٧٠ ہاب الكاف بِها المجدَ إِلا حيثُما نِلْتَ أطولُ(١) ١٣٢- فما بلغتْ كَفُ امرئٍ مُتناولٍ أي أطولُ منه. قال أبو بكر: العوامُّ يضمُّون الراءَ من ((أكبر)) يعني أنَّ الصوابَ فتْحُ الراء، ووجهُه بأنَّ الأذانَ كلماتُه مبنيَّةٌ على السكون لتقطيع كلماتها وترتيلها . فلما كانت الراءُ ساكنةٌ نُقِلَ إِليها حركةٌ همزةِ الجلالةِ وهي فتحةٌ ففتحتِ الراءُ ، وقد اعتُرض عليه بأن همزةَ الجلالةِ همزةٌ وصلٍ وهيّ ساقطةٌ دَرْجاً فكيف نتقُلُ فتْحها؟ وهو اعتراضٌ ساقطٌ لأنه قالَ: إِنَّ الكلماتِ على تقديرٍ السكونِ والقطعِ من بعضِها، فكأنَ الهمزةَ مبتدأً بها غيرُ. مندرجةٍ. ومثلُ ذلك قراءةُ ﴿أَلَمَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] ففتحَ الميم؛ قيلَ: الفتحة الإلتقاء الساكنينِ، وقيلَ: حركةُ نقلٍ ، واعتُرِض بما تقدَّم وأجيبَ بما ذكرتُه. وسُمع من اكلامهم: ثلاثةَ أربعة بفتحِ هاءٍ ثلاثة وصلاً، وقد قررْنا ذلك في غيرِ هذا. وفي الحديث: ((لا تُكَابِروا الصَّلاةَ بمثلِها في التَّسبيحِ بعدَ التّسليمِ في مَقامٍ واحدٍ))(٢) قيلَ: معناهُ لا تُغالبوا الصلاةَ بأن تجعلوا تَسبيحها أكبر منها بعدَ أن تُسْلِّموا منها، بل يَنْبغي أن تكونَ زائدةٌ عليه. فصل الكاف والتاء ك ت ب: : قولُه تعالى: ﴿ألم ذلك الكتابُ﴾ [البقرة: ١ -٢] الكتابُ - في الأصل - مصدر كَتَبَ أي جمعَ. قال تعالى: ﴿كتابَ(٣) الله عليكُم﴾ [النساء: ٢٤] أي: كتبَ ذلك: عليكم كتاباً كقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [النمل: ٨٨] ثم يطلق على المكتوب كقولهم: خلقٌ. الله، وضربُ الأميرِ، وأنشدَ: [ من الطويل] ١٣٢٢ - نشرتُ عيالي إِذ رأيتُ صحيفةٌ إِليكَ منَ الحجاجِ يَلى كتابُها(٤) (١) البيت في ديوانها أنيس الجلساء ١٠٣ . (٢) غريب ابن الجوزي ٢٧٩/٢ والنهاية ٤ / ١٤٢. (٣) قرأ أبو حيوة ومحمد بن السميع (كَتَبَ اللهُ)، وقرأ محمد بن السميع واليماني (كُتُبُ اللهِ) البحر المحيط ٢١٤/٣ والقرطبي ٥ /١٢٤. (٤) تقدم البيت في مادة (بشر) برقم ١٦٢. ٣٧١ باب الكاف أي مكتوبُها، والكتابُ المذكورُ في الآيةِ الكريمةِ هو القرآنُ العزيزُ، سُمي بذلك لِما جمع فيه من الأخبارِ والقصصِ والأحكامِ والمواعظِ والأمثالِ والأوامرِ والنَّواهي والزواجر والإنذارِ والإعذار والتحذيرِ والبشارةِ إِلى غيرِ ذلك. وكلُّ ما جمعتُه فقد كتبتُه، ومنه قيلَ لخرزِ القِرْبةِ كُتَبٌ جمعُ كُتِبَةٍ وأنشدَ لذي الرمَّة: [ من البسيط] ١٣٢٣ - مُشَدَشَلٌ ضَيْعَتْهُ بِينَها الكُتَّبُ(١) ومنه: كتيبةُ الجيشِ، لاجتماعِ الفرسانِ، وأنشدَ: [ من الكامل] حتى إِذا اجتمعتْ نقصْتُ لها يدي(٢) ١٣٢٤ - وكتيبة آنسْتُها بكتيبة ومنه: كتبتُ البغلة والقَلوصَ أي جمعتُ بين شُفريها بحلْقةٍ ونحوِها، وأنشدَ [من البسيط ] على قَلوصِك واكتُبْها بأسيارٍ (٢) ١٣٢٥ - لا تأمَّنَّ فَزَاریاً خَلَوْتَ بهِ وسُميتُ الكتابةُ كتابةً لضَمِّ الحروفِ فيها بعضَها إِلى بعضٍ، والأصلُ في الكتابة النظم بالخطِّ، وفي المقالِ النظم باللفظِ. ثم قد يُستعملُ كلٌّ منهما للآخر، قالَ الراغبُ(٤): ولذلك سُمي كلامُ اللهِ - وإِنْ لم يُكتب - كتاباً لقوله: ﴿ألم ذلك" الكتابُ﴾. قلتُ: نصبَ كتاباً على أنه مفعولٌ اسميٍّ لا أنَّه خبرٌ ليكُن. ويَعني بذلك أنَّ القرآنَ كلامُ الله مُسمَّى بالكتاب قبل أن يُكتبَ بالخطِّ. وأقربُ من ذلك أن يقالَ: سُميَ كتاباً لما يؤولُ إِليه من الكتابة في علم الله تعالى، ثم قد يُعبّر بالكتابة عن الإِیجاب (١) عجز بيت في ديوانه ١١ وصدره: ( وفراءً غرفية أثاى خوارزها) والبيت في اللسان والتاج ( وفر ، غرف ، كتب ، شلل ، ثأى). (٢) لم أجد البيت بهذه الرواية، وثمة رواية في كتاب الجيم ٢٤٣/٢ : ( وكتيبة لبّستها بكتيبة كالعائل والثريان أشرق في الندى ) وثمة رواية مشابهة في الأصمعيات ١٤٢ للأسعر الجعفي والتاج (لبس) . (٣) البيت دون عزو في الأساس واللسان والتاج (كتب) والمقاييس ١٥٨/٥ والجمهرة ١ /١٨٢، ١٩٧، ٣٤٠/٢، وعيون الأخبار ٢٠٣/٢. والبيت لسالم بن دارة في الشعر والشعراء ٢٣٧ والكامل للمبرد وانظر الأغاني ١٣ /٤١ في الهامش الثالث . (٤ ) المفردات ٦٩٩ . ٣٧٢ باب الكاف الإثباتِ والتقديرِ والفرضِ. قالَ بعضُهم(١): وجهُ ذلكَ أنَّ الشيءَ يرادُ ثم يقالُ ثم يُكتبُ؟ فالإرادةُ مَبْدأ والكتابةُ مُنتهى .. ثم يعبِّرُ عنِ المُرادُ الذي هو المبدأُ إِذا أريدَ توكيدهُ بالكتابة التي هي المُنْتَهَى، كقوله: ﴿كَتبَ اللهُ لاغْلِبَنَّ أَنا وَرُسُلي﴾ [المجادلة: ٢١] أي حكمَ وقضى بذلك وأثبتَه في اللوح المحفوظ. قولُه: ﴿وأولو الأرحامٍ بعضهُم أَوْلى ببعضٍ في كتاب اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] أي في حكمه. قولُه: ﴿وَكَتَبنا عليهم فيها أن النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥ ] أي غرضنا وأَوْجَبَنا. قولُه: ﴿وَلَولا أنْ كَتَب الله عليهِمُ الجلاءَ﴾ [الحشر: ٣] أي لولا أنْ أُوجب عليهم الجلاءَ من ديارهمَ قولُه: ﴿أولئك كَتبَ(٢) في قلوبهم الإِيمان ﴾ [المجادلة: ٢٢]. إشارةٌ إِلى أنَّه بخلافَ صفةٍ من قالَ في حقُّهم: ﴿ولا تُطِعْ من أَغْفَلْنا قلبَهُ عن ذِكِرِنا﴾ [الكهف: ٢٨] قيلَ: لأنَّ معنى ((أغفلنا)) من قولهم: أغفلتُ الكتابَ: إِذا جعلتَهُ خالياً من الكتابة والإعجام. وقد يعبِّرُ بالكتابة عن القَضاءِ المُمْضى وما يَصيرُ في حكمه، وعليه حمل قولُه. تعالى: ﴿بلى ورسُلُنَا لَدَيهم يكتُبُون﴾ [الزخرف: ٨٠] قيلَ: ذلك مثلُ قوله: ﴿يُمْحو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قولُه: ﴿فلا كُفْرَان لِسَعْيْهِ وإِنّا لَهُ كاتِبُون﴾. [الأنبياء: ٩٤] أي مثبتون غيرُ مضيِّعينَ لعملهِ، كقوله: ﴿أني لا أُضِيعُ عَملَ عاملٍ منكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أجرَ من أحسنَ عَملاً﴾ [الكهف: ٣٠]. قوله: ﴿رَبًَّا آمنًّا فاكتُبْنَا معَ الشَّاهِدِين﴾ [المائدة: ٨٣] أي أَثبتنا معَهُم وأَدْخلنا في زُمرتهم، وكأنه إشارةٌ إِلى قولهِ في موضعٍ آخرَ: ﴿فَأُولئكَ معَ الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم﴾ [النساء: ٦٩]. قوله: ﴿ويقولون يا وَيْلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادرُ صَغيرةٌ ولَا كَبيرةٌ إِلا أَحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] إِشارةٌ إِلى ما أثبتَ فيه أعمالَ بني آدمَ، وهي صحيفةُ كلِّ إنسانٍ، وما كُتبَ له من خيرٍ أو شرِّ، جليلٍ أو حقيرٍ، وقيل: الإشارةُ إِلى صغائر الذنوب و کباثرِها . (١) المفردات ٦٩٩ . (٢) قرأ عاصم والمفضل وأبو حيوة وأبو العالية (كُتِبَ ... الإيمانُ) السبعة ٦٣٠ والقرطبي ١٧ /٣٠٨ . ٣٧٣ باب الكاف قولُه: ﴿ ما أصابَ مِن مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفُسِكُم إِلا في كتابٍ من قبلِ أنْ نَبْرِأَها﴾ [الحديد: ٢٢] هذا مُرادٌ به اللوحُ المحفوظُ. قوله تعالى: ﴿لولا كتابٌ منَ الله سَبَقِ﴾ [الأنفال: ٦٨] يعني ما قدَّرَه من الحُكم، وذلكَ إِشارةٌ إِلى قوله تعالى: ﴿ كتَبَ رَبُّكُم على نفسِهِ الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ٥٤]. قولُه: ﴿قُل لَنْ يُصِيبَنَا إِلا ما كَتَب اللهُ لنا﴾ [التوبة: ٥١] أي ما قَضَاهُ وقدّرَه وأبرمَه. وفي قولِه لنا دُونَ علينا معنى لطيفٌ ذكرَه العلماءُ، وهو أن فيه تَنْبيهاً أنَّ ما يُصيبُنا نعدُّه نعمةً لنا ولا نعدّه نقْمةً علينا. قولُه: ﴿يا قومُ ادخلوا الأرضَ المقدسَةَ التي كَتَب اللهُ لكُم﴾ [المائدة: ٢١] قيلَ: معناهُ وَهَبها لكم ثم حرَّمَها عليكُم بامتناعكم من قبولها ودُخولها. وقال آخرون: كتبَها لكم بشرطِ أنْ تدخلوها وأُتَّى باللام دونَ «على» لِما تقدَّم، يعني أن دخولُهُم إِيّاها يعودُ عليهم بنفعٍ في الآجلِ والعاجلِ فيكونُ ذلك لهُم لا عليهم، وذلكَ كقولك لمن يرى تأذِّياً بشيءٍ لا يعرفُ نفعَ مآلِهِ: هذا لكَ لا عليكَ. قولُه: ﴿لقد لَبِثْتُم في كتابِ اللهِ﴾ [الروم: ٥٦] أي في حُكمهِ وعلمه وإيجابه، وقيلَ: معناه أنزلَ اللهُ في كتابِه أنكم لابثون إلى يومِ القيامةِ . قولُه: ﴿إِنْ عِدَّةً الشهورِ عندَ اللهِ اثنا عشرَ شَهراً في كتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦] أي في حكمه وشَرعهِ. قولُه: ﴿وَلا هُدىّ ولا كتابٍ منيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] أي ولا حجة ظاهرةٍ، فإِنَّ الكتابَ يعبّرُ به عنِ الحجةِ الثابتةِ. قولُه: ﴿أم عندَهُمُ الغيبُ فهم يَكْتُبون﴾ [الطور: ٢١] إِشارةٌ إِلى العلمِ والتحقُّقِ والاعتقادِ، وقال القُتَيبيُّ: المعنى يحكمونَ؛ يقولون: نفعلُ بكَ كذا وكذا ونطردُكَ ونقتُلُكَ، وتكون العاقبةُ لنا عليك. قلت: وقد عكسَ اللهُ عليهم آمالَهم كلَّها فطردوا وقُتلوا. وكان له العاقبةُ عليهم، ﴿والعاقبةُ للمتَّقِين﴾ [القصص: ٨٣]. قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كِتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه إِشارةٌ لطيفةٌ إِلى تحرِّي النكاحِ وذلك أنَّ اللهَ تعالى خلَقَ للخلقِ النكاحِ ليتحرَّوا بها طلبَ النَّسلِ، الذي يكونُ سَبَباً لبقاءِ نوعِ الإِنسانِ إِلى غايةٍ قدرِها ونهايةِ حصرِها، فيجبُ للإنسان أن يتحرَّى بالنكاحِ ما جعلَ اللهُ له على حسبٍ مُقْتَضَى العَقلِ والديانة. ومَن تحرَّى النكاحَ حفظَ النسلَ وحصّنَ النفسَ على الوجهِ المشروعِ فقدِ ابْتَغى ما كتبَ اللهُ له، وإِلى هذا أشارَ من ٣٧٤ باب الكاف قالَ : أرادَ بما كتَبَ اللهُ لَكُم الولد(١). وقد يعبّرُ بالكتب عن الإِيجادِ، فيقابَلُ بالمحوِ والإِزالة، كقوله: ﴿يَمْحِو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] بعدَ قولِه تعالى: ﴿لكلّ أجلٍ كتابٌ﴾، فنَّه أنَّ لكلِ وقتٍ إِيجاداً فهو يوجدُ ما تَقْتَضي الحكمةُ إِيجادَه ويزيلُ مَا تَقْتَضي الحكمةُ إِزالتَهُ، وقد دلَّ قولُه تعالى: ﴿لكلِّ أجلٍ كتابٌ﴾ على نحوٍ ما دلَّ عليهِ قولُه تعالى: ﴿ كلَّ يومٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. قولُهِ: ﴿وإِنَّ منهُم لَفريقاً يَلْوون ألسنتِهم بالكتاب لِتَحسَبُوه منَ الكتابِ وما هوَ منَ الكتاب﴾ [آل عمران: ٧٨] فالكتابُ الأولُ: ما كتبوهُ بأيديهم المذكورة بقوله : ﴿ فويلٌ للذين يكتبون الكتابَ بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩]. والثاني: التوارةُ. والثالثُ: جنْسُ كتبٍ الله تعالى كلّها أي ما هوَ مِن شيءٍ من كتب الله تعالى وكلامه. قولُه: ﴿فويلٌ للذين يكتبُونَ الكتابَ بأيدِيهِم﴾، فيه تنبيهٌ أنَّهم يَخْتلقونَه ويَفْتعلونه؛ فكما نُسبَ الكتابُ المختلقُ إِلى أيديهم نُسب الكلامُ المختلقُ إِلى أفواههم فقالَ تعالى: ﴿ذلكَ قولُهم بأفواهِهِم﴾ [التوبة: ٣٠]. قوله: ﴿وإِذْ آتَيْنا مُوسى الكتابَ والفُرقانَ﴾ [البقرة: ٥٣] يجوزُ أن يكونَ الكتابُ والفرقانُ عبارةُ عن التوارةِ وسَمّاها كتاباً باعتبارِ ما أُثبتَ فيها من الأحكامِ، وفُرِقاناً باعتبارِ ما وقعَ فيها من الفرقِ بينَ الحقِّ والباطلِ. قولُه: ﴿وما كانَ لنفسِ أن تَموتَ إِلا بإِذن الله كتاباً مؤجّلاً﴾ [ آل عمران: ١٤٥] أشار بالكتاب إلى الحكم والقضاءِ المُبْرم، ولذلك وصفه بكونِه مؤجّلاً أي مذكوراً أجلُه ـوقتُه . قولُه تعالى: ﴿وقالوا أساطيرُ الأوَّلين اكتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] أي سأل كتابَها. وكثُّوا بذلك عن الاختلاق؛ قال بعضُهم: الاكتتابُ متعارفٌ في الاختلاقِ، وقيلَ: اكتتَبها: كتّبَها من ذاته لنفسه، وقيل: كتابتُها له. ومنه حديثُ ابنٍ عمرَ: ((منِ اكتتَبَ ضَمِناً بعثَهُ اللهُ تعالى))(٢) قلتُ: الضَّمنُ. (١) القول لابن عباس في الدر المنثور ١ /٤٧٩، وهذا القول وما قبله ورد في المفردات ٧٠١ (٢) الفائق ٣٩٧/٢ والنهاية ٤ /١٤٨ وبعده في النهاية ((أي من كتب اسمه في ديوان الزمنى ولم يكن زَمِناً)» . ٣٧٥ باب الكاف وحيثما ذكرَ اللهُ أهلَ الكتابِ فالمرادُ بالكتاب التوراةُ والإنجيلُ أو هُما جميعاً. قولُه: ﴿وما كانَ هذا القرآنُ أن يُفْتَرَى من دونِ اللهِ ولكنْ تصديقَ الَّذي بين يديْهِ وتفصيلَ الكتابِ﴾ [يونس: ٣٧]. أراد بالكتاب كُتبَ الله غيرَ القرآن لأنَّه جعلَ القرآن مُصدِّقاً له. قولُه: ﴿وهوَ الذي أنزَلَ إِلِيكُمُ الكتابَ مُفَصَّلاً﴾ [الأنعام: ١١٤] قيلَ: أرادَ به القرآنَ، وقيلَ: أرادَ القرآنَ وغيره من الحججِ والعقل والعلمِ. قوله: ﴿وقالَ الذي عندَهُ عِلْمٌّ منّ الكتابِ﴾ [النمل: ٤٠] أرادَ به سليمانَ، وبالكتاب علماً من العلوم التي آتاها اللهُ تعالى سليمانَ في كتابهِ المخصوصِ به، وبه سُخّر لهُ كلُّ شيءٍ. قوله: ﴿وَتُؤمنونَ بالكتابِ كلّه﴾ [آل عمران: ١١٩] قيلَ: أرادَ بالكتاب جمعَ جنسِ الكتبِ فُوُضعَ الواحدُ موضعَ الجمعِ كقولكَ: كثُرَ الدرهُم في أيدي الناسِ، ويؤيده قولُه: ﴿كلٌّ آمَنْ بِاللهِ وملائكتِهِ وَكُتُبَهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] قرئَّ: ﴿وَكُتْبه(١)﴾ و﴿ كتابه(٢)﴾. وقيلَ: وحّدَ لأَنَّه في الأصلِ مصدرٌ فتوحَّد، نحوٌ رجلٍ عدْلٍ. وقيلَ: عنى بذلك كتاباً واحداً ونَّه أنَّهم ليسوا كمن قيلَ فيهم ﴿نُؤْمنُ ببعضٍ ونكفُرُ ببعضٍ﴾ [ النساء: ١٥٠]. قولُه تعالى: ﴿فكاتبوهمٌ﴾ [النور: ٣٣] كتابة العبد، يجوز أن تكون من الكُتْب بمعنى الإيجاب أو بمعنَى النَّظم أي نظمُ الحروفِ، لأنَّ العادةَ جاريةٌ بكتبِ ذلك في صكّ والإِشهادِ فيه حفظاً لحِقٍّ العبدُ فإِنَّها جائزةٌ من جهتِهِ لازمةٌ من جهةٍ سيدهِ. قولُه: ﴿سَنكتبُ(٣) ما قالوا﴾ [آل عمران: ١٨١] أي سنحفظُ قولَهم، وقيلَ: سنكتبه في صحف الحفظّةِ بأن تكتَبه الحفظةُ ، كقوله: ﴿ كراماً كاتبينَ يَعْلمون ما تَفْعلون﴾ [الانفطار: ١١-١٢] وهو المشارُ إليه بقوله: ﴿ونُخْرِجُ لهُ يومَ القيامةِ كتاباً (٤) (١) هي قراءة نافع ويحيى بن يعمر. البحر المحيط ٣٦٥/٢. (٢) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف والأعمش وابن مسعود وابن عباس. الإتحاف ١٦٧ والسبعة ١٩٦ والنشر ٢ /٢٣٧. (٣) قرأ طلحة بن مصرف (ستُكتب)، وقرأ الحسن والأعرج (سيكتب)، وقرأ حمزة والأعمش وابن مسعود (سيُكتب) الإتحاف ١٨٣ والبحر المحيط ١٣١/٣. (٤) قرأ الحسن (وَيَخْرُجُ ... كتابٌ)، وقرأ أبو جعفر (ويُخْرَجُ ... كتابٌ) وقرأ ابن وثاب والأعرج وأبو جعفر (وَيُخْرِجُ ... كتاباً) البحر المحيط ١٥/٦ والنشر ٣٠٦/٢. ٣٧٦ باب الكاف يلقاهُ مَنْشوراً﴾ [الإسراء: ١٣] واللهُ تعالى عالمٌ بالأشياء لا يحتاجُ إلى كتبٍ، وإِنما أرادَ إقامةً الحجّة علیهم. وفي الحديث: ((لاقضینَّ بینگما بكتاب الله»(١) أي بحكمه وقضائه . ك ت م: قولُه تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حديثاً﴾ [النساء: ٤٢] جاءَ في الحديثِ عن ابنٍ عياسٍ رضيَ اللهُ عنهما: ((إِنَّ المشركينَ إِذا رأَوا أهلَ القيامةِ لا يدخُلُ الجنة إلا من لم يكنْ مشركاً، قالوا: ﴿والله ربِّنا ما كنّا مُشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] فتشهدُ عليهم جوارحُهم فحينئذٍ يودُّون ألا يَكْتُموا اللهَ حديثاً))(٢). وعن الحسن: ((الآخرةُ مواقفُ ففي بعضِها يكتُمون وفي بعضِها لا يَكْتُمُون))(٣). وقالَ غيرُه: ((لا يكتمونَ اللهَ حديثاً)) تنطق جوارحُهم. قلتُ: هذانِ القولانِ كالجواب عن سؤالٍ مقدَّرٍ يذكرُه الناسُ، وهو أنه تعالى قالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿هذا يومٌ لا يَنْطِقون ولا يُؤْذَنُ لُهُمْ فَيَعتذرون ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. ونظيرُ ذلك قولُه: ﴿فوربِّك لنسألنَّهم أجمعينَ﴾ [الحجر: ٩٢] مع قوله: ﴿فيومئذٍ لا يُسألُ عن ذنبهِ إِنِسٌّ ولا جانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩]. وحقيقةُ الكَثْم سَتَرُ الشيءٍ وتغطيتُه، وغلبَ في الحديثِ؛ يقالُ: كتمتُهُ كِثْماناً وكَثْماً. وقال بعضُهم: الكَتْمُ والخَتْم أخوان، أي متقاربانِ أو بمعنى واحدٍ. وفي الحديث: ((وكان يدَّهِنُ بالمكْتُومةِ)) (٤). في ((المكتومة)) تفسيران أحدهما: أنه دهنٌ من أذهان العربِ يُجعلُ فيها الزَّعفران. والثاني: أنها ما جُعل فيها الكُتَمُ المعروفُ. وفي الحديث: ((بالحناءِ والكُتَم)»(٥). والكَتَم يقال له الوَسْمة، والوَسْمةُ بسكونِ السبينِ و کسرها. جـ (١) أخرجه البخاري في الصلح، (٥) باب إِذا اصطلحوا على صلح جورٍ ٢٥٤٩، وفي الشروط برقم ٢٥٧٥ ٠ (٢- ٣) المفردات ٧٠٢ وتفسير ابن كثير ٥١١/١. (٤) غريب ابن الجوزي ١ / ٢٨٠ والنهاية ٤ / ١٥٠، والحديث لفاطمة بنت المنذر . (٥) النهاية ٤ / ١٥٠(( أن أبا بكر كان يصبغ بالحناء والكتم)). ٣٧٧ باب الكاف فصل الكاف والثاء ك ث ب : قولُه تعالى: ﴿وكانت الجبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤] ما اجتمعَ من الرملِ، وجمعُهُ كُثْبانٌ وَكُثُبٌ وأَكْثِبةٌ. وأصلُ المادة الدلالةُ على الجمعِ، ومنهُ: كُتْبَةُ اللبنِ لِما اجتمعَ منه، والجمعُ كُثَبٌ، نحوُ: غُرفة وغُرف. والكُثْبةُ - أيضاً - قطعةُ الثَّمر لاجتماعِها. وكثَبَ الشيءَ: جمعَه، وأكثبَ الصَّيدُ: إذا أمكنَ من نفسهِ. وفي المثلِ: ((أَكْثَبَك الصَّيْدُ فارمهِ))(١) أي أمكنكَ من نفسه وقرُبَ منك. وحقيقتهُ: جمعَ نفسَه عليك. فالكُتْبُ - بالمُثَنّةِ والمثلَّثة - متقاربان لفظاً ومعنى كما تقدَّم بقريرُ ذلك. وفي حديثٍ يوم بدرٍ: ((إِنْ أَكْثَبِكُم القومُ فانِلُوهُمْ))(٢) أي إِنْ قارَبُوكم فارْمُوهم. وفي آخرَ: «إِذا كَثَبوكُم فارْموهُم بالنَّبل)»(٣). وفي حديث عائشةً تصف أباها الصديقَ رضي اللَّه عنهما: ((ظنَّ رجالٌ أنْ قد أَكثَبتْ أطماعُهم)) (٤) أي قاربتْ. وكَثَبتُ الشيءَ أكثُبه: جمعتُه. والكثيبُ - أيضاً -: القريبُ. ك ٹ ر: قولُه تعالى: ﴿أَلهاكُمُ التّكاثرُ﴾ [التكاثر: ١] التكاثُّرُ: المغالبةُ في الكثرةِ منَ الأشياء الدُّنْيوية كما تتغالبُ الجاهليةُ بكثرة أموالها وأثاثها، وقراها الضِّيفانَ، وفكِّها العُنَاةَ، وإِطعامِها في النَّوءِ المَجاويعَ وغيرهِ، على ما شهدَتْ بذلك أشعارهم وخُطِبُهم، والمعنى أنه شغلهم تكاثرُهم بذلكَ حتى ماتوا فزارُوا المقابرَ. وقيلَ: إِنَّهم تفاخَروا بآبائهم حتى يُعزَّ الأحياءُ فذكروا. يقالُ: تكاثَروا فكَثَرَهُم فلانٌ فهو كاثِرٌ وغيرهُم مَكثور. والكاثرُ - أيضاً - : الكثيرُ المال. وأنشد: [ من السريع] (١) أساس البلاغة واللسان ( كثب). (٢) غريب ابن الجوزي ٢/ ٢٨١ والنهاية ٤ /١٥١. (٣) أخرجه البخاري في الجهاد، (٧٧) باب التحريض على الرمي ٢٧٤٤ وأعاده في المغازي برقم ٣٧٦٣، ومسند أحمد ٤٩٨/٣ . (٤) الفائق ١ / ٥٣٢ وغريب ابن الجوزي ٢٨١/٢ والنهاية ٤ / ١٥١. ٣٧٨ باب الكاف ١٣٢٦ - ولستُ بالأكثر منهُم حَصىً وإِنَّما العزّةُ للكاثرِ (١) وفي مقتلِ الحسينِ: ((مَا رَأَينا مَكْثوراً أجراً مَقْدَماً منه))(٢). فأمّا المكثورُ عليهِ فهو الذي كثُرتْ عليه الحقوقُ، والمُكاثِرُ: متعارَفٌ في الكثيرِ المال. قولُه: ﴿إِنَا أعطيناكَ الكوثرَ﴾ [الكوثر: ١] قيلَ: هو نهرٌ عظيمٌ، وفي الحديث: (آنيتُهُ عَددَ نجوم السماء)(٣)، وقيلَ هو نهرٌ في الجنةَ يتفرَّعُ عنه سائرُ أنهارِها، وقيلَ: الكوثرُ هو كلٌّ خيرٍ كثيرٍ؛ فالكوثرُ مبالغةٌ في الكثيرِ زيدتِ الواوُ دلالةٌ على ذلك كزيادتها في الجوهرِ للدلالةِ على جَهره في الرُّؤيةِ. والكوثرُ- أيضاً -: الرجلُ الكثيرُ الخيرِ. وتكَوْثَر الشيءُ: كثُرَ كثرةً مُتناهيةً، قال الشاعرُ: [من الطويل] ١٣٢٧ - وقد ثارَ نقعُ الموتِ حتی تَکَوْثَرًا(٤) وقيلَ: الكوثرُ هو القرآنُ والنبوَّةُ، وهذا هوَ القولُ بكونه الكثيرَ، إِذ لا خيزَ أكثُرُ من خيرِ القرآن بل هو أصلُ كلِّ خيرٍ. والكُتْرُ - بالضم . يقابِلُ القُلَّ، وفي حديثِ أبي بكر رضي اللهُ عنه: «نسألُ اللهَ الكُثْرَ ونعوذُ بهِ من القُلِّ)). والكَثَرُ: الجُمَّارُ، كذا يُطلقونَه، وقيَّده الراغبُ بالكثيرِ، وفيه مناسبةٌ. وَيُروى في الحديث: ((لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ»(٥) بسكونِ الثاءِ وفتحها وهو المشهورُ، وفي حديث قيس بنِ عاصمٍ: ((نِعمَ المالُ أربعون والكُثْرُ سِتُّون))(٦) وقد تقدَّمَ في بابِ القافِ أن القلّةَ (١) البيت للأعشى في ديوانه ١٩٣، وقد تقدم في مادة (قلل) برقم ١١٨٥. (٢) غريب ابن الجوزي ٢ / ٢٨١ والنهاية ٤ / ١٥٢. (٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة الكوثر ٤٦٨١، وأخرج البخاري برقم ٦٢٠٨ (كيزانه كنجوم السماء)، وبرقم ٦٢٠٩ (إِن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء). (٤) عجز بيت لحسان بن نشبة وصدره : (أَبَوْا أن يبيحوا جارَهم لعدوُهم ) والبيت في الأساس والعباب واللسان والتاج (كثر) والحماسة ٣٣٩ بشرح المرزوقي ، والحماسة ١٧٧/١ بشرح التبريزي . (٥) مسند أحمد ٤٦٣/٣. (٦) الفائق ١٢٦/١ وغريب ابن الجوزي ٢٨١/٢ والنهاية ١٥٢/٤. ٣٧٩ باب الكاف والكثْرةَ يستعملان في الكمية المُنْفصلة كالأعداد. وقولُه تعالى: ﴿وفاكهةٍ كثيرةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] وصفها بذلك اعتباراً بمطاعم الدنيا. وليس الكثرةُ إِشارةٌ إِلى العددِ فقط بل إِلى الفضلِ، ويقالُ: عددٌ كثيرٌ وكُثارٌ فالكثار أبلغُ من الكثير. فصل الكاف والدال ك د ب : قرأْ الحسنُ البَصريُّ، ويُروى أيضاً عن عائشةَ رضي اللهُ عنها: ﴿وجاؤوا على قميصِهِ بدمٍ كدِبٍ(١)﴾ [يوسف: ١٨] بالدال المهملة. قيلَ: هو المتغيرُ، وقيلَ: الناصعُ اللون . ك د ح: قولُه تعالى: ﴿يا أيُّها الإِنسانُ إِنَّك كادحٌ إِلى رَبِّكَ حَدْحاً﴾ [الانشقاق: ٦] أي ساعٍ، والكَدْحُ: السَّعْيُ الشديدُ، وأنشدَ: [ من الطويل] ١٣٢٨ - وما الدَّهرُ إِلا تَارَتَانِ: فمنهُما أموتُ وأُخرى أَبْتَغِيَ العيشَ أَكْدَحُ(٢) قال أبو بكرٍ في تفسيرِ الآيةِ: كدّحَ إِذا سَعَى وَعَمل وحرصَ وعُنِيَ. وقالَ غيرُه: تعبٌ فكانَّه سَعيّ خاصٌّ. والكدْحُ: السعيُ في العملِ دُنْيوياً كان أو أُخروياً. وقد يُستعملُ الكَدْحُ في غيرِهذا بمعنى الكَدْم بالأسنانِ. قالَ الخليلُ بنُ أحمدَ: الكَدْحُ دونَ الكَدْمِ (٣). قلتُ: هذا يُشبه بابَ القَبْض والقَبْص والقَصْم والفصْم. ك در: قولُه تعالى: ﴿وإِذا النُّجومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] أي انْتَشرت. وأصلُه من الكَدْر وهو ضدُّ الصَّفاءِ، والمعنَى: تغيَّرَتْ بالتناثرِ، وذلك أنَّها إِذا تناثرتْ تغيَّر شكلُها (١) القراءة في مختصر ابن خالويه ١٥٢، وقرأ بها أيضاً ابن عباس والحسن. الإتحاف ٢٦٣. (٢) البيت لابن مقبل في ديوانه ٢٤ واللسان والتاج (كدح) . (٣) العين ٦٠/٣. ٣٨٠ باب الكاف وهيئتُها التي كانتْ بها زينةٌ. يقالُ: عيشٌ أكدَرُ. والكُدرةُ في اللون خاصَّةٌ، والكُدورةُ في الماءِ وفي العيشِ. وانكدرَ القومُ على كذا أي قصدوا متناثرين عليه. ويقالُ لكلِّ ما انْتثرٍ ومَرَّ مَرّاً سريعاً. قد انكدَر، وأُنشدَ لذي الرمَّة: [من البسيطُ ] ١٣٢٩ - فانصاع جانبه الوحشيُّ وانكدرتْ يَلْحَبْنَ لا يَأْتِلي المطلوبُ وَالطَّلَبُ(١) ك د ي : قولُه تعالى: ﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾ [النجم: ٣٤] أي قطعَ عطاءَهُ. وأصلُه أنَّ الحافرَ يحفرُ الأرضَ فيبلغُ الكُدِيَةَ وهي الأرضُ الصُّليةُ. وفي حديثِ الخندق: (فعرضَتْ فيه كُدْيَةٌ لا يَعمل فيها المِعْوَلُ))(٢) والجمعُ كُدَىّ، نحوُ: دُمْية ودُمِى؛ فشبَّه قاطعَ العطاءِ بقاطعِ الجَفْر حتى يبلغَ الكُديَةَ. ولما ذكرتْ عائشةُ رضي الله عنها أباها قالتْ: ((سَبْقَ إِذ وَنَيْتُم ونجحَ إِذ أكدَيْتُمْ))(٣). ولما عزَّت فاطمةُ رضي اللهُ عنها بعضَ جيرانها قال: ((لعلك بَلَغْت معهُنَّ الكُدَى))(٤) أرادَ المقابرَ لأنَّ مقابرهُم كانتْ في مواضعَ صلبةٍ. قالَ الهرويُّ: قلتُ للأزهريِّ: رواه بعضُهم ((الكُرى)) بالراء فأنكرَه. فصل الكاف والذال ك ذب : قولُه تعالى: ﴿واللهُ شهِّدُ إِنَّ المنافقينَ لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] أي لكاذبون في شهادتهم وقيلَ: كذبُهم في اعتقادِهم. وتقدَّم القولُ في الصادِ أن الكذبَ غيرُ الصدق . قولُه: ﴿ولهُم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يَكذبون﴾ [البقرة: ١٠] قرىَ بالتثقيلِ (١) ديوانه ١٠١ واللسان والتاج (صوع، طلب، لحب). (٢) الفائق ٣٩٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٨٣/٢ والنهاية ٤ /١٥٦. (٣) غريب ابن الجوزي ٢٨٣/٢ والنهاية ٤ /١٥٦. (٤) مسند أحمد ١٦٩/٢ . ۔