النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب القاف وآثارُ الصنعة دالّةٌ على أنَّ الطاعةَ هي طاعةُ الإرادة والمشيئة، وليست طاعةَ العبادة. قلتُ: مُرَادُه بذلك الجوابُ عن اعتراضٍ مقدَّر وهو أنّا نجدُ كثيراً من الخلقِ عاصين غيرَ مُطيعين. والخبرُ منَّ الله صدقٌ قطعاً، وقيلَ: القنوتُ لزومُ الطاعةِ معَ الخضوع. قال الراغبُ (١): وبكلِّ واحدٍ منهُما فُسِّر قولُه تعالى: ﴿كلٌّ لَهُ قانتون﴾ قيلَ: خاضعون، وقيلَ: طائعون، وقيلَ: ساكتون. ولم يُعْنُ بهِ كلِّ السكوتِ، وإِنمَّا عُني به ما قالَ عليه السلامُ: ((إِنَّ هذه الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ الآدميينَ إِنِما هوَ قرآنٌ وتسبيحٌ))(٢) وعلى هذا قيلَ: (أيُّ الصلاة أفضلُ؟ فقالَ: طولُ القُنوت))(٣) أي الاشتغالُ بالعبادة ورفضُ كلَّ ما سواهُ. قال تعالى: ﴿إِن إِبراهيمَ كانَ أمَّةً قانتاً﴾ [النحل: ١٢٠] قلتُ: ومنه القنوتُ المشروعُ في الصُّبْح، والتراويح إنما هوّ الدُّعاءُ المعروفُ وما يقومُ مَقَامَه. قولُه: ﴿يا مريمُ اقْتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] أي أطيعيه أو اعبُديه أوِ الخضَعي له، وكلُّها معان متقاربةٌ، والمادةُ تدلُّ على الإِخبات والطاعةِ والاستكانةِ. قوله: ﴿ومَن يَقْنَتْ (٤) منكنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] أي يطيعُ ويخضَعُ. قوله: ﴿فالصالحاتُ قانتاتٌ(٥)﴾ [النساء: ٣٤] أي قائماتٌ بحقوقِ الأزواجِ، وقيلَ: مُصلِياتٌ. وفي الحديث: ((كمثلِ الصائمِ القانت))(٦) أي المُصلي. قولُه: ﴿أُمَّنْ هوَ قانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] ولذلك قالَ: ﴿ساجداً وقائماً﴾. وقال ابنُ الأنباريِّ: القُنوتُ في اللغة ينقسمُ إلى أربعة أقسام: الصلاةُ، وطولُ القيام، وإقامةُ الطاعة، والسكوتُ(٧). وفي الحديث: ((أنه قنتَ شهراً)(٨) أي يَدعو على أحياءٍ منَ العرب. ق ن ط : قولُه تعالى: ﴿وهوَ الذي يُنزِّلُ الغيثَ من بعد ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] أي (١) المفردات ٦٨٥ . (٢) أخرجه مسلم برقم ٥٣٧ والنسائي ٣/ ١٤. (٣) أخرجه مسلم برقم ٧٥٦، وانظر عارضة الأحوذي ١٧٨/٢. (٤) قرأ ابن عامر ونافع والجحدري وشيبة وأبو جعفر وروح (تقنتْ) البحر المحيط ٢٢٨/٧ والقرطبي ٠١٧٦/١٤ (٥) قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف (قوانت) إِملاء العكبري ١/ ١٠٤ ومعاني الفراء ١ /٢٦٥. (٦) مسند أحمد ٤٢٤/٢. (٧) ورد قول ابن الأنباري في النهاية ٤ / ١١١. (٨) الفائق ٣٧٧/٢. ٣٤٢ باب القاف يئسوا. والقُنوطُ: اليأسُ منَ الخَيرِ؛ يقالُ: قَنَط بالفتح وقَنِط بالكسر (١) ولم يُقرأ إِلا بالأول. وقُرئَ المضارعُ بالوجهينِ في المتواتر. ق نع: قولُه تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُؤُوسِهِم﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي رافعيها ينظرونَ منَ الذلّ. قال ابنُ عرفةَ: أقنَعَ رأسَه: إِذا نصبه لا يلتفتُ يَميناً ولا شِمالاً ولا جعلَ طرفَه مُوازِياً لِما بينَ يديهِ، وكذلك الإقناعُ في الصلاةِ. والقَنْعُ: الاجتزاءُ بالشيء اليسيرِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَطْعِموا القانع(٢) والمُعْتَرَّ ﴾ [الحج: ٣٦] يقالُ: قَنِع بالكسر يقنَعُ تَنْعاً وقناعةً: إِذا رضيَ واجتزاً باليسيرِ. وقّنَع بالفتح يقنَعُ قُنوعاً: إِذا سألَ، قالَ بعضُهم: القائعُ هو السائلُ الذي لا يُلُحُّ، ويرضَى بما يأتيهِ عَفْواً، وأنشدَ : [ من الوافر] مَفاقِرَهُ أَعَفَّ مِنَ القَنُوعِ(٢) ١٢٩١- لَمالُ المرءِ يُصلِحُه فيُغْني فصارَ قَنَع مُشتركاً بينَ الرضا والاجتزاءِ وبين السؤالِ، ولكنْ وقعَ الفرقُ بينهما بالمصدرِ كما تقدَّم. قال بعضُهم: أصلُ هذه الكلمة من القناعِ وهو ما يُغطّى به الرأسُ، فقنعَ: لَيس القناعَ ساتراً لِفَقْرِهِ كقولهِم: خَفِيَ: إِذا لبسَ الخَفاءَ. وقَنَعَ: إِذا رفَعَ قِناعَه كاشِفاً رأسه بالسؤالِ، نحوُ: خَفِيَ إِذا رفَعَ الخَفاءَ. ومن القناعةِ: رجلٌ مَقْنَعٌ: يُقْنَعُ به، قالَ الشاعرُ: [ من الطويل] ١٢٩٢- شُهودِي علي لَيْلِی رجالٌ مَقانعُ(٤) وتقنُّعَ بالمِغْفَر على التشبيهِ بقناعِ المرأةِ، وقَّعتُ رأسَه على التَّشبيه بذلك.وفي الحديثِ: تُقْنِعُ يَدْيك في الدعاءِ))(٥) أي ترفَعُهما، وفيه أيضاً: ((كان إِذا ركعَ لا يُصوِّبُ (١) قرأ الأعمش وابن وثاب (قَنطوا) الإتخاف ٣٨٣. (٢) قرأ أبو رجاء (القَنِعَ) القرطبي ٦٤/١٢. (٣) البيت للشماخ في ديوانه ٢٢١ واللسان والتاج (فقر، قنع) والمقاييس ٣٣/٥ والأضداد ٦٧٠. (٤) عجز بيت للبعيث وصدره: (بايعت ليلى بالخلاء ولم يكن) . والبيت في العباب والأساس واللسان والتاج (قنع) والمقاييس ٣٣/٥ والجمهرة ١٣٢/٣ والمجمل ٧٣٥/٣وابن يعيش ٥٥/٥٠٥١/٣٠١٣/١ ومعجم البلدان ( القعاقع ) . (٥) الفائق ٥٤/١ وغريب ابن الجوزي ٢٦٧/٢ والنهاية ٤ /١١٤. ٣٤٣ باب القاف رأسَه ولا يُقْنِعُه)) (١) أي لا يرفعُه حتى يكونَ أعلى من جسدهِ. قولُه: ﴿وَأَطْعِموا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ القائعُ: الذي لا يسألُ، والمُعْتُرُّ: الذي لا يعَتَرِضُ. يقالُ: قَنَعَ بالفتح يقْنَع قُنوعاً: إِذا سألَ، وقَنِع بالكسر قناعةُ: إِذا لم يسألُ وعفُّ عمّا في أيدي الناس، وقد تقدَّم ذلك. وفي الحديث: (( لا تجوزُ شهادةُ القانعِ لأهلٍ البيت لأنه لهم كالتابع))(٢) القانع هنا كالسائل. وفي الحديث: ((أنه اهتمَّ للصلاة كيفَ يجمعُ لها الناسَ فذُكر له القُنْعُ))(٣). قيلَ: هَوَ الشَّبُّورُ. ورواهُ بعضُهم عن أبي عمرَ الزاهدِ بالثاء المثلثة بدلَ النون وهو البوقُ. قال الهرويُّ: عرضتُه على الأزهريُّ فقالَ: هذا باطلٌ (٤). وفي الحديث: ((أتيتُه بقناعٍ من رُطَبٍ))(٥) القِناعُ والقُنْعِ والقِنْعِ: الطَّقُ الذي يؤكلُ عليهِ، فَقِنْعٌ وقُنْعٌ يُجمعان على أَقناعٍ نحوُ حمل وأَحمال، وقُفل وأقفال. قال الهروي: ويجوزُ جمعُ القُنُع على قناعٍ كمُسٍّ وِساس. وجمعُ القِناع أَقناع. قلتُ: فيستوي في القناعِ لفظُ الواحد والجمع إِلا أنْ قولَه: وجمعُ القناعِ أقناعٌ لا يصحُّ، إِذٍ فَعالٌ لا يُجمعُ على أفعال . ق ن و: قولُه تعالى: ﴿قِنْوأنٌ(٦) دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] القنوانُ جمعُ قِنْرٍ وهو العِذْقُ الذي فيه الشَّماريخُ وتَثنيتُهُ قِنْوانِ وجمعُه قِنْوانٌ، ففي الوقفِ يَسْتوي لفظُ تثنيته وجمعه، حالةٌ رفعٍ تثنيتهِ . وفي الوصلِ يظهرُ الفرقُ بكسرِ نونِ التثنيةِ وتنوينٍ لامِ الكلمةِ وحلول الحركات عليها. ومثلُه في ذلك صِنْرٌ وصِنوانٌ للجذوعِ التي أصلُها واحدٌ. والقناةُ تشبهُ القِنْو في كونِهما غُصنينٍ. وأمّا القناةُ التي يجري فيها الماءُ فقيلَ لها (١) الفائق ٢ /٩ وغريب ابن الجوزي ٢٦٧/٢ والنهاية ٤ /١١٣. (٢) غريب ابن الجوزي ٢٦٧/٢ والنهاية ٤ /١١٤. (٣) الفائق ٣٧٨/٢ والنهاية ٤ /١١٥ وغريب ابن الجوزي ٢٦٧/٢. (٤) النهاية ٤ /١١٦. (٥) مسند أحمد ١٢٥/٣. (٦) قرأ أبو عمرو وهارون والأعرج (قَنْوان)، وقرأ المطوعي والأعمش والأعرج والبرجمي (قُنْوان) البحر المحيط ٤ /١٨٩ والقرطبي ٠٤٨/٧ -. ٣٤٤ باب القاف -- ذلك تَشبيهاً بالقناة في الخطّ والامتداد. وقيلَ: أصلُه من قَنَيتُ الشيءَ إِذا ادَّخرتَه. ق ن ي: قوله تعالى: ﴿وأنَّه هو أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨] أي أعطى ما فيه القنْيةُ : أي المالُ المُدَّخَرِ. وقيلَ: أَقْنِى: أَرْضَى، وتحقيقُ ذلك أنه جعلَ له قنْيةٌ منَ الرِّضا والطاعةِ، وذلك أعظمُ الغِناءِينِ. وقَنَيتُ كذا، واقتنيتُه بمعنى. قال الشاعر: [ من الطويل] ١٢٩٣ - قَنَيْتُ حَيَائِي عِفَّةً وتكرُّمًا(١) والقنْيةُ والقنْيان: المالُ الثابتُ الأصل. وقَنَيتُ الشيءَ أقناهُ: لزمتُه، لأنَّ القناةَ مَدَّخِرةٌ للماء. وقيل: بل من قولِهِم قاناهُ: أي خالطّه، وأنشدَ امرؤ القيسِ: [من الطويل] .. غَذاها نميرُ المَاءِ غيرُ المحَلَّلَ(٢) ١٢٩٤- كبكْرٍ مُقاناة البياضِ بصفرةٍ وأمّا القَنا (٣) فيقالُ منه: رجلٌ أَقْنَى، وامرأةٌ قَنْواءُ الأنف. فصل القاف والهاء ق هـر: قبولُه تعالى: ﴿الواحِدُ القَهَّارِ﴾ [يوسف: ٣٩]، القهرُ: الغلبةُ والتَّذليلُ معاً». ويستعملُ كلٌّ منهُمَا مُنفرداً. قُولُه: ﴿فَأمّا الْيَتَيمَ فلا تَقْهَرْ(٤)﴾ [الضحى: ٩] أي لا تذلَّه وتكسرَ خاطرَه، وغلبَ ازدواجُ هاتين الصفتينِ وهُما الوحدانيةُ والقهرُ، وذلك لمعنىّ بديعٍ وهو أن الغلبةَ والإذلالَ من ملوك الدنيا، إِنما يكونُ بأعوانهم وجدهم وعَددهم وعُددهم. واللهُ تعالى يَقْهر كلَّ الخلقِ وهو واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ مُستغنٍ عن ظهيرٍ سبحانَه. وهذا من الفتوحات الإلهية، فنشكرُ الله تعالى على ذلك. وفي الحديث: (فأقولُ: يا ربِّ أَمَّتِي. فيقالُ: إِنَّهم كانوا يمشون بعدَك القَهْقَرى))(٥). قال أبو عبيدٍ: هو (١) عجزبيت وشطره: (إِذا قلّ مالي أوتكبتُ بنكبة) والبيت في اللسان (قنا) لحاتم الطائي، وهو في التذكرة السعدية ٢١١ لعمروبن العاضى، وهو في الزهرة ٢ / ٦٦٥ لبشر الضبعي، وعجز البيت في مجمع البلاغة ١ /٣٧٩دون عزو . (٢) تقدم برقم ٢١٤. (٣) في المفردات ٦٨٧« وأما القنا الذي هو الاحديداب في الأنف فتشيبه في الهيئة بالقنا)) (٤) قرأ ابن مسعود والشعبي والنخعي (تَكْهَرْ) البحر المحيط ٤٨٦/٨. (٥) أخرجه البخاري في الرقاق، (٥٣) باب: في الحوض ٦٢١٣-٦٢١٤-٦٢١٥ ولفظه:« إِنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى؛ وانظر النهاية ٤ /١٢٩ وغريب ابن الجوزي ٢٧٣/٢. ٣٤٥ باب القاف الرجوعُ إِلى الخلف، وذلك كنايةٌ عن مشيهم على غير طريقهِ الواضحِ ونهجهِ القويم. كما جاء في حديث آخرَ: «فيقالُ إِنك لا تَدْرِي ما أحدثوا بعدَكَ، فأقولُ: سُحقاً سُحقاً))(١). فصل القاف والواو ق و ب: قولُه تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ (٢) قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أي قدرَ قوسينِ. يقالُ: بَيني وبينَه قابُ رمحٍ وقادُ وقِيدُ وقِدَى رمحٍ. والقوسُ: الرمحُ بلغةٍ أزدٍ شَئوءةً وسيأتي. وقال الراغب(٣): القابُ: ما بينَ المَقْبِضَ والسِّيَةِ من القوسِ. قلتُ: السِّيةُ موضعُ الوترٍ. وهذا أقلّ من الأول. وفي الحديث أن عمرَ نَهى عن التمتّع بالعُمرةِ إِلى الحجِّ فقالَ: ((إِنكم إِن اعتَمَرْتُم في أشهُر الحجِّ رأيُتموها مُجْزِئَةً عن حَجْكُمْ فكانتْ قائبةَ قُوبٍ عامِها))(٤) ضربٌ!عمرُ هذا مثلاً لخلاءِ مكةً من المُعتمرين سائرَ السَّنَة. قال شَمِرٌ: يقالُ: قِيَبَتِ البَيضةُ فهي مَقُوبةٌ: إِذا خرجَ فرخُها. وقال الغراءُ: القابيةُ: البَيضةُ، والقوبُ: الفرخُ. وتقوَّبتِ البيضةُ: تَقَلَّقَتْ عن فرخِها، ويقال: انقضَى قوبيٍّ من قاوِبَةٍ، يعني أنَّ الفرخَ إِذا فارقَ بيضته لم يعُدْ إِليها. ق ر ت: قوله تعالى: ﴿وكانَ اللهُ على كلّ شيءٍ مُقِيتاً﴾ [النساء: ٨٥] قيلَ: معناهُ مُقْتدراً، وقيلَ: حافظاً، وقيل: شاهداً؛ وحقيقته: قائماً عليه يحفظُه، وأنشد: [ من الخفيف] ١٢٩٥ - ليتَ شعري وأشعُرَنَّ إِذا ما قَرَّبوها مَنْشورةً ودُعِيتُ(٥) سبتُ؟ إِني على الحساب مُقِيتُ أَليَ الفضلُ أَم عليَّ، إذا حُو والقوتُ: ما يُمسكُ به الرمقُ، والجمعُ أقواتٌ لقولهِ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فيها أَقواتَهَا﴾ (١) أخرجه البخاري في الرقاق برقم ٦٢١٢ وفي الفتن ٦٦٤٣، ومسلم في الفضائل ٢٢٩٠. (٢) قرأ زيد بن علي (قادَ) وقرئت (قِيدَ، قَدْرَ) القرطبي ١٧ /٩٠. (٣) المفردات ٦٨٧ . (٤) الفائق ٤٣٣/١ والنهاية ٤ /١١٨ وغريب ابن الجوزي ٢٦٩/٢. (٥) البيتان للموءل بن عادياء في ديوانه ٨١ واللسان (قوت) والهمع ٧٩/٢. ٣٤٦ باب القاف [فصلت: ١٠] يعني أرزاقَها المقدَّرة لخلقه لا يَعدو أحدٌ رزقَه. وقاتَه يقوتُه قُوتاً: أطعَمهِ القوتَ. وأقاتَه يُقْيتُهُ إِقاتَةً: جعلَ له ما يُقيتُه، كما قيل في سَقَيتُهُ وأَسقَيتُه وقَبَرته وأَقْبرتُهِ. وفي الحديث: ((إِنَّ أكبرَ الكبائرِ أن يُضَيِّعَ الرجلُ مَن يَقوتُ))(١)، ويُروى ((مَن يُقيت )) مِن قاتَه وأَقَاتَه. وقيلَ: فَعَلَ وأفعلَ فيهِ بمعنىّ كنظائرهِ. وقيلَ: مِن قوله: (( مُقيتاً)) أي مُقْتُدراً على أن يُعطيَ كلَّ واحدٍ قُوتَه. ويقالُ: ما عنده قوتُ ليلةٍ وقِيتُ ليلةٍ وقِيتَةُ ليلةٍ، نحوُ: الطُّعْم والطّعْمِ وَالطِّعْمة. وأنشدَ الشاعرُ يصف ناراً: [ من الطويل] ١٢٩٦٠ - فقلتُ له: ارْفَعْها إِليكَ فَأَحْيها بروحك واقتَتْهُ لها قيتةً قَدْرا (٢) ق وس: قولُه تعالى: ﴿فَكانَ قَابَ قَوسينٍ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] القوَسانِ معروفان، وهُما مَا يُرمَى عنهما، قيلَ: أرادَ بهما القريبينِ وكأنَّهما أقصرُ شيءٍ من غيرِهما، من قسيِّ الناسِ. ١ وقيلَ: هما الذِّراعان. .... والقوسُ: الذراعُ بلغةٍ أزدٍ شَنُوءة، قال مجاهدٌ: قابَ قوسينٍ أي قدر ذراعينٍ. وفي الحديث: ((لَقابُ قَوس أحدِكُم أو موضعُ قِدَّ منَ الجنَّة))(٣). وفي الحديث: ((أَطْعِمْنا من بقيةِ القَوسِ الذي في نَوَطِك)) (٤) القوسُ هُنا: البقيةُ تَبْقى في أسفلِ الجُلَّةِ، وتُصوِّر مِن القوسِ هَيئتُها فقيلَ للانحناءِ: تقوُّسٌ، ومنهُ تقوَّسَ ظهرُ الشيخِ وقَوَّسَ، قال امرؤ القيسِ: [ من الطويل] ١٢٩٧ - أراهُنَّ لا يُخْبِبْنَ مَن قَلَّ مَالُه ولا مَن رَأَيْنَ الشيبَ فيه وَقَوَّسًا(٥) وقوَّستُ الخطَّ، والمُقَوَّسُ: مكانٌ يَجْرِي منه القَوسُ، وأصلُه الحبْلُ الذي يُمدُّ على (١) أخرجه مسلم برقم ٩٩٦ ومسند أحمد ١٦٠/٢. (٢) البيت لذي الرمة في ديوانه ١٤٢٩ واللسان والتاج (قوت، روح) والمقاييس ٥ /٣٨ وتقدم البيث في ( روح ) برقم ٦٣٠. (٣) أخرجه البخاري في الجهاد، (٦) باب الحور العين ٢٦٤٣. (٤) الفائق ٤ /١٢١ وغريب ابن الجوزي ٢٧٠/٢ والنهاية ٤ / ١٢١. (٥) البيت في ديوانه ١٠٧. ٣٤٧ باب القاف هيئةً قوسٍ فَتُرْسَلُ الخيلُ من خلفهِ. ويُجمعُ القوسُ على قِسِيّ بضمَّ القاف وكسرها وأصلُه قُروسٌ، نحو: فَلس وقُلوس فقُلبتِ الكلمةُ بتقديمٍ لامِها وتأخيرِ عينها فصيِّرَها التصريفُ إِلى ما تَرَى، ووزنُه الآن فُلوعٌ، وقد حقَّقْنا هذا في غيرِ هذا الموضع. ق وع: قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ﴾ [طه: ١٠٦] القاعُ: المُستوي من الأرضِ، قالَه الراغبُ. وقال الفراءُ: القاعُ مستنقعُ الماءِ. وقال الهرويُّ: هو المكانُ المستوي الواسعُ من وطاءِ الأرضِ يعلوهُ ماءُ السماءِ فُيُمسكُه فيستوي ماؤه، وجمعُه: قيعَة وقيعانٌ. يقالُ: قاعٌ وقيعَةٌ، مثلٌ جارٍ وجيرةٍ. وقال الراغبُ(١): والقِيعُ والقاعُ: المُستوي من الأرضِ، فلم يفرِّقْ بينَهما. وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قالَ لأُصَيل: «كيف تركتَ مكةً؟ قال: تركتُها قد ابيضَّ قاعُها))(٢)، أي غسله المطرُ فابيضَّ. قولُه تعالى: ﴿كسَرَابٍ بقيعةٍ(٣)﴾ [النور: ٣٩] أي مكانٍ مستوٍ، فهو أظهرُ للمعان السراب والإحاطة به بخلاف المحدودب من الأرض. والقاعُ من ذواتِ الواو، ولذلك قال الراغبُ: وتصغيرُهُ قُوَيْعٌ، واستُعِيرَ منه قاعَ الفحلُ الناقةً: أي ضربَها. لكنَّ الهرويَّ ذكرَه في مادَّةٍ (ق ي ع)، والراغبُ أيضاً ذكرَه في مادة (ق ي ع) لكن نصَّ على تصغيرهِ بالواو، فهو كبابٍ وبُويبٍ، وإِنما انقلبت الواوُ في قيعةٍ الانكسارِ ما قبلها وهي ساكنةٌ نحوُ ديمةٍ وقيمةٍ من: دامَ يدومُ، وقامَ يقومُ. ق و ل: قولُه تعالى: ﴿قُولُه الحقُّ وَلُه المُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣] لما كانَ القولُ يكونُ حقاً وغيرُهُ خُصِّص بالإِضافة، وهذا خلافُ ما يقولُه الكوفيُّ من أنَّه أضافَ الموصوف لصفته، وأصلُه القولُ الحقُّ كقولهِ: ﴿وَإِنَّه لَحقُّ اليقينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أي الحقُّ اليقينُ. ولنا فيهِ كلامٌ مُتقنٌ في غيرِ هذا. (١) المفردات ٦٨٨. (٢) الفائق ٢ / ١٢٤ وغريب ابن الجوزي ٢٧٤/٢ والنهاية ٤ /١٣٢. (٣) قرأ مسلمة بن محارب (بقيعات) البحر المحيط ٦ /٤٦٠، وقرئت (بقيعاة) المحتسب ١١٣/٢. ٣٤٨ باب القاف والقولُ والقبالُ والقيلُ بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وقيله يا ربِّ﴾ [الزخرف: ٨٨]. والقولُ يُستعملُ على أنحاءَ؟ أحدُها: أن يُقصدَ به حكايةُ الجمل المفيدة، وهذا غالبُ أحواله لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهِينِ اثْنَينِ﴾ [النحل: ٥١] خلافاً لمن قال: الأصلُّ استعمالُه في المفرد، وهذا لا تَتَغيرُ الجملُ بعدَهُ عمّا تستحقُّه من الإِعراب، ويكون في محل نصبٍ به، وتُكسر بعدَه إِنّ. والثاني: أن يُقصدَ به الظنُّ فيعملُ عملَهِ مُطلقاً عندَ قومٍ وهم سُليم كقولهِ: [ من الرجز] ١٢٩٨ - قالتْ، وكنتُ رجلاً فَطيناً: هذا لعمرُ اللهِ إِسرائينا(١) وغيرُهُم لا يُعملُه إِلا بأربعةِ شروط: أن يكونَ مُضارعاً بمخاطبٍ بعدَ استفهامٍ غير مفصولٍ إِلا بالظرف أو عدیله أو أحدٍ معمولیه، کقوله: [ من الرجز] ١٢٩٩- متى تَقولُ القُلُّصَ الرَّواسِما يُدْنِينَ أُمَّ قاسمٍ وقاسما؟(٢) وقول الآخر: [ من البسيط ] ١٣٠٠- أبعدَ بُعد تقولُ الدارَ جامعةً شَملي بهم أم دوامُ البَيْنِ مَحتومُ؟(٣) وقول الآخر: [ من الوافر] ١٣٠١ - أجُهّالاً تقولُ بَنِي لُؤَيِّ لعمرُ أبيكِ أمْ مُتجاهلينا؟ (٤). (١) الرجز دون عزو في التاج (سرى، فطن، يمن) واللسان (فطن، يمن) والمخصص ١٣ / ٢٨٢ والهمع ١٥٧/١ والمقاصد النحوية ٤٢٥/٢ وأمالي القالي ٤٤/٢، وبعده في الأمالي (( قال أبو بكر في كتاب المتناهي في اللغة: هذا أعرابي أدخل فرداً إلى سوق الحيرة ليبيعه فنظرت إليه امرأة فقالت : مسخ فقال هذه الأبيات ). (٢) الرجز لهدبة بن الخشرم في ديوانه ١٣٠ وشرح الحماسة للتبريزي ٤٦/٢ وشرح شواهد المغني ٤٢٧/٢ والخزانة ٤ /٨٥ واللسان والتاج ( فغم) والنهاية ٣٨٤/٢. (٣) البيت دون عزو في شذور الذهب ٤٨٩ وشرح شواهد المغني ٩٦٩/٢ والمقاصد النحوية ٤٣٨/٢ والهمع ١ /١٥٧ ورواية العجز! ( ... أم تقول البعد محتوما) . (٤) البيت للكميت في شرح المفصل لابن يعيش ٧ /٧٨ والعيني ٤٢٩/٢ والدرر١٤٠/١ والمقتضب ٣٤٩/٢٠ والخزانة ٤ / ٢٤ وسيبويه ١٢٣/١ والبيت ليس في ديوانه. ٣٤٩ باب القاف ويجوزُ في أَنّ بعدَه الوجهانِ من الفتحِ والكسرِ، وكان يَنْبغي وجوبُ الفتحِ. وأنشدوا: [من الطويل] ١٣٠٢ - إِذا قلتُ إِني آيبٌ أهلَ بلدةٍ(١) بالوجهينٍ. واختلفَ النحاةُ في القولِ المُعملِ على الظنِّ هل يكونُ بمعناهُ أم في اللفظ فقط؟ فإِنْ وردَ ما ظاهرُهُ أنَّ القولَ حكَى بهِ مفردٌ لا يؤدِّي مؤدّی قولٍ قُدِّر لهُ خبرٌ تتمُ بهِ الجملةُ كقولهِ تعالى: ﴿قَالُوا مَعْدَرةٍ﴾ [الأعراف: ١٦٤] رفعاً ونصباً(٢)، وقال امرؤ القيس: [ من الطويل] ١٣٠٣ - إِذا ذقتُ فاها قلتُ: طعمُ مُدامةٍ مُعْتَّقَةٍ مما تَجيءُ به النُّجُرْ(٣) فإِنْ كانَ المفردُ يؤدي مؤدَّى الجملة أو قُصدَ به حكايةَ ذلك المفرد يعَملُ فيه القولُ عملَه في المفعولِ به، كقولك: قلتُ: خطيئةً وقلتُ: زيراً. أي قلتُ هذه اللفظةُ. ومنه: ﴿فتىٌ يذكُرُهُمْ يقالُ له إِبراهيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] على أحسنِ الوجوهِ كما بينّاهُ في غيرِ هذا. الثالثُ: أنه يستعملُ في المتصُّورِ في النفسِ قبلَ الإِبرازِ في اللفظِ، ومنه: في نفس فُلانٍ قولٌ لم يُبرزْه، وعليه قولُّه تعالى: ﴿ويقولونَ في أنفسهم لولا يعذُّبُنَا اللهُ بما نقولُ ﴾ [ المجادلة: ٨]. الرابعُ: الاعتقادُ، نقولُ بقولِ الشافعِّ. ، الخامسُ: الدلالةُ بما يفُهم من حالِ الشيءِ، كقولِ الشاعر: [من الرجز]. سَلاَّ رُويداً، قد ملأتَ بَطْني(٤) ١٣٠٤ - امتلأ الحوضُ وقالَ قَطْني (١) صدر بيت للحطيئة في ديوانه ١٤٨ وعجزه: (وضعتُ بها عنه الوليّة بالهجرِ) والبيت في المقاصد النحوية ٤٣٢/٢، وهودون عزو في أوضح المسالك ٧٢/٢. (٢) قرأ حفص وزيد بن علي (معذرة) معاني الفراء ١ /٣٩٨ وكذا قرأها أبو عمرو ونافع وابن كثير وحمزة والكسائي. الإتحاف ٢٣٢ والنشر ٢٧٢/٢ والسبعة ٢٩٦. (٣) ديوانه ١١٠. (٤) تقدم البيت في ( ق ط ط ) برقم ١١٧١. ٣٥٠ باب القاف السادسُ: يقالُ للعنايةِ الصادقةِ بالشيء نحو: هو يقولُ بكذا، أي يُعنى به. السابعُ: الإِلهامُ كقوله تعالى: ﴿قُلنا ياذا القرنينِ إِمّا أنْ تُعذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] قالُه الراغبُ(١) وفيه نظرً لإمكان جريانِه على حقيقته، لكنه قالَ في توجيه ذلك: فإِنَّ ذلك لم يكن بخطاب وردّ عليه فيما رُوي وذُكر، بل كانَ ذلك إِلهاماً، فسمَّاهُ قَوِلاً . الثامنُ: كثيراً ما يستعملُه المنطقيونَ في معنى الحدِّ، فيقولون: قولُ الجوهرِ كذا وقولُ العرض كذا أي حدُّهما. التاسعُ: يستعملُ بمعنى القتل، قال ابن الأعرابي: يقال: قالوا يريد أي قيلوه، وأنشد الأزهري: [من الرجز] ١٣٠٥ - نحن ضربناه على نطابه قُلْنا بهِ قُلْنا بِهِ قُلنا به(٢) أي قتلناهُ. قولُه: ﴿قالتا أتّينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]. قيلَ: ذلك قولٌ حقيقيِّ خلقَ اللهُ فيهما قوةً النطقِ فَنَطَّقتا بذلك. وقيلَ: ذلك بالقولِ المجازيِّ، وهو عبارةٌ عن عدمِ التأنِّي عما یریدُه. قولُه: ﴿يقولون بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. فائدة: قوله ﴿بأفواهِهِمْ﴾ وإن كانَ القولُ لا حقيقةَ له إِلا بالفمِ، إِنَّ ذلك صادرٌ عن غيرِ اعتقادٍ، لأنَّ القولَ قد يطابقُ اعتقادَ قائله. وقيلَ: هو توكيدٌ كقولهِ: ﴿فويلٌ للذين يكتبون الكتابَ بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿ولا طائرٍ يَطِيرُ بجناحَيهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] قولُه: ﴿لقد حَقَّ القولُ على أكثرهم﴾ [يس:٧] أي علمُه بهم وحكمه عليهم. قولُه: ﴿ذلكَ عيسى ابنُ مرَّيَ قولَ الحقِّ﴾ [مريم: ٣٤] أطلقَ على عيسى عليه السلام قول الحقِّ تَنبيهاً أنه كلمةُ اللهِ كما سمّاهُ في موضعٍ آخرَ ﴿ كلمة﴾(٣) [آل عمران: ٤٥]. (١) المفردات ٦٨٨. (٢) البيت لزنباع المرادي في التانج (قول، نطب) وهو لجعيد المرادي في اللسان (نطب) ، وهو لهبيرة بن عبديغوث في التكملة (نط) ودون عزو في اللسان (قول). .- (٣) تمام الآية في سورة آل عمران: ٣ ﴿إِذ قالت الملائكة يا مريم إِن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم .. ﴾. --- ٣٥١ باب القاف وعلى ما قالَ: يقالُ ﴿إِنَّ مَثَل عيسى عندَ اللهِ كمثَلِ آدمَ خلقه من ترابٍ ثم قالَ له ◌ُنْ فيكون، الحقُّ من ربِّكَ﴾ [آل عمران: ٥٩-٦٠]. وهذا على قراءة رفع ((قول)) (١) وجعله بدلاً من عيسى أو عطف بيان أو خبراً ثانياً لذلك. قوله: ﴿إِنكُمْ لَفِي قَولٍ مُختلفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي في أمرٍ منَ البعثِ فسمّاهُ قَولاً؛ فإِنَّ المقولَ فيه يسمَّى قولاً كما أنَّ المذكورَ يُسمى ذكراً. قولُه: ﴿لَقَولُ رسولٍ كريمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] فنسَبَ القولَ إِلى الرسول، والمرادُ به القرآنُ لأنَّ القولَ الصادرَ إِليكَ عنِ الرسولِ يبلّغُه إِليكَ عن مُرْسِلٍ لَهُ فيصحُّ أن تَنْسُبه تارةً إِلى رسولهِ وأُخرى إِلى مُرسِلِهِ، قالَ الراغبُ(٢): وعلى هذا فإنْ قيلَ: فهل يصحُّ أن يُنْسَبَ الشعرُ والخطبةُ إِلى راويهما كما تَنسُبُهما إِلى صانِعهما؟ قيلَ: يصحُّ أن يقولَ: هو قولُ الراوي ولا يصحُّ أن يقالَ هو شعرُهُ وخطبتُه، لأنَّ الشعرَ يقعُ على القولِ إِذا كان على صورةٍ مخصوصةٍ، وتلك الصورةُ ليس للراوي فيها شيءٌ، والقولُ قولُ الراوي كما هو قولُ المرويِّ عنه. قولُه: ﴿الذينَ إِذا أصابتْهُم مصيبة قالوا إِنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] لم يُرِدْ به القولَ النُّطقيَّ فقط بل ما معَه اعتقادٌ وعملٌ. قوله: ﴿ولو تقوَّلَ﴾: يريدُ بذلك الكذبَ والاختلاقَ: والمتقوِّلَ الكذابَ. وقَوَّلني فلانٌ حتى قلتُ، أي: عَلَّمني حتى علمتُ. وفي الحديث: ((نَهى عن قيلٍ وقالٍ))(٣) يُروى بفتح اللامين على أنهما فعلان ماضيان، وحكيا بالجر والتنوين على الإعرابِ على أنهما مصدرانٍ أو نُقلا إِلى الاسمية. ورجلٌ تقوالةٌ وقوّالٌ وَقَوّلة: أي منطيقٌ. والمِقْولُ: اللسانُ لأنه آلهُ القولِ . والقيلُ: الملكُ من ملوكِ حميرَ؛ سُمي بذلك للاعتماد على قولهِ أو لأنه مُتقيِّلٌ لأبيه؛ يقالُ: تقيَّلَ فلانٌ أباهُ، فإِنْ قِيلَ: فكانَ يَنبغي أن يقالَ فيه قَولٌ فالجوابُ أنَّ أصلَه (١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف (قولُ الحقِّ)، الإتحاف ٢٩٩ والنشر ٣١٨/٢، وقرأ الحسن (قُول الحقِّ)، وقرأ ابن مسعود والأعمش (قالُ الحقَّ)، وقرأ طلحة والأعمش (قالَ الحقّ) البحر المحيط ٦ /١٨٩ والقرطبي ١٠٦/١١. (٢) المفردات ٦٨٩. (٣) أخرجه البخاري في الزكاة، (٥١) باب من سال الناس تكثراً ١٤٠٧، وفي كتاب الاستقراض ٢٢٧٧، ومسلم في الأقضية ٥٩٣. ٣٥٢ باب القاف قَيولٌ فأدغم، كهَيْب وأصلُه هَيوب، ولذلك جَمعوه على أقوالٍ كقولهم أَمواتٌ ثم خُفف فصارَ قَيْلاً كمَا يُقالُ مَيْتِ فِيّ مَيِّت. ويجوزُ أن يجمعَ على أقيالٍ، قَالَ الراغبُ (١): وإِذا قيلَ أَقيالٌ فذلك نحو أعيادٍ. قلتُ: إِنما قالوا: أعيادٌ في جمعٍ عيدٍ، وإِنْ كان الأصلُ يَقْتضي أعواداً لأنه قد يُلْبَسُ بجمعِ عودِ الحطبِ، فكذلك هُنا؛ فلو قيلَ: أقوالٌ لأُلْبِسُ بجمع القول، ولکن العرب لم تلتفتْ إِلى ذلك هنا .. واقتالَ فلانٌ: قالَ ما يجترِّ بهِ إِلى نفسِهِ خَيراً أو شراً. والقالُ والقالةُ: ما انتشرَ من القول. والقالُ يكونُ بمعنى القائلِ. يقالُ: أنا قالُ كذا، أي قائلُه؛ قاله الخلیلُ. ق وم: قولُه تعالى: ﴿إِلا ما دمتَ عليه قائماً﴾ [آل عمران: ٧٥] أي ثابتاًعلى طلبه. والقيامُ: مصدرُ قامَ يقومُ، وأصلُه قوامٌ ولكنه أُعِلَّ لإعلال فعله بخلاف لواذٍ مصدر لاوذَ، لصحة فعله، وهذا متقنٌ في غيرِ هذا مِن كُتبنا في التصريفِ، ثم القيامُ أنواعٌ: قيامٌ بالشخص إِمّا بالتَّسخيرِ كقولهِ: ﴿منها قائمٌ وَحَصيدٌ ﴾ [هود: ١٠٠]، وإِمّا باختيارٍ كقولهِ :تعالى: ﴿أَمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً أو قائماً﴾ [الزمر: ٩]. وقيامٌ هو مراعاةُ الشيءٍ والحفظ له كقوله: ﴿الرجالُ قوّامون على النساءِ﴾ [النساء: ٣٤] ﴿أفمن هو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسَبَتْ﴾ [الرعد : ٣٣] أي مراعونَ لأحوالهنَّ وحافظوهنَّ. وقيامٌ: هو عزمٌ على الشيءٍ، كقوله: ﴿إِذا قُمتُم إِلى الصَّلاةِ ﴾ [المائدة: ٦] و ﴿ يُقيمون الصلاةَ﴾ [البقرة: ٣] أي يداومون على فعلها ويحافظون عليها. وقيل: هوَ مِن قامَ سوقُ كذا أي نفقَ فيهِ المتاعُ. وأقمتُه: أي جعلتُه كذلك: وأنشد: [ من المتقارب] ١٣٠٦ - أقامتْ غزالةُ سُوقَ الضَّرابِ لأهلِ العراقينِ حَولاً قَميطًا (٢) وقيلَ: معناهُ يؤدُّونَها مِقَوَّمةَ الأركان والسُّنَ غيرُ مُخلِّين بشيءٍ منها، مِنْ: أَقامَ الأمر إِذا أتَى به على أكملٍ هيئاتِه. قولُه: ﴿أموالكُم التي جَعَل اللهُ لكُم قياماً (٣)﴾ [النساء: ٥] أي جعله مما (١) المفردات ٦٨٩. : (٢) البيت لأيمن بن خريم يذكر غزالة الجرورية امرأة شبيب الخارجي، والبيت في اللسان والعباب والتاج. ( قمط ) والجمهرة ١١٤/٣ (٣) قرأ نافع وابن عباس وابن عامر (قِيَماً)، وقرأ عبد الله بن عمر (قواماً)، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر - ٣٥٣ باب القاف یُمسگگُم وپردُ قُوا کم لانه سببُ رزقگُم. والقيامُ والقوامُ: ما تقومُ به بنيةُ الإِنسانِ، وما يقومُ بهِ الشيءُ كالسِّنادِ. والعِمادُ اسمٌ لما يُسندُ به ويُعمدُ به. والقَوامُ بالفتح ما هو متوسطٌ بينَ رُتْبتينٍ، كقوله تعالى: ﴿وَكانَ بينَ ذلك قواماً(١)﴾ [الفرقان: ٦٧]. قولُه: ﴿جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرام قياماً للناسِ﴾ [المائدة: ٩٧] بمعنى قواماً لهم في أمورٍ دُنياهُم ودينهم، فهي تقومُ بأمورِهم في مَعَاشِهم ومَعادِهم. وقال الأصمُّ: قائماً لا يُنسَخُ. قُرِئَ قِيَماً بمعنى قائماً(٢)، وقيل: هو جمعُ قيمة، قالُه الراغبُ(٣) . وليس قولُ مَن قال: هو جمعُ قيمةٍ بشيءٍ. قلتُ: وهذا صحيحٌ هُنا لكنه قد قُرئ في قولِه: ﴿التي جعلَ اللهُ لكُمْ قِيماً(٤)﴾ [الأنعام: ١٦١] وهذا صحيحٌ في الأموال. قولُه: ﴿ديناً قَيماً﴾ [النساء: ١٥] قيلَ: معناهُ ثابتاً لأمورٍ معائشِهم ومَعادِهم. وقُرئ ((قيماً)) وفيه وجهان؛ أحدُهما: أنه مقصورٌ من قياماً، والثاني: أنه وصفٌ على فعل نحو: لحمٌ زِيَمٌ وقومٌ عِدىٌ ومكانٌ سِوىً وماءٌ رِوى. وأصلُ قيْم قيَّوم كمْیتٍ. قولُه: ﴿وذلك دينُ القيّمة (٥)﴾ [البينة: ٥] قال ابنُ عرفةً: فجعلَها مصدراً كالصِّغْرِ والكبر، وأنشدَ لكعبِ بنِ زُهير: [من الطويل] ١٣٠٧-فھُمْ ضربو کُم حین ◌ُرتُم عن الهُدی بأسيافهم حتى استقمتُم على القِيَمْ(٦) = وأبو عمرو (قَواماً)، وقرئت (قِوَماً) البحر المحيط ١٧٠/٣ وإملاء العكبري ٩٨/١ والنشر ٢٤٧/٢. (١) قرأ حسان بن عبد الرحمن (قواماً) القرطبي ١٣/ ٧٤ . (٢) قرأ ابن عامر وعاصم الجحدري (قِيّما)، وقرأ عاصم الجحدري (قَيِّماً) البحر المحيط ٤ /٢٦ والاتحاف ٢٠٣. (٣) المفردات ٦٩١ . (٤) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وخلف ويعقوب (قَيِّما) الإتحاف ٢٢٠ والنشر ٢٦٧/٢. (٥) قرأ ابن مسعود (الدينُ القيمةُ) إِعراب النحاس ٣ /٧٥٠، وقرأ ابن مسعود (الدينُ القَيِّمُ) القرطبي ٢٠ /٠١٤٤ (٦) ديوانه ٦٧ . ٣٥٤ باب القاف أي على الاستقامة. قوله تعالى: ﴿وذلكَ دينُ القَيِّمة﴾ أي الأمَّة القيمةُ، أي القائمةُ بالقسْط. . والعدل، وهم المشارُ إليهم بقوله تعالى: ﴿كنتُم خير أمةٍ أُخرجَتْ للناسِ ﴾[آل عمران : ١١٠]. قولُه: ﴿فيها كِتُبٌّ قَيِّمةٌ﴾ [البينة: ٣] إِشارةٌ إِلى القرآنِ، وذلك لما فيهِ من ثمرةِ كتبِ اللهِ المُنزلةِ، فإِنَّ القرآنَ مَجْمَعُ مَعاني كتبهِ القديمة. وإليه أشارَ بقوله تعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكتابِ من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي من كتب الأولين وغيرِها. قولُه: ﴿ولم يَجْعِلْ لَهُ عَوَجاً قَيِّماً(١)﴾ [الكهف: ١-٢] من صفة الكتاب، وقيلَ: عِوَجاً حالٌ منَ الهاءِ في ((له)). ولنا فيه كلامٌ أتقنّاه في غيرِ هذا. قولُه: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هِوَالحِيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] بناءُ مبالغةٍ وزنُه فَيْعول، وأصلُّه قَيْرومٌ فَقُلبتِ الواوُ الأولى ياءٌ لأجلِ الياءِ قبلَها وأُدغمتِ الياءُ الأولى فيها، ومعناهُ القائمُ الحافظُ لكلِّ شيءٍ والمُعطَى لَهُ ما بهِ قوامُه، وإِلى ذلك الإشارةُ بقولِه: ﴿أَعطَى كلَّ شيءٍ خلقَه ثمَّ هَدى﴾ [طه: ٥١]. وقُرِئَ القَيّامُ والقيُّومُ(٢)، وذلك نحو دَیُّون ودَیّان، وقال أبو عبيدةَ: القَيّومُ: القائمُ وهو الدائمُ الذي لا يزولُ، وقيل: هو القائمُ بأمورِ الخلقِ، يقالُ: فلانٌ قائمٌ بالأمرِ: أي حافظٌ له. وعندي أنه لا يجوزُ إِطلاقُ هذه اللفظة على غيرٍ الباري تعالى لما فيها منَ المُبالغة، ولِما ذكروا ذلكَ في الرحمنِ ونحوِهِ. ۔۔ ﴿وإذا أظلمَ عليهِم قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] أي ثَبتوا ووقفوا متحيِرين. وليسَ المُرادُ. القيامَ من قعودٍ. قولُه: ﴿لا أُقسمُ بيومِ القيامةِ﴾ [القيامة: ١] اسمٌ غلبَ على يومٍ يبعثُ اللهُ عبادَه لحسابهم لأنَّ فيه يقومون لذلك، وذلكَ إِشارةٌ إِلى قولهِ: ﴿يومَ يقومُ الناسُ لربٍ العالمين﴾ [المطففين: ٦]. وقوله: ﴿ويومَ تقومُ الساعةُ يومئذٍ﴾ [الروم: ١٤] نُسبَ (١) قرئت (قَيِماً) الكشاف ٤٧٢/٢ . (٢) قرأ الحسن (الحيّ القيومَ) الإتحاف ١٦١، ١٧٠، وقرأ ابن مسعود وخارجة وعلقمة (القَيِّم)، وقرأ النخعي والأعشى وزيد بن علي وابن مسعود والمطوعي (القَيَّام) البحر المحيط ٣٧٧/٢ والقرطبي ٤ / ١ . ٣٥٥ باب القاف القيامُ للزمان والمرادُ أهلُها. والساعةُ أيضاً اسمٌ ليوم القيامة؛ قالَ الراغبُ (١): القيامةُ أصلُها ما يكونُ من الإِنسانِ منَ القيامِ دفعةً واحدةً، أدخِلَ فيها الهاءُ تنبيهاً على وقوعها دفعةً . قولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقامٍ إِبراهيمَ مُصلّى﴾ [البقرة: ١٢٥] أي مكانُ قيامه؛ يريدُ به المكانَ الذي كان يقومُ عليه حينَ بَنِى الكعبةَ الشريفةَ، منَّ اللهُ علينا بِرؤياها ثانياً وأكثر من ذلك بحجَّةٍ مَن شرَّعَ حجَّها. والمَقَامُ يكونُ اسمَ مكانِ القيامِ وزمانهِ ومصدرهِ، وأصلُه مَقْوَمٌ، فأعلَّ بالنقلِ والقَلْب. قولُه تعالى: ﴿يا قومٍ إِنْ كانَ كُبُرْ عَلِيكُمْ مَقامي﴾ [يونس: ٧١] يجوزُ أن يكونَ مصدراً أي قيامي فيكم ودَعوتي إلى الله، وأن يكونَ زماناً أي زمن قيامي لأنه ◌َّهُ يتعهَّدُ نصيحتَهم ليلاً ونهاراً كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿ربِّ إِني دعوتُ قَومي ليلاً ونهاراً﴾ [نوح: ٥] وذلكَ ممّا يُضجرُ الأشقياءَ، فقالَ لهم ذلك، وأنْ يكونَ مكاناً لأنه كانَ يُبرزُ نفسَه الشريفةَ ويُظهرُها على مكانٍ لا يَخفَى. فصَلَىّ اللهُ على سائرِ الأنبياءِ ما أقوى جأشَهم وأرسخَ قدمَهم وأثبتَ صبرَهُم. قولُه: ﴿قبلَ أنْ تقومَ مِنَ مقامِك﴾ [النمل: ٣٩]. قالَ الأخفشُ (٢): إِنَّ المَقامَ المَفْعِدُ، قالَ الراغبُ (٣): فهذا إِنْ أرادَ أنَّ المَقامَ والمقعد شيءٌ واحدٌ بالذاتِ، فإِنهما يختلفان بالنسبةِ إِلى الفاعلِ كالحُدور والصعودِ. وإِن أرادَ أنَّ مَعنى القيامِ معنَى المَقعد فذلك بعيدٌ فإِنه يُسمَّى المكانُ الواحدُ مرةً مَقاماً إِذا اعتُبر بقيامِه، ومَقْعداً إِذا اعتُبر بقعودهِ. وقيلَ: المَقامةُ عبارةٌ عن الجماعةِ الحاضرين عندَه، وأنشدَ [من الطويل] ١٣٠٨- وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوهُهم (٤) وهذا على سبيل المجاز أطلق للمحلِّ على الحالِّ، ومثله قولُ مُهلهل: [من الكامل] (١) المفردات ٦٩١ . (٢) المفردات ٦٩٢ . (٣) المصدر السابق. (٤) صدر بيت لزهير في ديوانه ٩٣ وعجزه: (وأنديةٌ ينتابها القول والفعل). ٣٥٦ باب القاف ١٣٠٩ - نبئتُ أنَّ النارَ بعدَك أُوقدتْ. واستبَّ بعدَك يا كليبُ المجلسُ(١) وما أحسنَ قولَه: ﴿فليُدُعُ نادِيَهُ، سندْعُ الرَّبانية ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] فشتانَ ما: بین النداءین والمنادیین والمنادیین. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ قالوا ربنا اللهُ ثمّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي لزمُوا الطريق المستقيمَ، وهو ما أمرَ اللهُ به فامتثلوهُ وما نَهى عنه فاجْتنبوه، وهو أمرٌ شاقٌ، ولذلك پُروى عن سيد الخلق أنه قال: « شیّبتني هودٌ وأخواتُها))(٢) قیلَ: أشار بذلك إِلی قوله تعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كما أُمرتَ﴾ [هود: ١١٢]. قولُه: ﴿إِهِدِنا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (٣)﴾ [الفاتحة: ٦] يعني طريقَ الحقِّ والدِّينَ الحقَّ، وذلكَ على سبيلِ الاستعارةِ؛ شَبَّه طريقَ الحقِّ بدينٍ مُستقيمٍ إِذ لا عوَجَ فيه ولا احديدابَ ولا حدوبةً، كذا دينُ الإِسْلامِ سهلٌ مستقيمٌ. وإليه أشارَ بقولِه تعالى: ﴿وما جعلَ عليكُم في الدِّين من حرجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ووافقَ قولَه ◌َّهِ: (بُعثتُ بالحنيفيةِ السَّمحاء))(٤). ولا يُرى أشقَّ من سلوكِ الطرقٍ. المعوجّة الجائزة عن القصد، وكذلك الدينُ غيرُ الحقّ لا يُرى أثقِلَ منه ولا أشقَّ على النفس من اعتقاده، وإنّما يتحمله من يتحملُه لشقاوته. قولُه: ﴿حتى تُقيموا التَّوراة﴾ [المائدة: ٦٨] أي تُحلِّلوا ما حلَّلتْ وتُحرِّموا ما حرَّمتْ، فذلك تقويمُها وإِقامتُها، فإِنَّ من ضَيِّع حدودَهَا فقد أضاعَها ولم يُقُمْ مُنآدها، والمرادُ: تُوَفُّونها حقها علماً وعملاً. قال بعضُهم(٥): لم يأمرِ اللهُ تعالى بالصلاة حيثُما أمرَ ولا مدحَ بها حيثما مَدَح إِلا بِلفظِ الإقامة، تنبيهاً على أن المقصودَ بها تَوفيةٌ شروطها والإتيانُ بهيئاتها كاملةً مستكملةَ الفرائض والسُّنن لا الإتيانُ بهيئاتها. وكذلك سؤالُهمَّه (١) البيت في ديوان المعاني ١٧٦/٢ والحماسة البصرية ٢٣٤/٢ وأمالي القالي ٩٥/١ وسمط اللآلي ٢٩٨ والتاج (جلس) وشرح الحماسة ٩٢٨. (٢) تقدم الحديث في (ض ل ل) ، (ح ص ى) . (٣) قرأ الحسن والضحاك وزيد بن علي ونصر بن علي (صراطاً مستقيماً)، وقرأ جعفر الصادق (صراط مستقيم) البحر المحيط ٢٧/١ . (٤) النهاية ١ / ٤٥١ وفيه ((السمحة السهلة)). (٥) المفردات ٦٩٣ . ٣٥٧ باب القاف في قولِه: ﴿رَبِّ اجعلْني مُقِيمَ الصلاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] أي وفُقني لتَوفيةٍ شرائطها وآدابها كاملةٌ. وقيل: قد يعبّرُ بالإقامة للصلاةِ عن الإقرار بوجودِها كقوله تعالى: ﴿ اقتلوا المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تأبُوا وأقاموا الصلاةَ﴾ [التوبة: ٥] أي أَقَرُّوا بوجوبها. وقد يُعبَّر عن الإظهارِ لشعارِها، ومنه قولُه تعالى: ﴿الذينَ إِنْ مَكَّنَاهُم في الأرضِ أقاموا الصلاة﴾ [الحج: ٤١] لأنَّ المرادَ الأئمةُ. قولُه: ﴿إِنَها ساءَت مُسْتقرّاً ومُقاماً﴾ [الفرقان: ٦٦] المُقَامُ بالضمِّ من أقامَ، وهو يصلحُ للمصدرِ والزمانِ والمكانِ والمفعولِ به، والمرادُ بهِ هُنا مكانُ الإقامة بالفتحِ من قامَ وهو صالحٌ لما تقدَّم غيرَ المفعول به. وقد قُرئَ: ﴿لا مُقَامَ لكُم﴾ [الأحزاب: ٦٣] بالوجهين(١)، وكذا ﴿إِنَّ المتَّقِينَ فِي مَقامٍ(٢) أمينٍ﴾ [الدخان: ٥١]. قولُه: ﴿الذي أَحَلَّنَا دارَ المُقامة﴾ [فاطر: ٣٥] هي بمعنى الإقامةِ كقوله: ﴿دارُ الخُلد﴾ [فصلت: ٢٨] وقد يعبّر بالإقامة عن الدوامِ والاستقرار كقوله تعالى: ﴿ولهم عذابٌ مقيمٌ﴾ [المائدة: ٢٧] يعني دائمٌ ولا ينقطعُ، وإليه أشارَ بقولِه: ﴿إِنَّ المُتّقين في مقامٍ﴾ أي مكانٍ تدومُ فيه إِقامتُهم. قولُه: ﴿لقد خَلَقنا الإِنسانَ في أحسنٍ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] تقويم الشيءٍ: تثقيفُه، وأشارَ تعالى بذلك إِلى ما عليهِ الإِنسانُ دونَ سائرِ الحيوانِ منَ العَقلِ والفَهمِ وانتصابٍ القامةِ وتناول المأكولات والمشروبات بيديه واستيلائه على كلِّ ما في هذا العالم والتصرف فيه. وتقويمُ السِّلعةِ: جعلُ قيمتها معادلةً لها. والقومُ سُمُّوا بذلك لقيامهم بمهماتِ الأمورِ، والأصل إِطلاقُهم على الرجالِ دونَ النساءَ. ولذلك أشار تعالى بقوله: ﴿الرجالُ قوامون على النساء﴾ وذكرَ سببَه فقالَ: ﴿بما فضّلَ اللهُ بعضَهم على بعضٍ وبما أَنْفَقوا من أموالهِم﴾ [النساء: ٣٤] فإِن الهمّ المُعَصِّبٌ برؤوسِ الرجالِ، ولذلك قابلَ بينَهما زهيرُ بنُ أبي سُلمى: [من الوافر] (١) قرأ عبد الرحمن وحفص (مُقام) بضم الميم، وقرأ العوام (مَقام) بفتح الميم. معاني الفراء ٣٣٦/٢. (٢) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر والأعمش والأعرج والحسن وقتادة (مُقام) الإتحاف ٣٨٩ والنشر ٠٣٧١/٢ ٣٥٨ باب القاف أقومٌ آلُ حصنٍ أَم نساءُ؟(١) ١٣١٠ - وما أدري وسوف إخالُ آدِي: وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قومٌ من قومٍ﴾ [الحجرات: ١١] ثم قالَ: ﴿ولا نساءٌ مِن نساءٍ﴾ إِلا أنَّه أكثرُ ما وردَ في القرآنِ، والمرادُ به الرجالُ والنساءُ جميعاً. قولُه: ﴿من أهلِ الكتاب أمةٌ قائمةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] أي متمسكةٌ بدينها، وهم قومٌ آمنوا بموسى وعيسى ومحمدعَّله ومنه حديثُ حَكيم بنِ حَزَامٍ: «بايعتُ رسولَ الله ◌َّ أنْ لا أخرَّ إِلا قائماً))(٢) أي متمسكاً بديني، قاله المبردُ. وقالَ أبو عبيد: معناهُ إِلا ثابتاً على الإِسلام، وقَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ما أفلحَ قومٌ قِيُّمتُهم امرأةٌ))(٢) أي سائسةُ أمرِهم القائمةُ به. وفي حديث ابن عباسٍ: ((إِذا اسْتَقَمْتَ بنقدٍ فبعتَ بنقدٍ فلا بأسَ به، وإِذا استقمتَ فبعتَ بنسيئة فلاخيرَ فيه))(٤) قال أبو عبيد: استقمتَ بمعنى قوَّمتَ وهي لغةُ أهلِ مكةً؛ يقولون: استقمتُ المتاعَ، أي قوَّمتُه. قالَ: ومعنى الحديثِ أن يدفعَ الرجلُ الثوبَ فيقوِّمُهُ بثلاثينَ ثمَّ يقولُ: بَعْهُ فإِنَ زادَ عليها فلكَ. فإِنْ باعَه بأكثر من الثلاثينَ فانتقدَ فهو جائز ویاخذُ ما زادَ وإِنْ باعه بالنَّسيئةِ بأ کثر مما یبیعُہ بالنقد فالبیعُ مردودٌ غيرُ جائز. ق و و: قولُه تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةٌ إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] قيلَ: هيَ ولدُ الولد. ويُروَى أنَّ رجلاً شكا إلى الحسن بن علي رضي اللهُ عنهما - قَلَّةَ الولدِ - فقالَ له: أكثر الاستغفارَ. فَفَعَل فرُزْقَهُم. فقيلَ للحسنِ بنِ علي: من أينَ لكَ ذلك؟ فَقَالَ: من قولِه تعالى: ﴿ويا قومٍ اسْتَغْفِرِوا ربَّكم﴾ إِلى قولِه: ﴿ويزِدَكُمْ قوةٌ إِلى قوتِكُمْ﴾ وقيلَ: إِنَّ اللهَ قد ضمنَ أن يُعطي كلَّ واحدٍ منهُم من أنواعِ القوى قدرَ ما يستحقُه. والقوةُ تُستعملُ تارةً في معنى القُدرةِ، نحو: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بقوةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] وقيل: بعزيمةٍ وجدّ، قُولُه: ﴿ذِي قُوةٍ عندَ ذي العَرشِ﴾ [التكوير: ٢٠] قيلَ: يعني به جبريلَ، وهو الصحيحُ، وبلغَ من قوتِهِ أنْ حمْلَ سیعَ مدائنَ علی ریشةٍ من ريشهِ ثم (١) ديوانه ٦٥ . (٢) الفائق ٣٣٥/١ وغريب ابن الجوزي ٢٧١/٢ والنهاية ٤ /١٢٥. (٣) غريب ابن الجوزي ٢/ ٢٧١ والنهاية ٤ /١٣٥. (٤) الفائق ٣٨٥/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٧١/٢ والنهاية ٤ /١٢٥. ٣٥٩ باب القاف قلبَها. وجعلُه قوياً عندَ ذي العرشِ تَنبيهاً أنه إِذا اعتبرَ بالملأ الأعلى فقوتُه إِلى حدٍّ ما، ولذلك أفردَ القوةَ ونكَّرَها. وهذا بخلاف وصفه في موضعٍ آخرَ بقوله: ﴿عَلَّمه شديدٌ القُوى﴾ [النجم: ٥] يقولُ: إِنَّ جبريلٌ علَّمَ النبيَّيه ما أُوحِيَ به إِليهِ عن الله تعالى فناسب أن يصفه بشديد القُرى فعرَّفَه وجمَعه تنبيهاً أنه إذا اعتُبر بهذا العالمٍ وبالذين يُعلِّمهم ويفيدُهم هو كثيرُ القُرى عظيمُ القُدرة. قولُه: ﴿وَأَعِدّوا لهم ما استَطَعْتُم من قوةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قيلَ: هيَ الرميُّ، وقيل: إِنَّ ذلك مرفوعٌ إِلى رسولِ اللهَّهِ وقيلَ: هو السلاحُ والعُدَّةُ. ثم القوةُ تُستعملُ على أوجه(١) ، أحدُها: بمعنى القُدرة على الشيءِ والإِطاقةِ لهُ نحو: هو قويٌّ على عملٍ كذا، ومنه: ﴿خُذُوا ما آتَيْنَاكُم بقوةٍ﴾، الثاني: للتَّهُّؤُ الموجودِ في الشيءِ نحوُ قَولِنا: الإِنسانُ كاتبٌ بالقُوَّة. وأن يقالَ: النَّوى بالقوةِ نخلٌ أي أنه مُتَهيئ لأنْ يجيءَ منه ذلك. وأكثرُ مَن يستعملُ القوة بهذا المعنى الفلاسفةُ، ويقولونَ: ذلك على وجهين: أحدُهما أنْ يقالَ لما كانَ موجوداً، فيقالُ: كاتبٌ بالقوَّةِ أي معَه المعرفةُ لكنه ليس مُلتفتاً لها. والثاني: أنْ يقالَ: هو كاتبٌ بالقوة وليسَ معَه معرفةٌ بذلك ولكنّه قابلٌ للتعلُّم في الجملةِ، إِذ هو من جنسٍ يُمكن تعلّمُه ذلك. ويقابلونَها بالفعلِ فيقولون: هذا كاتبٌ بالفعلِ أي مُتلبِسٌ بذلك. قولُه تعالى: ﴿تَذكرةٌ لكم ومَتَاعاً للمُقْوِين﴾ [الواقعة: ٧٣] قيلَ: همُ الذين فَنِي زادُهم. وحقيقتُهم النازلونَ بالأرضِ القِواءِ، وهي القَفْرُ من الأرضِ؛ يقالُ: أَقوى الرجلُ: إِذا صارَ في قِواءٍ ، كأَتربَ: إِذا صارَ في التراب. ويقالُ لها القِيُّ أيضاً. وفي حديثٍ عائشةً رضي اللهُ عنها: ((وبي رُخِّصَ لكم في صَعِيدِ الأَقْواءِ))(٢) الأقواء: جمعُ قَواءٍ وهو القفرُ منَ الأرضِ، قالُه الهرويُّ وفيه نظرٌ من حيثُ إِنَّ فَعَالاً لا يطَرِدُ جمعُه على أفعال. وفي الحديثِ أيضاً؛ ((صَلَّى بأرضٍ فِيٍّ))(٢) والأصلُ قُوءٌ فقُلبتِ الواوُ الأولى ياءً ثم قُلبتِ الثانيةُ كذلك لأنه صارَ من بابٍ مِيِّتٍ وسيِّدٍ. وقيلَ: إِنما قيلَ: لهم مُقْوون لأنَّ من نزلَ بالقفرِ حصلَ له فقرٌ، وفي عبارةِ بعضِهِم (٤) وتُصوِّرَ من حالِ الحاصلِ فِي القَفْرِ الفَقْرُ، وهو تجانسٌ بديعٌ. (١) المفردات ٦٩٣ - ٦٩٤ . (٢) الفائق ١ /٥٧٧ والنهاية ١٢٧/٤ وغريب ابن الجوزي ٢٧٢/٢. (٣) غريب ابن الجوزي ٢٧٢/٢، ٢٧٦ والنهاية ٤ /١٣٦ والحديث لسلمان. (٤) المفردات ٦٩٤ . ٣٦٠ باب القاف واقتويتُه: أي استخدمتُه، وأنشدَ لعمرو بن كلثوم: [من الوافر] ١٣:١١ - متَى كنّا لأُمِّك مَقْتَوينا؟(١) : أي خدماً. وفي حديثٍ مسروقٍ: ((أنه أوصَى في جاريةٍ له أنْ قُولُوا لِبَنِيَّ: لا تَقْتَوُوها بينكم ولكنْ بيعوها ظاهرةً))(٢) إِنهم لا يستخدمونَها فإِنَّه قد تضيعُ مصلحتُها بسبب الاشتراك، إِذا يَتْكلُ كلُّ واحدٍ منهم على الآخر . وقد فسَّروهُ بغيرِ هذا؛ فقالَ النضرُ بنُ شميلٍ: يقالُ: بيني وبينَ فُلانٍ ثَوبٌ فتقاوَيناه. أي أعطيته به ثمناً أو أعطاني هو فأخذَه أحدُنا. وقد اقتويتُ منه الغلامَ الذي كان بيننا: إِذا اشتریتَ منه حُصَّتَه. قال أبو زيد (٢): إِذا كانَ الغلامُ أو الجاريةُ أو الدابةُ أو الدارُ بينَ رجلينٍ فقد تَقاوياها، وذلك إِذا قَوَّماها فقامتْ على ثمنٍ، فهُما في التَّقاوي سواءٌ. فإِذا اشْتَراها أحدُهُما فهوَ المُقْتوي دونَ صاحبهِ . وقد أَقواهُ البائعُ. والتَّقاوي والإِقواءُ والاقْتِواءُ يكونُ بينَ الشُّركاءِ، فأمّا في غيرِ الشَّركاءِ فلا. والإِقواءُ في الشعرِ أن يكونَ أحدُ الروبَّينِ مجروراً والآخرُ مرفوعاً. وقد تَرجم الهرويُّ ﴿المُقْوِيْنِ﴾ [الواقعة: ٧٣] للمُقْرين في مادة (ق وي) وليس بصحيحٍ بل هو من مادة ( ق و و). فصل القاف والياء ق ي ض: قولُه تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عن ذكرِ الرحمنِ نُقَيِّضُ (٤) له شيطاناً ﴾ [الزخرف: ٣٦] أي نُنَحِ ليستوليّ عليه استيلاءَ القشرة على البيضة. والقَيْضُ - بالضاد - قشرُ البيضِ. الأَعلى، وبالظاء شدةُ الحر. وقَيلَ: سيتالُه من حيثُ لاَ يحتسبُ. يقالُ: هو قيضٌ لهذا وقياضٌ له: أي مُساوٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لِهُم قُرَنَاءَ﴾ (١) البيت من معلقته في شرح المعلقات العشر ٢١٤ وجمهرة أشعار العرب ٧٩. (٢) الفائق ٢ /٣٨٦ والنهاية ١٢٨/٤ وغريب ابن الجوزي ٢٧٢/٢. (٣) النهاية ٤ /١٢٨. (٤) قرأ ابن عباس ( يُقَيِّضْ له شيطانٌ) القرطبي ١٦ /٩، وقرأ أبو عمرو وعاصم وشعبة وعلي والسلمي والأعمش ويعقوب وخلف ( يُقَيُضْ) الإتحاف ٣٨٦ والنشر ٣٦٩/٢.