النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب الفاء يفيءُ فَيْئاً وفُيُوءاً وفَيئة أي رجعَ، ومنه الفَيءُ وهو الظلُّ بعدَ الزوالِ خاصةً، والناسُ يطلقونَه على مطلقِ الظلِّ، وخطََّهم يعقوبُ ذاهباً إِلى أنه من الرجوعِ ولا رجوعَ إِلا بعدَ زوالٍ الشمسِ من جانبِ المشرقِ إِلى جانبِ المغربِ. وقولُه تعالى في المُولين: ﴿فإِنْ فاؤوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي رجعوا إلى ما امتنعوا منه من الوطءِ. والفيءُ من الكفارِ ما أُخذ منهم من غيرِ إِيجافِ خيلٍ ولا ركابٍ. والغنيمةُ عکسُه. قولُه: ﴿ ما أفاءَ اللهُ﴾ [الحشر: ٧] أي ما ردَّ اللهُ. ونقل الراغبُ عن بعضهم (١): وإِنما سُمي الفيءُ فيئاً تَشبيهاً بالفَيءِ الذي هو الظلُّ تَنْبيهاً أنَّ أشرفَ أعراض الدنيا يجري مَجْرى ظلِّ زائلٍ. وقد قيَّد بعضُهم الفيءَ بالرجوعِ إِلى حالةٍ محمودةٍ؛ فكلٌّ فيءٍ رجوعٌ، وليس كلٌّ رجوعٍ فيئاً. ويقالُ: يا زيدُ فِيْ، نحوُ بِعْ، ويا هندُ فِيئي ، نحوُ بيعي، قالَ الشاعر: [ من الطويل] ذواتَ العُيون والبَنَانِ المُخضَّب(٢) ١٢٢٩ - فقلتُ لها: فيئي لِما يَستفرَّني وقد تقدَّم أنَّ بعضَهم جعلَ الفئةَ بمعنى الجماعةِ من هذه المادة، وذكرنا ذلك عندَ مادة ف أي فالتفتْ إِليه. وقولُه: ﴿يَتَفيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] أي تنتقلُ وترجعُ، وذلك أنَّ الظلَّ يرجعُ على كلِّ شيءٍ من جوانبهِ. ف ي ض : قولُه تعالى: ﴿بما تُفيضونَ فیهِ ﴾ [الأحقاف:٨] أي تتحدثون وتجولون، وهو استعارةٌ بديعة وذلك أنه مأخوذٌ من فاضَ الماءُ: إِذا سالَ، وأفضتُه أنا: أسلتُه فَيضاً. وأفاضُوا في الحديث: أي خاضوا فيه ودخلوه دخولهم في الماءِ، فهو كاستعارةِ الخوضِ سَواء. وحديثٌ مُستفاضٌ على المجازِ. وأَفاضَ القداحَ أي أجالَها. وقولُه تَعالى: ﴿فإِذا (١) المفردات ٦٥٠. (٢) البيت لعلقمة في ديوانه ٨٣. ٢٦٢ باب الفاء أَفَضْتُم من عَرفاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقولُه: ﴿ثم أَفيضُوا من حيثُ أفاضَ الناسُ﴾ أي جئتُم منها تَشبيهاً لها بالفائضِ من مَقْرِّه. والفَيضُ: الماءُ الكثيرُ، وفي المثل: أعطاهُ غَيضاً(١) من فَيَضٍ؛ أي قليلاً من كثير. وقولُهم: رجلٌ فَيَاضٌ أي سَخِيٌّ. والفَيضُ: العطاءُ. ودرعٌ مَفاضَةٌ، أي أُفيضَتْ على لابسها كقولهم: درعٌ مَسْئونةٌ أي سُنَّت عليه، كقولهِ تعالى: ﴿مِن حَماً مَسْنونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أي مصبوبٍ. في أحدٍ تأويلاتهِ، وقد تقدَّم ذلك. ف ي ل: قوله تعالى: ﴿ألم تَرَكيفَ فعلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيلِ﴾ [الفيل: ١] هو هذا الحيوانُ المعروفُ، وجمعُه فِيَلةٌ وفُيول، ولهُ فهمٌ عجيبٌ يقربُ من فهم الآدميِّ، وقصتُه مشهورةٌ، وقد وُلد تَُّ على رأسٍ أربعينَ من قصةِ الفيل؛ قيل: اسمُهُ محمودٌ وصاحبُه أبرهةُ الأَشرمُ. قالت عائشةُ رضي اللّه عنها: «رأيتُ سائسَ الفيلِ وقائدَه أعميينٍ يشحذانٍ بمکةَ» وقد ذكرنا قصةً بطولها في التفسير . . ويقالُ: رجلٌ فَيْلُ الرأي: أي ضعيفُهِ. والمُقايلةُ: لعبةٌ للعربِ يُخَبعون الشيءَ في التراب ثم يجعلونَه غُرماً؛ فمن ظفرَ به فهوَ لهُ. (١) تقدم في مادة ((غيض) = ٢٦٣ باب القاف فصل القاف والباء ق ب ح: قولُه تعالى: ﴿ويومَ القيامةِ هُم مَن المَقْبوحين﴾ [القصص: ٤٢] قيلَ: المُبعدين. يقالُ: قَّحه اللهُ أي أبعدَه. والقبحُ: الإِبعادُ، قالَه الهرويُّ. وقَّح اللهُ وجهَ فلان: أي أبعدَه من الخيرِ. وفي الحديث: ((لا تُقَبِّحوا الوجْه))(١) أي لا تَنْسبوه إلى القبحِ لأنَّ اللهَ صوَّره وقد أحْسَنَ كلَّ شيءٍ خلقه، والظاهرِ أنه بمعنى لا تَعيبوه. وفي حديثٍ أمِّ زرع: ((وعندَه أقولُ فلا أُقْبَّحُ))(٢) أي لا يعابُ قَولي ولا يُرَدُّ لمعزَّتي عنده. وقيلَ: لا يقالُ لي: قبَّحكِ اللهُ. يقالُ: قَبَّحت فلاناً بالتشديد أي قلتُ له: قبَّحك اللهُ. قال الهرويُّ: تقولُ: جزيتُه الجزاءَ أي قلتُ له: جزاكَ اللهُ خيراً. وقيلَ: القُبح: التَّنحيةُ والإِزالةُ؛ يقالُ: قَبَحه اللهُ عن الخيرِ: أي نَحَّهُ وأزالَه، وهذا عندي يرجعُ إِلى معنى الإبعادِ . وقيلَ: القبيحُ: ما يَنْبُو عنه البصرُ من الأعيان، والنفسُ من الأعمال والأحوال. وقد قُبُحَ قَباحةً فهو قبيحٌ. فقوله: ﴿هم من المَقْبوحين﴾ أي المَوسومين بحالٍ منكرة، وذلك إشارةٌ إِلى ما وَصف اللهُ تعالى به الكفارَ من الرَّجاسَةِ والنَّجاسة إِلى غيرِ ذلك من الصفاتِ الذَّميمةَ، وما وَصفَهم به من اسْوِدادِ الوجوه وزُرقةِ العُيون وسَحْبِهم بالأغلال والسلاسل. والقبيحُ أيضاً: اسمٌ للعظم الذي هوَ في الساعدِ ممّا يلي النُّصْفَ منه إِلى المِرْفَق، يقالُ: قُبُحَ يَقْبُحِ قُبحاً فهو قبيحٌ. قال الشاعر: [ من الرجز] ١٢٣٠ - قُبُحتِ من سالفةٍ ومِن صُدُغْ(٣) (١) مسند أحمد ٤ /٤٤٧، ٣/٥. (٢) أخرجه البخاري في النكاح، ( ٨٢) باب حسن المعاشرة ٤٨٩٣، ومسلم في فضائل الصحابة ٢٤٤٨. (٣) الرجز دون عزو في اللسان والتاج (صقع، صفغ، صدغ، سقع)، وفي الجمهرة ٣ / ٧٠لجواس بن هريم ، وبعده: ( كأنها كشية ضب في صفغ). ويروى (في صقع)). ٢٦٤ باب القاف ق ب ر: قولُه تعالى: ﴿ثم أماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي جعلَ له مكاناً يُقْبِرُ فيه، نحوُ أَسقيتُه: أي جعلتُ له ما يُسقَى منه. وقيلَ: معناهُ أَلهمَه كيفَ يُدْفنُ، وذلك نحوُ بعثه الغرابَ باحثاً ودافناً لآخرَ مثلَه لِيُعلّمَ بني آدمَ ذلك، وسائرُ الحيوانِ غيرَ الآدميِّ يُلْقَى على وجه الأرض. يقالُ: قَبرتُه أي دفتنُهُ في اللحد، وأقبرتُه: أي جعلتُ له قبراً. والقبرُ: مستقرُّ المَيِّت ومصدرُ قبرتُه أيضاً. والمَقبرة والمقبرة والمقبرة، مثلثةُ العين: موضعُ القبورِ وجمعها مقابرُ، كقوله تعالى: ﴿حتَّى زُرْتُم المقابرَ﴾ [التكاثر: ٢] ومعناهُ حتى أدركَكُم الموتُ وأنتم على حالة الغفلة. وقيلَ: تَفاخروا حتى ذَكروا أسلافَهم وصنائعَهم وما كانوا عليه من فعلٍ الميسرِ وإِطعامِ المحتاجِ وفكِّ العناةِ وغيرِ ذلك. وقولُه: ﴿أَفَلا يَعْلِمُ إِذا بُعِثِرَ ما في القُبورِ﴾ [العاديات: ٩] إِشارةٌ إِلى البعث والنُّشور، وذلكَ بأنْ يقومَ الناسُ مِن قبورِهِم فتُبعثرَ قبورُهُم التي كانوا فيها، كلٌّ منْهُم ينفضُ الترابَ عن رأسهِ. وقيلَ: ذلكَ كنايةٌ عن كشفه السرائر، وذلك أنَّ أحوال الناس ما داموا في الدنيا مستورةٌ عليهم كأنها مقبورةٌ، فإِذا بُعثوا ظهرتِ المخبَآتُ وبانتِ الفضائحُ. نسألُ اللّهَ الباعثَ الوارثَ أن يستر علينا في الآخرةِ ما ستر في الدنيا. وقيلَ(١): ذلك كنايةٌ عن إزالة الجهالة بالموت، وكأنَّ الكافرَ والجاهلَ ما داماً في الدنيا مقبورينِ فإِذا ماتا تيقّنا الحقَّ وظهرَ لهُما ما كان مستوراً عنهما. فجعلَ القبورَ كنايةً عن ذلك، وذلك بحسب ما رُويَ: ((الناسُ نيامٌ فإِذا ماتوا انتبهوا))(٢). وإِلى هذا المعنى أشارَ تعالى بقوله: ﴿وما أنتَ بمُسمِعٍ مّن في القُبور﴾ [فاطر: ٢٢] أي الذين هُم في حُكم الأمواتِ. وفي حديثِ ابنِ عباس ((أنَّ الدجالَ وُلد مَقْبُوراً)) (٣) قال ثعلبٌ: المعنى أنها وضعتْه وعليه جلدةٌ مُصْمتَةٌ ليس فيها نَقْب. فقالتْ قابلتُه: هذه سُلعَةٌ وليستْ ولداً. فقالتْ أمُّه: بل فيها ولدٌ، فشقُّوها، فاستهلَّ صارخاً . (١) المفردات ٦٥١. (٢) القول للإِمام علي في كشف الخفاء ٣١٢/٢. (٣) النهاية ٤ / ٤ وغريب ابن الجوزي ٢١٦/٢، وفيهما قول ثعلب. ٢٦٥ باب القاف ق ب س: قولُه تعالى: ﴿بشهابٍ قبسٍ﴾ [النمل: ٧] القبسُ: ما اقتُبسَ من النار، وهوَ أن يأخذَ ناراً في طرفٍ عودٍ أو خشبةٍ أو نحوهما. يقالُ: اقتبسَ ناراً يَقْتبسها اقتباساً. وتلكَ النارُ هي القبسُ وهي الجُذْوة أيضاً. ويقالُ: قَبستُه ناراً وأقبسْتُه علماً ؛ ففرّقُوا بفَعَل وأَفعل بين هذينِ المفعولين؛ هذا نقلُّ الهرويِّ. ونقلَ الراغبُ أنه يقال أقبستُه ناراً وعلماً أي أعطيتُه، فسوَّى بينَهما . والاقتباسُ: طلبُ ذلك، وقد يستعارُ لطلبِ العلمِ والهداية، قال تعالى: ﴿انْظُرونا نَقْتبسْ من نورِكم﴾ [الحديد: ١٣]. والقبيسُ: فحلٌ سريعُ الإِلقاح، تشبيهاً بالنارِ لسرعته. وقُرِئَ قولُه تعالى: ﴿بشهابٍ قبسٍ﴾ بالتنوينِ والإِضافة(١)؛ فعلى الأولى يكونُ القبسُ بدلاً، وعلى الثانية يكونُ إِضافةً بيانٍ، أو الشهابِ قبسٍ، وغيرِهِ. ق ب ض: قولُه تعالى: ﴿والأرضُ جَميعاً قَبْضتُه(٢)﴾ [الزمر: ٦٧]. هذا عبارةٌ عن كونه تعالى مالكَ الملك في وقتٍ ليس لأحدٍ فيه ملكٌ، وأنَّ الأرضَ في حَوزتِهِ وتحتَ قهرهِ وسلطانه. كما يقالُ: قبضتُ الدارَ وأرضَ البلد الفلانية، يعني أنني حزتُها وملكتُها وهي تحتَ سُلطني ولا قبضَ حقيقياً، ثم من كونهِ مُتناولاً بجميعِ اليد، وذلك أنَّ أصلَ القبضِ التناولُ بجميعِ الكفِّ، وبالصادِ المهملة: بأطراف الأصابع، وقد قُرئَّ ﴿قبضةً﴾ [ طه: ٩٦] بالمعجمة والمهملة(٣)؛ فالقبضُ والقبصُ هنا حقيقةٌ لأنه تناولُ الجزءِ من الأرضِ إِمّا بكفُه جميعه وإِما ببعضه . واستُعير القبضُ لمنعِ المالِ والعطاءِ كقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضون أيدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي يمنعون من الإِنفاق. وقد يستعارُ القبضُ لتحصيلِ الشيءٍ وإِن لم يكنْ (١) قرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن كثير ونافع والحسن وأبو جعفر وخلف (بشهاب قبسٍ) الإتحاف ٣٣٥ والنشر ٣٣٧/٢ والسبعة ٤٧٨. (٢) قرأ الحسن (قبضته) الإتحاف ٣٧٧، وقرئت (وقبضته!والأرض جميعاً يوم القيامة ) مختصرابن خالويه ٠١٣٢ (٣) قرأ ابن مسعود وأُبيّ وابن الزبير والحسن وقتادة ونصر بن عاصم وأبو رجاء (فقبصت قبصة) الإتحاف ٣٠٧ والمحتسب ٥٥/٢ والبحر المحيط ٢٧٣/٦. ٢٦٦ باب القاف تناولٌ، نحوُ: ﴿ ثم قَبِضْنَاهُ إِلينا قَبضاً يَسيراً﴾ [الفرقان: ٤٦] أي نَسخنا الشمسَ بالظلِّ وجعلناهُ مَكانَها . ويستعارُ أيضاً للعَدْو تشبيهاً للعادي بالمتناول شيئاً من الأرض. قولُه تعالى: ﴿وَاللهُ يقبُضُ ويبسُطُ ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أي يعطي هذا ويمنع هذا، ويعطي تارةً ويسلُبُ أخرى، أو يجمعُ مرةً ويفرِّق أخرى. ويُكنَّى بالموتِ عنِ القبضِ، نحوُ: قبضه اللهُ. ومن هذا النحوِ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ما مِن آدميٌّ إِلا وقلبُهُ بينَ إِصبعينٍ من أصابع الرحمن))(١) أي اللهُ قادرٌ على التصرُّفِ في أشرف جزءٍ منه، فكيفَ بباقي بدنه؟. والانقباضُ ضِدُّ الانبساطِ، ويعبَّرُ به عن حصولٍ مِّ يقبضُ على قلبِ الإِنسانِ استعارةٌ ومجازاً. ويعبَّرُ بالقبصِ المهملة عن القلّة. والقَبيصُ هو الشيءُ المقبوصُ. والقَبوصُ: الفرسُ الذي لا يَمسُّ في عدْوهِ الأرضَ إِلا بأطرافٍ سنابكهِ تَشبيهاً للمتناول للشيءٍ بأطراف أصابعهِ كاستعارة القبضِ لهُ في العَدْو. ق ب ل : قولُه تعالى: ﴿للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ﴾ [الروم: ٤] قبَلَ: ظرفُ زمانٍ يقتضي التقدُّمَ، ويقابلُ بعدُ. وقد تُقدَّم حكمهما في مادة (ب ع د) بالنسبة إِلى الإِعراب والبناءِ. وقيل: قبلُ يُستعمل في التُقدُّمِ المنفصلِ، ويضادُّه بعدُ. وقُبْل وقُبُل ويضادُّهما دُبْر ودُبْرِ، هذا في الأصل، وإِنْ كانَ قَد يُتَجَوَّرُ في كلِّ واحدٍ منهما. قال بعضُهم (٢): قبلُ تُستعملُ على أوجهٍ: أحدُها في المكانِ بحسَب الإِضافة فيقولُ الخارجُ من أصبهانَ إِلى مكةً: بغدادُ قبلَ الكوفة، والخارجُ من مكةَ إِليها: الكوفةُ قبلَ بغدادَ . الثاني في الزمان نحوُ: عَبدُ الملك قبلَ المنصور. الثالثُ في المنزلة نحوُ: عبدالملك قبلَ الحجّاج. الرابعُ في الترتيب الصِّناعيِّ نحوُ: تعلُمُ الهجاءِ قبلَ تعلمِ الخطِّ. والقُبل والدُّبر يستعملان كنايةً عن السَّوءتينِ باعتبارِ استقبالِ الوجهِ واستدبارهِ. القفا والإقبال: التوجه. نحوُ القُبُل كالاستقبالِ. والقابلُ: الذي يستقبلُ الدلوَ من اليد. والقابلةُ: (١) مسندأحمد ٤ /١٨٢. (٢) المفردات ٦٥٣. ٢٦٧ باب القاف التي تستقبلُ الولدَ عندَ خروجهِ من بطنِ أمِّه. وقبلَ اللهُ توبةَ عبده وعذَرَه وتقبَّلَه بمعنى أنه اعتدلهُ بما أتّى به وبما اعتذرَ به. والتقبُّلُ: قَبولُ الشيءٍ على وجهٍ يَقْتضي ثواباً كالهديَّة . وقولُه تعالى: ﴿إِنَّما يتقبَّلُ اللهُ منَ المَتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] تنبيهٌ على أنه ليس كلُّ عبادةٍ متقبِّلةً، بل إِنما تُتَقبَّلُ إِذا كانتْ على وجهٍ مخصوص. وقيلَ للكفالةِ قُبالةٌ فإِنَّ الكفالةً هي أوكدُ تقبُّلٍ، وباعتبارِ معنى الكفالةِ سُمي العهدُ المكتوبُ قُبالةً. قولُه تعالى: ﴿فتقبَّلَها ربُّها بقَبولٍ حَسنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي قَبِلها. وقيل: معناهُ تكفَّلَ بها، وقيلَ: معناهُ رضِيَها؛ تقولُ: قَبِلتُ الشيءَ أي رضيتُه. وإِنما قالَ: (( تقبَّلها)) بلفظِ الماضي دونَ المضارعِ، قال الراغبُ: للجمعِ بينَ الأمرين. التقبُّلُ: هو الترَّقي في القَبول، والقَبولُ الذي يَقْتضي الرِّضا والإثابة. وقيل: هوَ من قولِهِم: فلانٌ عليه قَبولّ: إِذا أحبَّه مَن رآهُ. قولُه: ﴿وَحَشَرِنا عليهِم كُلَّ شيءٍ قُبُلاً﴾ [الأنعام: ١١١] قُرئَ بضمَّتِينٍ (١)، وهو جمعُ قبيلٍ، ولذلك قالَ مجاهدٌ: معناه جماعةٌ جماعةً. وقال غيرُه: المعنى المقابلةُ، أي لو حَشرنا عَليهم كلَّ شيءٍ فقابلَهُم مقابلةً، وقيلَ: هو جمعُ قبيلٍ أيضاً لكن بمعنى الكفيل، والمعنى مقابلٌ لحواسِّهم. وقيلَ: قبلاً بكسرة وفتحة، ومعناه عياناً جَهاراً. قولُه تعالى: ﴿أو تأتيَ باللهِ والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] قالَ ابنُ عرفةً: أي جميعاً. وأَنشدَ للسموءَل، وقيل لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: [من الطويل] فتُغْمَدَ حتى يُستباحَ قَبِيلُ(٢) ١٢٣١ - مُعوَّدَةٌ ألا تُسَلَّ نصالُها وقال آخرون: معناه كفيلاً، أي يأتي بِهم كفيلاً بما يقولُ ويدَّعي. وفعيلٌ يَستوي فيه الواحدُ والجمعُ حسْبَما قرَّرْناهُ في غيرِ هذا الموضع. (١) قرأ بها ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. الإتحاف ٢١٥، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حُوة (قُبْلاً)، وقرأ أُبِيّ والأعمش (قبيلاً)، وقّاً ابن مصرف (قَبْلاً) البحر المحيط٥ /٢٠٥، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (قِبَلاً) الإتحاف ٢١٥ والنشر ٢٦١/٢. (٢) البيت للسمول في ديوانه ٩٢. ٢٦٨ باب القاف قولُه: ﴿وَجَعَلناكم شعوباً وقبائل﴾ [الحجرات: ١٣]. الشعوبُ في العجم كالقبائلِ في العرب وكالأسباطِ في بني إِسرائيل، وهو جمعُ قَبيل، والقبيلةُ: الجماعةُ المجتمعةُ التي يُقبلُ بعضُها على بعضٍ، وفي المثلِ: ((فلانٌ لا يعرِفُ القَبِيلَ مِنَ الدَّبير))(١) أي ما أقبلتْ به المرأة من غَزْلِها وما أَدبرتْ به. والمقابلةُ والتقابُلُ أنْ يُقْبِلَ بعضُهم على بعضٍ إِمّا بالذاتِ وإِما بالعناية والتوقُّر، ومنه قوله تعالى في وصفِ أهلِ الجنةِ: ﴿مُّكِئِينَ عليها مُتقابلين(٢)﴾ [الواقعة: ١٦]، في الحديث: ((لا يَرى أحدٌّ ظهرَ آخِرَ). قولُه تعالى: ﴿فمالِ الذينَ كَفَروا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦]. قُبُلُ الرجلِ: مكانه وجهتُه حقيقةٌ أو مجازاً نحوُ عندَ؛ فإِنَّ العنديَّةَ تكون حقيقيةً ومجازيةٌ. ويقالُ: لي فِي قِبَلٍ فلانٍ حَقٌّ، أي عندَه، ويستعارُ بذلك القوة والقدرة والطاقة على المقابلة أي المجازاة كقوله تعالى: ﴿فِلِنأتِيَنَّهم بجنودٍ لا قَلَ لَهُم بها﴾ [النمل: ٣٧] أي لا طاقة لهم على استقبالها ودفاعها. وقولُه تعالى: ﴿وجاءَ فرعونُ وَمَن قَبْلَه(٢) ﴾ [ الحاقة : ٩ ] أي ومن في جهتِه، ولذلك قال المفسرون وأتباعُه. قبولُه: ﴿إِنه يَراكُمْ هَوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] أي جماعتُه وجندُه، وقال الأزهريُّ: القبيلُ: الجماعةُ ليسوا من أبٍ واحدٍ، وجمعُهُ قُبُلٌ، فإِذا كانوا من أبٍ واحد فهم قبيلةٌ. وقد سَوَّى ابنُ عرفَة بينَهما فقالَ: يقالُ: قبيلةٌ وَقَبِيلٌ. قولُه تعالى: ﴿فلنُولُيَنَّك قِبلةُ تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] يريدُ الكعبة. وأَصِلُ القِيلةِ الجهةُ؛ سُميتْ بذلك لأنَّها تُقابلُ المصلَّى ويقابلُها، ومنه: أينَ قِبْلتُك؟ أي جهتُك. وقيلَ: القِبلةُ في الأصلِ: اسمٌ للحالة التي عليها المقابِلُ نحوُ الجلسةِ والقِعدة، وفي التعارف صارَ اسماً للمكانِ المُقَابَلِ المتوجَّه إِليهِ للصلاة. والقَبولُ: ريحُ الصََّاءُ وإِنَّما سُميتْ بذلك لاستقبالها القبلةَ. وشاةٌ مُقَابَلَةٌ: قُطِعٍ من قبَل أُذُنَها؛ وفي الحديث: ((نَهى أنْ يُضحَّى بشرقاءَ أو خرقاءَ أو مُقابِلَة))(٤). قالَ (١) المثل في اللسان والتاج (دبر). ويروى في كتب الأمثال: ((ما يعرف قبيلاً من دبير))، وانظر مجمع الأمثال ٢ / ٢٦٩ وفصل المقال ١٩ والمستقصى ٣٣٧/٢ وجمهرة الأمثال ٢٨٦/٢ والأمثال للضبي ٤٠. (٢) قرأ ابن مسعود (ناعمين) الطبري ٢٧ /١٠٠. (٣) قرأ الكسائي وعاصم وحمزة والحب واليزيدي وأبو رجاء وطلحة وشعبة وأبو حاتم وأبو عمرو (ومَنْ قَبَلَهُ) النشر ٣٨٩/٢ والسبعة ٦٤٨، وقرأ أُبيّ وابن مسعود (ومَنْ معه) القرطبي ٨ /٢٦٢. (٤) غريب ابن الجوزي ٢ /٢١٧ والنهاية ٤ /٨ والفائق ٦٤٦/١. ٢٦٩ باب القاف الأصمعيُّ: هي أنْ يُقُطعَ طرفُ أذُنِها ويتركَ معلّقاً من غيرِ بَيْنونةٍ كأنه زَنَمَةٌ. وقِبالُ النَّعلِ: زِمامُها. وقد قابلتُها: جعلتُ لها قبالاً، والقُبالُ أيضاً الناصيةُ، وفي حديث الدجّال: ((أنه رأى دابَّةً يُواريها شَعَرُها فقالَ: ما أنت؟ قالتْ: أنا الجسَّاسَةُ أهدَبُ القُبال))(١) تريدُ كثرةً الشعرِ في ناصيتها. وقبالُ كلِّ شيءٍ وَقَبَّلُه: ما يَستقبلُكَ منه، وفي الحديث: ((من أشراطِ الساعة أن يُرَى الهلالُ قَبَلاً)(٢) أي مُعاينةٌ. والقَبَلُ أيضاً: الفَحَجُ. والقَبَلةُ: خَرَزَةٌ يزعمُ الساحرُ أنَّها تُقْبِل بالإنسان على وجه الآخر. ومنهُ القُبْلةُ، وجمعُها قُبَلٌ وفي الحديث: ((مِن قُبلةِ الرجلِ امرأته الوضوءُ)»(٣) أي مِن تقبيلهِ إِياها. وتكلّم فلانٌ قَبَّلاً، أي لم يستعدَّ لُهُ لأنه ... (٤) وارتجلَه. وفي الحديث: ((رأيتُ عَقيلاً يَقْبَلُ غَرْبَ زَمْزُم))(٥) أي يستقبلُها. فصل القاف والتاء ق ت ر: قولُه تعالى: ﴿والذين إِذا أَنْفَقوا لم يُسْرِفوا ولم يَقْتُروا (٦)﴾ [الفرقان: ٦٧] أي لم يُضيِّقوا. والقَتْرُ: التضييقُ؛ يقالُ: قترتُ الشيءَ وأَقْترتُه وَتَّرَتُه أي ضَيَّقْتُ الإِنفاقَ فيه. ورجلٌ قَتَورٌ ومُقْتِرٌ. وقَتورٌ صيغةُ مبالغة؛ قال تعالى: ﴿وكانَ الإِنسانُ قَتوراً﴾ [الإسراء: ١٠٠] وفيه تنبيهٌ على ما جُبل عليه الإِنسانُ من البُخل، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحُ﴾ [النساء: ١٢٨]. قولُه تعالى: ﴿وعلى المُفْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي وعلى الفقيرِ الذي ضُيِّق عليه رزقُه كقوله: ﴿ومن قُدِرَ عليه رزقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] قيلَ: وأصلُ ذلك منَ القُتار، وهو الدُّخانُ من الشِّواء والعُود، فكأنَّ المُقْتِرَ والمُقَتِّرَ هو المتناولُ من الشيءِ قُتَارَه. (١) الفائق ١ /٥٤٦ وغريب ابن الجوزي ٢١٧/٢ والنهاية ٢٧٢/١، ٨/٤ (٢) غريب ابن الجوزي ٢١٧/٢ والنهاية ٤ /٨. (٣) ذكره الإمام مالك في الموطأ، الطهارة (٦٥). (٤) بياض في الأصل، ولعل الكلمة هي ((استأنفه)). (٥) غريب ابن الجوزي ٢١٧/٢ والنهاية ٤ /٩. (٦) قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو جعفر وشعبة (يُقْتِروا)، وقرأ ابن كثير أبو عمر وابن محيصن والحسن واليزيدي (يَقْتِروا)، وقرأ نافع وابن عامر (يُقْتِّروا) البحر المحيط ٥١٤/٦ والإتحاف ٣٣٠ والنشر ٣٣٤/٢. ٢٧٠ باب القاف قولُه تعالى: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] أي دخانٌ يَغْشی وجوهَهم، وذلك إشارةٌ إِلى ما يرسلُه اللّه تعالى عليهم من اسودادِ الوجوهِ وزُرقة العيون، كقوله: ﴿فأمّا الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهم﴾ [آل عمران: ١٠٦] ليعرفوا مَن الموفَّقُ، نسألُ اللهَ العظيمَ مالكَ أمرِ ذلك اليومِ أن يبيِّضَ وجوهَنا وصحائفَنا. والقَتَرةُ: ناموسُ الصائد الحافظِ لقُتارِ الإِنسانِ أي الريح، لأنَّ الصائِدَ يجتهدُ في إِخفاءِ ريحه عن الصِّيدِ لئلا ينفِرَ ويَنِدَّ . ورجلٌ قاترٌ: ضعيفٌ، كأنه لخفَّته من ضعفه صارَ بمنزلةِ القُتار كقولك هو هَبَاءٌ. وابنُ قِتْرة: نوعٌ من الحيّاتِ، سُمي بذلك لخفتِهِ وسُرعةٍ وثوبه. والقَتيرُ: رؤوسُ: مساميرِ الدرعِ. ويقال: قَتَر يَقْتِر ويقتُر بالكسر والضم وقُرئَ بهما. وكان بنو عبد الملك يحسدون عمرَ بنَ عبد العزیز علی کلامه، فجاءً يوماً وبنو عبد الملك عنده فسأله عن حاله، فقال كالحسنة بينَ السيئتين، يشير إلى قوله: ﴿لم يُسرفوا ولم يَقْتُرُوا وَكَانَ بِينَ ذلك قواماً﴾. وفي الحديث: ((أنَّ أبا طلحةً كان يَرَمي والنبيُّ مَلٌ يُقَتِّرَ بِينَ يديهِ النصالَ ﴾(١) أي يُسوِّيها. والإِقتارُ: سهامٌ صغارٌ، والقتْرُ: نصالُ الأهداف. وقيلَ: يجمَعُ لهُ الحصى والترابَ يَجْعلُه قُتَراً. وفي الحديث: ((تعوَّذوا باللهِ مِن قِبْرةَ وما وَلَد))(٢) يَعني من إِبليسَ، وقِتْرةُ لقبٌ لهُ كأنه لُقِّب باسمِ الحيةِ الخبيثة. والقَتِيرُ: الشَّيبُ، وفي الحديث: ((قال: قد رأت القَتيرَ. قالَ: دَعْها))(٢) قال الشاعرُ: [من الكامل] ١٢٣٢ - شابَ المفارقُ واكتسَيْنَ قَتيراً(٤) وذلك على التشبيه بالاشتعال من الدخان ونحوه، وقد ذُکر ذلك في لسانهم. (١) الفائق ٣١١/٢ والنهاية ٤ /١٨ وغريب ابن الجوزي ٢١٨/٢. (٢) الفائق ١٨٥/٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٢١٩ والنهاية ٤ /١٢. (٣) مسند أحمد ٣٣٦/٦. (٤) عجز بيت لجرير في ديوانه ٢٢٧ واللسان (صلب، عثن) وسيبويه ٣ /٤٨٤، وصدره: ( قال العواذل ما لجهلك بعدما ) . ٢٧١ باب القاف ق ت ل: قولُّه تعالى: ﴿فَاقْتُلوا(١) أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أصلُ القتلِ إزالةُ الروح كالموتِ. قال الراغبُ(٢): لكنْ إِذا اعتُبرَ بفعلِ المتولّي لذلك يقالُ له قَتْلٌ. وإِذا اعتُبرَ بفوات الحياة يقالُ له موتٌ. ومعنى قولهِ: ﴿فاقتُلُوا أَنفسَكُمْ﴾ أي ليقتلْ بعضكم بعضاً؛ ولذلك رُوي في القصةِ أنَّه أمرَ مَن لم يعصِ أن يَقتُلَ مَن عصَى فبقيَ القاتلُ يرى أباهُ وأخاه فلا يقدمُ عليه. فأرسلَ اللهُ عليهم ضَباباً منعهم من رؤية بعضهم بعضاً حتى كادوا يَفْنون(٣). وقيلَ: بل كلٌّ واحدٍ أُمرَ بقتلٍ نفسهِ بيدهِ، والظاهرُ الأولُ كقولهِ: ﴿فِسَلْموا على أنفُسِكُمْ﴾ [ النور: ٦١]. والثاني أبلغُ في المعنى. وقيل: المعنىَ فاقتُلوها بإماطةِ الشهواتِ، وهذا يشبهُ تفسيرَ بعضِ أهلِ التصوُّفِ وليس بظاهرٍ، إِذ تردُّه القصصُ والآثارُ. قولُه تعالى: ﴿وَمَا قَتَلوه يَقيناً﴾ [النساء: ١٥٧]. قيلَ: معناهُ ما عَلموا صَلْبَه علماً يقيناً على الاستعارة من قولهم: قتلتُه علماً وخبرةً. وقَتَلتُ فلاناً، وقَتَّلْتُه أي ذَلَّتُه أي صيّرتُه بمنزلةِ القتيلٍ. وقيل: المعنى وما قَتلوا عيسى قتلَ يقينٍ، بل هو ظنِّ وشُبهةٌ لقوله: ﴿ولكنْ شُبِه لهم﴾. وقوله: ﴿قُتِلِ(٤) الخَرَّاصون﴾ [الذاريات: ١٠]، ﴿قُتِلِ الإِنسانُ ما أَكَفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] لفظُه خبرٌ ومعناهُ الدُّعاءُ، ومعناهُ إِيجادُ ذلك من الله بهم. وقيلَ: هذا يستعملُ في تعظيم الشيءٍ نحوُ: قاتَلُهُ اللهُ! وقتله اللّه ما أشجعه! ومنه: (( وَيْلُمُّه! مسْعَرُ حرب))(٥). وقولُه: ﴿قاتَلَهُم اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُون﴾ [التوبة: ٣٠] قيل معناهُ لعنَهُم، وقيلَ: قَتَلهم، نحوُ: عاقبتُ اللصَّ. والأظهرُ أنَّ المفاعلةَ فيه مُنْبهةٌ على أنَّ الفعل ◌ُولغَ فيه بحيثُ إِنه صدرَ من اثنينٍ. وقد حقَّقْنا عند قوله: ﴿يُخادعونَ اللهَ﴾. (١) قرأ قتادة (فاقتالوا) المحتسب ١ /٨٣. (٢) المفردات ٦٥٥. (٣) تفسير ابن كثير ٩٦. (٤) قرئت (قَتَلَ الخرّاصين) الكشاف ٤ /١٥. (٥) أخرجه البخاري في الشروط، (١٥) باب الشروط في الجهاد ٢٥٨١، وتقدم الحديث في (أم م، س ع ر ) . ٢٧٢ باب القاف وقتلتُ الخمرَ بالماءِ: أي مزجْتُها لكسرِ سَورتِها، تشبيهاً بقتلِ الحيِّ، وكذلك قالَ بعضُهم، والصحيحُ أن ذلك هو المُفاعلةُ، والمعنى صارَ بحيثُ يتصدَّى لمحاربة اللّه تعالى؛ فإِنَّ مَن قاتلَ اللهَ تعالى فمقتولٌ، ومَن غالبَه فمغلوبٌ. وذلك أن المفاعلةَ المحاربةٌ وتحرِّي القتل، ولذلك قال تعالى: ﴿قاتِلوا الذينَ يَلُونَكم﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله: ﴿ولا تُقاتِلوهُم عندَ المسجد الحرامِ حتَّى يُقاتِلوكُم فيه فإِنْ قاتَلُوكُم فاقتلوهُم﴾ [البقرة: ١٩١] قرئَ: (ولا تَقْتلوهم .... فإِنْ قَتَلوكُمْ))(١) بالفعلِ والمفاعلةِ، ومعناهما واضحٌ، إلا أن معنى قولهِ: ﴿فإِنْ قَتلوكم ... فاقتلوهم﴾، أي فإِنْ قَتلوا بَعضكُم، أو فإِنْ عَزَمُوا وشارَقوا قَتْلكم وتحقَّقْتم منهم ذلك أو غلب على ظنكم، وإلا فبعدَ أن تقتلوا كلَّهم حقيقةٌ يستحيلُ أن تَقتلوا بعدَ ذلك غيرهم، وقال ابنُ عرفَة: وهذا من فصيحِ الكلام؛ يقالُ: قَتَلُنا بنو فلان: أي قتلوا منا، وأنشد الأخطل: [من الوافر] بقتلى من يقثِّلنا رياح(٢) ١٢٣٣ - لقد بلغوا الشِّفَاءَ فخيرونا قولُهِ: ﴿وَلا تَقْتَلُوا(٣) أولادَكُم خشيةَ إِمِلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] قيل: عنَى نه وأدَ البنات، وكانت مَحاويجُهم تفعلُه. وقيلَ: عنَى بذلك العَزْلَ في الوطءِ، ولذلك سمَّاهُ النبيُّ نَّهُ: ((الوادُ الخفيِ)) (٤). ولذلك اختُلفَ في جوازهٍ في الحرَّة إلا بإذنها. وقيلَ: معناهُ النَّهيُ عن منعِ تعليمِ الأولادِ العلمَ، واشتغالهم بالحرفِ المُلهية عن العلم خشيةً الفقرِ؛ فإِنّ الجاهلَ ميتٌ وإِنْ كان حيّاً، ويؤيدهُ قولُه تعالى: ﴿أُوَ مَن كان مَيْتاً فأحيَّيْنَاهُ وَجَعِلْنا لَهُ نُوراً. يَمْشي بهِ في الناسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآية، وإليه نظرً من قال: [ من البسيط] ١٢٣٤ - وعاشَ قومُ وهُمْ في الناسِ أَمواتُ(٥) وقد وصفَهم بذلك حيثُ قالَ تعالى: ﴿أمواتٌ غيرُ أحياءٍ وما يَشْعِرون أيَّانَ يُبْعثون﴾ [النحل: ٢١]. (١) قرأ بها حمزة والكسائي والأعمش وابن مسعود. الإتحاف ١٥٥، والنشر ٢٢٦/٢ والسبعة ١٧٩. (٢) البيت ليس في ديوانه :. (٣) قرأ الأعمش وابن وثاب (تُقَتِّلوا) البحر المحيط ٦ /٣٢. (٤) أخرجه البخاري في الاستقراض، (١٩) باب ما ينهى عن إضاعة المال ٢٢٧٧، وأعاده في الأدب ٥٦٣٠، وأخرجه مسلم في الأقضية ٥٩٣ ومسند أحمد ٤ /٢٥١. (٥) لم أعتد إِليه . ٢٧٣ باب القاف قولُه تعالى: ﴿لا تَقْتلوا الصَّيْدَ وَأنْتُم حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ذكرَ القتلَ دونَ الذَّبح والزكاة وغيرهما، وهو أعمُّها، وفيه تنبيهً على أن تفويتَ روحهِ على جميعِ الوجوهِ محظورٌ. وأَقْتَلْتُه: عرَّضتُه للقتلِ، نحوُ أَبْعَثْتُه. واقْتَتَله العِشقُ والجنُّ، ولا يقالُ في غيرِهما. والاقْتالُ كالمُقاتلة، كقولهِ تعالى: ﴿وإِنْ طائفتان من المؤمنينَ اقْتَتَلوا (١)﴾ [ الحجرات: ٩]. قوله تعالى: ﴿يَسْألونك عن الشهرِ الحرامِ قتالٍ (٢) فيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي يسألونَك عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ، وإِنَّما أبرزَه في هذا التركيبِ لِما يروعُ السامعَ من فظاعةِ الكلامِ، ورونقِ هذا الأسلوب فأتَّى بالظرفِ مسؤولاً عنه وأبدلَ منهِ حدَثَه الواقع فيه، وفيه مما ذكرتُ لكَ ما لم يكنْ في غيرهِ، فجلَّ مَن أنزلَه على أفصحِ أسلوبٍ وأبلغَ نظم. ويُعبَّرِ بالقتالِ عن المدافعة، ومنه حديثُ المارِّ بينَ يدَيْ المُصلِّي ((فليقاتِلُهُ))(٣) أي فليدافعْه؛ قال الهرويُّ: ليسَ كلٌّ قتالٍ بمعنى القتلٍ، وربما يكونُ لعباً، وربما يكون دفعاً: وإِذا دفعتَ سَورة الشرابَ بالماء قلتَ: قتلتُ الشرابَ أقتُلُه، بمعنى أنَّ ذلك مستعارٌ للمدافعة كاستعارته لكسرِ حدَّةِ الخمرِ، ومنه قولُ الشاعر: [ من الطويل] ١٢٣٥ - فقلتُ : اقتلُوها عنگُمُ بمزاجها وأطيبْ بها مقتولةً حين تُقْتَلُ(٤) فصل القاف والثاء ق ٹ أ: قوله تعالى: ﴿مِن بَقْلِها وقِثَّائها﴾ [البقرة: ٦١] القِّاءُ: الخيارُ، وفي عُرف بعضِهم (١) قرأ ابن أبي عبلة (اقتتلتا)، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير (اقتلا) البحر المحيط ١١٢/٨. (٢) قرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة والأعمش (عن قتالٍ)، وقرأ عكرمة وابن مسعود (قَتْلٍ)، وقرأ الأعرج (قالٌ) البحر المحيط ٢ /١٤٥ وإعراب النحاس ٢٥٧/١. (٣) غريب ابن الجوزي ٢١٩/٢ والنهاية ٤ /١٣. (٤) البيت للأخطل في ديوانه ١٩. ٢٧٤ باب القاف يختصُّ بشيءٍ غيرِ الخيارِ لكنه من نوعه، وفيه لغتان: ضمِّ القاف وكسرُها (١)، وهو أفضحُ، الواحدُ قِثّاءَة، نحو قَمح وقمحة، فهو اسمُ جنس، ويُجمع على قَثائِيّ نحوُ علياءَ وعَلائي، وهمزتُه أصلّة خلافاً لِمن وهم فجعلها بدلاً من واوٍ، ويدلُّ على ما قلتُه قولُهم: أَقئات الأرضُ: كثُرِ قِثّاؤها، وأقئاتُ القومَ: أطعمتُهم القشاءَ. وأَفئات القدرُ (٢): سُليَتْ غَليانَها بصبِّ ماءٍ فيها، وأنشد: [ من الطويل] ونَفْشُؤُها عنّا إِذا حَمْيُهَا غَلَى (٣) ١٢٣٦ - تَفُورُ عَلينا قَدْرُهُمْ قُدیمُها فصل القاف والجاء . : ق حم: قولُه تعالى: ﴿هذافَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ [ص: ٥٩] أي داخلٌ. يقالُ: اقتحمتُ الشيءَ: دخلتُ فيه، وأصلُه توسُّطُ شِدَّةٍ مُخيفةٍ. وقحَّم الفرسَ إِليه: أي دخلَ به وتوغَّلَ ما يُخافُ عليه منه. وقحمَ فلانٌ بنفسه في كذا: دخلَ من غيرِ رويَّة. والمقاحيمُ: الذين يقتحمون في الأمرِ المَهيبِ. قولُه: ﴿فلا اقْتَحمَ (٤) العَقْبَةَ﴾ [البلد: ١١] أي لم يتجاوزْها ولم يَقْطِعْها، وهو استعارةٌ عن تحملِ المشقّةِ، ولذلك قالَ ابنُ عرفةَ: ولم يتحمَّلِ الأمرَ العظيمَ في طاعةِ اللّه. ثم فسَّر تلك العقبةَ بأنها ﴿فَكُّ رقبةٍ أو إطعامٌ﴾ [البلد: ١٣-١٤]. وفي الحديث: ((مَنِ لقيَ اللهَ لا يُشرك به شيئاً غَفَرٍ له المُفْحمات))(٥) أي العظائم التي تُدخلُه النارَ .. والتقحُّم: التقدمُ والوفوعُ في أُهوِيَّةٍ. والقَحْمُ: الأمورُ الشاقَّةُ. وفي صفته عليه السلام: ((لم تَقْتحمْهُ عينٌ مِنْ قِصَرٍ))(٦) أي لم تَزْدِهِ. وكلُّ شيءٍ أَزْدَرَيْتَه فقد تَقَّخَمتَه؛ وذلكَ أنَّ العينَ تَتجاوزُ الشيءَ الحقيرَ ولا تنظرُ إِليه. فالمعنى لا تتجاوزُه العينُ احتقاراً لهُ (١) قرأ الأشهب وابن وثاب وطلحة بن مصرف (وقُثّائها) إِملاء العكبري ٢٣/١ والبحر المحيط ٢٣٣/١. (٢) أفثات: بالفاء ، وكذا الشاهد بالفاء. (٣) البيت للنابغة الجعدي في الصحاح واللسان والتاج (فتا، دوم) وفي المقاييس ٢ /٣١٥، ٤٥٨/٤، ٤٧٥ والجمهرة ٢١٩/٣،٢٨٦/٣. (٤) قرئت ( اقتحام ) مختصر ابن خالويه ١٧٤. (٥) الحديث لابن مسعود في غريب ابن الجوزي ٢٢١/٢ والنهاية ٤ /١٩. (٦) الفائق ١ / ٧٨ وغريب ابن الجوزي ٢٢١/٢ والنهاية ٤ /١٩. ١٠ ! ٢٧٥ باب القاف ◌َُّ، بل قديمُ النظرَ إِليهِ إِعجاباً به وتعظيماً له عمله. وهذا شأنُ الإِنسان إِذا رأَى ما لا یُعجبُه أعرض عنه. فصل القاف والدال ق د د: ﴿وَإِنْ كانَ قميصُهُ قُدَّ من دُّبْرٍ﴾ [ يوسف: ٢٧] القَدُّ: قَطْعُ الشيءِ طولاً. والقدُّ: المَقدودُ: ومنه قَدُّ الإِنسانِ لقامتِهِ. والقِدَّةُ: القطعةُ من اللحم. وقَددْتُ اللحمَ: فعلتُ به ذلك، فهو قديدُ، وغلبَ في اليابس منه. واقْتَدَّ الأمرَ: دَّبْرَه، كقولهِ: فَضَلَهُ وصَرَمه. و ((قد) تصحبُ الأفعالَ وتقرِّبُ الماضي من الحال، وتكون ((قد)) حرفَ توقُّعٍ وتَقليل وذلك بحسب القرائن، وإِذا دخلَ على المضارع أفادَ التقليلَ غالباً إِلا في أفعالِ الباري تعالى فتكونُ للتحقيق نحوُ: ﴿قد يعلمُ اللهُ﴾ [الأحزاب: ١٨] قال الراغب(١): وقد : حرفٌ يختصُّ بالفعل، والنحويون يقولون: هو للتوقُّع، وحقيقتُه أنه إذا دخلَ على فعلٍ ماضٍ فإِنما يدخلُ على كلِّ فعلٍ مُتُحدِّدٍ نحو قولهِ تعالى: ﴿قدسمعَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. ولما قلتُ: لا يصحُّ أن يستعملَ في أوصافِ اللّه تعالى الذاتية فيقال: قد كانَ اللهُ عليماً حكيماً. وإذا دخلَ ((قد )) على الفعل المستقبلِ فذلك لفعلٍ يكونُ في حالةٍ دون حالةٍ نحو: ﴿قد يعلمُ اللهُ الذين يَتَسلَّلون﴾ [النور: ٦٣] فيها علمُ اللّه، انتهى. و ((قد)): يكونُ اسماً (٢) بمعنى ((حسْبُ)) نحو: قدْكَ دِرِهمٌ، وقطْكَ دِرهمٌ، أي حسبُك وكافيك درهمٌ، فالكافُ في محلٌّ جرِّ بالإِضافة. وتدخلُ عليها النونُ للوقاية جوازاً، ومنه قولُ الشاعر: [من الرجز] ١٢٣٧ - قَدْني من نصرِ الخُبَيْين قَدِي(٣) ( ١) المفردات ٦٥٧. (٢) أي ((اسم فعل)). (٣) الرجز لحميد الأرقط أو أبي بحدلة أو أبي نخيلة وبعده: (ليس الإمام بالشحيح الملحد). والرجز في كتاب سيبويه ٣٧١/١ وابن يعيش ١٤٣/٧،١٢٤/٣،١٣١/٢ والإنصاف ١٣١ والخزانة ٤٤٩/٢، ٣٤/٣ والهمع ١ /٦٤ والنوادر ٢٠٥ وابن الشجري ١٤/١، ١٤١/٢ وشرح شواهد المغني ١٦٦ واللسان ( خبب، قد د، لحد). ٢٧٦ باب القاف فأثبتَها في الأولِ وحذفَّها في الثاني، إِلا أنَّ الأكثرَ إِثباتُها. وزعمَ بعضُهم أنهما اسمًا فعلٍ ينتصبُ ما بعدَهُما وأنَّ الكافَ وما معها في محلِّ نصب. وأجازَ الفراءُ: قَدْ زَيْداً، : بنصبٍ زيد. قالَ الراغبُ(١): وجَعَلَ ذلك مَقِيساً على ما سُمع مِن قولهم: قَدْني وقَدْك، قال: والصحيحُ أنَّ ذلك لا يُستعملُ معَ الظاهرِ وإنَّما جاءَ عنهم في المُضْمَر. قولُه تعالى: ﴿كنّا طرائقَ قِدَداً﴾ [الجن: ١١] أي فرقاً مُتَفرِّقين مُختلفي الأهواء، وهو جمعُ قِدَّة نحوُ: قطعة وقطع. والقدُّ: السَّوط. وفي الحديث: ((موضعُ قِدَّةٍ في الجنة خيرٌ منَ الدنيا وما فيها))(٢) أي موضعٌ قَدْرِ السَّوْطِ . والقَدُّ بالفتح جلدُ السَّخلة، وهو أيضاً سقاءٌ صَغيرٌ يُتَّخذُ من جلدها. والقدُّ أيضاً : المَقدود. وقالَ طرفةُ بنُ العبد: [ من الطويل] ١٢٣٨٠ - وخدٍّ كقرطاسِ الشَّامِي ومِشْفَر كَسبْتِ اليماني قَدُّهُ لم يُجَرَّدٍ (٢). يُروَى بكسرِ القافِ مع الجيم؛ فالقدُّ: النَّعْلُ، ومعناه أنه مجرورٌ من شعرهِ فهو ألينُ له، وبفتحها مع الحاء، والمعنى: مثالُه لم يُعوَّج، فالتحریدُ: الاعوجاجُ، وهو قطعُ بعضهِ : دقيقاً وبعضه عريضاً ق د ر: قولُه تعالى: ﴿وما قَدَروا اللهَ حقَّ قدره (٤)﴾ [الزمر: ٦٧] أي ما عَظْموه حقٍّ : تعظيمهِ ولا عَرفوهُ حقَّ معرفته. قالَ الراغبُ: تنبيهاً أنه كيف يمكنُهم أن يُدْرِكوا كُنْهَهُ :وهذا وصْفُه. وهو قولُه: ﴿والأرضُ جميعاً قبضَتُه يومَ القيامةِ﴾ [الزمر: ٦٧]؟ قولُه تعالى: ﴿فظنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ (٥) عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي أن لن نضيق، (١) المفردات ٦٥٧. : (٢) الفائق ٢ / ٣٨٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٢٢٢ والنهاية ٤ /٢١. (٣) البيت من معلقته في ديوانه٢٧ . (٤) قرأ المطوعي والأعمش والحسن وعيسى وأبو نوفل وأبو حيوة (قَدَره) الإتحاف ٣٧٧ والبحر المحيط ٠٤٣٩/٧ . (٥) قرأ الزهري وابن عباس والماوردي (نُقَدّر)،وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج (يُقَدَّر)، وقرئت -. -.. ٢٧٧ باب القاف والتقديرُ: التضييقُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْفِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]. وعن ابنِ عباسٍ أن معاويةً أرسلَ خَلفي فقالَ: ضَربْتني أمواجُ القرآن. قال: فيماذا؟ قالَ: في قولهِ: ﴿فظنَّ أَنْ لَنْ نقدِرَ عليه﴾، أيظنّ عبدٌ من عبيد الله أنَّ الله لا يقدرُ عليه، فضلاً عن نبيٌّ منَ الأنبياء؟ فقالَ له: ليس ذلكَ مِن القُدرةِ، إِنما هوُ التقديرُ بمعنى التَّضييقِ. وتلا قوله تعالى: ﴿فَقَدَر(١) عليهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] قال الهرويُّ: يعني قَدَرنا عليه من كونهِ في بطنِ الحوت. يقالُ: قَدَرَ وقَدَّرَ بمعنىّ واحدٍ، وليسَ منَ القُدرةِ في شيءٍ. وقال أبو الهيثم: فظنَّ أن لنْ نقدِرَ عليه العقوبة. قال: ويحتملُ أن يكونَ تفسيرهُ أنْ لن نُضيِّقَ عليه. قولُه تعالى: ﴿واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهذا عامُّ خصَّصَه العقلُ كما حققناهُ في غيرِ هذا الموضع. ثم القُدْرةُ إِذا وُصفَ بها الإِنسانُ فاسمٌ لهيئةٍ له بها يَتمكَّنُ مِن فعلِ شيءٍ ما. وأمّا إِذا وُصفَ بها الباري تعالى فنفيُ العجزِ عنه. ومحالٌ أنْ يوصَفَ غيرُ اللهِ تعالى بالقُدرةِ المُطلقةِ مَعْنىَ، وإِنْ أُطلِقَ عليهِ لفظاً، بل حقُّه أنْ يقالَ: هَوَ قادرٌ على كذا. ومتى قيلَ: هو قادرٌ فعلى سبيل معنى النَّقييد، ولهذا لا أحَدٌغيرُ اللهُ يُوصَفُ بالقدرةِ من وجهٍ، إِلاَّ ويصحُّ أن يوصَفَ بالعجز من وجهٍ آخرَ، والبارى تعالى هوَ الذي يَنْتفي عنه العجزُ من كلِّ وجهٍ، جلَّ وعزَّ. والقادرُ يوصَفُ به الإِنسانُ حسْبما تقدَّمَ، والقديرُ لا يوصَفُ به إِلا اللهُ تعالى، وذلك لما فيه من المبالغة؛ قال الراغب(٢): والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تَقْتضي الحكمةُ لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، ولذلكَ لا يصحُّ أنْ يوصَف به غيرُ اللهِ تعالى. والمُقْتدرُ يقاربُه لكنْ قد يوصَفُ به البشرُ، وإِذا اسْتُعمل في اللهِ فمعناهُ معنى القدير، وإِذا استُعمل في البَشرِ فمعناهُ المُتْكلِّفُ المكتسبُ القُدرة. يقالُ: قَدَرْتُ على كذا أَقْدِرُهُ قَدْراً وقَدَراً وقُدْرَةٌ ومَقْدِرَةً وقدراناً. يقالُ: اقدِرْ بِذَرْعك، أي اقدرْ على الأمورِ = (يَقْدر) البحر المحيط ٦ /٣٣٥ والقرطبي ١١ /٣٣٢، وقرأ يعقوب والحسن وابن عباس وحميد بن قيس (يُقْدَر) الإتحاف ٣١١ والنشر ٣٢٤/٢. (١) قرأ ابن عامر وأبو جعفر والحسن (فَقَدَّرَ) الإتحاف ٤٣٨ والنشر ٤٠٠/٢. (٢) المفردات ٦٥٨. ٢٧٨ باب القاف بمقدارِ ما عندَكَ مِن الاستقلال، وأنشدَ لزهيرٍ: [من البسيط ] فاقدِرْ بِذَرْعِكَ وانظُرْ: أينَ تَنْسَلَكُ؟(١) ١٢٣٩ - تَعَلَّمَنْ، هالَعَمِرُ الله ذا قَسَماً : ويُروَى: (فَاقْصِدْلِذَرْعِكَ)) وهو في المعنى الأول. وأقدرَني اللهُ وقَدَّرني على كذا، أي قَوّاني وجعلَ لي قُدرةً. وتقديرُ الله الأشياءَ على وجهينٍ: أحدُهما بإعطاءِ القُدرةِ، والثاني بأنْ يجعلها على مقدارٍ مخصوصٍ ووجهٍ. مخصوصٍ حسْبُما اقْتَضت الحكمةُ. قال الراغب(٢): وذلكَ أنَّ فعلَه تعالی ضربان؛ ضربٌ أوجدَه بالفعلِ، ومعنَى إِيجاده بالفعلِ أنْ أبدعَه كاملاً دُفعةٌ لا تَعْترِيهِ الزيادةُ والنقصانُ إِلى أنْ يشاءَ أن يُبدِّلَه ويُفْنِيَه، كالسموات وما فيها . وضربٌ جعلَ أصولَه موجودةً بالفعلِ وأجزاءَه بالقوّة، وقدَّرَه على وجهٍ لا يتأنَّى غيرُ ما قدَّرَ فيه، كتقديرِه في النَّواةِ أن يَنْبُتَ منها النَّخلُ دونَ الثُّفَّاحِ والزيتون، وتقديرِ مَنِيِّ الآدميِّ أن يكونَ منه الإِنسانُ دونَ سائرِ الحيوانِ. فتقديرُ اللهِ على وجهينٍ أحدُهما بالحكمِ منه أن يكونَ كذا أو لا يكونُ كذا، إِمَّا على سبيلِ الوجوب وإِمّا على سبيلِ الإِمكانِ. وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿قد جعلَ اللهُ لَكلِّ شيءٍ قَدْراً (٣) ﴾ [الطلاق: ٣] والثاني بإعطاء القدرة عليه. قولُه: ﴿نحنُ قدَّرْنا (٤) بِينَكُمُ الموتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] أي حَكمنا بهِ وصََّفناهُ . بِينَكُم فلا يختصُّ به أحدٌ من المخلوقين بعضهم دونَ بعضٍ. وفيه مَنْبهةٌ على أنَّ فيه حكمةٌ وهو أنَّ اللهَ تعالى هو المُقدِّرُ له وليسَ كما زعمَ المجوسُ من قولهم: إِنَّ اللهَ يخلقُ وإِنَّ ابليسَ يقتلُ. فانظرْ إِلى هذا الكتابِ العزيز كيفَ تعرَّضَ لكلِّ مذهب والردِّ عليه قديماً وحديثاً؟ قولُه: ﴿فَقَدَرْنَا(٥) فنعْمَ القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] تنبيةٌ أنَّ ما حُكم به فهو (١) ديوانه ١٣٧. (٢) المفردات ٦٥٨ . (٣) قرأ جناح بن حبيش (قَدَراً) البحر المحيط ٢٨٣/٨. (٤) قرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وحميد (قَدَرْنا) النشر ٣٨٣/٢ والسبعة ٦٢٣ والبحر المحيط ٢١١/٨. (٥) قرأ نافع والكسائي وابن عامر و أبو جعفر والحسن وشيبة وأبو عبد الرحمن السلمي (فَقَدَّرْنا) الإتحاف ٤٣٠ والنشر ٣٩٧/٢ والسبعة ٦٦٦. ٢٧٩ باب القاف محمودٌ في حكمهِ، ويجوزُ أن يكونَ في معنى ﴿قد جعلَ اللهُ لكلِّ شيءٍ قَدْراً﴾. قولُه تعالى: ﴿واللهُ يُقَدِّرُ الليلَ والنهار﴾[المزمل: ٢٠] إِشارةٌ إِلى قوله: ﴿يُكوِّرُ الليل على النهارِ ويُكوِّرُ النهارَ على الليل﴾ [الزمر: ٥] ﴿يُولِجُ الليلَ فِي النَّهارِ ويُولِجُ النَّهَارَ في الليل﴾ [الحج: ٦١] وأنه ليس أحدٌ يمكنُه معرفةُ ذلك على حقيقته، وأنه جعلَ ذلك علامةً على توقيت العبادة وغيرها. قوله: ﴿مِن نُطفةٍ خلَقَه فقدَّرَه ﴾ [عبس: ١٩] إِشارةٌ إِلى ما أوجدَ فيه بالقوّة فيَظهرُ حالاً فَحالاً إلى الوجود بالصورة. قولُه: ﴿وكان أمرُ اللهُ قَدَراً مَقدوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] فقدرٌ إِشارةٌ إِلى ما سبق به القضاءُ والكتابةُ في اللوح المحفوظِ، وإِشارةٌ إِلى قوله عليه الصلاة والسلام ((فَرَغَ رَبُّكَ من أربعٍ: الخَلْقِ والأجلِ والرزقِ ))(١). والمقدورُ إِشارةٌ إِلى ما يحَدُثُ حالاً فحالاً، وهو المشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿كلَّ يومٍ هوَ في شأنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وعليه قولُه: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعلومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. قال أبو الحسن: يقالُ: خُذْ بَقَدَرِ كذا أو بقَدْرِ کذا. قولُه تعالى: ﴿على المُوسِعِ قَدَرُهُ وعلى المُفْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قُرئَ بالفتحِ والإِسكان(٢)، والمعنى: ما يليقُ بحاله مُقَدَّراً عليه، والمعنى أنَّه أَعطى كلَّ شيءٍ ما فيه مصلحتُه وهداهُ لما فيه خلاصٌ له إِمَّ بالتسخيرِ وإِمّا بالتعليم كقوله ﴿أُعطَى كلَّ شيءٍ خلقَه ثمَّ هَدى﴾ [ طه: ٥٠ ] والتقديرُ منَ الإِنسانِ على وجهينٍ؛ أحدُهما التفكّر في الأمرِ بحسَب نظرِ العقلِ وبناءِ الأمرِ عليه. والثاني أن يكونَ بحسَب التمنّي والشَّهوة وذلك مذمومٌ، كقوله: ﴿إِنَّ فكّر وقدَّر فقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٨-١٩] وتستعارُ القُدرةُ والمَقدور للجاه والسَّعَة والمال. (١) الحديث في مجمع الزوائد ١٩٥/٧ والفتح الكبير ٢٦٦/٢، وانظر مسند أحمد ١٦٧/٢، وتقدم الحديث في مادة ( خزن ) . (٢) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو بكر وأبو عمرو (قَدْره)، الإتحاف ١٥٩ والنشر ٢٢٨/٢ والسبعة ١٨٤، وقرأ ابن أبي عبلة (قَّدَرَه) على أنها فعل ماض، وقرئت (قَدَرَه) على أنها اسم منصوب. البحر المحيط ٢٣٤/٢ وإعراب النحاس ١ /٢٧١. ١ - ٢٨٠ باب القاف والقَدَرُ: وقتُ الشيء المقُدَّرُ له والمكانُ المقدَّرُ له. قولُه: ﴿فَسَالَتْ أُوديَةٌ. بَقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] أي بقدرِ المكانِ لانْ يسَعَهَا. وَقُرئَ ((بقَدْرِها))(١) أي تَقْديرِها. قولُه: ﴿وَغَدَوا على حَرْدٍ قادرين﴾ [القلم: ٢٥] أي معيِّنينَ لوقتٍ قَدَّروهُ، ومثلُه: فالتَّقَى الماءُ على أمرٍ قَدَ قُدِرَ (٢)﴾ [القمر: ١٢]. وليلةُ القذر لأنَّ الأمورَ تَقْدَّرُ فيها وتُقْضَى، فيسعدُ فلانٌ ويشْقَى فلانٌ وَيُحرمُ فلانٌ. اللهمَّ لا مانع لما أعطيتَ ولا مُعطي لِما منْعتَ، نسألُكَ بجاه كلامكَ ونبيِّك أن تُعطينا أمانَكَ وتمنَعَنَا نِقَمتَك ... قولُ: ﴿وَمَن قُدِرَ (٣) عليهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي ضُيِّقَ عليه، ومنه اشْتُقَّ الأَقْدَرُ. أي القصيرُ العنق. وفرسٌ أَقْدَرُ: يضعُ حافرَ رِجلهِ موضعَ حافرِ يدِهِ. قولُه: ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أي أَحكِمْهُ، وهو أنْ يجعلَ المساميرَ طبقَ الحلقِ، فإِنَّه لو عَملها غليظةً لا نفصَمتِ الخَّلقُ، ولو عملَها دقيقةً لِقُلِعَتْ. ومقدارُ الشيءِ: المقدَّزُ له وبه، وقتاً كانَ أو مكاناً أو غيرُهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وكلُّ شيءٍ عندَه بمقدارٍ﴾ [الرعد: ٨]. قولُه: ﴿وَقُدورٍ راسياتٍ﴾ [سبأ: ١٣] هي التي يُطبخ فيها؛ سُميتْ بذلك لأنَّها : مُقَدَّرة على هيئةٍ لها، وما يُطبخ فيها يقالُ له القَدِيرُ اشتقاقاً منه، كقولِ امرئُ القيس: [ من الطويل] ١٢٤٠ - فظلَّ طُهاةُ اللحم ما بينَ منْضِجٍ صَفيفَ شِواءٍ أو قَدِيرٍ مُعجَّلٍ (٤) وفي البيتِ مسألةٌ نحويةٍ. يقال: قدرتُ اللحمَ، أي طبختُه في القدرِ، والقُدارُ، أي يُنْحَرُ ويُقْدَرُ، أي يُطبخ. وفي الحديث: ((فإِنْ غمَّ عليكُم فاقْدُروا له)) (٥) أي قَدِّروا له عدَد (١) قرأ أبوعمرو والحسن والمطوعي وزيد بن علي والأشهب العقيلي (بِقَدْرِها) الإتجاف ٢٧٠ والبحر المحيط ٥ /٣٨١. (٢) قرأ أبو حيوة (قُدِّر) البحر المحيط ١٧٧/٨. (٣) قرأ ابن أبي عبلة (قُدِّر) البحر المحيط ٢٨٦/٨. (٤) البيت من معلقته في ديوانه ٢٢، وقد تقدم في مادة (شوى) برقم ٠٨٣٩. (٥) أخرجه البخاري في الصوم ١٨٠١، وتقدم الحديث في (غمم).