النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب الفاء قوله تعالى: ﴿فطرَ السماواتِ﴾ وبينَ قولهِ: ﴿هل تَرَى مِنْ فُطور﴾ تَنافٍ، واللهُ أعلم. فصل الفاء والظاء ف ظ ظ: قوله تعالى: ﴿ولو كُنتَ فَظاً غليظَ القلبِ لانْفَضُّوا من حَولِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الفَظُّ: القاسي القلبِ الغليظُ الجانبِ السيءُ الخلقِ. قال الأزهريُّ: أصلُ الفظِّ مَاءُ الكَرِشِ يُعْتَصَرُ فُشربُ عندَ إِعوازِ الماءِ وشدَّةِ الضَّرورة، وسُمِّي فَظاً لغلظِ شُربه. فصل الفاء والعين فع ل: قولُه تعالى: ﴿إِنّا كُنّا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي قادرين. فالفعلُ يعبّر به عن القدرة على الشيءٍ. قولُه: ﴿والذين هُم للزكاةِ فاعلون﴾ [المؤمنون: ٤] أي غيرُ مُضيِّعين لها موفون بها . ((والفعلُ: تأثيرٌ من جهةٍ مؤثرٍ، وهو عامٌّ لما كان بإجادةٍ وغيرِ إِجادةٍ، ولما كانَ بعلمٍ أو بغيرِ علمٍ، ولما كان بقصدٍ وبغيرٍ قصدٍ، ولِما كان من الإِنسانِ والحيواناتِ والجماداتِ. والعملُ أعمٌّ والصِّنْعُ أخصّ منه، كما تقدم(١).))(٢) (( والذي من جهة الفاعلِ يقالُ له مفعولٌ ومُنْفعلٌ، وقد فصَلَ بعضُهم بينَ المفعولِ والمنفعلِ فقال: المفعولُ يقالُ إِذا اعتُبر لفعلِ الفاعلِ، والمنفعلُ يقالُ إِذا اعتُبر قَبولُ الفعلِ في نفسهِ. فالمفعولُ أعمُّ من المنفعلِ لأنَّ المنفعلَ يقالُ لِما لا يقصُدُ الفاعلُ إِيجادَه وإِنْ تولّد منه، كحمرةٍ اللون من خجلٍ تَعْري من رؤيةٍ إِنسانٍ، والطربِ الحاصلِ من الغناءِ، وتحركِ العاشقِ لرؤيةٍ معشوقهِ. وقيلَ لكلِّ فعلٍ انفعالٌ إِلا الإِبداعَ منَ اللهِ تعالى فذلكَ إيجادُه من عدمٍ لا في مادةٍ وجوهرٍ بل هو إيجادُ الجوهر.»(٣) (١) تقدم في مادة ((صنع، عمل)). (٢) ما بين الهلالين من المفردات ٦٤٠. (٣) ما بين الهلالين من المفردات ٦٤١. ٢٤٢ باب الفاء فصل الفاء والقاف ف ق د: قولُه تعالى: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ المَلكِ﴾ [يوسف: ٧٢] أي نعدمُه. والفقدُ: عدمُ الشيءٍ بعدَ وجودهِ، فهو أخصُّ من العدمِ؛ كأنَّ المَعدوم يقالُ فيه وفيما لم يوجَد بعدُ. قولُه تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠] أي تفقَّدَ حالَها، وحقيقتُه طلبُ المفقود. وقيلَ: التفقدُ: التَعهُّدُ لكنْ حقيقةُ التفقُّدِ تعرُّفُ فقدانِ الشيءِ والنَّعهّدِ تعرفُ العهد المتقدِّم. والفاقدُ: المرأةُ تفقدُ ولدَها أو زوجَها. وفي حديث أبي الدَّرداءِ: ((مَن يَتَفقَّدْ يَفْقِدْ))(١) أي مَن طلبَ الخيرَ في الناسِ يفقدُه. وفقدَ وعدَمَ خَرجا عن الأفعال، فإِن تعدّیا رافعينِ الضمير المتصل إلى ضميرهِ المتَّصل، نحو قولك: فقدْتُني وعدمْتُني . ولو قلتَ: ضرْبْتُني لم يجُزْ، وأنشد: [من الطويل] وعمّا أُلاقي منهما مُتَزَخْزَحُ (٢) ١٢١٥ - لقد كانَ لي عن ضَرَّتَيْنِ عَدِمتي ومثلُ فقدَ وعدمَ في ذلك ظنَّ وبابُها، وقد حقَّقنا هذا في غيرِ هذا الموضع. ف ق ر: قوله تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدقاتُ للفقراءِ﴾ [التوبة: ٦٠] والفقرُ: الخُلَّةُ والحاجةُ الضروريةُ، ويقالُ: أشدُّ الحاجة، وهو مأخوذٌ من فقارِ الظهرِ كأنّه لا حتياجه انكسر فقارُه فهو لا ينهضُ. كما قيلَ: إِنَّ المسكينَ من السكونِ، لاحتياجهِ سكنَ وانقطعَ عن الحركةِ، وقيل: هو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، فالفقيرُ هو المكسورُ الفقارِ على التشبيه، ومنه: فقرتْهُ الفاقرةُ، أي الداهيةُ التي تكسرُ فقارَ ظهرهِ. وقولُهم: أَفقرَكَ الصَّيْدُ فارمِهِ، أي مكَّنَك من فقاره، ويقالُ: فَقَرَه: أي أصابَ فقارَ ظهره، نحو كبده وراًسَه. والفقَرُ: خَرزاتُ الظهرِ، الواحدةُ فِقْرة، كسِدْرة وسِدَر. (١) الفائق ٢ / ٢٩٢ والنهاية ٤٦٢/٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠١/٢. (٢) البيت لجران العود في ديوانه ٤٠ وابن يعيش ٨٨/٧ وأمالي ابن الشجري ١ /٣٩. ٢٤٣ باب الفاء وقولُه تعالى: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقرةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أي داهيةٌ عظيمةٌ تَكسرُ منها الفقارَ. وفي حديثٍ عثمانَ رضيَ اللهُ عنه: ((استحَلُّوا منه الفُقَرَ الثلاثَ)(١) أي الأمورَ العظام: حُرْمةً الشهرِ الحرام، والبلد الحرام، وحرمةَ الخلافة. وقالت عائشة رضيَ اللّه عنها في حقّه .: ((المَرْكوبُ فيه الفِقْرُ الأربعُ))(٢)، ضربتْ ذلك مثلاً لما ارتكبَ منه، لأنَّ الظهرَ محلٌّ الركوب والفقرُ فيه، وأرادتْ أنه ارتكبَ منه أربعُ حرمٍ فانتهكوها وهي : حرمةٌ صحبتهِ وصهرهِ، وحرمةُ البلد، وحرمةُ الخلافة، وحرمةُ الشهر الحرام، وقالَ الأزهريُّ: هي الفُقَرُ، بضم الفاء. وقيل: اشتقاقُ الفقيرِ من قولهم: فقَرْتُ البعيرَ، وذلك أن يُحَزَّ أَنفُ البعيرِ إِلى أن يصلَ الحزُّ إِلى العظمِ ثم يُلوَى عليه جَرِيرٌ، أي حبلٌ ونحوُهُ لِيُذَلَّ بعدَ صعوبته، فكذلك الفقيرُ يحصلٌ له من الغلِّ ما يجعلُه بمنزلةِ البعيرِ المذلَّلِ المقيَّد. وقيلَ: اشتقاقُه من الفُقْرة أي الحفرة، ومنه قيلَ لكلِّ حَفيرةٍ يجتمعُ فيها الماءُ: فقير. وفقرْتُ للفسيلِ: حفرتُ له حفرةً غرستُه فيها، قال الشاعر: [ من الرجز] ١٢١٦ - ماليلةُ الفقيرِ إِلا شيطانْ (٣) وقيل: هو اسمُ بئر. وفقرْتُ الخرزَ: ثُقَبْتُه، وأَفْقَرتُ البعير: ثقبتُ خطمَه، فكأنَّ الفقيرَ لقلة موجوده قد دُفن في فَقیرٍ. واختلفَ الناسُ في الفقيرِ والمسكينِ (٤)؛ فذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ أنَّ الفقيرَ أسوأُ حالاً من المسكين؛ وهو مَن لا يقعُ مالُه ولا كسبُه اللائقُ به غيرَ المانع له من النفقة موقعاً من كفايته، والمسكين عندَه مَن يقعُ مالُه أو كسبُه مَوقعاً من كفايته ولا يكفيه. واستُدلَّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿أمّا السفينةُ فكانت لمساكينَ يَعْملون في البحرِ﴾ (١) غريب ابن الجوزي ٢/ ٢٠١ والنهاية ٤٦٣/٣. (٢) غريب ابن الجوزي ٢/ ٢٠١ والنهاية ٣ /٤٦٣. (٣) الرجز للشماخ بن ضرار في اللسان والتاج والصحاح والعباب (فقر) والمقاييس ٤ /٤٤٤ وديوانه ٤١٣ ومعجم البلدان (الفقير ٤ /٢٦٩) ( ٤) فروق اللغات ١٨٨- ١٩٠. ٢٤٤ باب الفاء [الكهف: ٧٩]. فأثبتَ لهم ملكاً، وذهب أبو حنيفةً وغيرُهُ إِلى أن المسكين أسوأُ حالاً، مُستدلاً بقوله تعالى: ﴿أو مِسْكيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لَصُقَ جلدُه بالتراب لعدمٍ موجوده، وبقول الشاعر: [من البسيط ] وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَكْ لِهِ سَبَدُ(١) ١٢١٧ - أمّا الفقيرُ الذي كانتْ حَلوبتُهُ وردَّ أصحابُنا هذا بأنه قالَ (كانت)) أي ثم عدمتْ. وقال ابنُ عرفةً: أخبرني أحمدُ ابنُ يحيى عن محمد بنِ سَلَّم قال: قلتُ ليونُسَ: أفرقْ لي بينَ الفقيرِ والمسكين. فقال: الفقيرُ الذي لا يجدُ القوتَ، والمسكينُ الذي لا شيءَ له. وقال ابنُ عرفةَ: الفقيرُ عنْدَ العرب: المحتاجُ؛ قال تعالى: ﴿ياأيُّها الناسُ أنتم الفقراءُ إِلى اللهِ﴾ [فاطر: ١٥] أي المحتاجون إليه . قلتُ: هذا بالنسبة إِلى الفقيرِ لغةً، أما الفقيرُ شرعاً فكما قدَّمنا ذكرَه. ونُقل عن الشافعيِّ أنه قال: الفقراءُ الزَّمْنِى الذينَ لا حِرفة لهم، وأهلُ الحرف الذين لا تقعُ حرفتُهم من حاجتهم مَوقعاً، والمساكينُ: السُّؤَّالُ ممن له حرفةٌ تَقَعُ مَوقعاً ولا تُغنيهِ وعِيالَه. وقد قسَم بعضُهم الفقرَ إِلى أربعة أقسامٍ فأجادَ فيها فقال(٢) : الفقرُ يستعملُ على أربعة أوجهٍ؛ الأولُ عدم وجود الحاجة الضرورية، وذلك عامٌ للإِنسانِ ما دامَ في دارِ الدفينا بل هو عيامٌ للموجودات كلّها، وإِلى هذا الفقرِ أشارَ بقوله في وصفِ الإنسان: ﴿وَمَا جَعَلناهُم جسداً لا يأكلون الطعامَ﴾ [الأنبياء: ٨] والثاني: عدمُ المُقْتَنياتِ وهو المذكورُ في قولهِ: ﴿للفقراء الذين أُخْصِروا في سبيلِ اللهِ لا يَستطيعون ضَرْباً في الأرضِ يحسّبُهمُ الجاهلُ أغنياءَ منَ التَّعفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. والثالثُ: فقرُ النَّس، وهو الشَّرُهُ المشارُ إليه بقولهِ ◌َّ: ((كادَ الفقرُ أن يكونَ كُفراً) (٣) وهو المقابَلُ بقوله: ((إِنَّما الغِنَى غِنَى النَفْسِ)» (٤) وهو المعنيُّ بقولِهم: ((مَن عدِمَ القناعةَ لم يُفِدْه المالُ غِنِى))(٥). والرابعُ: الفقِرُ إِلى الله تعالى، (١) المفردات ٦٤١. (٢) البيت الراعي النميري في ديوانه ٥٥ واللسان والصحاح والعباب والتاج (فقر، وفق) والمقاييس ٤ /٤٤٤ والمخصص ١٢ /٢٨٥ -٢٨٦. (٣) الحديث في حلية الأولياء ٥٣/٣ (( عن أنس قال:رسول الله تم له : كاد الحسد أن يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون فقراً)) (٤) الحديث تقدم في مادة ((غنى)). (٥) المفردات ٦٤٢. ۔۔ ٢٤٥ باب الفاء وهو المشارُ إليهِ بقوله: ((اللهمَّ أَغْنِنِي بالافتقار إِليكَ ولا تُفْقِرني بالاستغناءِ عنكَ))(١) وإِياهُ عنَى بقولهِ لَّهِ: ﴿ربِّ إِنِّي لِما أنزلتَ إِليَّ من خيرٍ فقيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. وقد ألمّ الشاعرُ بهدا المعنَى فأجادَ بقوله: [من الطويل] ١٢١٨ - ويُعجِبُني فَقْرِي إِليكَ ولم يكُنْ لِيُعجِبَنِي، لولا محبَّتُك، الفقْرُ(٢) ف قع: قولُه تعالى: ﴿إِنَّها بقرة صفراءُ فاقِعٌ لونُها﴾ [البقرة: ٦٩] أي خالصٌ، يقالُ: أصغرُ فاقعٌ أي صادقُ الصِّفْرةِ، وأسودُ حالكٌ وحانِكٌ من قولِهِم: أسودُ مِن حَلكِ الغرابِ ومن حَتَكِ الغراب - باللام والنون - وأبيضُ يَقَقِّ وأخضرُ ناصعٌ وأحمرُ قانيٌ. والفَقْعُ: ضربٌ من الكمأة، وبه شُبِّه الذليلُ، فيقالُ: أذلُّ من فَفْعٍ بقاعٍ. وقال كعبُ ابن زهير (٣) قال الخليلُ بنُ أحمدَ(٤): وسُمي الفُقّاعُ فُقّاعاً لِما يرتفعُ من زَبدهِ. وفقاقيعُ الماءِ: نقاطاتُه - على التشبيه - وفي حديثِ ابنِ عباسٍ: ((نَهى عنِ التَّفْقيع في الصلاة))(٥) هي الفَرقعةُ وغمزُ الأصابع حتى يسمعَ نقيضُها، ومنه تَفقيعُ الورد. ويقالُ للزَّبَد الذي يطفو على وجهِ الماء فقاقيع. وفي الحديث: ((إِذا تَفاقَعَتْ عيناكَ))(٦) أي رَمْصَتَا، وفي الحديثِ: ((عليهِم خفافٌ لها فُقْعٌ))(٧) أي خراطيمُ. يقال: خُفِّ مُفَقَّعٌ أي مُخَرطَم. ف ق هـ: قولُه تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهوا في الدِّين﴾ [التوبة: ١٢٢]. أي يطلبون أن يُفَقَّهوا !دينَ اللّه. وأصلُ الفقهِ الفهمُ. وقيلَ: فقهَ الأشياءَ الخفيَّةَ، فهو أخصُّ من مُطلق الفَهم، وقيلَ: (١) تقدم في ((خ ل ل)) وهو لعمرو بن عبيد في البيان والتبيين ٢٧١/٣ وجواهر الالفاظ ٥ ومجمع البلاغة ٠٣٤٦/١ (٢) البيت للبحتري في الصناعتين ١٢٨ وديوانه ٨٤٧. (٣) لعل الناسخ - أو المؤلف -قد سها عن ذكر شعر كعب بن زهير . (٤) العين ١ /١٧٦. (٥) الفائق ٢ /٢٩٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠٢/٢ والنهاية ٤٦٤/٣. (٦) الفائق ٢ /٣١٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠٢/٢ والنهاية ٤٦٥/٣، والحديث لأم سلمة. (٧) الفائق ٢١٣/٢ وغريب ابن الجوزي ٢٠٢/٢ والنهاية ٤٦٥/٣. ٢٤٦ باب الفاء هو التوصِّلُ إِلى علمٍ غائبٍ بعلمٍ شاهدٍ، فهو أخصُّ - أيضاً- من مُطلق الفهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ولكنْ لا تَفْقَهون تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي ليسَ في وُسعِهم أن يعرِفوا حقيقةً ذلك. ويقالُ: فقُه بالضم أي صارَ الفقه سَجيةً له وطبعاً. وفقهَ: أي حَصَلَ له فهمٌ. وفَقَه ۔ بالفتح أي غلبَ غيرَه في الفقهِ، نحو شَعَرَه أي غلبَه في الشِّعرِ، ومصدرُ الأُولِ فَقَاهَةً، والثاني فِقْهاً. قولُه تعالى: ﴿بأنَّهم قومٌ لا يَفْقَهون﴾ [الأنفال: ٦٥] أي لا يعلمون العلمَ الشرعيّ. وقيل: لمّا لم يَنْفعوا بفُهومِهِم جَعلوا كأنهم مُكوِّنو ذلك كقوله تعالى: ﴿صُمّ بُكمِّ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]. وقد كانوا ذوي أسماعٍ وألسنةٍ وأبصارٍ لكنْ لم ينتفعوا بها، كأنَّهم فقدوها. وفي دعائهِ عليه السلام لابنِ عباس: ((اللهمَّ فَقَّهْهُ في الدين))(١) أي فَهِمْهُ علمَ تفسيرِ كتابك، وفي الحديث: ((لعنَ اللهُ النائحةَ والمُستَفْقِهةً))(٢) يعني التي تُفقّهُ قولها وتتلقَّفُه لتجیبه عن ذلك. فصل الفاء والكاف ف ك ر: قوله تعالى: ﴿أُوَلَم يَتَفَكَّروا ما بِصاحِبهم مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]. الفكرُ: قوةٌ نظرِيَّةٌ للعلمِ إِلى المعلوم. والتفكّرُ جَوَلانُ تلك القوةِ بحسَبِ نظرِ العقلِ، وذلك يختصِّ مَن الحيوانِ بِالإِنسانِ، ولا يمكنُ أن يقالَ إِلا لِما يحصلُ له صورةٌ في القلبِ إِذ كانَ منها عن اتصافٍ بالصورة. وقال تعالى: ﴿ أولم يُتفكّروا في أنفسهم ﴾ [الروم :٨] وذلك ممكنْ لا محالة، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وفي أنفُسِكُم أُفلا تُبْصِرون ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال بعضُ أهلِ الأدبِ: الفكرُ مقلوبٌ منَ الفَرْك، لكنْ يُستعملُ في المعاني وهو فَرْكُ الأمورِ وبحثُها طَلباً للوصولِ إِلى حقيقتها. (١) تقدم الحديث في (فسر، أول). (٢) الفائق ٣/ ٣١٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٢٠٢ والنهاية ٤٣٥/٣. ٢٤٧ باب الفاء ف ك ك : قوله تعالى: ﴿فَكُّ(١) رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أي خلاصٌ. والفكُّ: الخلاصُ والتخليصُ: ومنه فكُّ الرَّهنِ وهو تخليصُه من تعلُّقِ حقِّ المُرتهن، ولذلكَ يقالُ: علقَ الرهنُ ضدَّ انفكَّ. وفي معنى الآية قولان: أحدُهما - وهو المشهورُ - أنه عتقُ الرقاب من المماليك. والثاني أن المعنى ينقذ نفسه من الهَلكةِ بالكلم الطيب والعملِ الصالحِ. ولذلك ورد: مشترٍ نفسَه فمعتُقُها وبائعُ نفسَه فموبقُها. وقيل: هي إِعانةُ المُكاتبِ. ويؤيد ذلك أنه قد ورد في الحديث: ((أَعتق النَّسمةَ وفُكَّ الرقبةَ))(٢) أي يعينَ في عِتْقِها. قيلَ: أو ليسا واحداً. قال لا، عتقُ النسمة أن ينفردَ بعتقها، وفكَ الرقبة أن يعنى في عتقها. قوله تعالى: ﴿والمشركينَ مُنْفكِّين﴾ [البينة: ١] قال مجاهدٌ: مُنْفكين: مُنْتهين، وقال غيرُه: زائلين منَ الدنيا، يقول: ولم يَتَفَانوا ﴿حتى تأتِيَهُمْ البَيِّنَةُ﴾. وقال ابنُ عرفةً: لم يكونوا مُفارقين الدنيا حتى تأتِيّهم البينَةُ التي أثبتَتْ لهم في التوراة من صفة محمدٍ نَهُ. قال الهرويُّ: لفظُه لفظُ المضارع ومعناه الماضي. وهذا غيرُ جائزٍ البنَّةَ لأنَّ حتى حرفُ غايةٍ، والغايةُ في المستقبلِ، وأيضاً فهو منصوب بأنْ، وأنْ مُخلصةٌ للاستقبال. وقال الأزهريُّ: ليس هو من باب ما انفكَّ وما زال، وإِنما هو انفكاكُ الشيءِ إِذا انفصلٍ عنه، وقيل: معناهُ: لم يكونوا متفرِّقِينَ بل كانوا كلُّهم على الضلالِ كقولهِ: ﴿كانَ الناسُ أمَّةٌ واحدةٌ فبعثَ اللهُ النبيِّينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. والفكُّ: انفراجُ المنكبِ عن مفصلهِ. والفكَّانِ: مُلتقَى الشّدْقين. ف ك هـ: قولُه تعالى: ﴿وإِذا انْقَلبوا إلى أهلِهِم انقلبوا فكِهِينَ (٣)﴾ [المطففين: ٣١] أي فرحينَ مسرورين فأبدَلَهُم اللهُ بذلكَ حُزْناً كثيراً. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ أصحابَ الجنةِ اليومَ (١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو رجاء والكسائي والحسن واليزيدي (فكَّ) الإتحاف ٤٣٩ والنشر ٤٠١/٢. (٢) الفائق ٢ /٣٥٥ وغريب ابن الجوزي ٢٠٣/٢ والنهاية ٤٦٥/٣. (٣) قرأ أبو عمرو وابن عامر ونافع وابن كثير وحمزة والكسائي وهشام والمطوعي وابن ذكوان وخلف ( فاكهين ) الإتحاف ٤٣٥ والنشر ٢ /٣٥٤ والسبعة ٦٧٦. ٢٤٨ باب الفاء في شُغُلٍ فاكِهُون(١)﴾ [يس: ٥٥] أي مسرورون بما نَعَّمَهم اللّه تعالى في الآخرة؛ بما تحمَّلوا من مشاقِّ الصبرِ على عملِ الطاعاتِ واجتنابِ المعاصي. وهو مأخوذُ من لفظ الفاكهة لأنَّ بها يحصلُ التلذُّذُ . والفكاهةُ: المزْحُ؛ قال أبو عبيد: الفاكِهُ المازحُ، والاسمُ: الفكاهةُ والفُكَاهُ. وَقولُه: ﴿ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين(٢)﴾ [الدخان: ٢٧] أي ناعمين أَشِرین بَطِرِين. والفكهُ: ذو الفكاهة أو الفكاهة، والفكهُ: مَن يتفكّه، وقد قُرئً ((فاكهين)) و(فَكِهِين)) فقيل هما بمعنىَ. وقيلَ: الفاكِهُ: ذو الفكاهة، نحوُ: لابِن وتامِرٍ. والفَكِهُ: مَن بالغَ في ذلك. وفي الحديث: ((أربعةٌ ليسَ غيبتُهُنَّ بغيبةٍ .. كذا وكذا .. والمتفكّهون بالأمَّهات))(٣) أي معناهُ الذین یشتُموهنَّ مُتَفگُّهین به. وقولُه: ﴿فَظَلْتُم تَفِكَّهون﴾ [الواقعة: ٦٥] قيلَ: معناهُ تَتَدَّمون. وفِكِهَ وفكنَ: تندَّمَ. والتفكيهُ والتفكُّنُ: التندُّمُ، وقيلَ: معناه تتعجبُّون. وكذا قوله: ﴿اتْقلبوا فَكِهِينَ﴾. [المطففين: ٣١] أي مُعجبين. والفاكهةُ: ما يتفكَّه به من الثمار، ويغلبُ في الرُّطب منها، وقال الراغب(٤): وقيلَ هيّ الثمارُ ما عدا العنبَ والرمانَ. وقائلُ هذا كأنَّه نظرَ إِلى اختصاصِهِما بالذكرِ وعطفِهما. على الفاكهة - انتهى - قلبُ: كأنه سبقَ لسانُه أو قلمُه من الرطبِ إِلى العنب لأنه يريدُ أنهما عطفا على الفاكهة وليس ذلك إلا في قولهِ فيهما: ﴿فاكهةٌ ونخلٌ ورمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] فالمرادُ بالنخلُ ثمرُه وهوَ الرُّطَبُ. فصل الفاء واللام ف ل ت: قرأ ابنُ عباسٍ: ﴿وسيعلمُ الذينَ ظَلموا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (١) قرأ نافع وأبو جعفر وقتادة وأبو حيوة ومجاهد وشيبة وأبو رجاء والحسن والأعرج (فَكهون)، وقرأ طلحة بن مصرف وابن مسعود والأعمش (فاكهين )، وقرئت ( فَكِهِين، فَكُهُون) البحر المحيط ٠٣٤٢/٧ (٢) قرأ أبو جعفر وأبو رجاء والحسن وشيبة والأعرج (فَكِهِين) الإتحاف ٣٨٨ والنشر ٣٥٤/٢. (٣) غريب ابن الجوزي ٢ /٢٠٣ والنهاية ٤٦٦/٣. (٤ ) المفردات ٦٤٣. ۔۔۔ ٢٤٩ باب الفاء بالفاء والتاءِ (١)، والانفلاتُ: التخلصُ من وثاقٍ. يقالُ: أفلتتِ الدابةُ تفلتُ فهيَ مُفلتةٌ إِذا نَدَّتْ وهربتْ وأفلتَها غيرُه، قال الشاعرُ: [ من الطويل] جَزَى اللهُ خيراً جُبَّتي وحماریا(٢) ١٢١٩ - وأَفْلسي منها حماري وجبتي وفي الحديثِ: ((إِنَّ اللهَ يُمْلِي للظالم حتى إِذا أُخذَه لم يُفْلِتْهُ))(٣) أي لم يخلصْهُ منه أحدٌ، وفيه: ((إِنَّ أُمِّي اقْتُلْتَتْ نفسُها))(٤) أي ماتتْ فجأةً. وكلُّ أمرٍ عوجلَ به من غيرِ رويَّةٍ فهو فَلَةٌ؛ يقالُ: كان هذا فلتةٌ من فلانٍ: أي من غيرٍ قَصدٍ. ف ل ح: قولُه تعالى: ﴿وأولئك هُمُ المُفْلحون﴾ [البقرة: ٥] الفلاحُ: الفَوزُ والظفرُ بالْبُغية، وأصلُه من فلحتُ الحديدَ، أي شَقَقْتُه. قال الشاعرُ: [من الرجز] ١٢٢٠ - إِنَّ الحديدَ بالحديد يُفْلَحُ(٥) ومنه الفلاّحُ لأنه يشقُّ الأرضَ. ورجلٌ أفلحُ: أي مشقوقُ الشَّفة. وفي الحديث: ((لولا شيءٌ يسوءُ رسولَ اللّهَِّهُ الضربتُ فَلَحَتَكَ))(٦) أي موضعُ الفلحِ. وقيلَ: الفلاحُ: البقاءُ، ومثلُه الفلحُ، وأنشدَ لأبي الدَّحْداح: [من الرجز] ١٢٢١ - بشَّركَ اللهُ بخيرٍ وفَلَحْ(٧) وقال الأعشى: [من الرمل] (١) قرأ ابن عباس والحسن وابن أرقم (منفلت ينفلتون) البحر المحيط ٤٩/٧ والكشاف ١٣٤/٣ والقرطبي ١٥٣/١٣. (٢) البيت في اللسان والتاج (حبر) لمصبّح بن منظور الأسدي، وفي الأساس (فلت) لنصيح بن منظور الفعقسي ، وفي اللسان والتاج (فلت ) دون عزو . (٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة هود برقم ٤٤٠٩، ومسلم في البر والصلة والآداب ٢٥٨٣. (٤) الفائق ٢ /٢٩٥ وغريب ابن الجوزي ٢٠٤/٢ والنهاية ٤٦٧/٣. (٥) الرجز في اللسان والتاج (فلح) والعين ٢٣٣/٣ وتهذيب اللغة ٧٢/٥ والمستقصى ٤٠٣/١ (قد علمت خبلك أني الصحصح) (٦) الفائق ١٨٩/٣ والنهاية ٤٦٩/٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠٥/٢. (٧) النهاية ٤٦٩/٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠٥/٢. ٢٥٠ باب الفاء . ١٢٢٢ - أو لئن كنّا كقومٍ هَلكوا، مالِحَيٍّ، يالَقَومي مِن فَلَحْ(١) وقيل: هو الغنى والعزّ، وإِياهُ قصدَ الشاعرُ بقوله [ من الرجز] ١٢٢٣ - أفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدْرَكُ بالـ ـضّعْفٍ، وقد يُخدعُ الأريبُ(٢) وقولُه: ﴿قد أفلحَ (٣) المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] أي صاروا إِلى البقاء، وقيل: أصابوا نعيماً يَخلدون فيه. وقولُ المؤذن: ((حيّ على الفلاح)) أي هَلمُّوا إِلى سببِ البقاءِ، ثمَّ الفلاحِ بمعنى إدراكِ الْبُغية على ضربينٍ: دُنيويٍّ وَأُخرويٌّ؛ فالدُّنْيويُّ: الظفرُ بالسعادات التي بها تطيبُ حياةُ الدنيا، ومنه قولُ الشاعر: ١٢٢٤ - أفلح بما شئتَ .... البيت والأخرويُّ أربعةُ أشياء: بقاءً بلا فناء، وغنى بلا فقرِ، وعزّ بلا ذل، وعلمٌّ بلا جهل، وكذلك قال الصادقُ الصدوقُ تَّهُ: (( لا عيشَ إِلا عيشُ الآخرة)) (٤). وقولُه: ﴿ قد أفلحَ اليومَ من اسْتَعلى﴾ [طه: ٦٤] هو الفلاحُ الدنيويّ. .: وسُميَ السَّحورُ الفلاحُ إِمّا لأنَّ به بقاءَ البدن والحفظَ من الضعف، وإِمّا لأنه يقالُ عندَه ((حيَّ على الفلاح)) (٥). وسُمي وقتُ الصُّبْح فلاحاً لذلك، ومنه: « خفْنا أن يُدر كنا الفَلاحُ)). وعندي: حتى يُدركَنا هذا القولُ لأنَّه إِنما يقالُ عادةً عندَ الصبح فیکونُ هذا من الكنايات. وقيلَ: المعنى أنْ يُدركَنا السحورُ. والمعنى وقتُه ومعناهُ ما قدَّمتُه. وفي حديثٍ آخرَ: ((حتى خفْنا أن يَفوتَنا الفُّلاحُ))(٦) قال الراغبُ(٧): أي الظفرُ الذي جُعلَ لنا بصلاة العَتَمة. (١) ديوانه ٣٨٧. (٢) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ٢٦ واللسان والتاج (فلح ) والجمهرة ١٧٧/٢. (٣) قرأ ورش وابن ذكوان وحفص وإدريس (قَدَ افْلَحَ) الإتحاف ٣١٧، وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد (أُفْلِحَ)، وقرأ طلحة بن مصرف ( أَفْلَحُ، أَفْلَحُوا) البحر المحيط ٦ /٣٩٥. ( ٤) أخرجه البخاري في الجهاد، (٣٣) باب التحريض على القتال ٢٦٧٩، ومسلم في الجهاد والسير ٠١٨٠٥ (٥) النهاية ٣ / ٤٦٩ وغريب ابن الجوزي ٢٠٥/٢. (٦) ابن ماجه ١ /٤٢٠ والنسائي ٨٣/٣ومسندأحمد ٠١٦٠/٥ (٧) المفردات ٦٤٤. ٢٥١ باب الفاء ف ل ق: قولُه تعالى: ﴿أن اضرِبْ بعصاكَ البحرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي انشقَّ. والفَلْقُ: انشقاقُ الشيءٍ وبَينونةُ بعضهٍ من بعضٍ. وقولُه: ﴿قُل أعوذُ بربِ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] الفلَقُ: الصبحُ، والمعنى بربِّ الصبحِ، وذلك لانغلاقِ الظلامِ عنه. وقيل: الفلقُ: الأنهارُ لأنها مفلوقةٌ في الأرضِ. وقد أشارَ إِليها بقوله تعالى: ﴿وجعلَ خِلالَها أنهاراً﴾ [النمل: ٦١]. وقيلَ: هي الكلمةُ التي علَّم اللهُ موسى عليه السلام فدّعا بها فانفلقَ البحر. وقولُه: ﴿فالقُ(١) الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] أي شاقُ الظلمة عن النورِ، وهو راجعٌ إلى معنى خالقٍ، وقيلَ: الفلقُ: الخلقُ كلُّه. قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ فالقُ(٢) الحبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] أي يشقُّ الحبةَ اليابسةً فيُخرجُ منها وَرَقاً أخضرَ. وفي رؤياهُ عليه الصلاة والسلام: ((فتأتي مثلَ فَلَقِ الصُّبْح))(٢) يَعني في وضوحِها مثلَ إِنارتهِ وإِضاءتهِ. وفي حديثِ الدجّال: ((رجلٌ فَيْلِقٌ))(٤) وهو العظيم؛ يقال: رجلٌ فَيلقٌ وفَيَلَمّ. وتَفَيَلقَ الغلامُ وتَفَيِلِمَ. وسُئل الشعبيُّ عن مسألةٍ فقال: (ما يقولُ فيها هؤلاءِ المَفاليقُ؟))(٥) يعني الذين لا علمَ لهُم. وأصلُه أن المفاليقَ جمعُ مِغلاق، والمغلاقُ مَن لا مال له، فشبّه مَن لا علمَ له عنده بهم، وهو تشبيهٌ حسن. والفِلْقُ: المَفْلوق، كالنّكثِ والنّقضِ. وقيلَ: هو العَجبُ أيضاً. والفَلِيقُ والفالقُ: مابينَ الجبلينِ وما بينَ السَّنامين. ف ل ك: قولُه تعالى: ﴿كلٌّ فِي فَلَكِ يَسْبَحون﴾ [الأنبياء: ٣٣] الفَلكُ: مَجرى الكواكب، (١) قرأ النخعي وابن وثاب والأعمش وأبو حيوة (فَلَقَ) الكشاف ٢٩/٢. (٢) قرأ ابن مسعود والمطوعي (فَلَقَ) الإتحاف ٢١٣. (٣) مسند أحمد ١٥٣/٦. (٤) غريب ابن الجوزي ٢ /٢٠٧ والنهاية ٣/ ٤٧٢. (٥) الفائق ٢ / ٢٩٥ وغريب ابن الجوزي ٢٠٧/٢ والنهاية ٤٧٢/٣. ٢٥٢ باب الفاء وقيلَ : الأفلاكُ: هيئةٌ مستديرةٌ كالتي للساقية، وبعضها يدخل في بعضٍ، أعلاها الفلكُ الأطلسُ وهو الفلكُ الأَثيرُ. ويقالُ له الفلكُ المُحيط، ولأهلِ الهيئة فيها كلامٌ ليس هذا موضعَ بیانِهِ . قولُه تعالى: ﴿وَآيَةٌ لهمُ أَنّا حَمَلنا ذُرِّيَّتَهُم في الفُلْكِ المَشْحِون﴾ [يس: ٤١]. الفُلك: السفينةُ، ويكونُ جمعاً، ويكونُ واحداً؛ فمن الأول قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذا كنتُم في الفُلكِ(١) وجَرَيْنَ بِهِم بريحٍ طيبةٍ﴾ [ يونس: ٢٢] فأعادَ ضميرَ الجمعِ على لفظٍ. ومن الثاني قولُه تعالى: ﴿في الفُلْكِ المشحون﴾ فوصفَه بالمفرد، وهذا مما خرجَ عن القاعدةِ، فكان لفظُ مفردهِ كلفظِ جمعه، وهو جمعُ تكسيرٍ، وعندَ الأخفشِ(٢) ممّا اشتركَ فيه لفظُ الواحدِ والجمعِ كجُنُب وشُلل. وردَّ سيبويهِ هذا بقولهم(٣): فُلكان في التثنية. وتحقيقُه في غيرِ هذا الموضع. ومثلُه ناقةٌ هِجانٌ ونوقٌ هِجانٌ ودرعٌ دلاصٌ ودروعٌ دلاص، فضِمةٌ فُلك جمعاً كضمَةٍ بُدنِ وحُمر، وضمتُه مُفرداً كضمةٍ قُفل، وكسرةُ هجان جمعاً ككسرة رجال، وكسرتُه مفرداً ککسرة كِتاب. وقيلَ: فُلك جمعُ فَلَك، نحو أُسْدٍ وَسَدِ، والفلكُ كل ما استدارَ ومنهُ فَلْكَةُ المغْزل. وفلكتُ الجديَ: جعلتُ في لسانهِ مثلَ فَلكة المغزل لتمنعَه من الرضاع. وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ: (( تركتُ فَرسي كأنَّه يَدورُ فِي فَلَكِ))(٤). قال بعضُ الأعراب: الفلكُ: الموجُ إِذا هاجَ البحرُ واضطربَ، وذلك أنه أصابتْهُ عَين. ف ل ن : قوله تعالى: ﴿لَيْتَني لم أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٨] في هذا تنبيهٌ أنَّ كلّ إنسانٍ يتندَّم عن مَن خالَّه وصاحبه في تَحرِّي باطلٍ، وإلى ذلك أشارَ بقوله: ﴿ الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إِلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وفلانٌ وفلانةٌ: كنايةٌ عن أعلام العُقلاء، والفلانُ والفُلانةُ: كناية عن أعلامٍ غيرِ (١) قرأ أبو الدرداء (الفُلْكِيٌ) البحر المحيط ١٣٨/٥. (٢) معاني القرآن للأخفش ٢ /٥٦٦ (٣) لم يرد هذا القول في كتاب سيبويه، انظر كتاب سيبويه ٥٧٧/٣: (٤) الفائق ٢ /٢٩٨ والنهاية ٣ /٤٧٢ ٢٥٣ باب الفاء العقلاء. وفُلُ الملازمُ للنِّداء أصلُه فلانٌ، وشدَّ قولُه: [من الرجز] ١٢٢٥ - في لَجَّةِ أَمْسِكْ فُلاناً عن قُلٍ(١) فصل الفاء والنون ف ن د : قولُه تعالى: ﴿لولا أنْ تُقنِّدون(٢)﴾ [يوسف: ٩٤] التَّفنيدُ: نسبةُ الإنسانِ إِلی الفَنَد. والفَنَدُ: الفسادُ والخَيَلُ وضعفُ الرأي.، وقيل: معناه: تَلوموني، وهو راجعٌ لِما ذكرتُ. وقيلَ معناهُ: تُخرِّفون أي تَقولون: قد خَرِفْتَ. وفي الحديث: ((ما ينتظرُ أحدُكم إِلا هَرَماً مُفْنِداً)(٣) يقالُ: أفنَدَ الرجلُ: كثُر كلامُه، وأفندَه الكبرُ؛ يُستعملُ قاصِراً ومتعدياً. وفي حديثٍ أمِّ مَعبدٍ: (( لا عابسٌ ولا مُفَنَّدٌ))(٤) أي لا ساقطُ الكلام لخرفهِ. وفي حديثٍ. آخرَ: ((يعيشُ الناسُ بَعدي أَفْناداً)» (٥) الآفنادُ: جمعُ فِنْد، والفِنْدُ: الجماعةُ على حِدَةٍ، والفنْدُ - أيضاً - شِمراخُ الجبل، وبه سُمي الرجلُ. وفي الحديثِ: ((إِنِي أريدُ أنْ أَفْئِّدَ فَرساً)(٦) أي أقْتَني. وقالَ الأزهريُّ: أي أرتبطُ فَرساً. وحقيقتُه: أنَّخذُ حصناً التجئُ إِليه کما یُلجا إِلی فِنْدِ الجبل. ف ن ن : قولُه تعالى: ﴿ذَواتا أَفنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]. قيلَ: هو جمعُ فَتَن، والفَننُ: الغصنُ الغضُّ الورق، كذا قيَّده الراغب(٧): ولم يقيِّده غيرُه، قال الهروي: وشجرةٌ فَنْواءُ أي ذاتُ أغصان، ولا يقالُ فَنَّاءُ. (١) الرجز لأبي النجم العجلي في الطرائف الأدبية ٦٦ والخزانة ٤٠١/١ والمقاييس ٤ /٤٤٧ واللسان ( فلن)، واللسان والتاج (لجج) . (٢) قرأ يعقوب (تفندوني) الإتحاف٢٦٧. (٣) الفائق ٣٠١/٢ والنهاية ٤٧٤/٣ وغريب ابن الجوزي ٢٠٨/٢. (٤) الفائق ٢٧٧/١ وغريب ابن الجوزي ٢٠٨/٢ والنهاية ٤٧٥/٣. (٥) النهاية ٣ /٤٧٥ وتمام الحديث ((أسرع الناس بي لحوقاً قومي، ويعيش الناس بعدهم أفناداً يقتل بعضهم بعضاً)) . (٦) الفائق ٢ / ٣٠٠ وغريب ابن الجوزي ٢٠٩/٢ والنهاية ٣ /٤٧٥. (٧) المفردات ٦٤٥. ٢٥٤ باب الفاء قلتُ: القياسُ فَّاء وإِنَّما تُرك لشُهرةِ استعمالٍ غيرهِ. وقيلَ: هو جمعُ فىِّ، والمعنى: ذواتُ ألوانٍ مِنَ الثمار، وفي الحديث: ((أهلُ الجنة جُرِدٌ مكحَّلون أولو أَفائينَ))(١) جمعُ أفنان، وأفنانٌ جمعُ فَنَن وهو الخَصلةُ من الشَّعر تشبيهاً بالغصن. فصل الفاء والهاء ف هـم: قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها(٢) سليمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أي عَرَّفناه حقيقةَ الحكم. والفهمُ: هيئةٌ للنفسِ بها تتحقَّقُ معاني ما يَحسُنُ. وقولُه: ﴿فَفَهَّمناها سليمانَ﴾ يُحتملُ أن يريدَ: جَعلنا له من فضلِ قوةِ الفهمِ ما أدرَكَ به ذلك، أو أَلقينا ذلكَ فِي رُوعهِ، أو أَوحینا إليه وخَصَصناه به. كذا قالهُ الراغب(٣) وعندي أن هذا كلّه بمعنى واحد. وأفهمتُه: أي قلتُ لهِ قَولاً تصوَّرَ به ذلك. والاستفهامُ: طلبُ الفهم عما جَهِله. فصل الفاء والواو ف ـ ت: ﴿ولو تَرِى إِذْ فَزعوا فلا فَوْتْ(٤)﴾ [سبأ: ٥١] أي لا يفوتون ما فَزِعُوا منه. وأصلَ الفَوت: البعدُ عن الشيءٍ بحيثُ يتعذَّر إِدراكُه، وهو من فَوتِ الريح أي بحيثُ لا تدركُه الريحُ. وجعلَ اللهُ فوتَ فِه: أي بحيثُ يراهُ ولا يصل إلى فمهِ. والاقْتياتُ: اقْتَعالٌ منه، وهو أن يفعلَ الإِنسانُ الشيءَ من دونِ أمرٍ مَن حقُّه أن يؤْتَمر. قوله: ﴿ما تَرى في خلقِ الرحمنِ مِن تفاوتٍ﴾ [الملك: ٣] التفاوتُ: الإختلافُ والتَّباينُ في الأوصافِ كأنه يفوّت وصفَ أحدهما الآخر أو وصفَ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ. وقُرِئٍ ((تفوُّتٍ)) بمعنى الأول(٥). ويقالُ: تفاوتَ تَفاوتاً، وتفوَّتَ تفوُّتاً: إِذا اختلفَ. وفي (١) الفائق ١ / ٦٠٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٢٠٩ والنهاية ٣ /٤٧٦. (٢) قرأ عكرمة (فأفهمناها) البحر المحيط ٣٣٠/٦. (٣) المفردات ٦٤٦. (٤) قرأ طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن (فلا فَوْتٌ) البحر المحيط ٢٩٣/٧. (٥) قرأها حمزة والكسائي وعاصم والأعمش وابن مسعود وابن جبير وطلحة. السبعة ٦٤٤ والنشر ٣٨٩/٢. : ٢٥٥ باب الفاء الحديث: ((إِنِي أكرهُ موتَ الفَوات))(١) أي موتَ الفجأة. وفيه: ((أنَّ رجلاً تفوَّتَ على أبيهِ في مالهِ))(٢) ومعناهُ أنه فات أباهُ على مالِ نفسِهِ فبدرَه ورهنَه دونَ إِذنه. ف و ج: قولُه تعالى: ﴿هذا فَوْجٌ مُفْتَحِمٌ﴾ [ص: ٥٩] الفرجُ: الجماعةُ من الناسِ وغيرِهم؛ فهو اسمُ جمع كقومٍ ورهطٍ يُجمعُ على أفواجٍ، قال تعالى: ﴿ورأيتَ الناسَ يَدْخلون في دينِ اللهِ أَفْواجاً ﴾ [النصر: ٢] وقالَ الراغبُ (٣): الفوجُ: الجماعةُ المارَّةُ المُسرعة. ف و ر: قوله تعالى: ﴿ويأتوكم من فورِهم هذا﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي من وقتهم وساعتِهم، وحقيقته أن الفَورَ مصدرُ فارَ يفورُ فَوراً: اشتدَّ غليانُه، ويُطلقُ على النارِ نفسِها، وفارت القدرُ وفارَ الغضبُ على التشبيهِ. وفلانٌ يفورُ من الحمّى، فإِذا قيلَ: فعلّه من فورهِ فالمعنى في حالٍ غليانِ الدمِ واشتدادهِ. وقيلَ: مِن فَورِهم أي من ابتداءِ أمرِهم، وحقيقتُه ماذكرته، ومنه قولُ المتكلمين والفقهاء: الأمرُ يَقتضي الفورَ والخيارَ في العيبِ والشّفعة على الفورِ، كلٌّ ذلك يريدونَ بهِ عدم التأخير. وقولُه: ﴿وَهِيَ تَفورُ﴾ [الملك: ٧] أي تَغْلي. والفوّرةُ ماترمي به القدرُ عندَ فورانِها، وفوارةُ الماءِ على التشبيه بذلك. ف و ز: قولُه تعالى: ﴿ذلك هو الفَوْزُ المُبين﴾ [الجاثية: ٣٠]؛ النَّجاةُ والتقصِّي من الشيءٍ. وقيلَ (٤): الظفرُ بالخير معَ حصولِ السلامة. والمغازةُ: الفلاةُ المُهلكةُ. وإِنَّما سُميتْ بذلك على سبيلِ التفاؤلِ. وقيلَ: سُميتْ بذلك لأن سالكَها إِذا قطعَها وصلَ إِلى الفوزِ وهو النجاةُ؛ فإِنَّ القفركما يكون للهلاك فقد يكونُ سَبِباً للفَوزِ. (١) مسندأحمد ٣٥٦/٢. (٢) الفائق ٣٠٣/٢ وغريب ابن الجوزي ٢١٠/٢ والنهاية ٤٧٧/٣. (٣) المفردات ٦٤٦. ( ٤) المفردات ٤٦٧. ٢٥٦ باب الفاء وقولُهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَتْهم بمفازةٍ منَ العذاب﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي بمنجاة. وقيلَ: بِبعُدٍ وهذا من طريقِ اللازمٍ لانهم إِذا نَجوا منهُ بَعُدوا عنه. وفَازَ يفوزُ، وفوَّز يفوِّزُ: إِذا ماتَ. قال بعضُهم: سُمِّيتْ مَفازةً لأنَّها مُهلكةٌ من قولِهم: فَوَّزَ الرجلُ: إِذا ماتَ؛ قال الراغبُ(١): فإِنْ يكنْ فَوَّزَ بمعنى هَلكِ صَحِيحاً فذلك راجعٌ إِلى الفوزِ، وتصوّرِ أنَّ مَن ماتَ فقد فازَ ونَجا من حبالةِ الدُّنيا؛ فالموتُ وإِنْ كانَ من وجهِ هُلْكاً فمن وجهٍ فَوزٌ، ولذلكَ قيلَ: ما مِن أحدٍ إِلا والموتُ خيرٌ له، هذا إِذا اعتُبر بحال الدنيا. فأمّا إِذا اعتُبر بحالِ الآخرة فما يصلُ إِليه من النَّعيم فهوّ الفوزُ الكبيرُ. وقد أشارَ إِلى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ زُحْرِحَ عن النارِ وأُدخِلَ الجنةَ فقدْ فِازَ﴾ [آل عمران : ١٨٥]. وقولُه: ﴿إِنَّ للمتَّقِينَ مُغازاً﴾ [النبأ: ٣١] يجوز أن يكونَ مصدراً وأن يكونَ مكاناً أي موضعَ فوزٍ. وقولُه: ﴿ حدائقَ وأَعنابا﴾ [النبأ: ٣٢] تفسيرٌ لذلك الفوز أو مكان الفوز على المبالغة والمجاز. وقولُه: ﴿وَلَعن أصابَكُم فضلٌ منَ اللهِ﴾ [النساء: ٧٣] إلى قوله: ﴿فَازَ فوزاً عظيماً﴾ أي يحرصون على أعراضِ الدنيا ويَعدُّون ما ينالونَه من الغنيمةِ فوزاً وليس كما زعموا، وفي شعر صاحبٍ سَطيح: [من الرجز] ١٢٢٦ - أمْ فازَ فازْلِمَّ بِهِ شَأَوُ العَنَنْ (٢) وقيل: فازَ بمعنى ماتَ، وقد تقدَّم وجهُ مجازه. ويُروى ((فادَ)) وهو بمعنَى ماتَ أيضاً؛ يقالُ: فادَ يفودُ أي ماتَ، وفاذَ يفيدُ أي تَبَخْترِ. ف و ض: قولُه تعالى: ﴿وأفوِّضُ أَمرِي إِلى اللهِ﴾ [غافر: ٤٤] أي أردِّه إِليه، يُقالُ: فَوَّضَ فلانٌ أمرَه إِلی فلان، وأصلُه من قولهم: مالهُم فوضی بینھم أي غیرُ مُتعیِنٍ لواحدٍ بعينه، ومنه شركةُ المُفاوضة، وهي أَن يَتَّفقا على أن يكونَ كسبُهما بينَهما، وما يعرضُ من غرامةٍ تکونُ علیھما . (١) المفردات ٤٦٧. (٢) تقدم في مادة (زلم) وهو في اللسان والتاج (فوز، سطح) والنهاية ٣١١/٢، ٤٧٨/٣ وغريب ابن الجوزي ١ /٢١١/٢٠،٤٤١ والفائق ٤٦١/١، وحياة الحيوان ٦٠٣/١. ٢٥٧ باب الفاء ف وق: قولُه تعالى: ﴿وفوقَ كلِّ ذِي علمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] أي ليسَ من عالمٍ إِلا وفوقَه مَن هوَ أعلمُ منهُ، وهذه الصفةُ ليستْ لاحدٍ إِلا للباري تعالى، وأمّا البَشرُ فيتفاوتون فلا تجدُ أحداً يُتْقَن شيئاً إِلا وفوقَه في ذلك العلمِ مَن يفوقُه فيه إِلى أن ينتهيَ ذلك العلمُ إِلى واحدٍ مخصوصٍ، ففوقَ ذلك الواحد الباري تعالی. وقولُه: ﴿وهو القاهرُ فوقَ عباده﴾ [الأنعام: ١٨] فالفَوقيَّةُ هنا ليستْ حقيقتَها مرادَةً - تعالى اللّه عن الجهة - وإنَّما المرادُ أنَّ قهرَه وسلطنه وقدرتَه استعلتْ على عباده؛ فهم تحتَ قهرِهِ وسلطنه لا يخرجون عن إرادته ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا خَيْراً ولا شراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. واعلمْ أنَّ فوقَ من ظروفِ الأمكنة المقابلِ لتحت وتصرفُه قليلٌ جداً، ويضافُ فيعرَّفُ، ويُقطع فيُّبْنِى كقبلُ، ويكونُ ظرفاً حقيقةً ومجازاً نحو: ثوبُك فوقَك، ونعمتُه فوقَك، ولما ذكرتُه من المجاز قال بعضُهم (١): فوقَ تُستعملُ في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة، وذلك أضربٌ. الأول: باعتبارِ العلوِّ، ويقابلُه تحتُ نحوُ قوله تعالى: ﴿قُلْ هوَ القادرُ على أن يبعَثَ عليكُم عذاباً من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥] ولذلك قابلَه بقوله: ﴿أو من تحت أرجُلكُم ﴾. والثاني: باعتبار الصُّعود والحُدور کقوله تعالى: ﴿إِذْ جاؤو کم من فوقِگُم ومن أُسفَلَ منكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]. قلت: ولذلكَ قُوبلَ هُنا بأسفلَ دونَ تحت. الثالثُ: أنْ يقالَ في العدد، أي باعتبارِ الزيادة، كقولهِ تعالى: ﴿فإِنْ كنَّ نساءً فوقَ اثنتينٍ فلهنَّ ثُلُثا ما تَرِكِ ﴾ [النساء: ١١] أي زائدةً على اثنتينٍ. ولما رأى بعضُهم أنَّ حكمَ الثِّنْتين حكمُ ما فوقَهُما في ذلك زَعم أنَّ فوقَ زائدةٌ، وجعل مثلَه: ﴿ فاضرِبوا فوقَ الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢]. وقال: تقديرُه فاضربُوا الأعناقَ، وهذا وهمٌ، وتحقيقُه في غيرِ هذا. ( ١ ) المفردات ٦٤٨-٦٤٩. ٢٥٨ باب الفاء الرابعُ: يقال في الكبيرِ والصغير كقوله تعالى: ﴿بَعوضةً فمافوقَها﴾ [البقرة: ٢٦] قيل: معناهُ هو الظاهرُ فما فوقها في الکبر، وذلك کضربه تعالی الأمثال بالعنكبوت والذُّباب وغيرِها مما هو أكبرُ جُرماً من البعوضة وبما هو دونَها، وأصغرُ جُرماً منها فما فوقها في الصِّغْر بهذا الاعتبار. وهذا المعنى هو الذي قصده بعضُهم بتفسيرهِ فوقَ بمعنى دونَ فقالَ: أرادَ فما دونَها لكنه لم يلخص عبارته ولم يُخلصها. قال بعضُ أهل اللغة: تصوَّر بعضُ أهلِ اللغة أنه يعني أنَّ فوقَ تُستعمل بمعنى دونَ فأخرجَ ذلك من جملةِ ما صنَّفه من الأضداد(١)، وهذا تُوهُم منه. الخامسُ: يقالُ باعتبارِ زيادة الفضيلةِ، ثم هذه الفضيلةُ تكونُ دُنْيويةٌ كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعنا بعضَهم فوقَ بعضٍ درجاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] وأخرويةٌ كقوله: ﴿والذين اتَّقُوا فوقَهم يومَ القيامةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]. السادسُ: باعتبارِ القهر والغلبة كقوله تعالى: ﴿وهو القاهرُ فوقَ عباده﴾. ومن فوقُ، المرادُ الزيادةُ في الفضل، اشتقُّوا قولهم: فاقَ فلانٌ فلاناً: إِذا زادَ عليه فيما يشاركُه فيه وعلاهُ من لفظ فوقُ اشتُقَّ فُوقُ السَّهمِ. وسهمٌ أَفْوِقُ: انكسرَ فوقُه. قولُه تعالى: ﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] قُرئَّ بفتح الفاء وضمُها(٢)؛ فقيلَ: لغتان، ومعناهُ: ما لَها من رجوعٍ. وقيلَ: بينَهُما فرقٌ. قال الفراءُ: ((ما لها من فَواق)) يعني - بالفتح - ما لَها من راحةٍ(٢). والإِفاقةُ - بالضم - ما بينَ حَلْبتَي الناقةِ مشتقٍّ من الرجوعِ لرجوع اللبنِ إِلى الضَّرْعِ بينَ الحلبتين. ومنه أفاقَ المريضَ من مرضه والمجنونُ من جنونِهِ، وذلك إِمّا لرجوع الصحة والعقلِ إِليهما؛ أو رجوعهما إِلى الصحَّة والعقل. وقال الأشترُ لعليٍّ رضي اللهُ عنه يومَ صفين: أَنْظِرْنِي ◌ُواقَ ناقةٍ))(٤) أي قدْرَ ما بينَ حَلْبَتَيْنِ. وقد ردًّ بعضُهم المعنيينِ إِلى معنى واحدٍ؛ فقال: المعنى: ما لَها من رجوع إلى راحةٍ. وقال أبو (١) لعله يقصد ابن الأنباري في كتابه الأضداد ص ٢٥٠، وانظر الاضداد للسجستاني ١ ١٠ وللصغاني ٢٤١. (٢) قرأها بضم الفاء: حمزة والكسائي وخلف والأعمش ويحيى بن وثاب والسلمي وطلحة. الإتحاف ٣٧٢ والنشر ٣٦١/٢ والبحر المحيط ٣٨٩/٧. (٣) معاني الفراء ٢ /٤٠٠. (٤) غريب ابن الجوزي ٢١١/٢ والنهاية ٣ /٤٧٩. ٢٥٩ باب الفاء عبيدةَ: مَن قرأَ بالضمِّ فهوَ من فُواق الناقة. وقال غيرُه: هما واحدٌ نحُو: جَمامٍ وجُمامٍ(١). وقيلَ: الإِفاقةُ هيَ الرجوعُ، فقولُك: أفاقَ المريضُ والمجنونُ والسكرانُ أي ثابَ إِليهم عقلُهم وقوتُهم بعدَ المرضِ والسكرِ والجنون. والإفاقةُ - في الحلْبِ: رجوعُ الدَّرِّ، وكلُّ دَرَّةٍ رجعتْ بعد الحلبِ تُسمَّى الفِيقَة، ومنه حديثُ أمِّ زرعٍ: (( وتُرْوِيهِ الفيقةُ))(٢) وقد اشتقُّوا من ذلك: تفوَّقْتُ الشيءَ أي شربتُه. وفي حديث أبي موسى، وقد ذُكرَ القرآنُ العزيز: ((وأمّا أنا فأتَفَوَّقهَ اللَّقوح))(٣). يقول: أتدبَّرُه وأتفهَّمُه شَيئاً فشيئاً ولا أهدّه هدَّاً من غيرِ تَفهُّم لمعناه، وهذا شأنُ العلماء. ولذلك ذمَّ اللهُ اليهودَ حيثُ قال تعالى: ﴿لَا يَعْلمون الكتابَ إِلا أَمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. وقد ذكرنا في مقدمةِ التَّفسير الكبير من ذلك جملةً صالحة. وقالوا: اسْتَفقْ ناقَتَك: أي اتركْها ساعةٌ بعد الحلب، والمعنى حتى يفوقَ لبنُها. وفوِّقْ فصيلَكَ: أي اسقه ساعةً بعد أخرى. وظلَّ فلانٌ يتفَوَّقِ المَحْضَ: أي يشربُ اللبنَ الخالصَ، يقالُ ذلك لمن يتخيَّرُ الأشياءَ ويَصْطفيها. وفي الحديث: ((قسمَ غنائمَ بدرٍ عن فُواقٍ))(٤) قيلَ: بقدرِ ما بينَ الحلبتين. وقيلَ: أرادَ التَّفضيلَ كأنه جعلَ بعضَهم أَفْوقَ من بعضٍ. وقال ابنُ مسعودٍ رضي اللّه عنه: ((فأمَّرْنا عثمانَ ولم نَالُ عن خيرِنا ذا فُوقٍ))(٥) ولم يقلْ خيرَنَا سَهماً لأنه قد يقالُ له سَهمٌ. وإِن لم يصلح فُوقُه فهو سَهمٌ، فإن لم يكن تاماً فكأنه قال: خيرُنَا سَهماً تاماً في الإسلام والسابقة والفضل. ف وم: قولُه تعالى: ﴿وَقُومِها﴾(٦) [البقرة: ٦١] اختلفَ الناسُ في ذلك اختلافاً كثيراً؛ فقيلَ: هو الثُّومُ المعهودُ بدلالةٍ ذكرهِ مع ما يناسبه من العدس والبصل. والفاءُ والثاءُ يتعاقبان في كثيرٍ نحوُ: جَدَث وجَدَفَ. وقيلَ: هو الحنطةُ ومنه: فَوِّمُوا لنا، أي اخْتَبِزوا لنا الحنطة . (١) مجاز القرآن ٢ /١٧٩. (٢) الفائق ٢ / ٢٠٨ وغريب ابن الجوزي ٢١١/٢ والنهاية ٣ /٤٨٦. (٣) الفائق ٢ / ٣٠٤ وغريب ابن الجوزي ٢١١/٢ والنهاية ٤٨٠/٣. (٤) الفائق ٢ /٣٠٢ والنهاية ٣ /٤٧٩. (٥) الفائق ٣٠٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٢١١/٢ والنهاية ٣ /٤٨٠. (٦) قرأ ابن مسعود وابن عباس (ثومها) القرطبي ١ /٤٢٥ والبحر المحيط ١ /٢٣٣. ٢٦٠ باب الفاء ف ر هـ: قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم﴾[آل عمران: ١٦٧] الأفواهُ جمعُ الفَم وأصلُهِ فَوَهٌ بدليلِ الأفواهِ والفُوَيهِ، وإنّما خُذْفِت لامُه وأُبدلتْ واوُه ميماً حالَ قطعه عن الإضافة، ولا تثبتُ ميمُه إِضافةٌ إِلا ضرورةٌ عندَ بعضِهم كقولهِ: [ من الرجز] ١٢٢٧ - يصبحُ ظمآنَ وفي البحرِ فمُه(١) والاختيارُ جوازُه لِمَا ثِيْتَ في الصحيح كـ ((لَخُلوفُ فم الصائمِ))(٢) ولذا لا يجوزُ عدمُ البدلِ ميماً حالَ قطعهِ عن الإِضافة إِلا ضرورةٌ كقوله: [ من الرجز] ١٢٢٨ - خالَطَ من سَلَمى خَاشِيمَ وَفَا(٣) يريدُ: وفاها. والذي حسَّن ذلك كونُ الإِضافة في قوةِ المنطوقِ بها. وقولُه تعالى: ﴿يقولونَ بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧] كقوله: ﴿ذلكُمْ قَولِكُمْ بِأَفِوامِكُمْ ﴾ [الأحزاب: ٤]. والقولُ لا يكونُ إِلا بالضم تنبيهاً على أنه قولٌ صادرٌ عن غيرِ عقِدٍ ولا ربطٍ بينَه، وإِنما هو شيءٌ يمرُّ بِاللسان من غيرِ عقدٍ بالجَنان، وهذا أحسنُ مِن قولِ مَنْ قال: إِنه تأكيدٌ لقولِه تعالى: ﴿ولا طائرٍ يَطِيرُ بجناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. والفمُ إِذا أضيفَ إِلى غيرِ ياءِ المتكلم كان منَ الأسماءِ المعروفة عندَ النحاة، وفيه لغاتٌ كثيرةٌ إِذا كانتُ معَه الميمُ (٤)، وقد حقَّقْنا هذا في موضعٍ أليقَ به من هذا. وفُوَّهَةُ البئرِ والزقاقِ بضمِّ الفاء وتشديد الواو ومفتوحة الهاء، والعامَّةُ تقولُ: فَوهَة بفتح الفاءِ وسكون الواو وهو لحنٌّ، وأمّا الفُوْهَة بالضِم والسكون فهي الكلمةُ. ومنه: قَولُهم: إِنَّ رَدَّ الفُوَّهَةِ لَشَدِيدٌ. فصل الفاء والياء قولُه تعالى: ﴿حتى تَفِيءَ(٥) إِلى أمرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع؛ يقالُ: فاءً ف ي أ: (١) الرجز لرؤية في ديوانه ١٥٩ والمخصص ١ /١٣٦ والدرر١ /١٤ والخزانة ٢٦٦/٢. .(٢) أخرجه البخاري في الصوم، (٢) باب فضل الصوم ١٧٩٥، ١٨٠٥، ومسلم في الصيام: ١١٥١ . (٣) الرجز للعجاج في اللسان (فوم) وابن يعيش ٦ /٩٨ وبعده: (صهباء خرطوما عقاراً قرقفا) .. (٤) المسائل العضديات ٢٤-٢٦. (٥) قرأ الزهري (تَفِيَ) البحر المحيط ١١٢/٨.