النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
باب الغين
وغارَ الماءُ غَوْراً.
غ وط :
قوله تعالى: ﴿أو جاءَ أحدٌ منكُم مِنَ الغائطِ﴾ [النساء: ٤٣] أي من قضاء
الحاجة . وأصلُ الغائط: المكانُ المطمئنُّ من الأرضِ الذي يُوارِي مَن يدخلُ فيه. وكلُّ ما
واراك فهو غائطٌ. فكنَّى به عن البرازِ لما كانَ الناسُ ينتابونَه لقضاء الحاجة لأنه يُواريهم
ويغيُِّهم. وبه سُمي غوطةُ دمشقَ لاطمئنانِها. وفي الحديث: ((أنَّ رجلاً جاءَه فقالَ: يا
رسولَ الله قُلْ لأهلِ الغائطِ يحسنوا مُخالَطَّتي))(١). أرادَ بالغائط هُنا حقيقتَه، وهو الوادي
المنخفضُ. وفي قصة نوحٍ عليه السلام: ((وانسدَّتْ ينابيعُ الغَوْطِ الأكبرِ))(٢) [ الغوط: ]
عمقُ الأرضِ الأَبْعدُ، يقالُ غاطَ يغوطُ، أي دخلَ في شيءٍ واراهُ.
غ و ص:
قولُه تعالى: ﴿كلَّ بَنّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧] الغَوصُ: الدخولُ تحتَ الماء
وإِخراجُ شيءٍ منه. فيقالُ لكلِّ من يهجمُ على شيءٍ غامضٍ فيخرجُه: غائصٌ، عَيناً كانَ
ذلك المُخْرَج أومعنىٌ، إلا أن حقيقتَه إِخراجُ العينِ منَ الماءِ. وقولُه تعالى: ﴿وَمَن
الشياطينِ مَن يغوصون له﴾ [الأنبياء: ٨٢] قيل: يستخرجون اللؤلؤَ من البحرِ، وهو أولُ
مَنْ استخرجَه. وقيلَ: معناهُ يستنبطون له الأعمالَ العجيبةَ والأفعالَ البديعةَ. وفي زمنهِ
ظهرتِ الصنائعُ وتوارثَها منهم الناسُ إِلى اليوم. ويقالُ: فلانٌ يغوصُ على المشكلات، أي
يستخرجُها ويوضحُها .
غ ول:
قولُه تعالى: ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] الغَولُ هنا: غَيبوبةُ العقلِ. وأصلُه
إِهلاكُ الشيءٍ من حيثُ لا يُحَسُّ به. ومنهُ: اغتالَه، وقتله غيلةً: إِذا قتلَه من حيثُ لا يشعرُ
به. قال السُّدِيُّ: أي [لا] تغتالُ عقولهم، أي لا تذهبُ بها عكسُ ما عليهِ جمهورُ العلماءِ
من كونها تذهبُ بالعقلِ. وقيلَ: الغَولُ: الصُّداعُ والتَّدويمُ في الرأسِ، ولذلك وصفَ
علقمةُ بنُ عبدةَ الخمرَ بذلك فقالَ: [ من البسيط ]
(١) الفائق ٢ /٢٣٩ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٦٦ والنهاية ٣٩٦/٣.
(٢) الفائق ٢ / ٢٤١ وغريب ابن الجوزي ١٦٦/٢ والنهاية ٣٩٥/٣.
١

١٨٢
باب الغین
ولا يخالطُها في الرأسِ تَدويمُ(١)
١١٥٢ - تَشْفِي الصُّداعَ ولا يؤذيكَ صالبُها
وقالَ أبو الهيثم: يقالُ: غَالتِ الخمرُ فلاناً: إِذا شَربها فذهبتْ بعقله أو بصحَّةٍ بدنهِ.
قالَ: والغولُ: الخيانةُ، وكذا الغائلةُ. وقال ابنُ عرفةً: يقالُ: غاله واغتاله، أي ذهبَ بهِ.
وفي عُهْدة المماليك: ((لا داءً ولا غائلةَ))(٢) قال ابنُ شميلٍ: الغائلةُ: أن يكونُ مَسروقاً،
فإِذا استحقَّ غالَ مالَ مُشتريهِ، أي أنقدَه في ثمنه. وإِنَّما نَفَى اللهُ تعالى عنها الغولَ لمَا نَبَّه
عليه من وصفٍ خمرٍ الدنيا في قولهِ: ﴿وَإِثْمُهما أكبرُ مِن نَفْعِهما﴾ [البقرة: ٢١٩]
وبقوله: ﴿إِنَّمَا الخَمِرُ والمَيْسِرُ﴾ إِلى قولهِ: ﴿رِجِسٌ من عملِ الشيطانِ فَاجْتَنَبوَهُ﴾
[المائدة: ٩٠] فبيَّنَ انتفاءَ ذلك عن خمر الآخرةِ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وأنهارٌ من
خمرٍ لذَّةٍ للشاربينَ﴾ [محمد: ١٥] وأمّا خمورُ الدنيا فليستْ بلذيذة الطعمِ، وإِنما
يَتَلذَّذون بها لِما تَنْفي من الهمّ ولِما تَغْيِّبُ من العقولِ المُقْتضيةِ للنظرِ في العواقبِ. وكلّما
قلَّ العقلُ قلَّ الهمُّ. ومنه قولُ بعضِ الدُّعَارِ: [ من الرجز]
١١٥٣ - لو لم يكنْ في شُرِها فَرَحٌ
إلا الخلاصَ مِن دَواهي الهُموم(٣)
وقالَ في معنى أنْ كلَّما قَلَّ العقلُ قلَّ الهمُّ: [من الكامل]
:
١١٥٤ - ذو العقلِ يشقَى في النعيمِ بعقلهِ
وأخو الجهالة في الشقاوةِ ينعم (٤)
والغولُ: شيءٌ يزعمُ العربُ أنه يُهلك الإِنسَانَ في البريَّة، وأنه يتراءَى له ويتلوَّنُ حتى
يتبعَه فيهلكُه، وذكروا ذلك في أشعارِهم وأكثروا منه؛ قال كعبٌ رضي الله عنه:
[من البسيط ]
١١٥٥ - فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها كما تَلَوَّنُ في أثوابِها الْغُولُ(٥)
وقد بالغَ بعضُ الشعراءِ فَقَالَ في نَفيِها. [من البسيط ]
أسماءُ أشیاءً لم تُخْلق ولم تكُنِ(٤)
١١٥٦ - الجودُ والغولُ والعَنْقا ثلاثُتها
:
(١) ديوانه ٦٩ .
(٢) أخرجه البخاري برقم ٦٥٧٩ في الحيل
(٣) لم أهتد إليه.
(٤) البيت للمتنبي في ديوانه ٤ / ١٢/٤.
(٥) ديوانه ٨.
(٦) البيت دون عزو في حياة الحيوان ٩٠/٢، ١٣٤، وقد تقدم برقم ١١٠٠٠ في مادة (عنق).
...-

١٨٣
باب الغین
وقد كذبَ في نفيِ الجودِ فإِنه خُلقَ وكانَ، ولكثرة ما ذكرت العربُ الغولُ نَفاها
الحديثُ النبويُّ في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا غُولَ))(١) كقوله: ((لا هامَةً ولا عَدْوَى
ولا صَفَرَ)»(٢). وتَغَولتْ عليَّ البلادُ، أي تلوَّنتْ واختلفتْ. وقال بعضُهم: الغولُ هي
السِّعلاةُ، والجمعُ سعالى. ويقولون: إِنَّ السِّعلاةَ ساحرةُ الجن. فإِنْ صحَّ ذلك فتكونُ
الغولُ موجودةٌ لأن مذهبَ أهلِ الحقِّ أنَّ الجنَّ موجودون. وفي الحديث: « بأرضِ غائلةِ
النِّطاءِ))(٣) أي تغولُ بُبُعدها سالكيها، أي تُهلكُهم. ومنه المثلُ: ((الغضبُ غول
الحلم)) (٤) أي يُهلك الحليمَ. والغولُ يُداني البعدَ، والبعدُ يُداني الإهلاكَ. فالغَوْلُ والغُولُ
يقعانِ على معنيينٍ متقاربين؛ أحدُهما البعدُ والآخرُ الإِهلاكُ، وتحقيقُه أنَّ الغَول مصدرٌ
والغُولَ اسمٌ كالغَسل والغُسل. وفي حديثٍ عمارٍ: (( أنه أوجزَ الصلاةَ فقالَ: كنتُ أغاولُ
حاجةٌ لي))(٥) قال أبو عُبيدٍ: المغاولةُ: المبادرةُ في السيرٍ. وأصلُه من الغَوْلِ، وهو البعدُ.
ومنه قولُهم في الدعاءِ:((هوَّنَ اللهُ عليك غَوْلَ هذا الطريقِ))(٦) أي بُعدَه. والبعدُ عندهم يعبِّرُ
عن الهلاك؛ قال الشاعر: [من الطويل]
١١٥٧ - يقولون: لا تَبعدْ وهُمْ يدفنونَه
فلا بُعدَ إِلا ما تُواري الصفائحُ(٧)
وقد تقدَّمَ ذلك في مكانه واللهُ أعلمُ.
غ و ي:
قولُه تعالى: ﴿والشُّعراءُ يَتَّبِعُهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] هو جمعُ غاٍ، وهو
الضالُّ المُنهمكَ فِي ضَلالِه لا يردُّه شيءٌ. يقالُ: غَوِى يَغْوِي غَيّاً والأصلُ غَوْياً فأدغمَ،
كطيّاً مصدرُ طوَى. وقد يُعبَّرُ بِغَوِيَ عن جهِلَ لأنه سببُهُ، وعليه قولُه تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ
صاحبُكم وما غَوَى﴾ [النجم: ٢]. وقد ذكرَ المفسرون في قولِه تعالى: ﴿وعصَى آدمُ
(١) مسند أحمد ٣٨٢,٣٠٥/٣.
(٢) الفائق ٢ /١٢٠ والنهاية ١٩٢/٣، ٢٨٣/٥وغريب ابن الجوزي ٧٥/٢.
(٣) الفائق ٢ /٤ وغريب ابن الجوزي ١٦٧/٢ والنهاية ٣٩٧/٣، والحديث لطهفة.
(٤) مجمع الامثال ٢ / ٦١ والمستقصى ٣٣٧/١.
(٥) الفائق ٢ /٢٤١ وغريب ابن الجوزي ١٦٧/٢ والنهاية ٣٩٧/٣.
(٦) أساس البلاغة (٣٣٠: غول).
(٧) البيت دون عزو في الدر المصون ٣٣٤/٦، ٣٨٠، وقد تقدم برقم ١٧٠.

١٨٤
باب الغین
رِبَّه فغَوَى﴾ [طه: ١٢١] إِذ معناهُ جهِلَ، وقيلَ: خابَ، وقيلَ: فسدَ عيشهُ. وقال آخرون:
بشِمَ، من قولهم: عَصَى الفصيلُ: إِذا بشِمَ. وقد قيلَ: إِنه يقالُ: غَوَى الفَصِيلُ وغَوِيَ،
بالفتح والكسر. وقد قُرِئٍّ: ((غَوِيَ))(١) بالكسرِ نحو هَوَى وَهَوِيَ. قولُه: ﴿فَأَغْوَيناكُمْ﴾
[الصافات: ٣٢] أي حملناكم على الغيِّ ﴿إِنا كنّا﴾ في أنفسنا ﴿غَاوِينَ﴾.
:
قوله: ﴿قالَ الذين حقَّ عليهمُ القولُ ربَّنا هؤلاء الذين أَغْوَينا أَغْوَيناهم كما
غَوَيْنَا﴾ (٢) [القصص: ٦٣] إِعلام منهم بأنّا قد فَعلنا بهم غايةً ما كان في وسعِ الإِنسانِ أن
يفعلَ بصديقهِ ما يريدُ لنفسهِ، فقالوا: أفدناهُم ما كان لنا وجعلناهُم أُسوةَ أنفسنا حتى لا
يبقَى لأحدِنا غيرُ غيِّ صاحبهِ، ولذلك تَرى الأصدقاءَ لا يُحبون أن يَتُخالفوا قولاً ولا فعلاً
هدىّ كان أو ضَلالاً، غياً أو رَشَداً. قولُه حكايةً عن إِبليسَ: ﴿وَلأُغْوِيَنْهم﴾
[الحجر:٣٩] أي لاحملنّهم عليه ولا جعلنّهم غاوین علیه ظناً منه بذلك لما رأى وعرفَ
من طباعِ الآدميين الانقيادَ إِليهِ، وعليه قولُه تعالى: ﴿ولقد صدّ قَ عليهِم إِبِليْسُ ظنّه﴾
[سبأ: ٢٠] الآية. قوله: ﴿فِسِوَفَ يَلْقَوْن غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] أي هلاكاً. وقيلَ: عذاباً ..
والمعنى سببُ ذلك لأنَّ الغَيَّ جهلٌ من اعتقادٍ فاسد، وذلك أنَّ الجهلَ قد يكونُ من کون
الإِنسان غيرَ معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً. وقد يكونُ من اعتقادِ شيءٍ فاسدٍ. فقولُه:
﴿فَسوفَ يَلْقَوْنِ غَيّاً﴾ أي أثرَ غِيُّ ومسبِّبَه. وقالَ طرفةُ بنُ العبدِ: [ من الرمل]
١١٥٨ - سادراً أحسبُ غيِّي رَشَدًا(٣)
وفي مقتلٍ عثمانَ: ((فَتَغاوَوا عليه حتى قُتلوه))(٤)، أي تعاونوا وغالوا، وأصلُه
تَجاهلوا وتَعاونوا بغيِّهم، والغَوايةُ: شدةُ الجهلِ. قال امرؤُ القيسِ: [ من الطويل]
١١٥٩ - وما إِنْأرى عنكِ الغَوايةَ تَنْجلي(٥).
وفي حديث عمرَ رضي الله عنه: ((إِنَّ قُريشاً تريدُ أن تكونَ مُغْوياتٍ لمال الله))(٦)
(١) قرئت (فغَوِيَ) تفسير الآلوسي ٢٧٤/١٦.
(٢) قرأ عاصم وأبان (غوينا) البحر الممحيط ١٢٨/٧.
(٣) صدر بيت في ديوانه ٥٩ وعجزه: فتناهيت وقد صابت بقر.
(٤) الفائق ٢٤١/٢ وغريب ابن الجوزي ١٦٧/٢ والنهاية ٣٩٨/٣.
(٥) عجز بيت في ديوانه ١٤ وصدره: فقالت يمين الله مالك حيلةٌ.
(٦) الفائق ٢/ ٢٤٠ وغريب ابن الجوزي ١٦٧/٢ والنهاية ٣٩٨/٣.

١٨٥
باب الغین
أي مُهلكاتٍ. قال أبو عبيد: كذا رُوي، والذي تكلمتْ به العربُ مُغَوَّيات، والمُغْوَّياتُ
بفتح الواوٍ وتشديدها، واحدتُها مُغَوَّةٌ: وهو حفرةٌ كالزُّبِيَة؛ تُحفَرُ ويُجعلُ فيها جَدْيٌ
ونحوُهُ، فيراهُ الذئبٌ فيسقطُ ليأكلُه. ومنه قيلَ لكلِّ مَهلكةٍ مُغَوَّةٌ. قالَ: أرادَ أن تكونَ
مَهلكةٌ كإِهلاكِ تلك المُغَوَّةِ للذئبِ. ومُثُلَ للعربِ: ((مَن حفرَ مُغَوّةً أوشكَ أن يقعَ
فیها))(١).
فصل الغین والياء
غي ب:
قولُه تعالى: ﴿الذين يُؤْمِنون بالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الغيبُ: مصدرُ غابَ يغيبُ
ضدُّ حضَرَ يحضُرُ. والمرادُ يؤمنون بأخبارِ الغيبِ، كأخبارِ البعثِ والنشورِ والصِّرَاطِ
والميزانِ والحوضِ، والجنة والنارٍ وعذابِ القبرِ وفتنةٍ مُنكرٍ ونكيرٍ ونحو ذلك، مما وردَ به
الكتابُ العزيزُ والسَّنَةُ الصحيحةُ. وقيلَ: الغيبُ: مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسم الفاعلِ، أي
يؤمنون بالغائب مما أُخبروا به من نحوِ ما تقدَّم ذكرهُ. وقيلَ: أصلُه غيِّبٌ بالتشديد فخفّف
كميْتٍ فِي مَيِّتٍ. ولنا فيه كلامٌ مشبعٌ في غيرِ هذا الموضع. وكلُّ ما اسْتَرِعَى العينَ فهو
غائبٌ وغيِّبٌ وغَيَبٌ وغابٌ. وقيلَ: معناه: يؤمنون بما لا يدخُلُ تحتَ الحواسُ ولا
تَقتضيه بدايةُ العقول، وإِنما يُعلم بأخبارِ الصادقينَ كالأنبياءِ والرسلِ والملائكةِ. وقيلَ:
الغَيْبُ: القرآنُ. وقيلَ: القدرُ، وهو تخصيصُ إِشارةٍ من قائلهِ إِلى بعضِ ما يَقْتضيهِ لفظُ
الغَيبِ. وقيلَ: معنى ((يؤمنون بالغيبِ )) مُتَلِبِّسينَ بالغيبِ، فتتعلقُ الباءُ بغيرِ الإِيمانِ أي
يؤمنون وهم غائبون عنكم وليسوا كالمنافقين الذين يؤمنون بحضرتكم تَقَّةً وإحرازاً
الغنائمكم، ويكفرون في غَيبتكم، يشهدُ له: ﴿وإذا لَّقُوا الذينَ آمَنُوا قالوا آمَنًا وإِذا خَلَوْا﴾
[ البقرة: ١٤].
قولُه: ﴿حافظات للغيب﴾ [النساء: ٣٤] أي لا يفعلْنَ في غَيبةٍ بُعولتِهنَّ ما
يكرهونَه في حضورِهم. قولُه: ﴿ولا يَغْتَبْ بعضُكُم بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] هو أن
تذكُرَ أخاكَ بما يكرهُه من عيبٍ من غيرِ حاجةٍ شرعيةٍ، فإِنْ كانَ حاجةٌ فلا بأسَ، بل ربّما
(١) مجمع الامثال ٢٩٧/٢، ويروى: (من حفر مهواة) انظر جمهرة الأمثال ٢٨٩/٢ والمستقصى
٣٥٤/٢ والأمثال لابن سلام ٢٧٠.

١٨٦
باب الغين
يجبُ كمشاورةِ الإِنسانِ في خطيةٍ ومعاملةٍ ونحو ذلك. والغَيْبةُ والغَيابَةُ: مُنْهبطٌ من
الأرض، ومنه الغابةُ للأَجَمةِ. وفي المثل: ((وهُم يَشهدون أحياناً ويَتَغايبون أحياناً)(١).
قولُه: ﴿وَيَقْذِفِون بالغَيْبِ مِنْ مكانٍ بَعيدٍ﴾ [ سبأ: ٥٣] أي من حيثُ لا يُدركونَهم
ببصرِهم وبصيرتِهم. قالَ ابنُ الأعرابيّ: الغَيبُ: ما غابَ عن العيون وإِن كان مُحصَّلاً في
القلوب. وأنشدَ : [ من البسيط]
١١٦٠ - وللفؤاد وجيبٌ تحتَ أَبْهَرهِ
لَدْمَ الغلامِ وراءَ الغَيبِ بِالحَجَرِ (٢)
وقال الهرويُّ: أرادَ وراءَ الجدارِ. وفي عُهدة الرَّقيقِ: (( ولا داءَ ولا خبْثَةَ ولا
تَغْيِيبَ))(٣) قال ابنُ شميلٍ: التغييبُ ألاّ يبيعَه ضالَّةٌ ولا لُقَطةً ولا مُرعرعاً، أي معيباً . وفي
الحديث أيضاً: ((حتى تَمْتَشِطُ الشَّعِثَّةُ وَتَسْتَحِدَّ المُغيبةُ)) (٤) أي التي غابَ عنها زوجُها.
وفي حديثٍ أبي بكر الصديقِ رضيَ اللّه عنه: ((أن حساناً لما هجا قُريْشاً قالت: ((لَشَتْمٌ ما
غاب عنه ابنُ أبي قِحافةً))(٥) يعنون أن أبا بكرٍ كان عالماً بالأنساب والأخبارِ، وهو الذي
علَّمه، وكان أبو بكر عالماً بالأنساب يدلُّ له ما رُوي عنه عليه السلام في قولِهِ لحسَان:
((سَلَه عن معايبِ القومِ))(٦).
غ يث:
قولُه تعالى: ﴿كَمَثَلٍ غَيْثٍ﴾ [الحديد: ٢٠] أي مطرٍ. وقيلَ: تقديرُه كمثل نباتٍ
ينبتُ عن غيثٍ ولا حاجةً إِليه لقولهِ: ﴿نَباتُهُ ﴾. والغيثُ يقالُ في المطرِ، والغوثُ في
النُّصرة. قال ذو الرمةِ: [ من الوافر]
١١٦١٠ - سمعتُ الناسَ يَنْجِعونَ غَيْئاً
فقلتُ لِصَيدَحَ: انْتَجعي بلالا(٧)
(١) لم أجده في كتب الأمثال وهو في المفردات ٦١٧ واللسان (غيب).
(٢) البيت لابن مقبل في ديوانه ٩٩ واللسان والصحاح والتاج (بهر) . :
(٣) الفائق ٢٣٥/١ وغريب ابن الجوزي ١٦٨/٢ والتهاية ٣٩٩/٣.
(٤) أخرجه البخاري في النكاح، ( ١٠) باب تزويج الثيبات ٤٧٩١، ومسلم في الإمارة ٧١٥ ومسند أحمد
٢٩٨/٣
(٥) الفائق ٢ /٢٤٤ وغريب ابن الجوزي ١٦٨/٢ والنهاية ٣٩٩/٣.
(٦) الفائق ٢ / ٢٤٤ والنهاية ٣٩٩/٣.
(٧) ديوانه ١٥٣٥.

١٨٧
باب الغین
واستغثْتُّه: طلبتُ الغيثَ منه أو الغوثَ؛ فغاثَني من الغيثِ، وأَغاثني من الغوثِ.
قولُه تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ الناسُ﴾ [يوسف: ٤٩] من الغيث ليس إلا. قولُه:
فاستغاثَهُ(١) الذي من شیعته ﴾ [القصص:١٥ ] هو من الغوث لیس إِلا .
غ ي ر:
قولُه تعالى: ﴿غيرِ(٢) المغضوبِ عَليهِمٍ﴾ [الفاتحة: ٧] غيرُ تكونُ صفةٌ بمعنى
مُغايرٍ، ولذلك لا تتعرفُ بالإِضافةِ. وقال بعضهم: إِلا إِذا حضرتِ المغايرةُ بينَ ضدِّين
ونحوِهما، نحوُ الآية الكريمة، والوصفيةُ أصلُها. وقد تكونُ بمعنى لا النافيةِ، ومن ثم
عطفَ عليها. قولُه: ﴿ولا الضالِّين﴾، فأعيدتْ لا لما كانتْ بمعناها. ولذلك يقدمُ
معمولُ ما بعدَها عَليها كقولِ الشاعرِ: [ من البسيط ]
على التَّنائي لَعندي غيرُ مَكفورٍ(٣)
١١٦٢ - إِنَّ امرأُ خَصَّني يوماً مودَّتَه
ولهذا يقول النحويُّ: يجوزُ أنا زيداً غيرُ ضاربٍ ، ويمتنعُ أنا زيداً مثلُ ضاربٍ لما
بينّه في غيرِ هذا الموضوعِ، وأومأنا إِليه هنا. وتكونُ غيرٌ بمعنى إِلاَّ فيُستثنى بها وتُعطى
حكمَ ما بعدَ إِلا في النصبِ وغيرهِ كما هو مبينٌ في علم العربية، وكما حُملتْ غيرُ على إِلاَّ
في الاستثناء حُملت إِلا عليها في الوصفية بشروطٍ معروفةٍ عندَ النحاة (٤) كقوله تعالى:
﴿لو كانَ فيهما آلهةٌ إِلا اللهُ لفسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقد قسمَ بعضُهم غيرَ تقسيماً آخرَ
فقالَ(٥): غيرُ تقالُ على أوجهٍ: الأولُ أن تكونَ للنَّفيِ المجرَّدِ من غيرِ إِثباتِ معنى [ به]،
نحوُ: مررتُ برجلٍ غيرٍ قائم، أي لا قائم؛ قال تعالى: ﴿وهو في الخصامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾
[الزخرف: ١٨]. الثاني بمعنى إِلا فيستثَنى بها وتُوصُفُ بها النكرةُ قال تعالى: ﴿ ما
علمتُ لكِّم من إِلهِ غيري﴾ [القصص: ٣٨]. الثالث لنفي صورةٍ من غير مادَّتِها
(١) قرأ الحسن وسيبويه وابن مقسم والزعفراني (فاستعانه) الإتحاف ٣٤١ والبحر المحيط ٧ /١٠٩.
(٢) قرأ ابن كثير وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير
( غير) السبعة ١١١ والقرطبي ١ /١٥٠.
(٣) البيت لأبي زبيد الطائي في ديوانه ٦٢٢ واللسان والتاج (خصص) والإنصاف ٤٠٤ وابن يعيش
٦٥/٨ والدرر ١١٦/١،٥٩/٢ والهمع ٤٩/٢,١٣٩/١ وشرح شواهد المغني ٣٢٢.
(٤) الإنصاف ٢٨٧-٢٩٣، المسألة ٣٨.
(٥) المفردات ٦١٨.

١٨٨
باب الغين
نحو: الماءُ حاراً غيرُهُ إِذا كان بارداً؛ قال تعالى: ﴿بَدَّلناهُم جُلوداً غيرَهَا ﴾ [النساء: ٥٦].
الرابعُ أنْ يكونَ ذلك مُتناولاً لذاتٍ، نحو: ﴿تقولون على الله غيرَ الحقُّ﴾ [الأنعام: ٩٣]
أي الباطلَ. ﴿قُلْ أُغيرَ اللهِ أَبِغَي رَبّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما
بقومٍ حت يُغيِّرُوا ما بأنفُسِهِم﴾ [الرعد: ١١] التغييرُ: التحوُّلُ من صفةٍ إِلى صفةٍ، ومن
حالٍ إِلى حالٍ. ويكون على وجهينٍ أحدُهما تغييرُ صورةِ الشيءِ دونَ ذاتِه نحوُ غيِّرْتُ
داري، أي بَنَيتُها بناءً غيرَ الذي كانَ. والثاني لتبديلهِ بغيرِه نحو: غَيِّرتُ غُلامي ودابْتِي، أي
أبدلتُهما بغيرِهما. وقولُه: ﴿يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرْضَ﴾ [إِبراهيم: ٨] محتملٌ
للأمرينِ، وقد قيلَ: بكلُّ منهُما. وفي الحديث: ((ومَن يكفُرُ اللهَ يْقَ الغِيَر))(١) أي تغيَّرُ
الحالِ من صلاحٍ إِلى فسادٍ. والغيرُ أيضاً الديةُ، وجمعُها أغيارٌ. وسُميت الديَةُ غيراً لأنها
غيَّرتِ القَوَدَ إِلى غيرهِ. وقد فرَّقُ بعضُهم بينَ الغيرين والمختلفين بأنَّ الغيرين أعمُّ، فإِنَّهما
قد یکونان مختلفین وقد یکونان مُتَّفقینٍ. فالجوهران المُتحیِّزان هما غیران وليسا
مختلفينٍ. قالَ: وكلُّ خلافينٍ غَيْرَانِ وليسَ كلٌّ غيرينِ خِلافينٍ (٢).
غ ي ض:
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغْيُضُ الأرحامُ﴾ [الرعد: ٨] الغيضُ: النقصُ، ولذلك قوبلَ
بقوله: ﴿وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨] والمعنى: وما تفسدُه الأرحامُ فتجعلُه كالماءِ الذي
تبتلعُه الأرضُ. والغَيْضةُ: الضوءِ. وقِيلَ: معنى ﴿وما تغيضُ الأرحامُ﴾ وما تنقصُ عن
التسعة أشهرٍ التي هي وقت الوضع وما تزدادُ على التسعةِ المذكورة . وقيلَ: معناهُ ما
ينقصُ الولدُ عن تمامهِ. ويقالُ لذلك السقطِ الغَيْضُ. قولُه: ﴿وغيضَ الماءُ﴾ [هود: ٤٤]
أي نقص.
:
يقالُ: غاضَ الماءُ يغيضُ غَيْضاً، وغاضَه اللهُ يغيضُه غَيضاً، أي نقصَه فيكون لازماً
ومتعدياً نحو نقصَ وزاد فإِنهما يكونان لازِمينٍ ومتعدِّيينٍ. وفي الحديث: ((وغاضتْ:
بحيرةُ ساوَةٍ))(٢) أي نضبَ ماؤها. وفي المثل: ((أعطى غيضاً من فيضٍ))(٤) أي قليلاً من
(١) غريب ابن الجوزي ١٦٩/٢ والنهاية ٤٠١/٣، وهو من حديث الاستسقاء.
(٢) المفردات ٦١٩.
(٣) الفائق ١ /٤٦٠ والنهاية ٣ / ٤٠١.
(٤) غريب ابن الجوزي ١٦٩/٢ ومجمع الامثال ١٨/٢، ويروى (غيض من فيض) انظر مجمع الأمثال
٢ /٦٠ والمستقصى ١٧٨/٢ والامثال لمجهول ٧٩ ..

١٨٩
باب الغین
كثيرٍ. وفي الحديث: ((إِذا كان الشتاءُ قَيظاً وغاضَت الكرامُ غيضاً))(١) أي فَنُوا وبادُوا من
أجلِ القَيظِ. وقولُهم: ((غاضَتِ الدِّرَّةُ))(٢) أي نقصَ اللبنُ.
غ ي ظ:
قولُه تعالى: ﴿والكاظمينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. الغيظُ: أشدُّ الغضب؛ وهو
الحرارةُ التي يجدُها الإِنسانُ من ثَوَران دمٍ قلبهِ، فهو أخصُّ من الغضب؛ فكلُّ غيظ غضبٌ
وليس كلُّ غضبٍ غَيظاً. قولُه تعالى: ﴿سَمِعوا لها تَغَيِّظاً وزَفيراً﴾ [الفرقان: ١٢] أي
سَمِعوا لجهنمَ غَلَياناً وأزيزاً كما يُسمعُ ذلك من غَلَيَانِ القدرِ. والمعنى سَمعوا غليانَ
تَغِّيظ. وقولُه تعالى: ﴿تكاد تَمَّرُ مِنَ الغَيظِ﴾ [الملك: ٨]. قالَ ابنُ عرفَة: أي من شدة
الحرِّ. والمعنى: تكادُ ينفصلُ بعضُها من بعضٍ من شدَّة حرها غيظاً على الكافرين.
يقالُ: تغيظتِ الهاجرةُ: إِذا اشتدَّ حرِّها. وأنشدَ للأخطلِ: [من الطويل]
١١٦٣ - لدن غدوة حتى إذا ما تغيظتْ هواجر من سفيان حام أصيلها(٣)
وقيلَ: التغيُّظُ: إِظهارُ الغيظِ، ثم إِنَّه قد يكونُ مع ذلك صوتٌ كقولهِ تعالى:
﴿سَمعوا لها تَغيُّظاً﴾، وقد لا يكونُ ذلك. قولُه: ﴿إِنِهَم لَنا لَغائظُون﴾ [الشعراء: ٥٥]
أي حاملون لنا على الغيظ. وقيل: معناهُ أنهم داعون بفعلهم إِلى أن ينتقم منهم انتقامَ
المغيظ. وإِذا وُصفَ به الباري تعالى فالمرادُ به الانتقامُ على حدٍّ وصفهِ بالغضبِ كما
قدمتُه. وقد غظتُه فهو مغيظٌ. قالتْ قُتَيلةُ بنتُ الحارثِ: [من الطويل]
منَّ الفتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ(٤)
١١٦٤ - ما كان ضرَّك لو مَنْتَ ورُبَّما
في قصيدةٍ تخاطبُ بها رسول الله وم لائ .
(١) غريب ابن الجوزي ١٦٩/٢ والنهاية ٣ / ٤٠١.
(٢) غريب ابن الجوزي ٢ /١٦٩ والنهاية ٤٠١/٣، وهو حديث خزيمة في ذكر السَّنة.
(٣) ديوانه ٦٢٤ .
(٤) البيت في الأغاني ١٩/١ والعمدة ٥٦/١، وزهر الآداب ٦٦ والبيان والتبيين ٤ /٤٤ ومعجم البلدان
(أثيل) وأنساب الأشراف ١٤٤. وانظر أعلام النساء ٤ /٨٩. وقيل إن الرسول بعد ما سمع القصيدة
قال: ((لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته)) وكان أبوها قد قُتلَ.

١٩٠٠
باب الفاء
ف :
الفاءُ حرفُ عطفٍ يَقْتضي الترتيبَ والمَهْلَ عكسَ الواوِ وثمّ؛ فإِنَّ الواو لا تَقْتضي
ترتيبا١ً)، و((ثم)) تَقْتضي التَّراخي. فأمّا قولُه: ﴿أَنزَلَ منَ السماءِ ماءٌ فَتُصبحُ الأرضُ
مُخضَّرَةٌ﴾ [الحج: ٦٣] فقيل: تعقيبُ كلِّ شيءٍ بجنسهِ، وقيل: لأنَّ أرضَ المُخاطبين
بهذه الصفة.
وتفيدُ السببيَّةِ، ولذلك جازَ أن يُعطِفَ بها ما ليس صلةً على ما هو صلةٌ نحوُ قولِهِ:
الذي يطيرُ فيغضبُ زيدٌ الذبابُ. وتعطفُ ما هو خبرٌ على ما ليسَ بخبرٍ كقولِ الشاعر:
[ من الطويل ]
١١٦٥ - وإنسانُ عيني يجسرُ الماءَ تارةً فيبدو وتاراتٍ يُحِمُّ فِيغَرَقُ (٢)
وتحذفُ بعدها ((ربَّ)) كقولٍ امرئ القيس)): [من الطويل]
فألهيتُهاعن ذِي تَمائم مُغيل(٢)
١١٦٦- فمثلك حبلی قد طرقتُ ومُرضعٍ
وتقعُ جواباً للشرط فتضمرُ بعدَها ((ربَّ)) أيضاً كقول الشاعر: [من الوافر]
ويَنْزَغُكِ الوُشاةَ أُولو البُباطِ (٤)
١١٦٧ - فإِما تُعْرِضِنَّ أُمِيمَ عني
نواعِمَّ في المُرُوطِ وفي الرِّباطِ
فحورٍ قد لهوتُ بِهِنَّعِينٍ
تقديرُه: قربَّ حورٍ، فَأُضمرتْ بعدَها ربَّ مع كونِها جواباً، وهي وما بعدها في محلٌ
جزم؛ بدليلٍ عطف المجزوم عليها وعلى ما بعدها، ولذلك قُرئ: ﴿مَن يُضللِ اللهُ فِلا
هادِيَ له وَيَذَرُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٦] برفع يذرُ وجزمهِ، ولها أحكامٌ.
(١) قطر الندى ٣٠٢.
(٢) البيت لذي الرمة وقد تقدم برقم ٢٣٦، ٣٠٢.
(٣) ديوانه ١٢، وقد تقدم برقم ٣٩٨.
(٤) البيتان للمتنخل مالك بن عويمر الهذلي في ديوان الهذليين ١٩/٢ وابن يعيش ٥٣/٨.
۔۔

١٩١
باب الفاء
فصل الفاء والألف
ف أد:
قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِكُمْ السَّمعَ والأبصارَ والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] هي جمعُ
فؤاد، قيلَ: هو القلبُ الذي يرادُ به العقلُ لا العضوُ المعروفُ، وقال بعضُهم الفؤادُ
كالقلب، لكنّ يقالُ له فؤادٌ إِذا اعتُبر فيه معنى التفاؤد(١) أي التوقُّد، يقالُ: فأدتُ اللحمَ:
إِذا شَويتَه، ولحمٌ فَيدٌ بمعنى مَفؤودٍ (٢). وقولُه تعالى: ﴿ ما كذبَ الفؤادُ(٢) ما رأى﴾
[النجم: ١١] أي واطاً قلبُه بصرَه، والمعنى: الذي رآهُ حقٌّ يقينٌ لا تخييلَ. يقالُ: كذَبني
قلبي وظنِّي وصَدقني.
قولُه: ﴿التي تَطَّلِعُ على الأَفئدة﴾ [الهمزة: ٧] إِنَّما خصَّها لأنها أرقُّ شيءٍ في
البدنِ وأخفاهُ. فإِذا وصلَ إِليها الشئ فقد تَناهى إِفراطُه وتأثيرُه، أعاذَنا اللهُ بکرمه من
لفحاتها بمحمدٍ وآلهِ.
ف أي:
قولُه تعالى: ﴿قد كانَ لِكُمْ آيَةٌ فِي فِئتينٍ (٤) الْتَقْتا﴾ [آل عمران: ١٣ ] أي طائفتينِ
وجماعتين. والفئةُ: الجماعةُ من الناسِ، وقَّدها بعضُهم بالمُتظاهرة، وبعضُهم بالمتعاضدة
وهما مُتقاربتان، وجعلها بعضُهم من فاءَ يفيءُ أي رجعَ، قال الراغب(٥): والفئةُ الجماعةٌ
المتظاهرة التي يرجعُ بعضُها إِلى بعضٍ في التَّعاضدِ. وهذا لا يصحُّ لأنهَ ((فئة)) عينُها همزةٌ
ولامُهاياءٌ حُذفتْ، فهي كمئة، والأصلُ: فِئْية بدليلٍ قولِهِم: أمَاتُ الدراهمَ: أي صِيَّتُها
مئةً، فإِن ادَّعَوا فيها قَلباً أو حذفَ عينٍ فلا يُسمع لمخالفته الأصولَ. ونقلَ الهرويُّ وغيرُه
في لامها وجهينٍ: أحدُهما أنها باءٌ، والثاني أنها واو، وقال: هوَ من قولهم: فأيتُ رأسَه
وفأوتُه: إِذا شققْتَه فانْفَأَى. قلتُ: وبهذا الاشتقاقِ يُعلمُ فسادُ قولِ مَن جعلها من فاءَ يفيءُ
(١) في المفردات ٦٤٦((التفؤد)).
(٢) أي على وزن مفعول.
(٣) قرأ الجراح وعبدالله (الفؤادَ) مختصر ابن خالويه ١٤٦.
(٤) قرأ حمزة وأبو جعفر (فيتين ) الإتحاف ١٧١.
(٥) المفردات ٦٥٠.

١٩٢
باب القاء
إِذا رجعَ كما قدمتُ. ويُجمع جمعَي التَّصحيح فيقالُ: فَآتٍ، وهو القياسُ، وفئون. ولا
نبالي بتاء التأنيث لأنها عوضٌ من لامٍ كما يُقال مِئون ومثين. قال الشاعرُ: [ من الطويل]
١١٦٨ - ثلاثُ متین للملوكِ وفی یھا
ردائي وَجَلَتْ عن وجوهِ الأهاثم (١)
قولُه تعالى: ﴿فما لكُمْ فِي المُنافقينَ فِئتينٍ﴾ [النساء: ٨٨] أي فرقتينِ. فانتصابُها
على الحال، وذلكَ أنَّ المسلمين أفتَرَقوا في شأنهم فرقتينٍ: فرقةٌ تكفّرُهم وأخرى لم
تكفّرهُم. وقوله تعالى: ﴿أو مُتَحيزاً إِلى فئةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] أي إِلى فرقةٍ وطائفة، وفي
الحديث يُمهِّدُ عذرَ أصحابه: ((أنا فئتُكم))(٢) يشيرُ إلى الآيةِ.
فصل الفاء والتاء
فت ا :
قوله تعالى: ﴿قالوا تالله تفتا(٣) تَذكُرُ یوسُف ﴾ [ يوسف: ٨٥] أي لا تزالُ ولا
تبرحُ، وهو مضارعُ فتئَّ الملازمةَ للنفي العاملةَ عملَ كان، وهي ستةٌ أفعالٍ: مافتئَ، وما
زالَ، وما انفكَّ، وما برحَ، وهذه الأربعة مشهورةٌ، وَونى بمعنَى فَتَرَ، ورامَ بمعنى طلبَ،
ولا تعملُ إِلا منفيةٌ لفظاً كقوله تعالى: ﴿ ولا يزالونَ مُخْتَلِفِين﴾ [هود:١١٨] أو تقديراً
كقولهُ: ﴿تفتأُ تذكرُ يوسُفَ﴾ أي لا تَفْنا. وهذا الإضمارُ لا بدَّ منه لما تقرَّرَ من أنْ لا
يطُردَ حذفُها من المضارعِ الواقعِ جوابَ قسمٍ. وزعمَ بعضُهم أنها تعملُ عملَ نَفي لفظاً و
( لا) تقديراً، مُستدلاً بقولِ الشاعرِ: [من الوافر]
١١٦٩ - وأبرحُ ما أدامَ اللهُ قومي
بحمد الله مُنَطقاً مجيدا (٤)
وليس كما زُعمَ لصحةٍ تقديرٍ أَلا أبرحُ.
والبارحةُ: الليلةُ الماضيةُ، لا يقالُ لها ذلك إِلاَ بعدَ الزوال، وإلا فهي ليلةٌ؛ قال طرفةٌ
(١) البيت دون عزو في شرح المفصل ٢١/٦ وهو للفرزدق في ديوانه ٨٥٢ واللسان (ردى) والمقاصد
النحوية ٤ /٤٨٠.
(٢) غريب ابن الجوزي ١٧٤/٢ والنهاية ٤٠٦/٣.
(١) قرأ حمزة وهشام (تفتا) الإتحاف ٢٦٧ .
: (٢) البيت لخداش بن زهير فى اللسان (نطق) والمقاصد النحوية ٢ /٦٤، وبلا نسبة في الدرر ٤٦/٢
والهمع ١ / ١١١ والخزانة ٢٤٣/٩ (هارون).
:
--
- .

١٩٣
باب الفاء
ابنُ العبد: [ من الرجز]
١١٧٠ - ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة (١)
وبَرِحَ الخَفاءُ: أي ظَهر.
فت ح :
قولُه تعالى: ﴿ثم يَفْتَحُ بِينَنا بالحقِّ وهوَ الفتّاحُ (٢) العليمُ﴾ [ سبأ: ٢٦ ]أي يحكمُ
ويَقْضي، وعن ابنِ عباسٍ: ((ما كنتُ أدري ما معنى الفَتّاحِ حتى اختصَمَ إليَّ أعرابيانٍ فقالَ
أحدُهُما: افتَحْ بَيْننا))(٣) وهي الفُتَاحَةُ: أي الحكومةُ؛ وعليه قولُ الشاعر: [من الوافر]
١١٧١ - وإِني عَنِ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ(٤)
الفُتاحة بالضم.
قولُه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بِينَنا وبينَ قومِنا بالحقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكُمْ، وإِنَّما قيلَ
للقاضي: فَّاحٌ لأنه ينصُرُ المظلومَ.
والفتحُ: النصرُ، كقولهِ تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفتحوا فقد جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]
وقولُه: ﴿وكانوا من قبلُ يَسْتفتحون على الذين كَفَروا﴾ [البقرة: ٨٩]. وقيل لأنه يفتحُ ما
أُغلقَ على غيره من الأحكام.
قولُه تعالى: ﴿إِنا فَتَحنا لك فتحاً مُبيناً﴾ [الفتح: ١] أي قَضينا قضاءَ مُحكماً.
وعنَى به صلح الحديبيةِ. وقيلَ: فتحَ مكةً، والمعنى: فتحاً ظاهراً برکتُه، فإِنّه من حينئذ
كثُرَ الإِسلامُ واتسعَ نطاقُه .
والفتحُ في الأصل إِزالةُ الإِغلاق والإِشكال، وهو نوعان: أحدُهما مُدْرِكٌ بالبصر
نحوُ: فتحُك البابَ والقُفْلَ والمَتَاعَ، كقوله تعالى: ﴿فتحتْ (٥) أبوابُها﴾ [الزمر: ٧١]
(١) عجز بيت في ديوانه ١٥، وصدره: (كلهم أروَغُ من ثعلب). وقد تقدم في مادة (ب رح).
(٢) قرأ عيسى (الفاتح) البحر المحيط ٧ /٢٨٠.
(٣) الفائق ٢٤٨/٢ والنهاية ٤٠٧/٣.
(٤) البيت للأسعر الجعفي في اللسان والتاج (فتح، رسل)، وهو الأعشى بني قيس في الجمهرة ٢ /٤، والبيت
دون عزو في المقاييس ٤ /٤٦٩ والأساس (فتح) .
(٥) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب (فُتْحَتْ) الإتحاف ٣٧٧ والنشر ٣٦٤/٢
والسيعة ٥٦٤.

١٩٤
باب الفاء
﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥]. والثاني مُدْركٌ بالبصيرة كفتْحِ الهمّ وهو إزالةٌ
الغَمِّ، وذلك ضربان: أحدُهما الأمور في الدنيويةِ كغم يُفرَجُ وفَقَرٍ يُزالُ بمنحِ المال. والثاني
فتحُ ما استغلقَ من العلمِ نحو: الشافعيُّ فتحَ باباً مُغلقاً [من العلم]، وهذا مقولٌ في قولِهِ
تعالى: ﴿إِنَا فَتَحْنا لكَ فَتْحًا مُبِينً﴾ [الفتح: ١] عَنى تعالى ما فتحّه عليه الصلاةُ والسلام
من العلوم الإِلهيَّةِ والهدايات الدينيةِ التي هي ذرائعُ إِلى نيلِ أعلى المقاماتِ المحمودة
وإصابةِ الثواب الجزيلِ وسببٌّ في غفران الذنوبِ. ولذلك عقّبه بقوله تعالى: ﴿ليغفر لكَ
اللهُ ما تقدَّم من ذَنْبِك وما تأخّر﴾.
ويعبّرُ بالفتح عن توسعة الرزق كقولهِ تعالى: ﴿فَتَحْنَا عليهِم أبوابَ كلِّ شيءٍ﴾
[الأنعام: ٤] وقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنًا (١) عليهم بركاتٍ﴾ [الأعراف: ٩٦] المعنى: لوسعنا
عليهم الرزقَ ولاَقْبَلنا عليهم بالخيراتِ من كلِّ وجهٍ.
قولُه تعالى: ﴿ويقولونَ متَى هذا الفَتْحُ﴾ [السجدة: ٢٨] قيل: معناهُ إِزالةُ الشُّبهة
والشكِّ الذي كانوا فيه من قيام القيامة ومُشاهدةِ الساعةِ وأهوالها، وقيل: ما كانوا
يَسْتُفتحون من العذابِ ويطلبونَه، لإِنَّ الاستفتاحَ طلبُ الفتح.
ويعبّرُ بالفتح عن الابتداءِ بالشيءِ؛ يقالُ افتتَحْتُ كذا بكذا، ومنه سُميتْ فاتحةٌ
الكتاب للابتداء بها فيه. وفاتحةُ كلِّ شيءٍ مبدؤهُ الذي يُفتَحُ بهِ ما بعدَه.
وقولُه: ﴿إِذا جاءَ نصرُ اللهِ والفتحْ﴾ [النصر: ١] يحتملُ الظَّفرَ معَ النصر والحكم،
وما يفتحُ اللهُ بهِ من المعارفِ، ومثلُه قولُه: ﴿نصرٌ منَ اللهِ وفتحٌ (٢) قريبٌ﴾ [الصف: ١٣].
---
وقولُه: ﴿وعِندَه مفاتحُ (٣) الغيبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] قيلَ: هوَ جمعُ مَفْتج بفتح الميم
والمرادُ بها الخزائنُ نفسُها، والمرادُ أنَّ أحداً لا يتوصَّلُ إِلى علم غيبهِ كقوله: ﴿عالِمُ
الغَيبِ فلا يُظهِرُ على غيبهِ أحداً إِلا مَنِ ارْتَضى من رسولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] الآية.
وقيلَ: هو جمعُ مِفتح بكسرِ الميم وهو ما يُفتَحُ به، ومثلُه المفتاحُ وجمعُه مَفاتِيحٍ. والمرادُ
أنَّ الأشياء المتوصَّلُ بها إِلى علمٍ غيبهِ أستار ، خاطبهم بما يعرفونَ. فإِنْ تعذُّر عليه فتح
(١) قرأ ابن عامر وعيسى الثقفي ورويس وابن وردان وابن جماز(لفتحنا) الإتحاف ٢٢٧ والسبعة ٢٨٦.
. (٢) قرأ ابن أبي عبلة (نصراًمن الله وفتحاً قريباً) البحر المحيط ٢٦٤/٨.
. (٣) قرأ ابن السميفع (مفاتيح) وقرئت (مفتاح) البحر المحيط ٤ / ١٤٤.

١٩٥
باب الفاء
بابٍ عجزَ عن معرفة ما في داخلِهِ، والمعنيانِ مُتلازمان.
وقولُه تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفاتحَه(١) لَتَنُوءُ بالعُصبةِ﴾ [القصص: ٧٦] أرادَ الآلة التي
يُفتح بها، وقيل: الخزائنُ أنفسُها، والاولُ أبلغُ لانه إِذا كثُرتِ المفاتيحُ. فتكثير المفتوحِ
أبلغُ. يقالُ: إِنِها كانتْ من جلودٍ، طولُ كلِّ واحدٍ إِصبحٌ حملُ ثمانين بغلاً، فهذه
المفاتيحُ، فناهيكَ بالأموال.
وقولهُم: بابٌ فَتْحٌ وغَلَقّ أي مفتوحٌ لكلّ أحدٍ ومُغلقٌ عن كلِّ أحد. وروى أبو هريرةً
عنه عَ ◌ُّ: ((من وجدَ باباً غَلْقاً وجدَ إلى جانبهِ باباً فَتْحاً))(٢) قالَ الهرويُّ: قالَ
الأصمعي: لم يُذهبْ به إِلى المفتوحِ ولكن السعة. قال أبو عبيد: يعني بالبابِ الفَتْح
الطلبَ إِلى الله عزَّ وجلَّ والمسألة. وكُمٌّ فَتْحٌ: أي واسعٌ.
قولُه: ﴿فَفَتَحْنا أبوابَ السماءِ بماءٍ مُنهمرٍ﴾ [القمر: ١١] عبارةٌ عن إرسالِ المطر
الخارجِ عن المعتاد، وقيلَ: عبِّرَ بذلك عن إِجابة دعائهِ الكُلّي.
والفَتْحُ: ماءُ النهرِ الجاري، وفي الحديث: ((ما سُقِيَ بالفتحِ ففيهِ العُشرُ))(٢).
فت ر:
قولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحون الليلَ والنهار لا يَفْتُرون﴾[الأنبياء: ٢٠ ]أي لا يَسْكتون ولا
يَقْطعون عبادَتِهم ولا يَنْفِكُّ نشاطُهم عن ذلك. وأصلُ الفَتْرِ والفُتورِ: السكونُ بعدَ الشدَّة،
وفي الحديث: ((لك عملٍ شِرَّةٌ، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فمن فَتَرَ إِلى سُنتي فقد نَجا وإلا فقد
هَلك))(٤)؛ قولُه عليه الصلاةُ والسلام ((لكلِّ شِرّةٍ فَتْرةٌ)) إِشارةُ إِلى ما قيلَ: للباطلِ جولةٌ ثم
يضمحلُ وللحقُّ دَوْلٌ لا تَذِلُّ ولا تَقِلُّ. وقولُه: ((مَن فَتَر إِلى سُنتي)) أي سكنَ إِليها.
والطرفُ الفاترُ: الساكنُ ضَعفاً، وهو مُستحسنٌ.
وقولُه تعالى: ﴿على فَتْرةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] أي سكون خالٍ من مجيءٍ
الرسولِ. والمعنى: قد أتّى للرسلِ مدةٌ قبلَه. وفي الحديث: ((نهى عَن كلِّ مُسْكر
(١) قرأ الأعمش (مفاتيحه) وقرأ بديل بن ميسرة (مفتاحه لينوء، مفاتحه لينوء) البحر المحيط ١٣٢/٧.
(٢) هذا ليس حديثاً نبوياً، بل هو من قول أبي الدرداء في النهاية ٣ /٤٠٨ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٧٤.
(٣) غريب ابن الجوزي ٢ / ١٧٤ والنهاية ٤٠٧/٣.
(٤) مجمع الزوائد ٢/ ٢٦٠ والترغيب والترهيب ١ /٤٦.

:
١٩٦
باب الفاء
ومُفْتِرٍ))(١)، فالمُسكرُ: ما زالَ به العقلُ، والمُفترُ: ما يفتُرُ الجسدُ بشربه؛ يقالُ: أَفترَ الرجلُ
إِذا ضعُفَتْ جفونُه وانكسرَتْ.
والفِتْرُ: ما بينَ طرفِ الإِبهام والسبابة. يقالُ: فَتَرتُه بفتري وشَبَرَتُه بشبري.
فت ق:
قولُه تعالى: ﴿أَنَّ السموات والأرضَ كانتَا رَتْقَاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾[الأنبياء: ٣٠] الفَتْقُ:
الفَصْلُ بينَ مُتَّصلين، ضدُّ الرَّتْقى. والمعنى: كانا متلاصقين ففتقَهما اللهُ بالهواء. وقيل: فتقَ
السماء بالمطر، والأرض بالنبات، وقد كانتا خلاف ذلك.
والفَتْقُ والفَتيقُ للصبحِ تُصوَّراً منه أن الظلامَ قد انفتَق عنه. وأَفْتَقَ القمرُ إِذا صادف
فَتْقَاً يطلعُ منه، ونَصْلٌ فتيقُ الشَّفرتين: إِذا كانَ له شُعبتانٍ كأنَّ إِحداهُما فُتقتْ من الأخرى.
ويقالُ: جملٌ فَتيقٌ: تَفَتَّقِ سِمَناً، كأنَّهم تصوَّروا منه تفتُّقَ جلده لامتلائه بالشحم.
وتَفتَّقْتِ البهائمُ: أي انتفخت خواصِرُها من كثرةِ الرَّعي، وفي الحديث: (( كانَ في
خاصرتَيهِ انفتاقٌ))(٢) أي انتفاخٌ، وفي الحديث: ((في الفَتَقِ الدِّيةُ))(٣) قال الهرويُّ: أقرأنيه
الأزهريُّ بفتحِ التاءِ، قال: وهو قطعُ الشحمِ المشتملِ على الأُنْثيين، وقال الحربي: هو
إنفتاقُ المثانة(٤). وقال غيرُهما: انفتاقُ الصِّفاق إِلى داخلٍ يصيبُ الإِنسانَ فِي مَرَاقٌ بطنِهِ.
وفي الحديث: «حتى أَفتقَ بینَ الصَّدمتینِ»(٥) أي خرج من مضیقِ الوادي إِلی متسعه،
ومنه: أَفْتقَ السحابُ: إِذا اتفرجٌ.
فت ل:
قولُه تعالى: ﴿وَلا تُظْلَمُون فَتَيلاً﴾ [النساء: ٧٧]. قيلَ: هو ما في شَقِّ النَّواةِ مما
يشبهُ الخطَّ الرقيقَ. وقيل: ما يخرجُ من الوسخ عند فَتْلِكَ أصابعَك، والمعنى: قَدْرَ فَتیل،.
وهو فعيلٌ بمعنى مفعول يضربُ به المثلُ في القلّة والنَّزارة .
(١) الفائق ٢٤٦/٢ والنهاية ٣ /٤٠٨.
(٢) الفائق ٣٧/٣ وغريب ابن الجوزي ١٧٥/٢ والنهاية ٤٠٩/٣، والحديث للإمام على في صفته
(٣) الفائق ٢٤٨/٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٧٥ والنهاية ٤٠٩/٣، والحديث لزيد بن ثابت .
(٤) ورد القولان في غريب ابن الجوزي ٢ /١٧٥ والنهاية ٣ /٤٠٩.
(٥) الفائق ٣٧٨/١ والنهاية ٣ /٤٠٩.

١٩٧
باب الفاء
وفتلتُ الحبلَ: أحكمتُه، وفتلتُ الأمر: استعارةٌ من ذلك. والفَتيلُ: التي توقَّدُ في
السراجِ، قالَ الأعشى: [من البسيط]
١١٧٢ - هل تَنْهون ولا يَنْهِى ذَوي شَطَط
كالطَّعْنِ يَذهبُ فيهِ الزَّيتُ والفُثُلُ (١)
وناقةٌ فتلاءُ الذراعين أي قويّتُهما محكمتُهما، مِن فتلتُ الحبلَ: إِذا قويتَه بفتلٍ
طاقاته وقواهُ بعضُها إِلى بعضٍ. قال كعبُ بنُ زهير : [ من البسيط ]
١١٧٣ - عَيرانةٌ قُدَفتْ بالنّحضِ عن عُرُضٍ مِرَفَقُها عن بناتِ الزَّوْرِ مَفْولُ(٢)
ويقالُ إِنه اجتمعَ في النواة أربعةُ أشياءٍ يضربُ بها المثلُ في القلّة والحقارة، وقد
ذكرتْ منها ثلاثةٌ في القرآن العزيز: الفتيلُ، والنقيرُ وهو النقرةُ في ظهرِها(٣)، والقطميرُ وهو
اللفافةُ التي على ظهرِها (٤)، والتفروقُ وهو العرقُ الذي بينَ القمعِ والنواةِ. وفي حديثٍ
النجاشيِّ: ((ولو سألوني تفروقاً ما أعطيتُهم)).
فت ن:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ فَتَنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ [البروج: ١٠]. قيل: معناهُ
حَرَّقوهم بالنارِ، وذلك أنهم لماخدُّوا أخاديدَ في الأرض ملؤوها ناراً، وكانت على أفواه
السكك فمن أبَّى دينهم ألقوه في تلك الحفرة. وأصلُه من فتنتُ الفضةَ: إِذا أُدخلتَها النارَ
ليتمَّيْزَ جيدُها من رديئها، ثم أطلق ذلك على الابتلاء والامتحان .
وقولُه: ﴿وَفَتَّاكَ قُتوناً﴾ [طه: ٤٠] أي ابْتليناك بضروب من الاختبارات. وسأل
ابنُ جُبيرٍ ابنَ عباس رضي اللّه عنهم عن ذلك فقال(٥): ابتلى الأبناءَ بالذبحِ فَنجا، فهذه فتنةٌ
يا ابنَ جُبير وقتلَ القبطيَّ ونجا، فهذه فتنةٌ يا ابن جُبير والفُتون على هذا جمعٌ، وقيل: بل
(١) ديوانه ١١٣.
(٢) ديوانه ١٢.( عيرانة: تشبه الغير لصلابتها، بنات الزور: العضلتان، والزور: عظام الصدر)).
(٣) في سورة النساء: ١٢٤ ﴿ولا يظلمون نقيراً﴾،وانظر ما سيأتي في (ن ق ر) في هذا الكتاب.
(٤) في سورة فاطر: ١٣ ﴿ما يملكون من قطمير﴾، وانظر ماسيأتي في (ق ط م ر) في هذا الكتاب.
(٥) أخرجه النسائي بإسهاب في كتاب التفسير من سننه في تفسير سورة طه ، ونقله ابن كثير في تفسيره
(١٥٦/٣).

١٩٨
باب الفاء
هو مصدرٌ ومثلُه المفتونُ في أحد القولين من ذلك.
قولُه تعالى: ﴿بأيُّكُمُ المفتونُ﴾ [القلم: ٦] أي الفتون، كالمعقول والمجلود
والميسور في قولهم: ((ليسَ لهم معقولٌ ولا مجلودٌ))(١) أي لا عقلَ ولا جلدَ. ((وانظرْ إِلى
ميسوره)) أي إِلى يُسرِهِ، وقيلَ: التاءُ مزيدةٌ. والمفتونُ اسمُ مفعولٍ على بابه، أي أيُّكم
الشخصُ المفتونُ؟ قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم (٢) إِلا أنْ قالوا﴾ [الأنعام: ٢٣] أي لم
يظهروا الاختبار منهم إلا هذا القول.
قولُه: ﴿والفتنةُ أكبرُ من القتلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي الشركُ والحملُ عليه، وذلك
أنَّهم كانوا يعذِّبُونِ ضَعَفةَ المُسلمين ليرجعوا إلى الكفرِ كفعلٍ بني جُمَحَ ببلالٍ وغيرهِ حتى
اشتراهُ أبو بكرٍ وأعتقه.
وفتّتَه عن كذا: صرفَه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وإِنْ كادوا لَيَفْتِنونَكَ عنِ الذي
أَوْحَينا إِليك﴾ [الإسراء: ٧٣] يقال: فتنتُ الرجلَ عن رأيه: صرفتُه عما كانَ يريدُه.
وقيلَ: معناهُ لْيُوقعونَكَ في البلايا والشدائد بصرفهم إياكَ عن اتباع القرآن، وحاشاهُ من
ذلك څ﴾.
قولُه تعالى: ﴿ذُوقوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] أي أَثْرَها وما تسبَّبَ عنها. فأطلقَ
السببَ وأرادَ مُسبِّبه.
قولُه تعالى: ﴿أَلا في الفتنةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] يعني في النارِ التي هي مسببةٌ
عن الفتنة، وذلك حيثَ طَلَبُوا الخلاصَ من الفتنةِ بقولِهم: ﴿اَثْذَنْ لي ولا تَفْتِي(٣)﴾
[التوبة: ٤٩]، في قصةٍ قالوها له عليه الصلاةُ والسلام بعبارةٍ فظيعةٍ (٤). وأكثرُ استعمال
(١) في مجمع الأمثال ٢/ ٢٩١( ماله حول ولا معقول)). وانظر ((الصاحبي)) ص ٣٩٥.
(٢) في المفردات ٥٦٢٥ خذ ميسورة ودع معسوره)) وانظر الصا حبي ٣٩٥.
(٣) قرأ حمزة والكسائي وشعبة ويعقوب والمطوعي والعليمي (لم يكن فتنتَهم) الإتخاف ٢٠٦ والنشر
٢٥٧/٢، وقرأ أبيّ وابن مسعود والأعمش (وما كان فتنتهم)، وقرأ طلحة بن مصرف ( ثم ما كان
.
فتنتهم) القرطبي ٦ / ٤٠٣ والبحر المحيط ٤ / ٩٥.
(٤) قرأ عيسى بن عمر وابن كثير ٢ /٣٧٦(( ومن المنافقين من يقول لك يا محمد ائذن لي في القعود
ولا تفتني بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم : وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه
عن رسول الله عَمْ﴾ والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم.)) ..

١٩٩
باب الفاء
الفتنة في الشدة كالابتلاء. قال الراغبُ: وجُعلتِ الفتنةُ كالبلاء في أنهما يُستعملان فيما
يُدفعُ إِليه الإِنسانُ من شدَّةٍ وَرَخاءٍ، وهما أظهرُ معنىً وأكثرُ استعمالاً، وقد قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بالشرِّ والخيرِ فتنةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقوله: ﴿على خوفٍ من فِرْعونَ وملئهم
أَنْ يَفْتِنَهم (١)﴾ [يونس: ٨٣] أي يَبْتليهم ويعذبَهم.
قولُه تعالى: ﴿ولكنَّكمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكمْ﴾ [الحديد: ١٤] أي أَوْقعتموها في الفتنةِ
والعذاب. قولُه ﴿أَنَّما أموالكم وأولادُكم فتنةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] سمّاهُم فتنةً اعتباراً بما
ينالُ الإِنسانَ من الاختبارِ بهم، وذلك لأنهم يحملونه على الاكتساب من كلِ وجه
والاقتحام في كلِّ هَلكه، كما سَمَّاهم عدوًّاً في قوله: ﴿إِنَّ مِن أزواجِكُم وأولادكم عدوّاً
لكُم﴾ [التغابن: ١٤] باعتبارِ ما يتولّد منهُم، وقد سماهم زينةً في مواضعَ اعتباراً بعادة
الناس في تكاثرِهم بالأولاد(٢).
قولُه: ﴿أنْ يقولوا آمنا وهُم لا يُفْتَنون﴾[العنكبوت: ٢] أي يُختبرون، فيتميَّرُ
خبيثُهم من طيِّهم وطائعُهم من عاصيهم. وفي وزنه: ((أَم حَسِبتُم أن تَدخُلُوا الجنةَ ولمّا
يأتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقولُه تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنون في كلِّ
عامٍ مرةٌ أو مرَّتينٍ﴾ [التوبة: ١٢٦] أي يُبتلون ويُختبرون فيُنْظُرُ مَن يثبتُ على دينِه في
الصحَّة والمرضِ والسرّاء والضرّاء، ولا يكونوا كما قال فيهم: ﴿ومِنَ الناس مَن يعبدُ اللهَ
على حَرْفٍ فَإِنْ أصابَه خيرٌ أطمأنَّ بهِ وإِنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهِهِ﴾ [الحج: ١١]
وقيل: هو إِشارةٌ إِلى قولهِ تعالى: ﴿وَلَنَبَلُوَنَّكُم بشيءٍ منَ الخوُفِ والجوعِ ونقصٍ منَ
الأموالِ والأنفُس والثَّمراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ولذلك عقَّبه بقولِه: ﴿وبشرِ الصابرينَ﴾
أي الحابسينَ أُنفسَهُم على دينهم مع ما يُصيبُهم من هذهِ البلايا. ولم يقتصر على وصفِهم
بالصبرِ حتى حُكي عن قولِهم ما حُكي في هذا المقامِ المُدحَضِ الذي تذهبُ فيه العقولُ
وتطيشُ الحلومُ، لاسيما عند مَن فسَّر الثمراتِ بثمرات الفؤادِ(٣) وهي الأولادُ كما أوضحنا
في غيرِ هذا الكتاب.
(١) قرأ الحسن (يُفتِنَهم) البحر المحيط١٨٥/٥.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الكهف: ١٨ ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا
(٣) تفسير ابن كثير ٢٠٣/١.

٢٠٠
باب الفاء
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَ فِشْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي ابتلاؤكَ واختبارُكَ
عبادَكَ، لأنَّ لك التصرفَ المطلقَ والتسلُّط التامَّ والقهرَ الغالبَ فلا اعتراضَ. وَما أضلَّ
المعتزلةَ حیثُ نگئوا عمّا فهم موسی!
والفتنةُ تكونُ منَ اللهِ تعالى بمعنَى أنه يَبْتلي عبادَه ليشُكروا أو يكفُرُوا. ومنَ العباد
أيضاً يمتحنون بها أحوالَ بعضهم بعضاً.
قولُه: ﴿وأخذَرْهُم أنْ يَفْتَنوك﴾ [المائدة: ٤٩] قيل: معناهُ يصرفوك كما تقدّم في
نظيرهِ، وقيلَ: ضُمِنَ معنى يَخدعوك.
وقولُه تعالى: ﴿مَا أَنْتُمِ عليهِ بفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] أي بُمضلّينَ. يقالُ: فتنُه
أي أضلَّه، ومنه الحديث: ((المسلمُ أخو المسلمِ يَتَعاونان على الفُعَّانِ))(١) يُروى بضمِّ الفاءِ
على أنه جمعُ فاتنٍ أي يتعاونانِ على قتلِ المُضلينٍ، وبفتحِها على أنه مثالُ مبالغةٍ
كضرّابٍ، والمرادُ به الشيطانُ.
فت ي:
قولُه: ﴿ودخلَ معه السجنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]. الفتى: الطريُّ من الشبّان،
والأُنثى فتاة. يقالُ: هِيَ بِينُ الفَتاءِ، وأنشدَ لابنٍ ضبعِ الفَزاريِّ: [ من الوافر]
١٠٧٤ - إذا جاءَ الشتاءُ فأَدفتوني
فإِنَّ الشيخَ يُهرِمُه الشتاءُ (٢)
فقد ذهبَ اللذاذَةُ والفَتَاءُ
إذا عاشَ الفَتى مئتين عاماً
وجمعُ الفتى فتيةٌ وفتيانٌ، وعليهما قُرئ: ﴿وقالَ لفتيتِه﴾ [يوسف: ٦٢] ولفتيانه
والرسمُ يحتملُهما. وجمعُ الفتاة فتياتٌ كقولهِ تعالى: ﴿ولا تُكرِهوا فتياتِكُم على البغاءِ؟
[ النور: ٣٣] .
ويُعبِّر بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالَ لفتيانِهِ﴾. قيلَ:
(١) الفائقٍ ٢ /٢٦٠ وغريب ابن الجوزي ٢ /١٧٥ والنهاية ٤١٠/٣.
(٢) البيتان الربيع بن ضيع أو يزيد بن ضبة في المعمرون والوصايا ١٠ ومجالس ثعلب ٢٧٥ وشذور الذهب
٣٥٤ وسيبويه ١ /٢,٢٠٨ /١٦٢ والعيني ٤ /٤٨١ اللسان (فتى) وابن يعيش ٢١/٦ والخزانة ٣٠٦/٣
والهمع ١ /٢٥٣.
-