النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب العین
لصاحبها، وهذا تأدُّبٌ لامتهِ. وقالَ أميرُ المؤمنينَ يومَ الجملِ لبعضٍ أصحابه وقد
تخلَّفَ عنهم يوم الجمل: ((ما عَدا مِمَّ بَدا؟))(١). قالَ المبردُ: معناهُ: ما الذي ظهرَ منكَ
مِنَ التخلُّفِ بعدَما ظهرَ منكَ منَ الطاعةِ؟ وقيلَ: معناهُ: ما صَرَفك وشَغَلك عمّا كان بَدا لنا
من نُصّرتك؟ وقيلَ: معناهُ: ما بدا لكَ مني فصرفَكَ عَهِي؟
قولُه تعالى: ﴿والعادِياتٍ﴾ [العاديات: ١] قيل: هي الخيلُ. وقيلَ: الإِبلُ، وقد
مضَى ذلك مشروحاً، وتقدَّمتْ حكايةً عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿ ضَبْحاً﴾ في بابِ
الضَّادِ. قولُه: ﴿فأولئك هُمُ العادُون﴾ [المؤمنون: ٧] أي المتجاوزون ما حُدَّ لهم. وفي
الحديث: «لا عَدْوَى))(٢) هو أن يكونَ[ ببعيرٍ] أو بإنسانٍ بِه جُذاٌ أو بَرصٌ، فتُتَّقَى المُؤاكلةُ
معه، فَتَّفاها الشرعُ. ولهذا قالَ في موضعٍ آخَرَ: ((فمن أعدَى الأُولَ؟))(٣) وفي حديثٍ أبي
ذَرُّ: (([تعدو] في الشجر؟(٤) أي تَرْعَى العُدْوةَ، وهي الخُلَّةُ(٥). وفي الحديثِ أيضاً:
((السلطانُ ذو عَدَوانٍ وذو بَدَوانٍ وذو بَدَراءٍ (١). والعَدَوانُ: سرَعةُ المَلالِ والانصراف،
والبَدَوانِ: أن يبدوَ له كلُّ يومٍ رأيٌّ جديدٌ. وَالعَدَوانُ: السريعُ العَدْوِ؛ قال امرؤ القيس:
[ من الطويل]
١٠٠٠ - كتيس ظباءِ الحلْبِ العَدَوان(٧)
ويقالُ: عادَى الحمارُ يُعادي بمعنى عَدا يَعْدو؛ وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
وكان عداءُ الوحشِ مني على بالٍ(٨)
فعادَى عِداءٌ بينَ ثَورِ ونَعجةٍ
وفي حديثٍ حُذيفةً: ((أنَّه خرجَ وقد طمَّ رأسَه فقال: إِنَّ تحتَ كلِّ شعرةٍ لم يُصبْها
الماءُ جنابةٌ فمن ثَمَّ عادَيتُ رأسي))(٩) قيلَ: استأصلَه الماءُ إِلى أصولِ شعرِهِ وعن
(١) غريب ابن الجوزي ٢ /٧٥ والنهاية ٣ /١٩٤.
(٢) الفائق ٢ / ١٢٠ وغريب ابن الجوزي ٧٥/٢ والنهاية ١٩٢/٣.
(٣) النهاية ١٩٢/٣.
(٤) الفائق ٢ / ١٢٢ وغريب ابن الجوزي ٧٥/٢ والنهاية ١٩٤/٣.
(٥) الخلّة: ضرب من المرعى محبوب إلى الإبل. النهاية ١٩٥/٣.
(٦) الفائق ٢ / ١٢٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٧٥ والنهاية ١٩٣/٣.
(٧) عجز بيت في ديوانه ٨٧ وصدره: مكرّ مفرّ مقبل مدير معاً .
(٨) ديوانه ٣٨.
(٩) النهاية ٣ /١٩٤.

٤٢
باب العين
عبيدةً: رفعتُ شعري عند الغُسلِ. وعادَيْتُ الوسادةَ: ثَنِيتُها، وعاديتُ الشيءَ: باعدتُه.
وفي الحديث: ((في المسجد تعادٍ)(١) أي أمكنةٌ مختلفةٌ. وعادِ رِجَلَك، أي جافِها. وفي
حديث عمرَ رضي الله عنه: (أُتَيَ بسَطيحتَينِ فيهما نبيذٌ فشربَ من إِحداهُما وعَدَّى عنِ
الأخرى))(٢) أي تركها من قولهم: عَدِّ عن كذا. قال النابغةُ: [من البسيط ]
أ
١٠٠١ - فَعَدِّ عمّا تَرَى إِذْ لا ارْتَجاعَ لهُ .
وانْمِ القُتُودَ على عَيرانةِ أُجُد (٣)
وعن عمرَبنِ عبدِ العزيز: ((أنه أُتيَ برجلٍ قد اختَلَس طَوقاً فلم يَرَقَطْعه وقال: تلكَ عاديةٌ
الظّهرِ))(٤) العادية: من الَعَدَوانِ، والتاءُ فيه للمبالغة كراوية. والظّهرُ ما ظهرَ من الحُلَيِّ
كالطّرق ونحوه. قولُه: ﴿فَلا عُدْوانَ إِلاّ على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣] ليس حقيقةً
الخيرِ، بل معناهُ: لا تَعْتدوا إِلا على مَن ظَلَمَكم وليس بخبرٍ، لأنَّ العدوان كثيراً ما يقعُ على
غيرِ الظالمين. أو أنَّه بيانٌ للحُكم بمعنى أنه لا يحكمُ بالعدوانِ إِلا عليهم. وقولُهم: قَامَ
القومُ مَا عَدَا زيداً وعَدا زيداً، من المُجاوزة. ولذلك قال النحاةُ: تقديرُه: قاموا عَدا القيام
زيداً، ومعناهُ معنى إِلا زيداً. ولنا فيه كلامٌ أتقنّاهُ في النحوِ .
فصل العین والذال
ع ذ ب:
﴿ولهم عذابٌ أليمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤]: الإِيجَاعُ الشديدُ، وأصلُه منَ المَنع،
وسُميت العقوبَةُ والإِيلامُ عذاباً باعتبارِ منعها من مُعاودةٍ ما عُوقبَ عليه، ومنهُ الماءُ العَذْبُ
لأنه يعذّبُ العَطِشَ، أي يمنعُه. وقيلَ: هو من قولِهِم: عَذَبَ الرجلُ إِذا تَرَكَ المأكل فهو
عاذبٌ وعَذوبٌ. فكان التعذيبُ في الأصل حملَ الإِنسانِ على أن يَعْذِبَ أي يجوعَ
ويسهرَ. وقيل: بل هو من العَذْبِ وهو الخلوُّ بمعنى أنَّ عَذَّبته للسَّلِبِ، أي أزلتُ عذوبةً
حياته نحو مرَّضْتُه.
وقيلَ: هو مِن ضربتُهِ بعذَبَةِ السَّوطِ، وهي عقدةُ طَرفهِ. وقيلَ: هي من قولهم: ماءٌ
(١) غريب ابن الجوزي ٧٥/٢ والنهاية ٣ /١٩٤.
(٢) الفائق ٥٩٣/١ والنهاية ١٩٣/٣.
(٣) البيت من معلقته في ديوانه ١٦ ..
(٤) غريب ابن الجوزي ٢ /٧٥ والنهاية ١٩٣/٣.

i
٤٣
باب العین
عَذَبٌ إِذا كان فيه قذَّى وكدَرٌ. فقولهم عَذَّبْتُه بمنزلةٍ كدَّرتُ عيشَه وزَلَقتُ حياتَه.
وأعذبَ يكون قاصراً ومتعدياً؛ يقالُ: أعذبتُ وأعذبتُ زيداً، أي امتنعتُ ومنعتُ.
ومن كلامٍ عليّ رضي اللّه عنه لسريةٍ بعثَها: ((أَعْذِبوا عن ذكر النساءِ فإِنَّ ذلك يَكسِرُكم
عن الغزْوِ))(١) ولمّا كان للعذاب أسبابٌ فقد فَسَرَّه المفسرون في كلِّ موطنٍ بما يليقُ به
فقالوا في قولهِ تعالى: ﴿إِمّا العذابَ وإِمّا الساعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] أن العذابَ ما وُعدوا به
من نصرِ المؤمنينَ عليهم فيعذّبونهم قَتْلاً وأسراً، وفي قوله: ﴿ولقد أَخذناهُم بالعذاب ﴾
[المؤمنون: ٧٦] أي بالمجاعة، وفي قوله: ﴿حتى إِذا فَتَّحنا عليهم باباً ذا عذابٍ﴾
[المؤمنون: ٧٧] هو القتلُ بالسيفِ، وفي قولهِ: ﴿وما كانَ اللهُ ليعذِّبَهُم وأنتَ فيهم﴾
[الأنفال: ٣٣] أي عذابَ استئصالٍ، وفي قولهِ: ﴿وما لهُم ألاَّ يُعذّبُهم اللـهُ﴾
[ الأنفال: ٣٤] أي بالسيف. تخالفت الأسبابُ والموتُ واحدٌ.
ع ذر:
قولُه تعالى: ﴿ لا تَعْتَذروا﴾ [التوبة: ٦٦]. وأصلُ العُذر ما يَتَحَراهُ الإنسانُ من
مَحوِ جنايته. يقالُ: عُذْرٌ وعُذُرٌ نحوُ عُسْرٍ وعُسُرٍ. ثم العُذْرُ قيلَ: على ثلاثة أضربٍ:
أحدُها أنْ يقولَ: لم أَفعلْ، قالُه الراغبُ(٢) وفيه نظرٌ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعدُّونَه عُذراً بلٌ
هذا إِنكارٌ. والثاني أن يقولَ: فعلتُ كذا، فيخرجُ بذلك عن كونهِ مُذنباً. والثالثُ أنْ
يقولَ: فعلتُ ولا أعودُ. قالَ: وهذا الثالثُ هو التوبةُ؛ فكلُّ توبةٍ عذرٌ وليسَ كلُّ عذرٍ توبةٍ.
ومنه قوله تعالى: ﴿وجاءَ الْمُعَذِّرون من الأعراب﴾ [التوبة: ٩٠] وقرئ ((المُعْذَرون))(٢)
أي الآتون بالعُذْر. وعن ابنِ عباسٍ: ((لَعَن المُعَذِّرِينِ وَرَحِمَ المُعَذَّرين))(٤) وقال بعضُهم:
(١) غريب ابن الجوزي ٧٦/٢ والنهاية ١٩٥/٣.
(٢) المفردات ٥٥٥ .
(٣) قرأ الكسائي وعاصم والشنبوذي وابن عباس وزيد بن علي والأعرج ومجاهد وشعبة ويعقوب
(المعْذرون) الإتحاف ٢٤٤ والنشر ٢ /٢٨٠، وقرأ سعيد بن جبير (المعتذرون)، وقرأ مسلمة
(المعذّرون) البحر المحيط ٥ /٨٣ - ٨٤، وقرأ السدي (المعذّرون)، وقرأابن أبي ليلى (المعاذِرون)
مختصر ابن خالويه ٥٤ .
(٤) الدر المنثور ٢٦٠/٤ والأضدادلابن الانباري ٣٢١ واللسان (عذر) وفي مختصر ابن خالويه ٥٤ « كان
بسب المعذرين).

٤٤
باب العين
المُعْذَرُ المُقْصِّر والمُعْذِرُ المُبالغُ الذي ليسَ لهُ. والمُعْتَذِرُ يقالُ فيمن له عُذْرٌ وفيمن لا عذرَ
له. ومنه قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز لمن اعتذرَ إِليه: «عَذَرتُك غيرَ مُعْتَذِرٍ﴾(١) أي دونَ أن
تعتذرَ، لأن المعتذرَ يكونُ مُحقاً وغيرَ مُحقِّ. قلتُ: وهذه التفرقةُ إِنما تصحُّ على قولنا: إِنَّ
((المُعذّرون)) مِن عذَّرَ بالتَّضعيف، إِلَّ أنَّ الجمهورَ على أنَّ أَصلَه ((المُعتذرونِ)) .: :
قولُه: ﴿قالوا مَعْدِرَةَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] مصدرٌ أي نعتذرُ مَعذرةٌ، وقُرِئَ
بالرفع(٢)، أي صِرْنًا معذرةً، كقولهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] رفعاً ونصباً، كأنه
قيلَ: أطلبٌ منه أن يَعْذُرني. وأعذرَ فلانٌ: أتى بما صارَ به معذوراً. يقال: قد أَعْذَرَ مَن
أنذر ..
قالوا: وأصلُ الكلمةِ من العَذِرة: وهي الشيءُ النجسُ. ومنه قِيلَ لِقُلْفَة الرجلِ
والمرأة عُذْرَةٌ. يقال: عَذَرتُ الصَّبِيَّ: ظَهَّرَتَه وأزلتَ عُذْرَتَهُ. وكذلك أعذرتُ فَلاناً، أي
أزلتُ نجاسةَ ذنبهِ بالعفو عنه نحوُ: غفرتُ له: سَتَرتُ ذنبَه. وسَمَّوا جلدَة البكارةِ عُذْرةً
تشبيهاً بعُذْرتِها التي هي القُلْفةُ. ومنه قيلَ: عَذَرْتُها كنايةٌ عن اقتضاضِها، وهو كراَستُها
أي أصبتُ رأسَها. ولذلك قيل للعارضِ في حلقِ الصبيِّ عُذْرةٌ. فقيلَ: عُذِرَ الصَّبِيُّ: أصابَه
ذلك. قال الشاعرُ: [من الكامل ]
١٠٠٢ - غَمْزَ الطبيبِ نَغَانِعَ الْمَعْذُورِ (٣)
ويقالُ: اعتَذَرت المياهُ: انقطعتْ. واعتذَرَتِ المنازلُ: دُرستْ على التشبيه
بالمُعْتَذِرِ الذي يَنْدرسُ ذَنبُه بإبرازِ عُذْرِهِ. والعاذِرَةُ: المُستحاضَةُ لِما بها من النجاسة.
والعَذَوَّرُ: السَّيِّءُ الخلقِ اعتباراً بالعَذِرَةِ التي هي النجاسَةُ. قِيلَ، وأصلُ ذلك من العَذِرة
التي هي فِناءُ الدار. ويسَّمىّ ما يُلقَى فيها باسمِها. ومن كلامٍ أمير المؤمنين علي رضي الله
عنه في عتابه لقومٍ: ((ما لكم لا تُنَظِّفونَ عَذِراتِكُم)) (٤) وهذا كما كنَى عن ذلك بالغائط
لأنَّ قاضي الحاجة ينتأبُه ليسْتَتِرَ بهِ، وسيأتي.
--
(١) غريب ابن الجوزي ٢ /٧٦ والنهاية ١٩٧/٣.
(٢) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. الإتحاف ٢٣٢ والنشر ٢٧٢/٢ والسبعة ٢٩٦.
(٣) عجز بيت لجرير في ديوانه ١٩٤ وصدره: (غمز ابن مرّة يا فرزدق كينها ).
(٤) الفائق:٢ / ١٢٤ وغريب ابن الجوزي ٧٦/٢ والنهاية ١٩٩/٣« أصلها: فناء الدار، وهو الذي أراد.
وسميت العذرة لأنها كانت تلقى بالأفنية)) .

٤٥
باب العین
وفي الحديث ((استعذّر رَسُولُ اللّه ◌َّ أبا بكرٍ عن عائشةَ))(١) أي عتبَ عليها وقالَ
لأبيها: كُن عَذيري منها. واستعذرَ لَّه من عبدِ الله بنِ أبيِّ فقال: ((مَن يَعْذِرُني من عبد
الله؟))(٢) أي من يقومُ بِعُذْري إِن جازيتُه بصنيعه؟ وفي المثلِ: («عَذيرَك من فلانٍ﴾ أي
أَحضرْ من يقبلُ عذرَكَ؛ فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. ومنه قولُ عليّ رضي الله عنه وقد نظر إِلى
الخبيثِ عبدِ الرحمن بنٍ مُلجمٍ المُراديٌّ: [من الوافر]
١٠٠٣ - عَذِيرَكَ مِن خليلكَ مِن مُراد(٣)
وفي شعرٍ أنشدَ في الاستسقاءِ: [من الطويل]
١٠٠٤ - أتيناكَ والعَذْراءُ يَدْمَى لبانُها(٤)
العذراءُ: البكرُ من النساءِ، وباعتبارٍ ضيقها قيلَ للجامعة من الأغلال عذراءَ. وقد
يجوزُ أن تكونَ الجامعةُ هي الأصلُ، ومن ذلك قولُهم: تعذَّرَ : إِذا ضاقَ وغُسرتْ معرفةٌ
وجهه .
فصل العين والراء
ع رب:
قولُه تعالى: ﴿وَمِنَ الأعرابِ﴾ [التوبة: ٩٨] الأعرابُ: سكانُ البوادي، والعربُ:
سكانُ القُرى والبوادي. ومن ثم غلَّط سيبويهِ مَن جعَلَ أعراباً جمعاً لعربٍ لاستحالة كَون
المفرِد أعمَّ من الجمع(٥). وهذا نظيرُ: عالمون في كونهِ ليسَ جمعاً كما سيأتي إِنْ شاءً
اللهُ تعالى. وقد تكلَّمنا على ذلك في ((إيضاحِ السبيلٍ)) وغيرهِ. وقال الراغبُ(٦):
(١) الفائق ٢ /١٢٣ وغريب ابن الجوزي ٧٦/٢ والنهاية ١٩٧/٣.
(٢) من الحديث السابق.
(٣) غريب ابن الجوزي ٧٦/٢ والنهاية ١٩٧/٣ والبيت بتمامه في التاج والمقاييس (عذر) وصدره:
(أريد حياته ويريد قتلي) .
والبيت لعمرو بن معدي كرب في ديوانه ١١١ ومعجم الشعراء ١٦.
(٤) صدر بيت ورد في النهاية ١٩٦/٣ واللسان والتاج (عذر، لبن) وعجز البيت في الأحكام السلطانية
للماوردي ٩٢: وقد شغلت أم الصبي عن الطفل.
(٥) في كتاب سيبويه ٣٧٩/٣« وتقول في الأعراب: أعرابي؛ لأنه ليس له واحد على هذا المعنى، ألا ترى
أنك تقول: العَرَبُ، فلا تكون على هذا المعنى؟)).
(٦) المفردات ٥٥٧ .

٤٦
باب العين
والأعرابُ جمعُه في الأصل، وصارَ ذلك اسماً لسكان البادية. وهذا لا يُنافي قولَ سيبويه
فإِنه كان كذا ثم غلبَ الاستعمالُ على ما ذكرَه. والأعرابُ يُجمعُ على أعاريبَ. وأنشدُ :
[ من الوافر]
١٠٠٥ - أعاريبُ ذوو فخر بإفك(١)
والأعرابيُّ منسوبٌ إِلى الأعرابِ سكانِ الباديةِ. والعربيِّ هو المُفصِحُ؛ قيلَ: والعربُ
مَن كانَ من ولدِ إِسماعيلَ. ويُقالُ: لكونهم منسوبين إِلى يعرُبَ. والعربيُّ أيضاً هو الكلامُ
المُبِينُ الفَصيحُ.
والإِعرابُ يطلقُ بإزاءٍ معانٍ منها البيانُ. ومنه الحديثُ: ((والأَيِّمُ تعربُ عن
نفسها))(٢) ومنها التغييرُ؛ ومنه: أعربَها اللهُ، أي غيَّرَها. ومنها التحسينُ؛ ومنه: ﴿عُرْباً(٣)
أتراباً﴾ [الواقعة: ٣٧] أي حسانٍ مُتَحبباتٍ إِلى أزواجهن. ومنها الفسادُ؛ ومنه عَرَبَتْ.
معدةُ الْبَعِيرِ أي فَسدتْ. فالهمزةُ في الإعرابِ حينئذٍ للسَّبِ. فقولُهم: أعرَبَ كلامه، أي
بَيَّنَه أو غيَّه أو حسَّنه أو أزال فسادَه. وللنّحاةِ عباراتٌ بَيَّناها في غيرِ هذا. قولُه: ﴿إِنا
جعلناهُ قرآناً عربياً﴾ [الزخرف: ٣] أي بَيَناً فلا يلزمُ أن يكونَ كلَّه بلغةِ العربِ. بل يجوزُ.
أن يكونَ غيرَ عربيٍ إِذا كانَ مُتفاهماً معروفاً بينَ المخاطَبِ به كاليَمِّ قيلَ: البحرُ بُلغةٍ
الحبشة، والقِسْطاسٍ: الميزانُ بلغةِ الروم، والمِشْكاة: الكَّوةُ بلغة الهند، إلى غير ذلك.
ومن الناسٍ مَنْ أَبَاهُ وَتَحَاشَى ذلك لقولهِ: ﴿أَأَعجميٌّ وعربيٍّ﴾ [فصلت: ٤٤] وقد بينًا.
القولينِ ودلائلَهما في غيرِ هذا الموضوعِ من ((القولِ الوجيزِ) و((البحرِ الزاخرِ)) وغيرِهما.
قولُه: ﴿وكذلك أَنزلناُهُ حُكماً عربياً﴾ [الرعد: ٣٧] قيلَ: معناهُ شريفاً كريماً،
كقوله: ﴿عُرباً أتراباً﴾ ووصفُه بذلك کوصفه بکریم (٤). وقيلَ: معناهُ مُفْصحاً يُحقٌّ الحقَّ
ويُبطلُّ الباطلَ، وقيل: مُعَرِّباً من قوله عليه الصلاة والسلام: ((عَرِبُوا على الإِمام))(٥)؛ يقال :.
(١) صدر بيت دون عزو، وعجزه في شرح الحمامة للتبريزي ٤٤/٤ والمفردات ٥٥٦ :
. ( وألسنة لطاف. في المقال) .
(٢) مسند أحمد ٤ /١٩٢.
(٣) قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو ونافع وخلف وشعبة (عُرْباً) الإتحاف ٤٠٨ والنشر ٢٠١٦/٢
(٤) في قوله تعالى ﴿إِنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة / ٧٧].
(٥) الحديث في المفردات ٥٥٧ ، ولم أجده في مصادر أخرى.

٤٧
باب العین
عَرَّبتُ عليه: إِذا رَدَدْتَ عليه من حيثُ الإِعرابُ، قاله الراغبُ(١)، ومعناه على هذا أنه
ناسخٌ لغيرهِ من الأحكام. وقيلَ: لكونِهِ مَنْسوباً إلى النبيُّ العربيِّ من حيثُ إِنه مُنْزَلٌ على قلبه
وبلسانه. قوله: ﴿عُرباً﴾ أي مُتُحبباتٍ لُبُعولتهن حسانٍ في أعينهنَّ. وقيلَ: لأنها لا تُعربُ
بحالها عن عفَّتِها ومحبة زوجها؛ الواحدةُ عَروبٌ. والمُعْرِبُ: المُتحرِّي في كلامِهِ
الصواب، والمُبيِّنُ عمّا في نفسهِ، وصاحبُ الفرسِ العربيِّ كالمُجْرِبِ لصاحب الجَربِ.
ويَعْرُبُ: يقال إنه أولُ من نقلَ السريانيةَ إِلى العربيةِ. ومن قيلٍ إِنه سُمي باسمٍ فعلهِ .
قوله: ﴿وهذا لسانٌ عربيٍّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] اللسانُ هنا: اللغةُ، ووصفُه بالإِبانة بعد
نسبتهِ إِلى العرب تنبيهٌ على أنَّ صاحبَه يتكلمُ بالعربية. يقالُ: عُرُبَ اللسانُ يَعْرُبُ عُروباً
وعُرُوبِيَّةٌ. وفي الحديث: ((الأَيِّمُ يُعرِبُ عنها لسانُها))(٢) أي يُبِينُ، إِلا أن أبا عبيد قال:
الصوابُ يعرِّبُ؛ بالتشديد. قال الفراءُ: يقالُ: عَرَّبتُ عن القومِ: إِذا تكلمتُ عنهُم، ومنهُ
الحديثُ الآخرُ: ((فإِنما كان يُعْرِبُ عمّا في قلبه ولسانهِ))(٣). وقد ردَّ ابنُ قُتيبةً على أبي
عبيدٍ وقال: الصوابُ التخفيفُ لأنه يقالُ: اللسانُ يُعْرِبُ عمّا في الضميرِ(٤). قال أبو بكرٍ:
لا حُجَّةَ لابن قتيبةَ على أبي عبيدٍ لأنه حكاهُ عن الفراءِ عن العرب. والذي قالَه ابنُ قتيبةَ
إنما عملَه برأيهِ عملاً، واللغةُ تُروى ولا تعملُ ولا سَمعنا أحداً يقولُ: التَّعريبُ باطلٌ كما
قال، لأنَّه لا اختلافَ بينَ اللغويينَ في أنه يقالُ: أَعربتُ الحرفَ وعرَّبتُ الحرفَ. فالفراءُ
يذهبُ إِلى أنَّ عَرَّبتُ أجودُ من أَعربتُ معَ عن، فإِذا لم تكنْ عن فأعربتُ وعرَّبتُ لغتان
متساويتان لا تقدّم إحداهما على الأخرى.
قلتُ: وهذا هو المشهورُ، وهو أنَّ اللغةَ سماع لا قياسٌ، وإِنما حَكيتُ هذا الكلامِ
بُرُمَّتِهِ لإِفادته لاسيما عن فحولِ الصناعةِ. وقال ابنُ الأعرابيّ: أَعربَ الصبيُّ والعجميُّ: إِذا
فُهم كلامُهما بالعربية. وعَرَبًا: إِذا لم يَلحنا. وقالَ عمرُ رضي الله عنه: (( ما لكم إِذا رأيتُمُ
الرجلَ يُخرِّقُ أعراضَ الناسِ أَلاَ تُعرِّبُونَه؟))(٥) أي تَمنعونَه. وقيلَ: فقبّحوا فعلَه عليهِ. وفي
(١) المفردات ٥٥٧ .
(٢) تقدم الحديث في الصفحة السابقة ، وهوفي مند أحمد ٤ /١٩٢.
(٣) الفائق ٢ /١٣٠ والنهاية ٢٠١/٣.
(٤ ) ورد القولان في النهاية ٢٠١/٣ .
(٥) الفائق ٢ /١٣٤ وغريب ابن الجوزي ٧٨/٢ والنهاية ٢٠١/٣.

٤٨
ہاب العین
الحديث: ((لا تَحِلُّ العِرابَةُ للمُحْرِمِ)) (١) قيلَ: هي الفحشُ. وفي الحديثِ: ((نَهى عن بيعِ
العُرْبان))(٢) هو أن يدفعَ المُستَامُ شيئاً فإِذا مضَى البَيعُ حُسبَ منَ الثمن، وإِن لم يُمضِهِ
·كانَ للبائعِ.
ويقالُ: عُربونٌ وعَرَبُونٌ وأُرْبُون - بالعين والهمز - ومنه الحديثُ: ((فَأَعْربوا فيها.
[بأربع] مئةَ درهمٍ))(٣) أي أَسلفوا وهو من العُربانِ. وعن عطاءٍ: ((نَهى عن الإِعرابِ في
البَيْعِ))(٤) هو أيضاً من العُربون.
ع رج:
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ (٥) إِليهِ في يومٍ﴾ [السجدة: ٥] أي يصعدُ إِليه في المعراج
وهو السُّلَّم؛ تقولُ: عَرَجَ في السُّلَّمْ يَعْرُجُ عُروجاً والجمعُ مَعاریجُ. قبولُه: ﴿ ذِي
المعارجِ(٦)﴾ [المعارج: ٣]؛ قيل: معارجُ الملائكة. وقيلَ: أرادَ بها الفواصلَ العاليةَ؛.
الواحدُ مَعرجٌ وهو الدرجةُ. وَشُبه الصاعدُ عليها بالأعرجِ. فمن ثمَّ سُميتْ مَعْرجاً والصاعدُ
فيها عارِجاً. وقيلَ: العُروجُ: ذهابٌ في صعودٍ. وعَرَجَ يَعْرُجُ عُرُوجاً وعَرَجاناً: مِشَى مشْيَ
العارِجِ كما قالوا: دَرَجَ أي مِشَى مَشْيَ الصاعدِ في درجهِ. وعَرِجَ: صارَ ذلك خِلْقةٌ له.
وقيلَ: يقال عَرَجَ بالفَتح: أصابَه شيءٌ غمزَ منهُ. وعَرِج - بالكسر- إِذا صارَ أعرجَ ؛ فعرج-
بالضم والكسر - يتقاربان معنى. ومن ثم قيل للضَّبع: عَرجاءُ لكونِها في خلقتِها ذاتَ
عَرَجٍ. وتعارجَ تفاعَلَ ذلك. والأعرجُ: مَن أُصيبَتْ إِحدى رجليهِ فاختلَّ مشيُه؛ قال تعالى:
﴿ولا على الأعرجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
قولُه تعالى: ﴿كَالعُرجونَ(٧) القديم﴾ [يس: ٣٩]. العُرجون: فُعْلون من الانعراجِ
لا الانعطاف. وأصلُه من العُروج والعَرج. والعُرجونُ: عودُ الكِباسةِ التي عليها الشّماريخ
(١) الفائق ٢/ ١٣٩ وغريب ابن الجوزي ٧٨/٢ والنهاية ٢٠١/٣ . وهو حديث ابن الزبير
(٢) الفائق ٢ / ١٣١ وغريب ابن الجوزي ٧٩/٢ والنهاية ٢٠٢/٣ ..
(٣) الفائق ١٣٧/٢ وغريب ابن الجوزي ٧٩/٢ والنهاية ٢٠٢/٣.
(٤) المصادر السابقة.
(٥) قرأ ابن أبي عبلة (يُعْرج)، وقرأ جناح بن حبيش (تَعْرُج الملائكة) البحر المحيط ١٩٨/٧ - ١٩٩.
(٦) قرأ ابن مسعود (المعاريج) القرطبي ١٨ /٢٨١.
(٧) قرأ سليمان التيمي (كالعِرْجَوْن) القرطبي ٣١/١٥.

٤٩
باب العين
للعذْق، فإِذا قَدُمَ تقوَّسَ واصفرَّ، فمن ثمَّ شُبُه بالهلالِ في آخرِ الشهرِ وأوله ويقالُ له الأهاقُ
أيضاً. وقال الراغبُ(١): العرجونُ الطاقةُ من أغصانهِ. وهذا تفسيرٌ يحتاجُ إلى تفسيرٍ.
ع ر ر:
قولُه: ﴿وَأَطْعِموا القانعَ والمعتَرَّ(٢)﴾ [الحج: ٣٦]. المُعتَرُّ: المتعرِضُ للسؤالِ.
يقالُ: عرَّ واعترَّ أي تعرَّضَ. وعَرَرْتُ لكَ حاجَتَي. والعَرِّ والعُرُّ: الجربُ الذي يعُرُّ البدنَ،
أي يعترضُه. ومنه قيلَ للمَضَرَّةِ: مَعَرَّةٌ، تشبيهاً بالعُرِّ الذي هو الجربُ. وقيلَ: المُعترُّ: الذي
يتعرَضُ ولا يسألُ. يقالُ: اعترَّهُ يَعْتُرُّه، واعتراهُ يَعْترِيهِ، والقانعُ: من برزَ وجهَه للمسألةِ.
ومنه قيلَ: اعتررتُه، أي أتيتُه أطلبُ منه معروفَه.
قولُه تعالى: ﴿فتصيبَكم منُّهم مَعَرَّةٌ﴾ [الفتح: ٢٥] أي مَسبَّةٌ ومذمَّةٌ، وذلك أنهم
لو قاتَلوا أهل مكةَ وفيهم منَّ المؤمنين والمؤمناتِ مَن لم يَتميّزْ عندَ قتالِ الكفرةِ لأصابوا
أولئك المؤمنين من غيرٍ علم بهم، فيقال فيهم إنهم قد قَتلوا المسلمين من أهلٍ مِلْتِهم
فيلزمُهم من ذلك مذمَّةٌ من القومِ ودِياتُ المقتولين. وأصلُ المعرَّةِ من العَرِّ وهو الجربُ،
فقيل لكلِّ مَضَرَّةٍ مَعَرَّةٌ تَشبيهاً بالعَرِّ الذي هو الجربُ. قال النابغةُ: [من الطويل]
١٠٠٦ - كذي العُرِّ يُكَوَى غيرُه وهو راتِعُ(٣)
أي كصاحب الداءِ الذي يستحقِّ الكيَّ، وهو مثلٌ للبريءٍ يُعاقَبُ ويُترك الجاني.
وفي الحديث: ((كان إِذا تَعارَّ منَ الليل)»(٤) قال أبو عمر: واختلفَ الناسُ في تعارَّ؛
قيل: انتبه، وقيلَ: عَلِمَ، وقيلَ: تَمطَّى، وإنه مأخوذٌ من عَرَارِ الظليمِ: وهو صياحُه، والظليمُ
ذكرُ النَّعامِ. والعِرارُ: حكايةُ صوتهِ وصوتٍ حفيفِ الريح. والعَرْعَرُ: شجرٌ، لِما يسمعُ من
حفيف أغصانها. وعَرْعارٍ: لُعبةٌ لهم حكايةً لصوتِها. وفي الحديث: ((أتيتُكَ بهذا المالِ
لما يَعْرُرُكَ))(٥) ويروى ((يَعْروكَ)) أي ينوبُك. والعَرارُ: شجرٌ طيبٌ أيضاً وقال الشاعر :
(١) المفردات ٥٥٧ .
(٢) قرأ ابن عباس وأبو رجاء (والمُعْتَرِ) البحر المحيط ٣٧٠/٦.
(٣) عجز بيت في ديوانه ٣٧ وصدره: ( لكلّفتني ذنبَ امرئٍ وتركتَهُ).
(٤) مسند أحمد ١٦٦/٣.
(٥) الفائق ١٣٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٨٠/٢ والنهاية ٢٠٤/٣.

٥
باب العين
[ من الوافر]
فما بعدَ العشيَّةِ من عِرارٍ (١)
١٠٠٧ - تَمَتَّعْ من شَمیمِ عَرارٍ نجدٍ
والعَرارةُ بالتاءِ: الشِّدَّةُ. وفي الحديثِ: ((كانَ يَدْمُلُ إِرضَه بالعُرَّةِ)) (٢) وهي العَذِرةُ.
ومنه حديثُ جعفرٍ: «كُلْ سَيَعَ تَمراتٍ من نخلةٍ غَيْرِ مَعْرورةٍ)(٣) أي غيرٍ مِسْمَّدَةٍ بِعذرةٍ.
وسألَ بعضُ الأعرابٍ آخرَ عن منزلهِ فقالَ: ((بينَ حَيينِ من العَرَبِ، فقالَ: نزلتَ بينَ المجرَّةِ
والمَعَرَّةِ))(٤) المجرَّةُ: مجرةُ السماءِ، والمعرَّةُ: ما وراءَها من ناحيةِ القُطبِ الشمالي؛
سُميتْ بذلك لكثرة نجومِها تَشبيهاً بمن أصابَه العُرُّ وهو الجربُ لكثرتهِ في البدنِ. والعربُ
تُسمي السماءَ: الجَرباءَ، لنجومها؛ كأنه قالَ له: هُم في الكثرةِ كالنُّجوم.
والمعرَّةُ: المَسَبَّةُ كما تقدَّم. والمعرَّةُ: بلدٌ معروفٌ (٥). والمعرَّةُ أيضاً: موضعُ العُرّ
وهو الجربُ أو العُرّةُ وهو العَذِرةُ، كأنه لطخَهم بها.
ع رش:
قولُه تعالى: ﴿الرحمنُ على العرشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] أصلُ العرشِ: شيءٌ مُسقَّفٌ
ومنه: عَرَّشْتُ الكرمَ أعرِّشُه: إِذا جعلتَ له كهيئةٍ سقفٍ. ويقالُ له عريشٌ أيضاً. وَاعْترشَ
العنبَ: رَّبَ عرشَهُ ، والعَرْشُِ أيضاً: شِيهُ الهَودَجِ، تشبيهاً له بعرشِ الكِرْمِ في هيئتهِ.
وعَرَّشْتُ البئرَ، أي جعلتُ له عريشاً. وسُمي مجلسُ السلطانِ عَرْشاً اعتباراً بعلوّه. ثم عُبِّر
به عن العزِّ والمَنَعةِ والقُوةِ، لأنه محلٌّ صدورٍ ذلك وقرارُه وهو المرادُ بعرشِ الباري تعالى.
ويجوز أن يكون عَرشاً جسمانياً ولكنه في الهيئة والخلقة لا يَعلمُ كنهَ ذلك إِلا خالقُه.
واستواؤه عليه هو استيلاؤه - وقد مضى تفسيرُ ذلك. لا الاستواءُ المعلوم. قالَ الراغبُ (٦):
: (١) البيت للصمة القشيري في ديوانه ٧٨ ومعاهد التنصيص ٢٥٠/٣ واللسان والتاج (معرر) وأمالي القالي
٣٣/١ وسفر السعادة ٩٢٨.
(٢) الفائق ١ /٤١٩ وغريب ابن الجوزي: ٨٠/٢ والنهاية ٢٠٥/٣
(٣) غريب ابن الجوزي ٢ /٨٠ والنهاية ٢٠٦/٣ والحديث لجعفر بن محمد.
(٤) الفائق ١٤٢/٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٨٠ والنهاية ٢٠٥/٣.
(٥) في معجم البلدان ١٥٦/٥ ١ معرة النعمان: مدينة كبيرة قديمة مشهورة من أعمال حمص بين حلب
وحماة، ومنها كان أبو العلاء المعري)) وفي معجم البلدان ١٥٥/٥, معرة مصرين: بليدة بنواحي
حلب ومن أعمالها وبينهما خمسة فراسخ)).
(٦) المفردات ٥٥٨ .

٥١
باب العین
وعرشُ اللّه مما لا يعلمُه البشرُ على الحقيقة إلا بالاسم. قال: وليس كما تذهبُ إِليه أوهام
العامَّة فإنه لو كان كذلك لكانَ حاملاً له تعالى عن ذلك لا محمولاً، واللهُ تعالى يقولُ:
﴿إِنَّ اللهَ يُمسكُ السماواتِ والأرضَ أن تَزولا ولئنْ زالتا إِنْ أمسكهما من أحدٍ من بعدهِ ﴾
[فاطر: ٤١] وليس كما قال قومٌ إِنه الفلكُ الأعلى، والكرسيُّ فلكُ الكواكبِ. قالَ:
واستدلُوا على ذلك بما رُويَ عنه عليه الصلاة والسلام: «ما السماواتُ السبعُ والأرضون
السبع في جنبِ الكرسيُّ إِلا كحلقةٍ ملقاةٍ في أرض فلاةٍ))(١) والكرسيّ عند العرش كذلك.
قلتُ: لا يلزمُ مَن قالَ: إِن العرشَ جسمٌ وفلكٌ أن يكون حاملاً لله تعالى بلِ العرشُ
وحملتُه وما سوى ذلك محمولون بقدرتِه تعالى. والقرآنُ قد وردَ بأنَّ للباري تعالى عَرشاً
موجوداً جسمانياً مَحمولاً وهو قولُه تعالى: ﴿ويحملُ عرشَ رَبِّك فوقَهم يومئذٍ ثَمانيةٌ﴾
[الحاقة: ١٧﴾. ﴿وَكانَ عَرْشُهُ على الماءِ﴾ [هود: ٧] فأيُّ مَحذورٍ في أن يكونَ له
عرشٌ كما أنَّ له سماواتٍ وأرضاً، ولا نقولُ إِن شيئاً من ذلك يَحويهِ ولا هوَ مقولُه تبارك
وتعالى عن ذلك. وقيلَ: العرشُ سريرُ الملك فعبَّر به عن ملكوتٍ ربِّنا لأنه ملكُ الملوك.
قوله: ﴿وكان عرشُه على الماءِ﴾ تنبيةٌ أن عرشَهُ تعالى لم يَزَلْ مُسْتَعْلِياً مُذْ وُجدَ
على الماء. وقولُه تعالى: ﴿ذو العرشِ المجبدُ﴾ [البروج: ١٥]، ﴿رفيعُ الدَّرجات
ذو العرشَ﴾ [غافر: ١٥] ونحو ذلك. قيلَ: هو على حقيقته من وجودِ عرشٍ كالسماوتِ.
وقيلَ: هو إِشارةٌ إِلى مملكتهِ وسلطانه لا إِلى مَقرِّله، تعالى عن ذلك. ومن ذلك قولُهم:
ثُلَّ عَرَشُ فلانٍ: إِذا ذهبَ عنه. ورُويَ أنّ عمر رضيَ اللهُ عنه ([رُئي] في المنامِ فقيلَ: ما
فعلَ اللهُ بكَ؟ فقالَ: لولا أن يتداركني برحمتهِ لُلَّ عرشي))(٢) قوله: ﴿ولها عَرَشٌ
عظيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] إِشارةٌ إِلى قوةٍ مُلكها وعزّ سُلطانِها وكبرٍ سريرِها وعظمتِهِ،
واستعظام الهدهد لذلك غيرُ بدعٍ منه؛ فهو حكايةٌ عنه لا أنه تَعالى استعظَّمه ، وحيثُ وردَ
عنه تعالى استعظامُ شيءٍ فإِنَّما ذلك بالنسبة إلى استعظامٍ خلقهِ كقولِه ﴿عذابٌ عظيمٌ﴾
[ المائدة: ٤١ ].
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ٥١١ وانظر روح المعاني ٩/٣ وتفسير ابن كثير ٣١٧/١ وفتح
الباري ١٣ / ٤١١.
(٢) الفائق ١٥٤/١ والنهاية ١ / ٢٢٠ وغريب ابن الجوزي ١ /١٢٨.

٥٢
:
باب العین
قوله: ﴿وما كانوا يَجْرِشون﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي لكرومهم. وقيلَ: يُثبتون.
يُقالُ: عَرَشَ يَعْرُشُ ويَعْرِشُ، وقد قُرِئَ بهما (١) أي عَرَشَ العُروشَ من أيِّ نوعٍ كان ومن أي
زرعٍ كان. وقيلَ: يَبْنون العريشَ. قوله: ﴿خاويةٌ على عُروشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي
ساقطةٌ على سُقُوُفِها، سقطت السقوفُ ثم وقعتْ عليها الحيطانُ، يشيرُ إِلى خرابها عُلواً
وَسفلاً. ولا تَرى أوجزَ لفظاً ولا أرمزَ على المعنى بأحسنَ من لفظِ القرآنِ. وفي الحديثِ:
((لمّا ماتَ سعدٌ اهتزَّله عرشُ الرحمنِ)(٢) قيلَ: هو الجنازةُ، واهتزازُه فرحُهِ به، وإضافته
إلى الرحمنٍ من بابِ التكريم والبِشارة. وقيلَ: كنايةٌ عن قَبولِ أهلِ العرشِ - وهُمُ الملائكةُ
: - ولا مانعَ من أنْ يُحملَ على حقيقتِهِ تكرِمَةً كما قيلَ في قولِه تعالى: ﴿فما بكتْ عليهم
السماءُ والأرضُ﴾ [الدخان: ٢٩] وإِنَّ اللهَ يجعلُ فيها قوةَ البكاءُ كلُّ هذا لا مُجَالُ فيه
عَقْلاً ولا شرعاً. وعن بعضهم: ((تمتَّعْنَا معَ رسولِ اللهِنَّهِ وفلانٌ كافرٌ بالعُرُشِ))(٢) يعني
وهو بعُرُشِ مِكةَ بعدُ لم يهاجرْ، والباءُ بمعنى في، والعُرُشُ جمعُ عَرِشٍ كسَقْفٍ وَسُقُفٍ.
وقيلَ: هو جمعُ عريشٍ نحوٍ قُّلُبٍ وقَليبٍ. وفي مَقتلِ أبي جهلٍ: ((خُذْ سَيفي فاحْتُزَّ به
رأسي من عُرْشي))(٤) قالَ المبردْ: العُرْشُ: عِرِقٌ في أصلِ العُنقِ.
ع رض:
قولُه تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السماواتُ والأرضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] العَرضُ
مقابلُ الطولِ، وإِذا كان عرضُها كذلك فما ظنُّك بطولِها؟ وهو من باب التَّنبيه بالأدنى على
الأعلى. ومثلُه في المعنى: ﴿بطائنُها من إِسْتُبرقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] فما ظنُّك بالظّهارة؟
فإِنَّ العادةَ قاضيةٌ بأنَّ الظَّهارةَ أنفسُ من البطانة. وأنشدَ للأعشى: [من الطويل]
على الخائفِ المَدْعورِ كِفَّةُ حابلٍ(*)
١٠٠٨ - كأنَّ بلادَ الله وهيَ عَريضةٌ
(١) قرأ عاصم وابن عامر وشعبة (يَعْرُشون) وقرأ ابن أبي عبلة (يُعَرِّشون) البحر المحيط ٣٧٧/٤ والنشر
٢٧١/٢ والسبعة ٢٩٢
(٢) النهاية ٢٠٧/٣
: (٣) الفائق ٢ /١٣٨ وغريب ابن الجوزي ٨١/٢ والنهاية ٢٠٧/٣.
(٤) غريب ابن الجوزي ٢ / ٨١ والنهاية ٢٠٨/٣.
(٥) البيت لعبد الله بن الحجاج في الأغاني ١٦٢/١٣ وليس للأعشى، والبيت دون عزو في اللسان والتاج
(كفف) والحيوان ٢٤٠/٥، ٠٤٣٢/٦

٥٣
باب العین
وقيل: هو كنايةٌ عن السَّعةِ من غيرِ نظرٍ إِلى طولٍ ولا عرضٍ. وأصلُ العرضِ والطولِ
أنْ يُستعملا في الأجسام، وقد يُتَجُوزُ بهما في غيرِهما. ومنه قولُه تعالى: ﴿فذو دعاءٍ
عريضٍ﴾ [فصلت: ٥١] والعرضُ مخصوصٌ بالجانبِ. وعَرَضَ الشيءُ: بَدا عرضُه.
ومنه قولُهم: عرضْتُ العُودَ على الإِناءِ، واعْترضَ الشيءُ في حَلقِهِ: وقفَ فيه بالعَرضِ.
واعْتَرِضَ الفرسُ في مَشْيه. وفيه عُرْضَةٌ أي اعتراضُ في مشيهٍ من الصِّعوبةِ. ومنه قولُه
تعالى: ﴿ولا تَجعلوا اللهَ عرضةً لايمانِكُم﴾ [البقرة: ٢٢٤] قيلَ: معناهُ: ولا تَجعلوهُ
مُعرَّضاً لها ومُعدَّاً لأنَّ ذلك يُشعِرُ بقلّةِ المُبالاةِ، مِن قولك: هذا بَعِيرٌ عُرضةٌ للسَّفر. وأنشد
لعبدِ الله بنِ الزُّبْعَرَى: [من الطويل]
١٠٠٩ - فهذي لأيام الحروب وهذه للَهوي وهذي عرضةٌ لا رتحالیا
وقالَ المبردُ: العُرضةُ: الاعتراضُ في الخيرِ والشرِّ. يقولُ: لَا تَعْترضوا باليمينِ في
كلِّ ساعةٍ أنْ لا تَبَّوا ولا تَتَّقوا. وقيلَ: لا تَجعلوهُ مُعترضاً بينكم وبينَ فعلِ البِّ، وذلك أنَّ
الرجلَ يحلفُ ألا يفعلَ الخيرَ ولا يبرَّ فلاناً فيجعلَ الإيمان مُعترضةً بينَ فعلِهِ الخيرَ وبينَه
وقيلَ: هي المنعُ، أي: لا تجعلوهُ مانعاً لكم من البرِّ والتَّقْوى. ويدلُ عليه الحديث: ((مَن
حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها فليكفِّرْ عن يمينه وليأتِ الذي هو خيرٌ))(١) وقد
أتقنّا هذه المسألةَ وأوسَعْنا فيها العبارةَ إِحكاماً وإِعراباً وتفسيراً في ((القولِ الوجيزٍ)) و(الدرّ
النَّظيم)» وغيرهما ولله الحمدُ والمنَّةُ. وقولُه تعالى في موضعٍ: ﴿عرضُها السماواتُ
والأرضُ﴾ [آل عمران: ٢٣٣] وفي موضعٍ آخرَ: ﴿كَعَرْضٍ﴾ [الحديد: ٢١]. فصرَّح
بحرفِ التشبيهِ لما بينّاهُ في غيرِ هذا. قال بعضُهم(٢): أرادَ بالعرضِ في الموضعينِ الذي
هو خلافُ الطولِ. قال: وتَصَوِّرُ ذلك على أحدٍ وجوهٍ: إِمّا أن يُرِيدَ به أنْ يكونَ عرضُها
في السماءِ الأخيرةِ كعرضِ السماواتِ والأرضِ في النشأةِ الأولىِ، وذلك أنه قد قالَ:
﴿يومَ تُبدّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتِ﴾ [إِبراهيم: ٤٨] قالَ: فلا يمتنعُ أنْ تكونَ
السماواتُ والأرضُ في النشأةُ الأخيرةِ أكبرَ مما هي الآن ورُويَ أن يهودياً سألَ عمرَ رضيَ
الله تعالى عنه عن هذه الآية وقال: فأين النارُ؟ فقال عمر: فإِذا جاءَ الليلُ فأينَ النهارُ؟ وقد
(١) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور برقم ٦٢٤٨، ومسلم في الأيمان وفي الامارة ١٦٥٢.
(٢) المفردات ٥٥٩ .

٥٤
باب العین
قيلَ: يعني بعرضها سَعَتَها لا من حيثُ المساحةُ لكنْ من حِيثُ المَسِرَّةُ، كمايقالُ في
ضدِّ: الدنيا على فلانٍ حَلْقُ خاتم وكِفَّةُ حابِلٍ. وسعةُ هذه الدارِ كسعةِ الدنيا. وقيلَ:
العَرْضُ ها هُنا من العَرْضِ على البيعِ كقولهم: بيعَ كذا بعرضٍ: إِذا بيعَ بسلعةٍ فمعناهُ عرضُها
أي بدلُها وعوَضُها كقولك: عرضُ هذا الثوبِ كذا وكذا. والعَرَضُ - بالتحريك - ضِدُّ
الجوهرِ، وهو ما لا يكونُ له ثباتٌ ولا استقرارٌ. ومنه استعارَ أهلُ الكلامِ العَرضَ لِمَا لا
يقومُ بنفسهِ بل بجوهرٍ كاللون. وقولُهم: الدنيا عَرَضٌ حاضرٌ، أي لا ثباتَ لها ومنهُ قولُه
تعالى: ﴿ثُريدون عَرَضَ الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧] وقوله: ﴿لو كانَ عرضاً قريباً
[التوبة: ٤٣] أي مَطلباً سهلاً.
والتَّعريضُ: ما احتملَ من الكلام وجهينٍ فصاعداً وهو الذي تُسمِّيه الأدباءُ الكلامَ
الموجَّه. وفي الحديث: ((إِنَّ في المعاريضَ مَنْدوحةٌ عن الكذب))(١) والتَّعريضُ: ضدُّ
التّصريح. ومنه قوله تعالى: ﴿فيما عَرْضْتُمْ بهِ من خطبةِ النساءِ﴾ [النساء: ٢٣٥] هو ان
يقولَ: أنت جميلةٌ ورُبَّ راغبٍ فيك وإِذا حُللت فآذنيني، ونحوُ ذلك. والتصريحُ أن
تقولَ: أريدُ أن أتزوجَكِ، ونحو ذلك. قولُه تعالى: ﴿ثم عَرَضَهُمْ(٢) على الملائكةِ ﴾
[البقرة: ٣١] أي أتَى بهم لهُمِ وأعتَدَهُمُ ووقفَهم عليهم، من قولك: عَرَضَ الأميرُ الجندَ
ليتعرَّفَهم بخَلاقهم وأسمائهم، والعارضُ: البادي عَرْضُه؛ فتارةً تختصَّ بالسحاب كقوله
تعالى: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي سحابٌ قد عرِضَ في الأفقِ. قالَ
الشاعرُ: [من المنسرح]
١٠١٠ - يا مَن رأى عارضاً أكفكفُه بين ذراعَى وَجَبهَةِ الأسَدِ(٣)
وقولُه تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جِهِنَّمَ﴾ [الكهف: ١٠] أي أَبْرَزْناها وجَهلناها بحيثُ
يَرْونها. ومثلهُ: ﴿ويومَ يُعرضُ الذين كَفَروا على النارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] من ذلك وقيلَ:
هو مقلوبٌ، والأصلُ: تعرَضُ النَارَ عِليهم. ومنه قولُهم: عرضتُ الناقةَ على الحوضِ. قولُه:
﴿وأنتم مُعْرَضون﴾ [البقرة: ٨٣] أي مولُّون، وأصلُه: من وَلَّى في عُرضهِ أي ناحيتهِ
(١) أخرجه البخاري في الأدب، (١١٦) باب: المعاريض مندوحة عن الكذب ...
(٢) قرأ ابن مسعود (عَرْضَهُنَّ)، وقرأ أُبيّ (عرضها) البحر المحيط ١٤٦/١.
(٣) تقدم البيت برقم ٢٦٦.

٥٥
باب العین
فأعرضَ عني من كذا. وقيلَ: أعرضَ: أظهرَ عُرضَه، أي ناحيتُه. فإِذا قيلَ: أعرَضَ لي
كذا،أي بكذا عُرضَه فأمكن تناولُه. وإِذا قيلَ: أعرضَ عني فمعناهُ وَلَّى مُبدِياً عرضه.
وعرضَ كذا: إِذا بَدا من أيِّ ناحيةٍ كانتْ. وقولُهم: هو من عُرْضِ الناسِ، أي من نواحيهم
غيرِ مخصوصٍ ولا معلوم.
قوله: ﴿ وهُم عن آياتها مُعرضون ﴾ [ الأنبياء: ٣٢] أي مولّون على الاستدلال بها
على الله وعلى وحداهيتهِ. وأعرضَ الشيءُ: إِذا بَدا. ويقالُ فيما يُعْرِضُ من السَّقَم: عارضٌ
وفيما يظهرُ من شعرِ الخدَّين: عارضٌ، ومنه: العارِضان: وهما الشعرُ النّابتُ على
الَّلحْيينِ. وعلى ما يبدُو من الأسنانِ وهي المجاورةُ للثنايا، وللإِنسانِ أربعُ عوارضَ؛ قالَ
عنترةُ: [ من الكامل]
١٠١١ - سَبقتْعوارضَها إِليكَ منَ الفَمِ(١)
وقالَ كعبّ: [ من البسيط ]
١٠١٢ - تَجْلُو عوارضَ ذِي ظَلْمٍ إِذا اوتسمتْ كأنَّه مُنْهِلٌ بالرَّاحِ !مَعْلُولُ (٢)
وفلانٌ شديدُ المُعارضة: كنايةٌ عن جودةٍ بيانه. قوله: ﴿يأخذون عَرَضَ هذا
الأدنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] أي الرُّشا في الأحكام. قوله: ﴿ سَيحلفون بالله لكُم إِذا
انْقَلَبْتُمْ إِليهم لتُعْرِضِوا عنهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] أي لتَعْفوا وتَصْفِحوا، أي لانَّ في العفوِ
إِعراضاً عن الجاني. وقيلَ: اللامُ متعلقةٌ بالحلف على معنى أنَّهم حَلفوا لاجلٍ إِعراضِكم
عنهم؛ فَعلوا ذلك لمَّا رأوكم أعرضتُم. وعبّر الهرويُّ عن هذا المعنى حكايةً عن أبي
العباسٍ قال: قال أبو العباس: أي الإعراضكم عنهم، وليست لامَ كي لكنهم حلفوا
الإعراضِ المسلمين عنهُم. قلتُ: وهذه لامُ كي على التقديرينِ المذكورينِ، وهي متعلقةٌ
بالفعلِ على التقديرين أيضاً، فكيفَ يقالُ: وليستْ لامَ كي؟.
وفي الحديث: ((كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ؛ ماله وعرضُهُ ودَمهُ»ُ(٣) قال
(١) عجز بيت من معلقته في ديوانه ١٨ وصدره: (وكأنّ فارة تاجر بقسيمة)
(٢) ديوانه٧ .
(٣) النهاية ٢٠٨/٣، وأخرج البخاري في الحج، (١٣١) باب الخطبة أيام منى ١٦٥٢, ... فإن
دماءكم وأموالكم وأعراضکم علیکم حرام ، کحرمة یومکم هذا ، في بلد كم هذا، في شهر کم هذا).

٥٦
باب العین
المبردُ: العِرْضُ من الإِنسانِ موضعُ المدح والذمِّ، وذلك أن يذكرَ أُموراً يرتفعُ بها الإنسانُ
أو يسقطُ وقيلَ: عرضهُ همُ أسلافه الذين يشرُفُ بهم أو موضعٌ منه. وقيلَ: العِرْضُ: نفسُ
الرجلِ، واستدلَّ بحديثِه عليه الصلاة والسلامِ في صفةِ أهلِ الجنةِ: ((لا يُبُولون ولا
يَتَغْوّطون إِنَّما هو عَرَقٌ يخرجُ من أعراضهم)»(١) أي من ذواتهم. قلتُ وقولُ حسانَ رضيَ
الله عنه: [ من الوافر]
١٠١٣ - فإِنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضي لِعِرْضٍ محمدٍ منكم وِقاءُ (٢)
يحتملُ الأمرين إِلا أنَّ الظاهرَ مِنْه العرضُ المتعارفُ. واستدلَّ أيضاً بحديث أبي
ضَمْضم: ((اللهمَّ إِنِي تصدَّقْتُ بِعرْضي على عبادِك ◌ُ(٣) ووجهُ الدليلِ أنَّه لو كان العِرْضُ
الأسلافَ لما جازَ أن يُحلَّهُمْ لغيرهِ لأنَّ ذلك إِليهم لا إِليهِ. والذاهبُ إِلى ذلك والمُستدلُ
عليه هو ابنُ قتيبة. قال أبو بكرٍ: وما ذهبَ إِليه واضحُ الخطأ ألا تَری قولٌ مسکینٍ
الدارميِّ: [من الرمل]
١٠١٤ - رُبَّ مَهزولٍ سِّمِينٌ عِرِضُه وسمينِ الجسم مَهزولُ الحَسَبْ(٤)
قال: فلو كان العرضُ البدن والجسم على ما ادّعى لم يكن مسکیناً لیقول: ((ربّ
مهزولٍ سَمينٌ عِرضهُ)) إِذ كان مستحيلاً للقائل أن يقولَ: ((ربَّ مهزولٍ سمينٌ جسمُهُ))
المناقضة ذلك. وإِنما أراد: (ربَّ مهزولٍ جسمُه كريمةٌ أفعالُه)) وتأوّلَ الحديثُ بأنَّ
الأعراضَ: المغابنُ التي يخرجُ منها العرقُ، وهذا عندي قريبٌ من قول ابن قتيبةٍ فكيف
يكونُ ردّاً عليهِ؟ واستدلَّ أبو بكرٍ بقولِه: دمُ المسلم وماله وعرضُه. قالَ: لو كانَ العرضُ
البدنَ لكانَ قولُه دمُه كافياً لانَّ الدمَ يعبَّرُ به عن النفسِ. ويدلُ عليه قولُ عمرَ للحطيئة:
(اندفعتَ تغني بأعراضِ المسلمين))(٥) معناهُ بأفعالهم وأفعال أسلافهم. قال الشاعرُ وهو
(١) الفائق ١٣٠/٢ وغريب ابن الجوزي ٨٣/٢ والنهاية ٢٠٩/٣.
(٢) ديوانه ٦٥ والنهاية ٢٠٩/٣ واللسان (عرض).
(٣) الفائق ١٣٢/٢ وغريب ابن الجوزي ٨٢/٢ والنهاية ٢٠٩/٣.
(٤) البيت فى العباب واللسان والتاج٠ (عرض).
(٥) النهاية ٢٠٩/٣، والإضافة من النهاية. وانظر الخبر كاملاً في الاغاني ١٨٦/٢ حيث مجا الحطيئة
الزبرقان بن بدر .

٥٧
باب العین
طرفةٌ (١): [من الطويل]
وقال: الحكمُ بنُ عبدلِ الاسديُّ: [من الطويل]
١٠١٥- وأُدركُ مسيورَ الغِنى ومعي عِرْضي(٢)
أي أفعالي الجميلةُ التي تَقْتضي مَدحي وعدمَ مَذَمَّتي. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ:
((أَيُّ الواجدِ يُحلِّ عقوبته وعِرْضَه))(٢) أي يجوزُ لربِّ الدِّينِ أن يصفّه بسوء القضاء بالنسبة
إلى نفسِهِ لا إِلى أسلافه. وفي كتابه عليه الصلاة والسلام لاقيالِ شَنوءَة: ((وما كانَ لهُم من
مِلْكِ وعُرْمانٍ ومَزَاهِرَ وَعُرْضانٍ))(٤) قيلَ: العُرْضانُ: جمع عريضٍ وهو ابنُ سنةٍ مِن المَعز.
وقيلَ: جمعُ عِرْضٍ وهو الوادي الكثيرُ النخلِ والشجرِ. ومنه: أعراضُ المدينةِ لقُراها في
الوادي خاصَّة فيها النخيلُ. وفي الحديث: ((فمن اتَّقى الشُّبهاتِ فقد استبرأ لدينه
وعِرْضِهِ))(٥) أي احتاطَ لنفسه. فهذا ظاهرٌ في النَّفْس كما قالَ ابنُ قتيبةً. وفي حديث ابنِ
عمر: ((وأَضرِبُ العَروضَ) (٦) العروضُ من الإبلِ ما أخذَ يميناً وشمالاً ولا يلزمُ محجّةٌ
واحدةٌ. والعَروضُ: العلم المعروف استنبطه الخليلُ بنُ أحمدَ. وقالَ ذو البِجادينِ يخاطبُ
ناقَّةً رسول اللَّه ◌َئٌ: [من الرجز]
١٠١٦ - تَعَرَّضي مَدارجاً وسُومي
تَعَرُّضَ الجوزاءِ للنُّجوم(٧)
أي خُذي يمنةً ويَسرةً وتَنكَّبِيِ الثَّنايا الغلاظَ. يقالُ: تعرَّضَ في الجبلِ: إِذا أخذَ في
عروضٍ منه أي ناحيةٍ، فاحتاجَ أن يأخذَ يميناً وشمالاً. وإِنما قالَ: ((تعرضَ الجوزاءِ)) لأنها
(١) لم يذكر المؤلف البيت ، ولعل بيت طرفة هو كما في ديوانه ١٢ :
إِن الكريم إِذا يحرّب يغضب).
( أدّوا الحقوق تفر لکم اعراضکم
وورد في اللسان (عرض ٧ / ١٧١) البيت التالي دون عزو بعد حديث عمر للخطيئة:
إذا كان أعراض اللعام تفرفرٌ)
( ولكن أعراض الكرام مصونة
(٢) عجز بيت وصدره: ( وأُعسِرُ أحياناً فتشتدّ عسرتي) والبيت في أمالي القالي ٢ / ٢٦١ وشرح الحماسة
للمرزوقي ١١٦٣ واللسان والتاج (عرض).
(٣) الفائق ٤٧٧/٢ وغريب ابن الجوزي ٨٢/٢ والنهاية ٢٠٩/٣.
(٤) غريب ابن الجوزي ٨٤/٢ والنهاية ٢١٤/٣.
(٥) أخرجه البخاري في الإيمان، (٣٧) باب فضل من استبرأ لدينه ٥٢، ومسلم في المساقاة ١٥٩٩.
(٦) غريب ابن الجوزي ٨٤/٢ والنهاية ٢١٣/٣.
(٧) البيت في النهاية ٢١٣/٣ واللسان والتاج والعباب (عرض) .

٥٨
باب العین
تسيرُ على جَنْب وليستْ بمستقيمةٍ، بل تعارضُ النجومَ معارضةً. وفي حديث عدي ((إِني
أرمي بالمِعْراض))(١) هو سهمٌ بلا نصلٍ ولا ريشٍ ويصيبُ بعرضٍ عودهِ. وفي الحديث:
(ولكُم العارِضُ(٢) هي التي أصابَها كَسرٌ؛ عَرَضت الناقةُ والشاةُ: أصابَها ذَلكَ. وأنشد
[ من الطويل ].
فلا تُهْدِمِنْها واتَشِقْ وَتَجَبْجَب(٣)
١٠١٧- إِذا عَرَضَتْ منها كَهَاةٌ سَمينةٌ
:
وبنو فلان يأكلونَ العوارضَ، أي التي أصابَها مرضٌ وكَسرٌ؛ يصفونَهم بالبُخل. وقالَ
عليه الصلاةُ والسلامُ لِعديُ لمّا تأوَّلَ قولَ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿الخيط الأبيضُ من الخيط
الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] بخيطين جعلهما في رِجلهِ: ((إِنكَّ لعريضُ الوساد))(٤) أي كثيرُ
النوم، كِنِى عن كثرةٍ نومهِ بعرضٍ وسادهِ. وكبرَ: كثُرَ نومُه. والظاهرُ أنه أرادَ عِدْمَ الفطنة،
وذلك أنه وردَ في رواية أخرى: ((عريضُ القَفا))(٥) وهذا كنايةٌ عن السّمنِ المُفرط؛ فإِنه
غالبا يُزيلُ الفطنةَ وقيلَ: مَعناهُ: من أكلَ في صومِهِ معَ الصبحِ أُصبحَ عريضَ القَفا أي
سَمِيناً، لأنَّ الصومُ لا يُنْهِكَه ولا يُؤْثِرُ فيهِ. وأنشِدتُ لبعضِ البدویاتِ في بليدٍ: [ من
الطويل ]
:
قد انحصَّ من بعضِ المقاريظ شاربُهُ (٦)
١٠١٨ - عريضُ القَفا ميزانُه في شِمالِهِ
وفي الحديث: ((أنّ تُجّاراً عَرَّضوا رسولَ اللهِعَله وأبا بكر ثياباً بيضاً))(٧) أي أهدوا
لهُما ذلك. والعُراضَةُ: الهديَّةُ أيضاً. وفيه أيضاً: ((خمِّروا آنيتكم ولو بعودٍ تعرضونَه
عليه))(٨) أي تضعونه بالعرض. يقال: عرضَه يعُرُضُه، بالضم في المستقبلِ. وفي حديثٍ
عمرَ رضي الله عنه: ((فإدّانَ مُعْرِضًا))(٩) المُعرِضُ، قال شَمِر: هو هنا بمعنى المعترِض،
(١) الفائق ٢ / ١٣٤ وغريب ابن الجوزي ٨٥/٢ والنهاية ٢١٥/٣.
(٢) غريب ابن الجوزي ٨٥/٢ والنهاية ٢١١/٣.
(٣) البيت في اللسان والصحاح والعباب والتاج (عرض) والمقاييس ٢٧٩/٤ وهو لحُمام بن زيد مناة
اليربوعي .
(٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة برقم ٤٢٣٩، ومسلم في الصيام ١٠٩٠ :.
(٥) أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة برقم ٤٢٤٠.
(٦) تقدم برقم ٤٨٣ .
(٧) الفائق ١٣٣/٢ وغريب ابن الجوزي ٨٥/٢ والنهاية ٢١٥/٣.
(٨) أخرجه البخاري في الأشرية، (١١) باب شرب اللبن ٥٢٨٣ ومسلم في الأشربة ٢٠١١
(٩) غريب ابن الجوزي ٨٦/٢ والنهاية ٢١٥/٣ .

٥٩
باب العين
يَعني: اعترضَ لكلٍ مَن يُقْرِضُه؛ يقال عرضَ لي الشيءُ فأعرضَ، وتعرَّضَ واعْترضَ بمعنى
واحدٍ قالَ: ومَنَ فسِّره بمعنى المُمكنِ على ما فسّر أبو عبيدٍ فهو بعيدٌ لأنَّ مُعرضاً منصوبٌ
على الحالِ، فإِذا فسَّر أنه يمكنهُ فالمعرضُ هوالذي تعرَّض لأنه هو الممكنُ. وقالَ ابنُ
شميلٍ: ((فادّن مُعْرضاً)) أي تعرَّض، إِذا قيلَ له: لا تَستدنْ فلا يَقْبِلُ. وروى أبو حاتمٍ
عن الأصمعيّ أنه قالَ فيه: أي أخذَ الدَّينَ، ولم يُبالِ ألاَّ يؤدِّيه. وقال القُتَيِيُّ: أي استدانَ
مُعْرِضاً عن الأداءِ، وهو قولُ أبي حاتمٍ. وعندي أن كلامَ أبي عبيدٍ صحيحٌ لانَّ هذا
المُستدينَ قديكونُ ادَّانَ وهو مَليءٌ مُمكَّنٌ، وهو ممّا يُلامُ عليه الإِنسانُ، والمستدينُ رجلٌ
عيِّر عمرَ رضي الله عنه. وفي حديثٍ محمدِ بنِ عليٍّ: ((كلِ الجُبْنَ عُرْضاً))(١) قال أبو
عبيدٍ: أي اعْتَرضْه واشترهِ ممن وجدتَه ولا تسألْ عمَّن عملُهُ؛ أعملُ مسلمٍ أم غَيْرُه؟ وهذا
قصدَ به رضيَ الله عنه: الآخذُ بالظاهرِ، وأنَّ السؤالَ قد يؤدي إلى محاذيرَ لا بدّ من
تعاطيها، مأخوذٌ من عُرضِ الشيءٍ وهو ناحيتُه كما تقدَّم. وفي حديثٍ: ((فاستعرضَهُم
الخوارجُ﴾(٢) أي قَتلوهم من أيِّ وجهٍ أمكنوهُم.
ع رف:
قولُّه تعالى: ﴿الجنَّةَ عرِّفَهاَ(٣) لهُم﴾ [محمد: ٦] أي طيِّيها، من العَرْف وهو
الطيبُ. وتقولُ العربُ: طَيِّبَ اللهُ عَرْفَكَ، أي رائحتَكَ. وقيلَ عَرْفَها لهم في الدنيا
بوصفٍ وصفها لهم، فإِذا دخلوها عرفوها بتلكَ الأوصافِ الحسنة بمعنى: أَلَهَمَ كلَّ أحدٍ
أن يعرفَ منزلّه في الجنةِ كما يعرفُ منزله في الدنيا مع اتساع تلك المنازلِ وكثرتِها. وإِذا
ألَهَم الطيور أن تهتدي لأوكارها في الدنيا مع كثرة أو کارِها وأشباهها وتقاصُرٍ فھمِها،
فهذا أولى. فقيلَ: إِنه يُبعثُ مع كلِّ رجلٍ مَلَكٌ يعرِّفه منزله. وقيلَ: عرَّفها: زيَّنَها. وقيلَ:
شوَّقَهم إِليها بوصفه لها وتعريفهِ إِياها. قوله تعالى: ﴿وَلِتَعْرِفِنهَم في لَحْن القولِ﴾
[محمد: ٣٠] أي ليظهرنَّ لك المنافقُ من غيرهِ من فَحوى خطابهِ. والمعرفةُ والعِرْفانُ:
إدراكُ الشيءٍ بتفكّرٍ وتدبِّرٍ لأثرهِ فهو أخصُّ من العلمِ ويضاده الإنكارُ. ويقالُ: فلانٌ يعرفُ
(١) الفائق ٢ / ١٤١ وغريب ابن الجوزي ٨٦/٢. والنهاية ٢١٠/٣.
(٢) غريب ابن الجوزي ٨٦/٢ والنهاية ٢١٥/٣.
(٣) قرأ ابن محيصن (عَرَفَها) الإتحاف ٣٩٣.

٦٠
باب العین
اللهَ، ولا يقالُ: يعلمُ اللهَ، متعدياً إِلى واحدٍ، لمّا كان معرفةُ البشر لله هي تدبِّرُ آثاره دون
إدراكِ ذاته. ويقالُ: اللهُ يعلمُ كذا ولا يقالُ: يعرفُ، لمّا كانتِ المعرفةُ تستعملُ في العِلْم
القاصرِ المتوصَّلِ إِليه بتفكّرٍ؛ قاله الراغبُ (١).
قلت: وقد فرّقَ قومٌ بينّ العلم والعرفان بغير ذلك؛ فقالَ بعضُهم: المعرفةُ: إِدراكُ
الشيءِ دونَ ما هوَ عليه. ومن ثم تعدَّتْ لواحدٍ. والعلمُ معرفتُه وما هوَ عليهِ. ومن ثمَّ
تعدِّى لاثنينٍ، فمن ثمَّ يقالُ: علمَ اللهُ، دونَ عرفَ. وقال آخرون: المعرفةُ تَستدعي جهلاً
بالشيءِ المعروفِ بخلافِ العلمِ فإِنه لا يَسْتدعي ذلك، ولذلك علمَ اللهُ دونَ عِرفَ اللهُ.
وقد وقعَ في عبارةِ بعضِ العلماءِ عرفَ اللهُ، ومنهُم الزمخشريُّ في كشافِه. ثم إنهم
يقولون: علمَ يتعدَّى لمفعول واحدٍ إِذا كانتْ بمعنى عرفَ، ويجعلون من ذلك ﴿لا
تَعْلِمونَهم اللهُ يَعْلمُهم﴾ [الأنفال: ٦٠] وحينئذٍ فكيف يصحُّ ذلك؟ إِذ المحذورأمرٌ
معنويٌّ لا لفظيٍّ فإِنَّه متى أريدُ بالعلم العرفانُ كانا بمعنى واحد امتناعاً وجوازاً. فيجبُ أن
يقالَ: ﴿اللهُ يعلمُهم﴾ متعدٍّ لاثنين حُذفَ ثانيهما وأمّا ﴿لا تَعْلِمونَهم﴾ فمتعدُّ لواحدٍ.
قيلَ: وأصلُ عَرَفْتُ: من أصبتُ عَرْفَه. أي رائحته، أو من أصبتُ عَرَفَه أي خدَّه. وتُقَابَلُ
المعرفةُ بالإنكارِ والعلمُ بالجهلِ.
قوله: ﴿وَجَعَلناكُمْ شُعوباً وقبائل لتعارَفواً (٢)﴾ [الحجرات ١٣] أي ليعرف
بِعَضُكُم بعضاً بنسَبهِ، فيقالُ: فلانُ بِنُ فلانٍ من الحيِّ الفُلانِيِّ والقبيلة الفُلانية والشعب
الفُلانيِّ. وقد تقدَّم أنَّ الشعوبَ في العَجمِ والقبائلَ في العربِ. والمعنى: لتعارَفوا لا
لِتَفاخروا، والأصلُ: لِتَتَعارفوا فحذفتْ إِحدى التاءين، وأَثْبتَهما ابنُ كثيرٍ إلا أنه أدغم
إِحداهُما في الأخرى، وهي أحرفٌ معدودةٌ بينّاها في ((العقد النضيد)). وقيلَ: ﴿عَرْفَ
بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عن بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] أي عرّف بعضَ أزواجه وهي حفصةُ. وقيلَ:
((عَرَفَ))(٣) بالتخفيف، قيل، بمعنى جازاها عليه، وهو مستفيضٌ عندهُم في الوعيد،
(١) المفردات ٥٦٠.
(٢) قرأ الأعمش (لتتعارفوا)، وقرأ عاصم وابن عباس وأبان (لتُعْرِفوا) البحر المحيط ١١٦/٨، وقرأ
الأعمش (لتتعرَّفوا) مختصر ابن خالويه ١٤٤ .
(٣) قرأها الكسائي وأبو عمرو وطلحة والحسن وقتادة والأعمش وأبو بكربن عياش، الإتحاف ٤١٩ والنشر.
٣٨٨/٢ والسبعة ٦٤٠، وقرأً ابن المسيب وعكرمة (عَرّاف) البحر الميط ٢٩٠/٨.