النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
باب العين
والعيدُ أعمّ من العابدِ إِذ يقالُ: عبدُ زيدٍ ولا يقالُ: عابدهُ. قال بعضُهم: عبادُ الله وعبيدُ
الناسِ. فيقعُ الفرقُ في الجمعِ. ونَقَضَهَ بعضُهم بقولهِ: ﴿وما أنا بظلامٍ للعبيدِ﴾
[ق: ٢٩]. وللعبد جموعٌ كثيرةٌ. عبادٌ وعَبيدٌ وَأَعْبُدٌ وعِبْدَانٌ وعُبْدانٌ وعِبِدَاءُ وعُبُدُ
وأعابِدُ ومَعْبُوداءُ ومَعْبودى وعَبْدُون ومَعْبدةٌ. وقال الراغبُ(١): وجمعُ العبد الذي هو
مُسترقٌ عَبِيدٌ، وقيلَ: عِبِدَّى. وجمعُ العَبدِ الذي هو العابدُ عبادٌ. قالَ: العبيدُ إِذا أضيفَ
إلى الله تعالى أعمُّ من العباد. ولهذا قال: ﴿وما أنا بظلاًمٍ للعبيدِ﴾، فنَّهَ أنه لا يظلمُ من
تخصَّصَ بعيادتهِ ومَن انتسبَ إِلى غيرهِ من الذين تسّموا بعبدِ الشمسِ وعبدِ اللاتٍ. ثم
العَبْدُ يقالُ على أنواعٍ:
الأولُ: عبدٌ بحُكم الشارع، وهو ما يجوزُ بيعُه وشراؤه من الآدميين. ومنه قولُه
تعالى: ﴿والعبدُ بالعبدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَعنى الذي في الرِّقِّ.
والثاني: ما يكونُ عيداً بالإبداعِ والاختراعِ وهذا لا يكونُ إِلا لله تعالى إِذ هو مُوجِدُ
الأشياءِ كلّها. وإِلى هذا النوع أشارَ بقوله تعالى: ﴿إِنْ كَلَّ مَن في السماواتِ والأرضِ إِلا
آتي الرحمنِ عَبداً﴾ [مريم: ٩٣].
والثالثُ: ما يكونُ عَبداً بخدمته وعبادته وأشتغاله بمولاهُ. وإليه أشارَ
بقوله: ﴿واذكُرْ عبدَنا أيوبَ﴾ [ص: ٤١] ﴿سُبحانَ الذي أسرى بعبدهٍ﴾ [الإسراء: ١]
﴿فوجَدًا عَبداً مِن عبادِنا﴾ [الكهف: ٦٥] وهذه هي إضافةُ التشريفِ. ومنه قولُ
الشاعرِ: [ من السريع]
٩٨٦ - لا تَدْعُنِي إِلا بيا عبدَها فإِنه أشرفُ أسمائي(٢)
الرابعُ: ما هو عبدٌ للدنيا وأعراضها الفانية، وهو الحريصُ عليها المتهالك على حبِّها
كقولِه تعالى: ﴿ولتجدنْهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] وإياهُ قصدَ النبيّ ◌َّه.
بقولِه: (تَعِسَ عبدُ الدينارِ تَعِسَ عبدُ الخميصةِ))(٢). قالَ الراغبُ(٤): وعلى هذا النوعِ
(١) المفردات ٥٤٢.
(٢) البيت بلا نسبة في الدر المصون ١٩٩/١ والقرطبي ٢٣٢/١ والبحر المحيط ١٠٤/١.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد. وفي الرقاق ، (١٠) باب ما يتقى من فتنة المال ٦٠٧١ .
(٤) المفردات٥٤٣.

٢٢
:
باب العين
يصحُّ أن يقالَ: ليس كلُّ إنسانٍ عبداً لله تعالى؛ فإِنَّ العبدَ على هذا المعنى العابدُ،
لكنِ العبدُ أبلغُ من العابد. قلتُ: فيما قالَه نظِرٌ من حيثُ الصناعةُ اللفظيةُ، والناسُ كلُّهم
عبادُ اللَّه تعالى، بلِ الأشياءُ كلُّها كذلك؛ بعضُها بالتسخيرِ فقط وبعضُها به وبالاختيارِ.
والعبادةُ على نوعينٍ: نُوعٍ بِالتَّسخيرِ، وهو الذي يكونُ عابداً بشهادة حاله وإِنْ تأنّی
في الصورةِ كقولِه تعالى: ﴿ولله يَسجُّدُ مَن في السماواتِ والأرضِ طَوعَاً وَكَرْهاً﴾
: [الرعد: ١٥]. ونوع بالاختيارِ وهي العبادةُ التي أمرَ اللَّهُ بها الخلقَ وكلَّفَهم بها في قولِه
تعالى: ﴿يأيُّها الناسُ اعبدوا ربُّكم﴾ [البقرة: ٢١].
قوله: ﴿وما خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلا لَيَعْبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي لیوحدون،
ولم أَخْلُقْهم احتياجاً إِليهم بدليل قولهِ: ﴿ما أريدُ منهُم من رزقٍ وما أريدُ أنْ يُطعمون﴾
: [الذاريات: ٥٧] وليسَ المعنى أنه خلقَهم مُريداً منهُم ذلك إِذ لو كان كذلك لم يتخلّفْ
عن عبادته منهُم أحدٌ لئلا يلزمَ تخلفُ مُرادِهِ. وأنتَ تَرى أكثرَهُم غيرَ عابديهِ: ﴿ وما أكثرُ
الناسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. ويقالُ: طريقٌّ مُعبَّدٌ، أي مُذَلِّلٌ بالوطءِ؟
قالَ طرفةُ بنُ العبدِ: [ من الطويل]
٩٨٧-[تُباري عتاقاً ناجیات ] وأُقبَعَتْ
[وَظِيفاً] وَظيفاً فوقَ مَوْرٍ مُعَبْدِ(١)
قوله: ﴿أنْ عَبْدتَ بنِي إِسرائيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي اتَّخَذْتَهم عَبيداً وخَوَلاً.
وقيلَ: ذَلَلتَهُم ذَلَّةَ العبيد. وقِيلَ: كَلَّفْتَهم الأعمالَ الشاقَّةَ التي تُكلِّفُ مثْلَها العِبْدانَ.
وأنشدَ : [من البسيط ]
٩٨٨- عَلام یعبدُني قومي وقد كثُرتْ
يقالُ: أَعْبدتُه مثلُ عَبَدَتُه.
فيهم أباعرُ مَا شاؤوا وعُبْدانُ ؟(٢)
ع ب ر:
قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِروا يا أُولي الابصارِ﴾ [الحشر: ٢] أي اتَّعظوا بهؤلاء فإِنَّ
العاقلَ مَنِ اتَّعظَ بغيرهِ؛ ومن ثمَّةً قيلَ: ولا تَجعلْنا مَوعظةً. ومن ثمّ قال تعالى: ﴿فجعَلْناها
(١) ديوانه ٢٢.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه ١٨٤ والصحاح والأساس واللسان والتاج (عبد).

٢٣
باب العین
نَكالاً لما بينَ يَدَيها وما خَلْفَها ومَوْعظةً﴾ [البقرة: ٦٦] أي جَعلنا تلك الأمَّةَ مَوعظةٌ يَتَّعظُ
بها المتقدِّمُون وهم مَن يسمعُ أن قوماً سيأتون يفعلون كذا فيبتلون بكذا. والمتأخرون
وهم مَن بلغَهم خيرُهم. والاعتبارُ افتعالٌ من العبورِ وهو المُجاوزةُ؛ يقالُ: عبرتُ النهرَ:
قطعتُهُ وجُزْتُه من أحدٍ جانبيهٍ إِلى الآخرِ. ومن ثَمَّ استدلَّ بها مُثَبُتُو القياسِ: فإِنَّ القياسَ
عبورٌ من أصلٍ إِلى فرعٍ بِعَلَّةٍ جامعةٍ.
وأصلُ العَبْرِ تجاوزٌ من حالٍ إِلى حالٍ. قيلَ: والعبورُ مختصّ بتجاوزِ الماءِ إِما
بسباحةٍ أو بسفينةٍ أو بعيرٍ أو قنطرةٍ. ومنه عبرَ النهرَ لجانبه بحيثُ يعبرُ إِليهِ أو منهُ. واشتُقَّ
منه: عَبرُ العينِ للدمعِ. والعَبْرةُ كالدمعةِ. وفلانٌ [عابرُ سبيلٍ، قال تعالىُ](١) ﴿ إِلا عابري
سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] أي جائزي طريقٍ في المسجد. ومنه: ناقةٌ عُبْرُ الهواجرِ، أي تعبُرها
الجلادَتها وصبرها بمعنى عائدةٍ. ومن ثَمَّ قال النحاةُ: إِنَّ الإضافةَ غيرُ مختصَّةٍ. وعبرَ القومُ:
ماتوا؛ نظراً إِلى أنهم جاوزوا هذه الدنيا وقنطرتَها والعبارةُ مختصَّةٌ بالكلامِ لأنه عابرٌ في
الهواء من لسانِ المتكلم إِلى سَمعِ السَّامعِ.
والعِيْرة: الدَّلالةُ بالشيءٍ على مثله وحقيقتُها الحالةُ التي يُتَوَصَّلُ بها من معرفةٍ
المُشاهَد إِلى ما ليسَ بِمُشاهَدٍ. ولهذا خُصَّتْ بالخواصِ، نحوُ: ﴿إِنَّ في ذلك لعبرة لأولي
الأبصارِ﴾ [آل عمران: ١٣]، ﴿لَعبرةٌ لِمَن يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]. والتعبيرُ مختصٌ
بتفسير الأحلامِ والرُّؤيا لأنَّ فيه عُبوراً من ظاهرِ الرؤيا إِلى باطنِها. وقيلَ: لانه يجرِّ بِما يؤول
إليه أمرُها؛ مأخوذٌ من: عَرَ النهرَ. إِلا أنه لم يُسمِعْ في المصدرِ إِلا التعبيرُ ولم يُسمِعْ فِي
الفعلِ غالباً إلا التخفيفُ. يقالُ: عَبَرْتُ الرؤيا أَعْبُرُها تَعبيراً، فأنا عابرٌ. فجاءَ المصدرُ على
غيرِ القياسِ، وهو غيرُ الغالبِ لأنَّ الغالبَ أنْ تُحذفَ زوائدُ المصدرِ لا الفعلِ نحو: أعطى
عطاءً، وأنبتَ نباتاً، واغتسَلَ غَسلاً، وتوضًّأ وضوءاً. على أنه وردَ مشدّداً مُوافقاً لمصدره؛
قالَ الشاعرُ: [من السريع]
وكنتُ للأحلامِ عَبّارا(٢)
٩٨٩- رأيتُ رُؤیا ثم عبّرتُها
لولا أنَّ التخفيفَ لغةُ التنزيل، قال تعالى: ﴿إِنْ كنتُم للرُّؤْيَا تَعْبرون﴾
(١) إضافة من المفردات ٥٤٣ ..
(٢) البيت في الدر المصون ٦ /٥٠٥ ورغبة الآمل ٤ /١٧٢ والتاج (غير ) دون عزو ..

٢٤
باب العين
[ يوسف: ٤٣]. وهذه اللامُ مزيدةٌ في المفعولِ زِيدتْ تقويةً للعاملِ وسَماها أبو منصورٍ
لامَ التعقيب؛ قال: لأنها عقبتِ الإِضافةَ وهو اصطلاحٌ غريبٌ جداً. قيلَ: والتعبيرُ أخصّ.
من التأويلِ؛ فإِنَّ التأويلُ يقالُ فيه وفي غيرهِ. قلتُ وكذا هو أخصّ من التفسير أيضاً .
والعَبْرِيُّ، خصُّ بما ينبتُ على عَبْرِ النهرِ. وشَطُّ مُعْبَرُ: تُرِكَ عليه العَبْرِيُّ. والشِّعْرَى:
العَبورُ، سُميت بذلك لأنها تعبرُ المجرَّةَ، وهما شِعْرَيان، وقد تقدَّم ذلك في بابِ الشين.
وفي حديثٍ أم زرعٍ: ((وعُبْرُ جَارَتِهاً))(١) قيلَ: إِنَّ ضَرَّتَها إِذا رأتْها وحُسْتَها أصابَها ما يُعبُر
عَيْنَها، أي يُبْكيها. وقيلَ: تَرِى مِن عَقَبها ما تَعْتبرُ به. وفي الحديث أيضاً: ((لطخَتْ
بِعبيرُ))(٢) هو نوعٌ من الطِّب؛ قَالَ أبو عبيدةً: هو عندَ أهلِ الجاهليةِ الزعفرانُ. قلتُ: وفيه
نظرْ، لأنَّ في هذا الحديثِ تَعبيراً اللهمَّ إِلا أن يكونَ قد طرأَ حَرفٌ آخرُ.
ع ب س:
قولُه تعالى: ﴿عَبَس(٣) وتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] أي قطبَ وجهَهُ. والعُبوسُ: قُطوبُ:
الوجهِ لضيقِ الصَّدْرِ. وسَبيُها أنَّ ابنَ أمِّ مكتومٍ جاءه عليه الصلاة والسلام بعدَها: ((مَرْحباً
بمن عاتَبَني فيه ربيٌ))(٤) وفي هذا رَفعٌ للنبيِّ ◌َّه؛ فإِنَّ عتابَ السيد لعبده تَشريفٌ فكيفَ
من ربِّ الأرباب؟ ولله أن يُعاثبَ أنبياءَه بما شاء ونحنُ نقولُه تلاوةُ لا إِخباراً. واستُغيرَ
العبوسُ للزمان - كما استُعيِرَ له الشدَّةُ والصُّعوبةُ - في قولِه تعالى: ﴿ يوماً عَبوساً﴾
[الإنسان:١٠]. وباعتبارِ معناهُ قيلَ: العَبَسُ لِما يَيِسَ من البَعْرِ على هُلْبِ الذَّنَبِ، أي
شعرِه، ومنه قولُهم: عَبَسَ الوسخُ على وجههِ. وفي الحديثِ: ((أنَّه نظرَ إِلى إِبلٍ بني فلانٍ
وقد عَبِسَتْ في أبوالَها))(٥)، قيلَ: ولا يكونُ ذَلك إِلا لكثرةٍ شَحَمِها وَرَعْيها فتجفُ أبعارُها
وأبوالُها على أفخاذِها. وفي حديثٍ شُريحٍ:(( كانَ يَرُدُّ بالعَبَسِ)(٦) يعني يُرُدُّ الرَقيقَ بالبولِ
في الفراشِ، إِذا كانَ شَيئاً كثيراً، وهذا استعارةُ لأنَّ أصلَه في الإِبلِ كما تقدَّم. قال بعضُهم:
(١) الفائق ٢ /٢٠٨ وغريب ابن الجوزي ٢/ ٦٢ والنهاية ١٧١/٣.
(٢) الفائق ١٣٨/١ وغريب ابن الجوزي ٦٣/٢ والنهاية ٣ / ١٧١.
(٣) قرأ زيد بن علي (عَبَّس) البحر المحيط ٤٢٧/٨.
(٤) تفسير ابن كثير ٤ /٥٠١-٠٥٠٢
(٥) الفائق ١٠٦/٢ وغريب ابن الجوزي ٦٣/٢ والنهاية ٣ /١٧١.
(٦) الفائق ٣ /١٠٦ وغريب ابن الجوزي ٢ /٦٣ والنهاية ١٧٢/٣.

٢٥
باب العین
نُسبَ العبوسُ إِلى اليومِ لوقوعِ عُبوسِ الوجوهِ فيهِ كقولهِ: ﴿في يومٍ عاصفٍ﴾
[إبراهيم: ١٨] لوقوعِ العَصْفِ فيهِ، وهو حسنٌ.
ع ب ق ر:
قولُه تعالى: ﴿وَعَبْقَرَيِّ حسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] قال الفراءُ: الطنافسُ [الثخانُ (١)]
وقال مجاهدٌ: منّ الديباجِ. وقالَ أبو عبيدةً: هي البسطُ كُلُّها. والعبقريُّ عندَهُم: كلُّ
شيءٍ مُستغربٍ فائقٍ؛ وتزعمُ العربُ أنَّ عبقَرَ قريةٌ تسكنُها الجنُّ يصنعون بها صنائعَ عجيبةً؛
فكلُّ ما استغربوهُ واستعظموهُ نَسبوه إِلى تلك القريةُ(٢)؛ فيقولون: عَبقريٌّ. وقالَ عليه
الصلاة والسلام في حديث المنامِ عن عمرَ: ((فلم أرَ عَبقريَّا يَفْرِي فَرِيَّهُ)) (٣). قال أبو عبيدةً:
قال الأصمعيُّ: سألتُ أبا عمروٍ بنَ العلاءِ عن العبقريِّ فقالَ: يقالُ: هذا عبقريُّ قومِ،
كقولك: سيدُ قَومٍ وكبيرُهُم وقويُّهم ونحو ذلك. والجمعُ عَباقِرِيِّ، وقد قُرئَ بذلك(٤).
وقيلَ: عبقريِّ جمعُ عَبقريَّةِ، يَعني اسمَ جنس. وقيلَ: هي البُسّطُ التي فيها صورٌ وَتَماثيلُ،
ووصفُها بالجمعِ يدلُّ على أنها اسمُ جنسٍ.
فصل العين والتاء
ع ت ب:
قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعتبوا فما هُم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] أي وإِنْ
يَسْتقيلوا ربَّهم بردِّهم إلى الدنيا مَّما هُم فيه من العذابِ لم يُقِلُهم. يقالُ: عَتَبَ عليه
يَعْتبُ: إِذا وجدَ عليهِ، فإِذا فاوَضَه فيما عتب عليه قيلَ: عاتَّبَه فإِذا رجعَ إِلى [مسرته](٥)
فقد أعتَبَ. والاسمُ العُتْبَى وهو رجوعُ المعتوبِ عليهِ إِلى ما يُرضِي العاتبَ. ومن أمثالهم:
((لكَ العُتْبَى بَأنْ لا رَضِيتَ))(٦) قالَ الهرويُّ: يُضربُ مثلاً للرجلِ يعاتِبُ صاحبه في أمرٍ
(١) الإضافة من معاني الفراء ٣/ ١٢٠.
(٢) معجم البلدان : عبقر ٤ /٧٩ - ٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في المناقب، (٢٢) حديث ٣٤٣٤ ومسلم في فضائل الصحابة ٢٣٩٣ ومسند أحمد
٢٨/٢.
(٤) قرأها ابن محيصن وعاصم والجحدري وعثمان بن عفان ونصر بن عاصم ومالك بن دينار وابن مقسم
وأبو الجلد. الإتحاف ٤٠٧ وإعراب النحاس ٣١٦/٣، وقرأ أبو بكر (عباقر) القرطبي ١٧ /١٩٣.
(٥) بياض في الأصل والإضافة من اللسان ٥٧٨/١ (عتب).
(٦) المستقصى ٢٩٠/٢.

٢٦
باب العين
نقمهُ عليه، فيعارضُه بخلاف ما يُرضيهِ. وفي هذا التفسيرِ نظرٌ لأنه وردَ في الحديث: ((لكَ
العُنْبِىَ حتَّى تَرْضَى))(١) أي لكِ العَتْبُ عليَّ حتى تَرضَى فيه. وَقُرئ: ﴿وَإِن يُسْتَعْتَبُوا﴾
بالبناء للمفعول ((فما هُم منَ المُعْتبين - اسم فاعل))(٢) أي إِن أقالُهُم وردَّهُم إلى الدُّنيا:
عادوا، وإِلا خبُثَ ما كانوا ولم يَعْمَلوا بطاعتهِ كقولهِ: ﴿ولو رُدُّوا لِعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾
([الأنعام: ٢٨]. قال بعضهم: وأصلُ ذلك كلُّه من العَتَب وهو كلُّ مكان نابٍ بنازله. ومنه
قيلَ للمِرْقَاةِ ولِأُسْكُفَّةِ البابِ عَتَبَةٌ، وَكُنِّيَ بها عن المرأةِ فيما رُوىَ أنَّ إِبراهيمَ عليه السلام
قالَ لامرأةٍ إِسماعيلَ: قولي لزوجك: غَيِّرْ عتبةً بابِك(٣). فاستُعير العَتْبُ والمَعْتَبَةُ لَغلظة
يجدُها الإِنسانُ في نفسهٍ على غيرهِ وبِحَسَبهِ. قيلَ: خشُنتُ بصدرٍ فلانٍ، ووجدَ في
صدرهِ غلظةً. ومنهُ قيلَ: حُمِلَّ فلانٌ على عَتَبَةٍ صَعبةٍ، أي حالةٍ شاقَّةٍ، ومنه قولُهم: أعتبتُ
فلاناً، أي أبرزتُ له الغلظةَ التي وُجدتْ له في الصدر. وأعتبتُ فلانً: حملتُه على العَتْبِ.
وأَعتبتُهُ: أزلتُ عَتْبَهِ نحو أسكتهُ. ومنه قولُه: ﴿فِمَا هم منَ الْمُعْتُبِين﴾ أي من المُزالِ
عتابُهم. والاستعتابُ: أن يَطْلُبَ منَ الإِنسانِ أن يَذْكُرَ عَتْبَه لِيُعْتَبَ.
يقالُ: استعتبتُ فلاناً، قال تعالى: ﴿وإِنْ يُسْتَعْتبوا﴾ وقال أيضاً: ﴿ولا هُم
يُسْتَعْتَبَون﴾ [النحل: ٨٤]. قال: ويقال أيضاً: لك العُتْبِى، وهو إزالةُ ما لاَجُله يُعْتَبُ،
وبينَهُم أُعتوبةٌ، أي ما يعُاتَبون بهِ. ويقالُ: عَتَبتُ عَتَباناً: إِذا مشيتُ على رِجَلٍ مَشْيَ
المُرْتَقِي درجةٌ، ومنه استُعيرَ: عتبتِ الدابَّةُ تَعْتِبُ وتَعْتُبُ: مشتْ على ثلاثٍ قوائمَ ورفعتِ
الرابعةَ. ويُروى عَنِتَ من العَنَتِ وهو المشقَّةُ، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفي الحديث:
( أولئك لا يُعاقَبُون))(٤) لعظمِ ذنبهم.
ع ت د:
قوله تعالى: ﴿أَعْتَدْنا للظالمينَ ناراً﴾ [الكهف: ٢٩] أي أحضَرْنا. ومنه قولُه
تعالى: ﴿هذا ما لديَّ عَتِيدٌ﴾ [قِ: ٢٣] أي حاضرٌ ومُحضّرٌ، يعني أنه مكتوبٌ مُخْصی
(١) الروض الأنف ٢ /١٧٢.
(٢) قرأها الحسن وعمرو بن عبيد وأبو العالمية وموسى الاسواري. إملاء العكبري ٢ /١١٩ والبحر المحيط
٠٤٩٤/٧
(٣) أخرجه البخاري في الأنبياء، الباب (١٢) حديث ٣١٨٤.
(٤) النهاية ١٧٥/٣.

٢٧
باب العین
مُحضر. وقيلَ: العتيدُ: المُعتَدُّ، وأصلُه من العتاد وهوَ ادِّخارُ الشيءِ قبلَ الحاجةِ [إِليه].
ومنه: ﴿رقيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] أي يعتدُّ أعمال العباد. وقيلَ: ﴿أَعْتَدنا﴾ أعدَدْنا،
فَأَبْدِلَ من إِحدى الدالينِ تاءٌ.
وفرسٌ عَند وعَتَيد: حاضرٌ للعدوِ. والعَتُودُ من أولاد المعزِ، وجمعُه أَعْتِدةٌ وعِدَانٌ
بالإِدغام. وقيلَ: العتادُ: الثابتُ اللازمُ. فمعنى ((أَعتدْنا)) أي أَثْبتنا وحَصَّلنا وجعلناهُ أمراً
مُستقرأ. وفي صفتهِ عليه الصلاة والسلام: ((لكلِّ حالٍ عندَه عتادٌ))(١) أي عَتَدةٌ. وقيلَ:
أَعْتدَةٌ، فهو عتيدٌ بمعنى أحكمتُه فهو حكيمٌ. وفي الحديثِ: ((أنَّ خالداً جعلَ رقيقَهُ
وأَعْتُدَه حُبُساً في سبيلِ الله))(٢) هو جمعُ عَتَادٍ أيضاً، وهو ما جعلَه الرجلُ عدَّةٌ من السلاحِ
والجمعُ أَعْتِدةٌ.
ع ت ق:
قولُه تعالى: ﴿وَلْيَطُّوْفُوا بالبيتِ العتيقِ﴾ [الحج: ٢٩] قيلَ: سُمي بذلك لأنه مُعتَقٌ
من الجبارين، لم يقصْده جبارٌ إِلا قُصِم. وقيلَ: لأنه معتقٌ من الطوفان. وقيل: لأنه مقدّمٌ، يدلُّ
على ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] وأصلُه التقدُّمُ في
الزمان أو المكانِ أو الرُّتبةِ. ومن ثمَّ قيلَ للقديم: عَتيقٌ. ولكلِّ مَن خَلا من رِقِّ مُلكٍ:
عَتيقٌ. والعاتقُ: مابينَ المِنْكَبِينِ، وذلك لارتفاعهِ على سائرِ الجسد. والعاتقُ أيضاً:
الجاريةُ التي عَنَستْ، وذلك لأنها كأنها عُتُقتْ عن الزواج تخيلاً أنَّ المتزوجةَ في رقِ
الزواج. وقيل: هي حينَ تُدركُ. وفي الحديثِ: ((خرجتْ أمِّ كلثومٍ وهيَ عاتقٌ فقبلَ
هُجرتَها))(٣) فُسِّرِ بالبلوغَ. وعَتَقَ الفرسُ: تقدَّم بسبقهِ. وعَتَقَ مني يمينٌ، أي سَبقتْ.
وأنشدَ لأوسِ بنِ حجرٍ: [ من الوافر]
٩٩٠ - عليَّ أَليَّةٌ عَتَقَتْ قديماً
فليسَ لها ، وإِن طُلَبَتْ، مَرامُ (٤)
(١) النهاية ١٧٧/٣.
(٢) الفائق ٢ /١١٢ وغريب ابن الجوزي ٦٦/٢ والنهاية ١٧٦/٣.
(٣) الفائق ١١١/٢ وغريب ابن الجوزي ٦٧/٢ والنهاية ١٧٨/٣.
(٤) ديوانه ١١٥ واللسان والتاج (عتق).

٢٨٠
باب العین
ع ت ل:
قولُه تعالى: ﴿خُذُوه فاعْتُلُوهُ(١)﴾ [الدخان: ٤٧] أي احملوهُ بعُنفٍ وسُوقوهُ سَوقاً.
شَديداً. والعَثْلُ: الأخدْ بمجامع الشيءِ وجرّه بقَهْرٍ كَعَتْلِ البعيرِ ونحوه. وقيلَ: معناهُ
ادفعوهُ دَفْعًاً بعُنْفٍ. قولُه: ﴿عُثُلُّ(٢) بعدَ ذلك زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]. العُثُلُّ: هو الشديدُ
الخصومةِ الجافي الضريبةِ اللثيمُ. وقال ابنُ عرفةَ: هو الفَظُّ الغليظُ الذي لا يَنْقَادُ لخيرٍ.
وقيل: هو الجافي الغليظُ. وقيلَ: الأكولُ المَنُوعُ، لأنه يَعْتِلُ الماءَ عَثْلاً.
عت ر:
قوله تعالى: ﴿وَعَتُوا عُنُوَّاً كبيراً﴾ [الفرقان: ٢١]العُتُوُّ: أشدُّ الفساد، وأصلُه النُّبوُّ:
عن طاعةِ الآمرِ، يقالُ: عَتَا يَعْتُو عُتُواْ وعتياً. وقيلَ: العُتُوُّ: المبالغةُ في ركوب المعاصي
والتمردُ فيها، والعاتي مَنِ اتَّصِفَ بذلك فلم تَنْفِعْ فيه موعظةٌ ولم يَنْجِعْ فيه إِنِذَارٌ. قولُه:
﴿بريحٍ صرصر عاتيةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي مُتجاوزةٌ حدَّها الأُولَ. وكلُّ أمرٍ شديد؛ قولُه:
وقد بلغتُ منَ الْكبرِ عتياً(٣)﴾ [مريم: ٨] أي حالةً لا سبيلَ إِلى إِصلاحها بالنسبةِ
لِضَعفي ومُداواتِهِ إِلى رياضتهِ. وهي الحالةُ المشارُ إِليها بقول الشاعر: [من الكامل]
٩٩١ - ومنَ العَناءِ رياضة الهَرم(٤)
وقيلَ: عتياً طويلاً. يقال: ليلٌّ عاتٍ، أي طويلٌ. وأنشدَ لجريرٍ: [ من الوافر]
على أُمِّ القَفا والليلُ عات(٥)
٩٩٢ - وحَطَّ المِنْقَرِيُّ بهما فِحطَتْ
وكلٌّ منَ انتهى شبابُه يُقالُ فيهِ: عَتَا عُتُواْ وَعِتِياً وعُتِياً، وعَتَا عُتُوَّاً وعَتِياً، وحَسا
حُسوَّاً وحسيّاً وحَساً كلُّه بمعنى ييسَ جُلدُه، وهو كنايةٌ عن طولِ العمرِ لأنَّ ذلك يلازمُه.
(١) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن وأبو جعفر والحسن وقتادة والأعرج
(فاعتُلوه) الإتحاف ٣٨٩ والنشر ٢ / ٣٧١ والبحر المحيط ٤٠/٨.
(٢) قرأ الحسن (عُثُلِّ) الإتحاف ٤٢١ .
(٣) قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو عمرو وعاصم وخلف ويعقوب (عُنِيّاً) الإتحاف ٢٩٨ والنشر
٣١٧/٢، وقرأ ابن مسعود (عَتِيّاً) إِملاء العكبري ٢ / ٦١، وقرأ ابن مسعود ومجاهد وابن عباس
وأُبي (عُسُيّاً) القرطبي ٨٤/١١ والبحر المحيط ١٧٥/٦.
(٤) عجز بيت لمالك بن دينار في الحيوان ٤١/١ ومجمع البلاغة ٦٣/١ والامثال والحكم ١٢٤ وصدر
البيت: (وتلوم عِرْسَكَ بعد ما هزمتْ)
(٥) ديوانه ٨٦ .

٢٩
باب العين
قولُه: ﴿أَيُهُمْ أشَدُّ على الرحمنِ عِتِياً﴾ [مريم: ٦٩] الظاهرُ أنهُ مصدرٌ. وقيلَ: هو جمعُ
عاتٍ، وفيه نظرٌ من حيثُ الإِعرابُ والمعنى وبيانُهما في غيرِ هذا، إِلا أن الجمعَ الإِعلالُ
وفي المصدرِ التَّصحيحّ. يقالُ: عَتَا زيدٌ عُتُوْاً. والقومُ عُنِيٌّ. والقومُ عُتِيٌّ ويجوزُ العكسُ.
فصل العين والثاء
ع ث ر:
قولُه تعالى: ﴿فَإِن عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧] أي طَلَع. يقالُ: عثرتٌّ على فلانٍ، أي
اطلّعتُ عليهِ. وأعثرتُ عَثْراً عليه، أي أَطلعتُه. قال تعالى: ﴿وكذلك أَعْثَرنا عَلِيهم﴾
[الكهف: ٢١] أي أَطْلعنا الناسَ عليهم ليتَّعظوا بهم. وأصلُ ذلك من عَثَر الرجلُ يَعْثُر
عثاراً وعُثوراً، أي سقطَ من شيءٍ يُصيبُ رجلَه، ثم تُجوّز به عن الاطّلاع، كأنَّ المطَّلعَ
عَثَر على حقيقة ذلك الأمرِ وصادفه برجلهِ. فقوله: ﴿أَعْثَرنا عليهم﴾ أي أَوْقَفناهم عليهم
من غيرِ أُنَ يَطلبوا ذلك.
والعاتُورُ: الهلكةُ، والجمعُ العَواثيرَ. ومنه الحديثُ ((مَن بغَى قريشاً العواثيرَ كبَّه اللهُ
على مُنْخُرِيهِ))(١)، ويُروَى العائر وهو حبالةُ الصائِد. وأنشد لأبي وَجْزَةَ: [من البسيط]
٩٩٣ - عان تعلقُّه من حبِّ غانيةٍ
قدّافة عاثرٍ في الكعبِ مَقصورِ
وذلك أنَّ الحُبالةَ يعثُر فيها من عَلِقَ بها. والعاثورُ أَصلُه ما يُحتفُرُ من سِيَةِ النهرِ
يُسقَى بِه الْبَعْلُ من النخلِ، لأنه أيضاً نخلُ العِثارِ، ومنه: وقعَ فلانٌ في عائورٍ شَرِّ وعافورِ
شَرِّ ويقال: جدٍّ عائرٍّ أي حظِّ ناقصٌ، وأنشدَ: [ من الطويل]
أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكةً سامرٍ(٢)
٩٩٤ - كأنْ لم يكُنْ بينَ الحَجونِ إِلى الصفا
صروفُ الليالي والجُدودُ العواثرُ
بلى نحن كنّا أهلَها فأبادَنا
قولُه تعالى: ﴿وما تَعْثوا في الأرضِ مُفسِدين﴾ [البقرة: ٦٠] قال الهرويُّ: أي لا
ع ث و:
(١) الفائق ١١٥/٢ وغريب ابن الجوزي ٦٩/٢ والنهاية ٣ /١٨٢.
(٢) البيتان في الدر المصون ٣٥٨/٨ واللسان (حجن) وقطر الندى ١٥٩. وينسبان إلى عمرو بن
الحارث بن مضاض أو للحارث الجرهمي .

٣٠
باب العین
تُفسدوا فيها. يقال: عِثْتَ تَعْثَى لغةُ الحجازِ في عاثَ يَعِيثُ عَيْئاً، أي أَفسدَ. قلتُ: وعلى
هذا فقوله: ﴿مُفِسدين﴾ حالٌ مؤكِّدةٌ. وظاهرُ كلامه أنه ليس مقلوباً منه. قال
الراغبُ (١): والعشيُّ والعَيْثُ بتقاربان، نحو جذَبَ وجبَذَ، إِلا أنَّ العَيْثَ أكثُرُ ما يقالُ في
الفساد الذي يُدرَكُ حِسّاً، والعِثِيٌّ فيما يُدرَكُ حُكماً. يقالُ: عَنِيَ يَعَثِى عِثياً. وعلى هذا
قولُه: ﴿وَلا تَعثوا في الأرضِ﴾، وعَا يَعْثُوا عُثواً. قلتُ: وعلى هذا فيكونُ عَنَا بالمثنّة
والمثلَّثة بمعنى واحدٍ. والأعشى: هو الأحمقُ الثقيلُ. وهو أيضاً لونٌ يضربُ إِلى السوادِ .
۔۔۔
فصل العين والجيم
ع ج ب:
قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَغْجَبْ فِعَجَبٌ قَوْلُهُم﴾ [الرعد: ٥]. العَجَبُ والتَّعجُّبُ: حالةٌ
تَعرِضُ للإنسانِ عندَ الجهلِ بسببِ الشيءٍ. وقال بعضُهم: التعجبُ زيادةٌ في وصفٍ
الفاعلِ خفي سببُها، وخرجَ بها المتعجبُ منه عن نظائرهِ. وعلى هذا فلا يُسندُ إِلى الباري
تعالى لاستحالة ذلك عليه تعالى، فإِن ورَدَ ما ظاهرُه خلافُ ذلك وجبَ تأويلُه كقوله:
﴿فما أَصْبَرَهُم على النار﴾ [البقرة: ١٧٥]، ﴿أسمعْ بهم وأَبَصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، ﴿بل
عجبتُ﴾(٢) [الصافات: ١٢] في قراءة ضمِّ التاءِ على معنى حال هؤلاءِ حالَ مَن يُقالُ فيه
ذلك. وقد وردَ في الحديث: ((عجبَ ربُّكم))(٣) من كذا، وهو مؤوَّلٌ على معنىً يليقُ
بجلاله قال بعضُهم: كما أُسندَ إِليه المجيءُ والإتيانُ بمعنى يليقُ به لا على ما نَتَعارفُه.
وقيلَ: قولُه: ((عجبت)) إِنه مُستعارٌ بمعنى أنكرتَ كقولِه تعالى: ﴿أتعجبينَ من أمرِ اللهِ﴾
[هود: ٧٣] قاله الراغبُ(٤)، وفيه نظرِ. وقيلَ: معنى ((عَجبَ ربُّكم)) عظُم ذلك عنده
وكبُرَ. وقيلَ: معناهُ أثابَ ورضيَ كقولِهِ: ﴿ وَيمكِّرُون ويمكُّرُ اللهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] يعني
سَمَّى جزاءه عَجَباً تَنبيهٌ أنهم قد عَهِدوا مثلَ ذلك قبلُ.
قولُه تعالى: ﴿أم حَسبتَ أَنَّ أصحاب الكهفِ والرَّقِيمِ كانوا من آياتنا عَجَباً ﴾
(١) المفردات ٥٤٦.
(٢) قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو عبيد وابن مسعود وشعبة والأعمش وابن مقسم وابن عباس والنخعي
وابن وثاب (عجبتُ) الإتجاف ٣٦٨ والنشر ٢ /٣٥٦ والسبعة ٥٤٧ .
1
(٣) النهاية ٣ /١٨٤ وغريب ابن الجوزي ٢ /٧٠ وتتمة الحديث العجب ربكم من إلكم وقتوطكم).
( ٤ ) المفردات ٥٤٧.
۔۔
۔۔

٣١
باب العين
[الكهف: ٩] معناهُ ليسَ ذلك في نهايةِ العَجبِ؛ فإِنَّ في آياتِنا ما هو أعجبُ منهم. قولُه
تعالى: ﴿إِنَّا سَمعنا قرآناً عَجَبًا﴾ [الجن: ١] لأنه لم يعهدوا مثلَه، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فعَجَبٌ
قولُهم﴾ أي هذا محلُّ التعجبِ وهو إِنكارُهم البعثَ مع ظهورِ دلائلهِ وسُطوعٍ براهينهِ، من
نصب الأدلَّةِ الظاهرةِ كخلقِ السماواتِ والأرضِ، وما أوجدَ فيهما من بديعِ الصنعة
والمخلوقات .
عجز:
قولُّه تعالى: ﴿كأنهم أعجازٌ(١) نخلٍ خاويةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. الأعجازُ جمعُ عَجُزٍ
وهوفي الأصل مؤخّرُ الإنسانِ ثم شُبِّه مؤخرُ غيرهِ به. وقولُه: ﴿يَا وَيْلِتَا أَعَجَزْتُ (٢) أن
أكونَ مثلَ هذا الغرابِ﴾ [المائدة: ٣١] أي قصرتُ ولم أقدِرْ. فحقيقةُ العَجْزِ التأخرُ عن
الشيءٍ وحصولُه عن عجزِ الأمرِ أي مؤخَّهِ. كما ذكر في الدُّبُر ثم عُيُر به في العرفِ عن
القصورِ عن فعلِ الشيءٍ، وهو ضِدُّ القُدرةِ. وقولُه: ﴿والذين سَعَوا في آياتِنا مُعاجزِينَ﴾
[الحج: ٥١] وقرئ ((مُعجِّزِينَ)(٣). يقالُ: عاجَزْتُه وأَعجزْتُه: جعلتُه عاجزاً. وقيلَ:
﴿مُعاجزين﴾ معناهُ ظانِّين مُقَدِّرين أنهم يُعْجِزوننا لأنهم حَسبوا أنْ لا بعثَ ولا نُشورَ، فلا
يكونُ ثوابٌ وعقابٌ، وهو في المعنى كقوله: ﴿أم حَسِب الذين يعملون السَّيئات أن
يَسْبِقونا﴾ [العنكبوت: ٤]. وقيلَ: مُعاجزين للأنبياءِ وأولياءِ اللَّه تعالى يُمانِعونَهم
ويُقاتلونَهم ليصدُّوهم عن أمر الله. وقيلَ: معناهُ مُعانِدين. وقيلَ: سابقين، أي يظنُّون أنهم
يَفوتونَنَا. و((مُعجِّزين)) يَنْسُبُون مَن تَبَعَ رسولَ الله عَّهِ إِلى العَجْزِ، وهو كقولك: جَهَّلتُه
أي نَسَبَتُهُ إِلى الجهلِ. وقيلَ مُثَبِّطينَ، أي مانِعينَ الناسَ مِن اتباعِهِ لَّهِ، وهو كقوله في
المعنى: ﴿الذين يصدّون عن سَبِيلِ اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٥].
والعجوزُ: نظيرُ الشيخِ لعجزِها عن كثيرٍ من الأمورِ. وفي حديثٍ عليٍّ رضيَ الله
عنه: ((لنا حقٌّ إِن نُعطّه نأخذْه وإِن نُمنعْه نركبْ أعجازَ الإِبلِ وإِنْ طالَ السُّرَى))(٤) كنَّی
(١) قرأ أبو نهيك (أَعْجُز) البحر المحيط ٣٢١/٨.
(٢) قرأ ابن مسعود والحسن وطلحة (أَعجزتَ) الإتحاف ١٩٩ .
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن والجحدري وأبو السمال والزعفراني (مُعَجّزين) الإتحاف ٣١٦
والنشر ٣٢٧/٢ والسبعة ٤٣٩، وقرأ مجاهد وابن الزبير ((مُعْجزِين) البحر المحيط ٣٧٩/٦ ..
(٤) الفائق ٢ /١١٩ وغريب ابن الجوزي ٧٢/٢ والنهاية ٣ /١٨٥.

٣٢
باب العين
بذلك عن حصول المشقَّةِ، لأنَّ ركوبَ الأعجازِ في غايةِ المشقَّةِ، لا سيما مع طول السّيرِ
في الليل. وقيل: بل ضربَه مثلاً لتقدُّمِ غيرهِ عليهِ وتأخيرِه عن الحقَّ الواجب.
ع ج ف:
قولُه تعالى: ﴿يأكلُّهنَّ سَبعٌ عجافٌ﴾ [يوسف: ٤٣ ] أي مَهازيلُ، وهو جمعُ
أعجفَ وعَجفاءَ، وهو الدقيقُ منَ الهُزال. وأصلُه من قولهم: نَصْلٌ أَعجفُ، أي دقيقٌ.
وأَعجفَ الرجلُ: صادفَ مواشيَه أو صارتْ عجافاً. وعَجَفَتْ نَفسي عن فلانٍ وعِنِ
الطعامِ، أي نَبَتْ. وليس فعالٌ قياساً لأفعلَ فَعْلَاءَ ولا فَعْلَاءَ أَفعلَ، ولكنْ جمعُ فاعلٍ فِعالٌ
لمقارنته بسمان. ومقتضاهُ أَنَّ إِذَا لَم يُقترنْ بسمانٍ فلن يُجمعَ على فِعالٍ كما قالوا في أحدٍ
ما قدُم وما حدِّث في أخواتٍ له. وفي الحديث: ((أَعْتُزاً عِجافاً))(١) من غِيرٍ مقارنة ما
يناسبه.
ع ج ل:
قوله تعالى: ((أَعَجِلتُم أمرَ ربُّكم﴾ [الأعراف: ١٥٠] أي سَبَقتموهُ، وهو كقوله:
﴿ وما أعجلَكَ عن قَومِك﴾ [طه: ٨٣] أي كيفَ سَبَقْتَهم؟ يقالُ: أَعجلني فَعَجلْتُ له،
واسْتُعجلتُه: تقدَّمتُه فحملتُهِ على العَجلة . وأصلُ العَجلةِ : طلبٌ الشيءٍ وتحرِّيه قبل أوانهِ،
وهو مُقْتضَى الشَّهوة، فلذلك صارتْ مذمومةً في عامَّة القرآن، حتى قيلَ: العجلةُ مِنَ
الشيطان. قولُه: ﴿وَعَجِلتُ إِليكَ ربِّ لِتَرضَى﴾ [طه: ٨٤] أي ممّا خصَّ من الذمِّ فإِنَّها
وإن كانت عجلةً لكنها محمودةٌ، إِذ المقصودُ بها رِضى ربِّه. وللراغب هنا عبارةٌ؛ قالَ(٢):
فذَكرَ أنَّ عجلتَه، وإن كانتْ مذمومةٌ، فالذي دَعا إِليها أمرٌ محمودٌ وهو رضى الله. وهذا
إِنَّما ذكرتُه تَنْبيهاً على خطابه في ذلك إِذ لا يصدُرُ من الأنبياءِ ما يذمُّ عليه البَّةً.
قولُه تعالى: ﴿خُلقَ الإِنسانُ من عَجلٍ (٢) ﴾ [الأنبياء: ٣٧] تنبيهاً أنَّ طبعَهُ العجلةُ
بمنزلةٍ مَنْ خُلق من الشيءِ فكانَّ العجلةِ مَادَّتُهُ. وأصلُه: نَّه بهِ أنَّه لا يَتَعَرَّى من ذلك البنَّةَ،
فإِنها إِحدى القوى التي رُأَكِّب عليها. وقد قالَ بعضُهم: العَجلُ: الطينُ بلغة بعضِهِم،
وأنشدَ : [من البسيط ]
(١) غريب ابن الجوزي ٢ /٧٢ والنهاية ١٨٥/٣ ..
(٢) المفردات ٥٤٨.
(٣) قرأ ابن مسعود (خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسان) البحر المحيط ٣١٢/٦.

٣٣
ہاب العین
٩٩٥ - والنَّخْلٌ يَنْبتُ بينَ الطينِ والعَجَلِ (١)
ولا يبعُدُ عن الصُّنْعِ. قولُه: ﴿مَن كانَ يريدُ العاجلةَ﴾ [الإسراء: ١٨] يريدُ الدنيا،
فإِنها حاضرةٌ بالنسبةِ إِلى الآخرةِ، فإِنها وإِن كانتْ حقَّ اليقين إِلا أنها آجلةً. قولُه:
﴿عَجَّلنا له فيها ما نشاءُ لِمِن تُريدُ﴾ [الاسراء: ١٨] لم نُعطهِ طلْبتَه بل الذي نُعجِّلُه ما
نشاءُ لا ما يَتَمِنَاه. ثم أَخبر أنه ليس كلُّ متمنٌّ أيضاً نُعطيه ما یشاءُ، بل أردنا ذلك له. ربَّ
رَضِّنا بما قسمتَ لنا، ولا تَجْعلنا منَ الذين يريدونَ العاجلةَ.
والعُجالةُ: ما يَتَعجَّلُ أكلَه الضيفُ كاللُّهْنة، وقد عَجَلْتُهم ولَهَنْتُهم. والعِجْلَةُ:
الإِداوةُ الصغيرةُ للتعجيل بها عندَ الحاجةِ إِليها. والعَجَلَةُ: خشبةٌ مُعترَضَةٌ على البئر، وما
يُحملُ على الثيرانِ أيضاً، قيل لهما ذلك لُيُسْرِ مَرِّهما. والعِجْلُ: ولدُ البقرةِ، قيلَ: سُمي
ذلك لتصوُّرِ عَجلتِهِ التي تَعْدِمُ منه إِذا صار ثوراً. وبقرةٌ مُعْجِلٌ: لها عجلٌ، مِن أعجلتْ
صارتْ ذاتَ عجلٍ. والعَجَلُة أيضاً من النَّخْلِ نحوُ النَّقيرِ منه كأنه يُتعجّلُ به الخمرُ. قولُه:
﴿ولو يُعجِّلُ اللهُ للناسِ الشرَّ﴾ [يونس: ٨] الآية أي أنهم يَدْعون على أنفسهم بالشرِّ كما
يَدْعون لها بالخيرِ. فلو عَجَّل لهم من الشرِّ ما يستعجلونَه بدعائهم مثلَ استعجالِهم الخير
لَهَلكوا، وقيل: لو أخَذَهم فعجَّلَ لهم العقوبةَ كاستعجالِهم بالخيرِ لفرعَ من الأمر فهَلكوا .
ع جم:
قولُه تعالى: ﴿ولو نَزَّلْناهُ على بعضِ الأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨]. الأَعجمُ: مَن
في لسانه عُجمةٌ عَربياً كان أو أعجمياً، والأعجميُّ منسوبٌ إِليهِ، والنَّسبُ إِلى الصفات لا
يَنْقاسُ نحوُ أحمريٌّ (منسوبٌ إِلى أحمر) وقد وردَ ذلك. وأنشدَ : [ من الرجز]
والدُّهرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ(٢)
٩٩٦ - أَطَرباً وأنتَ قَّسريّ
وأمّا ((الأعجمينَ)) في الآية فجمعُ أعجمَ لا أعجميٍّ وإِنَّما جازَ ذلك لأنه ليس أفعلَ
فعلاءَ. والأعجميُّ منسوبٌ إِلى العجمِ فصيحاً كان أو غيرَ فَصيحٍ. والعُجمةُ خلافُ الإِبانة.
والإِعجامُ: الإبهامُ، وهو أيضاً إِزالةُ الإِبهام. ومنه أعجمتُ الكتابَ، أي أزلتُ عُجمَتَهُ
(١) عجز بيت في اللسان (عجل) وتفسير القرطبي ٢٨٩/١١ وصدر البيت:
( والنبعُ في الصخرة الصماء منبتهُ).
(٢) الرجز للعجاج في ديوانه ١ / ٤٨٠ واللسان (قسر)، وتقدم برقم ٥١٣ (دور).

٣٤
باب العين
بالنَّقط والضَّبط. واسْتَعجمتُ الدارُ: بانَ عنها أهلُها ولم يبقَ بها: مَن يُبينُ جواباً. ومن ثمّ.
قيلَ: خرجتُ عن بلادٍ تَنْطِقُ، كنايةً عن عمارتِها بقُطَّانِها. وقال النابغةُ: [ من البسيط]
عَيَّتْ جَواباً وما بالرَّبْع من أحَدٍ(١)
٩٩٧ - وقفتُ فیھا أُصیلالاً أُسائلها
والعَجُمُ: الجيلُ المعروفُ مقابلُ العربِ من أيِّ جنسٍ كَانَ، وغَلبَ في العُرف على
أبناء فارس. والعَجماءُ: البهيمةُ لأنها لا تُبِينُ عن نفسها. وفي الحديث: ((جُرْحُ العجماءِ
جُبارٌ))(٢) و((صلاةُ النهارِ عَجِماءُ))(٣) أي لا قراءةَ يُجهرُ بها فيها. وحروفُ المعجم هي
المعروفةُ من ألفٍ إِلى ياءٍ؛ رُوي عن الخليلِ أنها هي الحروفُ المُقَطَّعةُ لأنها أعجْميَّةٌ،
وفسَّرَ بعضُهم ذلك أن الحروفَ المجرَّدَةَ لا تدلُّ على ما تدلُّ عليه الحروفُ الموصولةُ
بعضُها ببعضٍ. ومنه بابٌ مُعجمٌ، أي مُبْهَمٌ. ومنه العَجَم للنَّوى، وقيلَ: إِمّا لأنه [أُدْخِلَ]
في الفم في حالِ العضِّ عليه، وإِمّا بما أُخفيَ من أجزائهِ بضغطِ المَضْغِ. وَفَلانٌ صَلْبُ
المَعْجم، أي شديدٌ عندَ المختبرِ. وقد نصَّ بعضُهم على أنَّ النَّوَى يقالُ فيه العَجَم،
بتحريكِ الجيم. وبعضُهم نصَّ على سُكونِها. وقيل: هو بالسُّكُون الغضُّ على العَجَمْ
بالفتح .
وفي الحديث: ((ماكنّا نَتَعاجمُ أنَّ مَلْكاً ينطقُ على لسانٍ عمرَ))(٤) أي نكِّي
ونورِّي. وكلٌّ مَن لم يُفْصِحْ عن شيءٍ فقد أعجمَه. وفي حديث أمِّ سَلمةَ: ((نَهانا أن
نَعْجُمَ النَّوى طَبْخاً))(٥) أي تُنْضجه. قوله: ﴿أَأَعجميٌّ(٦) وعربيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] أي
أرسولٌ أعجميٌ ولسانٌ عربيٍّ؟ وقيلَ بالعكس.
فصل العين والدال
قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُذٌّ لَهُمْ عَدًا﴾ [مريم: ٨٤] أي نُحصي عليهم كلَّ شيءٍ، وعن
ع دد:
(١) البيت من معلقته في ديوانه: ١٤.
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب (٦٥) في الركاز الخمس ١٤٢٨، ومسلم في الحدود ١٧١٠.
(٣) الحديث للحسن في النهاية ١٨٧/٣ والفائق ٢ /١١٨
(٤) الفائق ١١٩/٢ وغريب ابن الجوزي ٧٣/٢. والنهاية ١٨٧/٣ وهو من حديث ابن مسعود.
(٥) مسند أحمد ٢٩٢/٦ والفائق ١١٩/٢.
(٦) قرأ حمزة والكسائي وعاصم وشعبة وخلف (أَأَعَجَمِيٍّ)، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وابو عمرو
والأزرق وورش (آعَجَميّ) الإتحاف ٣٨١ والنشر ٣٦٦/١ والسبعة ٥٧٧، وقرأ عمرو بن ميمون =

. ..-
٣٥
باب العین
ابنِ عباسٍ: نعدٌّ أنفاسَهم. والعددُ في الأصل: آحادٌ مركبَّة. وقيلَ: هو تركيبُ الآحاد،
وهما مُتقاربان. والعددُ: آحادٌ وعشراتٌ ومئون وألوفٌ، هذه أصولُه. وباعتبار أنواعهِ مفردٌ
ومركبٌ ومضافٌ ومعطوفٌ. وقد بيَّنتُ جميعَ ذلك في النحوِ. والعدُّ: ضمُّ الأعداد.
فالعدُّ هو المصدرُ، والعددُ هو المعدودُ نحوُ نقَضَه نَقْضاً فهو نَقْضٌ، وقبَضَه قَبْضاً. قولُه:
﴿وأحصَى كلَّ شيءٍ عدداً﴾ [الجن: ٢٨] قيلَ: معناهُ عدَّ كلَّ شيءٍ عدداً. فعلى هذا
هوَ المصدرُ، وقيلَ: بل هوَ بمعنى المعدودِ، فيكونُ حالاً .
قوله تعالى: ﴿فَضَربْنا على آذانِهم في الكهفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ [الكهف: ١١] أي
ذواتَ عددٍ. ونَبَّه بذكرِ العددِ على كثرتِها، قاله الراغبُ(١) وفيه نظرٌ لأنه قيلَ: يُذكرُ
للتَّقليلِ لأن القليلَ يعدُّ والكثيرَ لا يعدُّ. ومنه قولُه تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدودةٍ﴾
[ يوسف: ٢٠] ومحصورٌ للقليلِ مُقابلةٌ لِما لا يُحصى كثرةً نحوَ المشارِ إِليه بقوله: ﴿ بغيرِ
حسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وعلى ذلك قولُه: ﴿لَن تَمسَّنَا النارُ إِلا أياماً مَعدودَةً ﴾
[البقرة: ٨٠] أي قليلةً، لأنهم قالوا: نعذَّبُ بعددِ الأيامِ التي عَبدْنا فيها العجلَ. ويقالُ
على الضِّدِّ من ذلك: جيشٌ عديدٌ، أي كثيرٌ، وهم ذُو عددٍ، أي بحيثُ ألاَّ يُعَدّوا كثرةً.
ويقالُ في القليلِ: هم شيءٌ غيرُ معدودٍ. قال(٢): وقولُه: ﴿في الكهفِ سِنِينَ
عَدَدًا﴾ يحتملُ الأمرينَ. قلتُ: احتمالُه للقلَّةِ بعيدٌ جداً. قوله: ﴿ولو أرادوا الخروجَ
لأعدُّوا له عُدَّةً(٣) ﴾ [التوبة: ٤٦] أي من سلاحٍ وكُراعٍ(٤) ونَفقةٍ وزادٍ. وأصلُ العُدَّةِ:
الشيءُ المُعدُّ المدَّخرُ، أي شيءٌ كثيرٌ يعدُّ من مالٍ وسلاحٍ وغيرِهما. قوله تعالى: ﴿فَاسْالِ
العادِّينَ(٥)﴾ [المؤمنون: ١١٣] أي الحاسبين. وقيل: أصحابُ العددِ وهُما سواءٌ.
وقيلَ: هم الملائكةُ يَعدُّون عليهم أنفاسَهم. والعِدَّةُ: الشيءُ المعدودُ كقوله تعالى:
﴿ فعدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] لوصفها بقوله: ﴿من أيامٍ﴾. وتكونُ بمعنى العددِ
كقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةٌ﴾ [المدثر: ٣١] أي عَدَدهُم. قوله تعالى:
= والحسن (أعَجَمِيٌّ)، وقرأ ابن عامر وابن عباس والحسن وأبو الأسود والجحدري وسلام والضحاك
وقنبل (أَعْجَميّ) الإتحاف ٣٨١ والبحر المحيط ٥٠٢/٧.
( ١و٢) المفردات ٥٥٠.
(٣) قرأ عاصم وأبان (عدَّة) البحر المحيط ٤٨/٥.
(٤) الكراع: الخيل والبغال والحمير . اللسان (كرع).
(٥) قرأ الكسائي والحسن (العادين)، وقرئت (العاديّين) البحر المحيط ٦ /٤٢٤.

٣٦
يوم 5
باب العین
فعدتهن﴾ [الطلاق: ٤] أي عدَّةُ المرأة تربُّصُها مدةً معلومةً تعدُّ عداً، فبانقضائها تحلّ
: للأزواج.
قولُه: ﴿وأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطِعْتُم من قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ١٨٥] أي اجعلوهُ مُعِدّاً لَهُم
عندَ الحاجة إِليهِ ومدَّخراً. والإعدادُ من العَدد كالإِسقاءِ من السَّقي؛ فأعددتُ لك كذا:
جعلتَه بحيث تتناولُه حين حاجَتَكَ إِليه وتَعُدَّه. قولُه: ﴿ولتكملوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
أي العددَ. قولُه: ﴿في أيامٍ مَعدوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] المشهورُ أنها أيامُ التَّشريقِ،
والمعلوماتُ العشرُ قبلَها. وقيلَ: يومُ النَّحرِ ويومان يَليانهِ؛ فيومُ النَّحر من المعلومات
والمعدودات عند هؤلاء. وقد بَينا هذا في «القول الوجيزِ)). قوله: ﴿الذي جَمَع مالاً
وعدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] قُرئَ مشدّداً أي جعله عُدَّةٌ للدهر، ((وعدَدَهُ)) بالتخفيف(١)، أي
ذوي عددٍ فالهاءُ للهُمَزة. وفي الحديث: ((إِنما أَقطعتُه الماءَ العِدَّ)(٢) أي الدائمَ الذي لا
انقطاعَ لعددهِ. وقولُه: ((ما زالتْ أُكُلَةُ خَيبر تُعادِّني))(٣)؛ يعاودُني ألمُ سُمُّها في أوقاتٍ
مَعدودةٍ. وعِدّنُ الشيءِ: زَمَانُه. والعِدَادُ كذلك يقالُ: به عدادٌ من الجنون، أي يُعاودُه
في أوقاتٍ معدودةٍ. وفي الحديث: ((إِذا تكاملت العدَّتان قامت الساعةُ))(٤)، قال
القُتيبيُّ: الذي عندي فيه أنه إذا تكاملتْ عدَّةُ أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ قامتِ القيامةُ. وقال
غيرُه: هو إشارةٌ لقولهِ: ﴿إِنما نَعُدُّ لهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] يعني أنهم إِذا اسْتَوفَوا المعدودَ
لهم قامت القيامةُ .
عد س:
قولُه تعالى: ﴿وَعَدَسِها﴾ [البقرة: ٦١] العدسُ: الحَبُّ المعروفُ، وبه شُبِّهتْ
بُثْرةٌ أو قَرِحةٌ تطلعُ على ظاهرِ الجسد في الهيئة فيقالُ: أخذتْه عدسَةٌ. وعَدَسْ: زجرٌ
للبغلِ، وقد يقالُ لغيرهٍ . قالَ الشاعرُ: [من الطويل]
٩٩٨ - عَدَسْ ما لعَبّادِ عليك إِمارَةٌ(٥)
(١) هي قراءة الحسن. مختصر ابن خالويه ١٧٩ .
(٢) الفائق ٢ / ١٢١ وغريب ابن الجوزي ٧٤/٢ والنهاية ١٨٩/٣.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي، (٧٨) باب مرض النبي ووفاته ٤١٦٥ ومسند أحمد ٦/ ١٨.
(٤) الفائق ٢ / ١٢٢ وغريب ابن الجوزي ٢ /٧٤ والنهاية ١٨٩/٣.
(٥) صدر بيت ليزيد بن المفرغ وعجزه : (نجوت وهذا تحملين طليق)
وهو في ديوانه ١٧٠ والحماسة البصرية ١ /٨٧ واللسان (حدس، عدس) والمخصص ١٤ / ٨١=

٣٧
باب العین
واشتقَّ منهُ فعلٌ فقيلَ: عدسَ في الأرضِ، فهو عَدُوسٌ.
ع د ل:
قولُه تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ(١) ذلكَ صياماً﴾ [المائدة: ٩٥] أي مثلُه ومساويه. قيلَ:
العَدْلُ والعِدْلُ يتقاربان. ولكنِ العَدْلُ يُستعملُ فيما يُدْرَكُ بالبصيرةِ كالأحكامِ وكالآية
المتقدمة. والعِدْلُ هو التقسيطُ على سواءٍ، وعلى هذا رُويَ عن النبيِّ مَ: ((بالعدل
قامتِ السماواتُ والأرض))(٢)
تنبيهاً أنه [لو] كانَ رُكنٌّ من الأركانِ الأربعة في العالمِ زائداً على الآخرِ أو ناقصاً
عنه على مُقْتضَى الحكمةِ الربّانية، لم يكنِ العالَمُ مُنتظماً ولتطابقتِ السماواتُ والأرضُ.
وقالَ البصريون: العَدْلُ والْعِدْلُ لغتان بمعنى المثلِ. وقال أبو بكرٍ: العِدْلُ: ما عادلَ الشيءَ
من جنسهِ، وبالفَتح ما عادَلَه من غيرِ جنسهِ، يقالُ: عندي من الدراهمِ عِدْلُ دراهمِكَ ومن
الثياب عَدْلُ دراهِمكَ بالفتح.
ثم العَدْلُ ضربانٍ(٣): مُطلقٌ يَقْتضي العقلُ حسنَه، ولا يكونُ في شيءٍ من الأوقاتِ
مَنْسوخاً، ولا يوصَفُ بالاعتداءِ بوجهٍ، نحو الإِحسانِ إِلى مَن أحسنَ إِليك، وكفِّ الأذى
عمَّن كفَّ أذاهُ عنك. والثاني مقيدٌ بالشرعِ ويتطرَّقُ إِليه النسخُ في بعضِ الأزمنةِ كأَرُوش(٤)
الجناياتِ والقصاصِ وأخذِ مالِ المرتدِّ. ومن ثَمَّ قالَ تعالى: ﴿فمن أعتَدَى عليكم
فاعْتَدوا عليه بمثلٍ ما اعْتَدى عليكُم﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها)
[الشورى: ٤٠] فسمِّي بذلكَ سيئةً واعتداءٌ. وهذا النحُو هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الله يأمرُ بالعدلِ والإِحسانِ﴾ [النحل: ٩٠]؛ فالعدْلُ هنا: المساواةُ في المكافأة إِنْ خيراً
فخَيرٌ، وإِنْ شَرَّأَ فشَرَّ. والإِحسانُ أن يُقَابَلَ بالخيرِ مثلُه وزيادة، والشرُّ بأقلّ منه. والعدلُ:
العدالةُ أيضاً، وهي في الرجلِ لفظٌ يَقْتضي معنى المساواةِ وكذلك المعدلةُ. وقولُه تعالى:
﴿وَأَشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكم﴾ [الطلاق: ٢] أي عَدالة، ويوصَفُ به الواحدُ المذكَّرُ
= وأمالي ابن الشجري ٢ /١٧٠ والإنصاف ٤٢٥.
(١) قرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف وعاصم (عدْل) البحر المحيط ٤ / ٢١ .
(٢) سنن أبي داود ٣٤١٠ باب في المخابرة
(٣) المفردات ٥٥٢ ..
(٤) الأرش: الدية . اللسان (أرش).

٣٨
باب العين
وضدّاهُما المبالغةُ نحوُ: رجلٌ عَدْلٌ ورجالٌ عَدْلٌ: قال الشاعرُ: [من الطويل].
٩٩٩ - فهم رِضاً وهم عدْلُ(١)
وكذا الوصفُ لسائر المصادرِ، والمطابقةُ قليلةٌ. وفي مثلِ قولهِ: ﴿وَلِن تَسْتَطِيعُوا
أن تَعدلوا بينَ النساءُ﴾ [النساء: ١٢٩] إِشارةٌ إِلى ما جُبلَ عليهِ الآدميُّ مِنَ الميلِ؛ فإِنَّ
الإِنسانَ وَإِن أمكِنَه أنْ يُسَوِّيَ بينهُنَّ في النفقةِ والكُسوةِ والمنزلِ والمبيتٍ والوطءِ ولِيْنِ
الكلمةِ وغيرِ ذلك، فلن يستطيعَ أن يُسَوِّيَ بينهُنَّ في المحبةِ، ولهذا كان عليه الصلاةُ
والسلام يقولُ: ((اللهمَّ إِنَّ هذا قَسْمَي فيما أملكُ فلا تُؤاخذني فيما لا أَملكُ))(٢) إِشارةٌ
إِلى ما ذكرْنًا من المعنيينِ، قُولُه: ﴿فإِنْ خِفْتُمْ أَلاَ تَعْدِلوا فواحدةٌ ﴾ [النساء: ٣] إشارةٌ إِلى
العدْلِ الذي هو القَسْمُ والنَّفِقةُ. قولُه: ﴿ثم الذين كَفَروا بربِّهم يَعْدِلون﴾ [الأنعام: ١ ] أي
يجْعلون له عَديلاً، فصارَ كقولهِ: ﴿هُم به مُشرِكُون﴾ [النحل: ١٠٠] وقيلَ: يَعْدلون
بأفعالهِ عنه، ويَنْسِبونِها إِلى غيرهِ كقولهِ: مُطرْنا بنَوءِ كذا. ولهذا حَكَى ◌َُّ عن ربِّه:
((أصبحَ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكواكب)) الحديث(٢) وقيلَ: يَعْدِلون بعبادَتِهم عنه
إلى من لا يستحق عبادة. بل أن يكونَ عابداً.
ومن طريف ما يُحكى أنَّ الخبيثَ الحجاجَ بنَ يوسُفَ الثقفيَّ استحضرَ الحَبْرَ
الشهيدَ سعيدَ بَنَ جُبيرٍ تلميذَ ابنِ عباسٍ فقال له: ما تقولُ فيَّ؟ قالَ: وما أقولُ: أنْتَ
قاسطٌ عادلٌ. فأعجبَ الجماعةُ بقولهِ، فقالَ الحجاجُ الخبيثٌ: ما تَظنون؟ قالوا: مدحَك
بالقسطِ والعدلِ. فقال: بل بالجَورِ والكُفرِ؛ ثم تلالهم: ﴿وأما القاسِطون فكانوا لجهنَّمَ
حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] ﴿ثم الذين كفروا بربِّهم يَعدِلون﴾ [الأنعام: ١] ففهمَها الخبيثُ
أُخزاهُ اللهُ تعالى.
قولُه: ﴿أو عدلُ ذلك صياماً ﴾ أي ما يعادلُ منَ الطعامِ الصيامُ. والفداءُ يطلقُ عليه
عَدْلٌ نظراً إِلى المساواة. وقولُه عليه الصلاة والسلام: (( لا يَقبلُ اللهُ منها صَرْفاً ولا
(١) من بيت لزهير في ديوانه ٩٠ وتمام البيت :.
(متى يشتجرْ قومٌ يَقُلْ سرواتهم:
هم بيننا فهم رضاً وهم عَدْلُ)
(٢) أخرجه الترمذي في السنن برقم ١١٤٠.
(٣) أخرجه البخاري في صفة الصلاة، (٧٢) باب: يستقبل الإمام الناس ٨١٠، ومسلم في الإيمان ٧١ .
۔

٣٩
باب العین
عدلاً))(١) قيلَ: العدلُ كنايةٌ عن الفريضة، والصَّرِفُ النافلةُ وهي الزيادةُ على ذلك، فهما
كالعَدْلِ والإِحسان على ما مر. ومعنى ((لا يقبلُ منها)»: لا يكونُ له خيرٌ يُقْبَلُ منه. وقال
النَّضرُ: الصَّرِفُ: الثَّوبةُ قولُه تعالى: ﴿بل هم قومٌ يَعْدِلون﴾ [النمل: ٦٠] يصحُّ أن يكونَ
من الشّرك، وأن يكون من العُدول عن الحقِّ عُدولاً يقال: عَدَلَ يعدل: إِذا تحرَّى الحقَّ
وعدولاً إِذا مالَ عن وجهِ الصوابِ وهو في الأصلِ مطلقُ الميلِ. قوله: ﴿الذي خلقَكَ
فسوَّكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] قرىَّ مشدّداً(٢)، من التَّعديل، أي لم يجعلْ إِحدى
يديْك ورجليك أطولَ، ولا إِحدى عينيك وأذنيك أكبر لأنه كان مما يُستبشعُ، ومُخففاً
أي عدلَ بكَ من الكفرِ إِلى الإيمانِ؛ قالَه ابنُ الأعرابيِّ، وفيه نظرِّ لانَّ الخطابَ عامٌ للكافرِ
والمؤمنٍ، والظاهرُ أنهما لغتان بمعنى التّسوية. يقال: عَدلتُه فاعتدَلَ، أي قوَّمتُه فاستقامَ،
وعدَّلتُه فتعدَّل، قولُه: ﴿فلا تَتَّبِعوا الهَوَى أَنْ تَعدلوا﴾ [النساء: ١٣٥] أي فراراً من إِقامة
الشهادة. فالمعنى أنْ تعدلوا عن إقامتها لمن تؤدُّونَها له أو عليه. وقيلَ؛ المعنى: لا تَتَّبعوا
الهَوَى لِتَّعدلوا، نحو: لا تَتَبَعْه لتُرضي اللهَ، أي أنهاكَ عنهُ لترضيَ اللهَ.
وعادَلَ بينَ الأمرين: نَظر أيُّهما أرجحُ. وعادَلَ الأمرَ: ارتبك فيهِ فلا يَدري أيُّ
طرفيه يتبعُ. والأيامُ المعتدلةُ: عبارةٌ عن طيبها لاعتدالِها.
ع د ن:
قولُه تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣] العَدْنُ: الإقامةُ والقُّبوت. يقال: عَدَنَ
بمكان كذا، أي أقامَ به. ومنه المَعْدنُ لثبوتِ الجواهرِ واستقرارِها فيه. وقال عليه الصلاة
والسلام: ((المَعْدِنُ جُبَارٌ)) (٣) أي هدرُه. وقيلَ: عَدْنٌ: علمٌ لمكانٍ بعينهِ في الجنَّة.
ع دو:
قوله تعالى: ﴿فمنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي ولا مُتُجاوزٍ ما حُدَّ
لهُ. يقال: عَدا يَعدو عدواً وعُدْواناً: إِذَا تجاوَزَ ما حُدَّ له. قال تعالى: ﴿فيسْبُوا اللهَ
عَدْواً(٤) بغيرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي ظلماً. وأصلُ العَدْوِ: التجاوزُ ومُنافاةُ الالتئامِ؛
(١) أخرجه البخاري في أبواب فضائل المدينة، (١) باب حرم المدينة ١٧٧١، ومسلم في الحج ١٣٧٠.
(٢) هي قراءة ابن عامر وابن كثير ونافع وأبى جعفر ويعقوب. السبعة ٦٧٤ والإتحاف ٣٤.
(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، (٦٥) في الركهز الخمس ١٤٢٨، ومسلم في الحدود ١٧١٠ ..
(٤) كرأ الحسن وأبو يعقوب وأبو رجاء وقتادة (عُدُوًا)، وقرأ ابن كثير (عَدُوًا) البحر المحيط ٤ /٢٠٠
والقرطبي ٧ / ٦١.

٤٠
باب العین
فتارةٌ يُعتبرُ بالقلب فيقالُ العَداوةُ والمُعاداةُ، وتارةً بالمشي فيقال له العَدْوُ، وتارةً في
الإخلال بالعَدالة فيقالُ له العُدوانُ والعَدْوُ، وتارةً بأجزاء المَقَرِّ فيقالُ له العَدْواءُ. يقَالُ
مكانٌ ذو عَدْواءَ: غيرُ متلائم الأجزاءِ، وأصلُه الأرضُ الغليظةُ يقال لها عَدْواءُ، وبعضُهم
يقولُها بسكون الدال؛ فمن المُعاداة يقالُ: رجلٌ عُدُوٌّ وقومٌ عَدُوِّ. وقالَ تعالى: ﴿هُمُ
العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]. وقد يُجمعُ فيقال: عدىٌ وأعداءُ. وقيلَ العِدَى بالكسر يطلقُ
على الأجانب، وأمّا العُدَى - بالضم - فالأعداءُ. وفي حديثٍ عمرَ: ((كانَ يُبْرَحُ قومَه
ويبعثُ العِدَى)) (١) يعني الا جانب.
والعدوُّ على ضربينٍ: أحدُهما بقصدٍ منَ المُعادِي نحو: ﴿فَإِنْ كانَ مِن قومٍ عَدُوْ
لكُم﴾ [النساء: ٩٢]. والثاني لا بقصده بل بأن تُعرضَ له حالةٌ يتأذَّى بما يكونُ من
العَدُوِّ، نحوُ قولهِ: ﴿فإنهم عدوٍّ لي إِلاَّ ربِّ العالمينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]. والاعتداءُ:
مجاوزةُ الحدِّ والظلم؛ افتعالٌ من العدْوِ. ومنه قولُه تعالى: ﴿ولا تُمْسِكوهنَّ ضراراً
لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. قوله تعالى: ﴿ولقدِ عَلمتُم الذين اعْتَدَوا منكُم في السَّبت﴾
[البقرة: ٦٥]. قيلَ: إِنَّهم حَفَروا حياضاً فإذا طلعتِ الحيتانُ فيها يومَ السبتِ صادوها يومَ
الأحد فهو اعتداءٌ منهم. وقيلَ: هو أخذُهُم الحيتانَ على جهة الاستحلال(٢). قولُه:
﴿فمنِ اعْتَدَى عليكُم فاعتَدُوا عليه بمثل ما اعْتدَى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية أي
قابلوهُ بحسب اعتدائه وتجاوزوا إليه بحسب تجاوزه من العدوان المحظور ابتداء.
وقولُه: ﴿وَلا تَعاوَّنوا على الإِثمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] هو من العدوان الذي
على سبيلِ المجازاة. وقال النحاةُ: الفعلُ متعدّ قاصرٌ؛ تصوَّروا في الناصبِ لمفعولِهِ.
مجاوزتَه له وفي غيرهِ المقصورَعنه؛ قولُه تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوِةِ(٣) الدُّنْيَا﴾
[الأنفال: ٤٢] الآية. العُدْوةُ: هي الجانبُ، كأنه مُتجاوزٌ للقُربِ. قولُه: ﴿وَلا تَعْدُ عيناك
عنْهُم﴾ [الكهف: ٢٨] أي لا تتجاوزُ، هو في اللفظَ نَهيّ عن العينِ وفي المعنى
(١) الفائق ٢/ ١٢٢ وغريب ابن الجوزي ٧٥/٢ والنهاية ١٩٤/٣.
(٢) تفسير ابن كثير ١ /١٠٩، ٢٦٧/٢.
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب والحسن واليزيدي وابن محيصن (بالعِدْوَة) الإتحاف ٢٣٧ والنشر
٢٧٦/٢ وقرأ قتادة وعمرو بن عبيد والحسن وزيد بن علي (بالعَدْوَة)، وقرئت (بالعُدْبةِ) البحر
المحيط ٤ / ٤٩٩- ٥٠٠ .