النص المفهرس
صفحات 1-20
عمدةُ الْفَاظِ في تَفَسُيِ أَشْرَفِ الْأَلْفَاظِ مُعَِمُ الغَوَيّلَفَاظِ القُرْآنِ الَكَيمَ تأليف الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ تحقيق محمد باسل عيون السّور الجزء الثَالث دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطية. Copyright C All rights reserved Exclusive rights by. DAR ul-KOTOB al- ILMIYAH Beirut . Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطَّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م. دار الكتب العلمية بيروت - لبنان .العنوان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت تلفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 . P.O.Box : 11 - 9424: Beirut - Lebanon بسم الله الرحمن الرحيم باب الظاء فصل الظاء والعين ظ ع ن : قولُه تعالى: ﴿يومَ ظَعْنِكم﴾ [النحل: ٨٠] الظَّعنُ: الارتحالُ. يقالُ: ظعنَ يظعَنُ ظَعْناً وظَعَناً - بالسكون والفتح، وقد قُرئَ بهما (١)- لغتان، فهو ظاعنٌ، أي رَحَلَ وشَخَصَ. والظَّعينةُ: اسمٌ للهودج ما كانتِ المرأةُ فيه، وإلا فهو مَودجٌ ومَحملٌ. وقد تُوسِّعَ فيه فأطلقَ على المرأةِ وحدَها ظَعينةً، وإِنْ لم تكنْ في هودجٍ. والجمعُ ظَعائنُ. وقولُهم: منّا ظعنَ ومنّا أقامَ، تقديرُه: منا فريقٌ ظَعَنَ ومنا فريقٌ أقامَ، فحُذف الموصوفُ. فصل الظاء والفاء ظ ف ر: قوله تعالى: ﴿مِن بَعدِ أنْ أَظْفَرَكُمْ عليهِم﴾ [الفتح: ١٤]. الإظفارُ: النّصرةُ. والظّفَرُ: الفوزُ والانتصارُ. يقالُ: ظَفِرَ فلانٌ بطلبتِهِ، وأظفرتُه بها. ولتَضمُّنْهِ معنى النصر عُدِّي بعلى. وأصلُه من الظفرِ؛ فإِنَّ قولَه ظَفَرَ بكذا، معناهُ أَنشبَ ظُفرَه في الشيءٍ أي عَلِقَّ به فتمكَّنَ منه. يقالُ: ظفَّرتُّ فلاناً - مشدّداً - أي أنشبتُ ظُفري فيه، عبارةٌ عن تمكُّنْكَ منهُ. قوله: ﴿ذِي ظُفُر(٢)﴾ [الأنعام: ١٤٦]؛ الظُّفُرُ: يقالُ في الإنسانِ وفي غيرهِ، وإِنْ كانَ له اسمٌّ خاصٌّ في غيرِ الإنسانِ. أَلا تَرى أنَّ ظُفُرَ الإبلِ يقالُ لها المَياسِمَ، وظُفر السباعِ يقالُ لها البَرائِنَ، وظُفُر الطير يقالُ لها المخالبَ؟ وأنشدَ لزهيرٍ بنِ أبي سلمى: [من الطويل] لهُ لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلّمِ (٣) ٩٦٨- لَدِى أَسَدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّف ويُعَبَّرُ به أيضاً عن السلاحِ. ظُفُرٌ وظُفْرٌ وأظْفور، والجمعُ أظفارٌ وأظافيرُ. وفلانٌ ظُفُرٌ، أي طويل الظفر. وفي الحديث: ((وعلى عينيه - أي الدجّال - ظفرةٌ (١) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو جعفر وخلف ويعقوب (ظَعَنِكم) الإتحاف ٢٧٩ والنشر ٣٠٤/٢. (٢) قرأ أُبي والحسن والأعرج (ظُفْر) البحر المحيط ٤ /٢٤٤ وقرأ أبو السمال (ظفر) القرطبي ١٢٤/٧. (٣) البيت من معلقته في ديوانه ٣٠ وتقدم برقم ٨٣٧ (ش و ك). ٤ باب الظاء غليظةً))(١) قال الأصمعيُّ: الظَّفَرةُ: لحمةٌ تنبتُ عندَ المآقِ. وأنشدَ: [من الرجز] حلِّ ابنُها في السِّجنِ وَسْطَ الكَفَرَهِ(٢) ٩٦٩- بعينها من البكاءِ ظَفَره وقال الراغبُ (٢): الظفرةُ: جُليدةٌ تَغْشى البصَرَ، تشبيهاً بالظُّفُر في الصَّلابةِ. وقد ظَفِرَتْ عِينُه: أصابَها ذلك. وقيلَ:((إِنَّ الظُّفُرَ كان لباسَ آدم وحواء عليهما السلام في الجنة))(٤). فلما وقعَ ما وقعَ نَزَعَ عنهُما كما قالَ اللهُ تعالى، وأبقى اللهُ منه هذه البقيةَ على رؤوس الأصابعِ ليتذكَّرُ بها ما وقعَ منهُما، فبقيتْ في ذرِّيَتهما تلك البقيةُ، واللهُ أعلمُ. فصل الظاء واللام ظ ل ل: قوله تعالى: ﴿في ظلالٍ(٥) وعُيُونٍ﴾ الظلالُ جمعُ ظِلٌّ، وهو ضدُّ الصُّبْحِ البارزِ للشمسٍ، وهو أعمُّ منَ الفيءٍ؛ فإِنه يقالُ: ظلُّ الليلِ، وظلُّ الحَرِّ. ولا يقالُ في الحرِّ إِلا بعدَ الزوالِ لأنه يَفيءُ من جهةِ المغربِ إِلى جهةِ المشرقِ. والفَيءُ: الرجوعُ. ومنه: ﴿حتى تَفيءَ إِلى أَمرِ اللهِ﴾ [المرسلات: ٤١] ولذلك غلَّطَ ابنُ السَّيتِ الناسَ في تسمیتِهم الظلُّ مُطلقاً فَيئاً. ويقالُ لكلِّ موضعٍ لم تصلْ إِليه الشمسُ: ظلِّ. ولا يقالُ له في قولِهِ تعالى: ﴿يَتَفَيُّؤُوا ظِلالَه(٦) عنِ اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّداً للهِ﴾ [النحل: ٤٨] أي أَفياؤه يدلُّ على وحدانية اللهِ ويُنْبئُ عن حكمتهِ. قوله: ﴿وظلالُهم بالغُدوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥]. قال الحسنُ: ((أمّا ظلُّكَ فيسجدُ لله وأمّا أنتَ فَتَكْفُرِ بِهِ)(٧). وقد يعبّرُ بالظلِّ عن الإحسان، فيقالُ، أنا ظلُّكَ، وعن العزٌ والمنازعة، وبهِ فُسِّرْ قُولُه تعالى: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ في ظلالٍ وعُيونٍ وفواكهَ﴾ (١) الفائق ٢ / ١٠٠ وغريب ابن الجوزي ٥٥/٢ والنهاية ١٥٨/٣. : (٢) الرجز في اللسان والتاج (ظفر) أنشده أبو الهيثم . (٣) المفردات ٥٣٥. (٤) النهاية ٣ /١٥٨. (٥) قرأ الأعمش والمطوعي والأعرج والزهري وطلحة (ظُلَّل) الإتحاف ٤٣١ والبحر المحيط ٤٠٨/٨. (٦) قرأ عيسى (ظلله) البحر المحيط ٤٩٦/٥. (٧) قول الحسن يشبه ما ورد في النهاية ١٦١/٣ من حديث ابن عباس: الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله)). ٥ باب الظاء [المرسلات: ٤١-٤٢]. وظلَّلَه اللهُ وأظلُه: حرسَه ومنعه. قال بعضُهم: ((وظلالُهم))، أي أشخاصُهم. والظُّلُّ: يعبّرف به عن الشخصِ، قالَ ذلك بعضُ اللغويين مُسْتدلاً بقولِ الشاعر: [ من البسيط ] ٩٧٠ - لما نَزَلَنَا رَفَعْنَا ظِلَّ أَخبيٍ (١) قالَ: وليسَ يَنْصبون الظلَّ الذي هو الفَيءُ وإِنما يَنْصبون الأخبيةَ. وبقولِ الآخرِ: [ من الطويل] ٩٧١ - تَتْبَعُ أَفياءَ الظُّلَالِ عَشِيَّةً (٢) أي أفياءَ الشَّخوصِ. قال الراغبُ(٢): وليسَ في هذا دلالةٌ فإِن قوله: (( رفَعْنَا ظِلّ أَخبيةٍ)) معناهُ رفعنا الأخبيةَ فرفَعْنا بها ظلُّها، فكأنَّه يرفعُ الظلّ. وأما قولُه:(أفياءَ الظُّلال)) فالظلالُ عامٌّ والفَىءُ خاصٌّ. وقولُه: ((أفياءَ الظلالِ)) من إِضافة الشيءٍ إِلى جنسهِ. قولُه تعالى: ﴿وَنُدّخِلُهم ظِلاَّ ظَليلاً﴾ [النساء: ٥٧] أي كَنيفاً مانعاً منَ الحرِّ، وممّا يُؤذي أذاه من الغمِّ والضيِّقِ. وَقيلَ: هو كنايةٌ عن غَضارةِ العيشِ. وقالَ ابنُ عرفةً: أي دائماً طيباً. يقالُ: إِنَّه لَفِي عيشٍ ظَلِيلٍ، أي طيِّبٍ، قال جريرُ: [من الكامل] ٩٧٢ - ولقد تُساعِفُنا الدِّارُ، وعَيهُنا لو دامَ ذاكَ بما نُحبُ، قَليلُ(٤) قوله تعالى: ﴿وَظِلٌّ مَمْدودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي دائم لا تَنْسخُه الشمسُ. والجنةُ كلُّها ظلُّ لا شمسَ فيها؛ كما قالَ العباسُ بنُ عبد المطلب رضي الله عنه يمدحُه عليه الصلاة والسلام: [من المنسرح]. مُسْتَودِعِ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ(٥) ٩٧٣- مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظُّلالِ وفي يشيرُ إِلى أنَّه كان عليه الصلاة والسلام طَيِّباً في صُلبٍ آدمَ عليه الصلاة والسلام. (١) صدر بيت لعبدة بن الطبيب وعجزه: ( وفار باللحم القوم المراجيل) والبيت من قصيدة فى المفضليات ١٤١ . (٢) شطر بيت في المفردات ٥٣٦ دون عزو . (٣) المفردات ٥٣٦. (٤) ديوانه ٤٧٣ . (٥) النهاية ١٦٠/٣ والفائق ٢٨١/٢. ٦ باب الظاء وقالَ أبو بكرٍ: «ظلُّ الجنةِ سترُها والكينونةُ في دارِها)) وإِلاَّ فالشمسُ إِنما تُتَعارفُ في الدنيا ، هي معيارُ الظلِّ باعتبار غَيبوبَتِها وحَجبها عن ذلك المكان الذي يوجَدُ فيه الظلّ .ولا شمسَ في الجنة. قوله تعالى: ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبِّكَ كيف مَدَّ الظَّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٠] هذه الآية من أشكلٍ الآي في فَهْمِها، وأحسنُ ما قيلَ فيها: إِنَّ معنى ((مدَّ الظِلَّ)) أنْ جعله يبسُطُ ويَمْشي وينتقلُ في الامكنةِ التي كانتْ مشمولةٌ بالشمسِ، فينتفعُ به العالمُ انتفاعاً مُشاهداً في أبدانهم وزُروعِهم وثمارِهم. ولو بقيتِ الشمسُ مُتَسَلِطةً عليهم لاحرقَتْ كلَّ ذلك، وكذا لو لم تطلعْ عليهم لفَسَدوا أيضاً. قولُه تعالى: ﴿ولو شاءَ لجعلَه ساكناً﴾ [ الفرقان: ٤٥] أي لاصقاً بأصلِ كلِّ شاخصٍ مُطلٌّ لم ينبسِطْ ولم ينتقِلْ عن أصلٍ ذلك الشاخصٍ من بناءٍ أو جبلٍ أو شجرٍ، فلم يَنتفعْ به ذلك العالَمُ فيما ذُكر، فسمى اللهُ تعالى انبساط، وانتقاله الانتقال المعهود امتداداً وتحرُّكاً، وعدمَ ذلك سُكوناً. قوله: ﴿ ٹم جعلنا الشمسَ عليه دليلاً﴾ معناهُ أن الناسَ يستدلُون بالشمس وأحوالِها في المسيرِ العجيبِ الذي لا يَدخلُ تحتَ العقولِ على أحوالِ الظلِّ في كونهِ ثابتاً في مكانٍ، وزائلاً عن آخرَ، ومُتَّسعاً مُنْبسطاً ولاصقاً مُتَقَلصاً، فيثبتون حاجاتهم على حسبٍ ما يُريدون. قوله: ﴿ ثم قَبَضْنَاهُ إِلينا﴾ معناهُ: ننسخُه بضحى الشمسِ بأن نُطلقَها فيسطعُ نورُها أي شعاعُها على تلك الأمكنة بالسيرِ الذي قدَّرْناهُ فيذهب .. قولُه: ﴿قَبْضاً يَسيراً﴾ أي على مهلٍ وتأنٍ. ولو قُبضَ الظلُّ ونُسخَ دفعةً واحدةً لتعطّلتْ منافعُ الناسِ وفسدتْ معايشُهم ونباتُهم وشجرُهم بالشمسِ والظلِّ معاً، فسبحانَ الحكيمِ الذي تَاهَتْ عقولُ الحكماءِ في حِكمتهِ. وإِنَّما شرحتُ ألفاظَ الآية، وإِن المقصودُ الظلُّ لأنه لايُفهمُ معناها إِلا بمجموع كلماتِها. وما لا يتمُّ الواجبُ إِلا به فهو واجبٌ. قولُه تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَّهُمُ اللهُ فِي ظُلَل من الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] أي عذابه وأمره، وأمّا ذاتُه المقدسةُّ فمنزّهةٌ عن الانتقالِ والحركة. وهي إِمّا جمعُ ظُلّة: قطعةٌ من السحاب لأنها تُظلِّ من تحتَها. وَقُرئ﴿ظلالٍ(١)﴾، وهو جمعُ ظِلُّ أيضاً نجو غُلِيةٍ وغلابٍ وحُفْرةٍ وحِفارٍ. وإِما جمعُ ظِلُّ المرادُ به الشخصُ عندَ مَن يرى ذلك، وقد تقدَّمَ الاستدلال (١) هي قراءة قتادة وأبي وابن مسعود والضحاك وعاصم وأبو جعفر .. البحر المحيط ١٢٥/٢ والقرطبي ٢٥/٣. ٧ باب الظاء به والجوابُ عنه. قوله: ﴿مَوْجٌ كالظُّلَلِ(١)﴾ [لقمان: ٣٢] فقيل: هي شيءٌ يشبهُ الظُّلمةً، وبها شُبُهتِ الموجةُ. والأولى أن تكونَ على بابِها، والتشبيهُ بها واضحٌ لِما فيها من التراكمُ والتلاحُق. قوله: ﴿هم وأزواجُهم في ظلالٌ على الأرائكِ مُتْكئون﴾ [ يس: ٥٦] قُرئ ((ظلال)) جمع ظلِّ. وقيلَ: جمع ظُلَّة نحو بّرْمة وبرام، وقد تقدَّم. وقُرِئَ «ظُلل(٢)) جمعُ ظُلّة، يعني على التشبيهِ بما هُم من الظُّلِّ بمن أظلّتْه سحابةٌ، فصارتْ عليه ظُلَّةٌ. ثم لم يكتف بذلك حتى جعلها ظُلَلاً مُتراكمةٌ مُبالغةً في الوصف. وحُكي في ظُلُل - بضمتين - فقيلَ: يجوزُ أن يكون جمعُ ظلالٍ ظُلُلٍ، فهو جمعُ الجمع، وهذا مردودٌ بقاعدة تصريفية؛ وهو أن فعالاً وفَعالاً إِنْ كانا مُضاعفينٍ أو مُعتلَي اللامِ لزمَهما الجمعُ على أفْعلة نحو زِمام وأزمَّة. وقد يقالُ: لما وردَ في لسانِهم كما يشهدُ بذلك مساغُ القولِ . وقد قالوا: عنان وعُنن وحِجاجٍ وحُجج. وكان الذي حملَ هذا القائلَ - واللهُ أعلمُ - على القول بذلك مع شَذوذهِ أنَّ هذا اللفظَ قد وردَ في صفةِ أهلِ النارِ بقولِه لهم: ﴿مِن فوقِهم ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] جعلَ أطباقَ النارِ - أعاذنا اللهُ منها - ظُلَلاً لِمَن فيها وبئسَ الظُّلُّ. فقوله: ﴿لهم من فوقِهم ظُلُلٌ﴾ ظاهرٌ؛ فإِنَّ الظُّلَّةَ ما عَلَا فأظلَّ. وأمّا قوله: ﴿ومِن تحتِهم ظُلَلٌ﴾ فباعتبارِ مَن تَحْتَهم من المعذَّبين في الطبقةِ التي تحتّهم، فبالنسبةِ إِلى مَن فوقَ هيَ كالأرض، وإلى من تحت ظُلّة، وهذا كسقفينٍ؛ فإِنَّ الذي تحتَ يقالُ فيه ظُلّة، وغيرَ ظُلَّة بالنسبةِ والإضافةِ، وهذا كقوله تعالى في المعنى: ﴿وإنَّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين يومَ يَغْشاهُم العذابُ من فوقِهم ومن تحتِ أرجُلِهِم﴾. قولَهُ: ﴿عذابُ يومِ الظُّلّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] هي سحابةٌ أنشأها اللهُ تعالى كان فيها عذابُ مَدْين؛ قيلَ: أَصابَهم ذلك اليومَ حرِّ عظيمٌ إِلى أن كادوا يهلكون، فأرسلَ اللهُ ظُلَّةٌ كثيفةً، أي سحابةً مُتراكمةً، فهُرِعوا إِليها يَستجيرون بها من الحرّ، فلمّا تكاملوا تحتَها أطبقتْ عليهم بعذابِها، فلم يُرَ يومٌ مثلُه(٣). وحكى الفراءُ: أظلَّ يومُنا، أَي صارَ ذا ظلِّ وهو السحابُ. قولُه تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلى ظِلُّ ذي ثلاثِ شُعَبٍ لا ظَليلٍ﴾ (١) قرئت (كالظُّلال) البحر المحيط ١٩٣/٧. (٢) هي قراءة حمزة والكسائي والأعمش وطلحة وعبيد بن عمير وخلف، الإتحاف ٣٦٦ والنشر ٣٥٥/٢ (٣) قيل: أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام.انظر تفسير ابن كثير ٣٥٩/٣. ٨ باب الظاء المرسلات: [٣٠-٣١] سماهُ ظلاً تَهكُماً بهم أو في الصورة من حيثُ إِنه متراكبٌ لا شمسَ فيهِ. ثم لما وصفه بوصفينٍ بكونهِ ظلاً وبكونه [ ساتراً] نفَى عنه هذينِ الوصفينِ؛ فقالَ: لِيسَ بظليلٍ على ما يتعارفونهَ، ونَفى عنه فائدة الظلِّ المُتعارَف، وهوَ أنَّ مِن شأنه أن يُغنيَ من لهبِ النارِ وحرِّها. ويجوزُ أن يكونَ المعنى أنّ الظلَّ، وإن كنتُم تَعْهَدونه يُغَني من الحرِّ فهذا لا يُغني من اللهبِ. قال الراغبُ (١): قولُه: ﴿لا ظَلِيلٍ﴾ أي لا يفيدُ فائدةَ الظُّلِّ في كونه واقياً من الحُرِّ. قُلنا: هذا قد أفادَ ولا يُغني من اللهب. وأيضاً لو كان فائدةُ قوله: ﴿لا ظَليلٍ﴾ ذلك لم يكُنْ لقولِه بعدٌ، ولا يُعني فائدةٌ لأنه إذا لم يقِ الحرَّ عُلم أنه لا يغني من اللهب من باب الأولى والأحرى. وقولُه: ﴿ظَلْتَ(٢) عليه عاكفاً ﴾ [طه: ٩٧] أصلُها ظَلِلْتَ، وإِنمَّا حُذفتِ اللامُ الأُولى للتَّضعيفِ والكسرِ، وفيه وفيما أشبهَه ثلاثُ لغات: ظَللْتَّ على الأصل، وظَلَتَ بالحذف مع بقاءِ الفاءِ على حركتها، وظلْتَ بكسرِها منبهةً على حركة المحذوف، وإِنْ كانوا قد حذفوا أحدَ المِثْلين في المضاعفِ وإِن لم يكنْ كسرٌّ نحو: أَحسْتُ في أَحسِسْتُ، وهَمْتُ في هَمِمتُ، وحَلْتُ فِي خَلْتُ. فلاَنْ يَحذفوا فيما فيهِ ذلك وحركةٌ ثقيلة أَولَى. ومنه قولُ الشاعر: [ من الوافر] ٩٧٤ - سوَى أَن العتاَق من المَطايا أُحَسْنَ بِهِ فهنَّ إِليهِ شُوشُ(٣) يريد: أحَسسْنَ. على أنه قد زَعم بعضُهم أنه جاءَ ذلك مع الفتحِ، وجعل منه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنُّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وليس كذلك حسبما بينّاهُ في ((الدرُ)) و((العقدِ)) وغيرهما. وأصلُ ظَلَّ الدلالةُ على اتِّصاف اسمها بمعنى خبرِها نهاراً كدلالة باتَ على اتصافه به ليلاً. تقول: ظلَّ زيدٌ يقرأ، أي اتَّصفَ بالقراءةِ نهاراً. وباتَ يُصلي، اتَّصفَ بها ليلاً، قالَ الشاعرُ: [ من السريع). (١) المفردات ٥٣٦. (٢) قرأ ابن يعمر (ظُلْتَ) وقرأ أبي والأعمش (ظَلِلْتَ) البحر المحيط ٢٧٦/٦، وقرأ ابن مسعود وقتادة . والأعمش وابو حيوة وأبن أبي عبلة وابن يعمر والطوعي (ظلت) إعراب النحاس ٣٥٨/٢ والقرطبي ٠ ١١ / ٢٤٢. (٣) تقدم برقم ٣٥٥ وهو لابي زبيد الطائي في ديوانه ٦٣٠ والأمالي ١ /١٧٤. ٩ باب الظاء الموتُ من بعضِ الحياةِ أَهوَنْ(١) ٩٧٥ - أظلُّ أرعى وأبيتُ المحَنْ وهي من أخواتٍ كانَ ترفعَ اسماً وتنصبُ خبراً، وتكونُ تامةٌ إِذا أريدَ بها الإقامةُ. وتكونُ بمعنى صارَ فتدلُّ على الانتقالِ من حالٍ إِلى آخرَ كقولهِ تعالى: ﴿ظلَّ وجهُه مُسوداً﴾ [النحل: ٥٨]، إِذ ليسَ المرادُ اتَّصافَه بذلك نَهاراً فقط. وقيلَ إِنَّما ذكرَ وقتُ النهارِلأنه أوضحُ، وهو الذي تظهرُ فيه. المخبَّتُ. والعربُ تقولُ: الليلُ سائرٌ للويلِ. وفي الحديث: ((السلطانُ ظلُّ الله في أرضهِ(٢))) قيلَ: سِتْرُه ووقايتهُ. وقيلَ: خاصتهُ. وقيلَ: المرادُ العَزَّةُ والمَنَعةُ، وأنشد: [ من الطويل]. ٩٧٦- فلو كنتَ مَولى العزّ أو في ظِلالِهِ ظَلِمْتَ ولكنْ لا يَدَيْ لِكَ بالظُّلْمِ (٣) ظ ل م: قولُّه تعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليومِ﴾ [غافر: ١٧] أي أنَّه تعالى يَظهرُ عدلُه في ذلك اليومِ لكلِّ أحدٍ، وإِنْ كانَ نفيُ الظلم عنه ثابتاً في غيرِ اليومِ أيضاً، ولكنه فيه أظهرُ لأنَّه يومٌ مجموعٌ له الناسُ فيشاهِدُ عدلَّه تعالى جميعُ الخلائق، فلا يجازي بالسيئةِ إِلا مثلَها. وأمَّا الحسناتُ فيضاعفُها ويَعفو عن سيئاتٍ بعضِ العبادِ، ولا عدلَ أتمٌّ من ذلك. ولّما كان التوحيدُ عندَ اللهَّ بمكانٍ لا يُوازَى كان الجزاءُ عليه كذلك. ولمّا كانَ الشركُ عندَه تعالی أيضاً في بابِ المعاصي بمكانٍ لا يُوازَى كانَ الجزاءُ كذلك، ولو عُذِّب الكافرُ بكلِ عذابٍ لم يوازّ كفرُه ولم يساوِهِ لعظمٍ ما أتّى به. فنسألُ اللهَ العظيمَ أن يَتَوفّنا مسلمين كما أَمَرنا به. والظلمُ عندَ أهلِ اللغةِ وكثير من العلماءِ وضعُ الشيءٍ في غير موضعه المختصِّ به، إِمّا بنقصانٍ أو بزيادةٍ وإمّا بعدولٍ عن وقتهٍ أو مكانه. ومن ثَمَّ قالوا: ظَلَمَ السِّقَاءَ: إِذا تناولَه في غيرٍ وقتهِ أو مكانِه، ويقالُ لذلك اللَّبَّنِ: ظَلِيمٌ. وقيلَ: هو أظلمُ من الحيَّةِ؛ وذلك أنَّ الحيةَ تأتي الجُحرَ فتغتصبُها من أرباها. قالَ الشاعرُ: [من الرجز] ثم تجيءُ حاذِراً فتنجحرْ ٩٧٧- وأنتَ کالأفعى التي لا تحتفر ويقالُ: ظلمَ الأرضَ: إِذا حفَرَها ولم تكن مَحلاً للحفرِ، وتُسمى المَظلومةً. قال (١) تقدم في مادة (ب ي ت) برقم ٢٠٩. (٢) النهاية ١٦٠/٣. (٣) البيت للفرزدق في ديوانه ٢٧٦/٢ (صادر) والخصائص ٣٣٩/١ والمحتسب ٢٧٩/٢. ١٠ باب الظاء النابغةٌ : [ من البسيط ] ٩٧٨ - إِلا الأَوارِيُّ لأياً ما أُبَيِّنُها والنُّؤْيُ كالحوضِِ بالمظلومة الجَلَّدِ(١) والترابُ الخارجُ منها ظَلِيمٌ. وقيلَ: الظُّلْمُ: التصرُّفُ في مُلكِ الغَيْرِ من غيرِ إِذتهِ(٢). وقد ظَّمني، أي تصرّفَ في مُلكي بغيرِ إِذني، ومن ثَمَّ انْتَفَى الظلمُ عن البارِي تعالى من كلِّ وجهةٍ وعلى كلِّ وجهٍ. فلهُ أن يُنْعِمَ العاصي ويعذِّبَ الطائعَ. وليسَ ذلك ظُلماً إِذٍ الأشياءُ كلُّها ملكٌ له تعالى. وقيلَ: الظلمُ مُجاوزةُ الحدِّ الذي يَجْرِي مَجْرى نقطة الدَّاثرة. ويقالُ فيما يقِلُّ ويكثُرُ من التجاوزِ. ولهذا يقالُ في الذئبِ الصغيرِ والذَّنبِ الكبيرِ: ظلمٌ. قال الراغبُ(٣): ولذلك قيلَ لآدمَ عليه الصلاة والسلام في تَعدِّيهِ: ظالمٌ، ولإبليسَ: ظالمٌ، وإِنْ كانَ بينَ الظُّلْمِينِ بَوْنٌ بعيدٌ . قلتُ: أمّا التبايُنُ بينَ ما ذكرَه فمسلّمٌ، ولكنَّ وصفَه آدمَ بذلك جراءةٌ لا تجوزُ، فنبّهتُ عليها لذلك. وقال بعضُ الحكماءُ (٤): الظلمُ أنواعٌ: الأولُ: بينَ العبدِ وربِّه وأعظَمُه الشّركُ والكفرُ والنِّفَاقُ. ومن ثَمَّ قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الشركَ لظُّلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وإِياهُ قصدَ بقولِه: ﴿أَلا لعنةُ الله على الظالمينَ﴾ [هود: ١٨]. والثاني: ظلمٌ بينَه وبينَ الناسِ، وإِياهُ قصدَ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّما السبيلُ على الذين يَظلمون الناسَ﴾ [الشورى: ٤٢]. والثالثُ: ظلمٌ بينَه وبينَ نفسهِ، وإِياهُ قصدَ بقوله تعالى: ﴿فمنهم ظالمٌ لنفسهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقوله: ﴿ولا تَقْربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [البقرة: ٣٥] أي لأنفسهم. قالَ: وكلُّ هذه الثلاثة في الحقيقةِ ظلمٌ للنفسِ فإِنَّ الإنسانَ أولُ ما يهمُّ بالظلم قد ظَلَم نفسَه، فإِذاً الظالمُ أبداً يَبْتدىُّ بنفسهِ في الظلمِ، ولهذا قالَ في غيرِ موضعٍ: ﴿وَمَا ظَلَمَهُم اللهُ ولكنْ أَنفُسَهِم يَظْلِمون﴾ [آل عمران: ١١٧] قلتُ: وفي قولِهِ: ﴿فتكُونا مَن الظالمين﴾ فائدةٌ حسنةٌ وهو أنَّه تعالى علمَ أنهما يُصيبان ما يُصيبان فلقَّتَهما الاعتذارُ. فَمن ثمَّ قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] فتأيَّدَ أنَّ الظلمَ في قولِهِ: ﴿مَنْ الظالِمِينَ﴾ أي لانفسِكُما. ثم إِنَّ الظلمَ المتوسط - وهو ظلمُ (١) تقدم برقم ٣٩ وهو في ديوانه ١٥ (٢) في الأشباه والنظائر ٢٠٢ «الظلم في القرآن على ستة وجوه: نفس الظلم، والشرك، والنقص، والجحد، والسرقة، والإضرار بالنفس)). (٣) المفردات ٥٣٧، (٤ ) المفردات ٥٣٧ -٥٣٨. ١١ باب الظاء العباد- أصعبُ الثلاثة من وجهٍ وهو الافتقارُ إِلى الخروجِ من مَظلمة ذلك الإنسان؛ إِمّا بردٌ ما غصبَه وإِمّا بإعلامهِ بما اغتابَه وثلبّه. وفي هذا منَ الصعوبة كما هو معروفٌ عندَ كلِّ أحدٍ بخلاف النوعينِ الآخرين؛ فإِنَّهما لمجردِ الندمِ والإقلاعِ والعزْمِ على عدمِ العودِ يحصلُ الغرضُ ويُنْتَفِى الظُّلمُ. قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يَلْبسوا إِيمانَهم بظُلم﴾ [الأنعام: ٨٢] أي بشرك لأنه هو الظلمُ المؤثرُ في الإِيمانِ. ولما سمِعَها الصحابةُ تبادَرَ فهمَهم إِلى مطلق الظلم فضجُوا فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((ذلكم الشركُ)) وتلا قولَه تعالى: ﴿لا تُشْرِكْ باللهِ إِنَّ الشَّركَ لظلمٌ عظيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فسكتُوا (١). قوله: ﴿ولم تَظْلَمْ منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تُنقصْ. قولُه تعالى: ﴿وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. قال بعضهم: لا يلزمُ من تفيهِ الأَخصُّ نفيُ الأعمِّ، واللهُ تعالى مُنْتَفٍ عنه الظلمُ على العُمومِ. وظلامٌ صيغةُ مبالغةٍ، ومثالُهُ إِذا قلتُ: ليسَ زيدٌ بظالمٌ، معناهُ أنه لم يلتبْس بشيءٍ من الظلم قليلهِ وكثيرهِ. وإِذا قلتُ: ليس بظلامٍ فإنما نفيتُ كثرةَ الظلمَ. ولا يلزمُ منه مُطلقِ الظلم، والجوابُ عنه أنَّ ظلاماً هنا ليسَ مثالَ مبالغةٍ وإنما معناهُ النسبُ، أي ليسَ بذي ظلم كقولهم: لَّبّان ونَّال، أي صاحبُ لبنٍ ونَبْلَ. وقيلَ: إِنَّما أتَى به على صيغة المبالغة بالنسبةِ إِلى ذكرٍ ما بعدهِ من الجمعِ. فلما تكرِّر المتعلقُ وتعدَّدَ حسُنَ أن يتكرَّرَ الفعلُ الذي نُفِيَ عنه تعلقُه، والأولُ أحسن. قولُه: ﴿إِنهم كانوا هُم أَظلمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: ٥٢] تنبيهً أن الظلمَ لا يُغني شيئاً؛ فإِنّ قومَ نوحٍ مع كونِهم كانوا أظلمَ من هؤلاءٍ لم يُغنِ عنهم ظُلمُهم شيئاً بل كان وبالاً عليهم. قوله تعالى: ﴿وما اللهُ يريدُ ظُلماً للعبادِ﴾ [غافر: ٣١] أي لا يريدُ أن يَظلمَهم. وأمّا ظلمُهم لبعضهم بعضاً فهو واقعٌ وليس المرادُ نفيَ إرادتهِ. وقد مَضى هذا مُستوفىٌّ. وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿وما أنا بظلامٍ للعبيدِ﴾ [ق: ٢٩] فنفَى الظلمَ عن ذاته المقدَّسةِ من غيرِ تعرُّضٍ للإِرادةِ، لأنَّ المقامَ هنا يَقْتضي نفيَ ذلك. قيلَ: والظلمُ يرِدُ أيضاً بمعنى الَعُدولِ ومنه: ﴿ فتلك بيوتُهم خاوِيةٌ بما ظَلَموا﴾ [النمل: ٥٢] أي بعدولهم عن الحقِّ. ولا شكَّ أن ذلكَ لازمٌ للظلم، بأيِّ تَفسير فُسِّرَ. ويردُ أيضاً بمعنى النقصان كقولِه (١) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ٤٢ حديث ٣٢٤٦ ومسلم في الإيمان ١٢٤ ومسند أحمد ٤٢٤/١. ١٢ باب الظاء تعالى: ﴿وما ظَلَمونا ولكنْ كانوا أنفسَهم يَظْلمون﴾ [البقرة: ٥٧] أي ما نَقَصوا مُلكَنا شيئاً، وإِنما نَقَصوا أنفسَهم حظّها. ويردُ بمعنى المنعِ؛ حكى أبو بكرٍ: ما ظَلَمك أن تفعل كذا؟ أي ما مَنَعَك. وفي حديثٍ أمِّ سلمةَ أنَّ أبا بكرٍ وعمر [ ثَلَمَا] هذا الأمرَ فلم يَظْلِماهُ(١))) أي لم يَضَعاُهُ فِي غيرٍ، موضعهِ. وقيلَ: لم يَعْدِلا بِهِ عن الحقِّ. وَقِيلَ: لم يُنْقصاهُ. وقيلَ: لم يَمْنعاهُ، وكلُّه مُرادٌ. والحقُّ أَنَّ الظلمَ وضْعٌ الشئِ في غيرِ موضعهِ، وما ذُكرَ فلوازمُ. والظّليمُ: ذَكَرُ النَّعام، والجمعُ ظُلمانٌ. وقيلَ: سُمي بذلك لاعتقادِ العربِ أنه مَظلومٌ بِصَلْمٍ أُذُنِيهِ، وإِياهُ قصِدَ الشاعرُ بقولِه: [ من السريع] ٩٧٩ - [فصرْتُ] كالهَلْقِ غَدَا يَبْغِي قَرْناً فلم يَرجِعْ بأذنينٍ (٢) الهَيْقَ هو الظليمُ. يَعثي أنه ذهبَ يطلبُ لَه قَرناً كبقرِ الوحشِ فذهَبَتْ أذناهُ. وهو في هذا المعنى كقولهم: مَن طلب الزيادةَ وقعَ في النَّقِصِ. وقد تقدَّمَ أنَّ الظَّليمَ نوعٌ من اللَّبنِ، ونوعٌ من الترابِ. والظُّلْمُ: ماءُ الأسنانِ. وقيلَ: بريقُها؛ قالَ كعبٌ رضي الله تعالى عنه: [ من البسيط ] ٩٨٠- تَجْلُو عَوارِضَ ذِي ظَلْمِ إِذا ابتَسَمَتْ كَأنَّه مُنْهِلَ بِالرَّحِ مَعْلُولُ(٣) وفي الحديث: ((إِذا أَتَيْتُم على مظلومٍ فَأَغذُّوا السَّيرَ(٤))) قيلَ أرادَ به البلد الذي لا رعيَ فيه ولا أصابَه غَيثُ. قُولُه تعالى: ﴿اللهُ وليُّ الذين آمنوا يُخرِجُهُمْ مِنَ الظُّلِمَاتِ إِلى النورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] عَنِى بالظُّلمات هنا الكُفرَ، وبالنورِ الإِيْمانَ. وهو من أحسنٍ الاستعارات لهذينِ الضِّدِّين. وأصلُ الظُّلمةِ عدمُ النورِ، وهما متقابلان؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلماتِ(٥) وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] ثم يُعبِّرُ بالظَّلمة عن الشَّركِ والجهل والفسقِ، كما عُبِّر عن أضدادِها بالنورِ . (١) الفائق ٥٤٩/١ والنهاية ١٦١/٣. (٢) البيت لبشار بن برد في عيون الأخبار ١٤١/٣ وديوانه ٢٠١/٤ وذيل الامالي ١٠٧ . (٣) ديوانه ٧ . (٤) الفائق ٢ / ١٠٢ والنهاية ٣ /١٦٢ وغريب ابن الجوزي ٥٧/٢ . (٥) قرأ الحسن (الظلمات) الإتحاف ٢٠٥. ١٣ باب الظاء قوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُّه في الظُّلماتِ﴾ [الأنعام: ٦] أي كمن هُو أَعمى. قولُه:﴿ في ظُلماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي ظُلمةِ البطنِ والرَّحم والمشيمةِ. قوله: ﴿فنادَى في الظُّلمات(١)﴾ [الأنبياء: ٨٧] قيل: ظلمةِ البحرِ، وظلمة بطنِ الحوتِ، وظلماتِ الليلِ. قولُه: ﴿قُل مَن يُنْجِيَّكُمْ مِن ظلماتِ البرُّ والبحرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] عبِّر عن النجاة منَ المخاوف، والتِّيهِ في الليلِ المُتراكمِ بالظلماتِ، ولا شكَّ أنه أمرٌ عظيمٌ. وقيلَ: أرادَ بذلك شَدائدَهِما عن غيرِ نظرٍ إِلى ليلٍ أو نهارٍ. يقولون: هذا مُظلمٌ، أي شديدٌ. ويومٌ ذو کواکبَ قال: [من الخفيف ] ٩٨١- وتُرِيهَ النجومَ تُجري بالظّهُرْ (٢) وقالَ آخَرُ: [ من الوافر] ٩٨٢- بيومٍ ذي كواكب أشفَعَاهُ(٢) قولُه: ﴿لتخرجَ الناسَ مِنَ الظُّلِماتِ إِلى النورِ﴾ [إِبراهيم: ١] أي من ظلماتِ الكفرِ وما كانتْ عليه قريشٌ من عبادة الأوثانِ وذبحِ النسائك(٤) في البيتِ المعظمِ إِلى دينك القويم، وما جئتَ بهِ عن ربِّك من الحقِّ الأبلج. قولُه: ﴿فإِذا هم مُظْلمون﴾ [ يس: ٣٧] أي داخلونَ في الظلامِ، كقولِهِ: ﴿لَتَمرُّون عَليهم مُصْبِحِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٧]. قوله تعالى: ﴿لئلّ يكونَ للناسِ عليكُم حُجَّةٌ إِلا الذين ظَلَموا منهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] فيه أقوالُ أقربُها: إِلا أن يقولوا ظُلماً وباطِلاً، لقوله: مالك عندي حقَّ إِلا أن تظلمَ: إِلا أن تقولَ الباطلَ. فصل الظاء والميم ظ م أ: قوله تعالى: ﴿يحسِّبُهُ الظّمانُ ماءً(٥)﴾ [النور: ٣٩] الظمآنُ: العَطشانُ، ومنه: (١) قرأ الحسن (الظلمات) الإتحاف ٣١١. (٢) عجز بيت لطرفة في ديوانه ٥٢ وصدره: (إِن تُنَوّ له فقد تمنعه) والبيت في الأساس والتاج واللسان ( نول). (٣) لم أهتد إليه. (٤) النسائك: جمع نسيكة وهي الذبيحة. النهاية ٤٨/٥ واللسان (نسك) .. (٥) قرأ نافع وجعفر وشيبة (الظمان) البحر المحيط ٤٦٠/٦. ١٤ باب الظاء رجلٌ ظمآنُ وامرأةً ظَمأَى. يُقالُ: ظَمِئَ يَظمأُ ظَمَاً فهو ظمآنُ. قال تعالى: ﴿ إِنَّ لكِ ألاَّ تجوعَ فيها ولا تَعْرِى وأنَّكَ لا تَظْمأُ فيها ولا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨-١١٩] نَفَى عنه أولاً الجوع والعُرْيَ، ثم ثانياً العطشَ والحرَّ. وما أحسنَ ما جاءَ على هذا النَّسقِ حسْبما بينَّاه في غيرِ هذا! قيلَ: وأصلُه من الظِّمْءٍ - بالكسرِ - وهو ما بينَ الشَّرْبَينِ. ومنه: أَظماءُ الإبلِ، هي جمعُ الظَّما. فالظُّمَأُ ما يحصَلُ من الظُّمْءِ من العطش. فصل الظاء والنون ظ ن ن : قولُه تعالى: ﴿وما هوَ على الغيبِ بِظَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] أي بمنّهم، أي أنه صادقٌ في نفسِ الأمرِ ولا عبرةَ بمن عائدَ واتَّهم. وقد تقدَّم أنه قُرئٌ ((بضَتَينٍ) ومرَّ تفسيرُه. والظنُّ إِذا كانَ بمعنى التّهمةِ تَعدِّى لواحدٍ. والظنُّ: ترجُّحُ أحدِ الطرفينِ على الآخرِ نَفياً وإثباتاً. وقد يعبّر به عن اليقينِّ والعلمِ كما يُعبِّر بالعلمِ عنه مَجازاً. قالَ الراغبُ (١): الظُنُّ ما يحصلُ عن أمارةٍ فإِذا قَويت أدَّتْ إِلى العلم، ومتى ضَعُفتْ جداً لم يَتجاوزْ حدَّ الوهْمِ. قولُه: ﴿أَلاَ يَظُنُّ أولئك﴾ [المطففين: ٤] تنبيه أن أمارات البعث ظاهرةً، وذلك نهايةٌ في ذمِّهم. قوله تعالى: ﴿الذين يَظُنُون(٢) أنهم مُلَاقُو ربِّهم﴾ [البقرة: ٤٦] أي يَتَيقُّنون(٣)؛ إِذ لا يناسِبُ حالُهم وصفَهم بظنَّ ذلك حقيقةً. وقيلَ: هو على بابه بتقديرِ مضافٍ، أي ثوابٍ ربِّهم، وهو أمرٌ مَظنونٌ إِذ لا يَقْطعون لأنفسهم بالثوابِ، وفيه نظرِ لأنَّ قولَه بعد: ﴿وَأنَّهم إليه راجعون﴾ يعكَّرُ عليه وأجيبَ بأنه يُحملُ مع المقدَّرِ على الظنِّ الحقيقيِّ مع قولهِ: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ على اليقينِ. واعتُرضُ بلزومِ الجمع بين الحقيقة والمجازِ. وأجيب بالتزامه . قولُه: ﴿وظنَّ أهلُها أنَّهم قادرون عليها﴾ [ يونس: ٢٤] تنبيه أنهم صاروا في حكم العالمِينَ لفرطِ طَمَعِهم وأَمَلِهِم. قولُه: ﴿وَظنٌ (٤) أنه الفراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أي علمَ. (١) المفردات ٥٣٩. (٢) قرأ ابن مسعود ( يعلمون ) الكشاف ١ /٦٦ . (٣) في الأشباه والنظائر ٢٠١ ((الظن في القرآن على ثلاثة وجوه: الشك واليقين والكذب)). (٤) قرأ ابن عباس (وأيقن) المحتسب ٣٤٢/٢. ١٥ باب الظاء وقيلَ: على، لأنه بَعدُ في شَكَّ. قولُه: ﴿وَظَنَّ داودُ أَنَّمَا فَتَنَاهُ﴾ [ص: ٢٤] أي علم. قوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنّاً﴾ [الجاثية: ٣٢] إنَّما أكْدوا لئلا يُتَوهّم عنهم أنهم تَجوَّرُوا بالظنِ عن العلمِ. قولُه: ﴿فظنِّ(١) أنّ لن نقدرَ عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال بعضُهم: إِنَّ: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عليهِ﴾ كقولهِ: ﴿فَقَدَرَ عليهِ رِزْقَه﴾ [الفجر: ١٦] ومن قَدَرَ عليه رزقُه فليُنْفِقْ. وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]. وعن معاوية أنه أرسلَ إِلى ابنِ عباسٍ فسألَه وقالَ: كيف يظنُّ نَبِيُّ اللهِ ذلك؟ فأجابَه بما ذُكِرَ. قولُه: ﴿وَظَنُوا أَنَّهم إِلَيْنَا لا يُرْجَعون﴾ [القصص: ٣٩] قيلَ: إِنه اسْتُعْمِلَ فيه أنَّ المُسْتَعمَلَ معَ الظُّنُّ الذي هو العلمُ تَنْبيها أنَّهم اعْتَقدوا ذلك اعتقادَهُم للشيءِ المُتَيقُنِ وإِنْ لم يكُنْ ذلك مُتَيَقِّناً. وكانَ قائلُ هذا قد قدَّم أنَّ الظنَّ إِذا قَوي أو تَصوَّرَ بصورةِ القويِّ اسْتُعمل معه أنَّ المشدَّدَةُ وأنْ المخففةُ منها، ومتى ضَعُف اسْتُعملَ معهُ أن المختصَّةُ بالمَعْدومين منَ القَوْل والفعْلِ. قلتُ: ذكرَ النحاةُ أنَّ أن المخففةَ لا تقعُ إِلا بعدَ أفعالِ اليقينِ، وأنَّ أن الناصبة لا تقعُ إِلا بعدَ أفعالِ الشكِّ، ومتى وقعَ فعلٌ مُحتملٌ للآمرين جازَ أنَّ تكونَ المخففةُ إِن جعلتْ ذلك الفعلِ ظنّاً، ويُنصبُ الفعلُ بعدَها. وقد قُرئ بالوجهين قولُه تعالى: ﴿وحَسِبوا ألاّ تكونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] وأَجمعُوا على النصبِ في قوله: ﴿أحسِبَ الناسُ أن يُتْركوا﴾ [العنكبوت: ٢] وعلى الرفعَ في قوله: ﴿أَلاَ يَرْجِعُ إليهم قَولاً﴾ [ طه: ٨٩]. قولُه: ﴿يظنون بالله غيرَ الحقِّ ظنَّ الجاهلية﴾ [آل عمران: ١٥٤] تنبيهٌ أنَّ هؤلاء المنافقينَ هُم في حزبِ الكفّارِ حيثُ شَبَّه ظنَّهم بظنُ الجاهلية. قوله: ﴿وظَنُّوا أنّهم مانِعَتُهم حُصونُهم مِنَ اللهِ﴾ [الحشر: ٢] أي اعْتَقدوا اعتقاداً كانوا منهُ في حكمِ المُسْتَيقنينَ. قولُه: ﴿الظانِّينَ بالله ظنَّ السَّوءِ﴾ [الفتح: ٦] قيلَ: هو مفسَّرٌ بما بعدَه من قوله: ﴿بل ظَنْتُم أنْ لَن يَنْقلبَ الرسولُ والمؤمنون إِلى أَهْليهم أبداً﴾ [الفتح: ١٢] بدليل قولِه تعالى بعدَه: ﴿وَظَنْتُمْ ظَنَّ السُّوءِ﴾. قوله: ﴿إِنْ يَتْبِعونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] ﴿إِنَّ الظنَّ لا يُغْني من الحقِّ شَيئاً﴾ [يونس: ٣٦]. أصلُ الظنِّ مذمومٌ إِلا ما استثناهُ الشارعُ كما هو مبينٌ في مَواضعهِ. قولُه: ﴿ اجْتَنِبوا (١) قرئت (أفظنَّ) القرطبي ١١ /٣٣٢. : ١٦ باب الظاء كثيراً من الظنِّ إِنَّ بعضَ الظنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. أمروا باجتناب الكثير منهُ حتى لا يصادفوا ذلك البعضَ منه الذي عَسى أن يقعَ فيه إِثْمٌ. وأَفهمَ أنَّ بعضه ليس بإِثم وهو ما أذنَ بالعملِ به. قال بعضُهم: إِنما جازَ استعمالُ كلٌّ من الظنِّ والعلم في موضعِ الآخرِ لعلاقةِ أنَّ كلاَّ منهُما فيه رجحانُ أحدِ الْطَّرفينِ إِمَّا جَزْماً - وهو العلمُ - وأما تردِّداً - وهو الظنُّ. فمن استعمالِ العلمِ بمعنى الظنِّ قُولُه تعالى: ﴿فإِنْ عَلِمتوهنَّ مُؤمناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إِذْ ليس الوقوفُ على الاعتقاداتِ يَقيناً. ومنَ استعمالِ العكسِ قولُه تعالى: ﴿الذين يظنُّون أنّهم مُلاقُو ربُّهم﴾ وقد تقدَّمَ، وأنشدُوا قولَ الشاعرِ، هو (( دريدٌ)): [ من الطويل] سرَاتُهُمْ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ(١) ٩٨٣- فقلتُ لَهُم: ظُنُوا بِأَلْفَي مُدَجَّجٍ أي أَيْقِنوا بهم، لأنَّ المقامَ يَقْتضي ذلك. فصل الظاء والهاء ظ ھ ر: قولُه تعالى: ﴿وإِنْ تَظاهرا (٢) عليه﴾ [التحريم: ٤] أي تعاونا. يقالُ: ظاهرتُه أي عاونْتُه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلُ الذينَ ظاهروهُم﴾ [الأحزاب: ٢٦] أي عاونُوهم. وأصلَ ذلك من الظهرِ الذي هو الجارحةُ، لأن المعاونَ يساعدُ صاحبَه بجوارحه وأقواها ظهرُه . ثم جُعلَ عبارةٌ عن كلِّ معاونةٍ وإِنْ كانتْ بغيرِ الظهرِ حتى باللسانِ. قولُه: ﴿وكانَ الكافرُ على ربِّه ظَهيراً﴾ [الفرقان: ٥٥] أي مُعيناً، يَعني أنَّه بمنزلةِ المُعينِ للشيطانِ على الرحمنِ من حيثُ طاعتهُ له وعصيانُهِ لرِّه. وقيلَ: إِنَّ مَعناهُ هينٌ أي وكانَ هَيِّناً عليه. قال أبو عبيدةً: الظَّهْرُ: المظهورُ بهِ، أي هيناً على ربِّه كالشيءٍ الذي خَلَّفْتُه من قولك: ظهرتُ بكذا أي خَلَّفْته. قولُه: ﴿واتَّخْذْتُموه وراءَكم ظهْرياً ﴾ [ صور : ٩٢] أي غیرَ مُعتدٌ بهِ ولا مُلتفتٍ إِليه، وهو ما تجعلُه بظهرِكَ فتنساهُ، وأصلُه من قولِهم: بعيرٌ ظِهْريٍّ، أي معدٌّ للركوب. (١) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ٤٧، ورواية صدر البيت في ديوانه (علانية: ظنّوا بألفي مدجج)). (٢) قرأ ابن عمرو ونافع وابن كثير وأبو جعفر (تظاهرا) الإتحاف ٤١٩ والنشر ٢١٨/٢، وقرأ عكرمة، ( تتظاهرا) وقرأأبو عمرو (تظُّهَّزا) البحر المحيط ٢٩١/٨. ١٧ باب الظاء قولُه: ﴿الذينَ يَظْهَّرون﴾ و﴿يُظاهرون (١)﴾ [المجادلة: ٢] أي يُشَبُّهون [ظهورَ] أزواجهم بظهرٍ أُمهاتِهم، فيقولون:((أنتِ عليَّ كظهرِ أمي(٢))) وكان طلاقاً في الجاهلية فغيرَّ الشارعُ حكمَه، ثم اتَّسع الفقهاءُ فيه فقالوا: أن يُشبَّه زوجته بعضو من أعضاءِ محارمه الإناث بتفصيل مذكور في كتب الفقه. وقد سماه الله تعالى: ﴿منكراً من القول وزوراً﴾ [ المجادلة: ٢] وأوجبَ به الكفارةَ العظمى التي نصَّ عليها . والظُّهورُ: ضدُّ الخَفاءِ؛ قال تعالى: ﴿وَظَهَر أمرُ اللهِ﴾[التوبة: ٤٨] أي بدا ما وعدَ اللهُ به رسوله والمؤمنين من النصرِ، وفشا دينُ الإِسلام. وأصلُ ذلك من حصولِ الشيءِ على وجه الأرض، وضدُّ بَطُنَ أي حصلَ في بُطْنانِ الأرضِ فَخْفِيَ، ثم صارَ مُستعملاً في كلِّ بارزٍ للبَصَر والبَصيرةِ. وقولُه تعالى: ﴿يَعْلمون ظاهِراً منَ الحياةِ الدُّنيا﴾ [الروم: ٧] أي يعلمون الأمورَ الدُّنيوية دونَ الأُخروية. ثم إنهم لا يعلمون مِن تلك الأمورِ إِلا ظاهِرَها دونَ باطنها. لو عَلموا ذلك لاتَّضح لهم الحقُّ وبانَ ضِدُّه. وقولُهم: علمُ الظاهرِ وعلمُ الباطنِ، يُشيرون بهما إِلى المعارف الجليّة والمعارفِ الخفيَّة وقد يُشيرون بهما إِلى العلوم الدنيوية والأخروية. قوله: ﴿ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحرِ﴾ [الروم: ٤١] أي بدا وفشا، أي ولم يَتْكِتَّمْه لكثرة مخالطتهم إِياهُ. وقيلَ: ظهورُه في البرِّ أنْ قَتل قابيلُ هابيلَ، وفي البحرِ أنْ غَصب الجَلَنْدَى سفينةَ المساكينِ (٣)، وهذا مثالٌ من الأمثلة. قولُه: ﴿وأسبغَ عليكم نَعمَه ظاهرةً وباطنةٌ ﴾ [لقمان: ٢٠] قيلَ: عَنى بالظاهرة ما تَقفون عليها من صحة الأبدانِ وإِدامةِ الأبصارِ وتقويةِ البطشِ والسعي وإِدرارِ الأرزاق السماوية والأرضية، والباطنةِ ما لا يوقَفُ عليها،وكم في الإِنسانِ من نعمةٍ لا يعرفُها، بل ولا تخطرُ بباله. قولُه: ﴿فما اسْطاعوا أن يَظْهَروهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يَعلوُهُ؛ يَعني السدَّ؛ يقالُ: ظهرَ عليه وظَهَرَه أي علاهُ، كأنه ركبَ ظهرَهُ. قالَ النابغةُ الجعديُّ: (١) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب والحسن (يظهرون)، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو جعفر وخلف وشيبة (يظاهرون) الإتحاف ٤١١ والنشر ٣٨٥/٢، وقرأ أُبي ( يتظاهرون، يتظهرون) البحر المحيط ٢٣٢/٨ . (٢) النهاية ٣ /١٦٥ واللسان (ظهر). (٣) هو قول مجاهد في تفسير ابن كثير ٤٤٥/٣، ويقصد بسفينة المساكين قوله تعالى في سورة الكهف، الآية ٧٩ (أما السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر) والجلندي: هو اسم الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً، وقيل إِن اسمه هددبن بدد. انظر تفسير ابن كثير ٣ /١٠٣ والتعريف والإعلام الورقة ٣٦. ١٨ باب الظاء [ من الطويل] ٩٨٤- بَلَغنا السماءَ مجدَنا وعَلَاءَنا وإِنّا لنرجُو فوقَ ذلك مَظهرا(١). أي مصعداً. ولمّا قالَّ الشاميون لابنِ الزُّبيرِ: يا بنَ ذَاتِ النِّطاقينِ، قالَ: إِيه والإِله، ثُمَّ أنشدَ : [من الطويل] - وتلكَ شَكَاةٌ ظاهرٌ عنكَ عارُها قلتُ: قد تمثّلَ رضيَ اللهُ بيتٍ أبي ذؤيبِ الهُدْلِيِّ، وهوَ: ٩٨٥- وعيَّرها الواصونَ أَنِّي أُحبُّها وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عِنكَ عارُها(٢). أي عالٍ ومرتفعٌ عنك لا يعلقُ بكَ. والأجلافُ إِنَّما عيَّوهُ بشيءٍ كانَ فيهِ فخِرُه لأن أمَّه أسماءَ رضيَ اللهُ عنها لما هاجَرَ رسولُ اللهِلَّهِ وصحِبَه صاحبُه أبوها أرادوا تعليقَ : سُفرةٍ كانتْ معَهم فيها بعضُ زادٍ فلم يجدوا حَيْلاً، وكان على رأسِها نطاقٌ تتقنّعُ بهِ فشرطتْه نصفينٍ تقنَّعتْ بأحدِهما وأعطتْهم الآخَرَ، فيا لَهَا من مَنْقِيَةٍ فازَ بها آلُ أبي بكر وأولادُ الزُّبِيرِ. وقد قالَها الخبيثُ الحجاجُ لما صَلَب فِلذَةَ كبدِها قالَ: يابنَ ذات النطاقين. فقالَ: لو عرفتُم ما شأنُ ذاتٍ النطاقينِ! فمن ثمَّ قالَ عبدُ اللـه لأهلِ الشام ما قالَ، وأوقعَ إِنشادهُ هذا العجز من البليغ. قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بِيَنْهُم وبينَ القُرى التي باركْنا فيها قُرى ظاهرةٌ﴾ [سبأ: ١٨]. الظاهر أنه أرادَ بظهورِها رؤيةَ المسافرينَ إِياها ونزولَهم بها ذهابا وإياباً. وقيل: هو مثلٌ لأحوالٍ مَن تقدَّمَهُم مِن أهلِّ القرى. وهذا تذكيرٌ لأهلِ مكةً؛ فإنهم كانوا يمرُّون في سيرِهم إلى الشامِ بِقُرى ثمودَ ولوطٍ، فَنيَّهَهُم على الاعتبارِ بها كما نَبَّه أهلَ سبا على ذلك. قولُه: ﴿فلا يُظْهرُ (٣) على غَيْبِهِ أَحداً﴾ [الجن: ٢٦] أي لا يُطْلعُ. قوله: ﴿لِيُظهَرَهُ على الدِّينِ كلّه﴾ [التوبة: ٣٣] يجوزُ أنْ يكونَ من الغلبة والمعاونة، أي لِيُعلِيَه على الدِّين كلّه ويُغلِّبَه أيضاً، وأنْ يكونَ من البروزِ وعدمِ الخفاءِ. قوله تعالى: ﴿وحينَ تُظْهرون﴾ (١) البيت في ديوانه ٦٨ واللسان (ظهر) والمقاصد النحوية: ١٩٣/٤. (٢) ديوان الهذليين ١ / ٢١ وانظر النهاية ١٦٥/٣. (٣) قرأ الحسن (يَظْهَرُ) البحر المحيط ٣٥٥/٨. ١٩ باب الظاء [الروم: ١٨] أي تَدْخلون في الظهيرة؛ وهي وسطُ النهارِ وشدةُ الحرُ. وقيلَ: تَصَلون الظهرَ. ويقالَ: أظهرَ وأَصبح وأَمَسى: دخلَ في هذه الأوقات. وقد جمعت الآيةُ الكريمةُ بينَ ذلك كلُّه في قولِه تعالى: ﴿فسبحانَ اللهِ حينَ تُمسون وحينَ تُصْبحون﴾ [الروم: ١٧] ﴿وله الحمدُ في السماواتِ والأرضِ وعَشِيًّ﴾ الآية [الروم: ١٨]. قوله: ﴿الذي أنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قيلَ: الظّهرُ هنا استعارةٌ. والوِزْرُ المشارُ إِليه (١): العبءُ الذي حصلَ له من تحمُّلِ النبوَّة، لا الذُّنوبِ حاشا لله. وذلك أنَّ أمرَ النُّبوةِ ثقيلٌ جداً يعجزُ عنه البشرُ من حيثُ هو بشرِّ لولا التأييدُ الإِلهِيُّ والفَيضُ الربّانيُّ حتى أطاقَها الأنبياءُ عليهم الصلاةُ والسلامُ، فقال تعالى: ﴿ألم نَشْرِحْ لَك صَدَرَكَ﴾ [ الشرح: ١] أي وسَّعناهُ لتلقّي الوحي، وألقينا عنكَ أعباءَ النبوة حتى أطقَت حَملَها. ومعنى إِنقاضِ الظهرِ أن يثقلَ بالحملِ حتى يُسمعَ له نقيضٌ - وهو الصوتُ المنضغطُ من التقاء الفقارات وتراكُبِها إِذا حُمْلَ عليها شيءٌ ثقيلٌ. وفي الحديث: (( خيرُ الصدقة ما كانَ عن ظهرِ غِنِىّ)﴾(٢) أي ظهور سعةٍ وفضلٍ. قال مَعمرٌ: قلتُ لأيوبَ: ما ظَهر غِنِىٌ؟ قالَ: عن فضل عيالٍ. وفي حديثٍ أبي موسى:((أنه كساني ثوبينٍ: ظَهرانِيًّا ومُعَقَّداً))(٣). قيل: منسوبٌ إِلَى ظَهران؛ قريةٍ بِالْبَحرين. وقيل: بل مُرِّ الظّهرانِ. والمُعَقِّدُ: بُرْدٌ من برودِ هَجْر. (١) يقصد قوله تعالى ( ورفعنا عنك وزرك) [الشرح / ٢]. (٢) أخرجه البخاري في الزكاة، (١٧) باب لا صدقة إِلا عن ظهر غنى ١٣٦٠، ١٣٦١ ومسلم في الزكاة ٠١٠٣٤ (٣) الفائق ٢ / ١٠٥ وغريب ابن الجوزي ٥٩/٢ والنهاية ١٦٧/٣. ٢٠ باب العین فصل العين والباء ع ب أ: قولُهِ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبِأُ بِكُمْ رِبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧] أي لا يَرَى لكم قَدْراً ولا وَزْناً. يقال: ما عَبَأْتُ بهِ، أي لم أقدِّرْه ولم أبالِ به ﴿لولا دعاؤُكُم﴾ [الفرقان: ٧٧] وتضرَّعكم. وأصلُه من العَبْءٍ وهو الثَّقلُ. وقيلَ: من عَبَأْتُ الطَّيبُ: هيَّاتُه. يقال: عَبَاتُ الجيشَ وعبّاتُه. والمعنى ما يُبْقِيكُم. فيجوزُ أن تكونا لغتينٍ، وأن يكون عَبَيْتُ، تَخفيفاً. قال مجاهدٌ: ما تفعلُ؟ قال أبو إسحاقَ: أيُّ وزنٍ لكم عندَه لولا توحيدُكم(١)؟ وفي الحديث: (عُبَيَّةَ الجاهلية))(٢) بضمِّ العين وكسرها؛ قيلَ: ما هيَ مُدَّخرةٌ في أنفسهم من حَمِيَّةِ الجاهليةِ. قيلَ: من العَبْءِ، وقيلَ: من العَبِ وهو النُّورُ. وأصلُّه عَبَو فِجذفَ منه ٠٠ کدمٍ. ع ب ث: قولُه تعالى: ﴿أَفَحسِيْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثَاً﴾ [المؤمنون: ١١٥] العَبَثُ: أَنْ يَخْلطَ بعملهِ لَعِباً، من قولهم: عَبَثْتُ الأَقِطَ، أي خلطتُه فهو مَعْبوثٌ وعبيثَ. ومنهِ العَوْبَثَانِيِّ، لطعامٍ مختلطٍ من سَويقٍ وتمرٍ. ع ب د: قولُه تعالى: ﴿إِياكَ نعبدُ(٣)﴾ [الفاتحة: ٥] أي نذلُّ ونخضعُ. والعُبوديةُ: إِظهارٌ التذلّلِ، والعبادةُ أبلغُ لأنها غايَةُ التذلُّلِ. ولا تليقُ إِلا بمَن له غايةُ الإِفضال کالباري تعالی. (١) التاج واللسان (عبأ) وتفسير ابن كثير ٣٤٣/٣. (٢) مسند أحمد ٣٦١/٢ والترمذي في تفسير سورة الحجرات. . (٣) قرأ زيد بن علي ویحیی پن وثاب وعبيد بن عمير (نعبد) ، وقرأ الحسن وأبو مجلز وأبو المتوكل (يُعْبَدُ) البحر المحيط ١ /٢٣.