النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب الصاد عرفُتموها بالسَّماعِ لا كما يتوهَّمه الأغتام(١) ومن لا فهم له. وقيل: أرادَ بالصورة ماخُصّ به الإِنسانُ من الهيئةِ المدركة بالبَصرِ والبصيرة، وبها فضّله على كثير من خلقه. قيلَ: وإضافته إِليه على سبيلِ المِلْك لا على سبيلِ البَعْضيَّة والتَّشبيه بل على سبيل التّشريف، كقوله تعالى: ﴿ ناقة الله ﴾ [الشمس: ١٣] وبيت الله. قوله تعالى: ﴿فصرْهُنَّ إِليك﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضمُ الصاد وكسرِها(٢) فقيلَ: لغتان بمعنى أمِلْهُنَّ؛ يقالُ: صارَه يصيرُه ويصورُه: إِذا أمالَه. وقال الأزهريُّ: من ضمَّ أراد أملْهنَّ ؛يقال: صوَرَ يصْورُ: إِذا مالَ: ومن قرأ بالكسر فيحتملُ ما تقدَّم ،وهو لغةٌ فيه. وقيلَ: بمعنى قَطَّعهنَّ ؛ فإِن الأصلَ فيه صَرَيتُ أصْري أي قطعتُ، فقُلبتْ. وقيلَ : أُصَرتُ أُصَيرُ كما يقال: عَنِيتُ أعني وغَثِيتُ أغيثُ، وغَثْتُ أغثي. قلتُ: وفي حكايتهِ صوَرَ يصْوُرُ نظرٌ من حيثُ إِنَّ مثلَه يجبُ إِعِلاله فيقالُ: صارَ يصارُ مثلُ خافَ يخافُ، إِلا أنْ يكونَ السماعُ كذلك فيُحفظُ ولا يقاسُ عليه . ويكونُ مثلَ قولِهِم: أغْيمتْ وَأَغْيلتْ. وقيلَ: من ضمَّ أرادَ: قطعهنَّ صورةً صورةً. وقال بعَضُهم: (صُرْهُنَّ) أي صِحْ بهنَّ. وحكى الخليلُ أنهُ يقالُ: عصفورٌ صَوّارٌ وهو المُجيبُ إِذا دُعيِ. وقُرئ (فصُرْهُنَّ) بضمٌ الفاء وتشديد العين؛ من الصَّرِّوهو الشدُّ. وقُرئ كذلك لكنه بكسر الفاءٍ من الصَّريرِ وهو الصوتُ؛ ومعناه: صِحْ بهنَّ. وفي الحرفِ كلامٌ أكثرَ من هذا، ذكرتُه في ((الدرّ)) وغيرِهِ. ولاشكَّ أن المادةَ تدلُّ على القطعِ والانفصالِ ومنهُ الصِّوارُ: قَطيعُ البقر، والجمعُ صِيرانٌ. ومنه قولُ امرىء القيس: [ من الطويل] ٩٠٥ - تَرى بَعَرَ الصِّيران في عَرَصاتِها وقيعانِها كأنَّهُ حَبُّ فلْفل (٣) وذلك نحو الصِّرِمةِ والقطعةِ والفرقة وسائر أسماء الجماعةِ المُعتبر فيها معنى القَطْع وقال أبو عبيدةً: صُرهنَّ - بالضم -: قَطْعهنَّ. واحتجّ بقولِ الخنساءِ: [من البسيط ] ٩٠٦ - لَظَلَّتِ الشُّهبُ منها وهْيَ تَنْصَارُ (٤) (١) الأغتم: من لا يفصح في كلامه (اللسان: غتم). (٢) قرأ حمزة ويزيد وخلف وابن عباس وطلحة وقتادة وعلقمة وأبو جعفر وابن وثاب والأعمش (فصرهن)، وقرأ ابن عباس وعكرمة (قصرهن)، (فصرهن) البحر المحيط ٢ /٣٠٠ والقرطبي ٣١١/٣ وقرأ ابن عباس ( فصرهن) القرطبي ٣١١/٣. (٣) هي رواية ابن النحاس في شرح القصائد التسع ١ / ١٠١، ورواية الديوان ٨ (ترى بعر الآرام .. ) (٤) عجز بيت ورد في اللسان والتاج (صور) ونسبه في العباب إلى الخنساء بنت زهير بن أبي سلمى= ٣٦٢ باب الصاد أي تتصدَّعُ وتَتقطّعُ. وفي حديثٍ مُجاهد ((كرِهَ أنْ يَصُورَ شَجرةً مُثمرةً))(١) أرادَ قطعَها أو إِمالتَها أنه يُؤذيها. وفي حديثٍ عكرمة: (( حَمَلةُ العرشِ كِلُّهم صُورٌ))(٢) أي جمعُ أصْوَر وهو المائلُ العنقِ يعني من الهَيبةَ. ص وع: قوله تعالى: ﴿نَفْقِدُ صُواعَ (٣) المَلِكِ﴾ [ يوسف: ٧٢] هو الصاعُ الذِي يُكالُ به. وفي التفسيرِ: هو إِنَاءٌ مُستطيلٌ يُشبه المكوكَ، كان يشربُ فيه الملكُ يُشبهُ الطَاسَةَ والطَّرْجهارة. وعن الحسن الصاعُ والسقاية شيءٌ واحدْ يُذكَّرُ ويونَّثُ فِقال: ﴿لِمَنْ جاءَ بِهِ﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿ ثم استخرَجَها﴾ [يوسف: ٧٦] وذلك على الذهاب به مذهب الصاعِ مرةً والسقايةِ أخرى. وفي الحديث: ((صاعُ بُرُّ بصاعٍ تَمرٍ))(٤) والصاعُ: المُطَيِّنُ من الأرض وأنشدَ للمسيَّب بنِ عَلسٍ [من الكامل] ٩٠٧ - مَرِحَت يَداها للنَّجاءِ كأنَّمَا تَكْرُو بكفَّيْ لاعبٍ فِي صَاعٍ(٥) وقيل: الصاعُ في البيت بمعنى الأول وهو يُلعب به مع كرة. نقلَه الراغبُ (٦) وتَصَوَّعَ الشَّعَرُ والنَّبتُ: هَاجَ وتفرَّقَ، والكميِّ يَصُوعُ أقرانه، أي یفرِّقهم. وفي حديث سلمانَ: ((صوّعَ به فرسُه))(٢) أي جَمْحَ به؛ من صوَّع الطائر رأسه، أي حرّكه حركةٌ شديدةً. ص وغ: قُرِىءَ في الشاذِّ(صُوَاغَ) بالعين المعجمة(٨) سُميَ بذلك ذهاباً إِلَى أنْهِ مَصُوٌ من = وصدره: (فلو يلاقي الذي لاقيته حَضَنُ). (١) غريب ابن الجوزي ٦١٠٨/١ والنهاية ٣ / ٦٠ والفائق ٤٤/٢. (٢) غريب ابن الجوزي ١ /٦/٠٨ والنهاية ٦٠/٣. (٣) قرأ مجاهد وأبو هريرة (صاعَ) وقرأ أبو رجاء (صَوْعَ) وقرأ عبد الله بن عون وأبيّ (صُوع) وقرأ ابن جبير (صُياع) وقرأ أبو حيوة والحسن وابن جبير (صواع) البحر المحيط ٥/ ٣٣٠ والقرطبي ٢٣٠/٩. (٤) أخرجه مسلم في الزكاة ٩٨٤. (٥) البيت في اللسان والأساس (صوع). (٦ ) المفردات ٤٩٩. (٧) الفائق ٢ / ٤٣ والنهاية ٣ /٦٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٦٠٩. (٨) هي قراءة الحسن وابن جبير، وقرأ أبو رجاء وأبو الأشعث ويحيى بن يعمر وزيد بن علي (صَوْغَ)، وقرأ يحيى بن يعمر (صُوغ) البحر المحيط٥ / ٣٣١. ٣٦٣ باب الصاد ذهب ويُعبَّر بالصوّاغِ عن الكذّابِ؛ يقالُ: صاغ قولَه يصوغُ صياغةً فهو صوّاغ، وذلك لأن الكاذبَ يُحسنُ كلامَه وينمِقُه ليروجَ كما أنَّ الصائغُ يُحسنُ بصياغته الأشياءَ . ومنه حديثُ أبي هريرة وقد قيل: إِنَّه خرجَ الدجّالُ فقال: ((كَذْبةٌ كذبها الصوّاغون))(١) أي الكذابون . ص وف: قولُه تعالى: ﴿ومن أصوافُها وأوبارِها وأشعارِها﴾ [النحل: ٨٠] الأصواف: جمع صوفٍ واحدتُه صوفةٌ. وهو معروفٌ. قيلَ: عدَّد عليهم نعمَه بما جَعلَ لهم من الأنعام غير ما يأكلونه ويشربونه وينتفعون به في سيرهم وحملٍ أثقالهم ما يكون لهم لباساً يقيهم الحرّ والبردَ، وهو من الأنواع الثلاثة: الضأنِ والمعزِ والإِبلِ، فالأصواف من الضأنِ وهو مختصٌ بها، والأوبارُ من الإِبل وهو مختصّ بها، والأشعار من المعز. ولم يُذكرْ للبقرِ شعرٌ يُنتفعُ به في ذلك . وقولُهم: ((أخذَ بصوفةٍ قَفاهُ)) كنايةٌ عن التمكِّن منه . وأرادوا شَعرَه الثابتَ في قفاهُ. فاستعاروا ذلك. وكبشٌ صافٍ وصائفٌ وأصْوَف: كثيرُ الصوفِ. وصافٍ مقلوبٌ من صائفٍ كهارٍ من هائرٍ. قال الراغبُ (٢) والصوفةُ: قومٌ كانوا يخدُمون الكعبةَ، فقيلَ: سُمُوا بذلك لأنهم تَشَّكوا بها كتَشّكِ الصوفِ بما يثبتُ عليه . والصَّوفانُ: نبتٌ أزغبُ. قالَ: والصوفيُّ قيلَ: منسوبٌ إِلى لبسِهَ الصوفّ. وقيلَ: منسوبٌ إِلى الصُّوفَةِ الذين كانوا يخدمون الكعبة لاشتغالهم بالعبادة، وقيل: منسوبٌ إِلى الصُّوفانِ الذي هو نبتٌ، لاقتصارهم في الطّعم على ما يَجري مَجرى الصُّوفانِ في قلةِ العَناءِ في الغذاءِ. ص وم: قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عليكم الصَّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] مصدرٌ كالصَّوم وهو لغةٌ الإِمساكُ مُطلقاً سواءً كان المُمسكُ عنه مَطعماً أو مَشرباً أو كلاماً أو مشياً ، سواءٌ صدرَ ذلك من حيوان أو غيره. ومنه: صامتِ الشمسُ: إِذا بلغتْ كبدَ السماءِ، فلم تجرٍ تَوهموا إِمساكها عن السَّير. وصامتِ الفرسُ: أمسكتْ عن الجري أو العَلفِ. وأنشدَ: [ من البسيط ] (١) الفائق ٢ /١١ والنهاية ٦١/٣ ( ٢ ) المفردات ٤٩٩. ٣٦٤ باب الصاد ٩٠٨ - خَيْلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحتَ العَجاجِ وأخرى تعْلُكُ اللُّجما(١) ومصام الفرسِ ومصامتهُ: موقفُه ، ومنه قيلَ للريحِ إِذا رَكدتْ: صَوْمٌ . وقيلَ في قولُه. تعالى: ﴿إِنِي نَذرتُ للرحمِنِ صَوْماً(٢)﴾ [ مريم: ٢٦] أي إِمساكاً بدليل قوله: ﴿فلن : أُكلِّمَ اليومَ إِنسياً﴾. وأمّا الصومُ شرعاً: فإِمساكُ جميعِ النهارِ من طلوع الفجر إلى غروبٍ الشمسِ بشرائطَ مذكورةٍ في غيرِ هذا. فصل الصاد والياء ص ی ب : قوله تعالى: ﴿حيث أصابَ﴾ [ص: ٣٦] قد أدخله الراغبُ في هذه المادة والظاهرُ أنه من ذوات الواو. وقد تقدَّم تفسيرُه في مادةِ (ص وب) وأنَّه بمعنى أراد . ص ي ح : قولُه تعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمْ الصَّيحةُ﴾ [الحج: ٨٣] هي الصوتُ الشديدُ، إِما من مَلك، كصيحةٍ جبريلَ بأهلِ أَنطاكيةَ فماتوا وإليه الإِشارةُ بقوله: ﴿إِنْ كانَتْ إِلا صيحةٌ(٣) واحدةٌ﴾ [يس: ٢٩]. وإما من رعدٍ، وإِما من ريحٍ، وإِما من غيرِ ذلك. قوله: ﴿يومَ يَسْمعون الصِّيحةَ بالحقِّ﴾ [ق: ٤٢] أي النفخَ في الصُّور. والظاهرُ أنها النداءُ من المَلك للعالم: يا أيُّها الناسُ قَوُموا لُربِّ العالمين فيسمعُه كلّ أحد. وهذه عبارتهُ عن النفخةِ الثانيةِ. قال بعضُهم: وأصلُه تُشقيقُ الصوتِ من قولهم: انصاحَ الخشبُ والثوبُ: إِذا انشقَّ فسُمع منه صوتٌ. وصِيحَ الُوبُ كذلك. ويقالُ: بأرضِ زيدٍ شجرٌ قد صاحَ: عبارةٌ عن طولهِ أي من نفسهِ للناظرِ كمَا بَّنها من دلَّ على نفسِهِ بصياحهِ . ولما كانتِ الصيحةُ تفزعُ سامعَها عُبْر بها عن الفزعِ. ومنه قوله: ﴿فأخذتَهم الصَّحةُ مُشْرِقِين﴾ [الحجر: ٧٣] وصيحَ بفلانٍ أي فرعَ وأنشدَ لامرىء القيس: [من الطويل] (١) البيت في ديوانه ٢٤٠. (٢) قرأ زيد بن علي (صياماً)، وقرأ أنس بن مالك وابن مسعود (صَمْتاً) البحر المحيط ٦ /١٨٥، وقرأ أبي ابن كعب وأنس بن مالك (صَوْماً صَمْتاً)، وقرأ أنس بن مالك (صَوماً وصَمْناً) القرطبي ١٩٨/١١. (٣) قرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود (زَقْيَةً واحدةً) المحتسب ٢ /٢٠٦. ٣٦٥ باب الصاد ٩٠٩-فدَعْ عنكَ نَهباً صِيحَ في حُجُرَاتِهِ ولكن حديثاً ما حديثُ الرَّواحل(١) ويقالُ: صاحَ فلانٌ في مالٍ فلانٍ: إِذا أهلكه ص ي د: قولُه تعالى: ﴿لا تَقْتلوا الصَّيدَ﴾ [المائدة: ٩٥] أي الوحشَ المصيدَ، فعُبِرٍّ عنه بالمصدر نحو: درهمٌ ضربُ الأمير. قالَ الهرويُّ: هو اسمُ المَصيد ماكان مُمتنعاً ولم يكن له مالكٌ وكان حَلالاً أكلُه. فإِذا اجتمعتْ فيه هذه الحلالُ فهو صيدٌ. وقال الراغبُ: (٢) الصيدُ مصدرُ صادَ وهو تناولُ ما يُظفرُ بهِ ممّا كان ممتنعاً، وفي الشرعِ تناولُ الحيوانات المُمتنعة ممّا لم يكن مَملوكاً. والمُتناوَلُ منه ما كان حَلالاً. قال: وقد سُمي الصِّيْدُ صَيداً بقوله: ﴿أُحِلَّ لكم صَيدُ البحرِ وطعامُه ﴾ [المائدةُ: ٩٦]. وأما الصَّيدُ المَنهيّ عنه المُحْرِمُ فما كان مأكولاً أو إِحدى أصليه ماكولاً؛ قال الراغبُ(٣): الصيدُ في هذه المواضعُ مُختصٌّ بما يؤكَلُ لحمُه فيما قالَ الفقهاءُ بدلالةِ ما رُوي: ((خمسٌ يقتُلهنَّ [المُحرمُ] في الحلِّ والحَرَم: الحيةُ والعقربُ والفأرةُ والكلبُ العَقورُ والذئبُ))(٤) والأصيدُ: مَن عُنقُه مائلٌ والجمعُ صيدٌ، وعُبِر عن المُتَكِّرِ بما تقدّمَ في الصِّعر . والصَّيدانُ: بِرامُ الأحجارِ؛ وأنشدَ: [من الطويل] ٩١٠ - وسُودٍ من الصَّيْدانِ فيها مَذانبُ(٥) ويقالُ فيه صادٌّ أيضاً، وأنشدَ : [ من الطويل] ٩١١ - رأيتَ قدورَ الصَّادِ حولَ بُيوتنا(٩) (١) ديوانه ٩٤ . (٢) المفردات ٤٩٧. (٣) المفردات ٤٩٧ . (٤) أخرجه مسلم في الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله ١١٩٨ ومسند أحمد ٣٣/٦. (٥) صدر بيت لأبي ذؤيب في ديوان الهذليين ٢٧/١ وعجزه (نُضارٌ إِذا لم نستفدها نعارها) والبيت في اللسان (صيد ٢٦٢/٣) وفيه ((قال ابن بري: ((يروى هذا البيت يفتح الصاد من (الصيدان) وكسرها، فمن فتحها جعل الصَّيدان جمع صيدانه فيكون من باب تمر وتمرة . ومن كسرها جعلها جمع صاد للنحاس ، ويكون صادَوصيدانٌ بمنزلة تاج وتيجان. وقوله: فيها مذانب نُضارٌ، يريد: فيها مغارف معمولة من النضار وهو شجر معروف اللسان -مادة صيد ) وشرحها في الديوان: القدور. (٦) صدر بيت لحسان في ديوانه ٤٢٦ وعجزه: (قنابل دهماً في المحلّة صُيّما.) ٣٦٦ باب الصاد والصادُ أيضاً بمعنى الأصْيد. وفي الحديث: ((كما يُذادُ البعيرُ الصَّادُ))(١) قال ابنُ السُّكيت: هو داءٌ يصيبُ الإِبلَ تَسيلُ منه أنوفُها وتَسمو رؤوسُها. ص ي ر : قولُه تعالى: ﴿فَصِرْهُنَّ إِليك﴾ قد تقدَّمَ أنه لغةٌ في صارَ يَصورُ، بمعنى الإمالةِ أو القطعِ. قِيلَ: وأصلُه من الصِّيرِ وهو الشقِّ وفي الحديث: ((من اطلعَ من صيرِ بانٍ))(٢) أي من شَقُّه. والشَّقِّ والقَطعُ يتقاربان. والصيرُ أيضاً: الصَّحْنَاةُ؛ وقد فُسِّر به الحديثُ: ((أنه عليه الصلاةُ والسلامُ مرَّ بصيرٍ فذاقَ منه»(٣) ولما قالَ المثَّنى بن حارثةً: ((إِنَا نَزَلِنا بين. الصّيرينِ: اليمامة والسَّمامة. قالَ له رسولُ الله عَله: ما هذانِ الصِّيران؟ مياهُ العرب ومياهُ. كسرى(}) والصيرُ [الماءُ] الذي يحضرُه الناسُ؛ صارَ القومُ الماءَ: حَضَروُهُ. وأنشدَ الأعشى: [من المتقارب] ٩١٢ - وَرَوْضَ التَّنَاصُب حتى تَصيرا(٥) وصارَ إِلى كذا: انْتهى إِليهِ، قوله تعالى: ﴿إِليهِ المَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] كقوله: ﴿وأنَّ إلى ربِّك المُنْتَهِى﴾ [النجم: ٤٢] ومنه: صر البابَ لمصيره الذي يَنْتِهي إِليه في تنقّلِهِ وتحرُكه. وصارَ من الأفعال الناقصة ككان يدلُّ على تحوّل الموصوف من صقةٍ إِلى: أخرى، كقولك: صارَ الطينُ خَزَفاً. ومصدرُها الصيرورةُ مثلُ الكينونةِ، والأصلُ صَرُّورة. و کنونة . وقد مرَّذلك في باب ألباء. ص ي ص: قولُه تعالى: ﴿من صِيَّاصِيهم﴾ [الأحزاب: ٢٦] هو جمعُ صِيصَةَ وهي الحصنُ. وكلُّ ما يُتحصَّن به ويُمتنعُ فهو صِيصَةٌ. وبهذا الاعتبارِ قيلَ لقرنِ البقرِ صيصةٌ ولشوكة الديكِ التي في رجلهِ بها صِيصيةٌ. وفي الحديث، وقد ذكر فتنةٌ، فقال: ((كأنَّها صَياصي: (١) الفائق ٢ / ٤٧ وغريب ابن الجوزي ١ / ٦١٠ والنهاية ٦٥/٣. (٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٦١١ والنهاية ٣ /٦٦. :(٣) غريب ابن الجوزي ١ / ٦١١ والنهاية ٣ /٦٦ وهو من حديث ابن عمر .. (٤ ) الفائق ١ / ٥٩٠ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١١ والنهاية ٦٦/٣. .(٥) عجز بيت للأعشى في ديوانه ١٤٣ وصدره: (بما قد تربَّعْ روض القطا.) ٣٦٧ باب الصاد بَقَرٍ))(١) شَبهها به في الشَّدةِ وصعوبةِ الأمر، وقالَ أبو هريرةً في أصحاب الدجّال: (( شواربُهم كالصَّياصي))(٢) يعني في الطولِ كقرون البقرة مما يوفرونَها. ص ي ف: قولُه تعالى: ﴿رحلةَ الشتاء والصيفِ﴾ [قريش: ٢] كانت قريشٌ يرحلون رحلتين واحدةً في الشتاءِ إِلى اليمن وأخرى في الصيفِ إِلى الشامِ. ولعمري لقد أصابوا حيثُ جعلوا هذا الفصلَ الحارَّ في هذا الإقليم البارد وبالعكس، فامتنَّ الله عليهم بذلك بأن أمَّنهم في هاتينِ الرحلتين. والصيفُ هو الفصلُ المقابلُ للشتاءِ . وما قربَ منه وهوَ الربيعُ. وإِنْ كان ابنُ قتيبةَ غَلّط الناسَ فيه وسمَّاهُ الخريَفَ. وليس المرادُ فصلَ الشتاءِ وحدَه، وهو نزولُ الشمسِ في الجديِ والدلوِ والحوتِ، ولا فصل الصيفِ وحدَه، وهو نزولُ الشمس الأسدَ والسَّرطان والسُّنبلةَ، وإنما المرادُ - واللهُ أعلمُ - ماذكرتُه. وصافوا: حَصَلوا في الصيف. وأصافَوا: دَخلوا فيه، والمطر الآتي فيه صَيفيَّ، كالآتي في الربيعِ رَبْعِيٌّ. وفي الحديث: ((فصافَ عنه))(٢) أي عدلَ، من صافَ السهمُ: إِذا لم يُصبِ الرميَّةَ. (١) مسند أحمد ١٠٩/٤، ٣٣/٥ والفائق ٤٦/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١١ والنهاية ٦٧/٣. (٢) الفائق ٢ /٤٦ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١٢ والنهاية ٣ /٦٧ ((يعني أنهم أطالوها وفتلوها حتى صارت كأنها قرون بقر» (٣) الفائق ٤٧/٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٦١٢ والنهاية ٦٧/٣، وهو من حديث أنس في بدر. ٣٦٨ باب الضاد فصل الضادوالهمزة ض أن: قولُه تعالى: ﴿من الضأن اثنينِ﴾ الضأنُ من الغنمِ معروفٌ يقابلُ المعزَ وهو جمعُ ضائنٍ مثلُ: تاجرٍ وتَجْرٍ، وصاحبٍ وصحبٍ. وقيلَ: الواحدةُ ضائنةٌ ،وسيأتي له مزيدُ بيانٍ في بابٍ الميم عند ذكرِ المعز، وأضْأنَ الرجلُ: كثُرِ ضأنُه .. فصل الضاد والباء ض ب ح: : قولُه تعالى: ﴿والعاديَاتِ ضَبْحاً﴾ هو خفَّةُ العَدْوِ. وقيلَ: هو كالضَّبْع وهو مدُّ الضَّبع في السَّيْرِ فكأنه أبدلَ من العينِ حاءٌّ. وقيلَ: هو صوتُ أنفاسِ الفَرَسِ تشبيهاً بالضِّبْح والضُّباح، وهو صوتُ الثعلبِ قيلَ : والضَّبْحُ مختصٍّ من الحيوان بجنسينِ: الفرسِ والثعلب وهو مشكلٌ بحكاية مطولةٍ مختصرُها أنهَ ابنَ عباسٍ سُئل عن ذلك وهو في الحجرِ ففسَّرِها بالخيْلِ فقيلَ لعليٌّ فدعاني وقال لي: ((تفتي الناسَ بما لا علمَ لك؟ واللهِ إِنْ كانت لأول غزوةٍ في الإِسلام بدرٌ، ولم يكُن معنا إِلا فَرَسان)) (١) العادياتُ: الإِبل من عرفة إِلى مزدلفةَ، ومن مزدلفة إِلى مِنِّى. قال بعضُهم: إِنْ صحَّ هذا فالضَّبِحُ للإِبلِ استعارةٌ كاستعارة الحافرِ والمشافرِ للإِنسان، وقد أوضحتُها في ((الدرُّ)). وقيلَ: أصلُه إِحراقُ العُودِ؛ شُبِه عَدْوُها به لشبهها بالنارِ في حركتها وسرعتها. والمرادُ خيلُ الغزاة أقسمَ بها لشرفها. وقد سئل ابنُ عباسٍ عن ذلك فقال: هي الخيلُ، وحكاهُ فقال: اح اح. وأنشدَ لعنترةَ: [من مجزوء الكامل ] ٩١٣ - والخيلُ تَعْلَمُ حينَ تَضْ بَحُ في حياضِ المُوتِ ضَبْحَا (٢) (١) ورد الخبر في تفسير ابن كثير ٤ /٥٧٩ وتتمته (( .. إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً!؟ إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران» (٢) البيت في اللسان والتاج (ضبخ) ولم أجده في ديوانه. ٣٦٩ باب الضاد قلتُ: وبهذا البيت يُتُضح ما قالَ ابنُ عباسٍ. فصل الضاد والجيم ض جع: قولُه تعالى: ﴿تَتَجافى جنوبُهم عنِ المَضاجعِ﴾ [السجدة: ١٦ ]جمعُ مَضجع، وهو موضعُ الاضطجاع أي النوم على الجنْب. وصفَهم بكثرة العبادة ليلاً كقوله﴿ كانوا قليلاً من الليلِ ما يُهْجعون﴾ [الذاريات: ١٧]. قولُه: ﴿وَاهْجُروهنَّ في المضاجعِ(١)﴾ [النساء: ٣٤] أي المراقد. ويقالُ: أضجعه يُضْجِعْه أي أمالَه. واضطجعَ أي افتعلَ فقُلبت التاءُ طاءٌ لحرف الإِطباق. وشدَّ إِدغامُه فقيل: الْطجُع(٢) وأنشدَ: [من الرجز]. ٩١٤ - لمّا رأى أنْ لا دَعَهْ ولاشِبَعْ مالَ إِلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فَالْطَجِعْ (٢) وقال الأعشى: [من البسيط ] ٩١٥ - عليك مثلُ الذي صَلَّيتُ فاغْتمضي يوماً فإِنَّ لجنبِ المرءِ مُضطجعا (٤) ويُروى مُلْطجعا ومُصْطرعا. والضَّجيعُ بمعنى المُضاجع، كالخليط والجليس بمعنى المخالط والمجالس والضجعةُ المرَّةُ، والضّجعةُ الهيئة. فصل الضاد والحاء قولُه تعالى: ﴿فاليومَ الذين آمنوا من الكفارِ يَضحكون﴾ [المطففين: ٣٤] ض ح ك : (١) قرأ ابن مسعود والنخعي والمطوعي (المضجع) الإتحاف ١٩٠ والبحر المحيط ٢٤٢/٣. (٢) الخصائص ٣ /٣٥٠/٢،١٦٣. (٣) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وينسب إلى أمه فيقال: منظور بن حبة الأسدي، والرجز له في تهذيب إصلاح المنطق ٢٤٥ والمقاصد النحوية ٤ /٥٨٤، والرجز بلا نسبة في معاني الفراء ٣٨٨/١ والخصائص ٦٣/١، ٢٦٣، والمخصص ٢٤/٨ والمحتسب ١٢٤/١ واللسان والصحاح (أبز، صدع، ضجع) (٤) ديوانه ١٥١. ٣٧٠ باب الضاد ضحگھم کنایةٌ عن السخرية والحقارة لهم ،وذلك أنهم كانوا في الدنیا على العكس، وشتانَ ما بينَ السُّخريتين. والضَّحِكُ أصلُه انبساطُ الوجه وتكشّرُ الأسنان لسرورِ النفسِ وانشراحها. ولظهورِ بعضِ الأسنان عندَه سُميتْ مقدماتُ الأسنان ضواحكَ، ثم استغير للسخرية المجردَّة كما تقدم. يقالُ: رجلٌ ضُحَكة - بفتح العين -: إِذا أكثر الضحكَ من غيرِهٍ وبسكونها لمن يُضحكُ منه . وقد يُستعملُ في السرورِ المجرَّدِ ومنهُ قولُه تعالى: ﴿ مُسفرةٌ ضاحكةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] واستعمالُه في الأناسيُّ على استعارةِ التخييلِ وهو في الحيوان أقربُ . وأنشدَ: [ من الرمل] ٩١٦ - تضحكُ الضَّبْعُ [لقتلى هُذيلٍ] وترِى الذئبَ لها يَستَهلُّ (١) وذلك كنايةٌ عن قلَّةٍ غنائهم، وأنهم ليسوا أبناءَ ضربٍ لأنَّ الضَّبع والذئبَ اعتادا الا كلَ منهم في المعركة وقد استُعر ذلك في الجماد. وأنشدَ للأعشى: [من البسيط ] ٩١٧ - يُضاحكُ الشمسُ منها كوكبٌ شَرِقٌ مؤزَّرْ بِعَمِيمِ النَّبَتِ مُكتَهلُ(٢) سمَّي تلالؤها ضَحِكاً. وضحكَ الغديرُ: تلالا من امتلائه. وطريقٌ ضَحوكٌ، أي واضحٌ ضدُّ العَبوس للطامسِ الإِعلام، واستُعير أيضاً لمجرد التعجب لأنه مسبّبٌ عنه غالبا .. وهذا قصدُ من قال: الضحكُ مختصِّ بالإِنسان. وأما بإسناده إِلى الله تعالى في قوله عليه السلام: ((ضحك الله))(٣) فاستعارةٌ لرضاهُ. قوله تعالى: ﴿فضحكتْ﴾ [ هود: ٧١] هو على بابه فعلتْ ذلك سُروراً بالولد وقيل: بل حاضت. قال بعضُهم مُحققاً لذلك : وضحكُها كان للتعجب، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لشيّ عجيبٌ ﴾ [ هود: ٧٢] وقولُ من قالَ: حاضتْ فليس ذلك تفسيراً لقوله: ضحكتْ كما تصوّره بعض المفسرين فقال ضحكتْ بمعنى حاضتْ. وإِنما ذكر ذلك تنصيصا لحالها فإِنه جعل ذلك. (١) البيت لتأبط شراً في ديوانه ٢٥٠. واللسان (ضحك). (٢) البيت في ديوانه ١٠٧. (٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، (٤٠) باب قول الله ((ويؤثرون على أنفسهم)) ٣٥٨٧، ومسلم. في الأشربة، باب إكرام الضيف ٢٠٥٤ . ٣٧١ باب الضاد أمارةٌ لما بُشِّرتْ به فحاضتْ في الوقتِ لِيُعلمَ أنَّ حملها ليس مُنكرا إِذا كانت المرأةُ مادامتْ تحيضُ فإِنها مَظنةُ الحَبلِ . قلتُ: الصائرُ لذلك مجاهدُ بنُ جبريلَ تلميذُ ابن عباسٍ. وحكي: حاضتِ الأرنبُ وضحكتْ بمعنى والأضحوكة كالأعجوبة. ض ح ر: قولُه تعالى: ﴿والضَّحَى﴾ [الضحى: ١] هو امتدادُ الشمس وقيلَ: امتدادُ النهارِ، وهما متلازمان. وقوله تعالى: ﴿وأخْرَجَ ضُحاها﴾ [النازعات: ٢٩] ﴿والشمس وضُحاها﴾ [الشمس: ١] أي ضوءها ونورها. و﴿الضُّحى﴾ بالضم مقصورٌ؛ قال الهروي وإِذا فتحت مُدّدَتْ، وظاهره أنهما بمعنّى. والضِّحاءُ فوق الضُّحى. وقال الراغب (١): الضَّحاء كالغداء: وهو الطعامُ المأكولُ في وقتِ الضُّحى، كما أن الغداءَ الطعامُ المأكولُ وقتَ الغداةِ. ويقالُ: ليلة إِضْحيانَةٌ وإِضْحيانٌ وضَحْيانةٌ وضحياءُ، أي مضيئةٌ كإضاءة الضُّحى . ويومٌ إِضحيانٌ أيضاً وضَحْيانٌ: لا غيمَ فيهِ. قولُه: ﴿وَأَنْ يُحِشَرَ الناسُ ضُحىٌ﴾ [طه: ٥٩] إِنّما قالَ ذلك وثوقاً بنصر الله له، فوعَدَ هم في وقتٍ ظاهرٍ لكلِّ أحدٍ وهو وقتُ نشاط أيضاً. والضحى مؤنثةٌ؛ يقالُ: ارتفعت الضُّحى، وكتابتها بالياء لأجلِ إِمالتها وإِمالتها لأجل تواليها. وتُصفَّر على الضّحيِّ، وكان حقَّها أن تؤنَّثَ كقديدة إِلا أنها شَذَّت شُدُوذَ فُويس وعُريبٍ في أخواتٍ لها. قوله: ﴿وَلا تَضْحِى﴾ [طه: ١١٩] أي لا تَبُرزُ للضُّحى. وحقيقتُه أنه مصونٌ من الشمسِ وهو أمرٌ يُبتغى عند العرب لحرٌ بلادهم. والأضْحیةُ: ما يُضَّحى به أي يُذبح. وسُميت بذلك شرعاً لذَبحها وقتَ الضُّحى. قالَ بعضُهم(٢): تسميتُها بذلك في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ذبح قبل صلاتنا هذه فليُعِدْ))(٢) والجمعُ أضاحٍ وضَحيّة وضحايا وأضْحاة وأضْحى والضَّواحي: النَّواحي البارزةُ، الواحدةُ ضاحية وضاحيةُ كلِّ شيءٍ ناحيتُه البارزةُ. (١) المفردات ٥٠٢. (٢) المفردات ٥٠٢. (٣) أخرجه البخاري في العيدين (٥) باب الأكل يوم النحر ٩١١، وفي الأضاحي، (١٢) باب من ذبح قبل الصلاة ٥٢٤١، ٥٢٤٢، ومسلم في الاضاحي، باب وقتها ١٩٦٢. ٣٧٢٠ باب الضاد. فصل الضاد والدال ض د د: قولُه تعالى: ﴿ويكونون عليهم ضِداً﴾ [مريم: ٨٢]. أي عوناً. يشيرُ إِلى أنّهم عُكستْ عليهم أغراضُهم وذلك أنهم قالوا: إِنما عَبدْناهم ليكونوا شُفعاءَ لنا فما نعبدُهم إِلا : ليقرِّبُونا إِلى الله زلفى، فجاؤوا يومَ القيامةِ لِما رجَوهُ منهم وأكذبوهم. وكانت الأصنامُ وقوداً عليهم وهي الحجارةُ في قولِه تعالى: ﴿وَقُودُها الناسُ والحجارةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. ومن علامة الضَّدِّين ألا يجتمعا ، وقد يَرتفعانِ كالسَّواد والبياضِ، والحركة والسكون. والنَّقيضان : ما لا يجتمعان ولا يَرتفعان كالسلبِ والإِيجاب. وقال بعضُهم (١) الضدّان: الشيئان اللذان تحتَ جنس واحدٍ. وينافي كلِّ واحدٍ منهما الآخر في أوصافه الخاصَّة. وبينهما أبعدُ البُعدِ كالسَّوادِ والبياضِ، والخير والشرِّ. وما لم يكونا تحت جنسٍ واحدٍ لا يقالُ لهما الضدّان كالحلاوةِ والحركةِ . قالوا (٢): والضدُّ هو أحدُ المُتماثلات؛ فإِنَّ المتقابلين هما الشيئان المختلفان اللذان كلُّ واحدٍ منهما قُبالةَ الآخر، ولا يجتمعانِ في شيءٍ في وقتٍ واحدٍ، وذلك أربعةُ أشياءً : الضدّان كالسوادِ والبياضِ، والمتُضايفان كالضَّعفِ والنِّصفِ والوجود والعدمِ كالبصر والعَمى والمُوجبة والسالبة في الأخبار، نحوُ: كلٌّ إِنسانٍ هَهُنا وكثيرٌ من المتكلمينَ وأهلِ اللغة يجعلون ذلك من المُضادات، ويقولون: الضدان: ما لا يَصِحِّ اجتماعُهما في محلٌ واحدٍ. وقيلَ: اللهُ تعالى لاضِدَّ له ولا نِدَّ؛ لأن الندَّ هوالاشتراكُ في الجوهرِ ؛ والضدَّ، وهو: أن يتعاقبَ الشيئان المتنافيان على جنس واحدٍ واللهُ تعالى مُنَزَّةٌ عن أن يكون له جوهٌ، فإِذاً لا ضدَّ له ولا نِدَّ. وقولُه: ﴿ويكونون عليهم ضِداً﴾ وَحَّدَهَ وإِن كان خبراً عن جمعٍ، لأن الأخفش حكى فيه أن يكون واحداً وجمعاً. وقالَ الفراءُ: معناه عوناً فلذلك وُحِّد . قلتُ: كأنه يَنحو به نحوَ المصادرِ، والمصادرُ تُوُجَّدُ في المشهورِ وأحسنُ ما فُسرتْ به الآيةُ: أي یکونون منافین لهم. - (١) المفردات ٥٠٣. ( ٢) المفردات ٥٠٣. ٣٧٣ باب الضاد فصل الضاد والراء ض رب : قولُه تعالى: ﴿أَن اضربْ بعصاكَ ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. الضربُ: إِيقاعُ جسم على جسمٍ قصداً للتأليم والإِيلام وقال بعضُهم: الضربُ: إِيقاعُ شيءٍ على شيءٍ؛ وهو أعمّ من الأول. قال(١): ولتَصوَّرِ اختلاف الضربِ خولفَ بين تفاسيرِها كضربِ الشيءٍ باليد وبالعصا والسيف ونحوها. وضربُ الأرض بالمطر وضربُ الدرهم اعتباراً بضربه بالمطرقة. قوله: ﴿لا يستطيعون ضَرباً في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي سَفراً وذهاباً، وذلك لأن المسافرَ كالضاربِ الأرض برجله. وضربَ في الأرض أيضاً: أسرعَ، وأنشد : [ من الطويل] ٩١٨ - ولكنْ يُجابُ المُستغيثُ، وخَيلُهم عليها كُماةٌ بالمنيَّةِ تَضْرِبُ(٢) أي تُسرعُ ومنه قولُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه: ((فإِذا كانَ كذا ضَربَ يَعسوبُ الدين بذنبِه ))(٣) أي أسرعَ الذهابَ، قاله الأزهريُّ. وما أحسنَ هذه الاستعارةَ وأفصحها فلله درّه، كم له من مثلها كرَّم اللهُ وجهه. قولُه: ﴿وضُربتْ عليهم الذَّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] أي أحاطتْ عليهم إِحاطةَ القَّةِ المضروبةِ علي شيءٍ فيها. وأصلُ ذلك من ضرب الخيمة لأن فيها ضربَ أوتادِها بالقدّوم. قولُه: ﴿فَضَربنا على آذانِهم﴾ [الكهف: ١١] أي أغَبْناهم. وأصلُه أن الرجل إِذا ضُربَ على أذنه حصل له غيبةٌ. قولُه: ﴿أَفَتَضرِبُ عنكم الذِّكْرَ﴾ [الزخرف: ٥] أي نُمهلكِم ونُعرِضُ عنكم وتُنحّي عنكم ما يجبُ تعريفُه إِياكم. قولُه: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مثلاً قريةً﴾ [النحل: ١١٢] ونحوه فيه وجهان: أحدهما أنَّ (ضرب) هنا أغنى عن لفظ المثل خاصةً ضرب [الجاري] مَجرى صِّيَّر فَتَصبتْ مفعولين وصيّرَ اللهُ قريةً حقُّها كيت وكيتَ مثلاً يعتبرُ من سَمعه كسائر الأمثال. وسيأتي إن شاء الله تفسيرُ المثل والثاني أنه لم يُضمرْه ذلك، فقيل: إِنهُ استُعير من ضرب الدراهم وذلك لأنه ذكرُ شيءٍ أثرَه يظهرُ في غيره وقال بعضُهم: ﴿واضرْب لهم مَثَلاً﴾ [ يس: ١٣] أي اذكُرْ (١) المفردات ٥٠٥. (٢) البيت لطفيل الغنوي في ديوانه ٤٢ والأساس (ضرب) وهو في اللسان ( ضرب) دون عزو. (٣) النهاية ٧٩/٣ وغريب ابن الجوزي ٨/٢. ٣٧٤ باب الضاد ومثّلْ. وعندي: من الضرب أي من المثل، وهذا الشيء على أضرب أي على أمثال وأنواعٍ. وقال الأزهريُّ في قولِهِ: ﴿أنتضربُ عنكُمْ الذِّكر﴾: أصله أنَّ الراكب إِذا ركبَ دابةً فأرادَ أن يصرِفها إلى جهةٍ، ضربها بعصاً ليعدِلَها عن جهتها إلى الجهة التي يريدُها. فوضع الضربَ موضعَ الصَّرفِ والعدل، وهِو حسنٌ . والاضطرابُ: كثرةُ الذّهاب في الجهاتِ من الضَّرب في الأرض، وعُبر به عن الأشياءِ المختلفةِ فقيل: حاله مضطربٌ أي مختلفٌ. والمُضاربةُ: المُعارضَةُ لأنه يسافرُ غالباً للرّح. والمُضَرَّبَةُ: ما أُكثر بالخياطةِ ضَرَبُه والتَّضريبُ: حثُّ على الضرب في الأرض فضَرَب الفحلُ الناقةَ، علي التشبيه. ض ر ر: قولُه تعالى: ﴿فلن يَضِرُوكِ شَيئاً﴾ [المائدة: ٤٢] الضَّرُ والضِّرُ والضَّررُ: سوءُ الحال، إِما في النفسِ لقلةِ العلمِ والفضلِ والعفَّةِ، وإِما في البدنِ لفقدانِ جارحةٍ، وإِما في حالةٍ ظاهرةٍ من قلَّةٍ مالٍ وجاهٍ. والضرُّ ضدُّ النفعِ. قولُه: ﴿لن يَضُرُّوكُمْ(١) إِلا أَذِىْ﴾ [آل عمران: ١١١] تنبيهٌ على قلّة مُبالاتِهِم بهم، وأنَّهم لا ينالُهم من ضررهم إِلاَ هذا القدرُ اليسيرُ والمقصودُ الأعظمُ وهو عليكم مضمونٌ لكم ومثله في المعنى: ﴿ وإِنْ تَصْبِروا وتَتَّقوا لا یضرُّکم کیدُهم شيئاً﴾ [آل عمران: ١٢٠ ] قولُه تعالی: ﴿یَدعو من دُون الله ما لا يَضْرُّه وما لا يَنْفعه﴾ إِلى قوله ﴿لمن ضرّه أقربُ من نفعهِ﴾ [الحج: ١٢ - ١٣] فالأول يقتضي نفيَ الضَّررِ، والثاني إثباته، وأُجيبَ بأنَّ الأول يُعنى به النفعُ والضِّرُّ الحاصلان بالقصدِ والإِرادة تنبيهاً أنه لا يَقْصدُ في ذلك ضرا ولا نفعاً لكونه جماداً . والثاني يُعنى به ما نشأ وتولّد من عبادته إياه واستعانته به في مهماته ما لا يكونُ منه بقصده . قولُه تعالى: ﴿مسَّتْهم البأساءُ والضَّرَاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] الضّراء: الضرِّ. وتُقابلُ السَّرَاءُ بالنَّعماءِ وتقدَّم وجهُ الجمع بين البأساءِ وبينها في باب الباء. قوله تعالى: ﴿ ولا يُضارَّ كاتبٌ ولَا شَهِيدٌ ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يجوزُ أن يكونَ مبنياً للفاعلِ بمعنی أنه نَھی الکاتب والشهید عن مضارّة المکتوب له والمشهود له؛ بأن یکتب له ما لا یخلّصُه، وأن يؤخّر الشاهدُ شهادتَه عندَ الحاجة إليها، وأن يكون مبنياً للمفعول بمعنى أنه لا يَنْبغي أن (١) قرأ المطوعي (يَضِرْوكم) الإتحاف ١٧٨. ٣٧٥ باب الضاد يُعطلا عن معاشهما حَسْبما بينًا ذلك بيانا شافياً في ((القولِ الوجيز في أحكام الكتاب العزيز)) وحسبما أيضاً بينًا القراءات الواردةَ في ذلك، الشاهدةَ بكلتا القراءتينِ في ((الدرّ» وغيره(١). قولُه: ﴿لا تُضارَّ والدة بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] هو كالذي قبله في احتمالٍ الوجهين قد بينًا الحكمين والقراءاتِ أيضاً في الكتابينِ المشار إليهما. وقُرئ هنا برفعِ الراء وهو خبرٌ في معنى النَّهي، وبفتحها على صراحةِ النَّهي.(٢) . والضريرُ : غلبَ على فاقدِ البصرِ؛ فَعيل بمعنى مفعول. والضَّرِيرُ أيضاً شاطىءُ الوادي تَخيلاً أنَّ الماءَ قد ضرَّه. والضريرُ أيضاً: الضارُّ. والضَّرَّةُ: غلبتْ على المرأة المُصاحبةِ لزوجةٍ أخرى. وأصلُها الفَعْلةُ من الضُرِّ تخيلاً أنها نَفسُ الضَّررِ الحاصلِ لصاحبتها منها. وبهذا النظر قال عليه الصلاةُ والسلام: (( لا تَسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتكتفئ مافي صَحْفَتِها))(٣). والمتزوجُ بالضرة يقالُ له الضّرار. وضِرارٌ أيضاً علمٌ لرجلٍ مشهورٍ وهو ضرارُ بنُ الأزور. ويقالُ: زوجٌ مُضِرٍّ، أي ذو زَوجين، قالَ: وامرأةٌ مُضرِّ بغير تاء، أي لها ضَرَّةٌ من آخَرَ صارَ ذا ضرَّة. قوله: ﴿فمن اضطُرَّ ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي أُلجىءَ؛ افتعالٌ من الضرِّ، فقلبت التاءُ طاءٌ لوقوعها بعدَ حرفِ الإِطباقِ. وقيلَ: هو حملُ الإِنسان على ما يضرّه. وقيل: هو في العُرفِ الحملُ على ما يُكرَه، وذلك على ضربين: أحدُهما اضطرارٌ بسببٍ خارج، كمن يُضرَبُ أو يُهدَّدُ حتى ينقادَ أو يؤخَدَ قهراً، فيُحملُ على ما يكرهُه. وعليه قولُه تعالى: ﴿ثم أَضطَرُّه إِلى عذابِ النارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، والثاني بسبب داخل، وذلك إِما يقهرٍ قوةٍ لا ينالُه بدفعها هلاكٌ، كَمِنَ غَلَب عليه شهوةُ خمر أو قمار، وأما بقهرَ قوةٍ ينالُه بدفعها هلاكٌ، كَمن اشتدَّ به الجوعُ، فاضطرَّ إِلى أكلٍ ميتةٍ ونحوها. وقولُه: ﴿فمن اضطُّرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي غيرَ باغٍ ما حدَّ لهُ ولا عادٍ في زيادته على سدُّ رمقه أو شبعه، حسبما بينًا ذلك في ((القول الوجيز)). قولُه: ﴿أَمَّنْ يجِيبُ المُضطَرَّإِذا دَعاهُ﴾ [النمل: ٦٢] هو عامٌّ في كلِّ أنواعِ الاضطرارِ. وقولُهم: (١) قرأ عكرمة (ولا يُضارر كاتبا ولا شهيداً) البحر المحيط ٣٥٤/٢. (٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ومجاهد والكسائي وأبان ويعقوب وابن محيصن (لا تضارُّ) البحر المحيط ٢١٤/٢ والقرطبي ١٦٧/٣، وقرأ أبو جعفر بسكون الراء، والباقون بفتح الراء. الإتحاف ١٥٨. (٣) أخرجه البخاري في البيوع، (٥٨) باب لا يبيع على بيع أخيه ٢٠٣٣، وفي الشروط، (٨) باب مالا يجوز من الشروط ٢٥٧٤، ومسلم في البيوع، باب تحريم بيع حبل الحبلة ١٥١٥. 4 ٣٧٦ باب الضاد الضروريِّ هو نسبةٌ للضرورة، ويقالُ ذلك باعتبار ثلاثة أوجه(١): أحدُها مايكون على : سبيل القسرِ كالغصنِ المحرَّكِ بُريحٍ شديدةٍ. والثاني ما لا يحصُلُ وجودُه إِلا به نحو الغذاءِ الضروريِّ للإنسان في حفظ بدنه. والثالثُ يقالُ فيما لا يُمكن أن يكونَ علی خلافهِ كقولِ المتكلمين: الجسمُ الواحِدُ لا يجوزُ حصولُه في مكانٍ واحدٍ في آنٍ واحدٍ بالضرورة. قولُه تعالى: ﴿لا يَضُرُّكم﴾ [آل عمران: ١٢٠] قُرئ بضمِّ الفاءِ وتشديد العينِ من الضرِّ، وبكسر الفاء وسكون العين(٢) يقالُ: ضَرَّ ضَرَّأ وضَاره ضَيزاً. ومنه قوله تعالى: ﴿لا ضَيرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] وضارَه يَضُوره، ثلاثُ لغَاتٍ بمعنَى. وضارَرْتُه خالفتُه. وأنشدَ للنابغة: [ من المتقارب ] متى باتَ سِلْمُها يَشْغيا (٣) ٩١٩- وخَصْمَيْ ضِرارٍ ذَوَيْ تُدرَإِ وفي بعضٍ رواياتٍ حديثٍ الرؤية ((لا تُضارُّونَ في رؤيته))(٤)، أي لا تَتَخالفون. ض رع: ﴿إِذ جاءَهُم بأسُنا تَضرَّعوا﴾ [الأنعام: ٤٣]. التضرِّعُ: التذلِّلُ والخضوعُ والاستكانةُ. وفي الحديثِ أنه قالَ فِي وَلديْ جعفرٍ: ((ما لي أراهُما ضارعِينٍ؟))(٥) فالضارعُ: الذليلُ. وأنشدَ : [ مِنَّ الطويل] ٩٢٠- لُيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ . ومُخْتبطٌ ممّا تُطِيحُ الطَّوائحُ(٦) (١) المفردات ٥٠٥. (٢) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ويعقوب وخلف (لا يَضِرْكم) الإتحاف ١٧٨ والنشر ٢٤٢/٢، وقرأ عاصم وأبو زيدُ المفضل والمهدوي (لا يَضُرُكم)، وقرأ عاصم والضحاك والمفضل (لا يُضِرُّكم)، وقرأ أبيّ (لا يضرُرْكم)، وقرأ الكسائي (لا يَضُرْكم) البحر المحيط ٤٣/٣ والقرطبي ٤ / ٠١٨٤ (٣) البيت للنابغة الجعدي في اللسان ( ضرر). (٤) النهاية ٣ /٨٢ وغريب ابن الجوزي ٩/٢. (٥) النهاية ٨٣/٣ وغريب ابن الجوزي ٩/٢. والفائق ٥٩/٢. (٦) اختلف في قائله، فهو لنهشل بن حري النهشلي في المقاصد النحوية ٣ /٤٥٤ - ٤٥٦ والخزانة ١ /١٤٧-١٥٢ وشرح أبيات المغني ٧ /٢٩٥ وهو للحارث بن نهيك النهشلي في كتاب سيبويه ٢٨٨/١ وابن يعيش ١ /٨٠. وهو للحارث بن ضرار النهشلي في الحماسة البصرية ٢٦٩/١، ولضرار بن تهشل النهشلي في معاهد التنصيص ٢٠٢/١. وهو بلا نسبة في المحتسب ٢٣٠/١ والخصائص ٢ /٣٥٣ والهمع ١٦٠/١ والدزر ١٤٢/١. ٣٧٧ باب الضاد وقد ضرّعَ ضراعةً وأنشدَ: [من الوافر] ٩٢١ - أذاقكم الضراعة والھَوانا فهُو ضارعٌ وضَرِعٌ. فالتضرُّعُ: إِظهارُ الضَّراعة. ومنه قوله تعالى: ﴿ادْعُوا ربَّكم تَضِرُّعاً خُفيةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥] أي ذوي أودعاء. قوله: ﴿إِلا من ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قيل: هو نبتٌ أحمرُ منتنُ الريحِ يَرمي به البحرُ. وقيلَ: هو الشَّبرِقُ: نبتٌ بالحجاز ذو شَوك. وهو شِبرقٌ ما دامَ رَطباً، فإِذا يبسَ فهو ضَرِيعٌ. وهذا تمثيلٌ لهم بما يكرهونه مَطعماً لدوابِّهم، وإلا فيا ليتهم يُكتفى لهم بأكلِ ماهو أفظعُ وأشنعُ من ذلك. والمضارعةُ: المشابهةُ؛ مأخوذةٌ من ضرعِ الشاة لأنَّ كلاّمن الضرعين يشبهُ الآخرَ. ومن ثم قالَ النحويُّ: الفعل المضارعُ لأنه شابَه الاسمَ في أشياءَ حرَّناها في غيرِ هذا الوضع. والضَّريعُ أيضاً: الشاةُ العظيمةُ الضرعِ. وقد أضرعتْ: نزلَ اللبنُ في ضَرعِها لقربٍ نتاجها نحوُ أَلبنَ: كثُرُ لبنُه. وضَرَعَ الحَمَلُ: تَناولَ ضرعَ أمَّه. فصل الضاد والعين ضع فى: قولُه تعالى: ﴿الذي خلقكُم من ضعفٍ (١)﴾ [الروم: ٥٤ ]َالضَّعفُ يقابلُ القوةَ. وغالبُ ورودهما في الأجسام الحيوانية. وقرئَ بضمِّ الفاء وفتحها فقيل: لغتان؛ فقال الخليلُ بالضمِّ في البدنِ وبالفتحِ في العقلِ والرأي؛ فقوله تعالى: ﴿خَلْقَكُم من ضَعفٍ ثم جعلَ من بعد ضعفٍ قُوةً ثم جعلَ من بعدِ قوةٍ ضعفاً وشَيبةٌ ﴾ [الروم: ٥٤] فهذه ثلاثةُ أضعافِ كلِّ منها غيرُ الآخر، وذلك أنَّ الضعفَ الأول إِشارةٌ إِلى كونِه من نطفةٍ أو ترابٍ. والثاني إِلى كونهِ جَنيناً. والثالثَ إِلى ضعفِ الشيخوخةِ والهرم؛ وهو المشارُ إليه بقوله: ﴿أرذلِ العمرِ﴾ [النحل: ٧٠] ﴿أسفلَ سافلين﴾ [التين: ٥] ﴿نُنكِّسْه في الخَلقِ﴾ [يس: ٦٨]. وأمّا القوتان فأولهُما المجعولةُ للطفلِ من التحرُّكِ وهدايتهِ لاستدعاءِ اللبنِ ودفع الأذى عن نفسِه بالبكاء. والثانيةُ ما بعدَ البلوغِ، ويدلُّ على كونِ كلِّ واحدٍ من (١) قرأها بضم الضاد: الكسائي وابن كثير ونافع وحفص وابن عامر أبو عمرو وعيسى بن عمر والضحاك وعاصم الجحدري وأبو جعفر وخلف ويعقوب. السبعة ٥٠٨ والنشر ٣٤٥/٢ ... i ٣٧٨ باب الضاد المذكورات غيرَ الآخرِ إِعادتُهِ مُنكَّراً إِذ هو من قواعد اللغة أنه متى ذُكرتْ نكرةً واریدَ أعادتُها عرِّفتْ نحو ﴿فعصَى فرعونُ الرسول﴾ [المزمل: ١٦] فإِنْ نگِّرت عُرِّفتْ بهِ غيرَ الاول. ومن ثمَّ رُوي عن ابنِ عباسٍ (١)، ويروى مرفوعاً أيضاً ((لن يغلب عسرٌ يُسرين))(٢) من هذه الحيثية التي ذكرناها واللهُ أعلمُ. والجمعُ أضعافٌ. والضعيف: مَن كانَ بهِ الضَّعفُ وجمعُه ضُعفاءُ، ومنه: ﴿وله ذُرِّيّةٌ ضُعَفَاءُ (٣) ﴾ [البقرة: ٢٦٦] وضعافٌ ومنه: ﴿مِن خلفهم ذُرِّيةٌ ضِعافاً(٤)﴾ [النساء: ٩]. وقوبل تارة بالقوة وتارةً بالاستكبار، ومنه: ﴿قال الذينَ اسْتَكْيروا للذين استُضِعِفُوا﴾ [ سبأ: ٣٢]. قولُه: ﴿وَخُلقَ الإِنسانُ ضَعِيفاً ﴾ [النساء: ٢٨] إِشارةٌ إِلى كثرةٍ حاجاته التي اسْتَغْنى عنها الملأ الأعلى. قولُه: ﴿إِنَّ كيدَ الشيطان كان ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] فضعفُه إِنما هو مع مَنْ وفَّقه من عباده الذين أشارَ إِليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عبادي ليسَ لك عليهم سُلطانٌ ﴾ [الحجر: ٤٢]. قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لهما العذابُ ضِعِفينٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي مثلَيْ عذابٍ غيرِهم. قال الهرويُّ: والضِّعفُ: المثلُ إِلى ما زادَ. نقلَ ابن عرفَة عن أبي عُبيدةَ أن الضعفين إِثنان. قالَ: وهذا قولٌ لا أحبُّه لأنه قالَ في آيةٍ أخرى: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتِينٍ﴾ [الأحزاب: ٣١] فأعلمَ أنَّ لها من هذا حظّينِ ومن هذا حظّينِ. وقد أتقنَ ذلك بعضُهم فقال(٥): الضِّعفُ من الأسماءِ المُتضايفةِ التي يَقْتضي وجودُ أحدِها وجودَ الآخرَ كالنِّصف والزَّوج، وهو تركُّبُ قَدرينٍ مُتساويينٍ، ويختصُّ بالعدد؛ فإِذا قيلَ: أَضعفتُ الشيءَ وضعَّفْتُه وضاعَفتُه: ضممتُ إِليه مثلَه فصاعداً. قالَ: فالضَّعفُ مصدرٌ، والضِّعفُ (١) في المفردات ٥٠٧ وقال ابن عباس في قوله: (فإن مع العسر يسراً، إِن مع العسر يسراً) لن يغلب عسر يسرين. ) (٢) عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (إِن مع العسر يسراً) قال رسول الله عَّله: أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين)) الدر المنثور للسيوطي ٥٥٠/٨ - ٥٥١ والمستدرك ٥٢٨/٢. وفي صحيح "البخاري في كتاب تفسير سورة الشرح، ((قال أبو عيينة أي مع ذلك العسر يسرآخر، ولن يغلب عسر يسرين)) وفي النهاية ٣ /٢٣٥ أن القول لابن مسعود. (٣) قرئت (ضعاف) البحر المحيط ٣١٤/٢. (٤) قرأ ابن محيضن (ضُعُفاً) وقرأ ابن محيصن وعائشة والسلمي والزهري وأبو حيوة (ضُعَفاءَ) الإتحاف : ١٨٦ والبحر المحيط ١٧٨/٣. (٥ ) المفردات ٥٠٨. ٣٧٩ باب الضاد حـ اسمٌ كالشَّيءٍ والشِّيءٍ. فضعفُ الشيءِ هو الذي يُثِّيهِ. ومتى أُضيفَ إِلى عدد اقْتَضى ذلك العددَ مثلَه، نحو أن يقالَ: ضعفُ عشرةٍ وضعفُ مئةٍ، فذلك عشرون ومئتان بلا خوفٍ. قالَ الشاعرُ على هذا: [من الطويل] ٩٢٢ - جزيتُك ضعفَ الوُدِّ لمّا اشتكيتُه وما إِنْ جَزَاكِ الضَّعفَ من أحدٍ قَبلي(١) وإِذا قيلَ: أَعطهِ ضعفَيْ واحدٍ اقْتَضى ذلك ومثلَيهِ، وذلك ثلاثةٌ، لأنَّ معناهُ الواحدُ واللذان يزاوجانه وذلك ثلاثةٌ. هذا إِذا كان مُضافا، فإن لم يكن مُضافاً فقلتَ: الضِّعفينِ فإِنَّ ذبك قد يَجري مَجرى الزوجين في أن كلِّ واحدٍ منهُما يزاوجُ الآخَرَ فيقْتَضي ذلك اثنين لأنَّ كلَّ واحدٍ منُهما يُضاعَفُ فلا يخرجان عن الاثنينِ بخلاف ما إِذا أُضيفَ الضِّعفانِ إِلى واحدٍ فيثلّثُهما. وقال أبو بكر بإسناده عن هشام بنِ معاويةَ النَّحويِّ عن أبيهِ قالَ: العربُ تتكلمُ بالضّعفِ مُثّنى فتقولُ: إِنْ أعطيتني درهماً فلكَ ضعفُه. قولُه: ﴿لا تَأكلوا الرَّا أَضعافاً مضاعفةً (٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠] قيلَ: أَتى باللفظينِ على التأكيد. وقيل: بل بالمضاعفة من الضَّعف - بالفتح - لا من الضُّعف - بالكسر - قيلَ: ومعناهُ ما يعدُّونه ضعفاً هو ضَعفٌ أي نقصٌ كقوله: ﴿يَمحقُ اللهُ الرِّبًا وَيُرْبِي الصَّدقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قوله تعالى: ﴿فآتِهم عَذاباً ضعفاً من النارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]. سألوا أن يعذِّبَهم عذاباً بِضلالهم وعذاباً آخرَ بإِضلالهم كما أشارَ بقولِه تعالى: ﴿ليحملوا أوزارَهُم كاملةٌ يومَ القيامةِ ومِن أوزارِ الذين يَضِلُونَهم بغيرٍ علمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وقوله: ﴿لكلُّ ضِعِفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي لكلِّ منهُمْ ضِعفُ ما لكُم من العذاب، وقيل؛ أي لكلٍ منكم ومنهُم ضعفُ ما بَدا للآخرِ؛ فإِنَّ من العذابِ ظاهراً وباطناً. وكلٌّ لاَ يُدركُ منَ الآخرِ إِلا الظاهرَ دونَ الباطنِ فيقدُّرُ أنْ ليسَ له العذابُ الباطنُ. قولُه تعالى: ﴿إِذاً لأذقناكَ ضِعفَ الحياةِ وضِعفَ المِماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] أي ضعف عذاب الحياة وضعفَ عذابِ المماتِ على تقدير رُكونِكَ إِلى ما اسْتَدعوك. وليس في هذا الخطاب غَضٌّ منه عليه الصلاةُ والسلام ولا نقصٌ من مرتبته ولا وعيدٌ له، وإِنما ذكره (١) البيت لأبي ذؤيب في ديوان الهذليين ١ /٣٥. (٢) قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر (مضعفة) الإتحاف ١٧٩. ٣٨٠ باب الضاد تعالى منةً عليه بالنَّشبيتِ بالنبوّة قولُه: ﴿فأولئك هم المُضْعِفُونَ(١)﴾ [الروم: ٣٩] أي المُتصدَّقون ابتغاءَ وجه الله تعالى، أولئك هم أصحابُ التَّضعيف أي زيادة الحساب لأنهم يُجازونَ بالحسنةِ عشرةَ أمثالها، ولا إِضعافَ أكثرُ من ذلك. يقالُ: أضعفَ الرجلُ فهو مُضعفٌ، أي ذو أضعاف في الحسنات. قولُه: ﴿فأولئك لهم جزاءُ الضّعف (٢)﴾ [سبأ: ٣٧] قال ابنُ الانباريّ: يريدُ جزاءَ المُضاعفةِ فألزمَ التضعيفُ التَّوحيدَ لأن المصادرَ ليس سبيلُها التثنيةَ والجمعُ يزيدون مثلَه، وإِفرادُه لا بأسَ بهِ، إِلا أن التثنيةَ أُحسنُ. قال أبو عبيدةً: ضعفُ الشيءِ مثلُه، وضعفاءُ مثلاهُ، وقولُه: ﴿يُضاعَفْ(٣) لها العذابُ ضِعفينٍ﴾[الأحزاب: ٣٠] يجعلُ إِلى الشيءٍ شَيئان حتى يصيرَ ثلاثةٌ . قلتُ: قد تقدَّم حكايةُ ابن عرفةً عنه في ذلك. وقولُه: إنه لا يحبُّه، أي لا يختارُه: لقولِه: ﴿نُؤْتِها أَجْرَهَا مَرَّتَينٍ﴾ [الأحزاب: ٣١] كما مرّ شرحُه. وقال الأزهريُّ: الضَّعْفُ في كلامِ العربِ: المثلُ إِلى ما زادَ وليس بمقصورِ على مثلين فيكونُ ما قالَ أبو عبيدةً صواباً بل جائزٌ في كلامِ العربِ أن نقولَ: هذا ضِعِفُه، أي مثلاهُ وثلاثةُ أمثالهِ، لأنَّ الضعفَ . في الأصلِ زيادةٌ غيرُ محصورةٍ. ألا ترى قوله تعالى: ﴿فأولئك لهم جزاءُ الضُّعِفِ بِما عَملوا﴾ لم يُرِدْ به مثلاً ولا مثلينٍ ولكنَّه أرادَ بالضِّعْف الأضعافَ وأولى الأشياء به أن يجعلَ عشرةَ أمثالهِ لقولِه تعالى: ﴿مَن جاءَ بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالِها﴾ [الأنعام: ١٢٠] فأقلِّ الضعفِ مَحصورٌ وهو المِثْلُ وأكثرُه غيرُ محصورٍ. وإنّما أوسعتُ الكلامُ لاختلاف الناسِ فيه حتى اختلفَ الفقهاءُ في ما لو أَوصَى مُوصٍ لزيدٍ بضعفٍ ما لابنهِ ماذا يُعطَى، ومذهبنا أنَّ ضعفَ الشيءِ هو مثلُه، وضعفاهُ هو مثلاهُ، وهلمَّ جَرّاً. ۔۔ (١) قرأ أبيّ (المُضْعَفُون) البحر المحيط ١٧٤/٧. (٢) قرأ رويس وقتادة ويعقوب والزهري ونصر بن عاصم (جزاء الضّعفُ)، وقرأ قتادة (جزاءُ الضعفُ) البحر المحيط ٢٨٦/٧ والنشر ٣٥١/٢. (٣) قرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن والجحدري (نُضَعُفْ العذابَ)، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب واليزيدي والحسن عيسى ( يُضَعَّفُ العَذابُ) البحر المحيط ٢٢٨/٧ والنشر ٢٤٨/٢، وقرأ أبو عمرو وزيد بن علي وابن محيصن (نُضاعفْ العَذابَ)، وقرئت ( يُضاعف الْعذَابَ) البحر المحيط ٢٢٨/٧ والقرطبي ١٤ /١٧٦.