النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب الشین
مُعجزةً له عليه الصلاةُ والسلامُ بمشهدٍ عظيمٍ انشقَّ نصفينٍ وفَضَل بينَهُما جبلٌ. وقيلَ: هو
يأتي قربَ يومِ القيامةِ. وأتى بلفظِ الماضي لتحقُّقهِ كقولهِ: ﴿أتى أمرُ اللهِ﴾ [النحل: ١].
وقيلَ: معناهُ: اتَّضحَ أمرُ محمدٍ لَّهُ وقد ادَّعَى بعضُ الناسِ أنَّ انشقاقَ القمرِ وقعَ بعدَ
موتِهِلَّ بمدةٍ مُتَطاولةٍ، وأنَّ جَمعاً كثيراً شاهدوهُ ببلادهم، نقلَهُ الحليميُّ، ولا أظنه إِلا
وَهماً لما ثبتَ في الصحيحِ إِنَّ وقوعَ ذلك مُعجزةٌ له عليه الصلاة والسلام. فلو جاز وقوعُه
مرةً أُخرى لفاتَ ذلك. قولُه: ﴿ولكن بَعُدَتْ عليهم الشِّقَّةُ(١)﴾ [التوبة: ٤٢] هي القطعةُ
من الأرض؛ سُميت بذلك للحاق المَشَقَّة في الوصولِ إِليها. والشِّقَّةُ من الخروق: القطعةُ
المُنشقَّةُ نصفينٍ، ومنه: طارَ فلانٌ من الغضب شقاقاً. وطارتْ منهُ شِقَّةٌ، كقولك: تَقْطَّعَ
غَضَباً، قولُه تعالى: ﴿لم تكونوا بالغيهِ إِلا بشِقُ (٢) الأنفسُ﴾ [النحل: ٧]. الشَّقُّ: المَشَقَّةُ
والانكسارُ الذي يلحَقُ النفسَ والبدَنَ، وذلك كاستعارة الانكسارِ لها، ويقال: المالُ بينَهم
شَقُّ شعرةٍ، وشَقُّ الأَبْلَمَة، أى مَقَسوماً على السَّواء. فالأبْلمَةُ: خُوصُ المقْلِ.
والأَخُ الشقيقُ: ما كانَ منَ الأبوينِ، كأنه شِقِّ أخيهِ وقطعةٌ منه. قال الشاعرُ:
[ من الخفيف ]
أَنتَ خَلَّفْتَني لدهرٍ شديدٍ(٣)
٨١١ - يا بْنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسي
وفلانٌ شَقُّ نَفْسي وشَقيقُها، أي بعضُها مبالغةً. قولُه: ﴿وما أُريدُ أن أَشُقَّ عليكَ﴾
[القصص: ٢٧] أي أحمِّلُكَ مَشقَّةً. ومثلُه قولُه عليه الصلاةُ والسلام: ((لولا أن أشُقّ على
أمَّتي))(٤) يقالُ: شققتُ عليه شَقّاً - بالفتح - وشقيقةُ الرملِ: ما يُشِقَّقُ منه. وشقائقُ
النِّعمان: نبتٌ معروفٌ. والنَّعمان: الدمُ. والشِّفْشقةُ: لهاةُ البعير لما فيها من الشَّقِّ. وقالَ
الليثُ: الشّقشقةُ: لهاةُ الجملِ العربيِّ، ولا يكونُ ذلك إِلا للعربيِّ، يُعظِّمها الله ويطيلُها
(١) قرأ عيسى ابن عمر ( الشّقّة) البحر المحيط ٤٥/٥.
(٢) قرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر اليزيدي ومجاهد والأعرج وعمرو بن ميمون (بِشِقِّ) النشر ٣٠٢/٢
وإملاء العكبري ٤٣/٢.
(٣) البيت لأبي زبيد الطائي في كتاب سيبويه ٢١٣/٢ وأمالي ابن الشجري ٢٠/٣ والهمع ٥٤/٢ والدرر
٢ /٧٠ والتاج ( شقق) وانظر رواية أخرى للبيت في ديوانه ٥٩٧.
(٤) أخرجه البخاري في الإيمان، (٢٥). باب: الجهاد من الإِيمان ٣٦ ومسلم في الجهاد، باب: فضل
الجهاد ١٨٧٦.

٢٨٢
باب الشین
حتى تخرجَ ذاتَ(١) .. ويقالُ: هي جلدةٌ في حَلقةٍ ينفخُ فيها فَتنتفخُ. ولا تكونُ إِلا للعربيِّ.
ويُروى لعليّ رضي الله عنه: [من المتقارب]
٨١٢ - لسانٌ كشفْشقةِ الأرْحَبي
أو كالحُسامِ البُتَارِ الذِّكَرْ (٢)
وُيُروى ((كاليماني)). وتقولُ العربُ للخطيبِ الجَهيرِ الصوتِ البليغِ: هو أهْرتُ
الشِّقْشِقة. وهَرِيتُ الشّدقِ. وأتشدَ لابن مُقبلٍ يذكرُ قوماً بالخطابة: [ من البسيط]
هُرْتُ الشّقَاشِقِ ظَلاّمون للجُزُرِ(٣)
٨١٣ - عاد الأدلةُ في دارٍ و كان بها
وفي حديثٍ عليٍ كرمَ اللَّهُ وجهَه: ((إِنَّ كثيراً من الخطب من شقاشق الشيطان))(٤)
ويقالُ: هذه شُقُوقٌ، ويحافرِ الدابة شقاقٌ، وفرسٌ أَشْقُّ: مائلٌ إِلى أحد شقَّيهِ. والشّقَّةُ:
نصفُ الثوبِ، ثم أطلقَ على الثوب كلَّه: شُقُّهُ عَرضاً.
ش ق و:
قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّا غَلبتْ عَلينا شِقْوَتُنَا(٥) ﴾[المؤمنون: ١٠٦]؛ الشِّقْوةُ،
والشَّقاوةُ، والشَّقَاءُ: سوءُ الحظ، وهو ضِدُّ السَّعادة. يقالُ منه: شَقَي يَشْقَى فالشِّقْوةُ
كالردّة، والشَّقاوة كالسعادةِ وَزِناً لا معنىً، كما أن السعادةَ في الأصل نوعان: أُخرويَّة
ودُنْيوية. ثم الدُّنْيوية ثلاثةُ أضربٍ: سُعادةٌ نَفسيَّةٌ، وَبَدَنيةٌ، وخارجيَّة، كذلك الشَّقَارَةُ
ثلاثةُ أضربٍ. وإِلى الشَّقاوةِ الدُّنيويةِ أشارَ تعالى بقوله: ﴿فلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة
فَتَشْقَى﴾ [طه١١٧] وإِلى الشَّقاوةِ الأُخروية أشارَ تعالى بقوله: ﴿فَمن اتْبَعَ هُدَايَ فلا
يَضلَّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣]. وقيلَ: قد يعبِّرُ بالشَّقاوةِ عن التعبِ فُيُقالُ: شَقِيتُ
في كذا. فالتعبُ أعمّ منَ الشقاوةِ؛ إِذ كلٌّ تعبٍ شَقاوةٌ، وليس كلُّ شقاوةٍ تعباً.
فقولُه تعالى: ﴿فَتَشْقَى﴾ يجوزُ أن يرادَ التّعبُ كما هو المعروفُ من كدِّ الدنيا في
(١) بياض في الأصل.
(٢) البيت في النهاية ٢/ ٤٩٠ والتاج (شقق).
(٣) العجز في اللسان (شقق) والبيت بتمامه في ديوانه ٨١.
(٤) الفائق ٦٧١/١ وغريب ابن الجوزي ٥٥٥/١ والنهاية ٤٨٩/٢.
(٥) قرأ حمزة والكسائي وخلف والحسن وابن مسعود والأعمش وقتادة وابن مقسم (شَفَاوَتنا)، وقرأ قتادة
والحسن وخالد بن حوشب (شفاوتنا)، وقرأ شبل (شَقْوتنا) البحر المحيط ٤٢٢/٦ والنشر ٣٢٩/٢
والكشاف ٤٤/٣.

٢٨٣
باب الشين
طلب معاشها .
قولُه تعالى: ﴿ولم أكنْ بدعائكَ ربِّ شَقياً﴾ [مريم: ٤] أي لم تَشْقِني بالردِّ من
غيرِ إِجابةٍ. ويقالُ لكلِّ من أدركَ أمراً سَعى فيهِ: قد سُعد بهِ. ولكلِّ مَن فاتَّه: قد شَقِيَ به.
فعلى ذلك جاءت الآيةُ.
فصل الشين والكاف
ش ك ر:
قولُه تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لي﴾ [البقرة: ١٥٢] قد تقدُّم في باب الحاءِ الكلامُ على
نوعٍ من الشُّكر، والفرقِ بينَه وبينَ الحمدِ عند الجمهور. وقال بعضُهم: الشكرُ: تصورُ
النَّعمة وإظهارُها. ويضادُّه الكفرُ، وهو نسيانُ النِّعمةِ وسَترُها. ومن الأُولِ قالوا: دابَّةٌ
شَكورٌ: مُظهرٌ بِسَمنِهِ إِسداءَ صاحبهٍ إِليه. وقيل: الشكرُ مقلوبٌ من الكَشْر: وهو الكشفُ.
ومنه: كشّر عن أنيابهِ. وكاشَرَه بالعداوة. وقيل: أصلُه: عينٌ شَكْرَى، أي ممتلئةٌ. فالشُّكُر
على هذا هو الامتلاءُ من ذكرِ المُنعم عليه.
ثم الشكرُ على ثلاثةٌ أضربٍ(١): شكرٌ بالقلب؛ وهو تصورُ النَّعمة من مُسْديها
والاعترافُ بها. وشكرٌ باللسان؛ وهو الثناءُ على المُنعِمِ والبداءةُ عليه. وشُكْرٌ بالجوارح؛
وهو مكافأةُ المُنعمِ بقدرِ استحقاقهِ. وهذا النوعُ يستحيلُ من قيامِ العبادِ للهِ، ومنه الصلاةُ
شكرٌ لله. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آل داودَ شُكراً﴾ [سبأ: ١٣] فشكراً على هذا تمييزُ.
والتقديرُ على هذا: اعملوا ما تعملونَه شكراً لله تعالى: وقيلَ: شكراً: مفعولٌ لقوله:
﴿إِعْمَلوا﴾. وقيلَ: مفعولٌ له، وإِنما قالَ: اعملوا، ولم يقلْ: اشكُروا، تَنْبيهاً على التزام
الأنواع الثلاثةً من الشكرِ بالقلبِ، واللسانِ، والجوارح، ومن ثمَّ قالَ بعضُهم: الشكرُ تَصورُ
النعمة بالجنان، وذكرُها باللسانِ، والعملُ لها بالاركانِ. وإِلى الأنواع الثلاثة أشارَ الشاعرُ
بقوله : [من الطويل]
٨١٤ - أفادَتَكُم النعماءُ منيٍّ ثلاثةٌ:
يَدي ولساني والضَّمِيرَ المُحجِّبا(٢)
(١) المفردات ٤٦١ .
(٢) البيت في الدر المصون ٣٦/١ دون عزو.

٢٨٤
باب الشين
قولُه تعالى: ﴿وقليلٌ من عبادي الشَّكورُ﴾ [سبأ: ١٣] فيه تنبيةٌ على أنَّ توفية
شكر الله تعالى صعبٌ أو مُمتنعٌ. ولذلك لم يُثْنِ بالشكرِ على أوليائه إلا على اثنين: الأولُ
خليلُه إِبراهيمُ فِي قوله: ﴿شاكراً لأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]. الثاني: نوحٌ في قوله: ﴿إِنَّه
كانَ عَبداً شَكوراً﴾ [الإسراء: ٣]. وقيل: إِنما قال تعالى: ﴿الشكورُ﴾ بصيغة المبالغة
دونَ ((شاكر)»، لأن الشاكرين غيرُ قَليلينَ. وأما المبالغون في الشُّكر فقليلون. ويُحكَى أنَّ:
عمرَ رضي اله عنه سمعَ رجلاً يقول في دعائه ((اللهمَّ اجْعَلني من عبادِك القليلِ. فقال: يا.
أخي ما هذا الدّعاءُ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين سمعتُ اللهَ تعالى يقول: ﴿وقليلٌ من عبادي
الشكورُ﴾ فأنا أطلبُ أن أكون من أولئك القليلِ. فقال: كلُّ الناسِ أعلمُ من عمرَ».
قولُه تعالى: ﴿وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] قيلَ: إِذا وُصفَ اللهُ تعالى بكونِه
﴿شكورٌ حليمٌ﴾ فمعناهُ إِنِعامُهُ على عبيدهِ، وجزاؤه بما أقاموهُ من العبادة. وقال ابنُ عرفةً:
يغفرُ السيئاتِ ويشكُرُ الحسناتِ، يعني بذلك مضاعَفَتها. ولذلك قالَ غيرُه: يعني
بَالشَّكورِ في صفاتِهِ أنَّه يُذكرُ عندَه القليلُ من أعمالِ العبادِ، فيضاعفُ لهم جزاءه، قُولُه:
﴿لا نريدُ منكم جزاءً ولا شُكوراً﴾ [الإنسان: ٩] قيلَ: ھوَ جمعُ شُكر. وقيل: مصدرٌ
وكذلك الكفورُ؛ قالَه الأخفشُ. وشكرً: يتعدّى بنفسه تارةً وباللامِ أُخرى في أخواتٍ له
ذكرتُها في غيرٍ هذا. واختلفَ النحويون؛ هل أحدهما أصلٌ للآخر أو هُما أصلان؟
تحقيقُه في غيرِ هذا. إِلا أنَّ الفراءِ جعلَ التعدِّي باللامِ أنّصحَ.
قلتُ: ولذلك لم يردْ في التنزيل إِلَّ به. وفي حديثٍ يأجوج ومأجوجَ: ((وإِن دواب
الأرضَ تَسْمَنُ وَتَشْكُرُ شَكْراً من لحومِهِمِ))(١) أي تمتلىءُ. يقالُ شَكِرَت الشاةُ شَكَراً:
امتلأتْ لبناً وسَمناً، فهي شكرى بزِئَّةٍ سَكْرى وناقةٌ شَكِرةٌ: مُمتلئةُ الضَّرع. وفي المثلِ:
(أَشْكُرُ مِن بَرْوَقٍ)(٢) هو نبتٌ يخضرُّ بأدنَى مَطر، والشَّكيرُ: فراخٌ تحصلُ في أصلٍ
الشجرةِ، وفي المثلِ: ((فِي عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكِيرُها))(٣) ومنه حديثُ عُمرَ: ((وشكيرٌ كثيرٌ.
قيلَ: يا أميرَ المؤمنينَ، وما الشكيرُ؟ قال: ألم تَرَ إِلى الزرع إِذا زكا ونبتَ في أصولِهِ؟
(١) الفائق ١ / ٦٦٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٥٥ والنهاية : ٤٩٤/٢.
(٢) تقدم في( ب ر ق).
(٣) مجمع الأمثال ٧٤/٢ وجمهرة الأمثال ٣٣٢/٢ والمستقصى ٣٨٢/٢ وفصل المقال ٢٢٠ والأمثال
لابن سلام ١٤٥.

٢٨٥
باب الشين
فذلكَ الشكيرُ))(١). وقال الأزهريُّ: إِذا أراد بالشكيرِ ذريةٌ صغاراً شَبَّههُم بالزرعِ، وهو
تشبيهٌ بديعٌ. وقد شكرت الشجرةُ: كبرَ غُصنُها. والشَّكْرُ: يُكنَّى به عن فرجِ المرأةِ؛ ومنه
قولُ يحيى بنٍ يَعمُرَ لرجلٍ طالبتْه امرأتُه بِمَهْرِها: ((إِنْ سَالتَكَ ثَمَنَ شَكْرِها وشَبْرِكَ أَنشأتٌ
تَطْلُّها وتَضْهَلُها))(٢). قال المبرِّدُ: أراد بشكرها فرجَها. وأنشدَ لأبي شهابٍ الهُذليُ:
. [ من الطويل]
جَوادٌ بِقُوتِ البَطْنِ والعِرْضُ وافِرُ (٣)
٨١٥ - صناعٌ بإِشفاها ، حصانٌ بشكرها
ش ك س :
قولُه تعالى: ﴿شُركاءُ مُتَشاكسونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي مُختلفون مُتشاجرون. وأصلُه
من: شَكِسَ خلقُه: إِذا ساءَ وضاقَ . وخُلُقٌّ شَكِسٌ، أي ضيقٌ. فالمعنى أنَّهم مُختلفون
يَخْتصمون أبداً، ولا يَتَفَّقون لشكاسَةِ أخلاقِهم. ويقالُ فيه النَّشاحن أيضاً.
ش ك ك :
قولُه تعالى: ﴿فإن كنتَ في شَكَّ﴾ [يونس: ٩٤] الشكُّ في الأصل: اعتدالُ
النَّقيضينِ وتساويهما في النَّفسِ، وذلك إِما لوجودٍ أَمارتينٍ مُتَساويتينٍ، أو لعدمِ الأمارةِ
فيهما. فقد يكونُ الشكُّ في الشيءٍ هل هو موجودٌ أو غيرُ موجودٍ؟ وربما كان في جنسهِ .
من أيِّ جنسٍ هو. وربَّما كانَ في صفةٍ من صفاتِه. وربما كان في الغَرض الذي من أصله
وُجد . قيلَ: والشكُّ: ضربٌّ منَ الجهلِ، وهو أخصُّ منه؛ لأنَّ الجهلَ قد يكونُ عَدمَ العلمِ
بالنَّقيضينِ رأساً؛ فكلُّ شكِّ جهلٌ من غيرِ عكسٍ. وأصلُ ذلك كلُّه من: شَككتُ الشيء
أي خرقتُه. ومنه قولُ عنترةَ: [ من الكامل]
ليسَ الكريمُ على القَنا بمُحرَّم (٤)
٨١٦ - فشككتُ بالرمحِ الطويلِ ثيابَه
فكأنَّ الشكَّ الخرقُ في الشيءِ، وكأنَّه بحيثُ لا يجدُ الرأيُ فيه مُستقراً يَثْبُتُ فيه
(١) الفائق ٦٦٣/١ والنهاية ٤٩٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٥٥٦/١ والحديث لعمر بن عبد العزيز.
(٢) الفائق ٦٧٣/١ وغريب ابن الجوزي ٥٥٦/١ والنهاية ٤٩٤/٢ ومجالس ثعلب ٤٦٥
واللسان(ضھل، طلل).
(٣) البيت في اللسان ٤٢٧/٤ ( شکر)دون عزو.
(٤) البيت من معلقته في ديوانه ٢٦، وتقدم برقم ٢٥٥(ث و ب).

٢٨٦
باب الشين
وَيَعْتمدُ عليه، ولذلك يُعدَّى بفي، وإِنْ كان أصلُه المتعدِّي بنفسه، لكنه لمّا تضمُّنَّ معنى
الخرقِ والغَيبوبةِ في الشيءٍ تَعدَّى تعديَتَهما. وقيلَ: هو مستعارٌ من الشكِّ وهو لصوقُ
العضُد بالجَنْبِ، وذلك أنْ يُتلاصقَ النقيضان، فلا يجدُ الرأيُ والفهمُ حينئذ لهما مَدْخلاً،
لعدمٍ تخلُّلِ ما بينَهُما. قيلَ: ويشهدُ لذلك قولُهم: التبسَ الأمرُ واختلطَ وأشكلَ .
والشَّكَّةُ: السِّلاحُ، لأنه يُشَكُّ بهِ، أي يُفْضَلُ. ثم قولُه تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ في
شكٌ﴾ [يونس: ٩٤] الخطاب لهُ في الصورة والمرادُ أمتُه. وإِنما خُوطبَ دونَهم لأن
العرب إِنما تُخاطبُ رئيسَ القوم. ومثلُه قولُه: ﴿ياأيُّها النبيُّ اتَّقِ اللهِ ولا تُطِعِ الكافرين﴾
[ الأحزاب: ١] بدليل قوله: ﴿أَنَّ اللهَ كانَ بما تعملون خبيراً﴾ [الأحزاب: ٢] ولم يقلْ:
بما تَعملُ. وفي الحديث: ((أنا أولى بالشكِّ من إِبراهيم)) (١) تأويلُهِ - على ما قالَ الهرويِّ
وغيرُه - أنه قالَ ذلك تَوأُضِعاً منه عليه الصلاةُ والسلامُ. يعني: أنا لا أشكُّ فكيفَ
بإبراهيم؟ فهو نفيٌ للشكِّ عن إِبراهيمَ بهذا الدليلِ. وإِنما قالَ ذلك لأنه لَمّا نزلَ قولُه تعالى:
وإِذْ قالَ إِبراهيمُ ربِّ أرِنِيّ كيف تُحْيِي المَوتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية قالَ قومٌ ممنً
سَمِعوها: شَكَّ إِبراهيمُ فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ ذلك.
ش ک ل:
قولُه تعالى: ﴿قُلْ كُلِّ يعمِلُ على شاكلتهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] أي ناحيتُه ووجهتُه
وطريقتُه ومنه: طريقٌ ذَو شَواكلَ: إِذا كان تتشعَّبُ منه طرقٌ كثيرةٌ. وقيلَ: على سَجيته
التي قيَّدتْه؛ فهو من: شَكلْتُ الدابّةَ، أي قيدتُها بالشِّكال. ومنه استُغيرَ: شَكَلْتُ الكتابَ،
أي قيَّدتُه بالضّبط. و دائّةٌ بها شکال: إِذا كان تحجیلُه بإحدى يديه وإحدى رجلیه کھیئة
الشِّكال، وذلك أَنَّ سُلطانَ السَّجيَّةِ قاهرٌ للإنسان وهو في المعنى كقوله عليه الصلاةُ
والسلام: ((كلُّ مُيسَّرٍ لما خُلُقَ لَهُ مَن شَقِيٍّ أو سَعيدٍ))(٢).
والأَشْكلةُ: الحاجةُ التي تُقِيِّدُ الإِنسانَ. والإِشكالُ في الأمرِ: التباسُه، وهو استعارةٌ
من ذلك، كالاشْتَباهِ من الشَّبَهِ. يقالُ: أشكلَ الأمرُ وشَكلَ، أي اشْتَبَه، لدخولِ شَكلٍ غیرِهِ
عليك. واشتباهه عليك للماثلة. قولُه: ﴿وَآخَرُ مِن شَكلِهِ (٣) أزواجٌ﴾ [ص: ٥٨] أى مثل.
(١) أخرجه البخاري في الأنبياء، (١٣) حديث ٣١٩٢ ومسلم في الإيمان ١٥١.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة الضحى باب ( ٤٣٨) حديث ٤٦٦٥، ٤٦٦٦.
(٣) قرأ مجاهد ( شِكْله) البحر المحيط ٧ /٤٠٦.

٢٨٧
باب الشین
له في الهيئةِ وتَعاطي الفعلِ؛ وذلك أنَّ المشاكلةَ في الهيئةِ والصورةِ والقدِّ في الجنسية
والشِّبه والمثلِ في الكيفيةِ، ويقالُ في الكميةِ. والشِّكلِ - بالكسر - قيلَ: هو الدَّلِّ، وهوَ
في الحقيقةِ الأنسُ بينَ المُتماثلينِ في الطريقةِ. ومن هذا قيل: الناسُ أشكالٌ وأُلافٌ.
وأصلُ المُشاكلةِ منَ الشُّكلُ، أي تقييدُ الدابَّة - كما تقدَّم تحقيقُه. وقاَ لَ قتادةُ: ((على
شاكلتهَ)) أي على جانبِه وعلى ما يَنْوي. وقال ابنُ عرفةً: على شاكلته: على خليقته
ومَذْهبهِ. ويقالُ: ليسَ هذا من شَكلي، أي من مَذْهبي. وكلُّها أقوالٌ مُتَقاربةٌ. وفي صفتهِ
عليه الصلاةُ والسلام: ((أَشْكل العَينينِ))(١). قال الهرويُّ سمعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ إِبراهيم
بنِ مالكٍ الداريَّ - وكتَبَه لي بخطّه - قال: ((سألتُ ثعلباً عن الحديث فقالَ: كذا كانت
عيناهُ، كان في عينيه سُحْرةٌ))(٢) يقالُ: في عينيه سُحرةٌ: إِذا كان فيهِ بياضٌ وحُمرةً. وقالَ
غيرُه: يقالُ: أشكلَ: إِذا خالطّه الدمُ. وقال أبو عبيد: الشُّهلةُ: الحُمرةُ في سوادِ العينِ،
والشُّكْلةُ: الحمرةُ في بياضِها، وهو محمودٌ، وأنشدَ قول الشاعر: [من الطويل]
كذاك عتاقُ الخيلِ شُكْلٌ عيونُها(٣)
٨١٧ - ولا عيب فيها غَيْرُ شُكْلةِ عَينِها
وفي مقتل عمرَ: ((فخرجَ لهم النبيذُ مُشْكلاً))(٤) أي مُختلطاً من جراحه. ومن ثَمَّ
اسُتعيرَ: أشكل الأمرُ، أي اختلطَ. وفي الحديث: (( أنَّ كرهَ الشِّكالَ في الخيلِ))(٥) قيلَ:
هوَ أن يكونَ تحجيلُه بإحدى يديهِ وإِحدَى رجليه - كما تقدَّم - وقالَ أبو عبيد: هو أن
يكونَ ثلاثُ قوائمه محجلةٌ وواحدةٌ مُطلقةً؛ أُخَذَ منَ الشِّكالِ الذي يُشكَلُ به الخيلُ؛
شبَّهه به. قالَ: لأنَّ الشِّكالَ إِنَّما يكونُ في ثلاثٍ قوائم. كذا قالَه، وفيهِ نظرً؛ إِذِ الشِّكالُ
إِنّما هو في اثنتينِ كما قاله الراغبُ وغيرُه(٦).
ش ك و :
قولُه تعالى: ﴿وَتَشْتَكِي إِلى الله﴾ [المجادلة: ١] يقالُ: شَكَيتُ واشْتكيتُ
-
(١) مسند أحمد ٨٦/٥، ٨٨، ٩٧، ١٠٣.
(٢) لم أجده في مجالس ثعلب. بل فيه الحديث السابق. مجالس ثعلب ٢٦٩.
(٣) البيت في معاني الفراء ١ /٣٨٣ واللسان (شكل).
(٤) الفائق ١ /٦٧٢ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٥٧ والنهاية ٤٩٦/٢.
(٥) مسند أحمد ٢٥٠/٢، ٤٦١,٤٣٦.
(٦) المفردات ٤٦٢.

٢٨٨
باب الشين
بمعنىٌ. وَالشَّكْوُ والشِّكايَةُ والشَّكَاةُ والشَّكَوَى كلّها بمعنىَّ إِظهارِ اليثِّ والحُزنِ. ومنه قولُه
تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشكُو بَتِّي﴾ [يوسف: ٣٦] أي لا أظهرُهُ إِلا لهُ. ويقالُ: أَشكاهُ، أي جَعَلَ
له شَكْوى ، نحو: أمرضه. وأَشكاهُ: إِذا أزالَ شكايتَه؛ فهو منَ الأَضْداد(١). وفي
الحديث: ((شَكَوْنَا إِلى رسول الله ◌َيُ حرَّ الَّرمضاءِ في أكُفِّنا وجَباهِنا فلم يُشْكِنا))(٢) أي
فلم يأمُرْنا بأن نَتَّقيَ ذلك بأطراف ثيابنا (٣). وقال الهرويُّ: یریدُ أنهم شكوا إِلیهِ حرَّ
الشمسِ وما يصيبُ أقدامَهم، فسألوهُ تأخيرَها إِلى وقتِ الإِبرادِ قليلاً. ((فلم يُشْكِهم)) أي
فلم يُحِبْهم، انتهى. وفيه نظرِّ لأنَّ الإِبرادَ ثابتٌ بالسِّنَّة المشهورةِ، فلم يبقَ إِلاَ ما قَدَّمتُه وفي
الحديث: ((ويكْثِرْنَ الشَّكاة)»(٤) أي الشكْوَى. وأنشدَ ابنُ الزبير: [من الطويل]
٨١٨ - وتلكَ شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(٥)
قال القتيبيُّ: الشَّكاةُ: الذمُّ العَيبُ. وقالَ طرفةُ بنُ العبدِ: [ من الطويل]
هِجائي وقَذْفي بالشَّكَاةِ وَمُطْرَدي(٦)
٨١٩ - بلا حَدَث أحدثُته وحمُحْدث
وأنشد الأصمعيُّ :
يَشكو بعيِّ، وهو البليغُ الْحَدَث (٧)
٨٢٠ - لم یقذ عینه حثاث المحثث
أي يعابُ.
قيلَ: وأصلُ الشَّكْرِ منْ فَتْحِ الشَّكوةِ؛ وهو سِقاءٌ صغيرٌ يُجعلُ فيهِ الماءُ. فالمعنى:
أظهرَ ما في شَكوتِه. وهذا كقولهم: بَثَنتُ له ما في وطابي(٨)، ونَفَضتُ له ما في جِرابي:
(١) الأضداد لابن الأنباري ٢٢١ ((أشكيت الرجل: إِذا أقمت على الأمر الذي يشكوه مني، وأشكيته: إِذا
أقلعت عن الذي يشكوه)).
(٢) مسلم في المساجد ٦١٩. وأنظر شرح السنة ٢ /٢٠١.
(٣) في الأضداد ٢٢١ ((قال أبو بكر: فمعنى قوله: ((لم يشكنا)) فلم ينزع عن الأمر الذي شكونا إليه)).
(٤) أخرجه مسلم في صلاة العیدین ٨٨٥ ..
(٥) قاله ابن الزبير لما قيل له يا ابن ذات النطاقين، وهو بيت لأبي ذؤيب في ديوان الهذليين ٢١/١ وصدره:
( وعيّرها الواشون أني أحبها ).
(٦) البيت من معلقته في ديوانه ٣:٦.
(٧) لم أهتد إِليه .
: (٨) الوطاب: سقاء اللبن.

٢٨٩
باب الشین
أي لم أكتمْهُ مِن أَمري شيئاً. قوله تعالى: ﴿كمشكاةٍ﴾ [النور: ٣٥] أدخلها الراغبُ (١)
في هذه المادة بناءً منه على زيادة ميمِها. والظاهرُ أنه اسمٌ أعجميٍّ، عرَّبتْه العربُ؛ يقالُ
إِنها بالهندية: الكوةُ غيرُ النافذةِ(٢). وإذا وُضع فيها المصباحُ كان أضواً لاجتماعٍ ضَوْئِه
فيها، لكونها غيرَ نافذةٍ. ولم يكتف بذلك حتى جعلَه في زجاجةٍ مَوصوفةٍ بما ذكرَ. وهو
مثلُ قلب المؤمن.
فصل الشين والميم
ش م ت :
قولُه تعالى: ﴿فلا تُشْمِتْ(٢) بِيَ الأعداءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. الشَّماتةُ: إِظهارُ
الفرحِ ببليةٍ تصيبُ مَن يُعاديكَ وتعاديه. قال الشاعرُ: [من الكامل]
٨٢١- أشمتَّ بي الأعداءَ حينَ هَجرتني والموتُ دونَ شَماتة الأعداءِ(٤)
وقيلَ في قولِه تعالى ﴿رَبَّنَا ولا تُحمِّلْنا ما لا طاقَةً لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦] هو شماتةُ
الأعداء. ولذلك كانَ من دعائه ◌َّهُ: ((ولا تطعْ فيَّ عَدوَّاً شامتاً))(٥) أي لا تَفعلْ فيَّ ما
يحبُّ . يقالُ: شَمتَ به يَشْمَتُّ فهو شامتٌ. وَالتَّشميت: الدَّعَاءُ للعاطسِ، كأنه دعاءٌ لهُ
بإزالة الشماتة، فهو كالتَّمريضِ والتَّقْذِيةِ في إزالةِ المرضِ والقَذَى. قيلَ: وأصلهُ من
الشَّوامتِ، وهيَ القوائمُ قال النابغةُ الذبيانيُّ: [من البسيط ]
٨٢٢- طوع الشوامت(٦)
والمعنى أنَّ قوائمَ الفرسِ تنقلبُ فَشْلاً وكَسلاً وعَدْواً ووقوفاً. فالشماتةُ كذلك لأنها
(١) المفردات ٤٦٣.
(٢) قال مجاهد: المشكاة هي الكرة بلغة الحبشة، وقال أيضاً: هي الحدائد التي يعلق بها القنديل. تفسير
ابن كثير ٣ / ٣٠١، وانظر الأضداد لابن الأنباري ٤٢٣ - ٤٢٤.
(٣) قرأ الكسائي وابن محيصن ومجاهد والأعرج ومالك بن دينار (فلا تَشْمَتْ بي الأعداءُ) إِملاء العكبري
١ /١٦٥ وقرأ أبو عبيد وابن محيصن ومجاهد وحميد (فلا تَشْمِتْ بي الأعداءُ) إِعراب النحاس
٦٤٠/١ وقرأ مجاهد (فلا يَشْمَتْ بي الأعداءُ) المحتسب ١ /٢٥٩.
(٤) البيت في الدر المصون ٧٠٢/٢ دون عزو.
(٥) النهاية ٢ / ٤٩٩.
(٦) تمام البيت في ديوانه ١٨. (فارتاع من صوت كلاّب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن صَرَّدٍ).

٢٩٠
باب الشین
تقلبُ قلبَ الحاسد في حالتيهِ: فرحهٍ وحُزنه. ونُقلَ في تَشميتِ العاطسِ الإِعجامُ
والإهمالُ(١)؛ فبالشين على ما قدمتُه من الدعاءِ بإزالة ما يصيبُه من الشماتة. وقيلَ: دعاءٌ.
له بتثبيتٍ شَوامتهِ، وهي قوائمُه لما يحصُلُ له من الانزعاجِ. وبالمُهملةِ معناه الدعاءُ لهِ
بِعَودهِ إِلى سمتهِ، أَي إلى حالته الأولى، وقصدِهِ الأولِ. قال أبو عبيد: شَمَّتُّ العاطسُ
وسَمَّتُّه: دعوتُ له، بالسين والشين. والشينُ يعني المعجمةَ أعلى اللغتينِّ، وعكس ذلك
أبو بكرٍ فقال: شمَّتُّ فلاناً، وسَمَّتُ عليهِ: إِذا دعوتَ له بالخير، وكلُّ داعٍ بخيرٍ مُسَمِّتٌ
ومُشّمِّتٌ. قال ثعلبٌ(٢): الأصلُ فيهما السِّينُ منَ السَّمْتِ، وهو القصدُ والهَدْيُ. وفي
حديث فاطمةً وعليُّ: ((أنه عليه الصلاةُ والسلامُ دَعا لهما وشمَّتَ عليهما))(٣).
ش مخ:
قولُه تعالى: ﴿رواسيّ شامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] أي عوال مرتفعاتٌ. وفلانٌ
شمَخَ بأنفهِ. أي رفعَه، يُكنَّى بذلك عن التكبُر نحو ثَنَى عطفَه، وَصَغَّرَ خدَّه، ولَّوى جيدَه.
كلُّ ذلك من أفعالِ المتكبِّرِّين. وأنشدني بعضُهم في مُتكبِّر: [من السريع]
من شدَّة العجب وإِفْراطه(٩)
٨٢٣ - مرَّ بنا مُرتفعاً أنفُهُ
أظنُّه من نَتْنِ آباطه
أُستغفرُ اللهَ ظَلمتُ الفتى
ش م ز :
قولُه تعالى: ﴿اشْمَارَّتْ قُلوبُ الذِينَ لا يُؤمنون﴾ [الزمر: ٤٥] الاشمئزازُ: النفورُ.
يقالُ: اشمازَّ فلانٌ يشمئزُّ أَشْمعزازاً فهو مُشمِئٍّ، أي أنفَ وَاسْتَنكفَ من ذلك الشيءٍ.
وروى أبو عبيدةً عن أبي زيد: اشمازَّتْ: ذُعرتْ. وظاهرُ كلامِ ابنِ الأعرابيِّ وثعلبٍ أن
الهمزةَ فَيه مزيدةٌ؛ فإِنَّه نُقلَ عِنْه أنَّ الشَّمِزَ نفورُ الشيءٍ من الشيءٍ يكرهُه.
ش م س :
قولُه تعالى: ﴿والشمسُ تَجري﴾ [يس: ٣٨] الشمسُ هو هذا الكوكبُ النّهَّاريُّ
(١) ((يقال الداعي: مشمّت ومسمّت))، غريب ابن الجوزي ١ / ٠.٥٦٠
(٢) في مجالس ثعلب ١٢٩ ((يقال سمَّتُّ وَشَمَّتُ: أي دعوت)) وفي ٣٥٢ (( وعطس فسمته وشمته).
(٣) الفائق ٦٧٤/١ وغريب ابن الجوزي ١ /٥٦٠ والنهاية ٥٠٠/٢.
(٤) لم أهتد إلى البیتین.

٢٩١
باب الشين
المضيءُ. وَمَن قال إنه يُذكر ويُؤْنث بدليلِ قوله: ﴿هذا ربِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] فقد وهِمَ
لأنَّ التذكيرَ إِنما جازَ مراعاةٍ لقولِه ﴿كوكباً﴾ [الأنعام: ٧٦] لا لتأنيث لفظه. والشمسُ
تطلقُ على القرُصِ نفسهِ وعلى الضوءِ المُنتشرِ عنه مجازاً. وشَمسَ يومُنا، وأشمسَ: صارَ
ذا شمسٍ. وشّمسَتِ الدابَّةُ تَشمِسُ شِماساً وشُموساً، إِذا جَمحتْ ولم تستقرَّ، تَشبيهاً
بالشمسِ في عدمِ استقرارِها. وتُجمعُ الشمسُ على شُموسٍ، وذلك باعتبارِ الأيام. كأنهم
جَعلوا لكلِّ يومٍ شمساً مجازاً، وإلا فالشمسُ شخصٌ واحدٌ فانَّى له الجمعُ؟ وفي ذلك قمرٌ
وأَقمارٌ. وفي الحديث: ((إِنَّ الشمسَ والقمر آيتانِ من آياتِ اللهِ لا يُكسفان لموتٍ
أحدٍ)(١) وفي ذلك لمّا ماتَ ولدهُ إِبراهيمُ عليه الصلاة والسلام كُسفتِ الشمسُ، فقالوا:
كُسفتْ لِمُوتِه. فقالَ عليه الصلاةُ والسلام ذلك.
ش م ل :
قولُه تعالى: ﴿عنِ اليمينِ وعن الشِّمالِ قَعيدٌ﴾ [ق: ١٧]. الشِّمالُ: هي اليدُ
اليُسرى المقابلةُ لليمين. والعربُ تتشاءَمُ بجهتِها ويسمونَها الشُّؤْمَى، ولذلك قال تعالى:
﴿وأما مَن أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] عكسُ أهل السعادة الذين قال فيهم:
﴿وَأَمَا مَنْ أُوتِيَ كتابه بيمينهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ولذلك عُبِّر بها عن القوة والتمكِّن. ومنه
قوله تعالى: ﴿إِنكم كنتم تأتونَنا عن اليمينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي عن القوة والقهرِ. قولُ
تعالى: ﴿يَتَفَيَّوْا ظِلالُهُ عن اليمينِ والشَّمائل﴾ [النحل: ٤٨] الشَّمائلُ جمعُ شِمالٍ، وإِنما
أفردَ اليمينَ وجمعَ الشِّمال لأنَّ هبوبَ الريح من جهتها أكثرُ، فتمايلَ الظلُّ منه. والمرادُ به
السجودُ أكثرُ.
ومن مُلحِ كلامٍ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ((إِنَّ أبا هذا - يعني الأشعثَ بنَ
قيسٍ - كان ينسجُ الشّمالَ باليمينِ))(٢). قلتُ: الشّمالُ جمعُ شَملة نحو جَفنةٍ وجفانٍ.
وفي الحديث: ((نَهى عن اشْتمالِ الصَّمَّاءِ))(٣) فسَّرِه الأصمعيُّ بأن يشتملَ ثوباً حتى
(١) أخرجه البخاري في الكسوف، (٦) حديث ١٠٠١، باب (١٥) حديث ١٠١١، باب (١٧)
حديث ١٠١٤ ومسلم في الكسوف ٩١٢.
(٢) غريب ابن الجوزي ١ / ٥٦١ والفائق ٥٥/١ والنهاية ٢ /٥٠٢.
(٣) أخرجه البخاري في اللباس، (١٩) باب اشتمال الصمّاء، ٥٤٨١، ٥٤٨٢ ومسلم في البيوع ١٥١٢
ومسند أحمد ١٣/٣، ٤٦.

٢٩٢
باب الشین
يجلِّلَ به جسده، لا يَرفعُ منه جانباً فيكونُ فيه فُرجةٌ تَخرجُ منها يدُ. وقال أبو عبيدٍ: وأما
الفقهاءُ فيفسِّرونها بأن يشتملَ ثوباً واحداً ليسَ عليه غيرُه، ثم يرفعُه من أحد جانبيه،
فيضعُه على مَنكبِه. قال الهرويُّ: مَن فسَّرِه بهذا كرهتْ به إِلى كراهةِ التكشُّفِ وإِبداءٍ
العورةِ. ومن فسَّرَه تفسير أهل اللغة فإِنه كره أن يتزمَّلَ به شاملاً جسدَه، مخافةَ أنْ يدفعَ
منها إلى حالةٍ تسدُّ نفسَه فَيَهْلِك. وأحسنُ من هذا ما قالَه بعضُهم إِنها سُمِيتْ اشْتمالَ
الصَّماءِ، لأنَّ الرجلَ يلتفُّ بالثوب فيطرحُه على ناصيةِ الشِّمال، والصَّماءُ: التي لا منفذَ
لها. ومنه قارورةٌ مُصمّمةٌ.
والشَّملةُ والمِشْمَلُ: كساءٌ يُشتمَلُ به. وقولُهم: شَملَه كذا، أي عمَّه؛ استعارةٌ من
الاشتمالِ بالكساء ونحوه، لأنه يجمعُ مَن يُحتوي عليهِ. ومنه استُعير الشَّمْلُ. وقيلَ: جمعَ
اللهُ شَمْلك. وفي دعائه عليه الصلاةُ والسلام: ((أسألُكَ رحمةً تجمعُ بها شَملي))(١) أي
اجتماعي. كذا فسَّرِه أهلُ العلم؛ قالوا: الشَّملُ: الاجتماعُ وقيلَ للخليقةِ اشتمالٌ، لاشْتمالِهِ
على الإِنسانِ اشْتمالَ الشِّمالِ على البدن.
-.
والشَّمالُ - بالفتح -: أحدُ الرياح، لأنها تشملُ بهبوبِها. وتُرادِفُها الهمزةُ قبلَ ميمها
تارةً وبعدَها أخرى. قالَ امرؤُ القيس: [ من الطويل]
٨٢٤ - فتوضحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رسمُها لِما نَسجَتْها من جَوَبِ وَشَمْأَلِ (٢)
وإِنما قُلنا بزيادتها لسُقوطِها في تصاريفِ الكلمةِ؛ قالوا: شَمِلتْهُ الشَّمالُ.
وماءٌ مَشْمولٌ، أي أصابتْه الشَّمال. قال كعبٌ بِنُ زهير (من قصيدةٍ بانتْ سعادُ):
[ من البسيط ]
٨٢٥- شُجَّتْ بذي شبم من ماء محنيّةٍ.
صافٍ بأبطَحَ أُضحِى وَهْوَ مَشمول(٣)
وإِنَّما قيلَ لها شَمالٌ لأنها تهبُّ من شِمالِ الكعبة. وأشملَ الرجلُ من الشّمال
كأجنبَ منَ الجُنُوبِ. وَكُنِّي بالمِشْملِ عن السيفِ كما كُنِّي عنهُ بالرداءِ. ومنه: جاءً
مُشتملاً بسيفه، كقولهم: مُرتدياً بهِ، ومُتدرعاً لهُ. والشَّمولُ: مِن أسماءِ الخمرِ، لأنها
(١) النهاية ٢ / ٥٠١.
(٢) البيت من معلقته في ديوانه ٨
(٣) ديوانه ٨.
:

٢٩٣
باب الشین
تشملُ على العقلِ، كاشتمالِ الشَّملة. ومن ثمَّ قيلَ: خَمْرٌ لمخامرتِه العقلَ، أو لتخمرهِ إِياهُ.
والشِّملّةُ: الناقةُ السريعةُ، مأخوذةٌ منَ الريحِ الشَّمالِ، تَشبيهاً بها في السرعة . وقولُ
الشاعر: [من الكامل]
٨٢٦- ولَتَعْرِفَنَّ خَلائقاً مَشْمولةٌ
ولتندمَنَّ، ولاتَ ساعةَ مَنْدمٍ(١)
قيلَ: مَشمولةً طيبةً، كأنما هَبَّت عليها الشَّمال. وتُجمعُ على شَمالاتٍ، وهو شاذٌ.
وأنشدوا: [مجزوء الرمل]
تَرْفَعَنْ ثَوَبِي شَمالاتُ(٢)
٨٢٧- ربَّما أَوفَيتُ في عَلَمٍ
فصل الشين والنون
ش ن أ:
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ شانِئَكَ(٣) هو الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. الشانىُ: المُبغضُ. والأبترُ:
هو الذي لا عقب له. وكانَ كفارُ قريشٍ يقولون: إِنَّ محمداً لا عقب له، فإِذا ماتَ انقطعَ
ذكرُه. فردَّ اللهُ تلك المقالةَ الشَّنعاءَ بأحسنٍ كلامٍ. ثم إِنَّه جعلَ الخلقَ كلَّهم أولادَه وأتباعه
ومنسوبين إِليه. وفي بعض القراءاتِ: ﴿وأزواجُهُ أُمَّهاتُهم﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبٌ
لهم (٤). ولا تَنافيَ بينَ هذا وبينَ قولِه تعالى: ﴿ ما كانَ محمدٌ أبا أحدٍ﴾ [الأحزاب: ٤٠ ]
لأنَّ المرادَ هنا الأبوةُ الحقيقيةُ المتصوَّرُ بها الولادةُ. ويقالُ: شَنأَهُ يَشْنؤُهُ شَئاً وشَنَاناً، وله
مصادرُ كثيرةٌ بَّنْتُها في ((الدرِّ) وغيره (٥). وقد قُرىءَ: ﴿شَنَانُ قومٍ﴾ [المائدة: ٢] بفتح
النونِ وسُكونِها،(٦) وهما مصدران. وقال بعضُهم: مَن سكَّن أراد بغيضَ قومٍ، ومن ثقَّل
. (١) البيت دون عزو في الأضداد لابن الأنباري ١٦٨ وأضداد الأصمعي ١٨ وأضداد ابن السكيت ١٧٣
وعجزه في معاني الفراء ٢ /٣٩٦ وهو لرجل من بني سعد في الخزانة ٤ /١٧٤.
(٢) البيت لجذيمة الأبرش في اللسان (شمل) والنوادر ٢١٠ والهمع ٣٨/٢ والدرر ٤١/٢ وسيبويه
٥١٨/٣ والخزانة ٤ /٥٦٧ وابن يعيش ٩ /٤٠، وتقدم البيت في (رف ع) برقم ٦٠٩.
(٣) قرأ أبو جعفر (شانيك) النشر ١ /٣٩٦، وقرأ ابن عباس (شانيك) البحر المحيط ٥٢٠/٨.
(٤ ) هي قراءة أبيّ. القرطبي ١٢٣/١٤.
(٥) في اللسان: شنا، شنا، شنأة، مشنأة، مشنؤة، شنآناً.
(٦) قرأ عاصم وابن عامر ونافع وابن وردان والحسن وابن جماز وشعبة (شنآن) النشر ٢٥٣/٢ وقرأ ورش
بمد الألف، وقرأها أيضاً بقصر الألف. الغيث ٢٠٠.

٢٩٤
باب الشين
جعلَه مصدراً . قلتُ: إِنما قالَ ذلك لأنَّ ﴿شنآنَ﴾ بالسكون ليس عندهم مصدراً بل
صفةٌ. وقد قرأ بذلك عاصمٌ وتجرّاً عليه بعضُ الناس، فلا يَنْبغي له ذلك. قال ابنُ الأنباريّ
قد أنكرَ هذا رجلٌ من أهل البصرةِ يُعرفُ بأبي حاتمِ السُّجستانيٌ(١) معه تَعَدُّ شَدِيدٌ وإِقدامٌ
على الطّعنِ في السَّلَف. فحكيتُ ذلك لأحمدَ بن يحيى فقالَ: هذا من ضيقٍ عَطَنِهِ وقلَّةِ
معرفته، أما سمعتَ قولَ ذي الرمّة: [من الطويل].
٨٢٨ - فأُقسمُ لا أدري أُجَوْلانُ عَبْرةِ
تَجودُ بها العينان أُحری أمِ الصَّرُ؟(٢).
قالَ: قلتُ: وإِن كانَّ مصدراً ففيه الواوُ. فقالَ: فقد قالوا: وشْكانَ ذا إِهالةً (٣).
قلتُ: يعتون أنَّ المصدرَ حقُّه أَن يجيءَ مفتوحَ العينِ كالصَّوفان والنَّزَوان والجَوَلانِ.
والصفةُ مُسَكَّنتُها نحو غَضْبَانَ وعطشانَ وسكرانَ. فاستدلَّ ثعلبٌ بالبيتِ والشاهد. ومنه
قولُه: ((أجَوْلانُ)) فسكْنَ عينَه مع كونه مصدراً. فاعترضَ أبو بكرٍ بأن فیهِ الواوِ، يعني فقد
يكونُ السكونُ لأجلِ حرفِ العلَّةِ، فأجابَهُ بأنّهُ قد سُكِّنَ بعضُ الأسماءِ، وإِن لم يكنْ عينُه
واواً، نحو: وَشْكانَ في المثالين المذكورينِ. وهذه الآية قد حققتها بدلائلها في
((الدُرِّ المصون)) و((العقد النَّضيد))، فعليكَ بالالتفات إليها فيهما.
وتقولُ العربُ: مَشْنوءٌ مَن يَشْتَؤك، أي مُبْغَضٌ من ايَبْغِضُك. وأَزْدُ شَنُوءِةً من ذلك.
وفي حديث عائشةَ رضي اللّه عنها: ((عليكم بالمَشْنيئةِ النافعةِ التَّلبينة))(٤). قال الهرويُّ:
يعني الحساءَ. وقولُها (( الَّلْبِينُ)) تفسيرٌ لها، وهي مَفْعولةٌ من شَنِئْتُ. قلتُ: كيف تكونُ
مفعولةٌ من شنئتُ؟ إِذ لو كان كذلك لوجبَ أن يقالَ فيها مَشْنوءة مشروبة، لأنَّ أَحرفَها
صحيحةُ اللهمَّ إِلا أن يقال: الهمزةُ تَجري مَجرى حروف العلة كثيراً. وقال الرياشيُّ:
سألت الأصمعيَّ عنها فقالَ: البغيضة.
(١) هو سهل بن محمد الجشمي السجستاني (ت ٢٤٨ هـ /٨٦٢م) من كبار العلماء باللغة والشعر، كان
المبرد يلازم القراءة عليه، له نيف وثلاثون كتاباً، منها: المعمرون، والأضداد والوحوش. انظر الأعلام
٠٢١٠/٣
(٢) ديوانه ٠ ٥٧٢.
(٣) جمهرة الأمثال ٣٣٥/٢ والمستقصى ٢ /٣٠٢ والأمثال لابن سلام ٣٠٥. وتقدم المثل في (س رع)
برواية «سرعان ذاإحالة)):
(٤) غريب ابن الجوزي ١ /٦٣°٥ والنهاية: ٢ / ٥٠٣ والفائق ١ /٦٧٧.

٢٩٥
باب الشین
فصل الشين والهاء
ش ه ب:
قوله تعالى: ﴿فَأَتْبِعَه شهابٌ ثاقبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. الشهابُ: هو الشُّعلةُ
المُستوقدةُ الساطعةُ من النارِ أو العارضُ من الجوِّ. ووصفَه تارةً بكونهِ ثاقباً، أي للأرضِ
ولمن يلحقهُ، وتارةً بكونهِ مُبيناً في قولِه: ﴿فَأَتْبِعَه شهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] بمعنَى
أنه أمرُ ظاهرٌ لا يختصُّ به واحدٌ دونَ آخر. وتارةٌ يكونَ قَبساً في قوله: ﴿ أو آتِيكُم بشهابٍ
قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] فمن نوَّنَ ((شهاب)) فلأنَّه قُبس(١)، أي أُخذَ من النارِ. ومَن أَضافَه
فلأنَّ الشهابَ أعمُّ من القبسِ (٢). وقيلَ: هو من إِضافةِ الشيءٍ إِلى نفسه نحو: مسجدُ
الجامعِ، وهو رأيٌ كوفِّي. وأصحابُنا يتناولونه بما هو مذكورٌ في مواضعه المشار إليها.
والشُّهْبةُ: بياضٌ مختلطٌ بسوادٍ، تَشبيهاً بالشهابِ لاختلاطِ ضَوئهِ بالدُّخانِ وكَتيبةٌ
شَهباءُ : اعتباراً بسواد القومِ وبياضِ الحديدِ .
ش هـ د:
قولُه تعالى: ﴿عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]. الشهادةُ والشُّهودُ: حُضورٌ
مع مشاهدةٍ. وذلك إِما بالبصرِ ، وإِما بالبصيرة. والأولُ تتعلَّقُ به الأحكامُ الظاهرةُ، وأمّا
الثاني فالشرعُ بالنسبة إِلى الأحكام الظاهرة لم يُعتبرُهُ. وقد يقالُ للحُضورِ مُفْرِداً، إِلا أنَّ
الشهودَ بالحضورِ المجردِ أَولى والشهادةُ معَ الشهادةِ. وقد يقالُ للمَحْضَرِ: مَشْهِدٌ،
وللمرأة بحضرة زوجها: مُشْهِدٌ. وجمعُ المَشْهدِ مَشاهِدُ، ومنه مشاهدُ الحجِّ، قال تعالى:
﴿لِيَشْهدوا منافعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] فمشاهده هي مواطنه الشريفةُ التي تحصُرُها
الملائكة والأبرارُ من الناسِ. وقيلَ : هي مواضعُ المناسكِ.
قولُه تعالى: ﴿مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أهلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أي ما حضرنا. قوله:
﴿والذين لا يَشْهدون الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي لا يحضُرونه بنفوسهم ولا بِهَمُهم
وإرادتهم. والشهادةُ: قولٌ صادرٌ عن علمٍ حصَلَ بمشاهدةِ بصرٍ أو بَصيرةٍ. ومنهُ قولُه عليه
(١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب والأعمش (بشهابٍ قَبَسٍ) معاني الفراء ٢٨٦/٢.
(٢) قرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن كثير ونافع والحسن وأبو جعفر وخلف (بشهاب قبس) النشر ٣٣٧/٢
والسبعة ٤٧٨.
٠

٢٩٦٠
باب الشین
الصلاةُ والسلام: ((إِن رأيتَ الشمسَ طالعةً على مثل هذا فاشهدْ)) ثم اتسع في ذلك
فجازتْ في مواضع بِغلبة الظنّ. بيانُها في كتب الفقه.
قولُه تعالى ﴿أَشَهِدوا خَلْقَهم (١)﴾[ الزخرف: ١٩] أي بمشاهدة البصيرة، وقولُه
بعد ذلك: ﴿ستُكتَبُ شَهادتُهم (٢) ويُسألون﴾ تنبيهٌ أنَّ الشهادةَ تكونُ عن شهودٍ. قولُه:
﴿لِمَ تَكْفُرُون بآياتِ اللهِ وأنتُم تَشْهدون﴾ [آل عمران: ٧٠] أي تَعلمونَ. قولُه تعالى:
﴿مَا أَشْهَدَتُهم (٢) خَلقَ السماواتِ والأرضِ﴾ [ الكهف: ٥١] أي ما جعلتُهم ممَّن اطلعوا
ببصيرَتِهم على خَلْقها. قولُه: ﴿عالمُ الغيبِ والشهادةِ﴾ أي ما يغيبُ عن حواسُ الناسِ
وبصائرهم وما يُشاهدونَه بها .
قولُه تعالى: ﴿وشاهدٍ ومَشهودٍ﴾ [البروج: ٣] قالَ عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَه:
((الشاهدُ: يومُ الجمعة، والمشهودُ يومُ عرفَة))(٤) وقيل: المشهودُ: يومُ الجمعة. وقيلَ:
يومُ عرفة. وقيلَ: يومُ القيامةِ. الشاهدُ: كلٌّ مَن يَشهدَ. قولُه: ﴿وذلك يومٌ مَشهودٌ﴾
[هود: ١٠٣] تنبيهٌ أنَّه لا بدَّ من وقوعه. وقيل: لأنَّه يشهدُه أهلَ السماءِ والأرض. وقد
رُويَ عن النبي ◌َّهِ منصوصاً ما فسَّره به أميرُ المؤمنين: رَوى الهرويُّ بسندِهِ إِلى أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((سيدُ الأيامِ يوم الجمعة هو شاهدٌ، ومشهودٌ يومُ
عرفَة))(٥). وقيلَ: الشاهدُ: نبيِّنا محمدٌلَّه ويؤيدُه قولُه تعالى: ﴿إِنا أرسلناكَ شاهداً﴾
[الأحزاب: ٤٥] أي شاهداً على أمَّتَك بالإبلاغ ولمن آمَن بالتصديقِ. وقيلَ: معناه: مبينا؛
فإِن الشهادةَ بيانٌ كما سيأتي
قولُه تعالى: ﴿ويومَ يَقُومُ الأشهادِ﴾ [غافر: ٥١] يعني الملائكةَ. وقيل: الأنبياءُ
(١) قرأ نافع وعاصم والمفضل وعلي وورش (أُشْهِدُوا)، وقرأُ نافع وأبو جعفر وقالون (آ أُشْهِدُوا) النشر
٣٦٨/٢ والبحر المحيط ١٠/٨، وقرأ نافع والحلواني والزهري (أُشْهِدُوا) البحر المحيط ١٦ /٧٣.
(٢) قرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن السميفع والأعرج (سَنَكْتُبُ
شهادتَهُمْ)، وقرأ الحسن وأبو رجاء (ستُكْتُبُ شهاداتُهم)، البحر المحيط ١٠/٨ والقرطبي ٧٣/١٦.
(٣) قرأ أبو جعفر وابن مقسم وعون العقيلي (أشهدناهم) النشر ٢ / ٣١١.
(٤) أخرج الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله تَمَّه: ((اليوم الموعود يوم القيامة واليوم
المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة)) انظر الدر المنثور ٤٦٣/٨ وعارضة الأحوذي ٢٣٧/١٢.
و تفسیر ابن کثیر ٤ /٥٢٥.
: (٥) النهاية ٥١٣/٢، وانظر ما تقدم في الحديث السابق.

٢٩٧
باب الشین
والمؤمنون يَشْهدون على المكذُّبين بمحمدٍ لَّه. وهو جمعُ شاهدٍ نحوُ صاحبٍ
وأصحابٍ، وناصرٍ وأنصارٍ. قولُه: ﴿شاهدينَ على أنفسِهِم بالكُفرِ﴾ [التوبة: ١٧] أي
كلٌّ فرقةٍ تُنسب إِلى دين اليهودِ والنَّصارَى المجوسِ سِوى مُشركي العربِ؛ فإِنَّهم كانوا
يمتنعون من هذا الاسم. فجعلَ قَبولَهم لذلك شهادةً على أنفسِهِم بالكفرِ. وقيل: لأنَّهم
کانوا یقولون في تلبیتھم: [ من الرجز]
٨٢٩ - ألا شريك لك ألا شريك لك
هوَ لِكَ تَملِكُهُ وَمَا مَلَكْ (١)
قولُه: ﴿وَنَزَعْنا من كلِّ أمةٍ شَهيداً﴾ [القصص: ٢٥] أي اخْتَرْنا منهُم نبياً، وكلُّ
نبيِّ شاهدٌ على قومهِ. ثم ((شهدتُ)) يقالُ على ضربينٍ: أحدُهما جارٍ مَجرى العلمِ وبلفظهِ
تُقامُ الشهادةُ. فيقولُ الشاهدُ: أَشهدُ بكذا، ولا يُكتفَى بقولِه: أعلمُ، بل لا بدَّ مِن لفظِهِ
بالشهادة. ولا يُكتفَى منه أيضاً بقوله: شهدتُ، أو أنا شاهدٌ بكذا. بل لا بدَّ من قولِه:
أشهدُ، بلفظِ المضارع. والثاني جارٍ مَجرى القَسَم؛ فيقالُ: أشهدُ أنَّ زيداً منطلقٌ. وعليه
قولُه: ﴿أَنْ تَشْهِدَ أربعَ شهاداتٍ بِاللهِ﴾ [النور: ٨] الآية. ويجري العلمُ في ذلك مجراه،
فيُجابُ بما يُجابُ به القُسَم، كقولِ الشاعرِ: [من الكامل]
٨٣٠ - ولقد علمتُ لتأتينَّ مَنِّتي
إِنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُها(٢)
وقال بعضُهم: إِذا قالَ: شهدتُ، ولم يقلْ: بالله أنه يكونُ قسماً. وشهدتُ كذا:
حَضَرَتُه. وشهدتُ على كذا: أقمتُ عليه شَهادتي. ومنه قولُه تعالى: ﴿يومَ تشهدُ(٢)
عليهم ألسنتُهم﴾ [النور: ٢٤]، ﴿شهدَ عليهم سمعُهم﴾ [فصلت: ٢٠]. وقد يُعبَّر
(١) في كتاب الأصنام ص٧« كانت نزار تقول إذا ما أهلت:
لبيك اللهم لبيك
إِلاَّ شريك هو لك
لبيك لا شريك لك
تملكه وما ملك
وانظر أخبار مكة للأزرقي ٢٦/١ وثمة أدعية أخرى في كتاب «الوثنية في الأدب الجاهلي (٣٢٠ -
٣٤٦) للدكتور عبد الغني زيتوني.
(٢) البيت للشاعر لبيد في ديوانه ٣٠٨ ورواية الصدر فيه: (صادفن منها غرّة فأصبتها ) والبيتِ في كتاب
سيبويه ١١٠/٣ كما رواه المؤلف هنا.
(٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن مقسم وابن سعدان والأعمش وابن مسعود (يَشْهد) النشر ٣٣١/٢
والسبعة ٤٥٤ .

٢٩٨
باب الشين
بالشهادة عن الحُكم نحو قولهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ من أهلِها﴾ [يوسف: ٢٦] في أحد
القولين. وقد يعبِّرُ بها عن الإقرارِ بالشهادة كقوله تعالى: ﴿ولم يكنْ لهُمْ شُهدَاءُ إِلا
أنفُسهم فشهادةُ أحدهم﴾ [النور: ٦]. وقوله: ﴿شاهدين على أنفسهم﴾ [التوبة: ١٧ ]
﴿وشَهِدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا كافرين﴾ [الأعراف: ٣٧] أي أقرّوا. وقد يعبِّرُ بها عن
· البيان. ومنه عندَ بعضهم: مُبِيِّنين لدينهِ، لأنَّ الشاهدَ يبينُ ما يشهدُ به وعليهِ. وقيلَ: يتبينُ
بشهادتهِ ما يوجبُ حكمَ الخاكم.
وقولُه تعالى: ﴿شهِدَ اللهُ أنَّه لا إِلَّهِ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] يحتملُ أن يُراد
بذلك الإِعلامُ، أي أعلمَ اللهُ. وأن يرادَ البيانُ أي يبيَّن. وأن يُرادَ الحكمُ أي حَكمَ بذلك.
وقال بعضُهم: أنَّ((شهدَ)) هنا قد استُعملَ في معانٍ مختلفةٍ؛ فإِمّا أن يكونَ ذلك من باب
الاشتراكِ أو الحقيقة أو المجازِ، وكلاهما مَقولٌ بهِ. والاستدلالُ على ذلكَ في غير هذا.
فشهادةُ الله تعالى بذلك إِعلامُه وبيانُه وحكمُه، وشهادةُ الملائكة ومَن معهم إقرارُهم
بذلك كما بينًا. وقد بيَّن ذلك بعضُهم في عبارةٍ حلوةٍ فقال: فشهادةُ الله بوحدانيته هي
إيجادُ ما يدلُّ على وحدانيته في العالم وفي نفوسنا، وأنشدَ : [من المتقارب]
٨٣١ - أيا عجباً كيف يُعصى الإِلهُ
أم كيف يَجحدُه الجاحدُ؟ (١)
تدلُّ على أنَّه واحدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ
وقال بعضُ الحكماء إِنَّ اللهَ تعالى لَما شَهِد لنفسه كان شهادَتُه أَنَّ أنطق خلقه
بالشهادة له. قلتُ: فإِنْ قيلُّ: فقد أنكرَ أكثرُ العالِم قلتُ: كلُّهم ناطقون بذلك إِمّا بلسان
القالِ وإِما بلسان الحالِ، وإِنْ وَجد كفرُهم وشركُهم عناداً، وأما شهادةُ الملائكةُ بذلك
فهي إِظهارُهم أفعالاً يؤمَرُون بها، وهيَ المدَّلولُ عليها بقولِه: ﴿فالمُدبِرَاتِ أَمْراً﴾
[النازعات: ٥]، وأمّا شهادةُ أولي العلم فهي اطّلاعُهم على تلك الحِكم وإِقرارُهم بذلك.
وإِنما خَصَّ أولي العلمِ لأنهم هم المُعتبرون، وشهادَتهم هي المعتبرةُ. وأمّا الجُهالُ
فُمْعدون عنها. وعلى ذلكَ نَّه بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشِى اللهَ من عباده العلماءُ﴾
[فاطر: ٢٨] وهؤلاء هم المعنيَّون بقولِه: ﴿والصدِّيقينَ وَالشُّهداءِ والصالحِينَ﴾
[ النساء: ٦٩].
(١) البيتان لأبي العتاهية في ديوانه ١٠٤ والأغاني ٤ /٣٥.

٢٩٩
باب الشین
قولُه تعالى: ﴿وجاءتْ كُلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] أي من يشهدُ له
وعليهِ، وهمُ الحَفَظُ الذين كانوا يكتبون أقواله وأفعاله ويُحصونَها عليه، وأما السائقُ
فغيرُهما. وقيلَ: أحدُهما يسوقُه. وليسَ المرادُ بالسائقِ والشهيدِ الواحدَ بل الجنسُ. قولُه:
﴿أو ألقَى السَّمْعَ وهو شهيدٌ ﴾ [ق: ٣٧] أي يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على حدٍّ منَ
قيلَ فيهم ﴿أولئك يُنادَون من مكانٍ بعيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿واسْتُشهدوا
شَهيدينٍ من رِجالكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي شاهدينٍ. يقالُ: شاهدٌ وشهيدٌ. إِلا أنَّ صيغةً
فعيلَ أبلغُ، والشهيدُ الشرعيُ بالنسبةِ إِلى عدم غُسلِهِ والصلاةِ عليهِ هو مَن قُتل في حربٍ
الكفارِ بسببِ القتالِ. والشهيدُ في الأجركالمَبْطُونِ والغريقِ كما جاءً في الحديث(١).
إِنما سُمُّوا كلُّهم شُهداءَ لأنَّ أرواحَهم شَهِدت دارَ السَّلام، أي أُحْضِرتْها. وأما
أرواحُ غيرِهم فلا تُحضّرُها إِلى يوم البعث. قال الهرويُّ: وعلى ذلك يؤوَّلُ قوله تعالى:
﴿بَلْ أحياءٌ عِندَ رَبِّهم يُرِزَقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال أبو بكر: لأنَّ اللهَ وملائكته
شهودٌ لهم بالخيرِ. وقيلَ: سُمّوا شُهَداءَ لأنهم ممن يُستشهدُ يومَ القيامةِ معَ الأنبياءِ على
الأمم. وقيلَ: سُموا بذلك لحضورِ الملائكةِ إِياهُم، إِشارة إِلى ما قالَ تعالى ﴿ تَتَنَزَّلُ عليهم
الملائكةُ ألا تخافوا ولا تَحزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. وقيل: لأنهَّم يشهدون في تلك الحالة
ما أعدَّ اللهُ لُهم من النَّعيم.
قلتُ: وقدحكى لي شيخٌ صالحٌ من دُمياطَ أيامَ رحلتي إِليها - وقد زرت قبورَ
الشهداء هناكَ في مكانٍ يقالُ له شَطا(٢) - فقال - وقد أراني قبراً حَسناً عليه بناءٌ عظيمٌ:
هذا قبرُ شَطا. قلتُ: وما شَطا؟ قال: ابنُ ملكٍ من ملوكِ الفرنجِ، جاءَ مع أبيه وجيشه
ليأخذوا ثَغْرَنا. فلما التحمَ القتالُ قُتلَ ناسٌ من المسلمين، فدخلَ شَطا في المعركةِ فوجدَ
رجلاً من المسلمينَ يتشحَّطُ في دمهِ فوقَفَ عليه فكشفَ له لإِرادةِ الله إِياهُ بالخيرِ. فرأى
حوريةً من الجنةِ تبتدرُهُ بكوزٍ من الماءِ. قالَ لها شَطا: اسْقني. فقالتْ: لست لك. فقالتْ
(١) ((الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله)) البخاري في
الجماعة والإمامة، (٤) باب فضل التهجير إلى الظهر ٦٢٤، ومسلم في الإمارة، باب بيان الشهداء
حديث رقم ١٩١٤.
(٢) شطا: بالفتح والقصر، وقيل شطاة، بليدة بمصر على ثلاثة أميال من دمياط على ضفة البحر الملح.
معجم البلدان ( شطا) ٣٤٢/٣.

٣٠٠
· باب الشین
له أخرى أحسنُ منها: لو كنتَ مسلماً وقُتلتَ كنتُ لك. فتركَ صفهَّم وجاء لصفِّ
المسلمين، فابتدرُوهُ ليقتلوهُ فأشارَ إِليهم فأمسكوا عنه حتى قصَّ قصتهُ. ثم لم يزلْ يقاتلٌ
قومَه ويقاتلونَه حتى قُتلَ رحمه الله. فأخذ ودُفن هناك. فمن ثمَّ يزارُ. فهذا معنى قولٍ منَ
قالَ: إِنھم یشاهدون في تلك الحالة ما أُعدَّ لهم. وقيل: لأنهم عندَ الله -أي عند حیاته -
كقولِه تعالى: ﴿والشهداءُ عندَ ربِّهم لهُم أجرُهم﴾ [الحديد: ١٩] فبيَّنَ جهةَ العِنْدِيَّة.
قوله تعالى: ﴿ تَبْغونها عوجاً وأنْتُم شهداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] أي نبوة محمد
إنَُّ قولُه تعالى: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الفجرٍ كان مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] أي تشهدُهُ ملائكةٌ
الليلِ وملائكةُ النهارِ، أي تحضُرُهُ، وقيلَ: معناهُ أنَّ صاحبهَ يشهدُ الشفاءَ والرحمةَ المشارَ :
إليهما بقوله: ﴿ونُنزِّلُ منَ القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين﴾ [الإسراء٨٢] والتوفيق
والسَّكيناتٍ والأرواحَ. قولُه تعالى: ﴿وادْعُوا شهداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] قال ابنُ عباسٍ:
معناه أعوانُكم. وقال مجاهدٌ: الذين يشهدون لكم. وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: معناهُ مَن
يُعْتَدُّ بحضورهِ عكسُ مَن قيلَ في حقِّهم: [من البسيط]
٨٣٢ - مُخَلَّفون ويَقضي اللهُ أَمَرَهُمُ
وهم بغَيْبٍ وِفِي عَمياءَ ما شَعَروا(١)
وقيل: يجوز فيه جميعُ ما ذُكر في معنى الشهادة. وكذا جوِّزَ في قَولِهِ: ﴿وَنَزَعْنَا.
من كلِّ أمةٍ شهيداً ﴾ [القصص: ٧٥]. قوله: ﴿وكفَى باللهِ شَهِيداً﴾ [النساء ٧٩] أي لا.
يفوتُ علمَه شيءٌ. وفيه إشارةٌ إلى معنى ما تضمَّتَه قولُه تَعالى: ﴿لَا يَخْفَى على الله منهم.
شيءٌ﴾ [غافر: ١٦]. وقولُه: ﴿يَعلمُ السرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧]. قوله: ﴿ويتلوهُ شاهدٌ
مِنهُ﴾ [هود: ١٧] أي حافظٌ ملكٌ. وقيل: هو عبدُ الله. وفي حديث أبي أيوبَ: ((لا
صلاةَ بعدَ العصرِ حتى يُرَى الْشاهدُ. قيلَ: يا أبا أيوبَ وما الشاهدُ؟ قالَ: النجمُ))(٢).
وفسّرها الفراءُ بأنها صلاةُ المَغْرِبِ(٣). قال: وهو اسمها. قالَ شَمِّرٌ: وهذا راجعٌ إِلى ما فسَّرَ
أبو أيوبَ أنه النجمُ، كأنَّه يشهدُ على الليلِ. وقال أبو سعيدٍ: سُميتْ صلاةَ الشاهد
الاسْتواءِ المُسافرِ والمُقيم في أنها لا تُقْصَرُ. قال الأزهريُّ: والقولُ الأرجحُ هو الأولُ، ألا
(١) البيت للأخطل في ديوانه ٢٠٨
(٢) الفائق ١ / ٦٨٤ والنهاية ٥١٤/٢ وغريب ابن الجوزي ٥٧٠/١.
(٣) النهاية ٢ /٥١٤.