النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب الباء الاضطجاعه. وقولُه ﴿وباؤوا بغضبٍ﴾ [البقرة: ٦١] أيْ حلُّوا مُتَبَوَّاً، ومعهم غضبٌ، فالباءُ حاليةٌ لا متعديةٌ، فليست كالتي في مررتُ بزيدٍ. وفي ذلك تنبيهٌ حسنٌ، وهو أنَّ المكانَ الذي فيه موافقةٌ لنزولهم صحبَهُم فيه غضبُ اللّهِ، وهو عقابهُ، فكيفَ بغيرهٍ منَ الأمكنةِ؟ وذلك يجري مجرى قوله تعالى: ﴿فبشرهُم بعذابٍ أليم﴾ [آل عمران: ٢١]. يقول الشاعر: [من الوافر] ٢٠٥ - تحيةُ بِينِهِمْ ضِرْبٌ وَجيعُ(١) أي إِنْ كان لهم بشارةٌ فبالعذابِ، وإِن كان ثَمَّ تحيةٌ فهو الضربُ. قولُهُ: ﴿إِنِي أُريدُ أنْ تُبُوءَ بإِنمي وإِثمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] أي تُقيمَ بهذِهِ الحالِ، ومنه: [ من الكامل] ٢٠٦ - أنكرتُ باطِلَها وبُؤْتُ بحقٌّها(٢) قالَ الراغبُ(٣): وقولُ مَن قالَ: أقررْتَ بحقٌّها فليسَ تفسيرهُ بحسبٍ مُقْتضَى اللفظ. قلتُ: وكذا في قوله عليه الصلاةُ والسلام: ((أبوءُ بنعمتك عليَّ))(٤). وعن خلفٍ الأحمرِ(٥) أنه قال: في قولِهِم. حَيَاكَ اللَّهُ وبِيَّاكُ اللهُ، أي زوَّجكَ، من الباهِ. وأصلُه: وبوَّاكَ أي جعلَ لكَ مَبْوَاً، فقُلبتِ الواوُ بالازْدِواجِ، كما قالوا: الغَدايا والعشايا، قاله الراغبُ. ب وب : البابُ: مدخلُ الشيءٍ، ومنه بابُ الدارِ. والبابُ أيضاً: ما يُتوصَّلُ منهُ إِلى غيرهِ. (١) عجز بيت لعمر بن معدي كرب في ديوانه ١٤٩ وصدر: (وخيل قد دلفت لها بخيل ). وتقدم البيت برقم ٩٧ . (٢) صدر بيت للبيد في ديوانه ٣١٨ وعجزه: (عندي ولم يفخر عليّ كرامها ). (٣) المفردات ١٥٩. (٤) البخاري رقم ٥٩٤٧ وأحمد ١٢٢/٤ والنهاية ١ /١٥٩. (٥) خلف بن حيان أبو محرز (ت ١٨٠ هـ) المعروف بالأحمر راوية عالم بالأدب ، من أهل البصرة . كان معلم الأصمعي الاعلام ٢ /٣٥٨ معجم الأدباء ٠٦٦/١١ والقول ليس لخلف الأحمر كما توهم المؤلف ونقله من المفردات ١٥٩، بل هو لعلي بن المبارك الأحمر صاحب الكسائي. و((حياك وبياك)) في اللسان (بي، حتي) وديوان المعاني ٢١٨/٢ ، ولكلمة بياك عدة تفاسير، منها : أضحكك ، عجَّلَ لك ما تحب ، بوّاك منزلاً .... وفي كتاب الإتباع ٢٤ - ٢٥ ((بياك: ملكك، اعتمدك بالتحية، قَرَّك)). ٢٤٢ باب الباء ومنه تقولُ: هل هذا بابُ كذا؟ أي الذي يُتَوَصَّلُ مِنه إِلى معرفة ما عُقد لَهُ منَ الكلامِ. وهذا بابٌّ لكذا أي طريقهُ، ويطلق ويرادُ به السببُ الموصلُ إِلى ذلك، والعلةُ الحاملةُ عليه. فيقالُ: الصلاةُ والصومُ والزكاةُ والحجُ وأفعالُ البرِّ كلّها أبوابُ الجنةُ. والزِّنا والسرقةُ وأفعالُ الفجورِ كلُّها أبوابُ جهنمَ. لأنَّ هذه أسبابٌ جعلها اللَّهُ تعالى مُوصلةً إِلى ذلك إِنْ شَاء. وقال عليه الصلاةُ والسلام في حقِّ ابنِ عمِّه أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه: ((أُنَا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بأبُها))(١)، وذلك لما أخذَ عنه وأودعَه إِياهُ لا سيَّما من علومِ القرآنِ. وما أحسنَ هاتين الكنايتينِ حيثُ شبَّه نفسَه الزكيةَ بمدينةٍ ملأى علماً، وجَعل علياً موصولاً به إليها. ولذا الأمرِ ما عُلم عليَّ بالنسيةِ إِلى النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم إِلا مثلُ نسبةٍ باب المدينةِ إِليها. فأينَ البابُ من المدينة؟ هذا مع ما عُلم وشُهرَ من غزارةٍ علمٍ عليّ وتزايدهِ. ويُجمعُ على أبواب. قال تعالى: ﴿فكانت أبواباً﴾ [النبأ: ١٩]، ﴿لها سبعةٌ أبوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿وَفُتحت أبوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] ويُصغَّرِ على بُوَيْبٍ. وَيُجمع على أبوبةٍ، ولم يَثْبِتْ. قال: ولاجُ أبوبةٍ(٢). ويقالُ: بَوَّبتُ الأشياءَ، أي جعلتُ لها أبواباً. تخصُّها. هذا من بابةٍ كذا أي ممّا يَصلحُ له، ويُجمعُ على باباتٍ. قالَ الخليلُ(٣): بابةٌ في الحدود. بَوَّبتُ باباً: عملتُ. وأبوابٌ مُبُوَّةٌ. والبّوابُ: حافظُ الباب. وتَبَوَّتُ: اتّخذتُ بوآباً. ب و ر: البَوارُ: الهلاكُ. ومنهُ: ﴿وَأَحْلُوا قومَهُم دارَ البَوارِ﴾ [إِبراهيم: ٢٨] أي الهلاك. وكنتُم قَوماً بُوراً﴾ [الفتح: ١٢] أي هَلكى. وأصلُ ذلك من البَوارِ وهو فَرطُ الكسادِ، وذلك أنه لما کان فرطُ الکساد يؤدِّي إِلی الفساد کقولهم: کسَد حتی فسدَ، عُبر به عن (١) يروى الحديث:((أنا دار الحكمة وعلي بابها»، المستدرك ١٢٦/٣ كشف الخفاء ٢٠٣/١. (٢) من بيت شعر وتمامه في اللسان والتاج والصحاح (بوب) يخلط بالبر منه الجدّ واللينا ) ( هناك أخبية ولاج أبوبة وينسب إلى القلاخ بن حبابة وقيل لابن مقبل . (٣) العين ٤١٥/٨. ٢٤٣ باب الباء الهلاك. يقالُ: بارَ يَبورُ بَواراً وَبَوْراً. وفي الحديث: ((نعوذُ باللَّهِ من بَوارِ الأيِّم))(١) أي كسادها عن الزواجِ. وبارَ المتاعُ والسوقُ من ذلك. وأرضٌ بُورٌ وبَوارٌ: لم تُزْرَعْ. وفي الحديث: لما كتبَ لاكَيدِرٍ ((وَأَنَّ لكم البَوْرَ والمَعامي))(٢) قال أبو عبيد: ◌َأَلْبَورُ بفتح الباءِ وضمِّها: الأرضُ لم تُزرع، والمعَامي: الأرضُ المجهولةُ، وأرضٌ بائرةٌ، ورجلٌ حائرٌ بائرٌ (٣)، وجمعهُ بُورٌ. وقيلَ: بُورٌ في الأصل مصدرٌ. وُصِفَ به الواحدُ والجَمعُ نحوَ: رجلٌ بورٌ. قال: [من الخفيف] راتقٌ ما فَتَقتُ إِذْ أَنَا بُورُ(٤) ٢٠٧- يا رسولَ المليكِ إِنَّ لساني وقال تعالى: ﴿وكنتم قَوماً بُوراً﴾ وبارَ الفحلُ الناقةَ، أي شَمَّها الاقحُ هي أم لا؟ واستُغيرَ ذلك للاختبارِ: فقيلَ: بُرْتُ زيداً أي اخْتَبَرتُه، وفي الحديث: ((كنا نَبورُ أولادَنا بحبِ عليَّ)»(٥) أي نُجرّبُهم ونختبرهم. وفي الحديث: (( كان لا یری بأساً بالصلاة على البُوريّ»(٦) والبارِيَّةُ والبورِياءُ بمعنَى واحدٍ: نوعٌ من الحُصْرِ. فصل الباء والياء ب ي ت : البيتُ(٧): مأوى الإنسان ليلاً، هذا أصلُه لاشتقاقهِ منَ البَيْتونةِ، ثمَّ أُطلق على كلِّ منزلٍ وإِنْ لم يكنْ بالليلِ. وقيلَ: أصلهُ مصدرٌ يقالُ: باتَ يَبيتُ بَيئاً. وسواءً كان مَبنياً (١) مجمع الزوائد ١٤٦/١٠ والطبراني في المعجم الصغير ٣٧٢ والأوسط ٨٣/٣ والنهاية ١ /١٦١. (٢) غريب ابن الجوزي ٩٠/١ والنهاية ١٦١/١ وغريب أبي عبيد ١٩٩/٣ وانظر الخبر كاملاً في العقد الفريد ٤٧/٢ . (٣) البائر : الهالك . (٤) البيت لعبد الله بن الزبعرى في ديوانه ٣٦ والجمهرة لابن دريد ٢٠٣/٣،٢٧٧/١ وأمالي القالي ٢٠٢/٢. (٥) الغريبين ٢١٩/١ وغريب ابن الجوزي ٩٠/١ والنهاية ١/ ١٦١. (٦) غريب ابن الجوزي ٩٠/١ والنهاية ١٦٢/١. (٧) في الأشباه والنظائر ٩٩ ذكر الثعالبي أن (البيت ) في القرآن على تسعة أوجه: المنزل المبني المسجد الكعبة الخيمة العش الكهوف السفينة السجن الخان . ٢٤٤ باب الباء ! باللبنِ ونحوهِ، أم من صوفٍ أم شَعَر إِلا أنه غلبَ في المبنيِّ جمعُه على بيوتٍ، وفي المنسوجِ على أبياتٍ، وقد يَجيءُ عكسُه بقلَّةٍ؛ قال الشاعرُ: [ من الوافر] ٢٠٨ - على أبياتكم نزلَ المثاني قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أنْ تُرفَعَ﴾ [النور: ٣٦] عَنَى بها المساجد، ورفعُها تعظيمُها. وقولُ مَن قالَ: أنْ تعلّو نوعٌ من ذلك، أي لا تُمتهنُ بالاستفالِ، وقيلَ: أرادَ بها بيوتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم(١)، وهي حقيقةٌ بذلك، قيلَ: أريدَ أهلُ بيتهِ وقومهِ، وقيلَ: إِشارةٌ إِلى القلبِ، ومنهُ قولُ بعضِ الحكماءِ في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيه كلبٌ أو صورةٌ))(٢) إِنه القلبُ. وعُنيَ بالكلبِ الحرصُ، بدلالة: كَلَبَ فلانُ: اشتدَّ حرصُه، وهو أحرصُ من كلبٍ(٢) قاله الراغبُ ولیس بذلك. قوله: ﴿ولمن دخَل بَيْتِي مؤمناً﴾ [نوح: ٢٨] قيلَ أرادَ مَسجدي. وقولُه: ﴿وإِذْ بوَّأنا لإِبراهيمَ مكانَ البيتِ﴾ [الحج: ٢٦] يَعني مكةَ. وقوله: ﴿ربِّ ابنٍ لي عندكَ بَّيتاً في الجنةُ﴾ [التحريم: ١١] أي اجعلْ لي فيه مقرًّاً. وقوله: ﴿واجعلوا بيوتَكُمْ قِبلةُ﴾ [يونس: ٨٧] ﴿وإِذْ يَرفعُ إِبراهيمُ القواعدَ منَ البيت﴾ [البقرة: ١٢٧]، وكذلك ﴿بالبيت العتيقِ﴾ [الحج: ٢٩] لأنه ◌ُتق منَ الطوفان أو من الجبابرة. وصارَ ((أهلُ البيت)) متعارفاً في آلِ النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم. وقوله: ((سلمانُ منّا: أهلَ البيت))(٤) إِشارةٌ إِلى قولهِ: مَولى القومِ منهم. والبياتُ: قصدُ العدوِّليلاً، وكذلك التَّبْبيتُ، قال تعالى: ﴿فجاءَها بأسُنَا بَياتاً أو هم قائلون﴾ [الأعراف: ٤]. وبيَّتَ العدوّ. التَّبييتُ: تدبيرُ الأمرِليلاً، وأكثرُ ما يكونُ في. المكرِ، قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُون ما لا يَرْضَى مِنَ القَولِ﴾ [النساء: ١٠٨] ﴿بَيَّتَ طائفةٌ (١) هو قول مجاهد. الدر المنثور ٢٠٣/٦ وتفسير ابن كثير ٣٠٣/٣. ! (٢) البخاري في بدء الخلق برقم : ٣١٧٣،٣٠٥٣ ومسلم برقم ٢١٠٦ في اللباس والزينة شرح السنة ٠١٢٦/١٢ (٣) أحرص من كلب: من الأمثال العربية، مجمع الأمثال ١ /٢٢٨ المستقصى ٦٤/١ والدرة الفاخرة الأصبهاني ١٣٤/١، ١٦١ وجمهرة الأمثال ٣٤٣/١، ٤٠٢. ويروى: أحرص من خنزير (المستقصى ٦٤/١) وأحرص من ذئب (جمهرة الأمثال ١٤٣/١). (٤) أخرجه الحاكم ٥٩٨/٣ وكشف الخفاء ٤٥٩/١ وأسباب ورود الحديث:٠٣٦٧/٢. ۔۔۔ ٢٤٥ باب الباء منهم غيرَ الذي تقولُ﴾ [النساء: ٨١] ﴿واللَّهُ يكتبُ ما يُبيّتون﴾ [النساء: ٨١]. وبيَّتَ على كذا: عَزَمَ عليهِ قاصداً له، ومنه: ((لا صيامَ لمن لم يُبيِّتِ الصِّيامَ))(١) من أولِ الليلِ، وقوله تعالى: ﴿لَنُبِيِّتَنَّه(٢) وأهله﴾ [النمل: ٤٩] من ذلك، أي لنُوقظَ به الهلاكَ. وقوله: ﴿واجعلوا بيوتَگُم قبلةً﴾ يعني المسجد الأقصى. وقوله: ﴿فما وجدْنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٦] أراد أهل بيتٍ، سمَّاهم بيتاً إِطلاقاً للمحلّ على الحالِّ، وهما كقوله: ﴿واسألٍ(٣) القريةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وباتَ يفعلُ كذلك يدلُّ على ملازمة الصِّفة للموصوف ليلاً، كما أنَّ ظَلَّ يدلُّ على ذلك نهاراً. قال: [من الرجز] والموتُ من بعضِ الحياةِ أهونْ ٢٠٩- أظلُّ ارعی وأبيتُ المھْجَنْ قد يريدُ الصيرورةِ. ومنهُ ﴿ظِلَّ وجهُهُ مُسْوَدّاً﴾ [النحل: ٥٨]، و((لا يَدري أينَ باتتْ يدهُ))(٤) وقوله: ﴿يَبِيتونَ لربّهم سُجَّداً (٥) وقياماً﴾ [الفرقان: ٦٤] من الأول. وكلُّ مَن أدركَه الليلُ فقد بات نامَ أو لم يَنَمْ. ويعبّرُ بالبيت عن الشَّرفِ العالي، فيقال: لفلانٍ بَيْتٌ، وهو من بيتٍ. وإلى ذلك أشار العباسُ رضي الله عنه يمدحُ نبيّنا صلى اللَّه عليه وسلم يخاطبه بذلك: [من المنسرح] ٢١٠ - حتى احتوى بيتُك المَهِيْمِنُ مِن خنْدفَ، علياءَ تحتَها النُّطْقُ(٦) أرادَ ببيته شرفَه العالي، وجعله في خنْدفَ أعلى بيتاً. وخندِفْ هي ليلى القُضاعيةُ(٧)، امرأةٌ إِلياسَ بنِ مُضرَ. ولُقَّبت خِنْدفَ لِما رُويَ أنها وُلدت لإِلياسَ عامراً (١) النهاية ١٧٠/١،٩٢/١ وغريب ابن الجوزي ٥٣/١ والفائق ٥٧/١ والغريبين ١٢٤/١. (٢) قرأحمزة والكسائي وخلف والأعمش والحسن وابن مسعود (لَتُبَيْتَنْهُ) السبعة ٤٨٣ والنشر ٣٣٨/٢ وقرأمجاهد وطلحة والأعمش وحميد وابن وثاب ( لتَبَيْتنَّه) إِعراب النحاس ٥٢٧/٢ ومعاني الفراء ٠٢٩٦/٢ (٣) قرأ الكسائي وخلف وابن كثير (وَسَلْ) الإتحاف ١٦٧ غيث ٢٥٩. (٤) أخرجه البخاري برقم ١٦٠. (٥) قرأ أبو البرهسم (سجوداً) البحر المحيط ٥١٣/٦. (٦) البيت في الغريبين ٢٣٠/١ والنهاية ١٧٠/١ ٧٥/٥٤. (٧) ليلى القضاعية: ليلى بنت حلوان بن عمران ينسب إليها بنوها من زوجها إلياس بن مضر. قال الشريشي هي أم عرب الحجاز الاعلام ١٦/٦، اللسان ٩٨/٩ والتاج (خندف) ٢٨٢/٢٣ طبعة الكويت. - ٢٤٦ باب الباء : وعَمراً وعُميراً، فشرَدت لهم إِلٌّ فخرجوا في طَلبها، فأدركَها عامرٌ فسُمي مُدْرِكة، وصَادَ عمرو أَرنباً وطَبخَها فسُميّ طابِخة، وقَمَع عميرٌ في بيتهِ فسُمي قَمَعَةً. فلما أبطأُ عليها أولادُها خرجتْ تُخَندفُ في أَثرهم - أي تُهروِلُ - فلُقبتْ خِندَفَ(١). ولم تزلِ العربُ تفخر بهذا البيت، قال : [من البسيط ] ناراً، إِذا خَمَدتْ نِيرانُهم تَقِدُ(٢) ٢١١- تَرفَعُ لي خِنْدِفٌ واللّهُ یرفعُ لي پ ي د: بادَ يَبِيدُ بَيْداً فهو بَائِدٌ أي هلكَ. قال تعالى: ﴿ ما أظنّ أنْ تَبيدَ هذه أبداً ﴾ [الكهف: ٣٥]، وأصلُه مِن بَادَ في البَيداءِ أي تَفرَّقَ فيها وتوزَّعَ، وذلك إِنَّما يكونُ غالباً في الهلاكِ. والبيداءُ: المفازةُ التي لا شيءَ بها، ثم عُبِّرَ عن كلِّ هالكٍ بِالبائدِ وإِن لم يكُنْ في البيداءِ. وجمعُها بِيدٌ، نحوُ بِيضٍ في بيضاءَ. والأصلُ الضمُّ كحُمرٍ في حمراءَ. وإِنما كُسرتْ لتصحَّ الياءُ. وأتانٌ بَيدانةٌ أي تسكنُ الباديةَ البيداءَ. وَبَيَدَ بمعنى غير يكونُ في الاستثناءِ المنقطعِ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنا أفصحُ مَن نطقَ بالضَّادِ بَيدَ أني من قريشٍ»(٣) أي غيراً. أنّي وقيلَ: هيَ هُنا بمعنى على، أي على أني، وليس بذلك. وفي الحديث: (إِنّ قوماً يغزونَ البيتَ فإِذا نَزلوا في البَيداءِ بعثَ اللَّهُ جبريلَ فيقولُ: يا بَيداءُ أَبِيدِيهم. فتُحسَفُ بهم))(٤) البيداءُ .. ب ي ض: البياضُ: أشرفُ الألوانُ، وهو أصلُها، إِذ هو قابلٌ لجميعها. وقد ندب الشرعُ إِلى إلباسهِ في المجامعِ كالجُمعِ والأعياد. وقد كُنِي بذلك عن السرورِ والبِشرِ، وبالسوادٍ عن الغمِّ. قال تعالى: ﴿يومَ تَبَيَضُّ وجوهٌ وَتَسوَدُ وُجوهٌ﴾(٥) [آل عمران: ١٠٦]، ولذلك (١) (الخندفة: المشي في سرعة، وذلك أن زوجها قال: علامَ تخندفين وقد رُدّت الإبل)) الاشتقاق ٤٢. (٢) البيت للفرزدق في ديوانه ٢١٦. (٣) الغريبين ٢٣١/١ والنهاية ١٧١/١ وغريب ابن الجوزي ٩٦/١. (٤) المصادر السابقة . والبخاري برقم ٢٠١٢ ومسلم برقم ٢٨٨٤ . (٥) قرأ يحيى بن وثاب وأبو نهيك والعقيلي (تِبْيض .... وتِسْود) وقرأ الزهري والحسن وابن محيصن وأبو الجوزاء ( تَبياضٌ .. وتَسوادٌ) الإملاء للعكبري ٨٥/١ وإعراب النحاس ٣٥٦/١. ٢٤٧ باب الباء البيضُ ناضرةٌ مستبشرةٌ والسودُ مُغَبَّرَةٌ مُفْترَةٌ(١) حسبمَا وَصفَ ذلك في كتابه. ولما كانَ البياضُ أفضلَ الألوان قالوا: البياضُ أفضلُ والسوادُ أهولُ، والحمرةُ أجملُ، والصُّفْرةُ أشكلُ. وعُبِّر عن الكرمِ بالبياضِ فيقالُ: له عندي يدٌ بَيضاءُ أي معروفٌ. وفي مدحه عليه السلام مِن أبي طالبٍ عمّه: [ من الطويل] ٢١٢ - وأبيضَ يُستَسقَى الغمامُ بوجهه . ثمالَ اليَتَامَى عِصمةً للأراملِ (٢) ولقد صدق في ما بهِ نَطقَ. والبَيضُ: جمعُ بيضةٍ وهيَ ما يخرجُ من الطائرِ وبعضِ الحيواناتِ، سُميتْ بذلك للونها غالباً. وقد تُوجدُ غير بيضاءَ. وقد شَبهتِ العربُ بها المرأةَ للونِها ولصيانَتِها، فإِنها مَحَضونةٌ تحتَ مَن يَبيضُها من طيرٍ وغيرهِ، قال تعالى: ﴿كأنهنَّ بَيْضٌ مَكْنونٌ ﴾ [الصافات: ٤٩] قيلَ: يَعني به بيضَ النَّعام لأنَّ فيه بعض صفرةٍ، والعربُ تحبُّ هذا اللونَ. قال : [ من البسيط ] ٢١٣- كأنها فضةٌ قد مسَّها ذَهبُ(٣) وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢١٤ - كبكرٍ مُقاناة البياضِ بصفرةٍ غَذاها نَميرُ الماءِ غيرُ محلّلٍ (٤) وتُذكرُ البيضةُ تارةً مدحاً لمن يوصَفُ بالصِّيانةِ والعزَّةِ نحو: هو بيضةُ البلد، ومنه: [من الکامل] فالمحُّ خالصُهُ لعبد مَناف(٥) ٢١٥ - كانتْ قُریشٌ بيضةٌ فَفَلَّقتْ وتارةً ذمّاً لمن كان مُبتذلاً كالبيضَةِ المَذِرَةِ (٦) التي تُطرحُ بالدِّمنِ. فقولهُم: فلانٌ (١) أي يعلوها سواد كالدخان. (٢) البيت في النهاية ٢٦٦/٢٠٢٢٢/١ وأنساب الأشراف ٥٥٣. (٣) عجز بيت لذي الرمة في ديوانه ٣٣ وصدره: (بيضاء في بَرَجٍ صفراء في غنجٍ) وتقدم البيت برقم ١٤٧ (ب ر ج) . (٤) البيت من معلقته وهو في ديوانه ١٦. (٥) البيت لعبد الله بن الزبعرى في ديوانه ٥٣. (٦) البيضة المذرة : الفاسدة . ٢٤٨ -- باب الباء بَيضةُ البلدِ من الكلامِ الموجَّه. وبيضةُ الحديد تَشبيهاً بالبيضة في بعض هيئتها ولونها والبياضُ لِما لم يُزْدَرعْ من الأرضِ والسوادُ لمزدرَعِها (١)، ومنه أرضُ السوادِ. وَيُعبَّرُ عن الجَمعِ وعن المُعْظمِ بالبيضةِ، وفي الحديث: ((حتى يستبيحَ بيضَتهم)) (٢)؛ قال الهرويُّ عن شَمِر: عنَى جَماعَتَهم وأَصلَهم. وقالَ الأصمعيُّ: بيضةُ الدارِ وسطُّها ومُعْظمُها. يقال: أَبْيَضَ يَبْيضُ بَياضاً وابْيضاضاً، فهو مُبْيضٌ، وأبْيضَّ وابْياضَّ ابيضاضاً أبلغُ من أبيضَ. ب يع: مقابلةُ مالٍ بمالٍ أو مُقابلةُ منافعَ بمالٍ. وقيلَ: البَيعُ: إِعِطَاءُ المُثْمَنِ وأخذُ الثَّمنِ. والشراءُ: إِعطاءُ الثّمنِ وأخذُ المُثْمن، وقد يقعُ هذا موقَع هذا. وذلك بحسب ما يُتصورُ من الثَّمنِ والمُثْمَنِ. قال تعالى: ﴿وَشَرَوَه بِثَمنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قلتُ: إِنْ جعلنا الضميرَ المرفوعَ لإِخوتهِ. أمّا إِذا جعلناهُ للسيارة فهو على بابهِ. قوله: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وقتَ النداءِ يُحرَّمُ الشراءُ، وكذا،: ﴿لا تُلهِيهِم تجارةٌ ولاٍ بَيْعٌ﴾ [النور: ٣٧]. قال الراغبُ: لا يَشتري على شِراءُ(٣)، والأظهرُ يكونُ على أصلهِ هو أنْ يجيءَ الرجلُ إِلى مُشترٍ فيقول: عندي سلعةٌ خيرٌ من هذهِ وأرخصُ منها، فهذا بَيعٌ على بيعٍ أخيهِ، وبذلك فسّه الشافعيُّ. وقوله: ﴿فاستبشروا بِبيعكُم الذي بايعتُم بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] إِشارةٌ إِلى بيعة الرُّضوانِ في قوله: ﴿لقد رضيَ اللَّهُ عنِ المؤمنينَ إِذ يبايعونَك تحتَ الشجرة﴾ [الفتح: ١٨] وإلى الشراءِ المذكورِ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْترى مِنَ المؤمنينَ أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنةَ(٤)﴾ [ التوبة: ١١١]. والبيعةُ والمُبايعةُ: ما يأَخِذُه الإِمامُ على رعيتهِ من المواثيقِ بالسَّمعِ والطاعةِ . وابتعتُ المتاعَ: عرضتُه للبيع. وقولُهُ: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ﴾ [الحج: ٤٠] جمعُ بِيعَةٍ، وهي مُصلّى (١) ازدرع القوم : اتخذوا زرعاً لأنفسهم خصوصاً، أو احترثوا. (٢) غريب ابن الجوزي ٩٧/١ والنهاية ١ /١٧٢ وأحمد ٢٧٨/٥، ٢٨٤. وانظر : مسلم والترمذي وأباداود : الفتن . (٣) المفردات ١٥٥. وقد أسقط المؤلف هنا الحديث الذي ذكره الراغب وهو «لايبيعن أحدكم على بيع أخيه)) والحديث أخرجه مسلم برقم ٢٤١٢. : (٤) قرأ عمر بن الخطاب والأعمش (بالجنة) بدل (بأن لهم الجنة) البحر المحيط ١٠٢/٥ : ٢٤٩ باب الباء النَّصارى، وقيلَ: كنائسُهم وليسَ بشيءٍ. وقوله عليه السلامُ: ((البَيِّعانِ بالخيارِ))(١) يريدُ البائعَ والمشتري، يقالُ لكلٍ منهُما بَيِّعٌ وبائعٌ. قيلَ: ويجوزُ أن يكونَ إِنما أُطلقَ على المُشتَرِي بَيِّعٌ لأنَّه من بابِ التغليبِ، وهو محلّ نظرٍ. ب ي ن : بانَ الشيءُ يبينُ بَيْناً فهو بائنٌ. وبانَ بمعنى فارَقَ. قالَ كعبُ بنُ زهيرٍ: [ من البسيط ] ٢١٦- بانتْ سعادُ فقلبي اليومَ مَتْبُولُ (٢) وبانت المرأةُ بالطلاق، وأبانَها زوجُها، وأَبنْتُ الأمرَ وبيَّنْتُه: أظهرتُه بَياناً وتبياناً، كقوله تعالى: ﴿تلقاءَ أصحاب النارِ﴾ [الأعراف: ٤٧]، وما عداهُما مفتوحٌ نحو التَّدادِ والتَّجوالِ والتَّطوافِ. وقولُنا في المصادرِ تحذّرنا في الأسماءِ فإِنه يكونُ يكثُرُ فيها ذلك، نحو: التِّمثال والتّجفاف والتِّمساح. قال الهرويُّ: يقالُ: بانَ لكَ وأبانَ(٣) واسْتبانَ وبيَّن وتَبيَّن بمعنَى واحدٍ. قلتُ: كلُّها يجوزُ أن تكونَ قاصرةً ومتعدِّيّةً إِلا بانَ فإِنه قاصرُ. وقولُه تعالى: ﴿وَلِتَستبينَ (٤) سبيلُ المجرمينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] مَن رفعَ سبيلَ جعله قاصراً، ومن نَصبهُ جعلهُ متعدياً. وقال تعالى: ﴿فلما تبيَّنَ له أنَّه عدُوٌّ لَّهِ تَبرَّأَ منهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقوله: ﴿وتبيَّنَ(٥) لكم كيفَ فَعلْنا بِهِم﴾ [إبراهيم: ٤٥] فهذا قاصرُ، ويقالُ: تبيَّنْتُ الحقَّ واسْتَبَنْتُه أي استوضحتهُ فاتَّضحَ. وقوله: ﴿هذا بيانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] أي فصلٌ ذو بيان. والبَينُ: لفظٌ مُشتركٌ بينَ المصدرِ والظرفِ. ويقالُ: بانَ زيدٌ بَيناً، وجلستُ بينَ القومِ. وقوله تعالى: (١) أخرجه البخاري في البيوع باب ٤٣، الحديث ٢٠٠٣ ومسلم في البيوع رقم ١٥٣١ وانظر غريب ابن الجوزي ٩٨/١ والنهاية ١٧٣/١ والغريبين ٢٣٢/١ ومسند أحمد ٤/٢، ٩ والبخاري ومسلم وموطأ مالك في البيوع . (٢) ديوانه ٦ وعجز البيت: (متيم إِثرها لم يفْدَ مكبول ). (٣) فعلت وأفعلت للجواليقي وللزجاج٧. (٤) قرأ الحسن (ولْتَسْتَبْن) الإتحاف ٢٠٩ وقرأ نافع وأبو جعفر (ولِتَسْتَبِينَ سبيلٌ) السبعة ٢٥٨ والحجة لأبي زرعة ٣٥٣ والإتحاف ٢٠٩ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وخلف وشعبة والأعمش ( وليَسْتَبينَ سبيلٌ) السبعة ٢٥٨ والنشر ٢٥٨/٢. (٥) قرأ السلمي وعمر بن الخطاب (ونُبَيِّنُ) القرطبي ٩ /٣٧٩ والبحر المحيط ٤٣٦/٥. ٢٥٠ باب الباء ﴿ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، قال الهرويُّ: أرادَ بَينَنا، وإِنما قالَ: بيني وبينكَ توكيداً، كما يقالُ: أخرَى اللَّهُ الكاذبَ منِّي ومنكَ، يريدُ منَّا. قلتُ: يعني في أصلِ التركيبِ لو قيلَ كذا لأفادَ، وفيه نظرٌ لأنه يفيدُ المعنَى المقصودَ من قولكَ مثلاً: هذا فراقٌ بيني وبينَ زيدٍ. قولُكَ: هذا فراقٌ بَبيننا لأنَّ الأولُ أخصُّ منَ الثاني، وأخصُّ في المعنى بخلاف الثاني، فإِنَّه يحتملُ احتمالاً ظاهراً. وقد حقَّقناهُ في (التفسير)) و((الدرٌ المصون))، فلما أضافه للياء تعيَّن تكريرهُ بالعطف لأنَّ بينَ لَا تُضافُ إِلا إِلى متعدٍ لفظاً أو تقديراً نحو: بينَ الزيدينِ أو الزيدِينَ. وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بينَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] لأنَّ ذلك إِشارةٌ إِلى الفارضِ والبكرِ. ولذلك احتاجَ النحاةُ أن أجابوا عن قولِ امرئ القيس: [ من الطويل]. ٢١٧ - بينَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلٍ(١) قالوا: كانَ مِن حقّه أن يعطفَ بالواوِ لأنَّها لمطلقِ الجمعِ، وأجابوا بأنَّ تقديرَهُ بينَ مواضعِ الدَّخولِ، أو بأنه لمّا كانَ الدَّخولُ اسماً يحوي أماكن كثيرةً نحوُ: دارُنًا بينَ مصرَ، وقوله: ﴿فلمّا بلغَا مَجْمِعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] قال الراغبُ(٢): يجوزُ أن يكونَ مصدراً أي موضعَ المُفْترِقِ، قالَ: ولا يُضافُ إلى ما يَقْتضي معنى الوحدةَ إِلا إِذا حُرِّرِ كقولهِ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وَبَينِكَ خِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]. قلتُ: ليسَ هذا مطابقاً لما ذكرهَ لانَّ لفظه بأفصحِ إِضافةٍ بينَ إِليها من غيرٍ تكريرٍ، نحو: المالُ بَينَنا. وقوله: ﴿لقد تَقطّع بينكم(٣)﴾ [الأنعام: ٩٤] قُرئً بالنصب على الظرف، فقيلَ: هو صلةٌ لموصولهِ محذوف أي: تقطّع الذي بَينكم، وقيلَ: الفاعلُ مقدَّرٌ أي تقطعَ الوصلُ والألفُ بينكم، وقيل: هو مَبَنِيِّ لإضافتهِ إِلى غيرِ متمكِّنٍ، وبالرفعِ على الفاعليةِ أي تقطّعَ وصلُكم. والبينُ من الأضداد، قال الراغبُ: أي وصلُكم. وتحقيقُه أنه ضاعَ عنكُم الأموالُ (١) من مطلع معلقته في ديوانه ٨ وتمام البيت : ( قفا نبك من ذکری حبيب ومنزل بسقط اللوی بین الدخول فحومل ) (٢) المفردات ١٥٦ . (٣) قرأابن مسعود ومجاهد والأعمش (ما بينكم) البحر المحيط ١٨٣/٤ ومعانى الفراء ٣٤٥/١ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وعاصم ومجاهد (بينكم) السبعة ٢٦٣ إعراب النحاس ٥٦٦/١ والإتحاف ٢١٣. ٢٥١ باب الباء والعشيرةُ والأعمالُ التي كنتُم تَعْتمدونَها، إِشارةٌ إِلى قولهِ: ﴿ يومَ لا يَتْفِعُ مالٌ وَلا بَنونَ ﴾ [الشعراء: ٨٨]. وعلى ذلك قوله: ﴿ولقد جِئْمُوْنَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقوله: ﴿أُنزِلَ (١) عليه الذِّكُرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] أي مِن جُملتِنا. وقوله: ﴿لن تؤمنَ بهذا القرآنِ ولا بالذي بينَ يديهِ﴾ [سبأ: ٣١] أي متقدِّماً لهُ منَ الإِنجيل ونحوه. وقوله: ﴿وَأَصلِحوا ذاتَ بَينِكُم﴾ [الأنفال: ١] أي راعُوا الأحوال التي تجعلگُم من القرابة والوُصْلة، وقيل: معنی حقیقة وصلگم وذلك أن ذات كذا بمعنى صاحبة كذا، أو كأنَّه قيل: أَصلحوا صاحبةَ وصلِكم وصاحبةً وصلِهم على ما قدَّمْنا ذِكرَه معنى القرابةِ وغيرِها . والبيّنةُ: الأمرُ الواضحُ، ومنه قولهُ: ﴿إِني على بَيِّنةٍ من ربِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] أي أنا على أمر واضحٍ ظاهرٍ. والبِيّةُ: الحُجَّةُ، ومنه: ((البيِّنَةُ على المدَّعي))(٢) لأنَّ بها ينكشفُ الحقُّ ويتَّضحُ. والبيّنةُ: الدَّلالةُ الواضحةُ عقليةً كانت أو حسيَّةٌ. وقال بعضُهم(٣): البيانُ على ضربينٍ: أحدُهُما أن يكونَ بالَّنجيزِ، وهي الاشياءُ التي تدلُّ على حالٍ مِنَّ الأحوالِ من آثارِ صُنعهِ. والآخرُ بالاختيارِ، وذلكَ إِما أن يكونَ كتابةً أو إشارةً أو نُطقاً، فممَّا !هو بيانٌ الحالِ كقولهِ تعالى: ﴿إِنه لكم عدوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]. وما هو بيانٌ بالاختبارِ كقوله تعالى: ﴿لِتُّبِيِّنَ للناسِ ما نُوْلَ إِليهم﴾ [النحل: ٤٤]. ويُسَّمى الكلامُ بَياناً لأنه يكشفُ المقصودَ. والبيانُ قد يكونُ فعلاً أيضاً، ومنه قولُ الفقهاء: بيانُ المُجمَلِ، لأنه يكشِفُهُ ويوضّحُه، فالبيانُ أعظم مِن النطقِ لِما عَرفتَ. ويقالُ: آيةٌ مُبيِّنةٌ، وَآيَاتٌ مُبيِّنَاتٌ باسمٍ الفاعلِ على مَعنى أنها بَيِّنتْ ما أُريدَ منها، وباسمِ المفعولِ على مَعنى أنَّ اللَّهَ قد بيَّنها على لِسانِ رُسلهِ. وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلينا بَيَانَه﴾ [القيامة: ١٩] أي إِخراجه من حدّ الإجمالِ إلى حدٍّ (١) قرأ نافع وابن اليزيدي (آنزِلَ) الحجة لابي زرعة ٦٨٢ وقرأ نافع وابن كثير وقالون وأبو عمرو ( أُنْزِلَ) الحجة لابي زرعة والسبعة ٥٥٢ وقرأ ابن مسعود (أمْ أُنْزِلَ) معاني الفراء ٣٩٩/٢. (٢) كشف الخفاء ٢٨٩/١ ومسلم ١١٧١ والبخاري برقم ٢٣٧٩، ٢٥٢٤، ٤٢٧٧. (٣) المفردات ١٥٧ . ٢٥٢ باب الباء البيان. وقوله: ﴿ولا يكادُ يُبِينُ (١)﴾ [الزخرف: ٥٢] أي لا يكادُ يُفهِمُ ما يُتِكِلَّمُ بهِ: ﴿لَيَهلِكَ مَنْ هَلكَ عن بيِّنَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤٢]. أي أنَّه فاصلةٌ بينَ الحقِّ والباطِلِ تقومُ عليهِ بها الحجةُ وتُلزمهُ العقوبةَ. وقوله: ﴿حتَّى تَأْتِيَهُم البيّنةُ﴾ [البينة: ١] الآية، يعني رسولَ اللَّه صلى اللّه عليه وسلم ورسالته. وقوله ◌َّهُ: ((إِنَّ منَ البيان لسحراً))(٢). قال أبو عبيد: هو من الفَهم وذكاءِ القلبِ مع اللَّسَنِ. وأبانَ ولدَهُ: أعطاه مالاً يُبيِّنُه به، والاسمُ البائنةُ. قال أبو زيدٍ: لا يقالُ: بائنةٌ إِلا إِذا كان الإِعطاءُ من الوالدين أو أحدهما. وعن أبي بكر يقولُ لعائشةَ رضي اللَّه عنها: ((إِني كنتُ أَبَنْتُكِ بَنُحْلٍ))(٣)، وفي حديثِ النعمانِ الطويل أنه قال: ((فهل أَبَنْتَ كلَّ واحدٍ منهم مثلَ ما أَبنْتَ هذا؟))(٤) أي أعطيتَه البائنة. قالَ الراغبُ(٥): بين موضوعٌ للخَلالةِ بين الشيئينِ ووسَطَّهُما، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنُهما زَرْعاً﴾ [الكهف: ٣٢]. يقال: بانَ كذا أي انفصلَ وظهرَ ما كانَ مُستَراً. ولمَّا اعْتُبرَ فيه معنى الظهورِ والانفصالِ استُعمَل في كلِّ واحدٍ مُفرداً، حتى قيلَ للبشرِ البعيدةِ القعرِ: بَيونٌ لانفصالِ الحبلِ من يدِ صاحبهِ. وبانَ الصُّبحُ: ظهرَ، واللّهُ أعلمُ. (١) قرأ الباقر (يَبين) البحر المحيط ٢٣/٨ وهو من (بأن) إِذا ظهر. (٢) غريب ابن الجوزي ٩٨/١ ومسند أحمد ١٦٩/١ ،٣٠٣ والبخاري فى النكاح ٥٤٣٤، ٤٨٥١ والنهاية ١ / ١٧٤ . (٣) غريب ابن الجوزي ٩٩/١ والنهاية ١٧٥/١. (٤) غريب ابن الجوزي ٩٩/١ ومسند أحمد ٢٦٨/٤ والنهاية ١٧٥/١. . (٥) المفردات ١٥٦ . ٢٥٣ باب التاء المثناة التاء : قد تقدَّمَ أنَّ التاءَ تكونُ حرفَ جرِّ للقَسم ولا تجرُّ إِلا الجلالةَ، وقد تجرُّ الربَّ مضافاً للكعبة نحو: تَربِّ الكعبة. وقد تجرُّ الرَّحمنَ، قالوا: تالرحمنٍ. وفيها معنى التعجب والاستعظامٍ كقوله: ﴿وتاللَّهِ لأكيدنَّ أَصنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ﴿تاللَّه تَفتأْ تذكُرُ يوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] وقال الشاعر: [من البسيط] ٢١٨- تالله یبقی علی الأيام ذو حدٍ بمشمخرٌ بهِ الظَّيّانُ والآسُ (١) وهي فرعُ الواوٍ في القَسم، والواوُ فرعُ الباءِ، والتاءُ فرعُ الفرعِ(٢). ومن ثمَّ اقتُصرِ بها على ما لم يُقتصرْ بالواوِ عليه، كما اقْتُصر بالواوٍ على ما لم يُقتصرْ بالباءِ عليه على ما بَيْنَاهُ في كتبِ النحوِ. وتكونُ للتأنيثِ، والأصلُ فيها الفرقُ بينَ المذكر والمؤنثِ نحوُ: ضاربة. وقد تكونُ لمجرد التأنيث نحوُ: ناقة ونَعجة. وتكونُ للمبالغة نحو: علاّمة. وللتعريب نحو: كيالجة وموارجة. ولفرق الواحد من جمعهِ نحو: بُرَّةٌ وبُرّ. وقد يُفرَّقُ الجمعُ، ولم يَرَدْ منه إِلاَّ كمْأة وخَبْأة؛ فهما جمعانِ والمفردُ كَمٌ وَخَبءٌ. وتكونُ علامةٌ لتأنيثِ الفاعلِ؛ فتختصُّ بالماضي نحو قامتْ. وتكونُ للتَّعويضِ نحو: أختٍ وبِنتٍ. وتُقُرُّ وَقْفاً ووصلاً بخلافٍ تاءِ قائمةٍ ونحوِها؛ فإنّها تُبدلُ في الوقفِ بهاءٍ، وتكونُ مع ألفٍ قبلَها علامةٌ لجمع الإناثِ نحو: البناتِ، وتُقَرُّ في الأعرافِ. وقد تلحقُ بعضَ الحروفِ نحو: رَبَّتَ وَثَمَّتَ ولاتَ ولعَلَّتَ، ولا خامسَ لها. وتكونُ للمضارعة إِمّا لخطابٍ نحو: تقومُ أنتَ، وتقومان أنتُما، وتقومون أنتم، وتقمْنَ أنتنَّ. وإِمّا لتأنيثٍ (١) اختلفوا في نسبة البيت بين أبي ذؤيب الهزلي وأمية بن عائذ وعبد مناف ومالك بن خالد الخناعي الهذلي . والبيت في ديوان الهذليين ٢/٣ وصدره: (والخنس لن يعجز الأيّامَ ذو حَيَدٍ) سيبويه ٩٧/٣ وأمالي الشجري ٣٦٩/١. والخزانة ٤ /٢٣١ والدر ٢٩/٢ والدر المصون ٤٣/١ وسفر السعادة ٣٦٠ وابن يعيش ٩ /٩٨. (٢) الإتقان ٢٢٢/٢ « الباء أصل حرف القسم، والواو بدل منها، والتاء بدل من الواو، وفيها زيادة معنى التعجب ، كأنه تعجب من تسهّل الكيد على يديه وتأتّيه مع عتوّ نمروذ وقهره.)) والسيوطي يتحدث عن قوله تعالى ﴿والله لأکیدن أصنامكم﴾. ٢٥٤ باب التاء نحو: هي تقومُ. وتكونُ ضميراً فتُضمّ للمتكلم وتُفتحُ للمخاطب وتكسرُ للمخاطبةٌ . وتَتَّصلُ بها علامةُ التثنيةِ والجمعِ تذكِيراً وتأنيئاً. فصل التاء والباء ت ب ب: التَّبابُ والتَّْبيبُ: الخسران. قال تعالى: ﴿وما كيدُ فرعونَ إِلَّ فِي تَّبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وما زادوهُم غيرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]. ويُعبّر به عن الهلاكِ، لأنَّ الهالك خاسرٌ نفسَه ومالَه. ويقالُ في الدعاءِ عليهِ: تَبَّاً لَهُ وتَبِّ، نصباً ورفعاً. وتَبِّتُه: قلتُ له ذلك، نحوُ أنَّفْتُه أي قلتُ له: أُفِّ أَفِّ. وَتُضِمِّنُ معنى الاستمرارِ، فيقال: اسْتَتَبَّ لي الأمرُ أي استمرَّ. ومعنى ﴿تَبِّتْ يَدا أبي لهبٍ﴾ [المسد: ١] أي خسرتْ واستمرتُ في الخبرانِ، والمرادُ جملتُه. وإِنَّما خَصَّ اليدينِ بالذكرِ لأنهما محلّ المُزاولةَ. قال تعالى: ﴿ذِلك بما قدَّمت يداك﴾ [الحج: ١٠] وقد قُدِّمتْ رجلاهُ ولسانه . ت ب ت: قوله تعالى: ﴿أن يأتيكم التابوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. التابوتُ هذه الآلةُ المعروفةُ تُنْحتُ من خشبٍ وغيره. وأصلهُ لما يُجعلُ فيهِ الميتُ. وقد يُجعلُ فيه غيرهُ. وقد كانَ رُضاضَ الألواحِ(١) التي أَنزَلَّها ربُّنَاَ على موسى في قصَّةٍ مذكورةٍ. وقيل: هو كنايةٌ عن القلب والسكينة، عبارةٌ عن العلمِ والطَّمأنينة، ويرشِّحُه تَسميتُهم القلبَ سَفَطَ العلم، وبيتَه بيتَ الحكمة وتابوتَها وصندوقَها. ولهذا يقَالُ: اجعلْ سِرَّك في وعاءٍ غير سَرِب(٢) وعلى ذلك قال عمرُ في حقِّ ابنِ مسعودٍ: ((كُنَيفٌ مُلئَ عِلمً))(٢)، وهل هوَ منَ التَّوْبِ؟ وهو الرجوعُ لأنَّه يَرجعُ إِليه صاحبهُ عندَ حاجةٍ يأخذُهاَ منه، فيكونُ وزنهُ فَعَلوت كملكوت ورَهَبوت من المُلك والرَّهْبة، أو لا اشتقاقَ لهُ ووزنهُ فاعول، حُكم عليه بأصالةِ تاءَيهِ كقاطوعٍ، خلافٌ مشهورٌ بَيّناهُ في (الدرِّ المصون)(٤). وهل تُقلبُ تاؤه في الوقِفِ هاءٌ (١) رضاض الشئ : :هو ماتکسر منه ، ويعني تابوت بني إسرائيل. (٢) مثل ورد في مجمع الأمثال ١٦٧/١ وفصل المقال ٥٦ والأمثال لابن سلام ٥٧ والمستقصى: ٥٠/١. (٣) سير أعلام النبلاء ١/ ٤٩١ وطبقات ابن سعد ١١٠/١ والحلية ١٢٩/١ والنهاية ٢٠١٥/٤ والكنيف تصغير الكنف وهو الوعاء . (٤) الدر المصون ٥٢٢/٢- ٥٢٣. ٢٥٥ باب التاء وتكتبُ بهاءٍ؟ المشهورُ لا . وقد قُرئ التابوهُ بالهاء وهي لغةُ الأنصارِ. ويُحكى أنَّهم لمّا كتبوا المصاحفَ في خلافة سيّدنا عثمانَ أرادَ زيدٌ أن يكتبه على لغته بالهاء وأبى المهاجرون ذلك، فبلغَ عثمان فأمرَ أن يُكتَبَ بلغةٍ قريشٍ حسبما بيِّنا ذلك في كتابنا المشار إليه. ت ب ر: قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِدِ الظالمينَ إِلاَّ تَباراً﴾ [نوح: ٢٨]. الثَّبارُ: الهلاكُ. وَتَبَره يَتْبِرُه: بالغَ في هلاكهِ. قال تعالى: ﴿وَكُلاَّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ [الفرقان: ٣٩]، وأصلهُ من التَّبر وهو الكسرُ. ومنه تَبَر الذهبَ: كسرَه. ت بع: الاتِّبَاعُ (١): اقتفاءُ الأثرِ. يقالُ: تَبعه واتَّبعه؛ فتارةً يكونُ بالجسم نحو تبعتهُ في الطريقِ واتَّبعتهُ فيها، وتارةً بالامتثالِ(٢). وعلى ذلك ﴿فمنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣] وفي موضعٍ ﴿فمن تَبْعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] ويقالُ: ﴿تَبِعه وأتْبعه بمعنى لحقَه وألحقّه(٣)، وعليه ﴿فَأَتْبعَه شهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ﴿فَأَتْبَعَه الشيطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿فَأَتْبَعَهُم فرعونُ بجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨] كلُّه بمعنى الإلحاق، قاله الفراء وغيرهُ. وكذلك أَتْبَعَ كقوله: ﴿فأَتبِعَ سَبِباً﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿ثم أَتْبِعِ سَيَباً﴾ [الكهف: ٨٩] بمعنى لحقَ، وقد قُرىَّ ذلكَ بالوجهينِ(٤). فقد تحصَّلَ أنَّ تَبعَ وَاتَّبَعَ وَأَتْبَع كلُّه بمعنى لحقَ وأَلحقَ. وسُميتْ ملوكُ اليمنِ تَبَابِعةً لأنَّه كُلما هَلَك واحدٌ خلفَه واحدٌ وتَبعه فيما كانَّ(٥). وفَرَّقَ ابنُ اليَزِيدِيِّ بِينَ تَّبَعه وأَتْبَعه، فجعلَ أَتْبَعِه: قَفَاهُ، واتَّبَعه: حَذَا حَذْوَه، ومُنْعِ أَنْ (١) ((الأصل فيه أن يقفو المتّبع أثر المتّبَع بالسعي في طريقه. وقد يستعار في الدين والفعل. وهو في القرآن على هذين الوجهين.، الأشباه والنظائر للثعالبي ٣٩. (٢) المفردات ١٦٢ (تارة بالجسم، وتارة بالارتسام والائتمار. (٣) فعلت وأفعلت للزجاج ١٢ . (٤) قرأ أبو عمرو (فاتَّبَعَ) الإتحاف ٢٩٤. (٥) التبابعة: ملوك اليمن، وأحدهم تُبَع وزادوا: الهاء في التبابعة لإرادة النسب. ((اللسان: تبع ٤٣١/٨. ٢٥٦ . باب التاء يُقالَ: أَنْبعناكَ لأنَّ معناهُ: اقْتَدَيْنَا بَكَ. وفي المثلِ: ((أَتبعِ الفُرسَ لجامَها))(١)، يقالُ لإرادةِ تكميلِ المعروفِ. وقوله: ﴿ إِنَّا كنَّا لكم تَبَعاً﴾ [إبراهيم: ٢١]، جمعُ تابعٍ نحوُ خَدَمٍ وخادمٍ. والتَّبيعُ: الطالبُ بنحقٍّ أو ثأرٍ. ومنه ﴿ثم لا تَجدوا لِكُم عَلينا بهِ تَبيعاً﴾ [الإسراء: ٦٩]. والتَّبيعُ: ولدُ البقرةِ إِلى سَّنةٍ؛ لأنه يَتْعُ أمَّه؛ وفي الحديث: (في كلِّ ثلاثينَ تَبِيعٌ))(٢). وبقرةٌ مُتْبعٌ: لها تَبِيعٌ. قال الراغبُ(٣). والتَّبيعُ خُصَّ بولدِ البقرةِ إِذا اتَّبَعَ أُمَّه. والتَّبَعُ: رِجِلُ الدّابةِ، وسُميتْ بذلك لما قال الشاعرُ: [ من الرجز] طالِبَتا وَتِرٍ وَهَارِبانِ(٤) ٢١٩- كأنَّمَا الیدان والرُجلان قوله: خُصَّ بولد البقرة ليس كذلك، کقوله تعالى: ﴿ ثم لا تجدوا لکم عَلینا بهِ تَبيعاً ﴾. والمُتْبَعُ منَ البهائم: التي يَتْبعها ولدُها. وتُبَّعٌ لكلّ مَن ملكَ اليمنَ ككسرى لكلِّ مَن ملكَ الفُرسَ. والتَّعُ: الظِّلُّ. وفي الحديثِ: ((إِذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ))(٥) أي إِذا أحيلَ فَلَيَحْتُلْ. فصل التاء والتاء ت ت ر: قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رُسُلَنَا تَتْرِى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي مُتتابعينَ. وزَعم ثعلبٌ أنَّ وَزِنَها تَفْعَلُ وغلَّطَه الفارسيُّ وهو صحيحٌ لاشْتقاقها من المُواتَرةِ، وتاؤُها الأولى بَدلّ منَ الواو(٦)، وهناكَ أذكرُها مُستَوفياً الكَلامَ عليها لِما قدَّمتُ في خطبةِ هذا الكتابِ أني أنظرُ إلى الأصول. (١) مجمع الأمثال ١٣٤/١ والمستقصى ٣٢/١ وجمهرة الأمثال ٩٢/١ وفصل المقال ٣٤٥ والأمثال لابن سلام ٢٣٩. (٢) غريب ابن الجوزي ١ /١٠/٢ ومستد أحمد ٢٣٠/٥ والنهاية ١ /١٧٩. (٣) المفردات ١٦٣ . (٤) البيت لبكر بن النطاح في محاضرات الراغب ٤ / ٦٤١ عيار الشعر ٣٧. وانظر أخباره في الأغاني -- ١٠٥/١٩ - ٠١٢٠ (٥) غريب ابن الجوزي ١٠٢/١ ومسند أحمد ٢٤٥/٢ والبخاري في الحوالة ٢١٦٦ والنهاية ٠١٧٩/١ (٦) اللسان ((وتر: ٢٧٦/٥)). : ٢٥٧ باب التاء فصل التّاء والجيم ت ج ر: التجارةُ: التَّصرفُ في المالِ بَيْعاً وشراءٌ طلباً للرِيحِ؛ فهي أخصٌّ منَ البيعِ، لأنَّه قد لا يكونُ لطلب ربحٍ، فمن ثَمَّ حُسنَّ الجمعُ بَيْتَهما في قولهِ تعالى: ﴿لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بَيْعٌ عن ذِكرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] وقُدِّمتِ التجارةُ لأنها أحبُّ إِلى النفوسِ. وقوله: ﴿فما رَبَحتْ تجارَتُهم﴾ [البقرة: ١٦]، وأسندَ الرِّيحَ إِليها مَجازاً ومبالغةً كقولهم: نهارُه صائمٌ. ومنه قولُ جرير: [ من الطويل] ٢٢٠ - لقد لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرَى ونمْتٍ، وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ(١) وقوله تعالى: ﴿هل أدُلُّكُم على تجارةٍ﴾ [الصف: ١٠] قد فسُّرها بقوله: ﴿ تُؤمنون﴾ إِلى آخرهِ. وأيُّ تجارةٍ أربحُ من تجارةٍ تؤدِّي إِلى النّجاة من العذابِ المؤلم الفادحِ؟. ويقالُ: تاجِرٌ وتَجْرٌ؛ فتَجْرٌ إِمّا جمعُ تكسيرٍ وإِمّا اسمُ جمعٍ حسبما اختلفَ النحویون في راكبٍ وركْبٍ وصاحبٍ وصَحْبٍ. وتُستعارُ التجارةُ للحِذْقِ في الشيء؛ فيقالُ: فلانٌ تاجرٌ في كذا أي حاذقٌ في وجوهٍ. قالوا: وليسَ في كلامهم تاءٌ بعدَها جيمٌ غيرُ هذه المادة. فأمَّا تجاهٌ فمن الواوٍ كتراثٍ من الوراثةِ، وتَجوبُ فالتاءِ للمضارعة. فصل التاء والحاء ت حت: تحتَ: ظرفُ مكانٍ تُقابلُ فوقَ، والكلامُ عليهِ في تصرُّفهِ وعدمهِ، كالكلام على مُقابله، فُيُجرِّ بمن كما تُجرِّ قبل وفوق. قال تعالى: ﴿تجري من تحتها﴾ [البقرة: ٢٥] وهو يعني أَسفلَ. وقيلَ: بينهما فرقٌ بأنَّ تحتَ تُستعملُ في المنفصلِ، وأسفلَ في المتَّصلِ. يقالُ: المالُ تحتَه. وأسفلهُ أغلظُ من أعلاهُ. وقد يُعبِّرُ بالتّحْتِ عنِ الشيءِ الدُّونِ؛ فيقالُ: فلانٌ تحتٌ فينصرفُ. وعلى هذا قال (١) ديوانه ٥٥٤. وأم غيلان :بنت جرير. ٢٥٨ باب التاء عليه الصلاةُ والسلام: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تظهرَ التِّحوتُ))(١) أي الدونُ منَ الناسِ. وقيلَ: أريدَ بالتُّحوتِ ما في بطنِ الأرضِ كقوله: ﴿وَأَخرجتِ الأرضُ أثقالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] وقوله: ﴿وألقتْ ما فيها وتخلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]. ورَوى الهرويُّ: ((لا تَقومُ السّاعةُ حتى يَهلِكَ الوعولُ وتظهرَ التُّحوتُ))(٢) أي الأراذلُ من الناسِ ومَن كانوا تحتَ أقدامِهم. قلتُ: أرادَ بالوعولِ هنا سَرَواتِ الناس ووجوهَهم لمقابلتهم بالتُّحوت. فصل التاء والخاء ت خذ: ـ يقالُ: تَخذْتُ كذا أي اتَّخذتُه. ويَتَعدَّى لاثنينِ إِذا ضُمِّن، يعني صُيَِّ كِاتَّخِذَ. وقُركَ بالوجهينِ: ﴿لَتَخِذْتٌ(٣) عليه أجراً﴾ [الكهف: ٧٧] و ((لاتَّخذْتَ)). فتَخذَ بمعنى أَخذَ وانَّخَذَ؛ افتعالٌ منه. قال تعالى: ﴿أفتتَّخذونَه وذُرِيِّتَه أولياءَ مِن دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]. وقيلَ: اتَّخَذَ من الأخذِ، وإنّما أُبدلتِ الهمزةُ ياءٌ ثم أُبدلتْ تاءٌ. وقد حقَّقناهُ في غيرِ هذا. فصل التّاء والراء ت رب : . الترابُ: معروفٌ، وهو اسمُ جنسٍ، واحدُه ترابةٌ، والتُّربُ بمعناهُ: والتُّربةُ: الأرضُ نفسُها. وفي الحديث: (( خُلقَ اللَّهُ التربةَ يومَ السبتِ))(٤)؛ قيلَ: هو الترابُ، وقيلَ: هو الأرضُ. والتُّرِبُ والتَّوْرَابُ: التراب. وريحٌ تَرِبةٌ: أي تأتي بالترابِ. وقوله: ﴿أُو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لَصِقَ جلدُه بالترابِ لفقرهٍ، وهو أسوأ حالاً من الفقير عندَ قومٍ لهذه الآية. وقد حقَّقْنا الفرق (١) غريب ابن الجوزي ١ / ١٠٤ والنهاية ١ / ١٨٢. (٢) غريب الحديث ١٢٥/٣. (٣) (لتّخِذْت) قراءة مجاهد وابن كثير ويعقوب وأبي عمرو معاني الفراء ١٥٦/٢. (٤) غريب ابن الجوزي ١٠٥/١ ومسند أحمد ٣٢٧/٢ والنهاية ١٨٥/١. ٢٥٩ باب التاء بينَهما في ((القولِ الوجيزِ)). ويقالُ: تَرِبَ الرجلُ: افتقَرَ، وأَتربَ: اسْتَغْنَى بمعنى صارَ ماله كالتُّرابِ(١). وقوله عليه الصلاة والسّلام، وقد قسَّم الأزواجَ: ((عليكَ بذاتِ الدِّينِ تَرِبتْ يداكَ))(٢). قال الراغبُ(٣): وريحٌ تَرِبةٌ: تأتي بالتُرابِ. ومنه قوله: ((تَرِبتْ يداكَ)) تَنْبيهاً أنه لا تفوتُكَ ذاتُ الدِّين، فلا يَحصُلُ لكَ ما تَرومُهُ، فَتَفْقُرُ من حيثُ لا تَشعرُ، كذا فسَرَه، وهو تفسيرٌ باللازمِ البعيد. قالَ أبو عبيد: نَرى أنّه عليه الصّلاةُ والسلام لم يَتَعَمَّدِ الدعاءَ عليهِ بالفقرِ، لكنها كلمةٌ جاريةٌ على ألسنةِ العربِ. وقيلَ ؛ هوَ مثلُ قَولِهِم: هَوَتْ أُمَّهُ، ولا أبَ له، ولا أُمَّ له. ولم يَقصِدُوا الدعاءَ، وإِنَّما قَصدوا: للَّهِ درَّهُ. ومنه قولُ كعبِ بنِ سَعدٍ: [من الطويل] ٢٢١ - هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعثُ الصُّبْحُ غادياً وماذا يؤدِّي الليلُ حينَ يَؤوبُ(٤) فظاهرُهُ: أهلكَه اللَّهُ، وباطنهُ اللَّهِ درُّهُ. ومثله قول جميلٍ بن مَعْمرٍ: [ من الطويل] ٢٢٢ - رمى اللَّهُ فِي عَيْنَيْ بُثينةَ بالقَذَى وفي الغُرِّ من أنيابِها بالقَوَادحِ(٥) أرادَ: ما أحسنَ عَيْنَيْها! وبالغرِّ: ساداتُ قومِها. وقالَ عليه الصلاةُ والسلام في حديثٍ خُزيمةَ: ((أَنْعِمْ صَباحاً تَرِبَتْ يداكَ))(٦)، فهذا دعاءُ له فقط وترغيبٌ: أنْعِمْ صباحاً. وقوله: ﴿خلقناكم من ترابٍ﴾ [الحج: ٥] أي أصلكُم وهو آدمُ. وقيلَ: كلُّ أُحد يُخلقُ من تُربتِه التي يُدفن فيها ويأخذُها الملَك فيذرُّها على النُّطفة. (١) فعلت وأفعلت ١٣ واللسان (ترب). (٢) البخاري في باب النكاح برقم ٤٨٠٢ ومسند أحمد ٩٢/١ وغريب ابن الجوزي ١٠٤/١ والنهاية ١ /١٨٤ ومسلم برقم ١٤٦٦ وشرح السنة ٠٨/٩ (٣) المفردات ١٦٥ . (٤) هو كعب بن سعد الغنوي، أحد شعراء الجاهلية اشتهر بكعب الأمثال لكثرة الأمثال في شعره . والبيت في الأصمعيات ٩٥، معجم الشعراء ٢٢٨. (٥) ديوانه ٥٣ . (٦) النهاية ١ /١٨٤. --- ٢٦٠ باب التاء والتَّرائبُ: جمعُ تَرِيبَةٍ، وهي عظامُ الصدرِ الواقعةُ عليها القلادةُ. قال امرؤ القيس: [ من الطويل] ٢٢٣ - ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجْنجلِ(١) قوله تعالى: ﴿يَخْرِجُ مِن بَيْنِ الصُّلبِ والتَّرائبِ﴾ [الطارق: ٧] إِشارةٌ إِلى أنَّ خلقَ الإِنسان يكونُ من ماءَي الرجلِ والمرأةِ. فمقرُّ ماءِ الرجلِ صلبُه، ومقرُّ ماءِ المرأة تَرائِبُها. وقيلَ: إِنه ينشأُ من لبنِها الخارج من ثديها المجاورِ لترائبها، وتحقيقهُ في غيرِ هذا. وقوله: ﴿عُرُباً أَتْراباً﴾ [الواقعة: ٣٧]، ﴿وعندَهُم قاصراتُ الطَّرفِ أترابٌ﴾ [ص: ٥٢] فالاترابُ: اللَّداتُ وهنَّ مَن تَساوى أسنانُهن؛ كلٌّ واحدةٍ منهنَّ تِرْبٌ للأُخرى. وقيل: أترابٌ لأزواجهنَّ، وهو أكثرُ إِلغةً. وسُمي التِّرْبُ تِرِباً لأنه لَصِقَ جلدُه بالترابِ وقتَ لصوق جلد تربه بالتراب. وقيل: سُمِّينَ أتراباً تشبيهاً في التَّمائِلُ بترائبِ الصدرِ، وهي ضلوعُه لوقوعها في وقتٍ واحدٍ على الأرض. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ولا ذاتُ خُلقٍ إِن تأملتَ جانب (٢) ٢٢٤ - عقيلة أتراب لها ، لا دَميمةٌ ت ر ٹ : وأما تراثٌ من قوله: ﴿وتأكلون التّراثَ﴾ [الفجر: ١٩] فُذكرُ في باب الواوِ. ت ر ف: قال تعالى: ﴿أَمَرْنَا(٣) مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦] المُتْرِفُ: المُتَنعِمُ بضروبِ النِّعم المُتَوسعُ فيها. فالتِّرْفَةُ: التوسّعُ في النِّعمةِ. وهؤلاء هم الموصوفون بقوله: ﴿ فأمَّا الإِنسانُ إِذا ما ابْتَلاهُ ربُّه فأكرمَه وَنَعَّمِه﴾ [الفجر: ١٥]. وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الذين ظلموا ما أُتْرِفِوا فيه﴾ [هود: ١١٦] أي جَعلوا همَّهم في تَتبِّعِ النِّعم، وأغفلوا ما يَهمُّهم من أمورٍ آخرتِهم كغالبِ أحوالِ الناسِ اليومَ. قالَ ابنُ عرفةً: المُتْرِفُ: المتروكُ يصنعُ ما يشاءُ لا يُمنَع ممّا (١) عجزبيت من معلقته في ديوانه ١٥ وصدره ((مهفهفة بيضاء غير مفاضة)) وتقدم البيت برقم ١٥٦ ((المفاضة: الضخمة البطن. والترائب: جمع تريبة، وهي موضع القلادة من الصدر. والسجنجل المرآة بالرومية .) (٢) ديوانه ٤١ ((الجانب: الغليظة اللحم القصيرة ). (٣) انظر أوجه قراءة (أمرنا) في مادة ( أمر).