النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب الباء
ب ط ل:
الباطلُ: الشيء الزائلُ، وهو ما لا ثَباتَ له عندَ التَّقِيرِ عنهُ، لأنَّه نقيضُ الحقِّ، والحقُّ
هو الثابتُ. ويقالُ ذلك بالاعتبارِ إِلى المقالِ والفعالِ. يقالُ: بَطَلَ يَبْطُلُ بُطولاً وبُطلاناً،
وأَبْطِلتُه إِبِطالاً، وبَطَّلتُه تَبْطِيلاً. والإبطالُ يقالُ تارةً لمن يُبطِلُ شَيئاً أي يُفْسِدُهُ وَيُزيلُه، حقاً
كان ذلك الشيءُ أو باطلاً. قال تعالى: ﴿وَ يُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] وتارةً لمن أَتَّى
بالباطل. يقولُ: أبطلَ زيدٌ أي جاءَ بالباطلِ. قال تعالى: ﴿وخَسِرِ هنالك المُبطِلون﴾
[غافر: ٧٨]، فهذا يجوزُ أن يُرادَ بهم مَن جاؤوا بالباطل، وأن يُرادَ بهم من أَبطلوا الحقَّ،
ويقالُ فيمن يقولُ شَيئاً لا حقيقةً له. ومنه قوله تعالى: ﴿لَيقولَنَّ الذين كَفَروا إِنْ أَنْتُم إِلا
مُبْطِلون﴾ [الرُّوم: ٥٨] كانوا في زَعمهم كذلك. ويقالُ فيمَن يَشتغلُ عمَّا ينفعُه من أمرٍ
الدُّنیا والدین.
بَطَلَ يَبْطِلُ بِطالةً بكسرِ الباءِ فهو يَطَالٌ، وقياسُه باطلٌ. والبَطلُ: الرجلُ الشجاعُ
المعرِّضُ نفسَه للموتِ. فقيلَ: سُمِّي بذلك لأنَّه مُبطلٌ لدمِهِ، فهو فَعَلِّ بمعنى مَفعول
كالقبضِ بمعنى مُقْبوض. وقيلَ: لأنه مُبطلٌ دمَه قِرِبةً، فهو فَعَل بمعنى فاعِل. ويقالُ منه:
بَطَلَ يَبطُلُ بطولةً، فهو بَطلٌ.
وبطلٌ نُسب إِلى البطالة. وذهبَ دمُه بُطْلاً أي هَدْراً لم يُؤخذ له بثأرٍ ولا دِيةٍ. وهو
القرعُ أيضاً.
وقوله: ﴿لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديهِ ولا مِن خَلفهِ﴾ [فصلت: ٤٢] إِشارةٌ إِلى
انتفاءِ الباطلِ عنهُ من هاتينِ الجهتينِ الشامِلتينِ لجميعٍ جهاتهِ. وقيل: الباطلُ هنا إِبليسُ،
وذلك أنه أصل كلٌ باطلٍ. والمعنى لا يزيدُ فيه ولا يَنقصُ منه. قال تعالى: ﴿إِنا نحنُ
نزَّلنا الذِّكرَ وإِنّا لَهُ لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
وقوله: ﴿وَيَمحُ اللَّهُ الباطلَ﴾ [الشورى: ٢٤] فسَّرَ بالشِّركِ لأنَّه أعظمُ باطلٍ. وقوله
في الحديث: ((ولن تستطيعَه البَطَلةُ))(١) يَعني بهم السَّحرةَ، وذلك لانَّهم لا أَبطلَ منهم
لتخيُّلِهم الاباطيلَ.
(١) غريب ابن الجوزي ٧٧/١ والنهاية ١٣٦/١ ومسند أحمد ٢٤٩/٥.

٢٠٢
باب الباء
ب ط ن:
البطنُ: يقابلُ الظَّهَزَّ، ويعبَّرُ به عن داخلِ الشيءٍ كما يعبِّرُ بالظاهرِ عن خارجه، ويعبّر
به عن الجهة السُّفلى، كما يعبّرُ به عن العليا. واستُغيرَ في الأمورِ المعنوية نحو: هذا بطنُ
الأمر، وبطنُ الوادي أيضاً، تَشبيهاً ببطنِ الإنسانِ. ومنه: ﴿وَذَروا ظاهرَ الإثمِ وباطنَهُ﴾
[الأنعام: ١٢٠] فظاهرهُ ما يطّلعُ عليه الخلقُ، وباطنُه ما يختصُّ بعلمِه تعالى.
وقيل للعرب: بطنُ وفَخذٌ اعتباراً بأنهم كجسدٍ ينفصلُ فُصولاً. وعليه قولُ الشاعر:
[ من السريع]
١٦٧ - الناسُ جسمٌ، وإِمامُ الهُدَی
رأسٌ وأنتَ العينُ في الرأسِ (١)
فِظُهرانُها لما يَظْهرُ منها ولما يَخْفِى، ويُجمع على بُطْنَانٍ وأَبطُنٍ وبطون. والبطين
والمبطانُ: العَظيمُ البَطْن، الكثيرُ الأكلِ(٢). والبِطنَةُ: كثرةُ الأكلِ، ومنه: (( البطنةُ تُذْهَبُ
الفطنةَ))(٣). وبَطَنَ أي أَشِرٍّ من كثرةَ الأكلِ. وبطنٌ عظيم: بَطِنة. ومُبَطَّنَّ: خَميصُ البطنِ.
ومنه: ((فإِذا رجلٌ مُبُطُّنٌ))(٤) يعني ضامرَ البطنِ. وبَطُنَ: أعيلَ بَطِنُهُ فهو مَبْطون.
والبطانةُ: خلافُ الظَّهارةِ في الملبوسات، واستُغيرَ ذلك فيمَنِ يُراسِلُك ويختصُّ
بسريرتك، ولذلك: لابسْتُ فلاناً ولبِسْتُه. ومنه: ﴿هنَّ لباسٌ لِكُمْ وأنتم لباسٌ لهنَّ﴾
[البقرة: ١٨٧] وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخذوا بِطانةً مِن دُونِكُم﴾ [آل
عمران: ١١٨] أي لا تُخالطوا غيركم من المشركين مخالطةٌ يُطّلع بها على أحوالِكُم
الباطنة .
وفي الحديث: ((ما بعثَ اللَّهُ من نبيّ ولا اسْتخلفَ من خليفةٍ إِلا كانتْ له بطانتان،
بطانةٌ تأمُرُه بالخير وتحضُّه عليه، وبطانةٌ تأمُرُه بالشرِّ وتحثُّه عليه))(٥). وقوله تعالى:
--
(١) البيت للعكوك في ديوانه ٧٤ والأغاني ١١٣/١٨ والحماسة البصرية ١٤٦/١.
. (٢) مقاييس اللغة: المبطان: الكثير الأكل، والبطين: العظيم البطن.
(٣) المثل في المستقصى ٣٠٤/١، وفي مجمع الأمثال ١٠٦/١ وفصل المقال ٤٠٩ (تأفن).
(٤) غريب ابن الجوزي ٧٧/١ والنهاية ١٣٧/١ والحديث في صفة عيسى عليه السلام كما يقول ابن
الجوزي .
(٥) أخرجه البخاري في كتاب القدر برقم ٢٦٣٧ وكتاب الأحكام برقم ٦٧٧٣ وأحمد ٢٣٧/٣
والنهاية ١٣٦/١.

٢٠٣
باب الباء
﴿والظاهرُ والباطنُ﴾ [الحديد: ٣] قيل: يَعلمُ بواطن الأمورِ كما يعلمُ ظواهرها، يعلمُ من
السرِّ ما يعلمُ منَ العلانيةِ. ومنهُ: ﴿سواءٌ منكم مَن أَسرَّ القَولَ ومَن جَهرِ بِهِ﴾
[ الرعد : ١٠ ].
يقالُ: فلانٌ يُبطنُ أمرَ فلانٍ إِذا عَلم سريرتَه، كما قال تعالى: ﴿وهو الذي في السماءِ
إِلهٌ وفي الأرضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] والحكماءُ (١): ((مَثَلُ طالبٍ معرفته مَثلُ مَن طَرَقَ
الآفاق في طلبٍ ما هوَ معهَ))(٢). والباطنُ: إِشارةٌ إِلى معرفته الحقيقية، وهي التي أشارَ إِليها
الصدِّيقُ بقوله: ((يامَن غايةُ معرفتِهِ القُصورُ عن معرفتِهِ))(٢).
وقيل: ظاهرٌ بآياتهِ باطنٌ بذاتِهِ. وقيلَ: ظاهرٌ بأنَّه محيطٌ بالأشياءِ مُدْرِكٌ لها، باطنٌ
في أنْ يُحاطَ بِهِ، كما قال تعالى: ﴿لا تدركُهُ الأبصارُ وهُوَ يُدرِكُ الأبصارَ﴾ [الأنعام:
١٠٣]. وقد رُويَ عن أمير المؤمنينَ عليّ رضيَ اللَّهُ عنهُ ما يدلُّ على تفسيرِ اللفظتينِ حيثُ
قالَ: ((تجلّى لعبادِهِ من غيرِ أن يَرَوهُ، وأراهُم نفسَه من غير أن يَتجلّى لهم))(٤)، وهذا كلامٌ
عظيمُ القدرِ لا يصدُرُ إِلا عن مثلٍ أبي بكرٍ وعليّ رضيَ اللَّه عنهما. ولذلك قال بعضُ
العلماءِ حین حُکي عن أمير المؤمنين عليَّ کَّم الله وجهه: وهذا كلامٌ یحتاجُ إِلی فهم
ثاقبٍ وعقلٍ وافرٍ وَلَعَمري لقد صدقَ. وقيلَ: الظاهرُ بالأدلة والباطنُ الذي لا يُدرَكُ
بالحواسِ.
وقوله: ﴿وأسبغ عليكُم نعَمَهُ(٥) ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠] أرادَ بالظاهرة النبوةَ
والباطنة العقلَ، وقيلَ: أرادَ بالظاهرة النُّصرةَ على الأعداءِ بالبأسِ من سلاحٍ ورجالٍ، والباطنة
النُّصرةَ بالملائكة. وقيلَ: أرادَ بالظاهرةِ المحسوساتِ وبالباطنةِ المعقولات، والآيةُ شاملةٌ
لذلك ولغيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نعمةَ اللَّهِ لا تُخْصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]،
(١) المفردات ١٣١« ولذلك قال بعض الحكماء .. )) والمؤلف ينقل من المفردات حتى نهاية قول أمير
المؤمنين علي.
(٢) المفردات ١٣١.
(٣)، (٤) المصدر السابق.
(٥) معجم القراءات ٨٩/٥ وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة (وأصبغ) المحتسب ١٦٨/٢ قرأ ابن كثير
وابن عامر وحمزة والكسائي وابن عباس وشعبة (نعمة) السبعة ٥١٣ والنشر ٣٤٧/٢ والحجة لابن
خالويه ٢٨٦ وقرأ يحيى بن عمارة (نعمته) المحتسب ٢ /١٦٨.
-.

٢.٤
باب الباء
وقُرئَ هنا: نعمةٌ ونعمٌ جمعاً وإِفراداً، وظاهرةٌ وباطنةٌ يَصلحانِ لوصفِهما لما قرَّرناهُ في غيرِ
هذا.
والبطانُ: حزامٌ يُشدُّ على البَطنِ، يُجمعُ على: بُطُنٍ وأَبْطنةٍ.
والأبْطنانِ: عرقانٍ يُمَدَّانِ على البطنِ. وتَبِّطْنَ الأمرَ: عَرَفه باطناً. وماتَ فلانٌ يَبْطِنَتَه:
لم يَتَغْضْغَضْ منها بشيءٍ، يُضربُ ذلك مَثلاً لمن ماتَ بخيلاً ومالُهِ وافرْ قد حَرم نفسَه منهُ.
(( وماتَ عريضَ البِطانِ))(١) منهُ. وفي الحديثِ عن عبدِ الله بن عمر أنه قال لعبد الرحمن:
((ماتَ بِبطْنِتِهِ لم يَتَغْضِغَضْ منها بشيءٍ)(٢). وفي الحديث أن إِبراهيم عليه السلامُ: (( كان
يُبْطِّنُ لحِيتَه))(٣) أي يأخذُ من باطنٍ شعرِها. وقالَ شَمِرَ: أي يأخُذُ من تحتِ الذَّقَنِ
الشعر.
فصل الباء والظاء
پ ظ ر:
قال الراغبُ (٤): في بعضِ القراءاتِ ﴿واللَّهُ أخرجكم من بُظُورِ أمهاتِكم﴾ [النحل:
٧٨] جمعُ البَظارةِ وهي اللَّحمةُ المتدِّليةُ من ضرعِ الشاةِ، والهَنَةُ النائتةُ من الشَّفةِ العُليا،
فَعُبِر بها عن الهَنِ كما عُبِّر عنه بالبُضْعِ.
قلتُ: وأيُّ معنى لهذه القراءة؟ فإِن البَظارَةِ لا يَخرجُ منها الولدُ لا حقيقةً ولا
مجازاً، وأظنُّ قارئها صحَّفها(٥). وعن علي رضي اللَّه عنه أنه قال للقاضي شُريحٍ في
مسألةٍ سأله إِيّاها: (( ما تقولُ فيها أيُّها العبدُ الأبظرُ؟))(٦) الذي في شَفتهِ العليا طولٌ مَعَ
نتوءٍ (٧). وهذا مِن أميرٍ المؤمنين مفاكهةٌ لشُريحٍ. وكفَى به فَضلاً أنْ سألَه مثلُ أميرٍ
(١) غريب ابن الجوزي ٧٧/١ ((يضرب به مثلاً لمن خرج من الدنيا سليماً لم يثلم دينه بشيء، وقد يقال
للبخيل إِذا مات وترك مالاً كثيراً.)) وهو مثل في المستقصى ٣٣٩/٢ وجمهرة الأمثال ٢٦٩/٢ والأمثال
لابن سلام ٣١٤. ومجمع الأمثال ٢٦٨/٢ ((يضرب لمن مات وماله جم لم يذهب منه شيء»
(٢) غريب ابن الجوزي ٧٧/١. النهاية ١٣٨/١ وغريب الهروي ٤ /١٦٥ ومجمع الأمثال ٢٦٧/٢.
(٣) رواه النخعي في النهاية ١٣٨/١ والغريبين ١٨٣/١ وفي غريب ابن الجوزي ٧٧/١ « كان النخعي
يبطن لحيته)).
(٤) المفردات ١٣٢.
(٥) يقصد أن تكون الآية (من بطون أمهاتكم).
(٦) غريب ابن الجوزي ٧٨/١ والنهاية ١٣٨/١.
(٧) اللسان (بظر) ((الأبظر: الناتىء الشفة العليا مع طولها، ونتوء في وسطها محاذ للأنف)).

٢٫٥
باب الباء
المؤمنين، وأن قالَ له ما قالَ.
فصل الباء والعين
بعث:
البعثُ: أصلُه الإثارةُ والتَّوجيه، ومنهُ بعثتُ البعيرَ. ويختلفُ باختلاف متعلّقاته.
فبعثتُ البعيرَ: أَثرْتُه ووجَّهتُه للسَّيرِ فانْبعثَ. وبعثتُ رَسولي أي أرسلتُه. ومنهُ: ﴿لبعثْنا في
كلِّ قريةٍ نَذيراً﴾ [الفرقان: ٥١] ﴿فبعثَ اللَّهُ غُرابً﴾ [المائدة: ٣١] أي قيَّضَهُ ويسَّرُهُ.
وبعث اللَّه الموتى أي أقامَهم للحشْرِ. ومنه: ﴿والموتَى يبعثُهُمُ اللَّهُ ثمَّ إِليهِ يُرجعونٍ(١)﴾
[الأنعام: ٣٦].
وقوله: ﴿ثم بعثناهُم﴾ [الكهف: ١٢] أي أَيُقظناهم؛ سمَّى إِيقاظهم بَعثاً تَشبيهاً
للنّومِ بالموتِ وهو المَوْتَةُ الصُّغْرى. ومنه: ﴿وهو الذي يَتَوَّفاكُم بالليلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثم
قالَ: ﴿ثم يَبْعِئُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ﴿فَابْعَثُوا حَكماً مِن أهلِهِ﴾ [النساء: ٣٥] أي
أرسلوا.
وقوله: ﴿ولكنْ كرِهَ اللَّهُ انْبِعائَهم﴾ [التوبة: ٤٦] أي ذَهابَهم ومُضيَّهم. وقوله:
﴿مَنْ يَعْثَنا(٢) مِن مَرْقَدِنا﴾ [ يس: ٥٢] إِشارةٌ إِلى فَرطِ جهلِهم حيثُ سمَّوا ما كانوا فيه
مَرْقَداً وما كانوا عليه رُقاداً، وقد كانوا في آلَمِ الأشياءِ وأَشغلها عنِ الرقادِ، أو قالوهُ لأنه مُهيّاً
للرُّقاد.
واعلمْ أنَّ البعثَ نوعانٍ(٢): بَشريُّ كبعثتُ بَعِيرِي وَرَسولي. وإِلهيٍّ، وهو أيضاً
نوعان: نوعٌ اختصَّ به ولم يُقْدِرْ عليه أحداً، وهو إِيجادُ الأعيانِ والأجناسِ والأنواعِ عن
لَيْسٍ. ونوعٌ أقدرَ عليه بعضَ خَلقهِ المُصطَفَيْنَ عنده كإِحياءِ الموتى وإيجادِ الخُفّاشِ من
مادةِ الطينِ على يدِ عيسى عليه السلام(٤)، وكإِحياء بعض الحيوانِ وهو أبلغُ مِن إِحياءِ
(١) قرأ يعقوب (يَرْجعون) الكشاف ١٢/٢ والبحر المحيط ٤ /١١٨.
(٢) قرأ ابن عباس ومجاهد والضحاك (مِنْ بَعْثِنا) وقرأ أبيّ بن كعب (مَنْ هَبْنَا) وقرأ ابن مسعود
(أَهَبَّنَا) المحتسب ٢١٣/٢ - ٢١٤.
(٣) المفردات ١٣٢.
(٤) قال بعض المفسرين: إن عيسى عليه السلام قد خلق الخفاش ولم يخلق غيره وانظر ماذكره الدميري
في حياة الحيوان ١ /٤٢٠ - ٠٤٢٢

٢٠٦
باب الباء
الموتَى، وذلك كما أظهرَهُ اللَّهُ تعالى على يد سيِّدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن إِحياء
ذراعِ الشاةِ، فإِنه كلَّمه وأخبره بأنَّه مسمومٌ.
بعث ر :
البعثرةُ: قلبُ الشيءِ وإِثارتُه بجعلٍ أعلاهُ أَسفلَه، وأسفله أعلاهُ. قال تعالى: ﴿وإِذا
القُبُورُ بُعثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]. ويقالُ: بُحثرتْ. قالَ الراغَبُ(١): ومَن رِأَى تركيبَ
الرباعيِّ والخماسيٍّ من ثلاثيّينِ نحو: هلَّلُ وبَسمِلَ إِذا قالَ: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، وبسم اللَّه الرحمن
الرحيم. قالَ: إِنَّ بَعثَرَ مِن بُعثَ وأُثيرَ، وهذا لا يَبعُدُ في هذا الحرفِ، فإِنَّ البعثرةَ تَتضمَّنُ
معنی بُعثَ وأُثیرَ. انتھی.
قلتُ: ما ذكروهُ مِن نُحوِ هِلَّلَ ويسمّل ليسَ من اللغةِ. وإنَّما وُجد مثلُه في النَّسب
نحو: عَبْشميّ وعَبْقَسيّ في النسبة إِلى عبد شمسٍ وعبدِ القيسِ، ويُلقَّبُ بباب النحت(٢).
وقد أتقنتُ هذه المسألةَ بدلائلها في الكتبِ المذكورةِ قبلَ ذلك(٣).
بعد:
بعدَ : ظرفُ زمانٍ يَقْتُضي التأخُّرَ نَقيضُ قَبلَ. وحكمُها النَّصبُ على الظرفية، ولا
يَنصرفانِ وقد يُجْرَّانِ بِمِنُّ نحو: ﴿مِن قَبَلَكمْ﴾ [البقرة: ٢١]، و﴿من قبلُ ومن
بعدُ(٤)﴾ [الروم: ٤]، ومتى أُضيفا لفظاً أُعربا، وإِن قُطعا عن الإضافة ولم يُنْوَ ما أُضيفا إِليه
أُعربا أيضاً كقوله: [ من الطويل ]
١٦٨- فما شَرِبوا بَعدُ على لذَّةٍ خَمرا(٥)
وقوله: [ من الوافر]
(١) المفردات ١٣٥.
(٢) انظر المزهر ١ / ٤٨٢ والصاحبي ٤٦١.
: (٣) انظر قطر الندى ١٩.
(٤) قرأ أبو السمال والجحدري وعون والعقيلي (من قبل ومن بعد) إعراب النحاس ٥٧٨/٢ وإملاء.
العكبري ٩٩/٢. وفي معاني الفراء ٣٢٠/٢ والقرطبي ١٤ /٧ (من قبلٍ ومن بعدٌ) وانظر شذور
الذهب ١٠٦.
(٥) عجز بيت لرجل من بني عقيل وصدره: (ونحن قتلنا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ)
والبيت بتمامه في إعراب النحاس (تحقيق زهدي زاهد) ٢٥٩/٥٠ الشاهد رقم ٥٧٦ وشذور
الذهب ١٠٥ والدر المصون ٩٩/١ والهمع ٢٠٩/١ والدرر ١٧٦/١ واللسان (بعد) ومعاني: الفراء
٠٣٢١/٢

٢٠٧
باب الباء
١٦٩- فساغ لي الشرابُ و کنتُ قبلاً(١)
وقيل: هُما في الأصلِ صفتانٍ لمقدَّرٍ. فمعنى قولِكَ: جئتُ من قبلٍ زيدٍ أي من زمنٍ
قبلَ زمنٍ مجيءٍ زیدٍ. وقد حررتُ هذا في غيرِ هذا.
والبعدُ ضدُّ القربِ. يقالُ: بعُدَ يبعُدُ بُعداً، ضدُّ قَرُبَ يقرُبُ قُرباً، وليس لهما حدٍّ
محدودٌ. لكنَّ ذلك بحسب ذلك، ويكون ذلكَ في المحسوسِ وهو الأكثرُ. والمعقولُ
نحو: ﴿وَالضَّلَالِ البعيدِ﴾ [ سبأ:٨].
وبَعِدَ بالكسرِ يبعَدُ بالفتحِ: هَلَكَ: بَعدَ قال تعالى: ﴿كما بَعِدَتْ ثمودُ﴾
[هود: ٩٥] وقال الشاعرُ: [من الطويل].
ولا بُعدُ إِلا ما يواري الصَّفايحِ (٢)
١٧٠ - يقولونَ: لاتَبَعَدْ وهمْ يَدفنونه
وقالت الخرنقُ: [ من الكامل]
سم العداة وآفة الجُزْرِ (٣)
١٧١ - لا يَعَدَنْ قومي الذين هم
وقد يقالُ: البعدُ في الهلاكِ، والبعدُ في ضدِّ القربِ. قال تعالى: ﴿أَلا بُعداً
المديَن﴾ [هود: ٩٥] وقالَ النابغةُ: [من البسيط ]
١٧٢- فتلكَ تُبْلُغُني النعمان إِنَّ لهُ
فضلاً على الناس في الأدْنى وفي البَعَدِ (٤)
وقوله: ﴿بل الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ في العذابِ والضَّلالِ البعيدِ﴾ [سبأ: ٨] أي
بُعداً لا يُرجَى الرجوعُ منهُ إلى الهدى، كمن ضلَّ عن مَحجَّةِ الطريقِ وتوغَّلَ في ذلك حتى
لا يُرجَی عَودُه إِليها .
(١) البيت في الدر المصون ٩٨/١ وشذور الذهب ١٠٤ والهمع ٢١٠/١ والدرر ١٧٦/١ وابن يعيش
٤ /٨٨ وينسب البيت إلى عبد الله بن يعرب وإلى يزيد بن الصعق وعجز البيت :
( أكاد أغص بالماء القراح ) أو (أكاد أغص بالماء الفرات) (الحميم).
(٢) البيت في الدر المصون ٣٣٤/٦، (٣٨٠) دون عزو .
(٣) البيت للخزنق بنت هفان أخت طرفة بن العبد لأمه من كلمة ترثي فيها زوجها عمرو بن مرثد.
ديوانها ٢٩ والمزهر ١ /١٤٥ والإنصاف ٤٦٨ والدر المصون ٤ /١٥٤.
(٤) ديوانه ٢٠، وهو البيت رقم ٢٠ في معلقته.

٢٠٨
باب الباء
وقوله: ﴿وما قَومُ لُوطٍ مِنكُمْ بِيَعيدٍ﴾ [هود: ٨٩] أي ما أَنْتُم تُقاربونَهم فيه من
الضَّلال فلا يبعُدُ أَن يأتِيَكُم من العذابِ مثلُ ما أتاهم. وقوله: ﴿ذلك رَجعٌ بعيدُ﴾
[ق: ٣] أي بَعْثُنا ورجوعُنا بعيدٌ لا يكادُ يصحُ.
وقوله: ﴿أولئك يُنَادَونَ من مكانٍ بعيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] كنايةٌ عن أنَّهم لا
يَسمعون الحقَّ، نُزُلوا بمنزلةٍ مَن يُناديَ من بعدٍ فإِنه في مَظِنَّةٍ عدمِ السماعِ، وقيل: هو
كنايةٌ عن عدمِ الفَهمِ ويقالُ في ضدِّهِ: هو ناظرُ الأشياءِ عن قُربِهِ.
وقوله: ﴿لفي شِقاقٍ بَعيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] أي يتباعدُ بعضُهم في مُشاقّةٍ بعضٍ.
وفي الحديث: ((كان يُبعدُ في الخلاءِ))(١) أي يُمعنُ في الذهابِ إِلى الخلاءِ لمعنی فیه.
بع ر:
البعيرُ: واحدُ الإِبلِ. وقد يقعُ للذكر والأنثى، مثلُ الإنسانِ يقعُ للرجلِ والمرأة . هذا
هوَ المشهورُ، وخصَّه بعضُهم بالجملِ. قال تعالى: ﴿ولمن جاءَ بهُ حِمِلُ بَعَيرٍ﴾
[ يوسف: ٧٢] ويُجمعُ على أبعرةٍ وبُعرانٍ كأرغفةٍ ورُغفانٍ، وأباعرُ وأَبعرةٌ مثلُ واحدةِ البَعرِ.
وهو ما يخرجُ منهُ. والمَبْعُرُ، موضِعُ الْبَعرِ، والمِبْعارُ: الكثيرُ البعر.
بعض:
البعضُ مقلوبُ البِضِعِ، فإِنَّهما مصدران بمعنى القَطْعِ، والبعضُ المقابلُ للكلِّ هِو
قطعةٌ من الكلِّ. ومنه البعوضُ تُصوَّرَ منها أنَّها قطعةٌ مِن غيرِها، ويُجمعُ على أَبعاض.
وبعضتُ الشيءَ جعلتُه أبعاضاً كجَزَاتُهِ أجزاءٌ. وزعمَ أبو عُبيدةَ أنَّه يكونُ بِمعنى
كلِّ، من قوله تعالى: ﴿وَلأُبِيِّنَ لَكُم بعضَ الذي تَخْتَلفون فيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]
واستشهَد بقوله: [من الكامل]
١٧٣ - أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حمامُها(٢)
(١) غريب ابن الجوزي ٧٨/١، وفيه ((كان رسول الله يبعد في المذهب. أي: يمعن في الذهاب إلى
الخلاء.((وفى النهاية ١ /١٣٩ ((كان إِذا أراد البراز أبعد . ):
(٢) عجز بيت للبيد في ديوانه ٣١٣ وصدره: ( ترّاك أمكنة إذا لم أرضها )
ويروى :(أو يعتقى) أي يحتبس، ويروى (أو يرتبط) والفعل في موضع رفع، وجزمه أتعب
النحويين في تخريجه. وفي اللسان (بعض ١١٩/٧) ((كأنه قال: وإِن أخرج في طلب المال أصبْ
ما أمّلت أو يعلق الموت نفسي)».

٢٠٩
باب الباء
وقد ردَّ عليه الناسُ هذه المقالةَ. قالَ الراغبُ(١): وفي قوله هذا قصورُ نظرٍ منهُ(٢)،
وعلى أنَّ الأشياءَ أربعةُ أضربٍ:
ضربٍ في بيانهِ مَفْسدةٌ، فلا يجوزُ لصاحب الشرعِ أن ينبّهَ عليه كوقتِ القيامةِ
ووقت الموت .
قلتُ في قوله: فلا يجوزُ لصاحبِ الشرعِ، عبارةٌ غيرُ سديدةٍ. ولو قالَ: فلا يجوزُ
بيانهُ لمصلحةٍ عِلمَها الشارعُ لكانَ أحسنَ.
قال: وضربٍ معقولٍ ويمكنُ للناسِ إِدراكُه من غيرٍ نبيِّ كمعرفةِ اللَّه تعالى وتفكُّره
في خلقِ السماواتِ والأرضِ، فلا يُلزمُ صاحبُ الشرعِ أنْ يبيِّنَه، ألا ترى كيفَ أحال معرفته
على العقول في قوله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا ماذا في السماواتِ والأرضِ﴾ [يونس: ١٠١]
وقوله: ﴿أُوْلَمَ يَتَفكّرُوا﴾ [الأعراف: ١٨٤].
وضرب يجبُ عليه بيانُه كأصولِ الشرعيات المختصّة بشرعه.
وضربٍ يمكنُ الوقوفُ عليه ممّا بَيِّنْه صاحبُ الشرع كفروعِ الأحكام. فإِذا اختلفَ
الناسُ في أمرٍ غيرِ الذي يختصُّ بالنبيِّ بيانُه فهو مُخيّرٌ بينَ أنْ يُبَيِّنَ وَبِينَ أنْ لا يُبيِّنَ، حَسبما
يَقتضيه اجتهادهُ وحكمته. فإِذا لم يُرِدْ في الآيةِ كلَّ ذلك فهو ظاهرٌ لمن ألقَى العصبيَّةَ عن
نفسه. وأمّا الشاعرُ فإِنه يعني نفسَه. والمعنى إِلا أنْ يتداركَني الموتُ، لكنْ عرَّضَ ولم
يصرّحْ حسبما بُنيتْ عليهِ جبلةُ الإنسانِ في البعادِ عندَ ذكرِ موتهٍ.
قلتَ: ما ذكرَه من الإنكارِ على أبي عبيدة صحيحٌ. والبيتُ الذي أُنشدَ للبيد أولُه:
[ من الكامل]
أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها
١٧٤ - تَرّاكُ أمكنةٍ إِذا لم أرضها
وأبو عبيدةَ هذا وإِن كانَ إِماماً إلا أنه يضعفُ عن علمِ الإِعرابِ وفي بعضٍ فهمهِ .
ولمّا حكى الزمخشريُّ عنهُ هذه المسألة قال: إِن صحَّتْ هذه الروايةُ عنه فقد حقَّ فيه قولُ
(١) المفردات ١٣٤.
(٢) ((قال ثعلب: أجمع أهل النحو على أن البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء، إلاهشاماً فإنه
زعم أن قول لبيد أو يعتلق بعض النفوس حمامها فادعى وأخطأ أن البعض هاهنا جمع، ولم يكن
هذا من عمله، وإنما أراد لبيد ببعض النفوس نفسه)) اللسان ١١٩/٧.

٢١٠
باب الباء
المارقينَ في مسألة (( كان أحقَّ أن تفقَه ما أقول)).
قلتُ: هذه مسألةٌ جرتْ بينه وبين ابنِ عثمانَ، ذكرتُها مُستوفاةً في ((الدَّر
المَصون))(١) وقالَ ثعلبٌ: كان وعدهم عَذابَينٍ؛ أحدُهما في الدنيا، والآخْرُ في الآخرة.
فلذلك قالَ: ﴿بعضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] وهو الذي في الدنيا.
وقال الليثُ: بعضُ صلةٌ أي زائدةٌ، والمعنى يُصيبُكم بعضُ الذي يَعِدُكم، وهذان
القولانِ أعني الأُولَ والآخرِ ضَعيفان. أما الأُولُ فلما تقدَّم، وأما هذا فلأنَّ الأسماءَ لا تُزادُ .
وقالَ الخليلُ: رأيتُ غرباناً تُبعضُ(٢)، أي يتناولُ بعضها بعضاً.
بعل:
البعلُ: الزوجُ. وزوجةٌ: بعلةٌ. واشتُقَّ من لفظهِ مصدرٌ، وبَعَلَ يَبْعَلُ، باعَلَ يُباعِلُ
مُباعلةً، كنَّوا بذلك عنِ الجماعِ. وفي الحديث، في أيام التشريقِ: ((إِنِها أيامُ أكلٍ وَشُربٍ
وبِعالٍ))(٣) ويقال: بَعَلَ يَبعُلُ ويَبْعَلُ بَعْلاً وَبُعولةَ إِذا صار بعلاً. واستبعلَ فهوَ مُستبعِلٌ
کذلك.
والبَعْلُ أيضاً: مالكُ الشيءَ وسيدُه، وذلك أنَّهم تصوَّروا من بعلِ المرأة لمّا كان
مُستولياً عليها ومُستَعلياً أنه مالكُها. سمَّوا ربَّ الشيءٍ بَعْلَه، يقالُ: هذا بعلُ هذه الدارِ.
قوله: ﴿أَتَدْعُونِ بَعْلاً(٤)﴾ [الصافات: ١٢٥] يعني إلهاً سوى اللَّهِ، وذلك لما تقدَّم من
تَصوَّرهم استعظامَ البعلِ بالنسبة إِلى المرأة. فسمَّوا معبودَهم المتقرَّبَ به إِلى الله، كما
زَعموهِ بَعلاً، أو سمَّه بما كانوا يقولون إنَّه سيِّدُهم وعَظيمُهم. قيل(٥): كان صَنَّماً من
ذهب وفضةٍ مذكورةً في التفسير.
وقيلَ: البعلُ مَن تجنّبُ طاعتهُ، وقيلَ: مِن معنى الزوجِ أيضاً. والبَعْلُ: الكُلُّ على
أهله، وذلك لأنَّ العالي على غيرهِ يستبِعلُ عليهِ أمره ونهيه فسمي بعلا لذلك. وفي
(١) الدر المصون ٢٠٤/٣.
(٢) في المقاييس (بعض): قال أعرابي: رأيت غربانا يتبعضضن. وانظر معجم العين ٢٨٣/١.
(٣) غريب الهروي ١٨٢/١ وغريب ابن الجوزي ٧٩/١ والنهاية ١ /١٤١.
(٤) قرئت في البحر المحيط ٣٧٣/٧ (بعلاء).
(٥) ابن كثير ٤ /٢٢ ((بعل: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق، وقال
الضحاك : هو صنم كانوا يعبدونه)). وقيل : كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل.

٢١١
باب الباء
الحديث: ((أنَّ رجلاً قال للنبيّ صلى اللهُ عليه وسلم: أبايُعك على الجهاد. فقالَ: هل لكَ
من بعلٍ؟)) (١) قال الهرويُّ: البعلُ: الكَلُّ. يقالُ: صارَ بَعْلاً على أهله أي كَلاً وعيالاً .
وقيلَ: هل بقَي عليكَ مَنْ تَجِبُ طاعتهُ عليكَ كالوالدينِ والأهلِ والولدِ؟ قلتُ: هذا الثاني
ظاهرٌ، وأمّا الأولُ فلا معنَى له في الحديث إِلا أن يكونَ: هَل لكَ مَن تَجبُ عليك نفقتُه؟
بسببٍ كونه كلاً وعيالاً على غيره؟ ولتصوّرِ الاستعلاءِ سمَّوا الأرضَ العاليةً على غيرِها بَعْلاً
والنَّخلَ الذي يَشربُ بعروقهِ بَعْلاً. وفي الحديثِ ((فيما سُقِي بَعْلاً العُشرُ))(٢). وتُصورَ
الذي في النخل قيامُه وثبوتُه في مكانهِ. فقيلَ: بَعِلَ فلانٌ بأمرِهِ: إِذا أُدْهِشَ وَثَبَتَ في
مكانِهِ ثبوتَ النَّخلِ في مقرِّهِ .
فصل الباء والغین
ب غ ت:
البغْتُ: مجيءُ الشيءٍ على غفلةٍ من حيثُ لا يُحْتَسِبُ. والبغْتَةُ كذلك، قال تعالى:
﴿حتَّى إِذا جاءَتْهمُ الساعةُ بَغْتَةٌ ﴾ [الأنعام: ٣١] أي فاجأتْهم من غيرٍ علمٍ لهم بمجيئها.
ويقالُ: بَغَتَهُ الشيءُ بَغْتاً وَبَغْتَةً يبغَتُ فهو باغتُ. قال الشاعرُ: [ من الطويل]
قديماً فلا تَعْتَدُّها بِفَتات(٣)
١٧٥ - إِذا بَغَتْ أشياءَ قد كان قبلَها
وبغتَ: يكونُ قاصراً كما تقدَّم ومتعدِّياً. يقالُ: بغتَهُ الأمرُ ببغَتُه بَغْتاً، وباغَتَه ساعةً
مُباغتةً. كما يقالُ: فجأهُ الأمرُ يفجؤهُ فَجْأَ، وفاجأهُ يُفاجئه مفاجأةً. وقالَ يزيدُ بن ضبَّةً
الثقفيُّ: [من الطويل]
وأَفظعُ شيءٍ حِينَ يَفْجِوكَ البَغْتُ (٤)
١٧٦ - ولكنَّهم ماتوا ولم أدرِ بغتةً
وقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْنَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] يجوزُ نصبُها من أوجه: أحدُها أنها حالٌ
(١) الغريبين ١ /١٨٧ والنهاية ١ /١٤١ وغريب ابن الجوزي ٧٩/١.
(٢) غريب ابن الجوزي ٧٩/١ والنهاية ١٤١/١ والغريبين ١٨٨/١ قال ابن الجوزي (وهو شرب بعروقه
من الأرض من غير سقي سماء ، ولا غيرها)) وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة برقم ١٤١٢.
(٣) البيت لابن الرومي في ديوانه ٣٧٧/١. وهو في الدر المصون ٦٨٩/٣ دون عزو.
(٤) البيت في اللسان والتاج والصحاح (بغت ) وعجزه في المقاييس ٢٧٢/١ والغريبين ١٩٠/١ وثمة
خلاف في روايته في هذه المصادر.

٢١٢
باب الباء
منَ الفاعلِ أي باغتينَ، أو من المفعولِ أي مَبْغوتينَ، وإما على المصدرِ من معنى عامله كأنه
أخذَ بغتةً .
ب غ ض:
البغضُ: نفارُ النفسِ عن الشيءِ الذي تَرغَبُ عنه. وهو ضدُّ الحبِّ، فإِنَّ الحبُّ
استئناسُ النفسِ إِلى الشيءِ الذِي تَرغبُ فيهِ. وقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ (١) الْبَغْضاءُ من أفواههم﴾
[آل عمران: ١١٨] إشارة إلى ما يظهرُ من أثرها على ألسنتِهم حيث يتكلمونَ بما يدُلُّ
عليها، وإِلا فَالبغضاءُ أمرٌ مَعْنَوِيٌّ محلُّهَا القلبُ.
وقوله: ﴿إِنَّما يريدُ الشيطانُ أن يُوقِعَ بينكُم العداوةَ والبغضاءَ﴾ [المائدة: ٩١]
إِشارةٌ إِلى ما يَحدث عندَ شُرِبِ الخمرِ من الأفعالِ والأقوالِ المؤديةِ إِلى الإِحَنِ والشحناءِ
وهي البغضاءُ. وفي الحديث: ((ولا تَباغَضوا))(٢) يقالُ: أبغضتُهُ أبغضُهُ إِغاضاً، فأنا
مُبغضُه. وعلى هذا فالبغضُ اسمُ المصدرِ كالعطاءِ بمعنى الإعطاءِ.
ونقلَ الراغبُ أنه يقالُ: بَغِضَ الشيءَ بُغْضاً، وبغَضتُه بَغْضَاءَ، فاقتَضَى ذِلكِ أنْ
يُقالَ: بغضتُ زيداً، ثلاثياً مُتعدّياً. فالبغضُ مصدرٌ بنفسهِ. وفي الحديث: ((أنَّ اللَّهَ
يبغضُ الفاحشَ المتفحِّشَ))(٢) وتأويلُه البعدُ من فيضهِ وتوفيقِ إِحسانهِ منهُ.
ب غل:
قال تعالى: ﴿والخيلَ والبغالَ والحميرَ(٤)﴾ [النحل: ٨].
والبغالُ: جمع بغلٍ، وهو المتولدُ من بينِ الحمارِ والفَرسِ (٥). فتارةٌ يكونُ أبوهُ
حماراً وأمُّه فَرساً، وتارةً بالعكس. وهو أقوى الحيوانينٍ، وخصّ بعدمِ التَّنَاسُلِ(٦)، ولقوَّته
(١) قرأ ابن مسعود (بدا) القرطبي ٤ /١٨١ ومعاني الفراء ٢٣١/١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح برقم ٤٨٤٩، ٥٧١٧، ٥٧١٩، ٦٣٤٥.
(٣) مسند أحمد ١٩٩/٢ والمعجم الأوسط ٢٢١/١.
(٤) قرأ ابن عبلة (والخيلُ والبغالُ والحميرُ) القرطبي ١٠ /٧٣ والبحر المحيط ٤٧٦/٥.
(٥) إِذا كان الذكر حماراً يكون شديد الشبه بالفرس، وإِذا كان الذكر فرساً يكون شديد الشبه بالحمار:
والبغل ليس له ذكاء الفرس ولا بلادة الحمار وله صبر الحمار وقوة الفرس (الدميري ١٩٥/١).
(٦) هو عقيم لا يولد له وفى الأمثال: أعقر من بغل ، وأعقم من بغلة.

٢١٣
باب الباء
وخُبئهِ قيلَ في وصفِ النَّذلِ من الناسِ: هو بغلٌ. ولقوتهِ شُبِّه به البعيرُ في سرعةِ سيرِهِ،
فقيلَ: قد تَبغَّل البعير يتبغَّلُ تَبغُّلاً فهو مُتبغّلٌ. وما أَغربَ ما اتَّفْقَ أنْ وقعَ هذا الجنسُ بين
الجنسينِ المتولّدِ هو منهُما في اللفظِ. فقالَ: ﴿والخيلَ والبغالَ والحميرَ﴾، وقدَّم أشرفَ
طرفيهِ وهو الخيلُ.
ب غي:
طلبُ تَجاوزِ الاقتصاد فيما يُتحرَّى؛ تجاوزَه أوْ لم يتجاوزه. وقوله تعالى: ﴿ومَن
يَبْتغِ غيرَ الإِسلام ديناً﴾ [آل عمران: ٨٥] هو افتعالٌ منَ البغي بمعنَى الطلبِ. وأكثرُ
استعمالِ البغي في الأشياءِ المذمومة، لا سيما إِذا أطلقَ نحو: زيدٌ بَغى. وقد بغَى زيدٌ على
عمرو.
وقالَ الراغبُ بعدَمَا ذكرَ أنَّ البغَي طلبُ تجاوزٍ في الاقتصادِ(١): فتارةٌ يُعتبرُ في
القَدْرِ الذي هو الكميةُ، وتارةً يُعتبرُ في الوصفِ الذي هو الكيفيَّةُ. فيقالُ: بغَيتُ وابِتَغَيْتُ
أي طلبتُ أكثرَ ممّا يجبُ. وكلُّ موضعٍ ذُكرَ فيهِ البغيُ فلا بدَّ من معنَى المجاوزَةِ فيه،
كقولِهِم: بغتِ المرأةُ أي تجاوزتْ في الفجورِ الحدَّ. فقال تعالى: ﴿ولا تُكرهوا فتياتِكُم
على البِغاءِ﴾ [النور: ٣٣] أي على الفجورِ لأنهنَّ جاوزْنَ ما ليس لهنَّ.
وَبَغَى الجرحُ: إِذا تجاوزَ حدَّ الفساد. وبغتِ السماءُ: تجاوزتِ الحدَّ في المطرِ.
وبغَى زيدٌ أي أَفسَدَ، إِذا تجاوزَ ما ليسَ له تجاوزُه، ومنه قولُ ذلك: ﴿ومَن عاقَبَ بمثْلِ ما
عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُفِيَ عليهِ لينصُرُنَّ اللّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. وأنشدَ المأمونُ حينَ بغَى عليهِ أخوهُ
الأمينُ: [ من البسيط ]
١٧٧ - يا طالبَ البغيِ إِنَّ البغيَ مَصرعُهُ
فارتعْ فخيرُ فعالِ المرءِ أعدلُهُ.
فلو بغَى جبلٌ يوماً على جبلٍ
لا نْدكَّ منهُ أعاليه وأسفلُهُ
وقالَ آخرُ: [ من الكامل]
١٨٠- نَدَمِ البغاةٌ ولاتَ ساعةَ مَنْدمٍ
والبغيُ مرتعُ مُبتغيهِ وخيمُ (٢)
(١) المفردات ١٣٦.
(٢) البيت لمحمد بن طلحة التميمي أو المهلهل بن مالك الكناني في المقاصد النحوية ١٤٦/٢ والخزانه
٤ / ١٧٥ (هارون) وبلا نسبة في شذور الذهب ٢٠٠ والدر ١١٧/٢ (الكويت) والهمع ١٢٦/١

٢١٤
باب الباء
وقال الراغبُ(١): ((واليغيُّ على ضربينِ: أحدُهما محمودٌ، وهو يتجاوزُ الحقَّ إِلى
الإِحسانِ، والفَرْضَ إِلى التطُوعِ. والثاني مذمومٌ، وهو تجاوزُ الحقِّ إِلى الباطلِ، أو تجاوزُه
إِلى الشُّبَهِ، كما قال: ((الحقُّ بِيِّنٌ والباطلُ بَيِّنٌ وبينَ ذلكَ أمورٌ مُشْتَبهاتٌ))(٢) ((ومَن رتعَ
حولَ الحمى أوشكَ أَنْ يقعَ فيه ))(٢) ولأنَّ البغيَ قد يكونُ محموداً ومذموماً قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا السبيلُ على الذينَ يَظْلِمونَ الناسَ وَيَبْغُونَ في الأرض بغيرِ الحَقِّ ﴾ [الشورى: ٤٢]،
فخصَّ العقوبة بمن بغيُه بغيرِ الحقِّ)).
قال الحِبّانيُّ(٢): أصلُ البغي الحسدُ، وسُمِّي الظلمُ بَغْياً لأن الحاسدَ ظالمٌ. قلتُ:
هو داخلٌ في قولنا مجاوزة الحدِّ، لأنَّ الحاسدَ تَجاوزَ ما ليسَ له. واستُدلَّ على أن البغيَ
الحسدُ بقولِه: ﴿إِلاَّ مِن بعدما جاءهم العلمُ بَغياً بينهَمْ﴾ [الشورى: ١٤]. وقيلَ: البغيُ:
الاستطالةُ على الناسِ والكبرُ. ومنهُ قوله تعالى: ﴿إِنَّما حرَّمَ رَبِّيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما:
بطَّنَ والإِثْمَ والْبَغِيَ بغيرِ الحقِّ﴾ [الأعراف : ٣٣].
وقوله: ﴿ يا أيُّها الناسُ إِنَّما بغيُكُم على أنفسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] أي وبالُ بَغيِكُم
راجعٌ عليكم. وقوله: ﴿إِذا هُمْ يَبْغِون﴾ [يونس: ٢٣] أي يُفسدون. وقوله: ﴿غيرَ باغ
ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي غيرَ متعدٍّ ما حدَّ لهُ. وقال ابنُ عرفةَ: ﴿غيرَ باغٍ﴾ غير
طالبها وهو عندَ غيرِها. ﴿ولا عَادٍ﴾ أي غيرَ متعدٍ ما حدٍّ لهُ. الأزهريُّ: ﴿غَيرَ باغٍ﴾ أي
غِيرَ ظالمٍ بتحليل ما حرَّم اللَّه تعالى، ﴿ولا عادٍ﴾ أي غيرَ متجاوزٍ للقصدِ. مؤرّجٌ
السَّد وسيُّ(٤): أي لا يَبْتغي فيأَكلّه غيرَ مضطرٍ إِليه ولا عادٍ أي لا يَعْدُو شِبَعَه. وقيلَ: غيرَ:
باغٍ أي غيرَ خارجٍ على الإِمامِ، ولا عادٍ أي بقطعٍ طريقٍ ونحوهِ، أي فهذا لا یُرَخَّصُ له في
ذلك .
(١) المفردات ١٣٦.
(٢) البخاري : كتاب الإيمان رقم ٥٢، ١٩٤٦ ومسلم في المساقاة رقم ١٥٩٩.
(٣) هو محمد بن حبان التميمي البستي الحباني (ت٣٥٤ هـ) كان إماماً فاضلاً، صاحب تصانيف
كثيرة ومشهورة، منها (روضة العقلاء)) و((الثقات) انظر الاعلام ٣٠٦/٦ وشذرات الذهب ١٦/٣.
(٤) مؤرج بن عمرو بن الحارث، أبو فيد (ت ١٩٥هـ) من علماء العربية والانساب ومن أعيان
أصحاب الخليل الفراهيدي. كان مقرباً من المامون. له كتاب غريب القرآن، والأمثال. أنظر
تاريخ بغداد ٢٥٨/١٣ الإعلام ٢٦٦/٨.

٢١٥
باب الباء
وقال الحسنُ: ((غيرَ متناولٍ للذة، ولا متجاوزٍ سدَّ الجوعة)»(١). وقالَ مجاهدٌ:
(غير باغٍ على إِمامٍ ولا عادٍ في المعصية طريقَ الحقِّ))(٢). وقيل: ﴿غير باغٍ﴾ أي غيرَ
طالبٍ ما ليسَ له طلبُه، ولا متجاوزٍ لِما رُسِم له.
وقولُهم: بغَى بمعنى تكبِّر، راجعٌ إِلى ما قدَّمتُه، فإِنه تجاوزَ مَنزلتَه إِلى ما ليسَ له
تجاوزُه. وقد فرَّقوا بينَ بَغَيْتُك وأَبْغَيتُك، فقالوا: بغيتُك أي بغيتُه لكَ، ومنهُ قوله تعالى:
﴿ يَبْغُونَكُمُ الفتنةَ﴾ [التوبة: ٤٧]. وأبغيتُكَ: أعنتُكَ على البُغاءِ، أي على طلبهِ .
((وابْتغى: مطاوعُ بِغَى، فإِذا قيلَ: يَنْبغي أن يكونَ هكذا فهو باعتبارين، أحدُهما ما
يكونُ مُسخَّراً للفعلِ نحوُ: النارُ يَنبغي أن تَحرِقَ الثوبَ. والثاني بمعنى الاستئهالِ نحوُ :
فلانٌ يَنبغي أن يُعطَى لكرمهِ، وعلى المعنيينِ جاءَ قوله تعالى: ﴿وما عَلَّمناهُ الشِّعَرَ وما
يَنْبغي له﴾ [يس: ٦٩] أي لا يتسخّرُ ولا يتسهَّلُ له)). قال الراغبُ(٢): ألا ترى أن لسانه
لم يكن يَجْري به؟. قلت: ولذلك كانَ إِذا تمثّلَ بشيءٍ من الشعرِ أَتَّى به على غيرِ نظمهِ.
كما يُحكى أنه تمثّلَ بقولٍ طرفةً فقال: [ من الطويل]
١٧٩ - ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً
ويأتيكَ مَن لم تُزَوِّدْ بالأخبارِ (٤)
فلقََّه أبو بكرٍ: ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزودٍ. فلم يَقلُه. وقد نُقلّ أنه تكلّم بشيءٍ
على سبيلِ الاتّفاقِ، وقد أَتقنَّا هذه المسألةَ- وخلافُ الناسِ في أنه هل كانَ مَصروفاً عن
ذلك بطبعِهِ، أو كان في قُدرتهِ ولكن لم يقله -في كتابنا ((التفسير الكبير)).
وابْتَغى: افْتَعلَ منَ البغيِ. وقد غلبَ اختصاصُها للاجتهادِ في الطلبِ؛ فإِنْ كانَ ذلك
المطلوبُ محموداً فابتغاؤه كذلك وكذا عكسُه. فقوله: ﴿ابتغاءَ رحمةٍ من ربِّك
تَرْجُوها﴾ [الإسراء: ٢٨] محمودٌ. وقولُه: ﴿لقد ابْتَغْوا الفتنةً من قبلُ﴾ [التوبة: ٤٨]
مذمومٌ. وقولُهم: ما أنْبَغي لك، وما أَبْتغي لك كذا، أي ما يصلحُ ولا يَتَسَهَّلُ.
(١) المفردات ١٣٧.
(٢) المفردات ١٣٧، والدر المنثور ١ /٤٠٨.
(٣) المفردات ١٣٧ .
(٤) ديوانه ٤١. ورواية عجزه: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود ).

٢١٦
باب الباء
وقوله عليه السلام: ((لا يَتَبَيَّغْ بأحدُكم الدمُ فيقتُلَه))(١). قال الكسائيُّ: هو مَن
البغي. فقلتُ: ومعناهُ هيجانُ الدمِ. ويجمعُ باغٍ على بُغاةٍ وهو قياسُه، كعارٍ وعُراةٍ، ورامٍ
ورُماةٍ، وعلى بُغيان. وفي الحديث: ((فانطلقُوا بُغياناً)(٢)، وذلكَ نحوُ راعٍ ورُعيان، والأولُ
هو القياسُ: قالَ: [من الوافر]
١٨٠- وإِلّ فاعلموا أنَّا وأنتمُ بُغاةٌ ما بَقِينا في شقاقٍ(٣)
فصل الباء والقاف
ب ق ر:
﴿البقرَ﴾ [البقرة: ٧٠]: اسمُ جنسٍ واحدهُ بقرةً، فيطلقُ على الذّكر والأُنثى، فيقالُ:
بقرةٌ ذكرٌ وبقرةٌ أُنثى، لكن اسْتُغنيَ عن ذلك بقولهم: ثورٌ. وجمعُه باقِرٌ كحاملٍ فِي حَمَلٍ.
وقُرئَّ: ﴿إِنَّ الباقرَ﴾ كحاملٍ وبقيراً كحليم. وقيلَ: بَيْقور، اشتُقَّ من لفظهِ فعلٌ لما يُحدثُه
هو، فقيل: بقرَ الأرضَ أي شقَّها بحرئه إياها يبقرُها بَقْراً. ثم قيل ذلك في كلِّ شِقَّ متسعٍ
فقيل: بقرتُ بطنَ فلانٍ أي شَقَقتُه شَقّاً مُتَسعاً.
وبقرَ فلانٌ في الأرضِ: إِذا اتَّسع في سفرهِ، فقطعَ أرضاً بعدَ أرضٍ. وسُمِّيَ محمدُ بنَ
عليّ رضي اللَّهُ عنهما بالباقرِ(٤) لاتِّساعِهِ في دقائقِ العلمِ وشَقِّه بواطنَها فضلاً عن ظواهرِها.
وبَيَقَرَ الرجلُ في المالِ وفي سَّيْرِهِ: اتَّسعَ فيهما. والبَيْقرانُ: نبتٌ يسرعُ شقُّه الأرضَ بعروقِهِ
وبخروجه منها .
وفي حديثٍ عثمانَ ((إِنِها بأقرَةٌ كداءِ البَطْنِ))(٥) أراد أنَّها مُفسدةٌ للدين، مُفَرِّقَةٌ
للناس. وشبَّهها بداء البطنِ لأنَّها لا تدري ما هاجَها، ولا كيفَ يتأتّى لها. وفي حديث ابنِ
عباسٍ في شأنِ الهُدهدِ: ((فبقَرَ الأرضَ)) (٦) أي فشقَّها ببصرِهِ حتى رأى الماءَ. وهذا معنى
(١) غريب ابن الجوزي ١ / ٨١ والغريبين ١ /١٩٢.
(٢) الغريبين ١٩٣/١ وغريب ابن الجوزي ٨١/١ والنهاية ١٤٣/١.
(٣) البيت لبشربن أبي خازم. في ديوانه ١٦٥ والإنصاف ١٩٠ ومعاني الفراء١ /٣١١.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء ٤ /٤٠١ ووفيات الأعيان ٤ /١٧٤ واللسان ٧٤/٤ (بقر).
(٥) غريب ابن الجوزي ١ / ٨١ والنهاية ١٤٤/١.
(٦) غريب ابن الجوزي ١ /٨١والنهاية ١٤٤/١.

٢١٧
باب الباء
قولٍ شَمِر: نظرَ موضعَ الماءِ فرأى الماءَ تحتَ الأرضِ.
ب قع:
﴿ الْبُقعةُ(١)﴾ [القصص: ٣٠]: الموضعُ الخاصُّ. قالَ الليثُ: هي قطعةٌ من الأرضِ
على غيرِ هيئةِ التي إِلى جَنِها. ولذلكَ يقالُ فيمَنْ فيه سواءٌ وبياضٌ: أبقعُ، وهو جنسٌ منهُ.
ولذلك قال الفقهاءُ: ((الغرابَ الأبقَعَ) (٢). ومن ذلك الحديثُ: ((يوشِكَ أن يُستعمَلَ
عليكم بُقْعانُ الشامِ))(٣). قِيلَ: سبايا الرومِ ومماليكُهم. قيلَ ذلك لاختلاط ألوانِهم بياضٌ
وصفرةٌ. وغلَّطَ القُتَيِيُّ هذا وقالَ(٤): إِنَّ العربَ تنكحُ نساءً الرومِ فينسلونَ، فتملِكُ أولادَهُم
وهم البقعانُ لأنَّ فیھم من سواد العرب وبیاضٍ الرومِ.
ورجلٌ باقعةٌ: إِذا كان ذا هيبةٍ، وأصلهُ أنه اسمٌ لطائرٍ في غاية الحذَرِ، إِذا شربَ نَظر
يَمْنَةً وَيَسْرةُ. وفي حديثِ القبائلِ أن علياً قالَ لأبي بكرٍ: ((لقد عَثرتَ من الأئمة على
باقعةٍ))(٥) وفي حديثٍ آخرَ: ((ففاتحتُه فإِذا هو باقعةٌ))(٦). ثم استُعملتِ البقعةُ في مطلقٍ
المكانِ وإِن لم يكن فيهِ مخالفةٌ لِما إِلى جَنْبِهِ. وفيها لغتانٍ: بُقعةٌ وبَقعة بالضمِّ والفتحِ،
فمن ضمَّها جَمع على بُقْعٍ كغرفٍ، ومن فَتحها جمعها على بقاعٍ كجفانٍ.
ب ق ل :
قال تعالى: ﴿مِن بقلِها﴾ [البقرة: ٦١]. والبقلُ: ما لا يَنْبتُ أصلهُ وفرعهُ في
الشتاء. وقيلَ: البقلُ ما لا ساقَ لهُ، خلافُ الشجرِ. واستُعيرَ منه بَقَل: أعشبَ. قالَ:
[ من الوافر]
(١) قرأ مسلمة والأشهب العقيلي (البقعة) القرطبي ٢٨٢/١٣ والكشاف ١٧٥/٣.
(٢) النهاية ١٤٥/١، وفيه ((أمر بقتل خمس من الدواب، وعدّ منها الغراب الأبقع)) والغراب الابقع: فيه
بياض وسواد وأخرج البخاري برقم ١٧٣١ مثل ذلك.
(٣) غريب ابن الجوزي ١/ ٨١ والنهاية ١٤٦/١ والحديث قاله أبو هريرة.
(٤) ورد هذا القول في اللسان (بقع) وفي غريب ابن الجوزي ١ /٨١ دون عزو .
(٥) الغريبين ١٩٦/١ وفي النهاية ١٤٦/١ واللسان والتاج أن الحديث قاله النبي عمله لأبي بكر،
وليس علياً.
(٦) الغريبين ١٩٧/١ والنهاية ١٤٦/١ وغريب ابن الجوزي ٨٢/١. والباقعة طائر حذر إذا شرب الماء
نظر يمنة ويسرة.

٢١٨
باب الباء
· ولا أرض أبقَلَ إِبِقالَها(١)
١٨١ - فلا ديمةٌ ودَقَتْ وَدْقَها
ويقالُ: بقْلٌ وبُقولٌ وهي الخضرواتُ. قال: [من الرجز]
ولم تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُستَقًا(٢)
١٨٢ - جاريةٌ لم تأكُلِ المِرَفَّقا
قيلَ: مِن بمعنى بدلَ، أي بدلَ البقولِ. وقيلَ: البيتُ مُصحَّفٌ، وإنما هيَ النقولُ
بالنون جمعُ نُقلٍ، وأظنُّ هذا هو التصحيفُ. وقيلَ إِنَّ الشاعرَ غلطَ فزعمَ أنَّ الفستقَ من
جملة البقولِ .
ب ق ي :
البقاءُ: الدوامُ. والبقاءُ المطلقُ لا يقالُ إِلا للباري تَعالى، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وجهُ:
رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. والبقاءُ: عدمُ الفناءِ. وقيلَ: البقاءُ ثباتُ الشيءٍ على الحالةِ
الأولى وقسمّ الراغبُ(٢) الباقي إِلى باقٍ بنفسهِ لا إِلى مدٍَّ وهو الباري تَعالى، ولا يصحُّ عليه
الفناءُ. وإِلى باقٍ بِاللَّه تعالى وهو ضربان: باقٍ بشخصهِ إِلى أن يَفْنَيَهُ اللَّهُ كبقاءِ الأجرام
السماويَّةِ. وباقٍ بنوعه وجنسهِ دونَ شخصهِ وجُرمهِ كالإِنسانِ والحيوان. وكذا في الآخرةِ
باقٍ بنوعهِ وشخصهِ كأهلِ الجنّةِ، فإِنهم يَبْقون على التأبيدِ لا إِلى مدةٍ. وباقٍ بنوعه وجنسه
كما رُويَ عنه عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ ثمارَ الجنةِ يقطفُها أهلُها فيأكلونَها ثم تُخلف
مكانَها مثلَها)) (٤). قال: ولكون ما في الآخرة دائماً قال تعالى: ﴿ وما عند الله خيرٌ
وأبقَى﴾ [القصص: ٦٠].
قولُه: ﴿والباقياتُ الصالحاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] أي ما يَبقَى ثوابُه من الأعمالِ،
وفسَّرَتْ بسبحانَ اللَّهِ والحمدُ للَّه ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ، وبالصلواتِ الخمسِ. وقيل (٥):
الصحيحُ أنها كلُّ عبادةٍ يُقصدُ بها وجهُ اللَّهِ وطاعتهُ، ولذلك قالَ: ﴿بَقِيَّةٍ(٦) الله
(١) البيت لعامر بن جوين الطائي في أمالي الشجري ١٦١/١ والخصائص ٤١١/٢ والدر المصون
٢٠٦/١ واللسان (بقل) ومعاني الفراء ١ /١٢٧ والمخصص ٨٠/١٦.
(٢) البيت لأبي نخيلة في التاج واللسان (بقل) والدر المصون ٣٦/٣ والمخصص ١٣٩/١١.
(٣) المفردات ١٣٨ - ١٣٩.
(٤ ) الدر المنثور ١ /٩٧.
(٥) هذا قول قتادة ، وهو في الدر المنثور ٣٩٩/٥.
(٦) قرأ اسماعيل بن جعفر (بَقِيَّةُ) بتخفيف الياء. وقرأ الحسن (تَقِيَّةٌ) البحر المحيط ٢٥٢/٥
والإتحاف ٢٥٩ .

٢١٩
باب الباء
:
خيرٌ لكم﴾ [هود: ٨٦] فأضافَها لنفسه الكريمة. وقيلَ: معنى ﴿بقيةُ اللَّهِ﴾ ما أُبقيَ منَ
الحلالِ خيرٌ لكم. وقال مجاهدٌ: طاعةُ الله خيرٌ لكم. وقالَ الهرويُّ: يجوزُ أن يكونَ
مے
الحالُ التي يَبْقَى مَعَها الخيرُ خيرٌ لكم.
قوله: ﴿فهل تَرى لهم مِن باقيةٍ﴾ [الحاقة: ٨] يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: من طائفة
باقيةٍ أو من فِعلةٍ باقيةٍ، وقيلَ: بمعنى بقيّةٍ، وقيلَ: هي مصدرٌ، والمصادرُ قد جاءتْ على
فاعلة نحو العاقبة، وعلى مفعولٍ نحوَ الميسورِ، والأولُ أصحُّ الَّقادير لظهورِ معناهُ(١).
قوله: ﴿فلولا كان مَن القرونِ مِن قَبَلِكُمْ أُولو بقيةٍ يَنْهَوْن عن الفساد في الأرضِ﴾
[هود: ١١٦]، قال ابنُ عرفةً(٢): أي أولو تَمييزٍ وأولو طاعةٍ. يقالُ: إِنه لذو بقية أي فيه
خيرٌ والمعنى: هلاّ كان من أهلِ الخيرِ مّن يَنهى عن الفساد؟. قال: قالَ الأزهريُّ: البَقِيَّةُ
اسمٌ من الإبقاءِ، كأنه قيلَ: هلّ كان أُولو إبقاءٍ على أنفُسِهِم لتمسُكهم بالدين المَرْضِيِّ؟
وقالَ ابنُ عرفةَ: ((أُولو بقيةٍ)) أي فضلٍ مما يمدحُ به. وقالَ القُتيبيُّ: قولهم: لهم بقيةٌ أي
مُسْکةٌ، وفيهم خيرٌ.
وقوله: ﴿وَبَقيةٌ ممّا تَّرِكَ آلُ موسى﴾ [البقرة: ٢٤٨] يَعني رُضاض الألواح(٣) التي
ذكرها اللهُ تعالى في قوله: ﴿وَكَتْبنا ئهُ في الألواحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وكانوا قد جعلوها
في هذا التابوتِ في قصةٍ طويلةٍ. ويقالُ: بَقِيتُ زيداً: انتظرتُه، أَبْقَيهِ بَقياً. وفي الحديث:
((بَقينا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم))(٤) أي انتظرْناهُ، وترصِّدْنا لَهُ مدةٌ كبيرةٌ. فمعنى
البقاء فيه موجودٌ.
فصل الباء والكاف
ب ك ر:
قال تعالى: ﴿ولهم رزقُهم فيها بُكْرَةٌ وعَشِيًّ﴾ [مريم: ٦٢].
الْبُكرةُ: هي أصلُّ كلّ مايُتصرَّفُ منها كما سيتضحُ. والبكرةُ: هي أولُ النهارِ
(١) انتهى المنقول من المفردات ١٣٩.
(٢) قول ابن عرفة ورد في الغريبين ١٩٨/١.
(٣) رضاض الشيء: فتاته . قيل إن الألواح تكسرت حين عاد ورأى قومه يعبدون العجل.
(٤) غريب ابن الجوزي ١ /٨٢ والنهاية ١ /١٤٧.

٢٢٠
باب الباء
لمقابلتها بالعشيِّ وهي آخرُهُ، وقد اشتقَّ منها لفظُ الفعلِ، فقيلَ: بِكَرَ فلانٌ في حاجتهِ أي
خرجَ بُكْرةً. والبُكورُ: الخروجُ بُكرةٌ. والبكورُ بالفتح: المُبالِغُ في الْبُكور، ولتقدُّمُها على
سائرِ أوقات النهارِ اسْتُعملَ منها كلٌّ مُتعجّلٍ وإِن لم يكنْ في ذلك الوقتِ، فقيلَ: بكرَ فلانٌ
في حاجتِهِ، وابْتَكَر وباكَرَ مُباكرةً. ومن ذلك الحديثُ: ((مَن بكَّر وابْتكر)(١) قيل: بادرَ
بالصلاة أولَ وقتِها، وهذا عامٌّ في سائرِ الصلواتِ. وَأَصْرَحُ منه: (( لا تزالُ أُمَّتي على سُنّتي
ما بكَّروا بصلاة المغرب!(٢) أي صَلَّوَها عندَ سقوطِ القُرصِ. ومَعنى ((وابتكّزَ)) أي: أدركَ
أولَ الخُطبةِ .
وقالَ ابنُّ الأنباريِّ: الذي يذهبُ إِليهِ في تكرير هاتينِ اللفظتينِ إِرادةُ المبالغة، وذلكَ
أنَّ العربَ إِذا قَصدتِ المبالغةَ اشتقَّتْ منَ اللفظِ لفظةً أُخرى على غيرِ بنائها، وأَتْبعوها لها
في الإعراب: فيقولون: شِعٌ شاعرٌ، وليلٌ لائلٌ. وأنشدَ: [من الرجز)
١٨٣ - حَطّامَة الصُّلب حطوماً مخْطما(٣)
قال: فالحَطومُ والمِحْظِم بمعنى الأول.
وفي الحديثِ أيضاً: بكِّروا بالصلاةِ في يومِ الغيمٍ فإِنه من تَرَكَ العصْرَ حَبِطَ
عملُه»(٤) أي قدِّموها في أول وقتها ..
ومن ذلك باكورةُ الفاكهة لما سبَق منها. وابْتكَرَ الرجلُ: أكلَ الباكورةَ. وابتكرّ
الجاريةَ: أَخَذَ بِكارتَها أي عُذْرتها. ومنه البِكرُ لأولٍ ولدٍ، ولمَن وُلدَ له أولاً من الآبِ
والأمّ. يقالُ في الكلِّ بِكرٌ. قال الشاعرُ: [من الرجز]
١٨٤ - يا بِكرَ بِكْرَينٍ، ويا خِلْبَ الكبدْ
لأنتَ شيءٌ كذراعٍ من عَضُدْ(٥)
(١) غريب ابن الجوزي ٨٣/١ ومسند أحمد ٢٠٩/٢، ٨/٤، ٩، ١٠٤ والنهاية ٠١٤٨/١ وهو من
حديث الجمعة .
(٢) غريب ابن الجوزي ٨٣/١ والنهاية ١٤٨/١.
(٣) الغريبين ١ /٢٠١ دون عزو )
(٤) غريب ابن الجوزي ٨٣/١ ومسند أحمد ٢٣٧/٣ والنهاية ١٤٨/١ والبخاري في مواقيت الصلاة
برقم ٥٥٣,
(٥) للكميت في ديوانه ١ /١٦٦. وهو في اللسان والتاج والصحاح (بكر) وأمالي القالي ١ / ٢٤ والدر
المصون ٤٢١/١ وأضداد الإنباري ٢٤٦ دون نسبة .
: