النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب الهمزة
"تقيّ)). ((وقيل لجعفر الصادق (١) إِنهم يقولون إِنَّ المسلمين كلَّهم آلُ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم، فقالَ : صدَقوا وكذَّبوا. فقيل له، فقالَ: كذَبوا في قولهم إِنَّهم كافتَّهم آله، وصَدقوا
لأنَّهم إِذا قاموا بشرائط شريعته كانوا آله.)) (٢) وآل المرء شخصُه المتردِّد. قالَ: [من
الطويل ]
١١٨- ولم يبقَ إلا آلُ خِيمٍ مُنصَّد(٣)
والآلُ: الحالةُ يَؤول إِليها. والآلُ: ما يَبدأُ من السَّرابِ كشخصٍ يظهرُ للناظرِ، وإِنْ
كان كاذباً، أو مِن بردِ هواءٍ أو تَموِّجٍ، فيكونُ من آلَ يؤولُ.
أون :
﴿الآن﴾ [يوسف: ٥١] هو الوقتُ الحاضرُ الفاصلُ بينَ الزمانينِ، وقيلَ: هو كلٌّ
زمنٍ مقدَّرٍ بينَّ ماضٍ ومُستقبلٍ. ويقال: أفعلُ كذا آوِنةٌ، أي وقتاً بعدَ وقتٍ. وهو من
قولهم: الآن. وهذا أوانُ ذلك أي زمنُهُ المختصُّ بهِ وبفعلهِ. قالَ سيبويه(٤): هذا الآنُ،
وهذا أنُّك، أي وقتُك، وَآنَ يَؤُونُ. قال أبو العباسِ(٥): ليس الأولَ وهوَ فعلٌ على حِدَتِهِ.
وقال الفراءُ: أصلُه أوانٌ وهو اسمُ لحدِّ الزمانِ الذي أنتَ فيهِ، وهذا ضعيفُ للحذف من غير
دليلٍ. وعنه أيضاً أنَّه فعلُ ماضٍ نُقْلَ إِليه الاسميةُ، وهو اسم مبنيٍّ على الفتح، وقالوا:
لتضمَّنْه الحرفَ وهو أداةُ التعريفِ. وهذه الأداةُ الموجودةُ زائدةٌ لازمةٌ، وقد تُعربُ. قالَ:
[ من الطويل]
١١٩- كأنَّهما ملآنَ لم يَتَغيِّرا(٦)
(١) هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين (ت١٤٨هـ/٧٦٥م) سادس الائمة الاثني عشر عند
الإمامية، له منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه الإمامان أبو حنيفة ومالك. لقب بالصادق لأنه لم يعرف
عنه الكذب قط. له ((رسائل)) مجموعة في كتاب. الاعلام ١٢١/٢ وحلية الأولياء ٣/ ١٩٢.
(٢) المفردات ٩٨ .
(٣) عجز بيت لزهير في ديوانه ١٦٠ وصدره: (أربّت بها الأرواح كلّ عشيةٍ).
(٤) لم أجد قوله في كتابه، وهو في المفردات ١٠١.
(٥) هو أحمد بن يحيى ثعلب، وقوله في المفردات ١٠١.
(٦) صدر بيت لأبي صخر الهذلي في أمالي القالي ١ /١٤٨ واللسان (أين: ١٣ /٤٣) وعجزه: (وقد
مرّ للدارين من بعدنا عصر ) وقبل هذا البيت:
( لليلى بذات الجيش دارٌ عرفتها
وأخرى بذات البين آياتها سطر).

١٤٢
باب الهمزة
يريد: منَ الآنَ. ولهُ أحكامٌ كثيرةٌ(١).
أوهـ:
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِبراهيمَ لاوَّاهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
الأوَّاهُ: الذي يُكثرُ قولةً: آه آه. والتأوُّهُ: كلٌّ كلامٍ يظهر منه تَحرُّنَّ وقولُه: ﴿أَوَاءٌ﴾
[هود: ٧٥] قيلَ: هوَ المؤمنُ الدَّاعِي. وقيلَ: مَن يخشىَ اللَّهَ حقَّ خَشِيتِهِ. وقالَ أبو عبيدةً:
المتأوِّ شَفَقاً، المتضرّعُ نَفسأُ ولزوماً للطاعةِ، وأنشدني شَيخي للمثقَّبِ العَبْدِيِّ يصفُ
ناقته: [ من الوافر]
١٢٠٠ - إذا قُمتُ أَرْحَلُها بليلٍ.
تَأوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزينِ (٢)
والأوَّهُ: الكثيرُ التأوَّهِ خوفاً من اللّه تعالى(٢).
أو ي:
قال تعالى: ﴿آوَى إِليه أخاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] أي ضمَّه إليه في مأواهُ. يقال: أوَى.
يَأوي أُوِيًّا، ومأوىّ اسمٌ لمكان. وآواهُ غيرُهُ يُؤويهِ إِيواءٌ. فمن الأوّلِ قولُه تعالى: ﴿ إِذْ أَوَى
الفتيةُ إِلى الكهف﴾ [الكهف: ٢٠]. ومن الثاني: ﴿وفصيلتِهِ التي تُؤويهِ﴾ [ المعارج:
١٣]، ﴿آوى إِليه أخاهُ﴾. [يوسف: ٦٩]
وقوله: ﴿جنّةُ المأوى﴾ [النجم: ١٥]. فالمأوى: مصدرٌ أضيفَ إِليه، كإضافةٍ
الدارِ للخلدِ في قوله: ﴿دارُ الخُلِدِ﴾ [فصلت: ٢٨] فالمأوى اسمٌ للمكانِ الذي يُؤْوَى
إِليه . وقالَ الشاعرُ: [ من الوافر]
١٢١ - أطَوِّفُ ما أَطْوِّفُ ثُمَّ آوِي
إلى ماءٍ وَيَرْويني النَّقْيعُ (٤)
(١) انظر الإنصاف ٥٢٠ - ٥٢٤ والبحر المحيط ٢٤٩/١ وهمع الهوامع ٢٠٧/١ - ٢٠٨.
:
(٢) البيت في المفضليات ٢٩١ للمثقب العبدي.
(٣) للتوسع، انظر سفر السعادة: ١٢١ - ١٣٢ والخصائص ٣٨/٣.
(٤) البيت لنقيع بن جرموز وهو في اللسان (نقع ٨ /٣٦٠) والتاج (نقع) والدر المصون ٤ /٦٢٩
والعيني ٢٤٧/٤ والهمع ٥٣/٢ والذرر ٦٩/٢ والنوادر ١٩. وصدر البيت وقع في ديوان الخطيئة
٣٣٠ والتاج ( لكع) وروايته :
(أطوف ما أظوف ثم آوي
إلى بيت قعيدته لكاع).

١٤٣
باب الهمزة
وأوَيت إِليه: رَحمتُهُ ورَقَفْتُ له أَوياً وأيَّةً وَمَأْوِيَةً ومأواةً. وقولُه عليه الصلاةُ والسلام
للأنصار : ! كابايعُكم على أنْ تَاوُوني وتَنصُرُوني))(١). قال الأزهريُّ (٢): أوَى وَآوَى بمعنى
واحد، وأوَى لهزمٌ ومتعدّ. وفي الحديث: ((لا يَاوِي الضالّةُ إِلا ضالٌ))(٣).
قال الأزهريُّ: ألا أينَ آوِي هذه الموقّسةَ، ولم يقلْ: أُوْرِي، المُوقّسةُ: الإِبلُ التي بدا
بها الجربُ، وهو الوَقْسُ.
وفي حديثٍ وهْبٍ أن اللَّه تعالى قال: ((أوَيتُ على نَفسي أن أذكُرَ من ذكرني)(٤)،
قال القُتيبيُّ(٥): هذا غلطٌ إِلا أن يكونَ من المقلوبِ، الصحيح: وَأَيتُ من الوَأْي وهو
لوعدُ.
يقولُ: جعلتُ على نَفسي وعداً.
وماويَّةُ: اسمُ امرأةٍ. قال امرؤ القيس: [ من السريع]
١٢٢ - يا دارَ ماوَيَّةَ (٦)
فقيلَ: هي من المأوى لأنها مأوى الصِّدورِ. وقيلَ: من الماءِ، فأُبدلتْ واواً. وذلكَ
کتسمیتهم ماءَ السماءِ لصفائهِ وارتفاعه .
فصل الألف والياء
الأيْدُ: القوةُ (٧). قال تعالى: ﴿والسماءَ (٨) بَنَيناها بأيِيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧ ] أي
أي د:
(١) الفائق ٥٠/١ والغريبين ١١٢/١ ومسند أحمد ١٢٠/٤ وغريب ابن الجوزي ٤٧/١ والنهاية
٨٢/١ وهو من حديث البيعة.
(٢) ورد قوله في غريب ابن الجوزي ٤٧/١.
(٣) الفائق ٥٠/١ ومسند أحمد ٣٦٠/٤ والنهاية ٨٢/١ وغريب ابن الجوزي ٤٧/١ .
(٤) غريب ابن الجوزي ٤٧/١ والنهاية ١ /٨٢.
(٥) ورد قوله في غريب ابن الجوزي ١ /٤٧.
(٦) ديوانه ١١٩ وتمام البيت:
فالسهب فالخبتين من عاقل).
( يادار ماوية بالحائل
(٧) المسائل العضديات ٢٢١ - ٢٢٣ المسألة ٨٧.
(٨) قرأ مجاهد وأبو السمال وابن مقسم (والسماءُ) بالرفع. الإملاء للعكبري ١٣١/٢ والبحر المحيط
٠١٤٢/٨

١٤٤
باب الهمزة
بقوةٍ وإِحكامٍ. وقوله: ﴿داودَ ذا الأيْد﴾ [ص: ١٧] أي ذا القوة في الأقوال والأفعال. وفي
معناهُ ﴿وَآتيناه الحكمةَ وفَصلَ الخطابِ﴾ [ص: ٢٠].
والأيْدُ والأيِّدُ: ذو القوةِ الشديدة. وقوله: ﴿أَيَّدتُكَ بروحِ القُدُسِ﴾ [المائدة:
١١٠] و﴿ يُؤْيِّدُ بنصرِهِ مَن يشاءُ﴾ [آل عمران: ١٦]، فغلبَ عليهِ التكثيرُ. ويقالُ: آدَه
يَعِيدُه أَيْداً وآداً، مثلُ: باعَهِ يبيعُهُ بَيعاً، وإِدْتُه أثيدُه مثل: بعتُه أَبيعُه. وقُرئ: ﴿آيدتُكَ﴾
برفع. قال الزّجاجُ: يجوزُ أن يكونَ فاعلتُ مثل عايدْتُ (١). وقال غيرهُ: هو أَفعلتُ(٢).
أي ك:
الأيكُ: جمعُ أيكة، وهو الشجرُ الملتفُّ. وقوله: ﴿كذَّبَ أصحابُ الأيكة﴾
[الشعراء: ١٧٦] هم أصحابُ غَيضةٍ كانوا فيها(٣)، فأُرسلَ إِليهم شُعيبٌ عليه السلام
فكذَّبوه فهلكوا. وقد قُرِئٌ(٤) ﴿لَيْكَةَ﴾ فقيلَ: هي بمعناها، وقيل: الأيكة ... (٥).
وليلة(٦) المصون والعقد النَّضيدْ
أي ل :
قوله تعالى: ﴿وجبريل وميكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ونحوهُ. قيلَ: إِنَّ (إِيل) اسمُ اللَّهِ
(١) معاني القرآن ٢١٩/٢ والمفردات ٩٧ ((فاعلت مثل عاونت)).
(٢) معاني القرآن ٢١٩/٢): ذكر بعضهم أَأيدتك على أفعلتك، من الأيد. وقرأ بعضهم آيدتك على
فاعلتك أي عاونتك)).
:
(٣) ابن كثير ٣٥٧/٣ -٣٥٨ ((هم أهل مدين، نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة، وقيل شجر ملتف
کالغيضة كانوا يعبدونها»، وفي الدر المصون ٥٤٤/٨ ((قال أبو عبيد: إِن ليكة اسم للقرية التي
كانوا فيها، والأيكة اسم البلد كله. فصار الفرق بينهما شبيهاً بما بين بكّة ومكّة)» وفي ٥٤٨/٨
((قال ابن عباس: الأيكة الغيضة، ولم يفسرها بالمدينة ولا البلد)).
(٤) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وابن محيصن وأبي جعفر السبعة ٤٧٣، النشر ٣٣٦/٢ وفي إِملاء
العكبري ٩٢/٢ (ليكة) بالجر.
(٥) فراغ في الأصل، لعله ماجاء في كتابه الدر المصون ٥٤٤/٨ ((الأيكة اسم للبلد كله، وليكة اسم
للقرية التي كانوا فيها . ،
(٦) للمؤلف كتاب ((الدر المصون)) ولعل الناسخ قد كتب سهواً ((ليلة المصون)).

١٤٥
باب الهمزة
تَعالى(١)، فمعنى جبريلَ عبدُ اللَّه. قالَ الراغبُ(٢): وهذا لا يصحُّ بحسبٍ كلامَ العرب،
لأنَّه كان يَقْضي أنْ يُضافَ إِليهِ فَيُجرِّ إِيلُ فيقالُ: جُبُرإِيلٍ، انتهى. ويمكنُ أن يقالَ إِنَّه لما
كان بلغتهم كان أعجمياً، وإِذا كانَ كذلك ففيهِ سَبيان: العلميةُ والعجمةُ الشخصيةُ، إِلا أن
هذا لا يتمُّ إِلا إِذا قُلنا: إِنَّ نحوَ نوحٍ ولوطٍ فيه الصرفُ وعدمُه. فإِنْ قيلَ: فكان يَنْبغِي أن
يقالَ بالوجهينِ، فيقال: التزم فيه أحدُ الجائزين.
والإيالةُ: السياسةُ، يقالُ: أُلْنا وإِيلَ عَلينا أي سُسْنا وساسُونا. وهو حسنُ الإيالةِ أي
السياسةِ. وفي حديث الأحنف: ((بَلَوْنا فلاناً فلم نجدْ عندَه إِيالةً للمُلْك))(٣) أي سياسةً.
اي م :
قوله تعالى: ﴿وأَنِكحُوا الأيامى منكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
الايامى: جمعُ أيُّم، والأيِّم: المرأةُ التي لا بعلَ لها، ثيِّياً كانت أو بكراً. فمن الأولِ ما
في الحديث: ((تأيَّمتْ حَقصةُ))(٤) .. وقوله: ((والأيِّمُ أحقُّ بنفسِها))(٥). ومن الثاني:
(( تَطولُ أَيْمةُ إِحداكُنَّ))(٦)، ويقالُ للرجلِ الأعزبِ أيضاً، وذلك على الاستعارة. يقالُ ذلك
لمن لا غَنَاءَ عندَه تشبيهاً بالنِّساءِ، يقالُ: آمَتِ المرأةُ تثيمُ أَيْمةً فهي أيْمُ بغير ياءٍ، وَآمَ
الرجلُ كذلك. وإِنما لم يُفرِّقوا بالتاءِ لأنَّ هذه صفةٌ غالبةٌ في المؤنث، فأشبهتْ حائضاً
وطامئاً لأن الأصلَ عدمُ إِطلاقهِ في الرجالَ كما تقدَّم. ولم يحكِ الراغبُ غيرَ أَيْمةٍ بالتاءِ،
وإِمتُ آيمٌ، وأنشد : [من الطويل]
١٢٣ - لقد إِمْتُ حتى لامَني كلُّ صاحبٍ
رجاءً بسلمى أنْ تَيمَ كما إِمْتُ(٧)
(١) في اللسان (أيل: ٤٠/١١) ((إِيل من أسماء الله عز وجل، عبراني أو سرياني. قال ابن الكلبي:
وقولهم جبرائيل وميكائيل وشراحيل وإسرافيل وأشباهها إِنما تنسب إلى الربوبية، لان إِيلاً لغة في إِلّ
وهو الله عز وجل، كقولهم عبد الله وتيم الله، فجبر: عبد، مضاف إلى إيل)). وفي الدر المنثور
٢٢٥/١ ((قال رسول الله عليه: اسم جبريل عبد الله، وإسرافيل عبد الرحمن)).
(٢) المفردات ٩٩ .
(٣) الفائق ١ /٥٢ والنهاية ٨٥/١ وغريب ابن الجوزي ٤٩/١.
(٤) غريب ابن الجوزي ٤٩/١ والنهاية ٨٦/١ والحديث لعمر.
(٥) غريب ابن الجوزي ٤٩/١ والنهاية ١ /٨٥، أضاف ابن الجوزي ((أراد: الثيب خاصة)).
(٦) غريب ابن الجوزي ٤٩/١ والنهاية ٨٦/١.
(٧) اللسان: أيم ٣٩/١٢ ((أنشد ابن بري١٠٠٠ دون عزو وكذا في الغريبين ١١٤/١. وفي رواية =

١٤٦
باب الهمزة
والمصدرُ الأَيْمةُ. وفي الحديث: (( أَنَه كانَ يتعوَّذُ منَ الأيْمة والعَيمة والغيمة))(١)
فالأيمة: طولُ العُزبةِ، والعَيمَةُ بالمُهملة: شدةُ شَهوةِ اللبنِ، وبالمعجمة: شِدَّةُ العطشِ (٢)
:
ومن كلامهم: مالَهُ آمَ وعامَ؟ أي: فارقَ امرأتَه وذهب لبنُه(٣).
ويقالُ: تأيَّمَ، وتأيَّمتْ بمعنى أقامَتْ على الأُيُوم، وأنشد: [ من الطويل]
١٢٤- وقُولا لها: يا حيَّذا أنتِ لو بَدا لها أو أرادتْ بعدَنَا أنْ تَأْيَّما(٤)
أرادَ: أن تتأيَّمَ فحذَفٍ إِحدى التاءَیْنِ.
ويقالُ: الحربُ مَأْيَمَةٌ أَيْ أنَّها يُقتلُ فيها الرجالُ، وتشبيهاً بتأيُّم النساءِ.
والأَيْمُ: بالفتح والسكون الحيةُ. وقد تُشدَّد الياءُ، ومنه الحديث: «مَرَّ بأرضٍ جُرزٍ
مثلِ الأَيْمِ))(٥) فهذا بالفتحِ والسكون. قالَ أبو كبيرٍ الهُذليُّ: [من اللِكامل ]
باللَّيلِ، مَوْرَدَ أَيْمٍ مُتَغْضِّفَ(٦)
١٢٥ - إِلا عواسِرُ كَالمِرَاطِ مَعِيدَةٌ
العواسِرُ: ذئابٌ تَعسِرُ بأذنابِهنا أي ترفَعُها إِذا عَدَتْ. والمِراطُ: سهامٌ قد انْمرطَ
ريشُها. المتَغضِّفُ: المُتلوِّيّ.
والأيامَى: وزنُها في الأصل فعائلُ أيائم لأنَّها نظيرُ صَيقلٍ وصياقلَ، قُلبتْ بأن قدَّمتِ
الميمُ وأخْرتِ الياءُ التي انقلبت إِلى الهمزة. ثم فُتحتِ الميمُ تخفيفاً فقُلبتْ ألفاً فصارت
أيامى، ووزنُها بعدُ فَعالى. وقد حققتُها بأكثرَ من هذا(٧).
= البيت بعض الاختلاف.
(١) الغريبين ١١٥/١ وغريب ابن الجوزي ٤٩/١ والنهاية ٨٦/١، ٣٣١/٢، ٤٠٣/٣، ٥٩/٤،
٠١٧٠/٤
(٢) الدر المضون ٤٠١/٨.
(٣) اللبان: أيم ٤٠/١٢ ((قال ابن السكيت: ماله آثمّ وعامٌ، أي هلكت امرأته وماشيته حتى يقيم
ويعيم إلى اللبن.)).
(٤) البيت في الغريبين ١١٥/١ دون عزو.
(٥) غريب الحديث ٤٩/١ والنهاية ١ /٨٦.
: (٦) ديوان الهذليين ١٠٥/٢.
: (٧) يقصد كتابه الدر المصون ٤٠٠/٨ وانظر سيبويه ٦٥٠/٣ وإصلاح المنطق ٣٤١.
.-

١٤٧
باب الهمزة
أي ن :
أينَ: ظرفُ مكانٍ يكونُ شَرطاً تارةً وإستفهاماً أخرى كقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا
يُدركْكُمُ الموتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وكقوله: ﴿فأينَ تَذْهبونَ﴾ [التكوير: ٢].
والأيْنُ: الإِعياءُ، يقالُ: آنَ يئينُ أَيْناً، وكذلك أنَى يَأْنِي أَنْياً إِذا حانَ. قالَ
الراغبُ(١): وأمَّا بلغ أناه فقيلَ: هو مقلوبٌ مِن أنّى. قال أبو العباس(٢): قالَ قومٌ: آنَ يثينُ
أَيْناً، والهمزةُ فيهِ، مقلوبةٌ عن الحاء، والأصلُ حانَ يحينُ حَيناً. وأصلُ الكلمة من الحينِ.
أي:
أيْ: حرفُ جوابٍ يَتعقَّبه القَسمُ وهو بمعنى نَعم. قال تعالى: ﴿وَيْستنبئونَكَ أُحَقُّ
هُو قُلْ إِيْ وربِّي﴾ [ يونس: ٥٣]. ومثلُه قولُهم: إِي واللَّهِ. ولو قيلَ لك: أقامَ زيدٌ؟ قلتَ:
إِيْ وسكتَّ أو: إِيْ قامَ زيدٌ لم يجزْ لعدمٍ وجودِ القسمِ. وبعضُهم يعبِّرُ عنها بأنها كلمةٌ
موضوعةٌ لتحقيقِ كلام متقدِّم نحو: ((إِيْ وربي)). وقد كثُرَ ورودُ هذه الكلمة حتى حَذَفوا
جملتي القسم وجوابه، وأبقّوا حرفاً موصولاً بإي، فيقولون: أي، ويريدون: إِي واللَّه (٢).
وأي بالفتح والتخفيف: حرفُ تفسيرِ نحوُ: مررتُ بالأسدِ، أي الغَضَنفرِ، وزعمَ
بعضُهم أنها هنا أيْ لنداءِ التقريب، وآيْ بالمدِّ للبعيد، كأيا وهَيَا وقيلَ: الهمزةُ للتقريبِ،
وآي وأيا وهيا للبعيد، وأَيْ للمتوسط(٢).
أي ي:
أي (٤): اسمُ استفهامٍ أو شرطٍ أو مُنادى مبنيٌّ على الضمِّ، وصلةٌ لنداء ذي أل. قال
تعالى: ﴿فَأيُّ الفريقينِ أحقُّ بالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]. وقال تعالى: ﴿أياً ما تَدْعوا فلَهُ
الأسماءُ الحُسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقد تُخفَّفُ الاستفهاميةُ بحذف ثالثها كقوله:
[من الطويل ]
١٢٦ - تَنظُّرتُ نَسراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُما عليَّ منَ الغيثِ اسْتَهِلَّتِ مَواطرُه(٥)
(١) المفردات ١٠١.
(٢) هو أحمد بن يحيى ثعلب ت ٢٩١هـ. وقوله في المفردات ١٠١.
(٣) سيبويه ٢٧٠/٥ - ٢٧١.
(٤) الأزهية ١٠٦ - ١١٠.
(٥) البيت للفرزدق في ديوانه ٣٤٧.

١٤٨
باب الهمزة
وتقعُ نكرةٌ موصوفةً نجو: مررتُ بأيُّ مُعجبٍ لكَ، وصفةٌ لنكرةِ نحوُ: مررتُ برجلٍ
أيِّ رجلٍ، وحالاً لمعرفةٍ نحو: جاءَ زيدُ أيَّ رجلٍ، أي عظيماً. ويُستفهم بها عن الجنسِ أو
النوع.
وأيانَ: ظرفُ زمانٍ، وتكون شرطاً تارةً واستفهاماً أخرى. قال تعالى: ﴿وما
يَشْعُرُون أيّانَ يُبْعِثُون﴾ [النحل: ٢١]، ﴿أَيَّان مُرْسَاها﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وتقول:
أيانَ تخرجْ أخرجْ، ووقوعُهما قليلٌ، ولذلك لم تَردْ في القرآنِ إِلا استفهاماً وهي مبنيةٌ على
الفتح لتضمَّنِ معنى الحرفِ كسائرِ أدواتِ الشرطِ والاستفهامِ. وقالَ بعضُهم(١): أَيانَ
عبارةٌ عن وقتِ الشيءٍ ويقاربُ معنى متَى. قيلَ: هي مأخوذةٌ من أيْ، وقيلَ: أصلُها أيُّ
أوانٍ، أي: أيُّ وقتٍ، ثم حذفتِ الألفُ وجعلتِ الواوُ ياءً وأدغمتْ فصار ((أیانَ»، وفي
هذا بُعدٌ كثير
والآيةُ: العلامةُ(٢)، يقول: ائتني بآيةٍ كذا، أي بعلامةٍ. ومنه: ﴿قَالَ رِبِ اجْعَلْ لي
آيةً قالَ آيتُكَ﴾ [آل عمران: ٤]، وفسَّرِها الراغبُ بالظهورِ فقالَ(٣): وآيةٌ هي العلامةُ
: الظاهرةُ، وحقيقتُه لكلِّ شيءٍ ظاهرٍ هو مُلازمٌ لشيءٍ لا يظهرُ ظهورَهُ. فمتَى أدرَك مُدرِكٌ
الظاهرَ منهما عُلمَ أنَّه أدركَ الآخر الذي لم يدركه بذاته، إِذا كان حکمُهما سواءً، وذلك
ظاهرٌ في المحسوساتِ والمعقولاتِ، فمنَ عَلم ملازمةَ العَلَم للطريقِ المَنْهِجِ ثم وَجد العَلمَ
عَلِمَ أنه وُجد الطريقُ، وكذا إِذَا عَلم شيئاً مصنوعاً عَلم أنه لا بدَّ لهُ من صانعٍ. انتهى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةً مُلْكِه﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي علامتَه الظاهرةَ لكُم. وقولُه.
﴿أَتّنونَ بكلِّ رِيعٍ آيةٌ﴾ [الشعراء: ١٢٨]، فالآيةُ هنا البناءُ المرتفعُ لأنه أظهرُ العلاماتِ
الحسيةِ. وقولُه: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿ومِن آياتِهِ﴾ [الروم: ٢٠°] أي
عجائبُ مصنوعاته. فهي أدلّ على وحدانيته. وقوله: ﴿ يُجادلون في آيات الله ﴾ [غافر:
٣٥٠] أي في دلالات أنبيائهِ وكتبهِ الواضحات.
والآيةُ من القرآن اختلفتْ عباراتُ الناسِ فيها، فقال الهرويُّ: سُميتِ الآيةُ من القرآن
(١) المفردات ١٠٣.
(٢) سفر السعادة ٩٨ - ١٠٠.
: (٣) المفردات ١٠١ - ١٠٢.

١٤٩
باب الهمزة
آيةً لأنَّها علامةٌ يُقْطَعُ بها كلامٌ من كلام. وقيلَ: لأنها جماعةٌ من حروف القرآن، يقالُ:
خرجَ القومُ بآيَتِهِم أي بجماعتهم. وقال الراغبُ(١): ولكلِّ جملةٍ منَ القرآنِ دالّة على حكمٍ
آية سورةً كانت أو فصلاً أو فصولاً من سورةٍ، وقد يقالُ لكلِّ كلامٍ منهُ تامٌّ منفصلٍ بفصلٍ
لفظيّ آيةٌ. وعلى هذا اعتبارُ آي السورِ التي تُعدُّ بِها السورةُ. قلتُ: وكأن الآيةَ في الأصلِ
عندهُ ما دلْتُ على حكم، وإِطلاقُها على الآيةِ الإصطلاحية التي بها السورُة خلافُ الأصلِ،
وفيهِ نظٌّ، إِذ عبارةُ الناسِ تُشعرِ بالعكسِ. ثم إِنَّه جعلَ الآيةَ شاملةً للسورة.
قولُه: ﴿بل هو آياتٌ بَيِّنَاتٌ (٢) في صدورِ الَّذِينَ أُوتوا العِلمَ ﴾ [العنكبوت: ٤٩]
وفي قوله: ﴿إِنَّ في ذلكَ لَآيَةً للمؤمنينَ﴾ [الحجر: ٧٧] إِشارةٌ إِلى الآيات المعقولة التي
تَتفاوتُ بها المعرفةُ بحسبٍ تفاوتِ الناسِ في العلمِ. وقال تعالى: ﴿وجعلنا الليلَ والنهارَ
آيتينِ﴾ [الإسراء: ١٢] تَنبيةٌ على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما آيةٌ لما فيه من الدَّلالة الباهرة
والبراهين الظاهرة، وفي مجموعهما آياتٌ كثيرةٌ. وهذا بخلاف قوله: ﴿وجعلنا ابنَ مريمَ
وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] حيث لم يُثِّهما، قالوا: لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما آيةٌ للأخرى.
وقيل: لأن قصَّتَهما واحدةٌ، قاله ابنُ عرفَة وقال الأزهريُّ: إِنَّ الآيةَ فيهما معاً آيةٌ واحدةٌ،
وهي الولادةُ دونَ الفَحلِ (٣). قلتُ: وهذا هو شرحُ القولِ الأولِ .
قولُه: ﴿وما نُرسِلُ بالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] إِشارةٌ إِلى ماعُدِّبتْ به
الأممُ السالفةُ من الجرادِ والقمل ونحوِهما، وأنه إِما يرسلُها تخويفاً للمكلَّفينَ قبلَ أنْ يَحلَّ
بهم ما هوَ أفظعُ منها، وهذه أخَسُّ المنازل للمأمورينَ. قال الراغبُ(٤): ((وذلكَ أنَّ الإنسانَ
يتحرَّى فعلَ الخيرِ لأحدٍ ثلاثة أمورٍ، إِما رغبةٍ، أو رهبةٍ وهو أدنى منزلةٍ، أو لطلبٍ مَحْمدةٍ
أو فضيلةٍ(٥). وهو أن يكونَ الشيءُ في نفسهِ فاضلاً، وذلك أشرفُ المنازل.
(١) المفردات ١٠٢.
(٢) قرأ ابن مسعود وابن السميع (بل هذا) القرطبي ٣٥٤/١٣. وقرأ ابن مسعود (بل هي) الجامع
٣٥٤/١٣ ومعانى الفراء ٣١٧/٢. وقرأ قتادة (آية بيئة) البحر المحيط ١٥٦/٧. وقرأ ابن كثير
وحمزة والكسائي وعاصم وشعبة وخلف (آية) السبعة ٥٠١ والنشر ٣٤٣/٢.
(٣) تفسير ابن كثير ٢٥٦/٣ ( فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق
عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى)).
(٤) المفردات ١٠٢ - ١٠٣.
(٥) في المفردات ((وإما يتحراه للفضيلة)).

١٥٠
باب الهمزة
ولما كانتْ هذه الأمّةُّ خيرَ أمّةٍ كما قالَ رفعَهم عن هذه المنزلة ونبَّه أنَّه لا يعُمُّهم
بالعذاب، وإِن كانتِ الجَهَلةُ منهم يقولون: ﴿فَأَمْطِرْ علينا حجارةٌ منَ السَّماءِ أوٍ إِقْتِنا
بعذابٍ أليم﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقيلَ: الآياتُ إِشارةٌ إِلى الأدلة. ونبّه بذلك على أنه يَقتصرُ
معهم على الأدلّةِ ويُصانونَ من العذاب الذي يستعجلونَه في قوله: ﴿وَيَستعجلونَك
بالعذابِ﴾ [الحج: ٤٧] ).
:
وفي بعضِ المواضع آيةٌ بالإِفرادِ وآياتٌ بالجمعِ، وذلكَ بحسبِ المقاماتِ. وفي
: اشتقاق الآية قولان: أحدهما أنَّها من أي المستفهم بها، فإِنها يُتُبِيِّنُ بها أيٍّ من أيٍ والثاني
أنها من قَولهم: أوَى إِليه، نَقلهما الراغبُ (١): قلت: لأنَّ أَوَيَ فيه معنى الانضمامِ. وفي
الآية ضمّ ما.
واختُلفَ في وزنها، فقيلَ: وزنُهَا فَعَلةٌ(٢) وأصلُها أيَّة فتحركتِ الياءُ الأولى، وانفتحَ
ما قبلَها فقُلبتْ ألفاً، وهذا إِعلالٌ شاذٌ لأنه متَى اجتمَع حرفانٍ مُستحقَّانِ للإِعلالِ أعلَّ
ثانيهما، لأنَّ الأطرافَ محلٌّ التغيير نحوُ حَياةٍ ونَواةٍ وهَوى وعَوَى وَدَوى. وشدَّ عن ذلكَ
التلفّظُ وهي آيةٌ ورايةٌ وطايةٌ وغايةٌ.
وقيلَ: وزنُهَا فَعْلَةٌ بسكونِ العِينِ(٣)، فالياءُ قُلبتْ ألفاً، وهوَ إِعِلالٌ شاذٌّ لأنَّ حرف
العلة ساكنٌ، ولكنْ خشيةً كراهتهم التضعيفَ، ومثلُ قَولِھم طائيٍّ في طيِّءٍ اکتفوا باحد
أجزاء العلَّةِ .
وقيلَ(٤): وزنُها فاعلةٌ، والأصلُ آبِيَةٌ فخُفِّفَ بحذفِ العَينِ. وزنُها بعدَ الحذف.
قالَةٌ، وهو ضعيفٌ كقولهم في تصغيرِها أُيَيَّةٌ. ولو كانتْ فاعلَة لقالوا أُوَيَّةٌ. وفي هذا.
الحرف كلامٌ أكثرُ من هذا أُثبّتُه في غيرِ هذا الموضوع.
وإِيّاكَ وإِياهُ وإِيايَ وفروعُها اختُلِفَ فيها(٥)؛ فقالَ الزَّجاجُ: إِيّا: اسمٌ ظاهرٌ ليس من
( الضمائرِ، والجمهورُ على أنه ضميرٌ، ثم اخْتلفوا فقيلَ: هو بجملته ضميرٌ، وما بعدهُ من
(١) المفردات ١٠١.
: (٢) هو قول الخليل في كتاب سيبويه ٣٩٩/٤ والمقتضب ٢٨٩/١.
(٣) هو قول سيبويه في كتابه ٤ /٣٩٨ وسفر السعادة ٩٨ والمسائل الحلبيات ٣٣٥.
(٤) هو قول الكسائي في سفر السعادة ٩٨ واللسان (أيا ١٤ /٦٢).
(٥) المسائل العضديات ٢٧-٣٣ المسألة العاشرة والإنصاف ٦٩٥ المسألة ٩٨.
:

١٥١
باب الهمزة
الكافِ والهاءِ حروفٌ تُبِيِّنُ أحوالَهُ. وقيلَ: بل هي في محلٌّ خفضٍ بدليلٍ ظهورِ الخفضِ
في ظاهرٍ قد وقعَ مَوْقِعَها في قولهم: ((فإِياهُ وإِيّا الشَّوابُ))(١).
وقال الراغبُ (٢): إِّ لفظٌ موضوعٌ لِيتوصَّلَ بهِ إلى ضميرٍ منصوبٍ إِذا انقطَعَ عمَّا
يَتَّصلُ به، وذلكَ يُستعملُ إِذا تقدَّمَ الضَّمِيرُ نحو ﴿ إِياكَ نَعْبُدُ﴾(٣) [الفاتحة: ٤] أو فُصلَ
بَيْنَهما بمعطوفٍ عليه أو بإلا نحو: ﴿نرزُقُهمْ وإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٧١] ﴿وقضى ربُّك الأَ
تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾(٤) [الإسراء: ٢٣]. وفي الكلمةِ كلامٌ طويلٌ حرَّرتُه في غير هذا الكتابِ.
(١) هو قول الخليل فى الإنصاف ٦٩٧ وكتاب سيبويه ٢٧٩/١ وتمام قوله ((إِذا بلغ الرجل الستين فإياه
وإِيا الشوابّ)؛ والشواب جمع شابة .
(٢) المفردات ١٠٣.
(٣) قرأ الفضل بن عيسى والرقاشي (أيُّاك) القرطبي ١ /١٤٦ والبحر المحيط ٢٣/١. وقرأ ابن السوار
الغنوي (هِيَّاك) القرطبي والبحر المحيط. وقرأ ابن السوار الغنوي (هَيَّاك) البحر المحيط. وقرأ أبيّ
وعمرو بن فائدة (إِيّاك) البحر المحيط والقرطبي. وقرأ الحسن وأبو مجلز (يُعْبَدُ) البحر المحيط
والإتحاف ١٢٢. وقرأ زيد بن علي ويحيى بن الوثاب (نِعْبد) البحر المحيط.
(٤) قرأ المطوعي (وقضاء ربك). وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن جبير والنخعي وابيّ (ووصى) وقرأ
عبد الله (وأوصى). البحر المحيط ٦ /٢٥ والكشاف ٢ /٤٤٤.

١٥٢
باب الباء
الباء :
الباءُ حرفُ جرّ، ولهُ معانٍ كثيرةٌ(١)، منها: الإلصاقُ حقيقةً نحو: ﴿وامْسَحوا
برؤوسِكُم﴾ [المائدة: ٦]، أو مجازاً نحو: مررتُ بزيد، وتعدِّي الفعلِ نحو: خرجتُ
بزيدٍ. وهل تُرادفُ الهمزةَ أو تلزمُ مصاحبةَ الفاعلِ خلافٌ، الصحيحُ أنَّها لا تلزمُ كالهمزةِ
لقوله: ﴿ذَهبَ اللَّهُ بنورِهم(٢)﴾ [البقرة: ١٧]. وتكونُ للمصاحبةِ نحو: خرجَ بثيابهِ.
وللتقليل نحو: ﴿فَبِظُلمٍ مِنَ الذينَ هادُوا حَرَّمْنَا﴾ [النساء: ١٦٠]. وللمقابلة نحو: ﴿لا
يشتَرونَ بآيات الله﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وبمعنى عن مُطلقاً نحو: ﴿ويومَ تَشقَّقُ السماءُ
بالغّمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]. أو معَ السؤالِ خاصةً نحو: ﴿فاسألْ بِهِ خَبِيراً}
[ الفرقان: ٥٩]. وبمعنى من، نحو: [من الطويل]
١٢٧ - شَربْنَ بماءِ البحرِ ثم تَرَفَّعتْ(٣)
وبمعنى في، نحو: زيدٌ بمكةً، أي فيها. وبمعنى على، نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ
بدينارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي عليه. وتُزادُ مطّردةٌ كهيَ في فاعلٍ كفَى ومفعولِهِ نحو:
﴿وكفَى بالله شهيداً﴾ [النساء: ٧٩].
[من الكامل]:
١٢٨ - فكفَى بِنا فضلاً على مَن غَيْرُنا(٤).
وفي خبرٍ ليس وما غيرَ مُوجِبٍ، وفي غيرِ ذلك بقلَّةٍ. وتكونُ للقَسَم وهي أمّ البابِ،
ولذلكَ يُجرِّبها كلٌّ مُقْسَمٍ بِهِ ظاهراً أو مُضمراً، ويظهرُ معها العاملُ ويُضمرُ.
(١) انظر الأشباه والنظائر ١٠٠ - ١٠٤ والأزهية ٢٨٣ - ٢٨٧.
(٢) قرأ اليماني (أذهب الله نورهم) الكشاف ٩٣/١ والبحر المحيط ١ /٨٠.
(٣) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوان الهذليين ٥١/١ وتمام روايته في الديوان:
على حبشيات لهن نتيج).
( تروّت بماء البحر ثم تنصّبت
(٤) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ٢ /٣٥٤ (دار صادر).

١٥٣
باب الباء
وقد يدخلُ معها معنى السؤال كقوله: [ من الكامل]
هذا ابنُ هَرَمَةَ واقفاً بالباب(١)
١٢٩ - بالله ربِّكَ إِنْ دخلتَ فقلْ لهُ:
ويُبدلُ منها الواوُ مع الظاهرِ خاصةٍ. ولا يظهرُ معه العاملُ، وتُبدلُ منَ الواوِ والتّاءِ،
فتختصُّ بالجلالة نحو: وتالله. وفيها معنى التعجُّبٍ، كما سيأتي بيانُه في بابِهِ إِنْ شاء اللّه
تعالى.
فصل الباء والألف
ب أ ر:
البئرُ: معروفٌ، وهي ما حُفرَ وطُويَ أي ثُنيَ. والثَّمَدُ ما لم يُطوَ. يقالُ: بأرْتُ آباراً
وبشراً وبُؤرةً أي حَفيرةً. ومنه اشتُقَّ البئرُ وهي في الأصلِ حَفيرةٌ يُسترُ رأسُها ليقعَ فيها مَن مرَّ
عَليها، يقالُ لها: المغْواةُ وعُبْر بها عن النَّميمةِ المُوقِعةِ في البليَّةِ . والجمعُ: مآثِرُ وبِعارٌ.
وأصلُ المادة من التَّخبثة. وفي الحديث: ((أنَّ رجلاً آتاهُ اللهُ مالاً فلم يَبْتثِرْ فيهِ
خَيراً))(٢) أي لم يقدِّم فيهِ خَيراً أحياهُ لنفسهِ وادَّخَرَهُ.
بأرْتُ المالَ وابْتَارتُه: خبَّاتَه وادَّخرتَه. وكذلك بَأَرْتُ البئرَ والبُرةَ، وابْتَارْتُها. قال
تعالى: ﴿وبئر (٣) مُعطَّلةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، وقيلَ: ليسَ المرادُ بئراً بعينها ولا قَصراً بعينه،
وإِنما ذلك على إِرادة الجنسِ(٤). وقيلَ: بل هيَ بئرٌ وقصرٌ مُعيَّانِ، ضربَ اللَّهُ بهما المثلَّ،
وذكَّر بهما الناسَ ليحذَّروا عقابَه. فقالَ جماعةٌ من أهلِ التفسيرِ: إِنها بثرٌ بحضر مَوت، وإِنَّ
صالحاً صلى اللَّه عليه وسلم لما نزلَ بهذه البُقعة وحفرَها ماتَ فسُميتْ بحضرموتَ، فأقامَ
قومُه بعده يَسْتقون من هذه البثرِ.
باس:
البأسُ والبؤسُ والبأساءُ كلُّها الشدَّةُ والمكروهُ، وقد فرَّق بعضُهم بين هذه بفروقٍ،
(١) البيت لابن هرمة في ديوانه ٦٧.
(٢) الفائق ١ /٥٥ وغريب ابن الجوزي ٥١/١ والنهاية ٨٩/١ والبخاري برقم ٧٠٦٩.
(٣) قرأ نافع ويعقوب وخارجة والأزرق (وبيرٍ) السبعة ٤٣٨ النشر ٣٩٠/١ والحجة لابن خالويه ٢٥٤،
وقرأ الحسن والجحدري (مُعْطلة) البحر المحيط ٣٧٦/٦ والكشاف ١٧/٣.
(٤) ابن كثير ٢٣٧/٣ ((أي لا يستقي منها ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها)).

١٥٤
باب الباء
فالبؤسُ في الفقرِ والحربِ أكثُرُ، والبأسُ والبأساءُ في النِّكايةِ، كقوله: ﴿واللَّهُ أشدُّ بأساً }
[النساء: ٨٤]. وقال الأزهريُّ في قولهِ: ﴿مِسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]،
: البأساءُ في الأموالِ وهو الفقرُ، والضرّاء في الأنفُسِ. وقوله: ﴿أنْ يكُفِّ بَأْسَ الذينَ
كفروا﴾ [النساء: ٨٤] أي شدَّتَهم في الحربِ، وقولُه: ﴿بأسُهم بينَهُم شَدِيدٌ﴾
[الحشر: ١٤] من ذلك. وقولُه: ﴿وَأَنزَلْنا الحديدَ فيهِ بأسٌ شَدِيدٌ﴾ [ الحديد: ٢٥ ] أي
: امْتِنَاعٌ وقوّةٌ. وقولُه: ﴿تَقِيكُم بَاسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] أي دُروعاً تقيكُم الشدّةَ والضرِّ
الواقعَ بينكم. وقوله: ﴿فَلا تَبَْسْ﴾ [هود: ٣٦] أي: لا يَشتدَّنَّ أمرُهُم، فلا تَذِلَّ ولا
تَضْعُفَ. وقيلَ: أي لا تلتزمِ البؤسَ ولا تحزنْ. يُقالُ: بَؤُسَ يَبْؤْسُ بأساً فهو بَسُ، إِذا اشتدَّ،
وبَعْسَ يَبْأَسُ بَأْساً وبأسَةَ، فهو بائسٌ إِذا اقْتَقْرَ، قال تعالى: ﴿وَأَطْعِموا البائسَ الفقِيرَ﴾
[الحج: ٢٨]، ﴿بعذابٍ بَئِيسٍ (١)﴾ [الأعراف: ١٦٥] أي شديد. وقد قُرِئَ (بَيْفس»
بِنةٍ فَيْعِلٍ، و((بِيسٍ)) بزنةٍ جِيرٍٍ وفي الحديثِ أنَّه عليه الصلاة والسلام (( كان يكره البؤس
والتَّباؤسَ))(٢) أي الضَّراعة للفقرِ. والتكلف لذلك جميعاً.
وبئس(٣) نقيضُ نِعمَ، فَبِئْسَ (٤) جميع المَذامِ، كما أنَّ نعمَ تَقْتَضي جميعَ المحامدِ،
ويَرفعانِ ما فيهِ ألْ أو ما هوَ مضافٌ لذي أل، كقوله: ﴿نعمَ العبدُ﴾ [ص: ٣٠] ﴿ونَفْسَ
المِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]، ﴿فلبئسَ مَثْوى المتكبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩]. أو لمُضمرٍ مُفسَّرٍ
(١) أحصى مؤلفا معجم القراءات ٤١٦/٢-٤١٨ إحدى وعشرين قراءة. (بئيس) قراءة بعض المكيين.
(بِيسٍ) نافع وزيد والحسن وشعبة وهشام وأبو جعفر والداجوني. (بَيْسٍ) نافع وخارجة وطلحة
والحسن. (بِفْسٍ) ابن عامر وابن كثير وعاصم وابن ذكوان. (بئسٍ) ابن كثير والزهراوي. (بَأْسٍ)
نصر ابن عاصم ومالك بن دينار. (بَعِسٍ) زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن وابن مصرف، (بِثْلَ) ابن
عامر وأبو بكر والحسن وزيد بن ثابت. (بَعِسَ) حمزة ويعقوب ويحيى والسلمي وزيد بن ثابت وابن
عمر، (بَأْسَ) نصر بن عاصم وجبة بن عائذ. (بَأْس) نصر بن عاصم وجؤبة بن عائذ والأعمش
ومالك بن دينار. (بِيسَ) نافع والحسن وطلحة. (بَاسَ) الأعمش ومالك بن دينار. (بَنَّفْسٍ) عاصم
وأبو بكر وابن عباس وعيسى بن عمر وابن عباس. (بَفْسٍ) نصر بن عاصم والأعمش. (بَيَأْسٍ) ابن
عباس وعاصم والأعمش وشعبة وطلحة. (بَيِّسٍ) نصر بن عاصم. (بائس) أبو رجاء ومجاهد.
( بِئْيَسٍ) الأعمش والحسن. (بَأُسَ، بَيَسَ). الحجة لابن خالويه ١٦٦ والحجة لأبي زرعة ٣٠٠
والسبعة ٢٩٦ والنشر ٢٧٢/٢ والكشاف ٢٧٢/٢.
(٢) الفتح الكبير ١ /٣٣١.
(٣) الإنصاف ٩٧ وقطر الندى ٢٧.
(٤) المفردات ١٥٣ ((فبئس: كلمة تستعمل في جميع المذام)).

١٥٥
باب الباء
بنكرة نحو: بئسَ رجلٌ زيدٌ، أي بئسَ هو. وفي ما المتصلة نحو: ﴿بئسَما اشْتَرَوْا﴾
[ البقرة: ٩٠] خلافٌ كثيرٌ ليسَ هذا موضع تحقيقهِ.
والبأبُوسُ: الرَّضيعُ. وفي حديثٍ جُرِيجِ العابدِ لما اتَّهمتهُ الفاجرةُ بالولد(( مسح على
رأسهِ وقالَ: يا بابوسُ مَن أبوكَ؟)) (١) وأَنشد الهرويُّ لابن أحمرَ: [ من البسيط]
١٣٠ - حَنَّتْ قَلوصي إلى بابوسِها جَزَعاً
وما حَنِينُكِ إِلا أنتِ والذِّكَرُ؟(٢)
فصل الباء والتاء
بتت:
قالَ الراغبُ: وأمَّا البتُ فيقالُ في قَطعِ الحبلِ(٣). وطلَّقتُ المرأةَ بتَّةٌ بَتْلَةً (٤).
ورُويَ: ((لا صِيامَ لمنْ لم يُّبُتَّ الصَّومَ مَن الليلِ))(٥). قلتُ: يقالُ: بَتَّ وَيَبتُّ بالضمّ
والكسر، أي يقطعُه من الوقت الذي لا صِيامَ فيه.
قال(٦): والبَشْكُ مثلُه، ويُستعملُ في قَطعِ الثوبِ، وفي الناقةِ السريعةِ تَشبيهاً لِيدَيْها
في السرعةِ بيدِ الناسِجةِ نحَو قولِ الشاعرِ: [من الكامل]
١٣١ - فعلَ السَّريعةِ بادَرتْ حدَّادَها
قبلَ المساءِ تَهِمٌ بالإسراع(٧)
وفي كلامِهِم: صَدَقةٌ بنَّةٌ بَتْلةً أي مُنقطعةٌ عن جميعِ الإِملاكِ.
والبتاتُ: المياعُ. وفي الحديث: ((ولا يُؤْخَذُ منكم عُشرُ البَتَاتِ))(٨) أي زكاةُ المتاعِ.
والبَتَتُ: الكساءُ. قال : [من الرجز]
(١) غريب ابن الجوزي ٥١/١ والنهاية ٩٠/١ واللسان (بيس) والبخاري برقم ١١٤٨.
(٢) غريب ابن الجوزي ٥١/١ واللسان (بيس: ٢٤/٦) وتهذيب اللغة ٣١٨/١٢. وانظر ديوانه ١٠٢.
(٣) أضاف الراغب (والوصل) المفردات ١٠٦
(٤) راجع اللسان (بتل : ١١ / ٤٢)
(٥) غريب ابن الجوزي ٥٣/١ والنهاية ٩٢/١ والفائق ٥٧/١ (لمن لم يبيّت) والغريبين ١٢٤/١.
(٦) المفردات ١٠٦ - ١٠٧.
(٧) البيت للمسيب بن على في المفضليات ص ٦٢.
(٨) غريب ابن الجوزي ٥٢/١ وقال بعد الحديث ((أي عشر المتاع، وليس في المتاع زكاة)) والغريبين
٠١٢٣/١

١٥٦
باب الباء
مُقَيِّظٌ مُصيِّفٌ مُشَتِّبي (١).
١٣٢- مَن كانَ ذا بَتِ فهذا بَتِّي
وقيلَ لصاحبِ الأكسيةِ: بَّاتٌ كَلَبَّابٍ، وفي الحديث: ((إِنَّ المُنْبتَّ لا أرضاً قَطِعَ ولا
ظهراً أبقّى))(٢) أي الذي جَهد نفسَه ودايَتَه في السفرِ، ما يُقْطَّعُ بهِ لم يَقطعْ أرضه التي
سافرَةها ولم يُبْقِ دابْتَه. وهذه المادةُ لم ترد في القرآنِ، ووجْهُ ذكرِها أنَّ ما بعدها مَبنيّ
عليها، نحو مادة بَتّر، وبَتَكَ، وبَتَلَ.
:
ب ت ر:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شانئكَ (٣) هو الابتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. والأبترُ: الذي لا عقبَ لهُ
ولا نَسلَ، وأَصلُه من البَتْرِ، وهو القطعُ. ومنهُ ((نَهى عن المبتورة في الضَّحايا))(٤) هي التي
انقطعَ ذئبُها. وفي الحديث: ((كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لم يُبدأ فيه بالحمد للهِ فهوَ أَبترُ)(٥) أي
أَقطعُ. وَرُويَ أَجدمُ، وذلك أن العاصَ بنَ وائلٍ كانَ يقولُ: إِنَّما محمدٌ أَبْتُرُ، فإِذا ماتٌ
انقطَعَ ذِكرُهُ(٦)، أي ليسَ لهُ ولدٌ يُذكرُ بِهِ إِذا رُئِيَ، فأكذَبه اللَّه تعالى ورفع ذِكْرَه وجعله هو
الأبترَ، إِذا ذُكر لا يُذكرُ إِلا بِشَرٍ. وفي حديثٍ عليَّ، وقد سُئل عن صلاةِ الضُّحى، فقال:
((حين تَبْهَرُ الْبُتَرَاءُ الأرضَ »(٢) أي تَنبِسِطُ الشمسُ. فالبُتَيَراءُ: اسمٌ للشمسِ، سُميت بذلك
لأنها تُكلُّ الأبصارَ أي تُتْعِبُها إِذا حدَّقَتْ نحَوها. فجعلَ ذلك قَطْعاً مَجازاً. وقالَ الراغبُ
كلاماً حسناً(٨): نبَّه اللَّهُ تعالى أنَّ الذي ينقطعُ ذِكرُهُ هو الذي يَشْنُؤُهُ، فأمَّا هو فكما وصفَه
اللَّهُ تعالى بقولِهِ: ﴿وَرَفِعْنا لك ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] لكونه جُعلَ أباً للمؤمنين. وفي
(١) الرجز لرؤية فى زيادات ديوانه ١٨٩ واللسان (بنت)
(٢) غريب ابن الجوزي ٥٣/١ والغريبين ١٢٣/١
(٣) قرأ أبو جعفر (شانيك) النشر ٣٩٦/١. وقرأ ابن عباس (شنيك) البحر المحيط ٥٢٠/٨.
(٤) غريب ابن الجوزي ٥٣/١: والنهاية ١ /٩٣
(٥) أخرجه ابن ماجه برقم ١٨٩٤ (١ /٦١٠) وأبو داود برقم ٤٨٤٠ (٢٦١/٤) ومسند أحمد
٣٥٩/٢. وغريب ابن الجوزي ٥٣/١ والنهاية ٩٣/١.
(٦) ابن كثير ٤ /٥٩٨(( كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول اللّه لَّه يقول: دعوه، فإنه رجل أبتر لا
عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله: إِن شانئك هو الأبتر)» وذكر ابن كثير أقوالاً أخرى ...
(٧) غريب ابن الجوزي ١ / ٥٣ والنهاية ١ /٩٤ والفائق ٥٧/١.
(٨) المفردات ١٠٧ .

١٥٧
باب الباء
الحديث معنَى رَفعنا لك ذكرَكَ («لا أُذكرُ إِلا إِذا ذُكرتَ معي))(١) وإِلى هذا أشار أميرٌ
المؤمنين علي رضي اللَّه عنه بقوله: ((العلماء باقون مابَقي الدَّهر أعيانُهم مفقودةٌ وآثارُهم
في القلوبِ مَوجودَةٌ)(٢) هذا في أتباع الأنبياءِ، فكيفَ بهم صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم،
فكيفَ بنبيِّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، حيثُ رَفَعَ ذكرَهُ وجعلَهُ خاتَم رُسلِهِ؟.
وقال الراغبُ(٣): البَتْرُ يقاربُ ما تقدَّم - يَعني البتَّ - لكن استُعملَ في قطعِ
الذَّنَبِ، ثم أُجريَ قطعُ العَقبِ مُجراهُ. ورجلٌ أَبترُ وأباترٌ: لم يكنُ لهُ عقبٌ. ويقالُ لمن
قَطَعَ رَحمَه: أَبترُ وأباتٌ. وكذا مَنِ انقطعَ عن كلِّ خيرٍ.
بت ك:
البَتْكُ: قطعٌ خاصٌ، ولذلكَ قال الراغبُ (٤): البَتْكُ يقاربُ البَتَّ، لكنَّ البَتْكَ
يُستعملُ في قطعِ الأعضاءِ والشَّعَرِ، يقالُ: بَتَكَ شعرَهُ وَأُذُنَهُ. والباتِكُ: السيفُ القاطعُ.
والبِتْكَةُ: القطعةُ، قالَ زهيرٌ: [من البسيط]
١٣٣- حتی إذا قبضت کفُ الوليد لها
طارتْ وفي يدِهِ من ريشها بِتَّكُ(٥)
والبتْكةُ والبَتيكةُ أيضاً: القَطعُ مرةً واحدةً. وقولُه تعالى: ﴿فَلَيُبَتْكُنَّ آذانَ الأنعامِ﴾
[النساء: ١١٩] عبارةٌ عن شقُّ آذانِ النَّحائرِ التي سَياتي إِنْ شاءَ اللَّهُ تفسيرُها.
بت ل :
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَتَبِتَّلْ إِليه تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨]. التَبتُل: الانْقطاعُ والانفرادُ، أي
انقطعْ لعبادته، وانفرِدْ بها عنِ الناسِ، وأَخلصْ نَيَّتَكَ انقطاعاً تَختصَّ بِهِ، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثمَّ ذَرْهُم في خَوَضِهِم يَلْعبون﴾ [الأنعام: ٩١]. ابنُ عَرفةَ: انقطعْ له في
(١) ابن كثير ٤ /٥٦١. والحديث رواه أنس .
(٢) نهج البلاغة ٦٩٢ .
(٣) المفردات ١٠٧ .
( ٤) المفردات ١٠٦ .
(٥) ديوانه ١٣٢ .

١٥٨
باب الباء
طاعته وأفردْها له. الازهريُّ: انقطعْ إِليه.
والبَتْلُ: القطعُ. وصدقةٌ بَنَّةٌ وبَتْلةٌ أي مُنقطعةٌ منَ المالِ إِلى سبيلِ اللهِ. وفي
الحديث: ((لا رَهْبانيَّةً ولا تَبتُّلَ في الإِسلام))(١). وفي الحديثِ أيضاً: ((التبتُّلَ على عثمانَ
بنِ مَظْعونٍ))(٢) أي الانقطاعَ عنِ النساءِ، فلا مُنَافاةٌ بينَ الآيةِ الكريمةِ وهذا الحديث. إِذ
المرادُ بالتَّبِتُّلِ في الآيةِ الانقطاعُ للعبادة، وفي الحديثِ الانقطاعُ عن النكاحِ. وقد وردتْ
تَرغيباتٌ في النكاحِ: ((تَناكجوا تَناسَلوا))(٣) ((النَّكاحُ سُنَّتِي فمن رَغبَ عِنْ سُنَّتَي فليس
مني))(٤).
وسُميتِ الزّهراءُ البَتولَ لانقطاعها عن نساءِ زمانِها ديناً وحَسَباً وفَضْلاً(٥). والبتولُ
في الأصلِ : انقطاعُ المرأة عن الرجالِ الذين لم تَشتههم. ومنه قيلَ لمريم عليها السلامُ:
البَتُولُ. والتّبتيلُ: ليسَ مصدرَ النَّتُلِ إِنَّما هو مصدرٌ بَتَلَ. ومصدرُ بَتَلَ التَّثُّلُ. يقالُ: تصرَّفَ
تَصرِّفاً، وصَرفْتُه تَصرِيفاً. ولكنَّ المصادرَ يَنوبُ بعضُها عن بعضٍ، وأَنشَدوا: [من الرجز]
١٣٤ - وقد تَطوَّيْتُ انْطواءَ الحِضْبِ(٦)
الانطواءُ واقعٌ موقعَ ( تَطوِّياً)). وقد اتَّفقَ اشتراكُ هذه الموادّ الأربعِ المتوالية في معنى
واحدٍ کما ترى.
فصل الباء والثاء
ب ث ث:
..
البثُّ: إِثارةُ الشيءٍ وَتَغْرِيطُه، كبثٌ الريحِ التِّرابَ. وقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بِثْي﴾
[ يوسف: ٨٦]، فالبثُّ نشَرُ الغمِّ الذي انطوتْ عليه النّفسُ، ومعناهُ: غَمِّي الذي أبُّه عن
(١) ابن ماجه ٥٩٣/١ ومسند أحمد ١٧٥/١ فتح الباري ٠١١١/٩.
(٢) غريب ابن الجوزي ٥٣/١ والنهاية ٩٤/١ والبخاري كتاب النكاح برقم ٤٧٨٦ ومسند أحمد
١٧٦/١ وأول الحدیث درد رسول الله)) .
(٣) الحديث في المفردات ١٠٨ وإحياء علوم الدين ٢٥/٢ بلفظ« تناكحوا تكثروا .. ).
(٤) إحياء علوم الدين ٢ /٢٥ آداب النكاح.
(٥) هو قول ثعلب كما في غریب ابن الجوزي ٥٤/١ .
(٦) الرجز لرؤية في ديوانه ١٦ وقبله: (عن متنه مرداة كل صقب ).

١٥٩
باب الباء
كتماني، فهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ مَفعولٍ. ويجوزُ أن يكونَ معناهُ: غمِّي الذي بثَّ فكري،
فيكونُ واقعاً موقعَ الفاعِلِ .
وقيل: البثُّ أشدُّ الحُزْنِ، ببثُّهُ الناسُ. وقولُه: ﴿وَبِثَّ فيها من كلِّ دائَّةٍ﴾ [البقرة:
(١٦٤] أي نَشَرَ فيها وفرَّق أنواعَ الدَّوابُ. وفيه إِشارةٌ إِلى إِيجادِ ما لم يَكُنْ موجوداً. وقولُه:
﴿ كالفَرَاشِ المبثوثِ﴾ [القارعة: ٤] أي المتفرِّقِ المتهيِّجِ بعدَ سكونهِ وخَفقانه. وفيه أبلغُ
تشبيه، فإِنَّه لا يُرَى أخفُّ ولا أطْيشُ منَّ الفراشِ. ولم يكتفِ بتشبيهِهم بهِ حتَّى وصفَهم
بالمبثوث.
وبثّ وأبثَّ بمعنى واحدٍ، يتعدَّيان لاثنينٍ، فيقالُ: بَثَنَتُكَ سِرِّي، وَأَبْتَتُنْكَ إِيَّاهُ.
ويتعدَّى لواحدٍ فقط، ومنهُ ﴿كالفَرَاشِ المَبْثوثِ﴾. وقولُه: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثوثةٌ﴾ [الغاشية:
١٦] أي مُتُفرِّقَةٌ مُنتشرةً في مَرَاقِدهم. وفي حديثٍ أمِّ زَرْعٍ: «زوجي لا أَبِثُ خَبَرَهُ))(١) أي
لا أُفْشِيهِ ولا أَنْشُرُه. وفيه: ((ولا يُولِجُ الكِفَّ لِيَعلَمَ الَبَثَّ)(٢) اختلفوا في تأويلها، فقيلَ: هو
مدحٌ فيه تَصِفُهُ: لأنَّه لعلمهِ بأن داءً في جَسدي لا يُدخلُ كفَّه إِليَّ فيحصلَ لي حُزْنٌ، وهو
قولُ أبي عُبيدٍ (٣). وردَّ عليه القُتيبيُّ ذلك بأنها قد ذمَّتُه أولاً. وردَّ ابنُ الأنباريّ على القُتيبي
بأنهنَّ تعاقَدْنَ على ألاّ يكتُمنَ من أخبارِ الأزواجِ شيئاً. فمنهنَّ مَن ذكرتْ محاسنَ فقط،
ومنهنَّ مَن ذكرتْ مساوئً فقط، ومنهنَّ مَن ذكرتِ النَّوعينِ. وقالَ ابنُ الأعرابيِّ: هو ذمٍّ
لأنها وصفَتْه بأنه يُبُثُّ وهي تُريدُ قُربَهُ، فلا بثَّ هناكَ إِلا مَحبَّتُها لقُربهِ، فجعلتْ ذلك بَثّاً
لأنه من جهةٍ أحمدِ بنِ أبي عُبيدٍ لم يُنفّذْ أموري، مِن قولهم: لم يُدخِلْ يدَهُ في الأمرِ أي
لم يُنَفِّذْهُ. وفي حديثِ اليهوديِّ الذي حضرَه الموتُ: ((بَثْبثوهُ)) (٤) أي اكشفوهُ، مِن ذلك
فأبدلوا منَ الثاءِ الوُسطى باءً نحو: حَثْحثَ والأصلَ حثَّثَ بثلاثة أمثالٍ. ومثلُه في الاستثقالِ
والأبدالِ بطيءٌ في بَطيُّ: [من: الرجز]
-تقضّی البازي إِذا البازي کسر (*).
(١) غريب ابن الجوزي ٥٤/١ والنهاية ٩٥/١ واللسان والتاج: بثث. والبخاري في النكاح برقم
٤٨٩٣ ٠
(٢) المصادر السابقة .
(٣) قوله في التاج (بثث) مع قول القنيبي .
(٤) الفائق ٥٧/١ - ٥٨ وغريب ابن الجوزي ٥٤/١ والنهاية ٩٥/١، واللسان والتاج .
(٥) الرجز للعجاج في ديوانه ١ /٤٢، واللسان والتاج (ظفر، ضبر، عمر).

١٦٠
باب الباء
فصل الباء والجيم
ب جس:
الانبجاسُ: قريبٌ منَّ الانفجارِ. قال تعالى: ﴿فانبجستْ منهُ اثْنَتَا عَشرةَ عَيناً ﴾
[الأعراف: ١٦٠] والحرثُ والانبجاس والانفجارُ والانفتاقُ والتَّفَتَّقُ والانشقاقُ والتَّشقُّقُ
متقارباتٌ، إِلا أنَّ الانبجاسُ أكثرُ ما يقالُ في الخارجِ من ضيِّقٍ، والانفجارُ أعمُّ. ولذلكَ
جاءَ اللفظانِ فِي الآيتينُ لأنَّ المكانَ ضيقٌ (١).
وفي القصة أنه موضع ... (٢) ويخرجُ منهُ اثنتا عشرةَ عيناً يُشربُ منها الماءُ، لا
يُحصيهم إِلا خالقُهم.
ويقال: بَجَسَ الماءَ فَإنْبجسَ. وفي حديثٍ حُذِيفَةَ: ((مامِنًا رجلٌ إِلا بهِ آمَّةٌ يَبْجُسُها
الظُّفْرُ غيرَ الرَّجُلينِ))(٣). الآمَّةُ: الشَّجَّةُ بَلغتْ أُمَّ الدِّماغِ. ومعنى هذا أنها نغلةُ فيها صَدِيدٌ
كثيرٌّ بحيثُ لو فجَّرها إنسانٌ بِظُفرِهِ لَقَدِرَ من غيرِ احتياجٍ إِلى حديدةٍ. كنَّى بذلك عن أنَّ
كلَّ أحدٍ لا بدَّ له من شيء إلا أبا بكرٍ وعمرَ وعلياً رضي اللَّه تعالى عنهم وعن كلِّ الصحابة
أجمعين.
فصل الباء والحاء
:
بحث:
البحثُ: التنقيبُ على الشيءٍ والاجتهادُ في معرفةٍ باطنِهِ وخفيِّهِ. ومنهُ بحثَ المسألةَ
وأصلهُ من بحثَ الأرضَ لمعرفة ما داخلَها وإثارة ما كانَ كامناً فيها. قالَ اللَّه تعالى:
﴿فبعثَ اللَّهُ غراباً يبحثُ في الأرضِ ﴾ [المائدة: ٣١]، أي يُثيرُها ويُوقعُ الحفرَ بمنقارِهِ،
وذلك ليعلِّمَ قابيلَ كيفَ يدفُن أخاهُ.
وقيلَ(٤): ((البحثُ: الكشفُ والطّلبُ. وبحثتِ الناقةُ الأرضَ برجلها في السَّفَر كنايةٌ
(١) في الدر المصون ١ /٣٨٥ ((قيل الانجاس أضيق لانه يكون أول والانفجار ثانياً .. »
(٢) فراغ في الأصل، ولم أجد ما يسد الفراغ في كتابه الدر المصون عند تفسيره الآية. انظر الدر المصون
١ / ٤٨٧/٥،٣٨٦٠٣٨٥ -٠٤٨٨
(٣) الغريبين ١٣٠/١ وغريب ابن الجوزي ٥٥/١ والنهاية ٩٧/١. والرجلان هما: عمر وعلي كما
ذكرابن الجوزي :
( ٤ ) المفردات ١٠٨.