النص المفهرس

صفحات 521-540

الآية : ١٨٧
٥٢١
سُوَّةُ الَّغْرَافِ
الساعة؟ ورُوي ذلك عن قتادة وتَرْجُمان القرآن أيضاً، والمعنى عليه أنهم يظنون أنَّ
عندك علمَها لكن تكتُّمُه، فلشفقتك عليهم طلبوا منك أن تخصَّهم به، وتعلَّقُ ((عن))
علی ھذا الوجه بمحذوفٍ ۔ کتخبرهم وتکشف لهم عنها - بعيدٌ.
وقيل: هو من حفي بالشيء: إذا فرِحَ به، ورُوي ذلك عن مجاهد والضحَّاك
وغيرهما، والمعنى: كأنك فَرِحٌ بالسؤال عنها تُحبُّه، و((عن)) على هذا متعلِّقةٌ
بـ (حفي) كما قيل؛ لتضمُّنه معنى السؤال، والكلامُ - على ما قال شيخُ الإسلام -
استئنافٌ مسوقٌ لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله وَّه بناءً على زعمهم
أنه عليه الصلاة والسلام عالم بالمسؤول عنه، أو أنَّ العلم بذلك من مقتضيات
الرسالة، إثرَ بيان خطئهم في أصل السؤال بإعلام بيانِ المسؤول عنه(١).
وفي ((الانتصاف)) في توجيه تكرير ((يسألونك)): أنَّ المعهود في أمثال ذلك أن
الكلام إذا بُني على مقصدٍ، واعترض في أثنائه عارضٌ، فأريد الرجوع لتتمة
المقصد الأول، وقد بَعُدَ عهدُه، طَرى ذِكْره لتَتَّصل النهايةُ بالبداية، وهنا لما ابتدأ
الكلام بقوله سبحانه: ((يسألونك عن الساعة أيَّان مُرْساها)»، ثم اعتَرَض ذِكْر
الجواب بـ ((قل)) إلى ((بغتة))، أُريد تتمَّة سؤالهم عنها بوجهٍ من الإنكار عليهم، وهو
المضمَّنُ في قوله سبحانه: ((كأنك حفيٌّ عنها))، وهو شديدُ التعلُّق بالسؤال، وقد
بَعُدَ عهدُه، فطرى ذِكْرُهُ لِيَليه تمامُه، ولا تراه أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال، ومن
ثمَّ لم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة اكتفاءً بما تقدَّم.
ثم لما كرَّر جلَّ وعلا السؤال لهذه الفائدة كرَّرَ الجواب أيضاً مجمَلاً، فقال عزَّ
من قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الَّهِ﴾(٢). ومنه يُعلم وجهُ ذِكْر الاسم الجليل هنا.
وذكر المحقّقُ الأولُ أنه عليه الصلاة والسلام أُمر بإعادة الجواب الأول تأكيداً
للحكم، وتقريراً له، وإشعاراً بعلَّته على الطريقة البرهانية بإيراد اسم الذاتِ المنبئ
عن استتباعِها لصفات الكمال التي من جملتها العلمُ، وتمهيداً للتعريض بجهلهم
بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(١) تفسير أبي السعود ٣/ ٣٠٠.
(٢) الانتصاف ١٣٤/٢.

سُوَّةُ الْأَغْرَافِ
٥٢٢
الآية : ١٨٧
وزعم الجبائيُّ أن السؤال الأول كان عن وقتٍ قيام الساعة، وهذا السؤالُ كان
عن كيفيتها وتفصيل ما فيها من الشدائد والأحوال، قيل: ولذلك خُصَّ جوابُه باسم
الذات؛ إذ هو أعظمُ الأسماء مهابةً، وإلى ذلك ذهب النيسابوريُّ(١)، ونُقل عن
الإمام(٢) وغيره، ولا أرى لهم مستنداً في ذلك.
ومفعول العلم - على ما يشير إليه كلامُ بعضهم - محذوفٌ، أي: لا يعلمون
ما ذُكر من اختصاص علمِها به تعالى، فبعضُهم يُنكرها رأساً، فلا يسأل عنها
إلا متلاعباً، وبعضُهم يعلم أنها واقعةٌ البتّةَ، ويزعم أنك واقفٌ على وقت وقوعها،
فيسأل جهلاً، وبعضُهم يزعم أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة، فيتَّخذ السؤالَ
ذريعةً إلى القدح فيها، والواقفُ على جَلِيَّة الحال ويسأل امتحاناً ملحَقٌ بالجاهلين؛
لعدم عمله بعلمه هذا .
وإنما أَخفى سبحانه أمرَ الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك؛ فإنه أدعى إلى
الطاعة، وأزجَرُ عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاصِّ للإنسان كذلك، ولو
قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضاً لم يَبْعُد.
وظاهرُ الآيات أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم وقتَ قيامها. نعم عَلِمَ عليه
الصلاة والسلام قُرْبَها على الإجمال، وأَخبر وَلَّه به؛ فقد أخرج الترمذيُّ - وصحَّحه .
عن أنس مرفوعاً: (بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين)). وأشار بالسَّبَّابة والوسطى(٣)، وفي
الصحيحين(٤) عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً: ((إنما أجلُكم فيمن مضى قبلكم من الأمم
من صلاة العصر إلى غروب الشمس)).
وجاء في غير ما أثر أنَّ عمر الدنيا سبعةُ آلاف سنة، وأنه عليه الصلاة والسلام
بُعِثَ في آخر الألف السادسة، ومعظم الملَّة في الألف السابعة.
(١) في غرائب القرآن ٩/ ٩٩.
(٢) تفسير الرازي ١٥/ ٨٢.
(٣) سنن الترمذي (٢٢١٤)، وأخرجه أحمد (١٢٢٤٥)، والبخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١)
(١٣٤).
(٤) صحيح البخاري (٥٠٢١)، ولم نقف عليه في صحيح مسلم، وأخرجه كذلك أحمد
(٥٩١١).

الآية : ١٨٧
٥٢٣
سُورَةُ الأَغْرَافِ
وأخرج الجلال السيوطيُّ عدةَ أحاديث في أنَّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة،
وذكر أن مدَّة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادةُ عليها خمس مئة
سنة، واستدلَّ على ذلك بأخبارٍ وآثار ذكرها في رسالته المسماة بـ ((الكشف عن
مجاوزة هذه الأمة الألف))(١)، وسمَّى بعضُهم لذلك هذه الألف الثانية
بالمخضرمة؛ لأن نصفَها دنيا ونصفَها الآخر أُخرى، وإذا لم يظهر المَهْديُّ على
رأس المئة التي نحن فيها ينهدِمُ جميع ما بناه كما لا يخفى على من راجعه،
وكأني بك تراه منهدماً.
ونقل السَّفارينيُّ عن الفلاسفة أنهم زعموا أن تدبير العالم الذي نحن فيه
للسنبلة، فإذا تمَّ دورها وقع الفسادُ والدثور في العالم، فإذا عاد الأمر إلى الميزان
تجتمع المواد ويقدَّر النُّشور والعَود.
وقال البكريُّ: إن سلطان الحَمَل عندهم اثنا عشر ألف سنة، وسلطان الثور
دونه بألف، وهكذا ينقُصُ ألفٌ ألفٌ إلى الحوت، فيكون سلطانُه ألفَ سنة،
ومجموع ذلك ثمانيةٌ وسبعون ألف سنة، فإذا كَمُلت انقضى عالمُ الكون والفساد،
ونقل ذلك عن هرمس، وادعى أنه قال: إنه لم يكن في حكم الحَمَل والثور
والجوزاء على الأرض حيوانٌ، فلما كان حكم السَّرَطان تكوَّنت دوابُّ الماء وهوامُ
الأرض، ولما كان حكم الأسد تكوَّنت الدوابُّ ذوات الأربع، ولما كان حكم
السُّنبلة تولَّد الإنسانان الأوَّلان: آدمانوس، وحوانوس.
وزعم بعضُهم أن مدةَ العالم مقدارُ قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك،
والكوكبُ منها يقطع البرج في زعمه في ثلاثة آلاف سنة، فذلك ستٌّ وثلاثون ألف
سنة. انتهى.
ولا يخفى على من اطّلع على كتب الأرصاد والزِّيجات أن الأدوار عندهم
ثلاثةٌ: أكبر، وأوسط، وأصغر، ويُسمُّونها التسييرات، وهي على السوية في جميع
البروج، فالدور الأكبر ما يكون فيه قطعُ كلِّ درجة بمئة سنة، والأوسط ما يكون فيه
قطع كلِّ درجة بعشر سنين، والأصغر ما يكون فيه قطعُ كلِّ درجة بسنة، وعندهم
(١) وهي موجودة ضمن كتاب الحاوي للفتاوي ١٦٨/٢.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٥٢٤
الآية : ١٨٨
دورٌ أعظم، ويُسمُّونه أيضاً التسيير الأعظم، وهو ما يكون فيه قطعُ كلِّ درجة بألف
سنة، والتسيير اليوم في الميزان، وقد مضى منه أربعُ درجات، وستٌّ وخمسون
دقيقة، وإحدى وثلاثون ثانية، واثنتا عشرة ثالثة، وإذا اعتُبرت مدةُ ذلك من نقطة
رأس الحَمَل إلى هنا بلغت مئة ألف سنة، وأربعاً وثمانين ألف سنة، وتسع مئة
وثلاثاً وأربعين سنة، وأن مدَّة حركة الثوابت - على ما نُقل عن بطليموس(١) - في
كلِّ برج ألفان ومئة واثنتان وستون سنة، وثمانية أشهر، وستة عشر يوماً، وتسع
عشرة ساعة، وإذا ضُرب ذلك في اثني عشر عدَّة البروج خرج مدةُ قطعها الفَلَك
كلَّه، وهو أقل مما ذكره بكثير، ولعل المراد بدور البرج ما أُريد بسلطانه من حكم
تأثيره، والتأثيرُ العاديُّ - على ما يُفهم من كتب القوم - بحكم الأصالة للبرج، وهو
الذي يُفيض على الكوكب النازل فيه.
وكلُّ ذلك مما لم يُنزل الله تعالى به سلطاناً، والحقُّ الذي لا ينبغي المحيصُ
عنه القولُ بحدوث العالم حدوثاً زمانيًّا، ولا يَعلم أوَّلَه إلا الله تعالى. وكذلك عمر
الدنيا، وأولُ النشأة الإنسانية، ومدَّة بقائها في هذا العالم، وقدر زمان لُبْئها في
البرزخ، كلُّ ذلك لا يعلمُه إلا الله تعالى، وجميعُ ما ورد في هذا الباب أمورٌ ظنية
لا سندَ يعوَّلُ عليه لأكثرها، ووراء هذا أقوالٌ لأهل الصين وغيرهم هي أدهى وأمرُّ
مما تقدَّم.
وبالجملة: الباقي من عمر الدنيا عند من يقول بفنائها أقلّ قليل بالنسبة إلى
الماضي من ذلك، والله تعالى أعلمُ بحقيقة ما هنالك.
﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّ﴾ أي: لا أملك لأجْلِ نفسي جلبَ نفعٍ ما،
ولا دفعَ ضررٍ ما .
والجارُّ والمجرور - كما قال أبو البقاء (٢) - إمَّا متعلِّقٌ بـ ((أملك))، أو بمحذوف
وقع حالاً من ((نفعاً)). والمرادُ: لا أملك ذلك في وقت من الأوقات.
(١) هو العالم اليوناني الفلكي بطليموس القلوذي صاحب المجسطي وغيره. طبقات الأطباء
والحكماء لابن جلجل ص٣٥، وأخبار العلماء بأخبار الحكماء ص ٦٧ .
(٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٨٦/٣.

الآية : ١٨٨
٥٢٥
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ أي: إلا وقتَ مشيئته سبحانه بأن يمكِّنَني من ذلك؛ فإنني
حينئذٍ أملكُه بمشيئته، فالاستثناء منَّصلٌ، وفيه دليلٌ - كما قال الشيخ إبراهيم
الكُورانِيُّ - على أن قدرةَ العبد مؤثِّرة بإذن الله تعالى ومشيئته.
وقيل: الاستثناءُ منقطع، أي: لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائنٌ، وفيه على
هذا من إظهار العجز ما لا يخفى، والكلامُ مسوقٌ لإثبات عَجْزه عن العلم بالساعة
على أتمٍّ وجهٍ. وإعادةُ الأمر لإظهار العناية بشأن الجواب، والتنبيهِ على استقلاله
ومغايرته للأول.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات
المصحِّحة عادةً للسَّببية والمسبَّبية، ومن المباينات المستتبِعة للمدافعة والمُمانعة،
﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: لحصَّلتُ كثيراً من الخير الذي نِيْطَ بترتيب الأسباب
ورفع الموانع .
﴿َوَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ﴾ أي: السوء الذي يمكنُ النَّفَصِّي عنه بالتوقِّ عن موجباته،
والمدافعة بموانعه، وإن كان منه ما لا مَدْفَعَ له، وكأنَّ عدم مسِّ السوء من توابع
استكثار الخير في الجملة، ولذا لم يسلك في الجملة الثانية مسلكَ الجملة الأُولى،
والاستلزامُ في الشرطية لا يلزمُ أن يكون عقليًّا وكليًّا، بل يكفي أن يكون عاديًّا في
البعض. وقد حكم غيرُ واحدٍ أنه في الآية من العاديِّ، وبذلك دفع الشِّهاب ما قيل:
إن العلم بالشيء لا يلزم منه القدرةُ عليه(١)، ومنشؤه الغفلةُ عن المراد.
وحَمْلُ ((الخير)) و((السوء)» على ما ذُكر هو الذي ذهب إليه جِلَّة المحقّقين، وفسَّر
بعضُ الأول بالربح في التجارة، والفوز بالخصب، والثاني بضدِّ ذلك، بناءً على
ما رُوي عن الكلبيِّ أن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا تخبِرُنا بالسِّعر الرخيص قبل
أن يغلو؛ فنشتري فنربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدِبَ فنرتحل منها إلى ما قد
أخصب، فنزلت.
وعن ابن عباس ◌ّ تفسيرُ الأول بالربح في التجارة، والثاني بالفقر.
وقيل: الأول: الجواب عن السؤال، والثاني: التكذيب.
(١) حاشية الشهاب ٢٤٣/٤.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٥٢٦
الآية : ١٨٨
وقيل: الأول: الاشتغال بدعوة من سَبَقت له السعادةُ، والثاني: النَّصَبُ
الحاصلُ من دعوة من حقَّت عليه كلمةُ العذاب.
وقيل - ونُسب إلى مجاهد وابن جُرَيج -: المراد من ((الغيب)) الموت، ومن
((الخير)) الإكثار من الأعمال الصالحة، ومن ((السُّوء)) ما لم يكن كذلك.
وقيل غير ذلك، والكلُّ كما ترى، ومنها ما لا ينبغي أن يُخرج عليه التنزيل.
وقدَّم ◌ِذِكْر ((الخير)) على ذكر ((السُّوء)) لمناسبة ما قبلُ، حيث قدَّم فيه ذِكْر النفع
على ذِكْر الضُّرِّ، وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقِّي على ما قيل؛ فإن
دفع المضارِّ أهمُّ من جلب المنافع.
وذكر النيسابوريُّ (١) أن أكثر ما جاء في القرآن إذ يؤتى بالضرِّ والنفع معاً تقديم
لفظ الضرِّ على النفع، وهو الأصل؛ لأن العابد إنما يعبُدُ معبودَه خوفاً من عقابه
أولاً، ثم يعبُدُه طمعاً في ثوابه ثانياً، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وحيث تقدَّم النفعُ على الضرِّ كان ذلك لسَبْق لفظٍ
تضمَّن معنى نفع كما في هذه السورة؛ حيث تقدَّم آنفاً لفظُ الهداية على الضلال(٢)
في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِىٌّ وَمَن يُضْلِلْ﴾ إلخ [١٧٨]، وفي ((الرعد))
تقدَّم ذِكْر الطوع في قوله سبحانه: ﴿طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ [١٥] وهو نفعٌ، وفي ((الفرقان))
تقدَّم العَذْب في قوله جلَّ وعلا: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [٥٣] وهو نفع، وفي ((سبأ))
تقدَّم البسط في قوله تبارك اسمُه: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ﴾(٣) وليُقَسْ
على هذا غیرُه.
وابن جُرَيج يفسِّر النفع هنا بالهدى، والضرَّ بالضلال، وبه تَقْوَى نكتةُ التقديم
التي اعتبرها هذا الفاضلُ فيما نحن فيه كما لا يخفى.
(١) في غرائب القرآن ٩/ ١٠١.
(٢) في الأصل: الضلالة.
(٣) كذا نقل المصنف عن النيسابوري، وليس في ((سبأ)) آية بهذا السياق، وإنما هو سياق آية
((الرعد)) (٢٦)، وآية ((الروم)): (٣٧)، و((الزمر)) (٥٢)، وأما ((سبأ)): فسياق الآية (٣٦)
منها: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ وهي كسابقاتها في صحة الاستدلال بها على
ما ذكر.

الآية : ١٨٨
٥٢٧
سُورَةُ الأَغْرَاقِ
واستُشكلت هذه الآيةُ مع ما صحَّ أنه وَّهِ أخبرنا بالمغيَّبات الجَمَّة، وكان الأمر
كما أَخْبَرَ، وعُدَّ ذلك من أعظم معجزاته عليه الصَّلاة والسلام، واختلف في
الجواب؛ فقيل: المفهومُ من الآية نفيُ علمه عليه الصَّلاة والسلام إذ ذاك بالغيب
المفيد لجَلْب المنافع ودفع المضارِّ التي لا علاقةَ بينها وبين الأحكام والشرائع،
وما يعلمُه ◌َّ من الغيوب ليس من ذلك النوع، وعدمُ العلم به ممَّا لا يَطعنُ في
منصبه الجليل عليه الصلاة والسلام.
وقد أخرج مسلم عن أنس وعائشة ﴿ها أنه نَِّ مرَّ بقوم يُلَفِّحون، فقال
عليه الصَّلاة والسلام: ((لو لم تفعلوا لصَلُحَ))، فلم يفعلوا، فخرج شِيْصاً، فمرَّ
بهم ◌َّر فقال: ((ما لقحتم؟)) قالوا: قلت كذا وكذا. قال: ((أنتم أعلم بأمر
دنیاکم)»(١).
وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذُكر له أنه صار شِيْصاً:
((إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان من أمر دينكم فإليَّ))(٢).
وقد عُدَّ عدمُ علمه ◌َّرَ بأمر الدنيا كمالاً في منصبه؛ إذ الدنيا بأسرها لا شيء
عند ربه .
وقيل: المراد نفيُ استمرار علمه عليه الصلاة والسلام الغيبَ، ومجيءُ كان
للاستمرار شائعٌ، ويُلاحظ الاستمرارُ أيضاً في الاستكثار وعدم المسِّ.
وقيل: المرادُ بالغيب وقتُ قيام الساعة؛ لأنَّ السؤال عنه، وهو عليه الصلاة
والسلام لم يعلَمْه، ولم يُخبرْ به أصلاً، وحينئذٍ يفسَّر (الخير)) و((السوء)) بما يلائمُ
ذلك، كتعليم السائلين، وعدم الطعن في أمر الرسالة من الكافرين.
وقيل: ((أل)) في ((الغيب)) للاستغراق، وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلم كلَّ
غيب؛ فإن من الغيب ما تفرَّد الله تعالى به، كمعرفة كُنْهِ ذاته تبارك وتعالى، وكمعرفة
وقتٍ قيام الساعة على ما تدلُّ عليه الآية.
(١) صحيح مسلم (٢٣٦٣).
(٢) لم نقف على هذه الرواية عند مسلم، وأخرجها أحمد من حديث أنس (١٢٥٤٤)، ومن
حديث عائشة (٢٤٩٢٠).

سُوَدَّةُ الْأَغْرَافِ
٥٢٨
الآية : ١٨٩
وفي ((لباب التأويل)) للخازن في الجواب عن ذلك أنه يحتملُ أن يكون هذا
القولُ منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والأدب، والمعنى: لا أعلم
الغيب إلا أن يُطلعني الله تعالى عليه ويقدِّرَه لي، ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن
يُطلعه الله تعالى على الغيب، فلما أطلعه أخبَرَ به، أو يكون خرَجَ هذا الكلامُ مخرَجَ
الجواب عن سؤالهم، ثم بعد ذلك أظهره الله تعالى على أشياء من المغيَّبات [فأخبر
عنها]؛ ليكون ذلك معجزةً له، ودلالة على صحة نبوَّته بَّهِ. انتهى(١). وفيه تأمُّل،
وكلامُ بعض المحقّقين يشير إلى ترجيح الأول.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ على ذلك: ما أنا إلا عبدٌ مرسَل
للإنذار والبِشارة، وشأني حيازةٌ ما يتعلَّق بهما من العلوم، لا الوقوفُ على الغيوب
التي لا علاقة بينها وبينهما، وقد كشفتُ من أمر الساعة ما يتعلَّق به الإنذار؛ من
مجيئها لا محالةَ واقترابِها، وأما تعيينُ وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار، بل هو
مما يقدَحُ فيه؛ لما مرَّ من أن إبهامَه أدعى إلى الطاعة، وأزجَرُ عن المعصية، وتقديمُ
النذير لأن المقامَ مقامُ الإنذار.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿3﴾ أي: يصدِّقون بما جئتُ به. والجارُّ إما متعلِّق بالوصفين
جميعاً، والمؤمنون ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالتبشير، وإما متعلِّق بالأخير،
ومتعلَّق الأول محذوفٌ، أي: نذيرٌ للكافرين، وحُذِف ليطهر اللسان منهم.
وأراد بعضُهم من الكافرين: المستمرِّين على الكفر، ومِنْ مقابِلهم: الذين
يؤمنون في أيِّ وقت كان، وحينئذٍ في الآية ترغيبٌ للكفرة في إحداث الإيمان،
وتحذيرٌ عن الإصرار على الكفر والطغيان.
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان ما يقتضي التوحيد الذي هو المقصدُ
الأعظم، وإيقاعُ الموصول خبراً لتفخيم شأن المبتدأ، أي: هو سبحانه ذلك العظيمُ
الشأن الذي خلقكم جميعاً وحدَه من غير أن يكون لغيره في ذلك مدخلٌ أصلاً .
﴿مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ وهو آدم عليه السلام على ما نصَّ عليه الجمهورُ.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ أي: من جنسها كما في قوله سبحانه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
(١) تفسير الخازن ٣٢٣/٢، وما بين حاصرتين منه.

الآية : ١٨٩
٥٢٩
سُوَدَّةُ الَّْرَافِ
أَزْوَجًا﴾ [الشورى: ١١]، فـ ((من)) ابتدائية، والمشهور أنَّها تبعيضيةٌ، أي: من
جسدها؛ لما يُروى أنه سبحانه خلق حواء من ضِلَع آدم اليسرى، والكيفيةُ
مجهولةٌ لنا، ولا يُعجِزُ اللهَ تعالى شيءٍ.
والفعلُ معطوف على صلة الموصول، داخلٌ في حكمها، ولا ضير في تقديم
مضمونه على مضمون الأول وجوداً؛ لما أن الواو لا تستدعي الترتيب فيه، وهو
إما بمعنى صيَّر، فقولُه سبحانه: ﴿زَوْجَهَا﴾ مفعولُه الأول، والثاني هو الظرف
المقدَّم، وإما بمعنى أنشاً، والظرفُ متعلِّقٌ به، قُدِّم على المفعول الصريح لِمَا مرَّ
مراراً، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول.
وَ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ علَّة غائيَّة للجعل، أي: ليستأنس بها ويطمئنَّ إليها، والضمير
المستكِنُّ للنفس، وكان الظاهر التأنيث لأن النفس من المؤنَّئات السماعية، ولذا
أُنَّتت صفتُها، إلا أنه ذُكِّر باعتبار أن المراد منها آدم، ولو أنّث على الظاهر لَتُؤُهِّم
نسبةُ السكون إلى الأنثى، والمقصود خلافُه، وذكر الزمخشريُّ أن التذكير أحسنُ
طباقاً للمعنى(١)، وبيَّنه في ((الكشف)) بأنه لما كان السكون مفسَّراً بالميل، وهو
متناولٌ للميل الشهواني الذي هو مقدمة التغشِّي، لا سيَّما وقد أُكِّد بالفاء في قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّنِهَا﴾، والتغشِّي منسوبٌ إلى الذَّكر لا محالة = كان الطباقُ في
نسبته أيضاً إليه، وإن كان من الجانبين، وفيه إيماءٌ إلى أن تكثير النوع علةُ المؤانسة
كما أن الوحدة علَّة الوحشة، وأيضاً لما جُعل المخلوق أولاً الأصلَ كان المناسبُ
أن يكون جعل الزوج لسكونه بعد الاستيحاش لا العكس؛ فإنه غيرُ ملائم لفظاً
ومعنى، لكن ذكر ابنُ الشِّحنة أن النفس إذا أُريد بها الإنسان بعينه فمذكَّر، وإن كان
لفظُه لفظ مؤنَّث، وجاء: ثلاثة أنفس، على معنى: ثلاثة أشخاص، وإذا أُريد بها
الروح فهي مؤنَّئة لا غير، وتصغيرُها نفيسة، فليفهم.
والضميرُ المنصوب من ((تغشَّاها)» للزوج، وهو بمعنى الزوجة مؤنَّث، والتغشِّي
كنايةٌ عن الجماع، أي: فلما جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ أي: محمولاً خفيفاً،
وهو الجنين عند كونه نطفةً أو علقة أو مضغة؛ فإنه لا ثِقَلَ فيه بالنسبة إلى ما بعد
ذلك من الأطوار، فنصب ((حملاً)) على أنه مفعول به، وهو بفتح الحاء: ما كان في
(١) الكشاف ١٣٦/٢.

سُؤَدَّةُ الأَّْرَافِ
٥٣٠
الآية : ١٨٩
بطنٍ أو على شجرٍ، وبالكسر خلافُه، وقد حُكي في كلِّ منهما الكسرُ والفتح.
وجُوِّز أن يكون هنا مصدراً منصوباً على أنه مفعولٌ مطلق، وأن يُراد بالخِفَّة عدمُ
التأذِّي، أي: حملت حملاً خفَّ عليها، ولم تلقَ منه ما تلقى بعضُ الحوامل من
حملهنَّ من الكَرْب والأذيَّة.
﴿فَمَرَّتْ بِ﴾ أي: استمرَّت به كما قرأ به ابنُ عباس والضخَّاك، والمراد: بقيت
به كما كانت قبلُ، حيث قامت وقعدت، وأخذت وتركت، وهو معنًی لا غبار فیه،
والقولُ بأنه من القلب - أي: فاستمرَّ بها حملُها - من القلب عند النقّاد.
وقرأ أبو العالية وغيره: ((مَرَتْ)) بالتخفيف، فقيل: إنه مخفَّف مرَّت، كما يقال:
ظَلْتُ فِي ظَلَلْتُ، وقيل: هو من المِرْية، أي: الشكِّ، أي: شكَّت في أمر حملها .
وقرأ ابنُ عَمرو والجَحْدريُّ: ((فمارت))، من مارَ يَمُورُ: إذا جاء وذهب، فهي
بمعنى قراءة الجمهور، أو هي من المِرْية كقراءة أبي العالية، ووزنه فاعلت،
وحُذفت لامُه للساكنين(١) .
﴿فَلَّا أَنْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثِقَل بكبر الحمل في بطنها، فالهمزة فيه
للصَّيرورة، كقولهم: أَتْمَر وأَلْبَن، أي: صار ذا تمرٍ ولبن، وقيل: إنها للدخول في
زمان الفعل، أي: دخلت في زمان الثِّقَل، كأصبح: دخل في الصباح، والأول
أظهر. والمتبادِرُ من الثِّقَل معناه الحقيقيُّ، والتقابل بينه وبين المعنى الأول للخقَّة
ظاهرٌ، وقد يُراد به الكرب ليقابل الخفّة بالمعنى الثاني، لكن المتبادِر في الموضعين
المعنى الحقيقيُّ.
وقرئ: (أُثقِلت)) بالبناء للمفعول(٢)، والهمزة للتعدية، أي: أثقلها حملُها.
﴿َدَّعَوَا اللَّهَ﴾ أي: آدم وحواءُ عليهما السلام لمَّا خاف عاقبة الأمر، فاهتمًّا به،
وتضرَّعا إليه عز وجل.
(١) القراءات السالفة في القراءات الشاذة ص٤٨، والمحتسب ٢٦٩/١- ٢٧٠، والبحر ٤٣٩/٤،
ولم يذكرها جميعاً غير أبي حيان في البحر. وقد تحرف ابن عَمرو - وهو عبد الله - إلى ابن
عُمر في الأصل و(م).
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٨، والبحر ٤٤٠/٤.

الآية : ١٩٠
٥٣١
سُورَةُ الأَغَرَافِ
﴿رَبَّهُمَا﴾ أي: مالكَ أمرِهما، الحقيقَ بأن يُخَصَّ به الدعاءُ. وفي هذا إشارةٌ
إلى أنهما قد صدَّرا به دعاءهما، وهو المعهود منهما في الدعاء، ومتعلَّق الدعاء
محذوفٌ؛ لإيذان الجملة القَسَمية به، أي: دَعَواه تعالى أن يؤتيَهما صالحاً، ووعدا
بمقابلته الشكرَ على سبيل التوكيد القَسَميِّ، وقالا، أو قائلين: ﴿لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا﴾
أي: نسلاً من جنسنا سوِيًّا، وقيل: ولداً سليماً من فساد الخِلقة، كنقص بعض
الأعضاء ونحو ذلك، وعليه جماعة.
وعن الحسن: غلاماً ذكراً، وهو خلاف الظاهر.
(٨٩)) الراسخين في الشكر لك
﴿لَّكُونَنَ﴾ نحن، أو نحن ونسلُنا ﴿مِنَ الشَّكِرِينَ
على إيتائك، وقيل: على(١) نعمائك التي من جملتها هذه النعمة.
وجُوِّز أن يكون ضمير ((آتيتنا)) لهما ولكلِّ مَنْ يتناسل من ذرِّيتهما، وليس بذاك.
﴿فَلَمَآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا﴾ وهو ما سألاه أصالةً من النسل، أو ما طلباه أصالةً
واستتباعاً من الولد وولد الولد ما تناسلوا، ﴿جَعَلَا﴾ أي: النسلُ الصالحِ السَّوِيُّ،
وثنَّى الضميرَ باعتبار أن ذلك النسلَ صنفان: ذكر وأنثى، وقد جاء أن حواء كانت
تلد في كلِّ بطن كذلك. ﴿لَهُ﴾ أي: لله سبحانه وتعالى ﴿شُرَّكَاةَ﴾ من الأصنام
والأوثان ﴿فِيمَآ ءَاتَنْهُمَا﴾ من الأولاد؛ حيث أضافوا ذلك إليهم.
والتعبير بـ ((ما)) لأن هذه الإضافة عند الولادة، والأولادُ إذ ذاك ملحَقون
بما لا يعقل.
وقيل: المراد بالموصول ما يعمُّ سائر النِّعم؛ فإن المشركين يَنسِبون ذلك إلى
آکھتھم.
ووجهُ العدول عن الإضمار - حيث لم يقل: شركاء فيه - على الوجهين ظاهر،
وإسنادُ الجَعْل إلى النسل على حدٍّ: بنو تميم قتلوا فلاناً(٢).
تنزيهٌ فيه معنى التعجُّب، والفاءُ لترتيبه على
١٩٠
﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
ما فصِّل من قدرته سبحانه، وآثارٍ نعمته الزاجرةِ عن الشِّرك، الداعيةِ إلى التوحيد.
(١) في الأصل: أو على، بدل: وقيل على.
(٢) يعني: وحقيقة الأمر أن القاتل بعضهم لا كلهم.

سُورَةُ الأَّغَافِ
٥٣٢
الآية : ١٩٠
وضميرُ الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله تعالى شركاءً، وفيه تغليبُ المذگَّر
على المؤنَّث، وإيذانٌ بِعِظَم شِرْكهم، والمرادُ بذلك إما التسميةُ، أو مطلقٌ
الإشراك، و((ما)) إما مصدريةٌ، أي: عن إشراكهم، أو موصولة، أو موصوفة، أي:
عما يشركون به تعالی.
وهذه الآيةُ عندي من المُشكِلات، وللعلماء فيها كلامٌ طويل ونزاع عريض،
وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجُبَّائيّ، وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين
عن مخالفته للمرويَّات، سوى تثنيةِ الضمير تارةً وجَمْعِه أخرى، مع كون المرجع
مفرداً لفظاً، ولم نجد ذلك في الفصيح.
واختار غيرُ واحد أن في ((جعلا)) و ((آتاهما)) بعدُ مضافاً محذوفاً، وضميرُ التثنية
فيهما لآدم وحواء على طرْز ما قبل، أي: جعل أولادُهما فيما آتى أولادهما من
الأولاد، وإنما قدَّروه في موضعين، ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير
من الثاني على المقدَّر أولاً؛ لأنَّ الحذف لم تقُمْ عليه قرينةٌ ظاهرة، فهو كالمعدوم،
فلا يحسُنُ عَوْدُ الضمير عليه. والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسميةُ كلِّ واحد من
أولادهم بنحو عبد العُزَّى وعبد شمس. واعتُرض:
أولاً: بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، إنما يُصار
إليه فيما يكون للفعل ملابسةٌ ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقةً أو حكماً،
ويتضمن نسبتُه إليه صورةً مزيةً يقتضيها المقام، كما في قوله تعالى: ﴿رَإِذْ أَنَّمْنَكُمْ
مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [الأعراف: ١٤١]؛ فإن الإنجاء منهم - مع أن تعلَّقه حقيقةً ليس
إلا بأسلاف اليهود - قد نُسِبَ إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم؛ توفيةً لمقام الامتنان
حقّه، وكذا يقال في نظائره، وهنا ليس كذلك؛ إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما
السلام بريئان من سراية الجَعْل المذكور إليهما بوجهٍ من الوجوه، فلا وجهَ لإسناده
إليهما صورةً.
وثانياً: بأن إشراكهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ
تلك الأصنام آلهة، ومتفرٌِّ له، لا أمرٌ حدث عنهم لم يكن قبل، فينبغي أن يكون
التوبيخُ على هذا دون ذلك.

الآية : ١٩٠
٥٣٣
سِوَرَّةُ الأَّغَرَافِ
وثالثاً: بأنَّ إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً، بل بعده
بأزمنةٍ متطاولة .
ورابعاً: بأنَّ إجراء ((جعلا)) على غير ما أُجري عليه الأول، والتعقيب بالفاء،
يوجب اختلالَ النظم الكريم.
وأجيب عن الأول: بأن وجهَ ذلك الإسنادِ الإيذانُ بتركهما الأَولى - حيث أقدما
على نظم أولادهما في سلك أنفسهما، والتزما شكرهم في ضمن شكرهما، وأقسما
على ذلك قبل تعرُّف أحوالهم - ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكّداً
باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحِنْث والخُلْف، مع ما فيه من
الإشعار بتضاعُفٍ جنايتهم ببيان أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحِنْث
والخُلْف، وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات، فجمعوا بين الجِناية مع (١) الله تعالى
والجِناية عليهما عليهما السلام.
وعن الثاني: بأن المقام يقتضي التوبيخَ على هذا؛ لأنَّه لما ذكر ما أنعم سبحانه
وتعالى به عليهم من الخلق من نفسٍ واحدة وتناسُلِهم، وبَّخَهم على جهلهم،
وإضافتهم تلك النعمَ إلى غير معطيها، وإسنادِها إلى مَنْ لا قدرَةً له على شيء، ولم
يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبَّخوا على اتخاذ الآلهة.
وعن الثالث: بأن كلمة ((لما)) ليست للزمان المتضايق، بل الممتدِّ، فلا يلزم أن
يقع الشرط والجزاء في يوم واحد، أو شهر، أو سنة، بل يختلف ذلك باختلاف
الأمور، كما يقال: لما ظهر الإسلامُ طَهُرت البلادُ من الكفر والإلحاد.
وعن الرابع: بما حرَّره صاحب ((الكشف)) في اختيار هذا القول، وإيثاره على
القول بأن الشرك راجعٌ لآدم وحواء عليهما السلام، وليس المتعارف، بل ما نُقل
من تسمية الولد عبد الحارث(٢) وهو أن الظاهر أن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ
مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ خطابٌ لأهل مَّة، وأنه بعد ما خُتمت قصةُ اليهود بما خُتمت
(١) في تفسير أبي السعود ٣٠٤/٣ (والكلام منه): على، بدل: مع.
(٢) وردت في تسمية آدم وحواء ابنهما عبد الحارث أخبار تنظر في تفسير الطبري ١٠/ ٦٢٣ - ٦٢٨،
وقال ابن كثير: وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب. وينظر تتمة كلامه
عند تفسير هذه الآية فإنه تحقیق جید.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٥٣٤
الآية : ١٩٠
تسليةً وتشجيعاً للنبيِّ وَلَّ، وحملاً له على التثبُّت والصبر اقتداءً بإخوته من أُولي
العزم عليه وعليهم الصلاةُ والسلام، لاسيَّما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام؛
فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشَّبَه بما كان يقاسيه وَّر من قريش،
وذُيِّلت بما يقتضي العطفَ على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً، أعني قوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ = وقع التخلّص إلى ذِكْر أهل مكة
في حاقٌّ موقعه، فقيل: ((والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم)) وذكرٍ سؤالهم
عما لا يعنيهم، فلما أُريد بيان أن ذلك مما لا يهمُّكم، وإنما المهمُّ إزالةُ ما أنتم
عليه منغمسون فيه من أوضار الشِّرك والآثام مَهَّدَ له: ((هو الذي خلقكم)» مضمَّناً
معنى الامتنان والمالكية المقتضِيَين للتوحيد والعبودية، ثم قيل: ((فلما آتاهما صالحاً
جعلا له شركاء))، أي: جعلتُم يا أولادَهما، ولقد كان لكم في أبويكم أسوةٌ حسنة
في قولهما: ((لئن آتيتنا صالحاً لنكوننَّ من الشاكرين)).
وكأنَّ المعنى - والله تعالى أعلم -: فلما آتاهما صالحاً، ووَفَيًا بما وعدا به
ربَّهما من القيام بموجب الشكر، خالفتُم أنتم يا أولادهما، فأشركتُم وكفرتُم
النعمة .
وفي هذا الالتفات، ثم إضافةٍ فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل - من
خلق الأب، وتصويره في معرض الامتنان - متعلِّقاً بهم = إيماءٌ إلى غاية كفرانهم
وتماديهم في الغيِّ، وعليه ينطبقُ قوله سبحانه: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثم قال:
فظهر أن إجراء ((جعلا له)) على غير ما أُجري عليه الأول والتعقيب بالفاء لا يوجبُ
اختلالَ النظم، بل يوجب التئامَه. اهـ.
والإنصافُ أن الأسئلة قويةٌ، والآيةُ على هذا الوجه من قبيل اللُّغز.
وعن الحسن وقتادة أن ضمير ((جعلا)) و((آتاهما)) يعودُ على النفس وزوجِها من
ولد آدم، لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصمِّ، قال: ويكون المعنى
في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾: خلق كلَّ واحدٍ منكم من نفس
واحدة، وخلق لكلِّ نفسٍ زوجاً من جنسها، فلما تغشَى كلَّ نفسٍ زوجُها حملتْ
حملاً خفيفاً، وهو ماءُ الفحل، فلما أثقلت بمصير ذلك الماءِ لحماً ودماً وعظماً
دعا الرجلُ والمرأةُ ربَّهما: ((لئن آتيتنا صالحاً)) أي: ذَكَراً سويًّا («لنكوننَّ من

الآية : ١٩٠
٥٣٥
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
الشاكرين))، وكانت عادتُهم أن يئدوا البنات، ((فلما آتاهما)) أي: فلما أعطى الله
تعالى الأبَ والأمَّ ما سألاه ((جعلا له شركاء))، فسمَّيا عبدَ اللَّات، وعبد العُزَّى،
وغير ذلك. ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى: ((فتعالى الله عما يشركون))
إلى الجميع، ولا تعلَّق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً. ولا يخفى أن
المتبادِرَ من صدرها آدم وحواء، ولا يكاد يُفهم غيرُهما رأساً.
نعم اختار ابنُ المنير ما مالُه هذا في ((الانتصاف))، وادَّعى أنه أقربُ وأسلم
مما تقدَّم، وهو أن يكون المرادُ جنسَي الذكر والأنثى، ولا يُقصَد معيَّن من ذلك، ثم
قال: وكأنَّ المعنى - والله تعالى أعلم -: هو الذي خلقكم جنساً واحداً، وجعل
أزواجَكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهنَّ، فلما تغشَّى الجنسُ الذي هو الذكر الجنسَ الذي
هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت. وإنما نَسَبَ هذه المقالة إلى الجنس
وإن كان فيهم الموحِّدون؛ لأن المشركين منهم، فجاز أن يضاف الكلامُ إلى الجنس،
على طريقة: قتل بنو تميم فلاناً، وإنما قَتلَه بعضُهم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ
أَوِذَا مَا مِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]، ﴿قِلَ الْإِسَنُ مَآَ أَكْفَهُ﴾ [عبس: ١٧](١)، إلى غير
ذلك.
وتُعقّب بأن فيه إجراءَ جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة.
وعن أبي مسلم أن صدر الآية لآدم وحواء كما هو الظاهر، إلا أن حديثَهما
ما تضمَّنه قولُه سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا
زَوْجَهَا﴾، وانقطع الحديثُ، ثم خصَّ المشركين من أولاد آدم بالذِّكر، ويجوز أن
يُذكَر العمومُ ثم يُخصَّ البعضُ بالذِّكر، وهو كما ترى.
وقيل: يجوز أن يكون ضميرُ ((جعلا)) لآدم وحواء كما هو الظاهر، والكلامُ
خارجٌ مخرجَ الاستفهام الإنكاريِّ، والكنايةُ في ((فتعالى)) إلخ للمشركين، وذلك
أنهم كانوا يقولون: إنَّ آدم - عليه السلام - كان يعبُدُ الأصنامَ، ويشركُ كما نُشرك،
فردَّ عليهم بذلك، ونظيرُ هذا أن يُنعِمَ رجلٌ على آخر بوجوهٍ كثيره من الإنعام، ثم
يقال لذلك المنعِم: إن الذي أنعمتَ عليه يقصدُ إيذاءك وإيصالَ الشرِّ إليك، فيقول:
(١) الانتصاف ٢/ ١٣٦.

سُوَدَّةُ الأَشْرَافِ
٥٣٦
الآية : ١٩٠
فعلتُ في حقِّه كذا وكذا، وأحسنتُ إليه بكذا وكذا، ثم إنه يُقابلني بالشرِّ
والإساءة؟! ومرادُه أنه بريءٌ من ذلك، ومنفيٌّ عنه.
وقيل: يحتملُ أن يكون الخطابُ في ((خلقكم)) لقريش، وهم آلُ قُصِيٍّ؛ فإنهم
خُلقوا من نفسٍ قصيٍّ، وكان له زوجٌ من جنسه عربية قرشية، وطلبا من الله تعالى
الولدَ، فأعطاهما أربعةً بنين، فسمَّياهم عبدَ مناف، وعبدَ شمس، وعبد العُزَّى،
وعبدَ الدَّار - يعني بها دارَ الندوة - ويكون الضمير في ((يشركون)) لهما ولأعقابهما
المقتدين بهما، وأيَّد ذلك بقوله في قصة أم مَعْبَد:
فيا لقصيٍّ ما زوى الله عنكمُ به من فخارٍ لا يُبارى وسُؤددٍ (١)
واستبعد ذلك في ((الكشف)) بأن المخاطبين لم يُخلقوا من نفسٍ قصيٍّ، لا كلُّهم
ولا جلُّهم، وإنما هو مجمِّع قريش، وبأن القول بأن زوجه قرشيةٌ خطأٌ؛ لأنها إنما
كانت بنتَ سيِّد مكة من خُزاعة، وقريش إذ ذاك متفرِّقون ليسوا في مكة، وأيضاً من
أين العلم أنهما وعدا عند الحمل أن يكونا شاكرين الله تبارك وتعالى، ولا كُفْرانَ
أشد من الكفر الذي كانا فيه، وما مَثَلُ من فسَّر بذلك إلا كمن عمَّر قصراً فهدم
مِصْراً، وأما البيتُ فإنما خُصَّ فيه بنو قصيٍّ بالذكرِ لأنهم ألصقُ برسول الله وَّهِ، أو
لأنه لما كان سيِّدَهم وأميرَهم شمل ذِكْرِه الكلَّ شمولَ فرعون لقومه، ومعلومٌ أن
الكلَّ ليسوا من نسل فرعون. اهـ.
وأُجيب عن قوله: من أين العلم .. إلخ، بأنه من إعلام الله تعالى إن كان ذلك
هو معنى النظم، ومنه يُعلم أن كون زوجته غير قرشية في حيِّز المنع. نعم في كون
قصي - وهو أحدُ أجداد رسول الله وَله - كان مشركاً مخالفةٌ لِمَا ذهب إليه جمعٌ من
أن أجدادَه عليه الصلاة والسلام كلَّهم غير مشركين.
وقيل: إن ضمير ((له)) للولد، والمعنى: أنهما طلبا من الله تعالى أمثالاً للولد
الصالح الذي آتاهما. وقيل: هو لإبليس، والمعنى: جعلا لإبليس شركاء في
(١) الكشاف ١٣٧/٢، وقصة مروره ويّي في طريق الهجرة على أم معبد، وسماع أبيات هذا
أحدُها، أخرجها الطبراني في الكبير (٣٦٠٥)، والحاكم ٩/٣-١٠، والبغوي في شرح السنة
(٣٧٠٤).

الآية : ١٩٠
٥٣٧
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
اسمه؛ حيث سَمَّيا ولدَهما بعبد الحارث. وكلا القولين ردَّهما الآمديُّ في ((أبكار
الأفكار)»، وهما لعَمْري أوهنُ من بيت العنكبوت، لكني ذكرتُهما استيفاءً للأقوال.
وذهب جماعةٌ من السلف كابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيّب وغيرِهم إلى
أن ضمير ((جعلا))(١) لآدم وحواء عليهما السلام، والمرادُ بالشّرك بالنسبة إليهما غيرُ
المتبادِر، بل ما أشرنا إليه آنفاً (٢)، إلا(٣) أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ تخلُّصٌ إلى قصَّة العرب وإشراكهم الأصنام كما قال السدي، فهو من
الموصول لفظاً، المفصول معنى، ويوضح ذلك - كما قيل - تغييرُ الضمير إلى
الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصةُ واحدةً لقيل: يشركان، وكذلك الضمائر بعدُ،
وأيّد ذلك بما أخرجه أحمد، والترمذيُّ - وحسَّنه -، والحاكم - وصحّحه ـ عن
سَمُرة بن جندب رَُّه قال: قال رسول الله وَّ: ((لما ولدت حواءُ طاف بها إبليس،
وكان لا يعيش لها ولد، فقال لها: سَمِّيه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمَّته بذلك،
فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمرِه)) (٤). وأراد بالحارث نفسَه؛ فإنه كان
يُسمَّى به بين الملائكة. ولا يُعدُّ هذا شركاً بالحقيقة على ما قال القطب؛ لأن أسماء
الأعلام لا تفيدُ مفهوماتها اللغوية، لكن أُطلق عليه الشركُ تغليظاً، وإيذاناً بأن
ما عليه أولئك السائلون عمَّا لا يعنيهم أمرٌ عظيم لا يكاد يحيط بفظاعته عبارةٌ.
وفي (لباب التأويل))(٥) أن إضافةً عبدٍ إلى الحارث على معنى أنه كان سبباً
لسلامته، وقد يطلق اسمُ العبد على ما لا يرادُ به المملوك، كقوله:
وإني لعبدُ الضَّيف ما دام ثاوياً (٦)
(١) بعدها في (م): يعود.
(٢) يعني: تسميتها الولد عبد الحارث، وينظر ما سلف ص٥٣٣.
(٣) في (م): إلى.
(٤) مسند أحمد (٢٠١١٧)، وسنن الترمذي (٣٠٧٧)، ومستدرك الحاكم ٥٤٥/٢، وإسناده
ضعيف، وقد أورده الحافظ ابن كثير عند تفسير هذه الآية وبيَّن أنه معلول من ثلاثة أوجه ذكرها
مفصلة، وأنه لا يصح تفسير الآية على أن الجاعل آدم وحواء، وانظر كلامه فإنه نفيس.
(٥) تفسير الخازن ٣٢٥/٢.
(٦) صدر بيت للمقنع الكندي، وعجزه كما في الحماسة البصرية ٣١/٢، والأمالي ١١٠/٢،
وديوان الحماسة بشرح المرزوقي ٣/ ١١٨٠: وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا.

سُؤَدَّةُ الْأَغْرَافِ
٥٣٨
الآية : ١٩٠
ولعل نسبةً الجعل إليهما مع أن الحديث ناطقٌ بأن الجاعل حواءُ لا هي وآدم؛
لكونه عليه السلام أقرَّها على ذلك، وجاء في بعض الروايات التصريحُ بأنهما سمَّياه
بذلك.
وتعقّب هذا القولَ بعضُ المدقِّقين بأن الحديث لا يصلحُ تأييداً له؛ لأنه لم يَرِدْ
مفسِّراً للآية، ولا إنكارَ لصدور ذلك منهما عليهما السلام؛ فإنه ليس بشرك، نعم كان
الأَولى بهما التنزُّه عن ذلك، وإنما المنكرُ حملُ الآية على ذلك مع ما فيه من العدول عن
الظاهر، لا سيَّما على قراءة الأكثرين: ((شركاء)) بلفظ الجمع، ومِنْ حَمْل ((فتعالى)) إلخ
على أنه ابتداءُ كلامٍ، وهو راجعٌ إلى المشركين من الكفار، والفاء فصيحةٌ. وكونُه
منقولاً عن السلف مَعَارَضٌ بأن غيرَه منقولٌ أيضاً عن جمع منهم. انتهى.
وقد يقال: أخرج ابنُ جرير(١) عن الحَبْر أنَّ الآية نزلت في تسمية آدم وحواء
ولدَيهما بعبد الحارث، ومثلُ ذلك لا يكاد يقال من قِبَل الرأي، وهو ظاهرٌ في كون
الخبر تفسيراً للآية، وارتكابُ خلافِ الظاهر في تفسيرها مما لا مخلَصَ عنه
كما لا يخفى على المنصف. ووجهُ جمع ((شركاء)) زيادة في التغليظ؛ لأن مَن جوَّز
الشِّركَ جوَّز الشركاء، فلما جَعَلا شريكاً فكأنهما جَعَلا شركاء، وحَمْلُ ((فتعالى)) إلخ
على الابتداء مما يستدعيه السِّياق والسِّباق، وبه صرَّح كثيرٌ من أساطين الإسلام،
والذاهبون إلى غير هذا الوجه نزرٌ قليل بالنسبة إلى الذاهبين إليه، وهم دونهم أيضاً
في العلم والفضل، وشَّان ما بين دندنة النَّحل وألحان معبد، ومن هنا قال العلامة
الطّبيُّ: إن هذا القولَ أحسنُ الأقوال، بل لا قول غيرُه، ولا معوَّل إلا عليه، لأنه
مقتبسٌ من مشكاة النبوة وحضرة الرسالة وَّه، وأنتَ قد علمتَ مني أنه إذا صحَّ
الحديثُ فهو مذهبي، وأُراه قد صحَّ(٢)، ولذلك أحجم كُمَيتُ قلمي عن الجَرْي في
ميدان التأويل كما جرى غيرُه، والله تعالى الموفِّقُ للصَّواب.
وقرأ نافع وأبو بكر: ((شِرْكاً)) بصيغة المصدر(٣)، أي: شركة، أو ذوي شركة،
وهم الشركاء.
(١) في تفسيره ١٠/ ٦٢٤.
(٢) بل هو ضعيف كما أسلفنا.
(٣) التيسير ص ١١٥، والنشر ٢٧٣/٢ .

الآية : ١٩١ - ١٩٣
٥٣٩
سُورَةُ الأَغَافِ
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ به تعالى ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أي: ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً من
الأشياء أصلاً، ومن حقِّ المعبود أن يكون خالقاً لعابده لا محالة، وعنى بـ ((ما))
الأصنامَ، وإرجاعُ الضمير إليها مفرداً لرعاية لفظها، كما أن إرجاع ضمير الجمع
إليها من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُمَّ يُخْلَقُونَ (®﴾ لرعاية معناها، وإيرادُ ضمير
العقلاء مع أن الأصنام مما لا يعقل إنما هو بحسَب اعتقادهم فيها، وإجرائهم لها
مجرى العقلاء، وتسميتهم لها آلهةً.
والجملةُ عطفٌ على ((لا يخلق))، والجمعُ بين الأمرين لإبانة كمال منافاة حال
ما أشركوه لما اعتقدوه فيه، وإظهارٍ غايةٍ جهلهم، وعدمُ التعرُّض للخالق للإيذان
بتعُّنه والاستغناءِ عن ذكره تعالی.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: الأصنام ﴿لَمْ﴾ أي: للمشركين الذين عبدوهم ﴿نَصْرًا﴾
أي: نصراً مّا إذا أحزَنَهم أمرٌ مهمٌّ وخَطْبٌ ملمٌّ.
إذا اعتراهم حادثةٌ من الحوادث، أي: لا يدفعونها
١٩٢
﴿وَلََّ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
عن أنفسهم. وإيراد النصر للمشاكلة، وهو مجازٌ في لازم معناه، وهذا لتأكيدِ العجز
والاحتياجِ المنافِيَين لاستحقاق الألوهية، ووُصِفوا فيما تقدَّم بالمخلوقية لكونهم
أهلاً لها، ولم يوصفوا هنا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلاً لها .
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بيانٌ لعجزهم عمَّا هو
أدنى من النصر المنفيِّ عنهم وأيسرُ، وهو مجرَّد الدلالة على البُغْية، والإرشاد إلى
طريق حصولها من غير أن تحصل للطالب.
والخطابُ للمشركين بطريق الالتفات بدلالة ما بعدُ، وفيه إيذانٌ بمزيد الاعتناء
بأمر التوبيخ والتبكيت، أي: وإن تدعوا الأصنامَ أيُّها المشركون إلى أن يرشدوكم
إلى ما تُحصِّلون به المطالب، أو تنجون به من المكاره، لا يتّبعوكم إلى مرادكم،
ولا یجیبوکم، ولا يقدرون على ذلك.
وقرأ نافع: (يَتْبَعوكم)) بالتخفيف(١).
(١) التيسير ص ١١٥، والنشر ٢٧٤/٢.

سِوَرَةُ الأَّغْرَافِ
٥٤٠
الآية : ١٩٤
استئنافٌ مقرِّر
١٩٣
وقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ
لمضمون ما قبله، ومبيِّنٌ لكيفية عدم الاتباع، أي: مستوٍ عليكم في عدم الإفادة
دعاؤكم لهم وسكوتُكم؛ فإنه لا يتغيَّر حالُكم في الحالين كما لا يتغيَّر حالُهم بحكم
الجمادية .
وكان الظاهر الإتيان بالفعل فيما بعد ((أم))؛ لأنَّ ما في حيِّز همزة التسوية مؤوَّلٌ
بالمصدر، لكنه عدل عن ذلك للإيذان بأن إحداث الدعوة مقابَلٌ باستمرار
الصُّمَات، وفيه من المبالغة ما لا يخفى.
وقيل: إنَّ الاسمية بمعنى الفعلية، وإنما عدل عنها لأنها رأسُ فاصلةٍ. وفيه أنه
لو قيل: تصمتون، تمَّ المراد.
٠
وقيل: إنَّ ضمير ((تدعوا)) للنبيِّ نَّهِ والمؤمنين، أو له عليه الصلاة والسلام
وجُمِعَ للتعظيم، وضميرُ المفعولين للمشركين، والمراد بـ ((الهدى)) دينُ الحق، أي:
إنْ تدعوا المشركين إلى الإسلام لا يتّبعوكم، أي: لم يُحصِّلوا ذلك منكم، ولم
یتَّصفوا به .
وتُعقِّب بأنه مما لا يساعدُه سباق النظم الكريم وسياقُه أصلاً، على أنه لو كان
كذلك لقيل: عليهم، مكان ((عليكم))، كما في قوله تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ
أَمْ لَمْ نُنذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]؛ فإنَّ استواء الدعاء وعدمه إنما هو بالنسبة إلى
المشركين لا بالنسبة إلى الداعين؛ فإنهم فائزون بفضل الدعوة، ولعل رواية ذلك
عن الحسن غيرُ ثابتة، والطبرسيُّ حاطبُ ليل(١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تقريرٌ لما قبله من عدم اتِّباعهم لهم، والدعاءُ إما بمعنى
العبادة تسميةً لها بجزئها، أو بمعنى التسمية، كـ : دعوتُه زيداً، ومفعولاه
محذوفان، أي: إن الذين تعبدونهم ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أو تسمُّونهم آلهةً من دونه
سبحانه وتعالى ﴿عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: مماثلةٌ لكم من حيث إنها مملوكة لله تعالى،
مسخّرة لأمره، عاجزةٌ عن النفع والضرِّ كما قال الأخفش.
وتشبيهُها بهم في ذلك مع كون عجزها عنهما أظهرَ وأقوى من عجزهم إنما هو
(١) وقد أورد الرواية عن الحسن في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٨٥.