النص المفهرس

صفحات 501-520

الآية : ١٨٠
٥٠١
سُورَةُ الأَغْرَافِ
إدراك. بل هو الذي عناه سيدُ البشرِ وَ 98 بقوله: ((لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ
كما أثنيتَ على نفسك))(١) فإنه عليه الصلاة والسلام أراد: إني لا أُحيط بمحامدك
وصفاتِ إلهيّتك، وإنما أنتَ المحيطُ به وحدَك، لا أني أعرفُ منك ما لا أستطيعُ
التعبيرَ عنه بلساني.
وتفاوتُ درجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكةِ والأولياء في المعرفة
إنما هو بالوقوف على عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض، وخلق
الأرواح والأجساد، وحينئذٍ يتفاوتون في معرفة الأسماء والصفات، ومعرفةُ أن زيداً
عالمٌ مثلاً ليست كمعرفة تفاصيل علومه كما لا يخفى.
ولا يَرِدُ على ما ذكرنا من الاختصاص أنه يأباه تقسيمُهم أسماءه تعالى إلى
مختصٍّ كالرحمن، وغير مختصٍّ كالرحيم؛ لأن مرادَهم بالمختصِّ: ما اعتُبر في
مفهومه المطابقيٌّ ما يمنع الإطلاقَ على الغير، وقد نصَّ البيضاويُّ (٢) على أن معنى
الرحمن: المنعمُ الحقيقيُّ البالغ في الرحمة غايَتَها، وذلك لا يَصْدُقُ على غيره
تعالى، فلذا لا يوصف به غيرُه. وبغير المختصِّ: ما لم يُعتبر في مفهومه ذلك، بل
اعتُبِر فيه معنّى عامٌ، فيطلق لذلك على الله تعالى وعلى غيره، لكن حالَ إطلاقِهِ عليه
تعالى يُراد الفردُ الكامل من ذلك المفهوم، الذي لا يليق ولا يمكن أن يثبتَ إلا لله
عزَّ وجلَّ.
وقد يقال: لا فرق بين الأسماء المشتقة التي يوجَد في الغير مبدأُ اشتقاقها في
الجملة، من حيث إن اعتبار ذلك الوجود يقتضي عدمَ الاختصاص، واعتبار الوجود
على أتمٍّ وجهٍ وأكمله يقتضي الاختصاصَ من غير تفرقةٍ بين اسم واسم، إلا أنَّا
حكمنا بالاختصاص في بعض وبعدمه في آخر لأمرٍ آخر، كالاستعمال وعدم
الاستعمالِ، وإذنِ الشارع وعدم إذنه، فلا يأبى ما قلناه أيضاً.
نعم اعتبارُ الاختصاص بالله تعالى في الأسماء المذكورة في الآية لا يتأتّى فيها
بناءً على أن تقديمَ الخبر يفيدُ الاختصاص أيضاً، فيكونُ المعنى: الله لا لغيره
(١) أخرجه أحمد (٢٤٣١٢)، ومسلم (٤٨٦) من حديث عائشة
(٢) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٦٩/١.

سِوَرَةُ الأَغْرَافِ
٥٠٢
الآية : ١٨٠
الأسماءُ التي تختصُّ به(١) تعالى ولا تُطلق على غيره، ويَؤُول ذلك إلى أن الأسماء
المختصَّة به سبحانه وتعالى مختصَّةٌ به جلَّ وعلا، وهو مما لا فائدةَ فيه، وحينئذٍ
لا بدَّ إما من حمل الأسماء على الصفات كما قال البعض، ومعنى ((الحُسنى)):
الكاملة من كلِّ وجهٍ، أي: لله تعالى لا لغيره الصفاتُ الكاملة؛ لأن صفات غيرِه
سبحانه وتعالى كيفما كانت ناقصةٌ، لا أقلَّ من أن العدم محيطٌ بطرفيها، ومعنى
(((فادعوه بها)) إلخ: سَمُّوه بما يُشتقُّ منها، أو نادوه بذلك، وذروا الذين يميلون عن
الحقِّ في صفاته فيسمُّون بها غيرَه، أو يدعون معتقدين الشِّرْكة، ودَعُوهم
وإلحادَهم. وإما من ارتكاب ضَرْب من التجوُّز.
وما ذكره الطيبيُّ من أن التعريف في ((الأسماء)» للعهد، إلى آخر ما قاله(٢)،
مما لا أظنُّك في مِرْية من ركاكته، فتأمل.
وجُوِّز أن يراد بالإلحاد العدول عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة،
كما قالوا: وما الرحمن؟ إنا لا نعرف إلا رحمن اليمامة. وعليه فالمراد بالترك
الاجتنابُ كما أُريد أولاً، وبـ «الأسماء)» أسماؤه تعالى حقيقةً، فالمعنى: سمُّوه
تعالى بجميع أسمائه، واجتنبوا إخراجَ بعضها من البين.
وأن يراد به إطلاقُها على الأصنام، واشتقاقُ أسمائها منها، كاللات من الله
تعالى، والعزى من العزيز، فالمراد من ((الأسماء)» أسماؤه تعالى حقيقةً، والإظهار
في موضع الإضمار مع التجريد عن الوصف في الكلِّ؛ للإيذان بأنَّ إلحادَهم في
نفس الأسماء من غير اعتبار الوصف.
والمراد بالترك: الإعراضُ، وعدم المبالاة بما فعلوا؛ ترقُّباً لنزول العقوبة فيهم
فإنه استئنافٌ
٨٠
عن قريب، كما يشير إليه قولُه تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وقع جواباً عن سؤال مقدَّر، كأنه قيل: لم لا نبالي؟ فقيل: لأنه سينزل بهم عقوبة،
وتَشْتَفون عن قريب، والمعنى على الأمر بالاجتناب: اجتنبوا إلحادَهم كيلا يُصيبَكم
ما يصيبهم؛ فإنه سينزل بهم عقوبة ذلك.
(١) في الأصل: يختص بها، والمثبت من (م).
(٢) سلف كلامه ص٤٩٧ .

الآية : ١٨١
٥٠٣
سُؤَدَّةُ الأَّغَافِ
قيل: بيانٌ إجماليٌّ لحال مَنْ
﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
عدا المذكورين من الثَّقَلين الموصوفين بما ذُكر من الضلال على أتمٍّ وجهٍ، وهو عند
جمعٍ من المحقّقين - على ما ظهر للعلامَّة الطَّيبيِّ - عطفٌ على جملة ((ولقد ذرأنا)).
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿یَهْدُونَ﴾ إلخ إذا أُخِذَ بجملته وزبدته کان کالمقابل
لقوله تعالى: ﴿لَمْ قُلُوبٌ﴾ إلى ﴿هُمُ الْفَفِلُونَ﴾، وكلتا الآيتين كالنشر لقوله عزَّ
ـيا﴾، وهو
شأنه: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
كالتذييل لحديث الذي أُوتي آيات الله تعالى والأسماءَ العظام فانسلخ منها .
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ اعتراضٌ لمناسبة حديث الأسماء حديث
أسماء الله تعالى العظام التي أوتيها ذلك المنسلِخُ كما في بعض الروايات، وقد
يُعلَّق بقوله عزَّ شأنه: ﴿أُوْلَتِكَ هُمُ الْفَفِلُونَ﴾ باعتبار أنه كالتنبيه على أن الموجِبَ
لدخولهم جهنّم هو الغفلةُ عن ذكر الله تعالى وعن أسمائه الحسنى، وأربابُ الذوق
والمشاهدة يجدون ذلك من أرواحهم؛ لأنَّ القلب إذا غفل عن ذِكْر الله تبارك
وتعالى، وأقبل على الدنيا وشهواتها، وقع في نار الحرص، ولا يزال يهوي من
ظلمة إلى ظلمة حتى ينتهي إلى دركات الحِرْمان، وبخلاف ذلك إذا انفتح على
القلب بابُ الذكر، فإنه يقع في جنة القناعة، ولا يزال يترقَّى من نور إلى نور حتى
ينتهي إلى أعلى درجات الإحسان.
و((مَن)) إما نكرةٌ موصوفة، أو بمعنى الذي، والمراد: بعضُ مَن خلقنا - أو:
بعضٌ ممن خلقنا - طائفةٌ جليلةٌ كثيرة يهدون الناس ملتبسين بالحقِّ، أو يهدونهم
بكلمة الحقِّ، ويدلُّونهم على الاستقامة، وبالحقِّ يحكمون في الحكومات الجارية
فيما بينهم ولا یجورون فيها .
أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن ابن جُرَيج أنه قال: ذُكر لنا أنَّ النبيِ وَّرِ قال: ((هذه
أُمتي)). وأخرج عن قتادة أنه قال: بلغنا أن نبيَّ الله وَليو كان يقول إذا قرأ هذه الآية:
((هذه لكم، وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلَها: ﴿وَمِن قَوْمٍ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]))(١).
(١) الخبران في تفسير الطبري ١٠/ ٦٠٠.

سُورَةُ الأَغراف
٥٠٤
الآية : ١٨٢
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الربيع قال: قال رسول الله وَّلهن: ((إنَّ من أُمتي قوماً
على الحقِّ حتى ينزل عيسى ابنُ مريم)) عليه السلام(١).
وروى الشيخان عن معاوية والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله التالية:
((لا تزالُ من أمتي أمةٌ قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم من خَذَلَهم حتى يأتي أمرُ الله وهم
على ذلك))(٢).
واستدلَّ الجُبَّائيُّ بالآية على صحة الإجماع في كل عصرٍ، سواءٌ في ذلك عصرُ
النبيِّ وَّهِ والصحابة وِّه وغيره؛ إذ لو اختصَّ لم يكن لذِكْرِه فائدةٌ؛ لأنه معلومٌ،
وعلى أنه لا يخلو عصرٌ عن مجتهد إلى قيام الساعة؛ لأن المجتهدين هم أربابُ
الإجماع.
قيل: وهو مخالفٌ لما رُوي من أنه لا تقومُ الساعة إلا على أشرار الخلق(٣)،
و ((لا تقوم الساعةُ حتى لا يقال في الأرض: الله))(٤)، وأُجيب بأن ذلك الزمان
ملحَقٌ بيوم القيامة؛ لمعانقته له، والمراد عدم خلوِّ العصر عن مجتهد فيما عداه،
وقيل: المراد من الخبرين الإشارة إلى غَلَبة الشرِّ، فلا ينافي وجودَ النَّزْر من أهل
ذلك العنوان، والواحدُ منهم كافٍ، وهو حينئذٍ الأمةُ.
والاقتصارُ على نعتهم بهداية الناس؛ للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمرٌ
محقَّقٌ، غنيٌّ عن التصريح.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَئِنَا﴾، ولم تنفعهم هدايةُ الهادين، كأهل مكة وغيرِهم، واقتصر
بعضُهم على الأولين، والعمومُ أولى.
وإضافةُ الآيات إلى ضمير العظمة لتشريفها، واستعظام الإقدام على تكذيبها .
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٦٢٣/٥.
(٢) حديث معاوية رضيالله عند البخاري (٧١)، ومسلم [١٥٢٤/٣] (١٠٣٧) (١٧٤)، وأخرجه
كذلك أحمد (١٦٩٣١).
وحديث المغيرة ته عند البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١)، وأخرجه كذلك أحمد
(١٨١٣٤).
(٣) أخرجه أحمد (٣٧٣٥)، ومسلم (٢٩٤٩) من حديث عبد الله بن مسعود
(٤) أخرجه أحمد (١٣٨٣٣)، ومسلم (١٤٨) من حديث أنس نض اله.

الآية : ١٨٢
٥٠٥
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
والموصولُ في محل الرفع على أنه مبتدأُ خبرُه جملة ﴿مَنَتَدْرِجُهُم﴾ أي: سنستدنيهم
البََّ إلى الهلاك شيئاً فشيئاً، وجُوِّز أن يكون في محل النَّصْب بفعلٍ محذوفٍ يفسِّره
المذکورُ.
والاستدراجُ: استفعالٌ من الدرجة، بمعنى النَّقل درجةً بعد درجةٍ من سُفْل إلى
عُلْوٍ، فيكونُ استصعاداً، أو بالعكس فيكون استنزالاً، وقد استعمله الأعشى في
قوله :
ورُقِّيتَ أسباب السماء بسلّم
فلو كنتَ في جُبِّ ثمانين قامةٌ
وتعلمَ أني عنكم غيرُ مفحَمٍ (١)
لَيَستدرجَنْك القولُ حتى تَهِرَّه
في مطلق معناه، وقال بعضهم: هو استفعالٌ مِن دَرَجَ، إما بمعنى صَعِدَ، ثم
اتُّسع فيه فاستُعمل في كلِّ نقل تدريجيٍّ، سواءٌ كان بطريق الصعود، أو الهبوط، أو
الاستقامة، وإما بمعنى مشى مشياً ضعيفاً، ومنه دَرَجَ الصبيُّ، وإما بمعنى طوى،
ومنه: أَدْرَجَ الكتابَ، ثم استُعير لطلب كلِّ نقل تدريجيٍّ من حال إلى حال من
الأحوال الملائمة للمنتقل، الموافقةِ لهواه.
واستدراجُه تعالى إياهم بإدرار النعم عليهم مع انْهِماكهم في الغيِّ، ولذا قيل:
إذا رأيتَ الله تعالى أنعم على عبده وهو مقيمٌ على معصيته فاعلم أنه مستدرَجٌ، وهذا
يمكن حمله على الاستصعاد باعتبار نظرهم وزعمهم أن مواتَرةَ النِّعم أَثَرةٌ من الله
تعالى، وهو الظاهر، وعلى الاستنزال باعتبار الحقيقة؛ فإن الجِبِلَّة الإنسانية في
أصل الفِطْرة سليمةٌ متهيِّئة لقبول الحقِّ؛ لقضية: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة))(٢)،
فهو في بقاع التمكُّن على الهدى والدين، فإذا أخلد إلى الأرض، واتَّبع الشهوات،
وارتكب المعاصي والسيِّئات، ينزل درجةً درجة إلى أن يصير أسفل السافلين.
وأيًّا ما كان، فليس المطلوب إلا تدرُّجهم في مدارج المعاصي إلى أن يَحِقّ
عليهم كلمةُ العذاب الأخرويِّ أو الدنيويِّ - على ما قيل - على أفظع حال وأشنعها،
(١) ديوان الأعشى ص١٧٣. والجب: البئر، واستدرجه: خدعه وأدناه، أو أتلفه حتى تركه
يدرج على الأرض، وتهره: تكرهه. أي: لئن خرقت الأرض أو طرت في الفضاء ليبلغنك
قولي، وليتركنك تدرج على الأرض حتى تكره الكلام، وتعلم أني غير عاجز عن الانتقام.
(٢) سلف تخريجه ص٤٥٤ من هذا الجزء.

سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
٥٠٦
الآية : ١٨٣
A﴾ أنه كذلك، بل يحسبون أنه
وإدرارُ النِّعم وسيلةٌ إلى ذلك ﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
أَثَرةٌ من الله تعالى، وقيل: لا يعلمون ما يُراد بهم.
والجارُّ والمجرور متعلِّق بمضمرٍ وقع صفةً لمصدر الفعل المذكور، أي:
سنستدرجُهم استدراجاً كائناً من حيث لا يعلمون.
﴿وَأُمْلِى لَهُمَّ﴾ أي: أُمهِلُهم، والواو للعطف، وما بعدَه معطوفٌ على
(سنستدرجهم))، غيرُ داخلٍ في حكم السين؛ لما أنَّ الإمهالَ ليس من الأمور
التدريجية، كالاستدراج الحاصل في نفسه شيئاً فشيئاً، بل هو مما يحصُلُ دفعةً،
والحاصلُ بطريق التدريج آثارُه وأحكامُه ليس إلا، ويُلَوِّح بذلك تغييرُ التعبير بتوحيد
الضمير، مع ما فيه من الافتنان المنبئ عن مزيد الاعتناء بمضمون الكلام؛ لابتنائه
على تجديد القصة والعزيمة، وجعلَه غيرُ واحدٍ داخلاً في حكمها، ولا يخفى
التوجيه حينئذٍ.
وقيل: إنه كلامٌ مستأنَفٌ، أي: وأنا أُملي لهم، فالخروج من ذلك الضمير إلى
ضمير المتكلم المفرد شبيهُ الالتفات، واستُظهر أنه من التلوين.
وما قيل: إنَّ هذا للإشعار بأن الإمهالَ بمحض التقدير الإلهيِّ، وذاك للإشارة
إلى أنَّ الاستدراجَ بتوسُّط المدبرات، ليس بشيء؛ لمكان ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ
أَنََّا تُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾(١) [آل عمران: ١٧٨].
﴿إِنَّ كَيْدِى مَِّينُ ﴾﴾ تقرير للوعيد، وتأكيدٌ له، والمتينُ: من المتانة بمعنى
الشِّدة والقوة، ومنه المَثْن: للظهر، أو اللحم الغليظ في جانبي الصُّلب، وفسَّر ابن
عباس ◌ِّ الكيدَ بالمَكْر، وفسَّره بعضُهم بالاستدراج والإملاء مع نتيجتهما،
وتسميتُه كيداً لِمَا أَنَّ ظاهرَه لطفٌ وباطنَه قهرٌ، وبعضُهم بنفس الأخذ فقط، فتسميتُه
حينئذٍ بذلك؛ قيل: لكون مقدِّماته كذلك، وقيل: لنزوله بهم من حيث لا يشعرون،
وأيًّا ما كان فالمعنى: إنَّ كيدي قويٌّ، لا يُدافَعُ بقوة ولا حيلة.
والآيةُ حجَّةٌ لأهل السنة في مسألة القضاء والقدر.
(١) ومبنى هذا القول - فيما قال أبو السعود ٢٩٨/٣ - دلالة نون العظمة على الشركة، قال:
وأنى ذلك؟! وإلا لاحترز عن إيرادها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية، بل
إنما إيرادها في أمثال هذه الموارد بطريق الجريان على سنن الكبرياء.

الآية : ١٨٤
٥٠٧
سُوَرَّةُ الأَّغَرَافِ
وادعى بعضُ المفسِّرين أنها نزلت في المستهزئين من قريش، أمهَلَهم الله تعالى
ثم أخذهم في يوم بدر.
ثم إنه سبحانه وتعالى لما بالغ في تهديد الملحِدِين المعرضين، الغافلين عن
آياته والإيمانِ برسوله عليه الصلاة والسلام، عقّب ذلك - على ما قيل - بالجواب
عن شبهتهم، وإنكار عدم تفكّرهم، فقال عزَّ من قائل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَّكَّرُوْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن
جِنَّةٍ﴾ فالهمزةُ للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدَّر يستدعيه السياق
والسباق، والخلافُ في مثل هذا التركيب مشهورٌ، وقد تقدَّمت الإشارةُ إليه.
و ((ما)) - كما قال أبو البقاء(١) - تحتمل أن تكون استفهاميةً إنكاريَّةً في محلِّ
الرفع بالابتداء، والخبر ((بصاحبهم))، وأن تكون نافيةً اسمُها ((جِنَّة))، وخبرُها
(صاحبهم))، وجُوَّز أن تكون موصولةً، وفيه بعدٌ.
والجِثَّة مصدر كالحِلْسة: بمعنى الجنون، وليس المراد به الجِنَّ كما في قوله
تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]؛ لأنه يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: مَسِّ
جِنَّة، أو تخُّطها، والتنكير للتقليل والتحقير.
والتفكُّر: التأمُّل، وإعمالُ الخاطر في الأمر، وهو من أفعال القلوب، فحكمُه
حكمُها في أمر التعليقِ. ومحلُّ الجملة على الوجهين النصبُ على نَزْع الخافض،
ومحلُّ الموصول نصبٌ على ذلك في الوجه الأخير.
أي: أَكَذَّبوا ولم يتفكروا في أيِّ شيء من جنونٍ مّا كائن بصاحبهم الذي هو
أعظم الهادين بالحق، وعليه أُنزلت الآيات؟ أو: في أنه ليس بصاحبهم شيء من
چِنَّة حتی یؤدِّیھم التفكّر في ذلك إلى الوقوف على صدقه وصحة نبوَّته، فيؤمنوا به
وبما أُنزل عليه من الآيات. أو: في الذي بصاحبهم من جِئَّة بزعمهم ليعلموا أن
ذلك ليس من الجِنَّة في شيء فيؤمنوا.
واختار الطبرسيُّ(٢) أن الكلام قد تمَّ عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ أي:
أكذَّبوا ولم يتفكروا في أقواله وأفعاله؟ أو: أَوَلم يفعلوا التفكّر؟ ثم ابتُدئ فقيل: أيُّ
(١) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٨٣/٣.
(٢) في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٧٤.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٥٠٨
الآية : ١٨٥
شيء بصاحبهم من جِنَّةٍ مّا، على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت، أو قيل: ليس
بصاحبهم شيء منها .
والمراد بـ ((صاحبهم)): رسولُ الله وَّل، والتعبيرُ عنه - عليه الصلاة والسلام -
بذلك لتأكيد النكير وتشديدِه؛ لأنَّ الصُّحبة مما يُطْلِعُهم على نزاهته بَّ عن شائبةٍ
مما (١) ذُكر.
٠
والتعرُّض لنفي الجنون عنه عليه الصلاة والسلام مع وضوح استحالة ثبوته له؛
لِمَا أنَّ التكلُّم بما هو خارقٌ لا يصدُرُ إلا عمَّن به مسٍّ من الجِنَّة كيفما اتَّفق؛ من
غير أن يكون له أصلٌ، أو عمَّن له تأييد إلهيٍّ يُخبِرُ به عن الغيوب، وإذ ليس به عليه
الصلاة والسلام شيءٌ من الأول تعيَّن الثاني.
وأخرج ابنُ جرير وغيره عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله وَّر قام على الصَّفا،
فدعا قريشاً فَخِذاً فَخِذاً: يا بني فلان؛ يحذِّرهم بأسَ الله تعالى ووقائعَه إلى
الصباح، حتى قال قائلُهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يُھَوِّثُ حتى أصبح،
فأنزل الله تعالى الآية(٢). وعليه فالتصريحُ بنفي الجنون للردِّ على عظيمتهم الشنعاء
عند مَنْ له أدنى عقل، والتعبيرُ بـ ((صاحبهم)) واردٌ على مشاكلة كلامهم، مع ما فيه
من النُّكتة السالفة.
وذكر بعضُهم في سبب النزول أنهم كانوا إذا رأوا ما يعرِضُ له وَِّ من بُرَحاء
الوحي قالوا: جُنَّ. فنزلت.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
تقرير لما قبلَه، وتكذيبٌ لهم فيما يزعمونه حيث
١٨٤
تبيَّن فيه حقيقةُ حاله وََّ، أي: ما هو - عليه الصلاة والسلام - إلا مبالغٌ في
الإنذار، مظهِرٌ له غايةَ الإظهار.
ثم لما كان أمرُ النبوة مفرَّعاً على التوحيد ذكر سبحانه ما يدلُّ عليه، فقال جلَّ
شأنُه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو مسوقٌ للإنكار والتوبيخ
(١) في تفسير أبي السعود ٢٩٨/٣ (والكلام منه): ما، بدل: مما
(٢) تفسير الطبري ٦٠٢/١٠، وقوله: يهوِّتُ أي: يصيح، وأصله: حكاية صوت، وهو أن
يقول: ياه، ياه، وهو نداء الداعي من بعد. الصحاح: (هيت)، وحاشية الشهاب ٤/ ٢٤٠.

الآية : ١٨٥
٥٠٩
سُوَدَّةُ الأَغرافِ
بإخلالهم بالتأمُّل بالآيات التكوينية إثر مانَعَى عليهم مانَعَى، والهمزةُ هنا كالهمزة
فيما قبل، والواو العطف على مقدَّر كما تقدم، أو على الجملة المنفية بـ (لم))،
والملكوت: الملك العظيم. أي: أَكَذَّبوا، ولم يتفكّروا فيما ذُكر، ولم ينظروا نظَرَ
تأمُّلٍ واستدلال فيما يدلُّ على كمال قدرة الصانع، ووحدة المبدع، وعِظَم (١) شأن
المالك، ليظهر لهم صحةُ ما يدعوهم إليه ذاك الرسولُ الكريم وَلّ؟
وكأن التعبيرَ بالنظر هنا دون التفكّر الذي عبّر به فيما قبلُ للإشارة إلى أن الدليل
هنا أوضح منه فيما تقدَّم.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على
(ملكوت))، وتخصيصُه بالسماوات والأرض لكمال ظهور عِظَم المُلك فيهما، وأن
يكون عطفاً على المضاف هو إليه، فيكون منسحباً على الجميع، والتعميمُ لاشتراك
الكلِّ في [الدلالة علىآ عِظَم (٢) الملك في الحقيقة.
و((من شيء)) بيانٌ لـ ((ما))، وفي ذلك تنبيهٌ على أن الدلالةَ على التوحيد غيرُ
مقصورة على السماوات والأرض، بل كلُّ ذرةٍ من ذرات العالم دليلٌ على توحيده:
وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ(٣)
وهذا أمر متفقٌ عليه عند العقلاء، نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوثَ،
وهو الذي عليه معظمُ المتكلِّمين، ومنهم من جعل وجهها الإمكانَ، وهو الذي عليه
الفلاسفةُ، واختاره بعضُ المتكلمين، ورجَّح الأول قطبُ عصره الشيخُ خالد
المجدِّدي قُدِّس سرُّه في ((تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي)) (٤) فارجع
إليها .
(١) في (م): وعظيم.
(٢) في الأصل: عظيم، والمثبت من (م)، وتفسير أبي السعود ٣٩٩/٣، والكلام وما بين
حاصرتین منه.
(٣) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص١٠٤، وسلف ٢٧١/١.
(٤) هو الشيخ خالد النقشبندي، سلفت ترجمته، وتعليقاته هذه حاشية علقها على هامش نسخة
عبد الحکیم السیالکوتي حین درَّسها في بلدته، ثم جمعت بعد هجرته إلى الشام، وكُتب
عليه: تعليقات. انظر معجم المطبوعات ص ٨١٣، والأعلام ٢/ ٢٩٤ .

سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
٥١٠
الآية : ١٨٥
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ عطفٌ على ((ملكوت))، فهو
معمولٌ لـ ((ينظروا))، لكن لا يُعتبر فيه - بالنظر إليه - أنه للاستدلال بناءً على ما قالوا:
إنَّ قيد المعطوفِ عليه لا يلزم ملاحظتُه في المعطوف، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.
و((أن)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وخبرها ((عسى)) مع فاعلها
الذي هو ((أن يكون))، وخبرُ ضمير الشأن لا يُشترط فيه الخبرية، ولا يحتاج إلى
التأويل كما نصَّ عليه المحقّقون، فلا معنى للمناقشة في ذلك. واسم ((يكون)) أيضاً
ضميرُ الشأن، والخبر ((قد اقترب أجلُهم))، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع؛ لأن
تنازُعَ كان وخبرَها مما لم يُعهد، لا لأن ذلك خلافُ الأصل لما فيه من الإضمار
قبل الذِّكر؛ لأن ذلك لازمٌ على جعل الاسم ضميرَ الشأن، ولا ضير في كلٍّ، وأمرُ
التكرار فيما ذكرنا سهلٌ، فلا يُرتكب له خلافُ المعهود، خلافاً للقطب الرازي.
وجوَّز أبو البقاء(١) أن تكون ((أن)) مصدريةً، وتُعقّب بأنها لا تُوصل إلا بالفعل
المتصرِّف، و((عسی)) ليست كذلك.
والمعنى: أَوَلم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقّع حلولها، فيسارعوا إلى طلب
الحقِّ، والتوجّه إلى ما يُنجِيهم قبل مغافصة(٢) الموت ومفاجأته، ونزول العذاب،
فالمرادُ بـ ((أجلهم)) أجل موتهم، وجُوِّز أن يكون عبارةً عن الساعة، والإضافةُ إلى
ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها .
قطعٌ لاحتمال إيمانهم
وقولُه جلَّ وعلا: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ هَا
رأساً، ونفيٌ له بالكلية بعد إلزام الحجّة والإرشاد إلى النظر، والباء متعلّقة
بـ ((يؤمنون))، وضميرُ ((بعده)) للقرآن على ما ذهب إليه غالبُ المفسِّرين، وهو معلومٌ
من السياق.
والحديثُ بمعنى الكلام، فلا دليل في الآية لمن يزعم حدوثَ القرآن، وقيل:
ولئن سلَّمنا كونَه دليلاً يُراد من القرآن الألفاظ، وهي محدَثَةٌ على المشهور،
والمعنى: إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو النهاية في البيان، فبأيِّ كلام يؤمنون بعدَه؟
(١) إملاء ما منّ به الرحمن ٣/ ٨٤.
(٢) غافصت الرجل: أخذته على حين غرة. الصحاح: (غفص).

الآية : ١٨٦
٥١١
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
وقيل: الضميرُ للآيات على حذف المضاف المفهوم من ((كذَّبوا))، والتذكيرُ
باعتبار كونها قرآناً، أو بتأويلها بالمذكور، أو إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة،
والمعنى: أَكَذَّبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما يُوجب تصديقَها من أحواله عليه الصلاة
والسلام، وأحوال المصنوعات، فبأيِّ حديث بعدَ تكذيبها يؤمنون؟ وفيه بُعدٌ.
وقيل: إنه يعود على (١) الرسول وَ له بتقدير مضاف أيضاً، أي: بعد حديثه
يؤمنون وهو أصدق الناس.
وقيل: المراد: بعدَ هذا الحديث. وقيل: بعد الأجل، أي: كيف يؤمنون بعد
انقضاء أجلهم؟
وجعل الزمخشريُّ ذلك مرتبطاً بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى﴾ إلخ ارتباطَ التسبُّب
عنه، والضمير للقرآن، كأنه قيل: لعلَّ أجلَهم قد اقترب، فما بالُهم لا يبادرون
[إلى] الإيمان بالقرآن قبل الموت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ؟ وبأيِّ حديثٍ
أحقَّ منه يريدون أن يؤمنوا(٢) ؟ .
وتقديرُ ما قُدِّر عند صاحب ((الكشف)) ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم
الكلام، بل للتنبيه على معنى الاستبطاء الذي في ضمن ((أيّ))، وأنه ليس بعد هذا
البيان الواضح أمرٌ يُنْتَظَّر.
وقوله عزَّ شأنه: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ﴾ استئنافٌ مقرِّر لما قبله، مبنيٌّ
على(٣) الطبع على قلوبهم، والمراد استمرار النفي، لا نفي الاستمرار.
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَيَذَّرُهُمْ فِي ◌ُغْيَئِمْ﴾ بالياء والرفع على الاستئناف، أي:
وهو يذرهم، وقرأ غيرُ واحدٍ بنون العظمة على طريقة الالتفات، أي: ونحن
نذرهم(٤)، وقرأ حمزة والكسائيُّ بالياء والجزم عطفاً على محلِّ الجملة الاسمية
(١) في الأصل: إلى، والمثبت من (م).
(٢) الكشاف ٢/ ١٣٣-١٣٤، وما بين حاصرتين منه.
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ٣/ ٣٠٠ - والكلام منه -: منبئ عن، وهو
الصواب.
(٤) هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، والتي قبلها قراءة أبي عمرو وعاصم
ويعقوب. التيسير ص١١٥، والنشر ٢٧٣/٢ .

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٥١٢
التفسير الإشاري (١٧٥-١٨٦)
الواقعة جوابَ الشرط، كأنه قيل: من يضلل اللهُ لا يهدِهِ أحدٌ ويَذَرْهم، ويحتمل أن
يكون ذلك تسكيناً للتخفيف، كما قُرئ: ((يشعرْكم)) [الأنعام: ١٠٩]، و((ينصرْكم))
[الملك: ٢٠](١)، وقد رُوي الجزمُ مع النون عن نافع وأبي عمرو في الشواءٌ (٢)،
وتخريجُه على أحد الاحتمالين.
حال من مفعول ((يذرهم))، والعَمَهُ: التردُّد
وقوله تبارك وتعالى: ﴿يَعْمَعُونَ (9جا
في الضلال، والتحيرُّ، أو أن لا يعرفَ حَجَّة، وإفرادُ الضمير في حيِّز النّفي رعايةً
للفظ ((من))، وجمعُه في حيِّز الإثبات رعايةً لمعناها؛ للتنصيص على شمول النفي
والإثبات للكلِّ كما قيل.
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ
مِنْهَا﴾ إشارةٌ إلى من ابتُلي بالحَوْر بعد الكَوْر، بأن سَلَك حتى ظهر له ما ظهر، ثم
رجع من الطريق لسوء استعداده، وغلبة الشقاوة - والعياذُ بالله تعالى - عليه، وفي
التعبير بـ ((انسلخ)) ما لا يخفى.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾ إلى حظيرة(٣) القُدْس، ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي:
مال إلى أرض الطبيعة السُّفلية، ﴿وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ في إيثار السِّوَى.
﴿فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في أخسٌ أحواله ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ بالزَّجر ﴿يَلْهَثْ﴾
يُذْلِعُ لسانَه مع التنفّس الشديد ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَ﴾ أيضاً. والمراد أنه يلهثُ دائماً،
وكأنه إشارةٌ إلى أن هذا المنسلخ لا يزال يُطلِقُ لسانَه في أهل الكمال، سواء زُجِرَ
عن ذلك أو لم يُزْجَرْ.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا
(١) قرأ بهما أبو عمرو، وروي عنه اختلاس حركة الضمة كذلك، وإشباعها، انظر التيسير
ص٧٣، والنشر ٢١٢/٢-٢١٣.
(٢) قراءة نافع رواها عنه خارجة، وقد أوردها أبو حيان في البحر المحيط ٤/ ٤٣٣، وأما قراءة
أبي عمرو فلم أقف على من نسبها إليه.
(٣) في الأصل: حضيرة وحظيرة القدس: الجنة. القاموس المحيط (حظر).

التفسير الإشاري (١٧٥- ١٨٦)
٥١٣
سُورَّةُ الْأَغْرَافِ
يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الأسرار ﴿وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُصِرُونَ بِهَا﴾ الحُجَجَ الكونية ﴿وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ
بها﴾ الآيات التنزيلية، فهم صمُّ بکم عمي.
﴿أُوْلَئِكَ كَالْأَنْغَيِ﴾ ليس لهم همٌّ إلا الأكل والشُّرب ﴿بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ منها؛ لأنهم
لا ينزجرون إذا زُجِروا، ولا يهتدون إذا أُرشِدوا.
ومما يُستبعَدُ من طريق العقل ما نقله الإمام الشعرانيُّ عن شيخه عليٍّ الخوَّاص
قُدِّس سرُّه أنَّ البهائم مكلَّفون محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طٍَّ
يَطِيرُ بِنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، مع قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُنَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا
نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبما ورد عنه وَّه: ((إنه ليؤخَذُ للشاة الجمَّاء من الشاة
القرناء))(١)، وهذا وإن كان في الشاة لكن لا قائل بالفرق، ونقَلَ عنه القولَ بأن كلَّ
ما في الوجود من حيوانٍ ونبات وجماد حيٍّ درَّاك.
ثم قال: فقلتُ له: فهل تشبيهُ الحقِّ تعالى مَنْ ضلَّ من عباده بالأنعام بيانٌ
لنقص الأنعام عن الإنسان، أم لكمالها في العلم بالله تعالى؟ فقال رَبُله: لا أعلم،
ولكني سمعتُ بعضَهم يقول: ليس تشبيهُهم بالأنعام نقصاً، وإنما هو لبيانِ كمال
مرتبتها في العلم بالله عزَّ وجل حتى حارت فيه، فالتشبيهُ في الحقيقة واقعٌ في
الحيرة لا في المُحَارِ فيه، فلا أشدَّ حيرةً من العلماء بالله تعالى، فأعلى ما يصل إليه
العلماءُ في العلم بربهم سبحانه وتعالى مبتدأُ البهائم الذي لم تنتقل عن أصله، وإن
كانت منتقلة في شؤونه بتنقُّل الشؤون الإلهية؛ لأنها لا تثبُتُّ على حال، ولذلك كان
مَنْ وصفَهم سبحانه وتعالى من هؤلاء القوم أضلَّ سبيلاً من الأنعام؛ لأنَّهم يريدون
الخروجَ من الحَيْرة من طريق فكرهم ونظرهم، ولا يمكن لهم ذلك، والبهائمُ علمت
ذلك ووقفت عنده، ولم تطلب الخروجَ عنه لشدَّة علمها بالله تعالى. وذكر أنها
ما سُمِّيت بهائمَ إلا لأنَّ أمرَها قد أُبهم على غالب الخلق، فلم يعرفوه كما عرفه
أهل الكشف. انتهى.
وهو كلامٌ يورث المؤمنَ به حسداً للبهائم! نفعنا الله تعالى بها! وأعاذنا من
الحسد .
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٧٢٠٤)، ومسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة ظـ

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٥١٤
التفسير الإشاري (١٧٥-١٨٦)
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التي يُدبِّر كلَّ أمرٍ باسم منها، ﴿فَادْعُوهُ بِهَِّ﴾ حسبَ
المراتب، وأعلاها الدعاءُ بلسان الفعل، وهو التحَلِّي بمعانيها بقَدْر ما يُتَصوَّر
في حقِّ العبد، وذلك حظّ المقرَّبين منها .
وذكر حجَّة الإسلام الغزاليُّ(١) قُدِّس سرُّه أن حظوظَهم من معاني أسمائه تعالى
ثلاثة :
الأول: معرفتُها على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتّضح لهم حقائقُها
بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ، وينكشف لهم اتصافُ الله تعالى بها انكشافاً
يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصلِ للإنسان بصفاته الباطنة التي
يدرِكُها بمشاهدة باطنِهِ لا بإحساس ظاهره، وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من
الآباء والمعلِّمين تقليداً، والتصميم عليه، وإن كان مقروناً بأدلة جَدَلية كلامية.
الثاني: استعظامُهم ما يُكشَف لهم من صفات الجلال والكمال على وجهٍ
ينبعث منه شوقُهم إلى الاتصاف بما يُمكِنهم من تلك الصفات؛ ليقربوا بها من الحق
قُرْباً بالصفة لا بالمكان، فيأخذوا من الاتصاف بها شبهاً بالملائكة المقرَّبين عند الله
تعالى، والخلوُّ من هذا الشوق لا يكون إلا لأحدٍ أمرين: إما لضعف المعرفة، وإما
لكون القلب ممتلئاً بشوق آخر مستغرقاً به.
والثالث: السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات، والتخلُّق بها،
والتحلّي بمحاسنها، وبذلك يصير العبد ربَّانيًّا، رفيقاً للملأ الأعلى من الملائكة،
شبيهاً بهم، وحينئذٍ لا يؤثِّر القربُ والبعدُ في إدراكه، بل لا يقتصر إدراكُه على
ما يتصوَّر فيه ذلك، ويكون مقدَّساً عن الشهوة والغضب، فلا تكون أفعالُه
بمقتضاهما، بل الداعي إليها حينئذٍ طلبُ التقرُّب إلى الله تعالى، ولا يلزم من هذا
إثباتُ المماثلة بين الله سبحانه وتعالى وبين العبد، وقد قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ لأن المماثلةَ هي المشاركةُ في النوع والماهية
لا مطلقُ المشاركة، فالفرسُ الكيِّس - وإن كان بالغاً في الكياسة ما بلغ - لا يكون
مماثلاً للإنسان؛ لمخالفته له بالنوع، وإن شابَهَهُ بالكياسة التي هي عارضةٌ خارجة
عن المقوِّمات للإنسانية.
(١) في المقصد الأسنى ص ٤٥ وما بعدها.

التفسير الإشاري (١٧٥-١٨٦)
٥١٥
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
وأنت تعلم بأدنى التفاتٍ أنه لا يُتصوَّر الشركةُ بين الله تعالى الحيِّ العليم المريدِ
القادر المتكلِّم السميع البصير، وبين العبد المتَّصفِ بالحياة والعلم والإرادة والقدرة
والسمع والبصر، إلا في إطلاق الاسم لا غير، والكلام في خبر: ((لا زال عبدي يتقرَّبُ
إليَّ بالنوافل)) إلخ(١) يستدعي الخوض في بحرٍ لا ساحل له، فخذ ما آتيناك، ﴿وَذَرُواْ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمٍَّ﴾ يطلبون معانيها من غيره سبحانه وتعالى، ويضيفونها إليه،
وهؤلاء ممَّن ذرأهم سبحانه وتعالى لجهنّم ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الإلحاد.
﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وهم المرشِدون الكاملون ﴿وَالَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِحَايَلِنَا﴾ كالمنكرين على هؤلاء الأمة ﴿مَنْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّا
نستدرجُهم .
﴿وَأُمّى لَهُمْ﴾ ◌ُمهِلُهم. ﴿إِنَّ كيدى﴾ أخذي ﴿مِيئُ﴾ شدید.
وقد جرت عادةُ الله تعالى في المنكرين على أوليائه أن يأخُذَهم أشدَّ أَخْذٍ، وقد
شاهدنا ذلك كثيراً، نعوذ بالله تعالى من مَكْرِه.
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ وهي الآياتُ
التكوينية، وقد تقدَّم معنى ((الملكوت))، وهو في اصطلاح الصوفية قدَّس الله تعالى
أسرارهم: عبارةٌ عن عالم الغيب المختصِّ بالأرواح والنفوس، وفسَّروا الملك
بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية، كالعرش، والكرسيٍّ، وغيرهما، وكل
جسم يتركَّب من الاستقصاءات.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَ هَادِىَ لَهُّ﴾ إذ لا هاديَ سواه سبحانه:
إلى الماء يسعى من يغصُّ بلقمةٍ إلى أين يسعى مَنْ يغصُّ بماءٍ(٢)
﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَعُونَ﴾ يتردّدون؛ لأن استعدادَهم يقتضي ذلك. والله تعالى
الموفِّقُ.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة بض
(٢) البيت في خزانة الأدب ٨/ ٥١٢، وفيه: بريقه، بدل: بلقمة، وفي زهر الأكم في الأمثال
والحكم ١٥٦/١، وفيه: بأكله، بدل: بلقمة. وسلف ١٦٦/٢ .

سُورَةُ الأَغَرَافِ
٥١٦
الآية : ١٨٧
ثم لما تقدَّم ذِكْر اقتراب أجلهم عقَّبه سبحانه بذِكر سؤالهم عن الساعة، فقال
تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ وقيل: هو استئنافٌ مسوقٌ لبيان بعض طغيانهم وضلالهم.
والساعةُ في الأصل: اسم لمقدارٍ قليل من الزمان غيرٍ معيَّن، وهي عند
المنجِّمين جزءٌ من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار، وتنقسم إلى معوجَّة
ومستوية .
وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق، وعلى يوم قيام الناس لربِّ
العالمين، وفسَّروها بيوم القيامة، ولعل المرادَ منه أحدُ ذَيْنِك اليومين، وإن كان
المشهورُ فيه اليومَ الآخر، والظاهر أن المسؤول عنه اليومُ الأول، وإليه ذهب
الزجَّاج(١)، والساعةُ في ذلك من الأسماء الغالبة، ووجهُ إطلاقها عليه - وكذا على
وقت القيامة - ظاهرٌ إن أُريد زمانُ الموت، أو زمانُ القيام بدون ملاحظة الامتداد؛
لظهور أنه قدرٌ يسيرٌ في نفسه، وإن أُريد الزمان الممتدُّ فإطلاقها عليه إما لمجيئه بغتةً
كما قيل، أو لأنه يدهش من يأتيهم، فيقلّ عندهم، أو يقلِّلُ ما قبله، أو لأنه على
طوله قَدْرٌ يسير عند الله تعالى، أو لسرعةٍ حسابه، وجُوِّز أن يكون تسميتُه بذلك من
باب التسمية بالضدِّ تمليحاً، كما يسمى الأسود كافوراً.
والسائلُ عن ذلك أُناس من اليهود، فقد أخرج ابنُ إسحاق وغيره عن ابن
عباس ها قال: قال حمل بن أبي قشير وسموأل بن زيد لرسول الله وَلجه: أخبرنا
متى الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول، فإنا نعلمُ متى هي؟ وكان ذلك امتحاناً منهم مع
علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها، فأنزل الله تعالى الآية (٢).
وذهب بعضٌ إلى أن السائل قريش؛ فقد أخرج عَبْد بن حُميد، وابنُ جرير عن
قتادة أن قريشاً قالوا: يا محمدُ، أَسِرَّ إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟
فنزلت(٣).
(١) في معاني القرآن ٣٩٣/٣.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٦٩، وفيها: جبل بن أبي قشير، وشمويل بن زيد، وأورده
أبو حيان في البحر ٤٣٣/٤ وجاء فيه اسم الأول: حسل بن أبي بشير، والثاني كما في سيرة
ابن هشام.
(٣) تفسير الطبري ١٠/ ٦١١.

الآية : ١٨٧
٥١٧
سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
وقوله سبحانه: ﴿أَيَّنَ مُرْسَهًا﴾ بفتح همزة ((أيَّان))، وقرأ السُّلميُّ بكسرها(١)،
وهي لغةٌ فيها، وهي ظرفُ زمان متضمِّنٌّ لمعنى الاستفهام، ويليها المبتدأ أو الفعلُ
المضارعُ دون الماضي، بخلاف متى؛ حيث يليها كلاهما .
والتحقيقُ أنها بسيطةٌ مرتجلةٌ، وقيل: اشتقاقُها من أيّ، وهي فَعْلان منه؛ لأن
معناها: أيَّ وقت، وأيَّ فعل، وأيّ من أويت بمعنى رجعت؛ لأن باب طويت
وشويت أضعافُ باب حييت ووعيت، ولقربه منه معنى؛ لأن البعض آوٍ إلى الكلِّ
ومستند إليه. وأصله على هذا أوى، فقُلبت الواو ياءً وأدغمت في الياء، فصار أيًّا،
وإنما لم تجعل ((أيان)) فعلالاً من أين؛ لأنها ظرفُ زمانٍ، وأين ظرفُ مكان، ومن
الناس من زعم أن أصلها أيَّ أوان، أو أيَّ آن، وليس بشيء.
وتعقّب في ((الكشف)) حديثَ الاشتقاق من أيّ بأنه مخالفٌ لما ذكره الزمخشريُّ
في ((سورة النمل)): ولو سُمِّيَ به لكان فعالاً من آن يتين، ولا يصرف(٢). ثم قال:
والوجهُ ماذكره هناك؛ لأن الاشتقاق في غير المتصرِّفة لا وجه له. ثم إنه ليس
اشتقاقُه من أيّ أولى من اشتقاقه من الأين بمعنى الحينونة؛ لأن أيَّان زمان، وكأنه
غرَّه الاستفهامُ، وليس بشيء؛ لأنه بالتضمين كما في متى ونحوه، وكذلك اشتقاقُ
أيّ من أويت لا وجهَ له، إلا أنَّ الأظهر أنه يجوز الصرفُ وعدمُه كما في حمار
قبان(٣). اهـ.
وأُجيب بأن ما ذُكر أمر قدَّروه للامتحان، وليُعلم حكمُها إذا سُمِّي بها،
فلا ينافي ما ذكره الزمخشريُّ، وكذا لا ينافي التحقيقَ، فتأمل.
وأيًّا ما كان فهي في محل الرفع على أنها خبرٌ مقدَّم، و((مرساها)) مبتدأ مؤشّر،
وهو مصدر ميميٌّ من أرساه: إذا أثبتَه وأقرَّه، أي: متى إثباتُها وتقريرُها، ولا يكاد
يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاَِْالَ أَرْسَنَهَا﴾
[النازعات: ٣٢]، ومنه مرساة السفن، ونسبتُه هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعاني
(١) القراءات الشاذة ص ٤٨، والمحتسب ٢٦٨/١.
(٢) الكشاف ١٥٦/٣ .
(٣) من أمثالهم: أذلُّ من حمار قَبَّان، وهو دويِّبَّة صغيرة لازقة بالأرض، ذات قوائم كثيرة.
المستقصى في أمثال العرب ١٣٣/١.

سُوَّةُ الأَّشَرَافِ
٥١٨
الآية : ١٨٧
بالأجسام، وجوَّز بعضُهم أن يكون اسمَ زمان، ولا يَرِدُ عليه أنه يلزم أن يكون
للزمانِ زمانٌ - وفي جوازه خلافُ الفلاسفة - لأنه يؤوَّل بـ : متى وقوع ذلك؟
والجملة: قيل: في محلِّ النصب على المفعولية به لقولٍ محذوف وقع حالاً من
ضمير ((يسألونك))، أي: يسألونك قائلين: أيَّان مرساها؟ وقيل: في محلِّ الجرِّ على
البدلية عن ((الساعة))، والتحقيقُ عند بعضٍ(١) جِلَّة المحقّقين أن محلها النصبُ بنزع
الخافض؛ لأنها بدلٌ من الجارِّ والمجرور لا من المجرور فقط.
وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولاً، وبوقت وقوعها ثانياً تنبيهٌ على أن
المقصدَ الأصليَّ من السؤال نفسُها باعتبار حلولها في وقتها المعيّن، [لا وقتها] (٢)
باعتبار كونه محلًا لها، وما في الجواب، أعني قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ
رَبِّ﴾ مخرَّجُ على ذلك أيضاً، أي: إن علمَها بالاعتبار المذكور عنده سبحانه لا غير،
فلا حاجة إلى أن يقال: إنما علمُ وقتٍ إرسائها عنده عزَّ وجلَّ، وبعضُهم حيث غفل
عن النكتةِ المشار إليها حَملَ النظمَ الجليل على حذف المضاف، وإليه يشير کلامُ
أبي البقاء(٣) .
ومعنى كون ذلك عنده عزَّ وجلَّ خاصَّةً: أنه استأثر به حيث لم يخبِرْ أحداً به،
من ملك مقرَّب أو نبيٍّ مرسل. والتعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى
ضميره وَ ل*؛ قيل: للإيذان بأن توفيقَه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه
المذكور من باب التربية والإرشاد، وهو أولى مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.
وقوله سبحانه: ﴿لَا يُجِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ بيانٌ لاستمرار خفائها إلى حين قيامها،
وإقناطٌ كليٍّ عن إظهار أمرها بطريق الإخبار.
والتجليةُ: الكشفُ والإظهار، واللام لامُ التوقيت، واختلف فيها: فقيل: هي
بمعنى في، وقال ابنُ جِنيٍّ: هي بمعنى عند، وقال الرضيُّ(٤): هي اللامُ المفيدة
(١) قوله: بعض، ليس في الأصل، والمثبت من (م).
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٣/ ٣٠٠، والكلام منه.
(٣) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٨٥/٣.
(٤) في شرحه على الكافية ٣/ ٣١٢.

الآية : ١٨٧
٥١٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
للاختصاص، وهو على ثلاثة أضرب: إما أن يختصَّ الفعل بالزمان لوقوعه فيه، كـ :
كتبتُ لغرَّة كذا، أو لوقوعه بعده، نحو: لخمسٍ خَلَون، أو قبله، نحو: لليلةٍ بقيت،
ومع الإطلاق يكون الاختصاصُ لوقوعه فيه، وإلا فحسب القرينة، وفسَّرها هنا غير
واحد بفي.
والمعنى: لا يَكْشِفُ عنها ولا يُظْهِرُ للناس أمرَها الذي تسألون عنه إلا الربُّ
سبحانه بالذات، من غير أن يشعر به أحدٌ من المخلوقين، فيتوسّط في إظهاره لهم،
لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها كما هو المسؤول، بل بأن يُقيمَها فيعلموها على أتمِّ
و جهٍ .
والجارُّ والمجرور متعلِّق بالتجلية، وهو قيدٌ لها بعد ورود الاستثناء، كأنه قيل:
لا يجلِّيها إلا هو في وقتها، إلا أنه قُدِّم للتنبيه من أول الأمر على أن تجلِّيها ليس
بطريق الإخبار بوقتها، بل بإظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه.
وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ استئنافٌ - كما قبلَه - مقرِّرٌ لما سبق،
والمراد: كبُرت وعظمت على أهلهما حيث لم يعلموا وقتَ وقوعها. وعن السدِّيِّ
أنَّ من خفي عليه علمُ شيء كان ثقيلاً علیه.
وعن قتادة أن المعنى: عظُمت على أهل السماوات والأرض، حيث يُشفقون
منها، ويخافون شدائدَها. وفي رواية أخرى عنه أن المراد: ثقُل علمُها عليهم
فلا يعلمونها، ويرجع إلى ما ذُكر أولاً .
وقيل: المعنى: ثقُلت عند الوقوع على نفس السماوات حتى انشقَّت، وانتثرت
نجومُها، وكوِّرت شمسُها، وعلى نفس الأرض حتى سُيِّرت جبالُها، وسجِّرت
بحارُها، وكان ما كان فيها، وإلى ذلك يشير ما رُوي عن ابن جُرَيج، وعليه
فلا يحتاج إلى تقدير مضاف.
وكلمةُ ((في)) على سائر الأوجه استعارةٌ منبِّهة على تمكُّن الفعل كما لا يخفى.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّ بَةُ﴾ أي: إلا فجأةً على حين غفلة.
أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضيبه قال: قال رسول الله وَله((لَتَقومَنَّ الساعةُ
وقد نَشَر رجلان ثوبَهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرفَ

سُوَّةُ الأَعْرَافِ
٥٢٠
الآية : ١٨٧
الرجل بلبن لِفْحَتِهِ، فلا يَطْعَمُه، ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يُلِيْطُ حوضَه، فلا يسقي فيه،
ولتقومَنَّ الساعةُ وقد رفع أكلتَه إلى فيه فلا يَطْعَمُها))(١).
﴿ يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْبً﴾ أي: عالمٌ بها كما قال ابن عباس ◌ًَّا فيما أخرجه
عنه ابن المنذر وغيرُه، فـ ((حفيٌّ) فعيلٌ من حفي عن الشيء: إذا بحث عن تعرُّف
حاله. وذكر بعضُهم أن الحفاوةَ في الأصل: الاستقصاءُ في الأمر للاعتناء به، قال
الأعشى (٢):
فإن تسألوا عنِّي فيارُبَّ سائلٍ حَفيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
ومنه إحفاءُ الشارب، وتطلق أيضاً على البِرِّ واللُّطف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ.
كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
والمعنى المراد هنا متفرِّع على المعنى الأول؛ لأن مَنْ بحث عن شيء وسأل
عنه استحكم علمُه به، فأُريد به لازمُ معناه مجازاً أو كناية، وعُدِّي الوصف بـ (عن))
اعتباراً لأصل معناه، وهو السؤال والبحث، وقيل: لأنَّه ضُمِّن معنى الكشف،
ولولا ذلك لعُدِّي بالباء. وجوَّز أبو البقاء(٣) أن تكون ((عن)) بمعنى الباء، وروي عن
الحَبْر وابن مسعود أنهما قرأا بهما (٤).
والجملةُ التشبيهية في محل نصبٍ على أنها حالٌ من مفعول ((يسألونك))، أي:
مشبَّهاً حالُك عندهم بحال مَنْ هو حفيٍّ .
وقيل: إن ((عنها)) متعلِّق بـ ((يسألونك))، والجملةُ التشبيهية معترضةٌ، وصلة
((حفيٌّ)) محذوفةٌ، أي: بها، أو بهم بناءً على ما قيل: إن حَفِيَ من الحفاوة بمعنى
الشفقة؛ فإن قريشاً قالوا له عليه الصلاة والسلام: إن بيننا وبينك قرابةً، فقل لنا متى
(١) صحيح البخاري (٦٥٠٦)، وصحيح مسلم (٢٩٥٤)، وأخرجه أحمد (٨٨٢٤). قال الحافظ
ابن حجر في شرح الحديث: ألاط حوضه: إذا مدره، أي: جمع حجارة، فصيرها
كالحوض، ثم سد ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء، هذا أصله، وقد يكون
للحوض خروق فيسدها بالمدر قبل أن يملأه.
(٢) ديوانه ص١٨٥ .
(٣) إملاء ما من به الرحمن ٨٦/٣.
(٤) قراءة ابن عباس في المحتسب ٢٦٩/١، وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص ٤٧ .