النص المفهرس

صفحات 481-500

الآية : ١٧٦
٤٨١
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
القلب فعلُ القلب عندهم، ثم قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾
[الأعراف: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] يؤكِّدان ما عليه أهلُ
السنة أبلغَ تأكيد، ولكن الزمخشريَّ لا يعبأ بذلك(١).
﴿فَثَلُهُ، كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ﴾ وهو الحيوان المعروف، وجمعُه أكلُب وكِلاب وكلابات
كما قال ابنُ سِيْدَهُ(٢)، وكَلِيب كعبيد، وهو قليل، ويُجمَع أكلب على أكالب.
وبه يُضربُ المثل في الخَساسة؛ لأنه يأْكُلُ العَذِرة، ويرجعُ في قيئه، والجيفةُ أحبُّ
إليه من اللحم الغريض (٣)، نعم هو أحسن من الرجل السَّوء، ومما يُنسَبُ إلى الشافعي:
وليتنا ما نرى ممَّن نرى أحداً
ليتَ الكلاب لنا كانت مجاورةٌ
والناسُ ليس بهادٍ شرُّهم أبداً
إِنَّ الكلابَ لتهدا في مرابضها
وفي ((شعب الإيمان)) للبيهقي عن الفقيه منصور أنه كان يُنشِدُ لنفسه(٤):
الكلبُ أحسن عشرةً وهو النهايةُ في الخساسَهْ
سةِ قبل أوقات الرِّياسَهْ
ممَّن ينازِعُ في الرِّيا
والمَثَل بمعنى الصفة، كما قال غير واحد، فصفتُه كصفة الكلب. وقيل: المراد
أنه كالكلب في الخِسَّة.
﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أي: شددتَ عليه وطردتَه ﴿يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ على حاله
﴿يَلَهَثْ﴾ أي: أنه دائمُ اللَّهَث على كلِّ حال، واللهثُ: إذلاعُ اللسان بالنفَس
الشديد، وذلك طبعٌ في الكلب، لا يقدر على نَفْض(٥) الهواء المتسخّن وجلبٍ
(١) جاء على هامش (م) ما نصه: لطافته لا تخفى على إنسان. اهـ منه.
(٢) المخصص ٧٩/٨.
(٣) جاء على هامش (م) ما نصه: هو بالغين المعجمة: ما لان من اللحم، أي: الطري.
(٤) شعب الإيمان (٨٢٦٤). والفقيه منصور هو أبو الحسن، منصور بن إسماعيل بن عمر
التميمي، المصري، إمام الشافعية في زمانه، كان فقيهاً، متصرفاً في كل علم، شاعراً
مجوداً، أصله من رأس العين المشهورة بالجزيرة، ثم قدم مصر وأقام بها، من مصنفاته:
(الواجب))، و((المستعمل))، توفي سنة (٣٠٦هـ). معجم الأدباء ١٨٥/١٩، ووفيات الأعيان
٢٨٩/٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٤٧٨/٢ .
(٥) في الأصل و(م): نغص، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٩٣/٣، ومنه أخذ المصنف.

سُورَّةُ الأَّغَافِ
٤٨٢
الآية : ١٧٦
الهواء البارد بسهولةٍ؛ لضعف قلبه وانقطاع فؤادِهِ، بخلاف سائر الحيوانات؛ فإنها
لا تحتاجُ إلى النفَسِ الشديد، ولا يلحقُها الكرب والمضايقة إلا عند التعب
والإعياء.
وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال: فصار مَثَلُه كمثل .. إلخ؛ للإيذان
بدوام اتِّصافه بتلك الحالة الخسيسة، وكمال استمرارِه عليها، والخطابُ في فِعْلَي
الشرط لكلِّ أحدٍ ممن له حظّ من الخطاب؛ فإنه أدخَلُ في إشاعة فظاعة حاله.
والجملتان الشرطيتان؛ قيلٍ: لا محلَّ لهما من الإعراب؛ لأنهما تفصيلٌ
لما أُجمل في المَثَل، وتفسيرٌ لما أُبهم فيه ببيان وجهِ الشَّبَه على منهاج قوله تعالى:
﴿َلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] إثرَ قوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ﴾(١).
وقيل: إنهما في محلِّ النصبِ على الحاليَّةِ من ((الكلب)) بناءً على تحوُّلهما إلى
معنى التسوية، كما تحوَّل الاستفهام إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، كأنه قيل: لاهثاً في الحالين، والجملةُ الشرطية
كما قدَّمنا تقعُ حالاً مطلقاً، وقال صاحب ((الضوء))(٢): إنها لا تكاد تقعُ كذلك
بتمامها، بل إذا أُريد وقوعها حالاً جُعِلت خبراً عن [ضمير] ذي الحال، نحو:
جاءني زيدٌ وهو إن تسأله يُعطِك، فتُجعل جملةً اسميةً مع الواو؛ لأنَّ الشرط
لصدارته لا يكاد يرتبط بما قبلَه إلا أن يكون هناك فضلُ قوة.
نعم يجوز إذا أخرجتَها عن حقيقتها، سواءٌ عُطِف عليها النقيضُ - وحينئذٍ يجبُ
ترك الواو، كما فيما نحن فيه - أو لم يُعطف، وحينئذٍ يجبُ الواو؛ لئلا يحصل
الالتباسُ بالشرط الحقيقيِّ، نحو: آتيك وإن لم تأتني.
(١) تعقب الشهاب الخفاجي هذا القول في حاشيته ٢٣٧/٤ قائلاً: وفيه نظر؛ لأن التمثيل في
الخسة، لا في اللهث وعدمه، فتدبر.
(٢) لعله ((ضوء المصباح)) لتاج الدين محمد بن محمد الأسفراييني المتوفى سنة (٦٨٤هـ)، وهو
شرح لكتاب المصباح في النحو للمطرزي، وذكره أبو حيان في البحر عن بعض شراح كتاب
المصباح، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٣٧/٤، وما سيأتي بين حاصرتين
منهما .

الآية : ١٧٧
٤٨٣
سُورَةُ الأَّغْرَافِ
والتشبيه: قيل: من تشبيه المفرد بالمفرد، وقيل - وعليه كثيرٌ من المحقّقين -:
إنه تشبية للهيئة المنتزعة مما عرَاه بعد الانسلاخ من سوء الحال، واضطرام القلب،
ودوام القلق والاضطراب، وعدم الاستراحة بحال من الأحوال = بالهيئة المنتزعة
مما ذُكر في حال الكلب، وجاء - وقد أشرنا إليه سابقاً - أن بلعام لما دعا على
موسى عليه السلام خرج لسانُه، فتدلَّى على صدره، وجعل يلهَثُ كالكلب إلى أن
هَلَكَ، فوجهُ الشَّبَه إما عقليٍّ أو حسيٍّ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى وصفِ الكلب، أو المنسلخ من الآيات، وما فيه من الإيذان
بالبُعْد؛ لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ.
﴿مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَِنَا﴾ يريد - كما رُوي عن ابن عباس ﴿يَّ - أهلَ
مكة، كانوا يتمثّون هادياً يهديهم، وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله تعالى، ثم
لما جاءهم من لا يشكُّون في صدقه وأمانته كذَّبوه، وأعرضوا عن الآيات، ولم
يؤمنوا بها. أو اليهود كما قال غير واحد، حيث قرؤوا نعتَ النبيِّ ◌َّر في التوراة،
وذِكْرَ القرآن المعجز وما فيه، فصدَّقوه، وبشَّروا الناسَ باقتراب مَبْعثه، وكانوا
يستفتحون به، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فانسلخوا من حكم التوراة. أو
الأعمَّ من هؤلاء وهؤلاء من كلٍّ من اتَّصف بهذا العنوان كما في ((الخازن))(١)، وبه
أقول، ويدخل اليهود في ذلك دخولاً أوَّليًّا.
﴿فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ القصص: مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ كالسَّلَب، واللامُ فيه
للعهد، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: إذا تحقَّق أنَّ المَثَل المذكور مَثَل
· فینزجرون عمَّا هم
هؤلاء المكذِّبين فاقصُصْ ذلك عليهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
عليه من الكفر والضَّلال.
والجملةُ في موضع الحال من ضمير المخاطب، أو في موضع المفعول له،
أي: فاقصص راجياً لتفكّرهم، أو رجاءً لتفكّرهم.
﴿سَلَّ مَثَلًا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان كمال قُبْح المكذِّبين بعد البيان السابق،
و((ساءَ)) بمعنى بئس، وفاعلُها مضمَرٌ، و((مثلاً)) تَمييزٌ مفسِّر له، ويُستغنى بتذكير
(١) تفسير الخازن ٣١٦/٢.

سُورَةُ الأَغَرافة
٤٨٤
الآية : ١٧٧
التمييز وجمعِهِ وغيرِهما عن فعل ذلك بالضمير، وأصلُها التعدي لواحدٍ،
والمخصوصُ بالذمِّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿اَلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا﴾، وحيثُ
وجب صِدْقُ الفاعلِ والتمييزِ والمخصوصِ على شيء واحدٍ، والمَثَل مغايرٌ للقوم،
لزِمَ تقديرُ محذوفٍ من المخصوص - وهو الظاهرُ - أو التمييزِ، أي: ساء مثلاً مَثَلُ
القوم، أو: ساء أهلُ مثل القوم.
وفي ((الحواشي الشهابية))(١) أنه قُرئ بإضافة ((مَثَل)) بفتحتين و((مِثْل)) بكسر
فسكون لـ ((القوم)) ورفعه(٢)، فـ ((ساء)) للتعجب، وتقديرُها على فَعُل بالضم، كقَضُوَ
الرجل، و((مثل القوم)) فاعل، أي: ما أسوأهم! والموصولُ في محل جرِّ صفة
((القوم))، أو هي بمعنى بئس، و((مثل)) فاعل، والموصولُ هو المخصوص في محل
رفعٍ بتقدير مضاف، أي: مثل الذين .. إلخ.
وقدَّر أبو حيان في هذه القراءة تمييزاً(٣)، وردّه السَّمينُ(٤) بأنه لا يُحتاج إلى
التمييز إذا كان الفاعل ظاهراً، حتى جعلوا الجمع بينهما ضرورة، وفيه ثلاثةُ
مذاهب: المنعُ مطلقاً، والجواز كذلك، والتفصيل: فإن كان مغايراً(٥) جاز، نحو
نعم الرجل شجاعاً زيدٌ، وإلا امتنع.
وبعضُهم يجعل المخصوصَ محذوفاً، وفي كونه ما هو خلاف.
وإعادة ((القوم)) موصوفاً بالموصول مع كفاية الضمير، بأن يقال: ساء مثلاً
مثَلُهم؛ للإيذان بأنَّ مدار السوء ما في حيِّز الصلة، وليربط قوله سبحانه وتعالى:
به؛ فإنه إما معطوفٌ على ((كذَّبوا)» داخلٌ معه في حكم
١٧٧
﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ
(١) ٢٣٨/٤.
(٢) قراءة: ((مَثَلُ القوم)) نسبها ابن خالويه ص٤٧، والقرطبي ٣٨٩/٩ لعاصم الجحدري
والأعمش، وزاد أبو حيان في البحر ٤٢٥/٤ نسبتها إلى الحسن وعيسى بن عمر، وقراءة:
((مِثْلُ القوم)) نسبها أبو حيان ٤٢٦/٤ إلى الجحدري.
(٣) البحر ٤٢٦/٤ وقد أجاز أبو حيان هذا الوجه، ولكنه استحسن في هذه القراءة أن تكون ساء
للتعجب كما تقدم شرحه في كلام الشهاب.
(٤) في الدر المصون ٥١٩/٥.
(٥) أي: مغايراً للفظ، ومفيداً فائدة جديدة. الدر المصون ٥١٩/٥.

الآية : ١٧٧
٤٨٥
سِوَرَةُ الأَغْرَافِ
الصلة، بمعنى: جمعوا بين أمرين قبيحين: التكذيب وظلمهم أنفسَهم خاصَّة، أو
منقطعٌ عنه، بمعنى: وما ظلموا إلا أنفسهم؛ فإنَّ وبالَها لا يتخطَّاها.
وأيًّا ما كان ففي ذلك لمحٌ إلى أنَّ تكذيبَهم بالآيات متضمِّنٌ للظلم بها، وأنَّ
ذلك أيضاً معتبرٌ في القصر المستفاد من التقديم.
وصرَّح الطَّيبيُّ والقطب وغيرُهما أن الجملة على تقدير الانقطاع تذييلٌ وتأكيدٌ
للجملة التي قبلها، ويُشعر كلامُ بعضهم أن تقديمَ المفعول على الوجه الأول لرعاية
الفاصلة، وعلى الوجه الثاني للإشارة إلى التخصيص، وأنَّ سبب ظلمهم أنفسَهم هو
التکذیبُ، وفيه خفاءٌ کما لا يخفى.
هذا، ثم إن هذه الآيات مما ترمي علماء السَّوء بثالثة الأثافيِّ، وقد ذكر مولانا
الطّبيُّ طَيَّبَ الله ثراه أن من تفكّر في هذا المَثَل وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل
في حقِّ المشركين والأصنام؛ من بيت العنكبوب والذباب، تحقَّقَ له أن علماء
السّوء أسوأُ وأقبحُ من ذلك، فما أنعاهِ من مَثَلٍ عليهم وما هم فيه من التهالُك في
الدنيا مالِها وجاهِها، والركون إلى لذَّاتها وشهواتها من متابعة النفس الأمَّارة،
وإرخاء زمامها في مرامها! عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك.
ونُقل عن مولانا شيخ الإسلام شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي(١) أنه كتب إلى الإمام
فخر الدين الرازيِّ تغمَّدهما الله تعالى برضوانه: من تعيَّنَ في الزمان لنشر العلم
عظُمت نعمةُ الله تعالى عليه، فينبغي للمتيقِّظين الحُذَّاق من أرباب الديانات أن
يمدُّوه بالدعاء الصالح، ليُصفِّي الله تعالى موردَ علمه بحقائق التقوى، ومصدرَه من
شوائب الهوى؛ إذ قطرةٌ من الهوى تكدِّر بحراً من العلم، ونوازعُ الهوى المركون
في النفوس المستصحبة إياه من مَحْتِدِها من العالم السفلي إذا شابَتِ العلمَ حظّته من
أوجِهِ، وإذا صفَتْ مصادرُ العلم ومواردُه من الهوى أمدَّته كلماتُ الله تعالى التي
ينفَدُ البحرُ دون نفادِها، ويبقى العلمُ على كمال قوته، وهذه رتبةُ الراسخين في
(١) هو أبو حفص وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله القرشي، التيمي، البكري، ثم
البغدادي، الصوفي، ولد في رجب سنة (٥٣٩هـ)، انتهت إليه الرياسة في تربية المريدين،
ودعاء الخلق إلى الله، صنف ((عوارف المعارف))، شرح فيه أحوال الصوفية، توفي ببغداد
أول ليلة من سنة (٦٣٢هـ). السير ٣٧٣/٢٢.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٨٦
الآية : ١٧٨
العلم، لا المترسِّمين به، وهم ورثةُ الأنبياء عليهم السلام، كَرَّ عَمَلُهم على عِلْمِهم،
وتناوبَ العمل والعلم فيهم حتى صفَتْ أعمالُهم، ولطفت وصارت مسامرات
سرية، ومحاورات روحية، وتشكَّلت الأعمالُ بالعلوم لمكان لطافتها، وتشكّلت
العلومُ بالأعمال لقوة فعلها وسرايتها إلى الاستعدادت، وفي اتِباع الهوى إخلادٌ إلى
الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَنَّبَعَ هَوَهُ﴾،
فتطهيرُ نور الفكرة عن رذائل التخيُّلات، والارتهانِ بالموهومات التي أورثت العقولَ
الصَّغار، والمداهنةِ للنفوس القاصرة، هو من شأن البالغين من الرجال، فتصحب
نفوسُهم الطاهرةُ الملاَ الأعلى، فتسرحُ في ميادين القدس، فالنزاهةَ النزاهةَ من محنة
حُطام الدنيا، والفرارَ الفرارَ من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم، فتلك مصارعُ
الأدوان، وطالبُ الرفيق الأعلى مكلَّم محدَّث، والتعريفاتُ الإلهية واردةٌ عليه؛
لمكان علمه بصورة الابتلاء، واستئصالِه شأفةَ الابتلاء بصدق الالتجاء، وكثرةٍ
وُلُوجه في حريم القرب الإلهي، وانغماسِه مع الأنفاس في بحار عين اليقين،
وغسله تَفَثَ دلائل البرهان بنور العيان، فالبرهان للأفكار لا للأسرار. إلى آخر
ما قال، ويالها من موعظةٍ حكيم، ونصيحةٍ حميم (١)، نسأل الله تعالى أن يهدينا
لما أشارت إليه.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (3)﴾ تذييلٌ، وتأكيد
لما تضمَّنته القصَّةُ السابقة على ما يشير إليه كلامُ بعضهم.
وقال آخر: إنه تعالى لما أمر نبيَّه ◌َله بأن يَقُصَّ على أولئك الضالِّين قَصَصَ
أخيهم؛ ليتفكّروا ويتركوا ما هم عليه، عقَّب ذلك بتحقيق أن الهدايةَ والضلالة من
جهته سبحانه وتعالى، وإنما العظةُ والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول
الاهتداء؛ لكونها دواعي إلى صرف المكلّف اختيارَه نحو تحصيله حسبما نِيْطَ به
خلق الله تعالى إياه.
والمرادُ بهذه الهداية ما يوجبُ الاهتداء قطعاً، لا لأنَّ حقيقَتَها الدلالةُ الموصلةُ
إلى البغية كما يوهمه كلام بعض الأصحاب، بل لأنَّها الفردُ الكامل من حقيقة
(١) قوله: حكيم ونصيحة حميم، ليست في الأصل، والمثبت من (م).

الآية : ١٧٩
٤٨٧
سُورَةُ الأَغرافِ
الهداية التي هي الدلالةُ إلى ما يوصل؛ لإسنادها إلى الله تعالى، وتفريع الاهتداء
عليها، ومقابلتِها بالضلال وما معه، ولا يخفى أن الهداية بهذا المعنى يلزَمُها
الاهتداءُ، فيكونُ الإخبار باهتداء مَنْ هداه الله تعالى - على ما قيل - على حدٍّ
الإخبار في :
· شِعْري شِعْري(١) ......
وهو يفيدُ تعظيمَ شأن الاهتداء، وأنه في نفسه كمالٌ جسيم، ونفعٌ عظيم، وأنه
كافٍ في نيل كلِّ شرف في الأولى والعُقبى.
واختار بعضُ المحقّقين أنه ليس المقصودُ مجرَّدَ الإخبار بما ذُكر ليتوهّم عدمُ
الإفادة بحسب الظاهر، ويُصار إلى توجيهه بذلك، بل هو قصرُ الاهتداء على مَنْ
هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريفُ الخبر، فالمعنى: مَنْ يخلق فيه الاهتداء فهو
المهتدي لا غير، كائناً من كان. ولا يخلو عن حُسْن، إلا أنه قد يقال: إن الأول
أو فقُ بالمقابل.
وإفرادُ المهتدي رعايةً للفظ ((مَن))، وجمع الخاسرين رعايةً لمعناها؛ للإيذان
بأن الحقَّ واحدٌ، وطرق الضلال متشعِّبةٌ.
وفي الآية تصريحٌ بأنَّ الهدى والضلالَ من الله تعالى، فسبحان من أضلَّ
المعتزلة .
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ مقرِّر لمضمون ما قبلَه بطريق التذييل، والذَّرْءِ
بالهمزة: الخَلْقِ، وبذلك فسَّره ابنُ عباس ﴿ّ وغيره، أي: واللهِ تعالى لقد خلقنا
﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ وهم المصِرُّون على الكفر في علمه سبحانه
وتعالى. واللامُ للعاقبة عند الكثير، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّاً إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمَوْلَا فِىِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لُِضِلُّواْ عَن سَبِيلِكٌ﴾ [يونس: ٨٨] وقولِ الشاعر:
له مَلَكٌ ينادي كلَّ يوم لِدُوا للموت وابنُوا للخراب (٢)
(١) جزء من بيت لأبي النجم العجلي، وهو: أنا أبو النجم وشعري شعري، وسلف ٣١٠/٧.
(٢) البيت في خزانة الأدب ٩/ ٥٣٠ من أبيات منسوبة لعلي بن أبي طالب رَظُه، وعجزه صدر
بيت لأبي العتاهية، عجزه كما في ديوانه ص٣٣: فكلكمُ يصير إلى ذهاب.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٤٨٨
الآية : ١٧٩
وفي ((الكشاف))(١) أنهم جُعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه
لا يتأتَّى منهم إلا أفعالُ أهل النار، مخلوقين للنار، دلالةً على توغُّلهم في
الموجبات، وتمكّنهم فيما يؤهِّلُهم لدخولها، وأشار إلى أن ذلك تذييلٌ لقصة اليهود
بعد ما عَدَّ من قبائحهم، تسليةً لرسول الله وَّر، كأنه قيل: إنهم من الذين لا ينجَعُ
فيهم الإنذار، فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومَنْ هو على دينك في لزوم التوحيد.
والآية - على ما قال - من باب الكناية الإيمائية عند القطب قُدِّس سرّه، ويُفهِمُ
كلامُه أن الذي دعا الزمخشريَّ إلى ذلك لزومُ كونِ الكفر مراداً لله تعالى إذا أُريد
الظاهر، وهو خلافُ مذهبه، وأنتَ تعلمُ أن الكثير من أهل السنة تأوَّلوا الآيةَ بحمل
اللام على ما علمت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: ٥٦]؛ فإنَّ تعليلَ الخلق بالعبادة يأبى تعليلَه بجهنَّم ودخولها .
نعم ذهب ابنُ عطيةً(٢) منَّا إلى الحَمْلِ على الظاهر، وكونِ اللام للتعليل.
وادعى أناسٌ أن التأويل مخالفٌ الأحاديث الواردة في الباب، كبعض الأحاديث
السابقة في آية أَخْذِ الميثاق، وما أخرجه الإمام أحمدُ في ((مسنده)) عن عبد الرحمن بن
قتادة قال: سمعتُ رسولَ الله وَّل يقول: ((إن الله تعالى خلق آدم - عليه السلام - ثم
أخَذَ الخلقَ من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أُبالي، وهؤلاء في النار ولا أُبالي)).
قال قائل: فعلى ماذا العملُ؟ قال: ((على موافقة القَدَر))(٣). وما أخرجه محيي السُّنة
عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي ها قالت: أدرك النبي وَلّر جنازة صبيٍّ من صبيان الأنصار،
فقلتُ: يا رسول الله طُوبى له، عصفورٌ من عصافير الجنة، فقال رسول الله وَله :
((وما يُدريك؟ إنَّ الله تعالى خلق الجنةَ، وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم،
وخلقَ النار، وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم)) (٤). إلى غير ذلك.
وإلى هذا ذهب الطّبيُّ، وأيَّده بما أيَّده، وادعى أن فائدةَ القَسَم التنبيهُ على قَلْع
شُبَهِ مَنْ عسى أن يتصدَّى لتأويل الآية، وتحريف النصِّ القاطع، ونقل عن الإمام أن
(١) الكشاف ٣/ ١٣١.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٧٩/٢.
(٣) مسند أحمد (١٧٦٦٠).
(٤) تفسير البغوي ٢١٧/٢. وأخرجه كذلك أحمد (٢٥٧٤٢)، ومسلم (٢٦٦٢) (٣١).

الآية : ١٧٩
٤٨٩
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
الآية حجَّةٌ لصحَّة مذهب أهل السُّنة في مسألة خَلْق الأعمال وإرادة الكائنات؛ لأنه
سبحانه وتعالى صرَّح بأنه جلَّ وعلا خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم، ولا مزيد
لبيان الله تعالى.
ولا يخفى أن الحمل على الظاهر مخالفٌ لظاهر الآية التي ذكرناها، وفي
الكتاب الكريم كثيرٌ مما يوافِقُها، على أن التعليل الحقيقيَّ لأفعاله تعالى يمنع عنه
في المشهور الإمامُ الأشعريُّ وأصحابُه.
وقال بعضُ الجِلَّة: المراد بالكثير: الذين حقَّت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشَّقاوة،
ولكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه
سبحانه وتعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحو الحق أبداً، بل يُصرُّون على الباطل
من غير صارفٍ يلويهم، ولا عاطفٍ يَتْنيهم من الآيات والُّذُر، فبهذا الاعتبار جُعل
خلقُهم مغيَّا بجهنم، كما أن جمع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطريِّ
للعبادة، وتمكّنِهم التامِّ منها، جَعَل خلقَهم مغيًّا بها كما نطق به قولُه سبحانه
وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. انتهى.
وعندي أنه لا محيصَ من التأويل في هذا المقام، فتدبّر ولا تغفل.
ثم إن الجارَّ الأول متعلِّقٌ بما عندَه، وتقديمُه على المفعول الصريح لما في
توابعه من نوعٍ طولٍ يؤدي توسيطُه بينهما وتأخيرُه عنها (١) إلى الإخلال بِجَزالة النظم
الجليل، والجَارُّ الثاني متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لـ ((كثير)).
وتقديمُ ((الجنِّ)) لأنهم أعرفُ من الإنس في الاتصاف بما ذُكر من الصفات،
وأكثر عدداً، وأقدمُ خلقاً، ولا يُشْكل أنهم خُلِقوا من النار، فلا يشقُّ عليهم دخولُها
ولا يضرُّهم شيئاً؛ لأنا نقول في دفع ذلك على عِلَّاته: خَلْقُهم من النار بمعنى أن
الغالبَ عليهم الجزءُ الناريُّ لا يأبى تضرُّرَهم بها؛ فإنَّ الإنس خُلِقوا من الطين،
ويتضرَّرون به، ويوضح ذلك أن حقيقةً النار لم تبقَ فيهم على ما هي عليه قبل
خلقهم منها، كما أن حقيقةَ الطين لم تبقَ في الإنس على ما هي عليه قبل خلقهم
منها، على أن المخلوقَ من نار هو البدنُ، والمعذَّب هو الروح، وليست مخلوقةً
(١) في (م): يؤدي توسيطه بما بينهما وتأخيره عنهما، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود
٢٩٥/٣، والكلام منه.

سُورَةُ الأَشْرَافِ
٤٩٠
الآية : ١٧٩
منها، وعذابُ الروح في قالب ناريٍّ معقولٌ كعذابها في قالبٍ طينيٍّ.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ في محلِّ النصب على أنه صفةٌ أخرى لـ ((كثير))،
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ في محلِّ الرفع على أنه صفةٌ لـ ((قلوب)) مبيّنةٌ
لكونها غيرَ معهودةٍ، مخالفةً لسائر أفراد الجنس، فاقدةً لما ينبغي أن يكون، أو هي
مؤكِّدةٌ لما يُفيده تنكيرُها وإبهامُها من كونها كذلك.
وأُريد بالقلب اللطيفةُ الإنسانية، وبالفقه الفهمُ، وهو المعنى اللغويُّ له، يقال:
فَقِه بالكسر، أي: فهم، وفَقُه بالضم: إذا صار فقيهاً، أي: فَهِماً، أو عالماً بالفقه
بالمعنى العرفيِّ المبَيَّن في كتب الأصول.
والفعلُ هنا متعدٍّ، إلا أنه حُذِفَ مفعولُه للتعميم، أي: لهم قلوبٌ ليس من
شأنها أن يفهموا بها شيئاً مما شأنُه أن يُفهم، فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحقِّ
ودلائله دخولاً أوليًّا، وكذا الكلامُ في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾،
فيقال: المراد لا يبصرون بها شيئاً من المبصَرات، فيندرج فيه الشواهدُ التكوينية
الدالةُ على الحقِّ اندراجاً أوليًّا، وكذا يقال في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا
يَسْمَعُونَ بِهِأَ﴾ حيثُ يراد: لا يسمعون بها شيئاً من المسموعات، فيتناولُ الآيات
التنزيلية على طرْزِ ما سلف. وأمُر الوصفية في الأخيرين مثلُه في الأول.
والمرادُ بالإبصار والسماع المنفيَّين: ما يختصُّ بالعقلاء من الإدراك على ما هو
وظيفة الثَّقَلين، لا ما يتناولُ مجرَّد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة
الأنعام، وجاء في كلامهم نحو: فلانٌ لا يسمع الخَنَا(١)، أي: لا يعتني به،
ولا يصرِفُ سمعَه إليه ولا يقبلُه، ومن ذلك قولُ الشاعر:
وإني لو أشاءُ لها سميعُ(٢)
وعوراءِ الكلامِ صَمَمْتُ عنها .
(١) الخنا: الفحش. الصحاح (خنا).
(٢) البيت لعبد الله بن مُرَّة العِجْلي كما في حماسة البحتري ص٢٧٢، من بيتين ثانيهما :
وبادرةٍ وَزَعْتُ النفسَ عنها إذا تَبِقَتْ من الغضب الضُّلوعُ
والعوراء: الكلمة القبيحة. والبيت كذلك في الطبري ٥٩٤/١٠، والمحرر الوجيز ٤٨٠/٢.
وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على تفسير الطبري ٢٧٩/١٣-٢٨٠، وقد استفدنا من
إحالته على الحماسة.

الآية : ١٧٩
٤٩١
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
وفي إعادةِ الخبرِ في الجملتين المعطوفتين مع انتظام الكلام بدون ذلك، بأن
يقال: وأعينٌ لا يبصرون بها، وآذان لا يسمعون بها = ما لا يخفى من تقرير سوءٍ
حالهم. وکذا في إثباتِ المشاعر الثلاثة لھم، ثم وصفِ كلِّ بما وُصِفَ به دون
سلبِها عنهم ابتداءً، بأن يقال: ليس لهم قلوبٌ يفقهون بها، ولا أعينٌ يبصرون بها،
ولا آذانٌ يسمعون بها = ما لا يخفى - على ما قيل - من الشهادة بكمال رُسُوخهم في
الجهل والغواية.
وتفسيرُ الآية على هذا الوجه، واعتبارُ حذف المفعول لما ذكرنا في الأفعال
الثلاثة هو الذي اختاره بعضُ المحقّقين؛ لما فيه من الإفصاح بكُنْهِ حالهم على
ما أشار إليه، واختار بعضُهم التخصيصَ، أي: لا يفقهون الحقَّ ودلائلَه،
ولا يبصرون ما خلَقَ الله تعالى إبصارَ اعتبارٍ، ولا يسمعون المواعظَ والآياتِ سماعَ
تأمُّل وتفُّر.
وأيًّا ما كان فالمرادُ أنهم لم يَصْرِفوا ما خُلِقَ لهم لما خُلِقَ له، فكأنَّهم خُلقوا
كذلك، ولو أُرِيدت الحقيقةُ لم يتوجَّه الذُ، ولم تقم الحجَّةُ، ومن اذَّعاها قال: إن
ذلك بسبب إفاضة الحكيم حسب الاستعداد الأزليِّ الغيرِ المجعول، فالذمُّ بذلك
لدلالته على سوء الاستعداد؛ لأنه كالأثر له، وبالجملة لا تقومُ الآيةُ دليلاً للجبر
الصِّرف، ولو ضُمَّ إليها ما قبل.
والجبرُ المتوسِّط مما قال به أهلُ الحقِّ، وهو لبنٌّ خالصٌ أُخرج من بين فَرْث
ودم، وحاصلُه عند بعض المشايخ أن العبد مختارٌ مجبورٌ باختياره، ولعلَّ كلامَ
حجّة الإسلام الغزاليّ حيثُ قال من كلام طويل: فإن قلتَ: إني أجدُ في نفسي أني
إن شئتُ الفعلَ فعلتُ، وإن شئتُ التركَ تركتُ، فيكونُ فِعْلي حاصلاً بي لا بغيري.
أجبنا وقلنا: هَبْ أنَّك وجدتَ من نفسك ذلك، إلا أنَّا نقول: وهل تجدُ من نفسك
أنكَ إن شئتَ أن تشاء شئتَ، وإن شئتَ أن لا تشاءَ لم تشأُ؟ ما أظنُّك تقول ذلك،
وإلا لذهَبَ الأمر فيه إلى ما لا نهايةً له، فلا مشيئتُكَ بك، ولا حصولُ فعلكَ بعد
حصول مشيئتك بك، وإنما أنتَ مضطرٌّ في صورةِ مختارٍ. انتهى = يرجع إلى
ما ذكرنا، وقد استوفينا الكلامَ في هذا البحث في كتابنا («الأجوبة العراقية عن
الأسئلة الإيرانية)) وهو لَعَمْري من مشكلات المباحث التي سأل عنها الإيرانيون.

سُورَةُ الْأَغْرَافِ
٤٩٢
الآية : ١٨٠
﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالأوصاف المذكورة ﴿كَالْأَنَْمِ﴾ أي: في انتفاء
الشعور على الوجه المذكور، وقيل: في أن مشاعرهم متوجّهة إلى أسباب التعيُّش،
مقصورةٌ عليها، وكأن وجهَ الشَّبَه مدرٌ مما قبلُ، فتكون الجملةُ كالتأكيد له، فلذا
فُصلت عنه.
﴿بَلَّ هُمْ أَضَلٌّ﴾ من الأنعام؛ لأنها تدرِكُ ما من شأنها أن تدرِكَه من المنافع
والمضارِّ، فَتَجْهَد في جلبها وسلبها غايةَ ما يمكِنُها، وهؤلاء ليسوا كذلك؛ حيث لم
يُميِّزوا بين المنافع والمضارِّ، بل يعكسون الأمرَ، فيتركون النعيم، ويُقْدِمون على
العذاب الأليم.
وقيل: لأنها إذا زُجِرت انزَجَرتْ، وإذا أُرشِدت إلى طريقِ اهتدت، وهؤلاء
لا يهتدون إلى شيء من الخيرات.
وقيل: لأنَّها لم تُعْطَ قدرةً على تحصيل الفضائل، وهؤلاء أُعطوا ولم ينتفعوا
بما أُعطوا. ولأنها وإن لم تكن مطيعةً لم تكن عاصيةً، وهؤلاء عصاةٌ، فهم أسوأُ
حالاً منها .
وقال بعضهم: لأنها تعرفُ صاحِبَها، وتذكُرُه وتطيعُه، وهؤلاء لا يعرفون
ربَّهم، ولا یذکرونَه، ولا یطیعونه.
وبالجملة كونُ هؤلاء أضلَّ مما لا شك فيه، ووجوهُ ذلك كثيرةٌ، ولا تَنافي بین
الخبرین، كما لا يخفى.
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المنعوتون بما ذُكر من مِثْلية الأنعام والشَّرِّة منها ﴿هُمُ
اٌلْفَفِلُونَ (®﴾ أي: الكاملون في الغفلة عمَّا فيه صلاحُهم، وقال عطاء:
عما أَعَدَّ الله تعالى لأوليائه(١) من الثواب، ولأعدائه من العقاب.
وجعل بعضُهم هذه الجملةَ كالبيان للجملة قبلَها، فلذا فُصِلتْ عنها .
﴿وَلِّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ قيل: تنبيهٌ للمؤمنين على كيفية ذِكْره تعالى، وكيفية
المعاملة مع المُخِلِين بذلك، الغافلين عنه سبحانه وتعالى وعما يليق بشأنه عزَّ شأنُه،
(١) في الأصل: عما أعد لأولياء الله تعالى، والمثبت من (م) والبحر ٤٢٨/٤، وعنه نقل المصنف.

الآية : ١٨٠
٤٩٣
ـَدَّةُ الأَغَرَافِ
سـ
إِثْرَ بيان غفلتهم التامَّة، وضلالَتِهِم الطامَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجهٌ آخر لذِكْر
ذلك.
والمراد بـ ((الأسماء)» - كما قال حُجَّة الإسلام الغزالي(١) وغيرُه - الألفاظُ
المصوغةُ الدالَّةُ على المعاني المختلفة، و((الحسنى)) تأنيثُ الأحسن أفعلُ تفضيل،
ومعنى ذلك أنها أحسنُ الأسماء وأجلُّها؛ لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها .
وقيل: المرادُ بالأسماء الصفاتُ، ويكون من قولهم: طار اسمُه في البلاد،
أي: صیتُه ونعتُه.
والجمهورُ على الأول؛ لقوله عزَّ اسمه: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ لأنه إمَّا من الدعوة
بمعنى التسمية، كقولهم: دعوتُه زيداً، أو بزيد، أي: سمَّيتُه، أو من الدعاء بمعنى
النداء، كقولهم: دعوتُ زيداً، أي: ناديتُه، وعلى التقديرين إنما يلائم ظاهراً
المعنى الأول على ما قيل.
﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَنْيٍّ﴾ أي: يميلون وينحرفون فيها عن الحقِّ إلى
الباطل، يقال: ألحد: إذا مال عن القَصْد والاستقامة، ومنه لَحْدُ القبر؛ لكونه في
جانبه، بخلاف الضَّريح، فإنه في وسطه.
وقرأ حمزةُ هنا وفي ((فصلت))(٢): ((يَلْحَدون)) بالفتح من الثلاثيِّ، والمعنى
واحدٌ، وروى أبو عُبَيدة عن الأحمر(٣) أن أَلْحَدَ بمعنى: مارى وجادَلَ، ولَحَدَ
بمعنى: مال وانحرَفَ.
واختار الواحديُّ قراءة الجمهور، قال: ولا يكاد يُسمع: لَاحِد بمعنى ملحد.
والإلحاد في أسمائه سبحانه: أن يُسمَّى بما لا توقيفَ فيه، أو بما يُوهم معنى
فاسداً، كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيضَ الوجه، ياسخيُّ، ونحو
ذلك، فالمراد بالترك المأمور به الاجتنابُ عن ذلك، وبـ ((أسمائه)) ما أطلقوه عليه
(١) في المقصد الأسنى ص٢٧ .
(٢) وكذلك قرأ في ((النحل)). التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٣/٢، والحجة للفارسي ١٠٨/٤.
(٣) هو علي بن المبارك، وقيل: ابن الحسن، شيخ العربية، تلميذ الكسائي، ناظر سيبويه مرة،
توفي بطريق مكة سنة (١٩٤هـ). السير ٩/ ٩٢ -٩٣.

سُورَةُ الأَشْرَافِ
٤٩٤
الآية : ١٨٠
تعالى وسمَّوه به على زعمهم، لا أسماؤه تعالى حقيقةً، وعلى ذلك يُحمل تركُ
الإضمار، بأن يُقال: يلحدون بها، وما قيل: إنه أُرِيد بـ ((الأسماء)) التسمياتُ فلذا
تُرِكَ الإضمارُ، ليس بشيء.
ومن فسَّر الإلحاد في الأسماء بما ذُكر ذهب إلى أن أسماء الله تعالى توقيفيةٌ
يُراعى فيها الكتابُ والسنةُ والإجماع، فكلُّ اسم وَرَدَ في هذه الأصول جاز إطلاقُه
عليه جلَّ شأنُه، وما لم يَرِدْ فيها لا يجوز إطلاقُه وإن صحَّ معناه، وبهذا صرَّحَ
أبو القاسم القشيريُّ في (مفاتيح الحُجَج ومصابيح النهج)).
وفي ((أبكار الأفكار))(١) للآمديِّ: ليس مأخذُ جواز تسميات الأسماء الحسنى
دليلاً عقليًّا، ولا قياساً لفظيًّا، وإلا لكان تسميةُ الربِّ تعالى فقيهاً عاقلاً مع صحّة
معاني هذه التسميات في حقِّه - وهي العلمُ والفقه - أولى من تسميته سبحانه وتعالى
بكثيرٍ مما يُشكل ظاهرُه، بل مأخَذُ ذلك إنما هو الإطلاق والإذن من الشارع، فكلُّ
ما ورد الإذنُ به منه جوَّزناه، وما ورد المنعُ منه منعناه، وما لم يُوجَدْ فيه إطلاقٌ
ولا منعٌ فقد قال بعضُ أصحابنا بالمنع منه، وليس القولُ بالمنع مع عدم ورودِه
أولى من القول بالجواز مع عدم وروده؛ إذ المنعُ والجوازُ حكمان، وليس إثباتُ
أحدهما مع عدم الدليل أولى من الآخر، بل الحقُّ في ذلك هو الوقفُ، وهو أنَّا
لا نحكمُ بجوازٍ ولا منعٍ، والمتَّبَعُ في ذلك كلِّه الظواهرُ الشرعية، كما هو المتَبَعُ في
سائر الأحكام(٢)، وهو أن يكون ظاهراً في دلالته وفي صحَّته، ولا يشترطُ فيه
القطعُ كما ذهب إليه بعضُ الأصحاب؛ لكون المنع والجواز من الأحكام الشرعية،
والتفرِقَةُ بين حكم وحكم في اشتراط القطع في أحدهما دون الآخر تحكّم لا دليلَ
عليه. انتهى.
وأنتَ تعلم أن المشهور التفرقةُ بين الأحكام الأصولية الاعتقادية والأحكام
الفرعية العملية، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً.
وخلاصةُ الكلام في هذا المقام أن علماء الإسلام اتَّفقوا على جواز إطلاق
(١) أبكار الأفكار ٢/ ٥٠١.
(٢) في أبكار الأفكار: والمتبع في ذلك من الظواهر الشرعية ما هو المتبع في سائر الأحكام.

الآية : ١٨٠
٤٩٥
سُوَدَّةُ الَّغَافِ
الأسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد بها الإذنُ من الشارع، وعلى امتناعه
إذا ورد المنعُ عنه، واختلفوا حيث لا إذن ولامنعَ في جواز إطلاق ما كان سبحانه
وتعالى مثَّصفاً بمعناه، ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر اللغات؛
إذ ليس في جواز إطلاقها عليه تعالى محلُّ نزاعٍ لأحد، ولم يكن إطلاقُه موهماً
نقصاً، بل كان مشعراً بالمدح، فمنعه جمهورُ أهل الحقِّ مطلقاً؛ للخطر، وجوَّزه
المعتزلةُ مطلقاً، ومال إليه القاضي أبو بكر؛ لشيوع إطلاق نحوٍ خُدا وتنكري(١) من
غير نكير، فكان إجماعاً. ورُدَّ بأن الإجماع كافٍ في الإذن الشرعيِّ إذا ثبت.
واعترضَه أيضاً إمامُ الحرمين بأنه قولٌ بالقياس، وهو حجةٌ في العَمَلِيَّات،
والأسماءُ والصفاتُ من العِلمِيَّات(٢)، وروى بعضُهم عنه التوقُّفَ.
وذكر في ((شرح المواقف))(٣) أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن كلَّ لفظٍ دلَّ
على معنَى ثابتٍ لله تعالى جاز إطلاقُه عليه إذا لم يكن موهماً لما لا يليقُ بذاته
تعالى. ثم قال: وقد يقال: لا بدَّ مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى
يصحَّ الإطلاقُ بلا توقُّف، وجعل مذهب المعتزلة غيرَ مذهبه، والمشهور
ما ذكرناه.
وفصَّل الغزاليُّ قُدِّس سرُّه، فجوّز إطلاق الصفة: وهو ما دلَّ على معنًى زائدٍ
على الذات، ومنعَ إطلاقَ الاسم: وهو ما يدلُّ على نفس الذات، محتجًا بإباحة
الصِّدق واستحبابِهِ، والصفةُ لتضمُّنها النسبة الخبريَّةَ راجعةٌ إليه، وهي لا تتوقَّفُ
إلا على تحقُّق معناها، بخلاف الاسم، فإنه لا يتضمَّنُ النسبةَ الخبريةَ، وأنه ليس
إلا للأبوين أو من يجري مجراهما.
وأُجيب بأن ذلك حيث لا مانعَ من استعمال اللفظ الدالِّ على تلك النسبة،
والحظرُ قائم، وأين الترابُ من ربِّ الأرباب؟
(١) خُدا: باللغة الفارسية والكردية، وتنكري - وفي (م): تكري -: باللغة التركية. انظر معجم
الألفاظ الفارسية المعربة للسيد أدّى شير ص٥١-٥٢، والمعجم الذهبي لمحمد ألتونجي
ص٢٣٤.
(٢) تحرفت في (م) إلى: العمليات.
(٣) شرح المواقف ٢١٠/٨.

سُورَةُ الْأَّغْرَافِ
٤٩٦
الآية : ١٨٠
واختار جمعٌ من المتأخِّرين مذهبَ الجمهور، قالوا: فيُطلقُ ما سُمع على
الوجه الذي سُمع، ولا يتجاوزُ ذلك إلا في التعريف والتنكير، سواءٌ أَوْهَمَ
كالصبور والشكور والجبَّار والرَّحيم، أو لم يُوهم كالقادر والعالم، والمراد
بالسمعيِّ ما ورد به كتابٌ، أو سنةٌ صحيحة، أو إجماع؛ لأنه غير خارجٍ عنهما
في التحقيق، بخلافِ الضعيفة، والقياس أيضاً إن قلنا: إن المسألة من العِلميات،
أما إن قلنا: إنها من العَمَليات فالسنةُ الضعيفة كالحسنة، إلا الواهية جدًّا،
والقياسُ كالإجماع.
وأطلق بعضُهم المنعَ في القياس، وهو الظاهرُ؛ لاحتمال إيهام أحدِ المترادِفَين
دون الآخر، وجعل بعضُهم من الثابت بالقياس المترادفات من لغة أو لغات، وليس
بذاك، ومن الثابت بالإجماع الصانعُ والموجود والواجب والقديم، قيل: والعلَّةُ.
وقيل: الصانعُ والقديم مسموعان كالحنَّن والمنَّان.
ونصَّ بعضُ المحققِّين على أنه يُمنع إطلاق غير المضاف إذا كان مرادفاً
للمضاف المسموع قياساً، كما يُمنع إطلاق ما ورد على وجه المُشاكلة والمجاز،
وأنه لا يكفي ورودُ الفعل والمصدرِ ونحوهما في صحة إطلاق الوصف، فلا يُطلق
الحارثُ، والزارع، والرامي، والمستهزئ، والمُنزل، والماكر، عليه سبحانه
وتعالى، وإن جاءت آياتٌ تشعر بذلك.
هذا ومن الناس مَن قال: إن الألفاظَ الدالَّةَ على الصفات ثلاثةُ أقسام:
الأول: ما يدلُّ على صفات واجبةٍ، وهو أصنافٌ: منها(١): ما يصحُّ إطلاقُه
مفرداً لا مضافاً، نحو: الموجود والأزليّ والقديم وغيرها. ومنها: ما يصحُّ إطلاقُه
مفرداً ومضافاً إلى ما لا هُجْنَ فيه(٢)، نحو: الملك والمولى والربّ والخالق.
ومنها: ما يصحُّ مضافاً غير مفردٍ، نحو: يا مُنشئَ الرُّفات، ومُقِيل العَثَرات.
والثاني: ما يدلُّ على صفاتٍ ممتنعة نحو اليد والوجه والنزول والمجيء،
فلا يصحُّ إطلاقُه البنَّةَ، وإن ورد به السمعُ كان التأويلُ من اللوازم.
(١) قوله: منها، ليس في الأصل، والمثبت من (م).
(٢) الهجنة: العيب والقبح. المعجم الوسيط (هجن).

الآية : ١٨٠
٤٩٧
سُورَةُ الأَّغَافِ
والثالث: ما لا يدلُّ على صفات واجبةٍ ولا ممتنعة، بل يدلُّ على معانٍ ثابتة،
نحو المكر والخداع وأمثالهما، فلا يصحُّ إطلاقُه إلا إذا ورد التوقيفُ، ولا يقال:
يا مَّار، يا خذَّاع، البنَّةَ، وإن كان مذكوراً ما يدلُّ عليه، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. انتهى، ولا يخفى ما فيه.
وذكر الطَّيبيُّ أن الحقَّ الاعتمادُ في الإطلاق على الإطلاق على التوقيف، وأن
كلَّ ما أَذِن الشارع أن يُدْعى به الله عزَّ اسمُه، سواءٌ كان مشتقًّا أو غير مشتقٍّ، فهو
اسمٌ، وكلّ ما نُسِب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه، سواء كان مؤوَّلاً أو
غير مؤوَّلٍ، فهو اسمٌ، وكلُّ ما نُسِب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه، سواء
كان مؤوَّلاً أو غير مؤوَّلٍ، فهو وصفٌ. وجعل الحييَّ وصفاً، والكريم اسماً،
وادعى أنه يقال: يا كريم، ولا يقال: يا حييُّ، مع ورود اللفظين فيه سبحانه وتعالى
فيما أخرجه أبو داود، والترمذيُّ من حديث سلمان رَُّله عن رسول الله وَل أنه
قال: ((الله تعالى حييٍّ كريم، يستحي إذا رفع العبدُ يدَه أن يردَّها صفراً حتى يضع
فيها خيراً))(١)، وذكر أن التعريف في الأسماء للعهد، وأنه لا بدَّ من المعهود؛ لأنه
سبحانه وتعالى أمر بالدعاء بها، ونهى عن الدعاء بغيرها، وأوعد على ذلك.
وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه وَّ قال: ((إنَّ لله تعالى تسعةً
وتسعين اسماً، من حفِظَها دخل الجنة)). وفي رواية: ((أحصاها))، وفي أخرى:
((إن الله تعالى تسعةً وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً))(٢). وأُتي فيه بالفذلكة والتأكيد
لئلا يُزاد على ما ورد.
وجاءت معدودةً في بعض الروايات بقوله عليه الصلاة والسلام: ((هو الله لا إله
هو، الرحمنُ، الرحيم، الملك، القدُّوس، السلامُ، المؤمن، المهيمن، العزيز،
الجبَّار، المتكبِّر، الخالق، البارئ، المصوِّر، الغفَّار، القهَّار، الوهّاب، الرزّاق،
(١) سنن أبي داود (١٤٨٨)، وسنن الترمذي (٣٥٥٦)، وأخرجه كذلك ابن ماجه (٣٨٦٥)،
والخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ٣١٧. قال الترمذي: حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم
يرفعه. قلنا: يشير بذلك إلى ما رواه أحمد (٢٣٧١٤) موقوفاً على سلمان مظلته.
وقوله: ((حتى يضع فيها خيراً))، لم يرد عند أبي داود والترمذي وابن ماجه.
(٢) صحيح البخاري (٧٣٩٢)، وصحيح مسلم (٢٦٧٧) (٥) و(٦)، وأخرجه كذلك أحمد
(٧٥٠٢). والروايتان اللتان ذكرهما المصنف أوردهما مسلم.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٤٩٨
الآية : ١٨٠
الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعِزُّ، المذِلُّ، السميع،
البصير، الحَكَم، العَدْل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور،
العليُّ، الكبير، الحفيظ، المُقِيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب،
الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقُّ، الوكيل، القويُّ،
المتين، الوليُّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحيُّ،
القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر،
الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المُتعالي، البَرُّ، التواب، المنتقم،
العفوُّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسِطُ، الجامع، الغنيُّ،
المغني، المانع، الضارُّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث،
الرشيد، الصَّبور))(١).
ظََّ غيرُ ذلك، وأخذوها من القرآن(٢)، وجاء أيضاً عندنا
ونُقل عن أهل البيت
ما يخالفُ هذه الروايةَ في بعض الأسماء(٣).
وذكر غيرُ واحدٍ من العلماء أن هذه الأسماء منها ما يرجع إلى صفةٍ فعليةٍ،
ومنها ما يرجع إلى صفة نفسية، ومنها ما يرجع إلى صفة سلبية، ومنها ما اختُلف
في رجوعه إلى شيء مما ذُكر وعدم رجوعه، وهو الله تعالى، والحقُّ أنه اسمٌ
للذَّات، وهو الذي إليه يرجع الأمرَ كلُّه، ومن هنا ذهب الجلُّ إلى أنه الاسم
الأعظم.
وتنقسم قسمةً أخرى إلى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه وتعالى، كالله
والرحمن، وما يجوز كالرحيم والكريم، وإلى ما يباح ذِكْره وحدَه، كأكثرها، وإلى
ما لا يباح ذِكْره كذلك كالمميت والضارِّ؛ فإنه لا يقال: يا مميت، يا ضارُّ، بل
يقال: یا محيي یا ممیت، یا نافع یا ضارُّ.
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة، وقال عقبه: هذا حديث غريب، ثم أشار
إلى أنه لا يعلم حديثاً ذكرت فيه هذه الأسماء بإسناد صحيح.
(٢) أخرجها أبو نعيم فيما ذكر السيوطي في الدر المنثور ١٤٨/٣، عن محمد بن جعفر، عن أبيه
جعفر الصادق رحمهما الله تعالی.
(٣) من ذلك ما أخرجه ابن ماجه (٣٨٦١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١٠) من حديث
أبي هريرة، وانظر الروايات التي قبله والتي بعده.

الآية : ١٨٠
٤٩٩
سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ
والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه ــ عزَّت أسماؤه - في التسعة والتسعين، ويدلُّ
على ذلك ما أخرجه البيهقيُّ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّه: ((مَنْ أصابه
همٌّ، أو حزنٌ، فليقل: اللهمَّ إني عبدُك، وابنُ عبدك، وابنُ أَمَتِكَ، ناصيتي في
يدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسم هو لك، سمَّيت به
نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرتَ به في علم
الغيب عندك، أن تجعل القرآنَ ربيع قلبي، ونور صدري، وذهاب هَمِّي، وجلاء
حُزْني)). الحديثَ(١)، وهو صريحٌ في عدم الحصر لمكان ((أو)) و((أو)).
وحكى محيي الدين النوويُّ(٢) اتفاق العلماء على ذلك، وأنَّ المقصود من
الحديث الإخبار بأنَّ هذه التسعة والتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، وهو لا ينافي
أن له تعالى أسماء غيرها غير موصوفة بذلك. ونقل أبو بكر بنُ العربيِّ عن بعضهم
أن له سبحانه وتعالى ألفَ اسمٍ، ثم قال: وهذا قليلٌ(٣)، وهو كما قال. وعن
بعضهم أنها أربعةُ آلاف، وعن بعض الصوفية أنها لا تكاد تحصی.
والمختار عندي عدمُ توقُّف إطلاق الأسماء المشتقَّة الراجعة إلى نوع من
الصفات النفسيَّة والفعليَّة، وكذا الصفات السلبية، عليه تعالى على التوقيف
الخاص، بل يصحُّ الإطلاق بدونه، لكن بعد التحرِّي التامِّ، وبذلِ الوسع فيما هو
نصٌّ في التعظيم، والتحفظ إلى الغاية عمَّا يُوهم أدنى أدنى نقصٍ - معاذ الله تعالى -
في حقِّه سبحانه؛ لأنَّا مأذونون بتعظيم الله تبارك وتعالى في الأقوال والأفعال، ولم
يُحَذَّ لنا حَدٌّ فيه؛ فمتى كان في الإطلاق تعظيمٌ له عزَّ وجل كان مأذوناً به،
والتكليفُ منوطٌ بالوسع، ولا يكلف الله نفساً إلا وُسْعها، فبعد بذل الوُسْع في
التعظيم يرتفع الحرج.
وحديثُ الحظر الذي يذكرونه يستدعي أن لا يصحَّ إلا إطلاق ما ثبتَ تواتراً
إطلاقُه عليه جلَّ وعلا شأنُه، أو اجتمعت الأمةُ على إطلاقه؛ لأنَّ الثبوتَ فيما عدا
ذلك ظنيٌّ، والحظر فيه يقينيٍّ، والأسماء المتقدمة آنفاً لم يوجد في كثير من
(١) الأسماء والصفات للبيهقي (٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٣٧١٢).
(٢) شرح صحيح مسلم ٥/١٧.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٣٤/٣، ونقله عنه المصنف بواسطة النووي في شرح مسلم.

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٥٠٠
الآية : ١٨٠
الروايات ذِكْرها، وهي مشهورة من حديث الترمذيِّ، وقد قال: إنه حدثنا به غيرُ
واحدٍ عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو ثقةٌ عند أهل الحديث.
وأنتَ تعلم أن هذا القدرَ لا يثبُتُ به اليقينُ، بل ولا بمثله ومثله، على أنه عدَّ بعضُ
أهل البيت كما في ((الدر المنثور))(١)، وكذا غيرُهم - كما لا يخفى على المتتبّع .
للتسعة والتسعين ما يخالف هذا العدد، وسندُ ذلك الخبرِ وإن لم يكن في المتانة
كسند هذا، إلا أنه لا أقلَّ يورث الشُّبهة، اللهمَّ إلا أن يقال: حصل الإجماعُ على
ما في حديث الترمذي دون ما في حديث غيره المخالفِ له، لكن لم أقف على من
حکی ذلك.
ثم إن هذه الأسماء المأخوذةَ مما ذكرنا لا مانع من الدعاء بها، ومن إجرائها
أخباراً عنه سبحانه وتعالى، أو أوصافاً له جلَّ شأنه، وكلُّها حسنى، وتسميتُها بذلك
من جهة أنها - بالمعنى المراد منها بالنسبة إليه تعالى - مختصَّةٌ به جلَّ وعلا
اختصاصَ الاسم، ولا تطلق على غيره بالمعنى المراد منها حال إطلاقها على الله
تعالى، وإنما تُطلق على الغير بمعنى آخر ليس بينه وبين ذلك المعنى إلا كما بين
السواد والبياض؛ فإن بينهما غايةَ البعد الذي لا يتصوَّر أن يكون بُعْدٌ فوقَه، لكنهما
متشاركان في العَرَضية واللونية والمُدْرَكية بالبصر، وأمورٍ أُخَر سوى ذلك، وبهذا
لا يعدُّ البياض مماثلاً للسواد أو بالعكس؛ لأن المماثلة عبارةٌ عن المشاركة في
النوع والماهية، وهي مفقودة هنا، وكذا هي مفقودة بين العلم مثلاً الذي يُوصف الله
تعالى به والعلم الذي يُوصف غيرُه سبحانه وتعالى به، ولا يعلم حقيقةَ ذلك وماهيته
إلا الله تعالى، كما لا يعرف حقيقةَ الله تعالى إلا الله تعالى في الدنيا والآخرة.
نعم لو قال قائل: لا أعرف إلا الله تعالى، صدق، ولكن من جهة أخرى.
ونهايةُ معرفة العارفين العجزُ عن المعرفة، ومعرفتُهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه،
فاذا انكشف لهم ذلك فقد عَرَفوا، وبلغوا المنتهى الذي يمكن في حقِّ الخلق من
معرفته سبحانه وتعالى.
وهذا الذي أشار إليه الصديق الأكبر (
ـبه حيث قال: العجز عن دَرْك الإدراك
(١) الدر المنثور ١٤٨/٣.