النص المفهرس

صفحات 461-480

الآية : ١٧٣
٤٦١
سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
له: لبيكَ ربَّنا وسَعْدَيك، قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى، فخلَطَ بعضَهم
ببعضٍ))(١).
وذَكَر بعضُهم أنه كان بالهند حيث هَبَطَ آدم عليه السلام، وآخرون أنه كان في
موضع الكعبة، وأنَّ الذرية المُخْرَجة من ظهر آدم عليه السلام كالذرِّ أحاطتْ به،
وجعل المحلَّ الذي شغلته إذ ذاك حَرَماً. وليس لهذا سندٌ يعوَّل عليه.
والتوفيقُ بين هذه الروايات مشكلٌ، إلا أن يقال بتعدُّد أَخْذ الميثاق، وإليه ذهب
السادةُ الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم، لكن يُشْعِرُ كلامُهم باختلاف النَّوع، فقد
قال بعضهم: رأيتُ مَنْ يستحضر قبلَ ميثاقٍ ((ألستُ)) ستةَ مواطن أخرى ميثاقية.
فذكرتُ ذلك لشيخنا ظُه، فقال: إنْ قصَدَ القائلُ بالحضرات الستة التي عرفَها قبل
ميثاقٍ ((ألست)) الكلياتِ فمسلَّم، وأما إن أراد جملةَ الحضرات الميثاقية التي قبل
((ألستُ)) فهي أكثر من ذلك، ويعلم من هذا ما في قولهم: لا أحَدَ يذكُر ذلك
الميثاقَ على وجه السَّلب الكُلِّيِّ من المنع.
وقد رُوي عن ذي النُّون أيضاً وقد سُئل عن ذلك: هل تذكُره؟ أنه قال: كأنَّه
الآن في أذني. وقال بعضُهم مستقرباً له: إنَّ هذا الميثاقَ بالأمس كان، وأشار فيه
أيضاً إلى مواثيقَ أُخَرَ كانت قبلُ. ويمكن أن يقال: مرادُهم من تلك السالبة: لا أحدَ
من المشركين يذكُر ذلك الميثاقَ، لا: لا أحدَ مطلقاً.
وذكر قطب الحقِّ والدين العلامةُ الشِّيرازيُّ في التوفيق بين الآية والخَبَر العمريِّ
كلاماً ارتضاه الفحولُ، وتلقَّوه بالقَبول، وحاصلُه: أن جوابَ النبيِّ وَّهِ إِذ سُئل عن
الآية من قَبِيل أسلوب الحكيم، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام سُئل عن بيان
الميثاق الحاليِّ، فأجاب ببيانِ الميثاق المقاليِّ على ألطفٍ وجه.
وبيانُه أنه سبحانه كان له ميثاقان مع بني آدم: أحدُهما تهتدي إليه العقولُ، من
نَصْب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحاليِّ. وثانيهما: المقاليُّ الذي لا يهتدي إليه
(١) نوادر الأصول ص٨، والمعجم الكبير للطبراني (٧٩٤٣) وفيه جعفر بن الزبير؛ كذَّبه
شعبة، وقال البخاري: تركوه. الميزان ٤٠٦/١. وانظر مشكل الحديث لابن فورك
ص٤٤٠ -٤٤١.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٦٢
الآية : ١٧٣
العقل، بل يتوقَّفُ على توقيفٍ واقفٍ على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد،
كالأنبياء عليهم السلام، فأراد النبيُّ وَلِّ أن يُعلِّم الأمةَ ويخبِرَهم عن أنَّ وراء
الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً آخر أزليًّا، فقال ما قال مِنْ مَسْح ظهر آدم
عليه السلام في الأزل، وإخراج الذَّرية؛ ليُعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج
فيما(١) لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذرُّ الذي أُخرج في الأزل من صلب آدم،
وأُخذ منه الميثاقُ المقاليُّ الأزليُّ، كما أُخذ منهم فيما (١) لا يزال بالتدريج حين
أُخرجوا الميثاقُ الحاليُّ اللایزاليُّ.
وهو حسنٌ كما قالوا، لكن ينبغي أن يُحمل الأزلُ فيه ولا يزال على المجاز؛
لأنَّ خروجَ النسل محدودٌ بيوم القيامة، وعلى القول بعدم انقطاعه بعدَه هو خاصٌّ
بالسعداء على وجهٍ خاصٍّ كما عُلِمٍ في محلِّه، والأمر حادثٌ لا أزليٌّ، وإلا لزِمَ
خرقُ إجماع المسلمين، والتدافعُ بين الآية، وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء.
ونُقل عن الخلخاليِّ أنه شمَّر عن ساقه في دفع ذلك، فقال: المخاطَبون هم
الصُّور العلمية القديمة التي هي ماهيات الأشياء وحقائقُها، ويسمُّونها الأعيان
الثابتةَ، وليست تلك الصُّور موجودةً في الخارج، فلا يتعلَّقُ بها بحسب ذلك الثبوت
جَعْل، بل هي في ذواتها غيرُ محتاجةٍ إلى ما يجعلها تلك الصور، وهي صادرةٌ عنه
تعالى بالفيض الأقدس، وقد صرَّحوا بأنها شؤونات واعتباراتٌ للذَّات الأحدي،
وجوابُهم بقولهم: بلى، إنما هو بألسنةِ استعداداتهم الأزلية، لا بالألسنة التي هي
بعد تحقُّقها في الخارج. انتھی.
وهو مبنيٌّ على الفرق بين الثبوت والوجود، وفيه نزاعٌ طويل، لكنَّا ممَّن يقول
به، والله لا يستحيي من الحقِّ، ومن هنا انقدَحَ لبعض الأفاضل وجهٌ آخرُ في
التوفيق بين الآية والحديث، وهو أنَّ المراد بالذرِّية المستخرجة من صلب آدم عليه
السلام وبنيه هو الصورُ العلميَّة، والأعيان الثابتة، وأن المرادَ باستخراجها هو تجلِّي
الذات الأحديّ وظهورُه فيها، وأن نسبة الإخراج إلى ظهورهم باعتبار أنَّ تلك
الصور إذا وُجِدت في الأعيان كانت عينَهم، وأن تلك المقاولةَ حاليةٌ استعدادية
(١) في الأصل و(م): في. والمثبت من كليات أبي البقاء ص١١١ عند ضربه أمثلةً لأسلوب
الحکیم.

الآية : ١٧٣
٤٦٣
سُورَةُ الأَغَرَافِ
أزلية، لا قاليةٌ لا يَزَالية حادثة، وهذا هو المراد بما نقل الشيخُ العارف
أبو عبد الرحمن السُّلمي في ((الحقائق)) عن بُنان(١) حيث قال: أوجدَهم لديه في
كون الأزل ثم دعاهم، فأجابوا(٢) سِراعاً، وعرَّفهم نفسَه حين لم يكونوا في الصورة
الإنسيةِ، ثم أخرجهم بمشيئته خلقاً، وأودعهم في صلب آدم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلخ، فأخبر أنه خاطَبَهم وهم غيرُ موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا
واجدين للحقِّ في غير وجودهم لأنفسهم(٣)، وكان الحقُّ بالحق في ذلك موجوداً،
ثم أنشد السُّلميُّ لبعضهم:
خرُّوا لعزةَ ركعاً وسجودا(٤)
لو يسمعون كما سمعتُ كلامَها
انتھی .
ولا يخفَى أنَّ هذا التوفيق بعيدٌ بمراحل عن ذوق أرباب الظاهر؛ لمخالفته
لظواهر الأخبار، والمتبادِرِ من الآثار، وما نُقِل عن بنان فيه(٥) وهو أول كلامه:
انتخبهم للولاية، واستخلصَهم للكرامة، وجعل لهم فسوحاً في غوامض غيب
الملكوت. وبعده ما ذكر، وشمولُه لسائر الخلق سعيدِهم وشقيِّهم لا يخلو عن
بُعْدٍ.
وذكر الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه(٦) أن الله تعالى أبدع المبدَعات، وتجلَّى بلسان
الأحدية في الربوبية، فقال: ألست بربكم؟ والمخاطَبُ في غاية الصغاء، فقالوا:
بلى. فكان كمثل الصَّدا؛ فإنّهم أجابوه به، فإن الوجودَ المحدَثَ خيالٌ منصوبٌ،
وهذا الإشهادُ كان إشهادَ رحمةٍ؛ لأنه سبحانه ما قال لهم: وحدي؛ إبقاءً عليهم
(١) جاء في مطبوع حقائق التفسير للسلمي ١/ ٢٥٠: ابن بنان. وهو أبو الحسين بن بنان، من
جلَّة مشايخ مصر، صحب أبا سعيد الخرّاز. طبقات الصوفية للسلمي ص٣٨٩. أما بنان فهو
ابن محمد الحمال، واسطي الأصل، نشأ ببغداد، وسمع الحديث، وسكن مصر، وبها توفي
سنة (٣١٦هـ)، قال السلمي: وهو من جلة المشايخ. طبقات الصوفية للسلمي ص٢٩١.
(٢) في الأصل و(م): فأجابهم، والمثبت من حقائق التفسير.
(٣) في الحقائق: إذ كانوا غير واجدين للحق إلا بإيجاده لهم في غير وجودهم لأنفسهم.
(٤) البيت لكُثَيِّر عزَّة، وهو في ديوانه ص١١٣ .
(٥) أي: في الحقائق، وفيه: ابن بنان، كما أسلفنا.
(٦) في الفتوحات المكية، الباب الخامس في معرفة أسرار (بسم الله الرحمن الرحيم)).

سُورَةُ الأَغْرَاقِ
٤٦٤
الآية : ١٧٣
لما علم أنهم يشركون به - تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً - بما فيهم من الحظّ الطبيعيّ،
وبما فيهم من قَبول الاقتدار الإلهيِّ، وما يعلمه إلا قليل.
وأنتَ تعلم أن محقِّقي المفسرين اعتبروا الوحدانيةَ في الإشهاد وكذا في
الشهادة، كما مرَّت الإشارةُ إليه، ونطقت الآثارُ به، ومن ذلك ما أخرجه
عبد الله بنُ أحمد بن حنبل في زوائد ((المسند))، والبيهقيُّ، وابنُ عساكر، وجماعة
عن أبيٍّ بن كعب أنه قال في الآية: جمعَهم جميعاً، فجعلَهم أرواحاً في
صورهم، ثم استنطَقَهم، فتكلَّموا، ثم أَخَذَ عليهم العهدَ والميثاق، وأشهدَهم على
أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى. قال: فإني أُشهِدُ عليكم السماوات السبع
وأشهد عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يوم القيامة: إنا لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله
غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تُشركوا بي شيئاً، إني سأُرسل إليكم رُسُلي يُذكِّرونكم
عهدي وميثاقي، وأُنزل عليكم كتبي. قالوا: شَهِدنا بأنك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا
غيرُك، ولا إله لنا غيرُك، فأقرُّوا، ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغنيَّ
والفقير، وحسَنَ الصورة، ودون ذلك، فقال: يا ربِّ لولا سويتَ بين عبادك،
قال: إني أحببتُ أن أُشكَّرَ (١).
وبهذا يندفعُ ما يقال: إن إقرارَ الذراري بربوبيَّته سبحانه لا يُنافي الشركَ؛ لأنَّ
المشرِكين قائلون بربوبيته سبحانه كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ
لَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
والمعتزلة ينكرون أَخْذَ الميثاق القاليِّ المشار إليه في الأخبار، ويقولون: إنها
من جملة الآحاد، فلا يلزمُنا أن نتركَ لها ظاهرَ الكتاب، وطعنوا في صحَّتها
بمقدِّمات عقليةٍ مبنية على قواعدَ فلسفية على ما هو دأبُهم في أمثال هذه المطالب:
قالوا أولاً: إنَّ أَخْذَ الميثاقِ لا يمكنُ إلا من العاقل، فوجب أن يتذكّر الإنسان
في هذا العالم ذلك الميثاقَ؛ إذ لا يجوز للعاقل أن ينسى مثلَ هذه الواقعة العظيمة
نسياً كليًّا، فحيث نسي كذلك دلَّ على عدم وقوعها، وبنحو هذا الدليل بطَلَ
التناسُخُ.
(١) المسند (٢١٢٣٢)، والقضاء والقدر للبيهقي (٦٦)، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٣٩٦/٧.

الآية : ١٧٣
٤٦٥
سُورَةُ الأَغرافِ
وأُجيب بأنَّ العلمَ إنما هو بخلقِ الله تعالى، فجاز أن لا يخلقه لحكمةٍ عَلِمها،
ودليلُ بطلان التناسخ ليس منحصراً بما ذُكر؛ فقد استدلُّوا أيضاً على بطلانه بلزوم
أن يكون للبدن نفسان، كما بيَّنْه الإمام في ((المباحث المَشْرقية))، وأن يكون عددُ
الهالكين مساوياً لعدد الكائنين، والطوفانات(١) العامة تأبى هذا التساوي.
على أنه يمكن أن يُجاب بالفرق بين التناسخ وبين ما نحن فيه، وذلك أنَّا
إذا كنَّا في أبدان أخرى، وبقينا فيها سنين، امتنع في مجرى العادة نسيانُ
أحوالها، وأما أخذُ الميثاق فإنما حصَلَ بأسرع (٢) زمانٍ، فلم يبعُدْ حصولُ
النسيان فيه.
وبعضُهم أجاب بأن النسيانَ وعدم التذكُّر هنا لبُعد الزمان. واعتُرِض بأنَّ أهل
الآخرة يعرفون كثيراً من أحوال الدنيا، كما نطقت بذلك الآياتُ والأخبار، اللهمَّ
إلا أن يُقال: إن ذلك خصوصيةُ الدار.
وقالوا ثانياً: إن تلك الذريةَ المأخوذةَ من ظهر آدم عليه السلام لا بدَّ أن يكون
لكلِّ واحد منها قدرٌ من البنية حتى يحصُّلَ فيه العلمُ والفهم، فمجموعُها لا تحويه
عَرْصَةُ الدنيا، فيمتنعُ حصولُه في ظهر آدم ليؤخَذَ ثم يُرَدَّ.
وأجيب بأنه مبنيٌّ على كون الحياة مشروطةً بالبنية المخصوصة كما هو مذهب
الخصوم، والبرهانُ قائمٌ على بطلانه كما تقرَّر في الكلام، فيجوز أن يخلق الله
تعالى الحياةَ في جوهرٍ فردٍ، وتلك الذريةُ المخرجَةُ كانت كالذرِّ، وهو قريبٌ من
الجوهر، وكونُ المجموع لا تحويه عَرْصَةٌ الدنيا غيرُ مسلَّم، وإن كان الأخذ في
السماء قبل هبوط آدم عليه السلام فالدائرةُ واسعةٌ، وإن كان إذ كان العرشُ على
الماء فالدائرةُ أوسعُ، ولا مانع إذا كان في الأرض أن يكون اجتماعُ الذرِّ متراكماً
بينها وبين السماء، وإنه لفضاءٌ عظيم وإن صغُرَتْ قاعدتُه، وإن اعتبر أن الإنسانَ
عبارةٌ عن النفس الناطقة، وأنها جوهرٌ غير متحيِّزٍ ولا حالٌّ فيه، لم يحتَجْ إلى
الفضاء، إلا أن فيه ما فيه.
(١) في (م): والطوفات.
(٢) في (م): في أسرع.

سُؤَدَّةُ الأَّغَرَافِ
٤٦٦
الآية : ١٧٣
وقالوا ثالثاً: إنه لا فائدةً في أخذ الميثاق، لأنهم لا يصيرون بسببه مستحقِّين
للثواب والعقاب، على أنهم أدون حالاً من الأطفال، والطفلُ لا يتوجَّه عليه
التكليفُ، فكيف يتوجَّه على الذرِّ؟
وأُجيب بأن فائدةَ الأخذ غيرُ منحصرةٍ في الاستحقاق المذكور، بل يجوز أن
تكون لإظهار كمال القدرة لمن حضر من الملائكة، أو إقامة الحجة يوم القيامة
كما يقتضيه قول البعض في الآية، وكونُهم إذ ذاك أدونُ حالاً من الأطفال في حيِّز
البطلان، كما لا يخفى على مَنْ هو أدون حالاً من الأطفال.
وقالوا رابعاً: إنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن
طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، وقال جلَّ وعلا: ﴿فَلْتُظُرِ الْإِسَنُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٢ خُلِقَ مِن مَِّ
دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥-٦]، وكونُ أولئك الذرّ أَناسيَّ ينافي كونَ الإنسان مخلوقاً
مما ذُكر.
وأُجيب بأن الإنسان في هذه النشأة مخلوقٌ من ذلك، ولا يلزمُ منه أن يكون في
تلك النشأة كذلك، على أنَّ الله تعالى لا يُعجِزُه شيء.
وبالجملة ينبغي للمؤمن أن يُصدِّق بذلك الأخذ؛ فقد نطَقَتْ به الأخبار الصادرةُ
من منبع الرسالة، ولا يلتفت إلى قولٍ من قال: إنها متروكةُ العمل لكونها من
الآحاد؛ فإن ذلك يؤدي إلى سدٍّ بابٍ كبير من الفتوحات الغيبية، ويحرِمِ قائلَه من
عظيم المِنَح الإلهية.
وقد روى البيهقيُّ في ((المدخل)) عن الشافعي أنه قال: الذين لقيناهم كلُّهم
يثبتون خبرَ واحدٍ عن واحدٍ عن النبيِّي ◌َّرَ، ويجعلونه سنةً حُمِدَ مَن تَبِعَها، وعِيْبَ
من خالَفَها، وقال: من خالف هذا المذهبَ كان عندنا مفارقاً لسبيل أصحاب
رسول الله وَّ وأهل العلم بعدَهم، وكان من أهل الجهالة(١).
وفي ((جامع الأصول)) عن رَزِين، عن أبي رافع أن رسول الله وَّ ه قال:
((لا أعرفنَّ(٢) الرجلَ منكم يأتيه الأمر من أمري أنا أمرتُ به أو نهيت عنه، وهو
(١) لم نقف عليه في المطبوع من المدخل، وانظر معرفة السنن والآثار ١٢٨/١.
(٢) تحرفت في (م) إلى: لأعرفن.

الآية : ١٧٣
٤٦٧
سُورَةُ الأَغَافِ
متَّكئٌ في أريكته، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتابُ الله وليس هذا فيه)).
الحديث(١).
ولا ينبغي البحثُ عن كيفية ذلك؛ فإنه من العلوم المسكوتِ عنها، المحتاجة
إلى كشف الغطاء، وفيض العطاء.
ومن ذلك ما أخرجَه الجَنَديُّ(٢) في ((فضائل مكة))، وأبو الحسن القطّان،
والحاكم، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وضعَّفه، عن أبي سعيد الخدري قال:
حججنا مع عمر رَُّه، فلما دخل الطواف استقبل الحَجَر، فقال: إني أعلم أنك
حَجَرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسول الله وََّ قبَّلَكَ ما قبلتُكَ. ثم قَبَّله.
فقال له عليَّ كرَّم الله تعالى وجهه: يا أميرَ المؤمنين، إنه يضرُّ وينفَعُ(٣). قال: بِمَ؟
قال: بكتاب الله عزَّ وجل. قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيةَ إلى قوله سبحانه: ﴿بٌَ﴾، وذلك أن الله عزَّ شأنُه خلَقَ آدم
عليه السلام، ومسَحَ على ظهره، فأخرَجَ ذرِّيتَه، فقرَّرهم بأنه الربُّ وأنهم العبيدُ،
وأخذ عهودَهم ومواثيقَهم، وكتَبَ ذلك في رَقِّ، وكان لهذا الحَجَر عينان ولسان،
فقال له: افتَحْ فاكَ، ففتَحَ فَاهُ، فألقَمَه ذلك الرَّقَ، فقال: اشهَدْ لمن وافاك بالموافاة
يوم القيامة، وإني أشهَدُ لسمعتُ رسول الله وَّلَه يقول: ((يُؤتى يومَ القيامة بالحجر
الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن يستلِمُه بالتوحيد)»، فهو يا أمير المؤمنين يضرُّ
وينفع. فقال عمر رَله: أعوذُ بالله تعالى أن أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم
يا أبا الحسن (٤).
(١) جامع الأصول (٦٩). والحديث أخرجه كذلك أحمد (٢٣٨٦١)، وأبو داود (٤٦٠٥)،
والترمذي (٢٦٦٣)، وابن ماجه (١٣).
(٢) هو المفضل بن محمد بن إبراهيم الجَنَدي، مؤرخ يماني الأصل، (ت ٣٠٨هـ). لسان
الميزان ٢/ ١٤٠، والأعلام ٧ / ٢٨٠.
(٣) في الأصل: ينفع ويضر. والمثبت من (م).
(٤) المستدرك للحاكم ٤٥٧/١، وشعب الإيمان للبيهقي (٤٠٤٠)، وفيه أبو هارون العبدي؛
قال البيهقي عقب الحديث: أبو هارون العبدي غير قوي، وقال الذهبي في التلخيص:
أبو هارون ساقط. ونقل أبو الحسن بن القطان في بيان الوهم والإيهام ٣٢/٤ عن حماد بن
زيد قوله فيه: كان أبو هارون كذاباً، يروي بالغداة شيئاً، وبالعشي شيئاً.

سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
٤٦٨
الآية : ١٧٣
قيل: ومن هنا يُعلم معنى قوله وَّ: ((الحَجَر يمينُ الله تعالى في أرضه))(١).
والكلام في ذلك شهير.
هذا ومن الناس من ذكر أنَّ الناس بعد أن قالوا: بلى، منهم من سجَدَ
سجدتين، ومنهم من لم يسجُدْ أصلاً، ومنهم من سجد مع الأوَّلين السجدةَ الأولى
ولم يسجد الثانية، ومنهم من عكس، فالصنفُ الأول هم الذين يعيشون مؤمنين
ويموتون كذلك، والثاني هم الذين يعيشون كفاراً ويموتون كذلك، والثالثُ هم
الذين يعيشون مؤمنين ويموتون كفاراً، والرابع هم الذين يعيشون كفاراً ويموتون
مؤمنين. انتهى. وهو كلامٌ لم يشهد له كتابٌ ولا سنةٌ، فلا يعوَّل عليه.
ومثلُه القول بأن بعضاً من القائلين: بلى، قد مَكَرَ بهم(٢) إذ ذاك، حيثُ أظهر
لهم إبليس في ذلك الجمع، وظنوا أنه القائل: ألستُ بربكم؟ فعنَوه بالجواب،
وأولئك هم الأشقياء، وبعضاً تجلَّى لهم الربُّ سبحانه، فعرفوه وأجابوه، وأولئك
هم السُّعداء. وهذا عندي من البطلان بمكان، والذي ينبغي اعتقادُه أنهم كلَّهم
وجَّهوا الجوابَ لربِّ الأرباب. نعم ذهب البعضُ إلى أن البعضَ أجابوا كرهاً،
واستدلُّوا له ببعض الآثار السالفة، وذهب أهلُ هذا القول إلى أنَّ أطفال المشركين
في النار، ومن قال: إنهم في الجنة ذهب إلى أنهم أقرُّوا عند أخذ الميثاق اختياراً،
فيدخلون الجنةَ بذلك الإقرار، والله سبحانه أرحمُ الراحمين.
وإسناد القول في الآية - على بعض الأقوال فيها - إلى ضمير الجَمْع إنما هو
باعتبار وقوعه من البعض؛ فإنَّ وقوعَه من الكلِّ باطلٌ بداهةً، ومثلُ هذا واقعٌ في
الآيات كثيراً .
(١) أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢٩٣)، وابن عدي في الكامل ٣٤٢/١،
ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٤٤)، وفيه إسحاق بن بشر الكاهلي؛ قال ابن
عدي والدارقطني: هو في عداد من يضع الحديث.
وله طريق أخرى عند ابن عساكر ٢١٧/٥٢ غير أن فيها أبا علي الأهوازي، وهو متهم. وله
شاهد لا يفرح به من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية
(٩٤٥)، وفيه عبد الله بن المؤمل؛ شبه المتروك، أحاديثه مناكير. وانظر كلام الذهبي عن
الحديث في السير ٥٢٢/١٩-٥٢٣، وانظر تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط عليه.
(٢) في (م): منهم، وهو تصحيف.

الآية : ١٧٤
٤٦٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: ذلك التفصيلَ البليغَ المستتبِعَ للمنافع الجليلة
نُفَصِّلها لا غير ذلك.
عمَّا هم عليه من الإصرار على الباطل نفعلُ التفصيل
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (َ
المذكور. وقيل: المعنى: ولعلَّهم يرجعون إلى الميثاق الأول، فيذكرونه ويعملون
بمقتضاه، نفعل ذلك.
وأيًّا ما كان فالواو ابتدائية كالتي قبلَها، وجُوِّزَ أن تكون عاطفةً على مقدَّر،
أي: ليقفوا على ما فيها من المرغِّبات والزواجر، أو ليظهَرَ الحقُّ، ولعلَّهم
يرجعون. وقيل: إنها سيفُ خطيبٍ.
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات(١):
قالوا: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن أهل قريةِ الجسد، وهم الرُّوح،
والقلب، والنفس الأمّارة وتوابعُها .
﴿اَلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: مشرفةً على شاطئ بَحْر البشرية.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ﴾ يتجاوزون حدودَ الله تعالى يوم يُحرِّم عليهم تناولَ
بعضِ الملاذِّ النفسانية، والعادي من أولئك الأهل إنَّما هو النفسُ الأمَّارة؛ فإنَّها في
مواسم الطاعات والكفّ عن الشهوات، كشهر رمضان مثلاً، حريصةٌ على تناول
ما نُهِيَتْ عنه، والمرءُ حريصٌ على ما مُنِعَ .
﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ وهي الأمور التي نُهُوا عن تناولها ﴿يَوْمَ سَيْتِهِمْ﴾
الذي أُمِروا بتعظيمه ﴿شُرَّعًا﴾ قريبةَ المأخذ ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ بأن
لا يتهيَّأ لهم ما يريدونه.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نعامِلُهم معاملةَ من يختبرُهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي:
بسبب فِسْقِهم المستمرِّ طبعاً.
قال بعضُهم: ما كان ما قصَّ الله تعالى إلا كحال الإسلاميين من أهل زماننا في
(١) قوله: في الآيات، سقط من (م).

سُوَرَّةُ الأَغَافِ
٤٧٠
التفسير الإشاري (١٦٣ -١٧٤)
اجتماع أنواع الحظوظ النفسانية؛ من المطاعم، والمشارب، والملاهي،
والمناكح، ظاهرةً في الأسواق والمحافل، في الأيام المعظّمة كالأعياد، والأوقات
المباركة كأوقات زيارة مشاهد الصالحين المعلومةِ المشهورةِ بين الناس.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ وهي القلبُ وأتباعه، للأمة الواعظة وهي الروح وأتباعُها:
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا﴾ وهم النفسُ الأمارةُ وقواها ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾
على فعلهم.
﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: نعِظُهم معذرةً إليه تعالى، وذلك أنَّا خُلقنا آمرينَ
بالمعروف، ناهين عن المنكر، فنريد أن نقضيَ ما علينا؛ ليظهَرَ أنَّا ما تغيَّرنا عن
أو صافنا. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ لأنَّهم قابلون لذلك بحسب الفطرة، فلا نيأسُ من
تقواهم.
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ لغلبة الشِّقوة عليهم ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾
وهم الروح والقلب وأتباعهما؛ فإنهم كلَّهم نُهُوا عن ذلك، إلا أن بعضَهم ملَّ،
وبعضهم لم یملَّ.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد، وهو عذابُ حِرْمان قَبول الفيض
﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب تماديهم على الخروج عن الطاعة.
﴿فَمَّا عَنَوْ عَن ◌َّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: أَبَوا أن يتركوا ذلك ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ فِرَدَةً
خَسِئِينَ﴾ أي: جعلنا طباعَهم كطِباعهم، وذلك فوقَ حرمان قَبول الفيض.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ أي: أقسَمَ ﴿لَبَّعَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾ أي: قيامَتِهم.
﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ وهو التجلِّي الجَلاليُّ ﴿سُوَمَ اٌلْعَذَابِ﴾ وهو عذابُ القهر، وذلُّ اتِّباع
الشهوات .
﴿وَقَطّعْنَهُ﴾ أي: فرَّقنا بني إسرائيل الروح ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ أي: أرض البدن.
﴿أُمَمَّاً﴾ جماعاتٍ. ﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾ أي: الكاملون في الصلاح، كالعقل،
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ﴾ فيه، كالقلب. ومن جعَلَ القلبَ أكمَلَ من العقل عكَسَ الأمر.
﴿وَبَلَوْنَهُمْ بِلْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ تجلياتِ الجمال والجلال ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بالفناء
إلينا .

التفسير الإشاري (١٦٣ -١٧٤)
٤٧١
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
﴿وَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ﴾ وهي النفسُ وقواها ﴿وَرِثُواْ الْكِتَبَ﴾ وهو ما ألهَمَ الله
تعالى العقل والقلب ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ وهي: الشهوات الدَّنِيَّة، واللذَّات
الفانية، ويجعلون ما ورثوه ذريعةً إلى أخذ ذلك ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، ولا بدَّ؛ لأنَّا
واصلون کاملون.
وهذا حالُ كثيرٍ من متصوِّفة زماننا؛ فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافتَ
الفَراش على النار، ويقولون: إن ذلك لا يضرُّنا؛ لأنا واصلون.
وحُكي عن بعضهم أنه يأكلُ الحرامَ الصِّرْف، ويقول: إن النفيَ والإثباتَ يَدفع
ضَرَرَهُ، وهو خطأ فاحش، وضلال بَيِّن، أعاذنا الله تعالى وإياكم من ذلك.
وأعظمُ منه اعتقادُ حِلِّ أكلٍ مثل الميتة من غير عذرٍ شرعيٍّ لأحدهم، ويقول:
كلٌّ منَّا بحرٌ، والبحر لا ينجُسُ. ولا يدري هذا الضالُّ أن مَنْ يعتقدُ ذلك أنجسُ من
الكلب والخنزير.
ومنهم مَنْ يَحكي عن بعض الكاملين المكمَّلين من أهل الله تعالى ما يؤيِّد به
دعواه، وهو كذبٌ لا أصلَ له، وحاشا ذلك الكامل(١) مما نُسِب إليه حاشاه.
﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عٌَّ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: إنهم مُصِرُّون على هذا الفعل القبيح.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ﴾ الوارد فيما ألهمَه الله تعالى العقل والقلب ﴿أَن لَّا
يَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَّ الْحَقَّ﴾ فكيف عَدَلوا عنه؟ ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيةٍ﴾ ممَّا فيه رشادُهم. ﴿وَالذَّارُ
اَخِرَةُ﴾ المشتمِلَةُ على اللذَّات الروحانية ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونٌ﴾ عرضَ هذا الأدنى.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبِ﴾ أي: يتمسَّكون بما ألهمَهُ الله تعالى العقلَ والقلبَ
من الحِكَم والمعارف. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ﴾ ولم يألوا جُهداً في الطاعة. ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ
أَخْرَ الْمُصْلِينَ﴾ منهم، وأجرُهم متفاوتٌ حسبَ تفاوتِ الصَّلاح، حتى إنه لَيصِلُ إلى
ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ .
﴿وَإِذْ نَثَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ وهو جبلُ الأمر الربانيِّ والقهر الإلهي ﴿كَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾
غمامةٌ عظيمة. ﴿وَظَنُواْ أَنَّهُ، وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ إن لم يقبلوا أحكامَ الله سبحانه.
(١) في الأصل: الكمال، والمثبت من (م).

سُؤَدَّةُ الأَغَرَافِ
٤٧٢
التفسير الإشاري (١٦٣-١٧٤)
﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ وعزيمة ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ من الأسرار ﴿لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ تنتظمون في سِلْك المتقين على اختلافِ مراتب تَقْواهم.
والكلامُ على قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ إلخ من هذا الباب يُغني عنه
ما ذكرناه خلالَ تفسيره من كلام أهلِ الله تعالى، قدَّس الله تعالى أسرارهم، خلا أنه
ذكر بعضُهم أن أول ذرةٍ أجابَتْ بـ (بلى)) ذرَّةُ النّبِيِّ نَّهِ، وكذا هي أولُ مجيبٍ من
الأرض لمَّا خاطَبَ الله سبحانه السماوات والأرض بقوله جلَّ وعلا: ﴿أَثْنِيَا طَّعًا أَوْ
كُرْهَا قَالَتَاً أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وكانت من تربة الكعبة، وهي أولُ ما خُلِقَ من
الأرض، ومنها دُحِيت كما جاء عن ابن عباس رضيًّا، وكان يقتضي ذلك أن يكون
مَدْفِنه ◌َّهِ بمكة، حيث كانت تربتُه الشريفةُ منها - وقد رووا أن المرء يُدفن حيث
كانت تربتُهُ(١) - ولكن قيل: إن الماءَ لما تموَّج رمَى الزَّبَد إلى النواحي، فوقعت ذرَّة
النبيِّ نَّهَ إلى ما يحاذي مَدْفِنَه الكريم بالمدينة. ويُستفاد من هذا الكلام أنه عليه
الصلاة والسلام هو الأصل في التكوين، والكائناتُ تَبَعٌ له وَّؤ .
قيل: ولكون ذرَّته أُمَّ الخليقة سُمِّ أُمِّيًّا .
وذكر بعضُهم أن الباءَ لكونه أولَ حرفٍ فَتَحت الذرةُ به فمها حين تكلَّمت لم
تزل الأطفالُ في هذه النشأة ينطقون به في أول أمرِهم، ولا بِذْعَ؛ فـ ((كلُّ مولودٍ يولدُ
على الفطرة)) (٢) .
قيل: ولعِظَم ما أودع الله سبحانه وتعالى في الباء من الأسرار افتتح الله تعالى
به كتابه، بل افتتح كلَّ سورةٍ به؛ لتقدُّم البسملة المفتتحة به على كلِّ سورةٍ ما عدا
((التوبة))، وافتتاحُها بـ ((براءة))، وأولُ هذه اللفظة الباءُ أيضاً. ولكون الهمزة - وتُسمَّى
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٥٣١) من حديث ابن عباس، وفي إسناده عمر بن
عطاء بن وراز؛ وهو ضعيف كما في الميزان ٢١٣/٣، وأخرجه كذلك ابن الجوزي في
العلل المتناهية (٣١٠) من حديث ابن مسعود، وضعفه، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد
٢٤/ ٤٠٠ موقوفاً على عطاء الخراساني. وأورد ابن عراق في تنزيه الشريعة ٣٧٣/١-٣٧٤
ما جاء في ذلك من أحاديث.
(٢) سلف تخريجه ص٤٥٤ من هذا الجزء. وهذا القول لا شاهد عليه من كتاب ولا سنة، فضلاً
عن أن یشهد له هذا الحدیث أو يدل عليه.

الآية : ١٧٥
٤٧٣
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
ألفاً - أولَ حرفٍ قَرَعَ أسماعَهم في ذلك المشهد كان أولَ الحروف، لكنه لم يظهر
في البسملة لسرِّ أشرنا إليه أول الكتاب، والله تعالى الهادي إلى صَوْب الصَّواب.
﴿وَآَتْلُ عَلَيَّهِمْ﴾ عطفٌ على المضمر العامل في ((إذ أخذ)) واردٌ على نمط الإنباء عن
الحَوْر بعد الكَوْر(١)، أي: واقرأ على اليهود، أو على قومك كما في ((الخازن))(٢).
﴿وَبَّأَ اَلَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا﴾ أي: خبره الذي له شأن وخطر، وهو - كما روى ابنُ
مردويه وغيره من طرق عن ابن عباس ﴿ًّا - بلعم بن باعوراء(٣)، وفي لفظ: بلعام بن
باعر، وكان من الكنعانيين. وفي رواية عنه، وعن أبي طلحة أنه من بني إسرائيل.
وأخرج ابنُ عساكر(٤) عن ابن شهاب أنه أُمية بنُ أبي الصَّلْت.
وأخرج أبو الشيخ عن الحَبْر أَنه رجلٌ من بني إسرائيل له زوجة تدعى البسوس،
وفي رواية أخرى أخرجها ابنُ أبي حاتم عنه أنه النعمان بنُ صَيْفي الراهب(٥).
وكونه إسرائيليًّا أنسبُ بالمقام كما لا يخفى، والأشهر أنه بلعام أو بلعم، وكان
قد أُوتي علماً ببعض كتب الله تعالى، ودون ذلك في الشهرة أنه أمية، وكان قد قرأ
بعض الكتب.
(١) أي: النقصان بعد الزيادة، وقيل: فساد الأمور بعد صلاحها، وأصله من نقض العمامة بعد
لفها. النهاية في غريب الحديث (حور).
وقد أخرج أحمد (٢٠٧٧١) وغيره من حديث عبد الله بن سرجس أن النبي ◌َّر استعاذ من
الحور بعد الكور.
(٢) تفسير الخازن ٣١١/٢.
(٣) وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم (٨٥٤٧).
(٤) تاريخ دمشق ٢٨٥/٩-٢٨٧ وفيه قصة طويلة.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٨٥٤٤)، وفيه: هو صيفي بن الراهب. وجاء عند الطبرسي في مجمع
البيان ٩ (تتمة)/ ٦٥: أبو عامر بن النعمان بن صيفي الراهب؛ والذي ذكره أهل السير في
اسمه أنه أبو عامر عبد عمرو - ويقال: عمرو - بن صيفي بن النعمان، وكان يقال له:
الراهب لما سيذكره المصنف قريباً، فسماه النبيُّ وَّر: الفاسقَ، وهو والد الصحابي
المشهور حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة. الاستيعاب ٩٢/٣، والإصابة ٢٨٩/٢.
وانظر ما سيورده المصنف قريباً من قصته مع النبي أَيّ.

سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
٤٧٤
الآية : ١٧٥
﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: من تلك الآيات انسلاخَ الجِلْد من الشاة، والمراد أنه
خرج منها بالكلِّية بأن كفر بها، ونَبَذها وراءَ ظهره.
وحقيقةُ السَّلخ: كشط الجلد وإزالتُه بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكلِّ شيءٍ
فارق شيئاً على أتمٍّ وجه: انسلَخَ منه، وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة،
واستأنس بعضُهم بهذه الآية لأنَّ العلم لا يُنزع من الرجال حيث قال سبحانه
وتعالى: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾، ولم يقل عزَّ شأنه: فانسلخَتْ منه.
﴿فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقه وأدركه - كما قال الراغب - بعد أن لم يكن
مدركاً له، لسبقه بالإيمان والطاعة(١). وقال الجوهريُّ(٢) يقال: أَتْبَعْتُ القوم: إذا
سبقوكَ فلحقتَهم، وكأنَّ المعنى: جعلتُهم تابعين لي بعدما كنتُ تابعاً لهم، وفيه
حينئذٍ مبالغةٌ في اللُّحوق؛ إذ جُعل كأنه إمامٌ للشيطان والشيطانُ يتبعُه، وهو من الذمِّ
بمکان، ونظيره في ذلك قوله:
وكان فتى من جندٍ إبليس فارتقى
به الحالُ حتى صارَ إبليس من جنده (٣)
وصرَّح بعضُهم بأن معناه: استتبَعَه، أي: جعلَه تابعاً له، وهو - على ما قيل -
متعدٍّ لمفعولين حُذف ثانيهما، أي: أَتْبَعَه خطواته.
وقرئ: ((فاتَّبَعه)) من الافتعال (٤).
١٧٥
فصار من زمرة الضالِّين الراسخين في الغواية بعد أن
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ
كان مهتدياً .
(١) المفردات (تبع).
(٢) في الصحاح (تبع).
(٣) البيت في ثمار القلوب للثعالبي ص٦٩ من غير نسبة، ونسبه الرازي في تفسيره ١١٧/١٨ إلى
الخوارزمي، ونسبه في الصواعق المرسلة ص ٢٢٥ إلى الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني،
وروايته عندهم :
بي الحال حتى صار إبليس من جندي
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى
ويتلوه في بعض المصادر:
فلو ماتَ قبلي كنت أُحْسِنُ بعده طرائقَ فسق ليس يُحسنُها بعدي
(٤) قرأ بها الحسن وطلحة بخلاف عنه. البحر المحيط ٤٢٣/٤، والدر المصون ٥١٥/٥.

الآية : ١٧٥
٤٧٥
سُورَةُ الأَّعْرَافِ
وكيفيةُ ذلك على القول بأنه بلعام: أنَّ موسى عليه السلام لمَّا قصَدَ حرب
الجبّارين أتى قومُ بلعام إليه، وكان عنده اسمُ الله تعالى الأعظم، فقالوا له: إنَّ
موسى رجل حديد، وإن معه جنوداً كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من أرضنا، فادع الله
تعالى أن يردّه عنّا. فقال: ويلَكم نبيُّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون، فكيف أدعو
عليهم وأنا أعلم منَ الله تعالى ما أعلم؟! وإني إن فعلتُ ذهبتْ دنيايَ وآخرتي.
فألحُّوا عليه، فقال: حتى أؤامِرَ ربي، فأُتي في المنام وقيل له: لا تفعَلْ، فأخبر
قومَه، فأهدَوا له هديةً فقبِلَها، ولم يزالوا يتضرَّعون إليه حتى فتنوه، فجعل يدعو على
موسى عليه السلام وقومِه، إلا أنَّ الله تعالى جعل يصرفُ لسانَه إلى الدعاء على قومِهِ
نفسِه، فقالوا له: يا بلعام، أتدري ما تصنعُ؟ إنك لتدعو علينا! فقال: هذا أمرٌ قد
غلبَ الله تعالى عليه، فاندَلَع لسانُه ووقع على صدرِهِ، فقال: يا قوم، قد ذهبت مني
الدنيا والآخرة، ولم يبقَ إلا المكرُ والحيلة، جَمِّلوا النساءَ، وأرسلوهنَّ، وأمُروهنَّ
أن لا يمنعنَ أنفسهنَّ؛ فإنَّ القوم سَفَرٌ، وإن الله سبحانه وتعالى يكره الزنا، وإنْ هم
وقعوا فيه هلَكوا، ففعلوا ذلك، فافتُيِّنَ زمري بنُ شلوم رأسُ سِبْط شمعون بن يعقوب
بامرأة منهنَّ تسمَّى كستى بنت صور، فنهاه موسى عليه السلام عن الفاحشة، فأبى،
وأدخلَها قُبَّته وزنى بها، فوقع فيهم الطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفاً، ولم يرتَفعْ
حتى قتلَهما فنحاص بن العيزار بن هارون، وكان غائباً أول الأمر.
وعن مقاتل أنَّ ملك البَلْقاء قال له: ادْعُ الله على موسى، عليه السلام. فقال: إنه
من أهل ديني، ولا أدعو عليه، فَنَصَبَ له خشبةً ليصلِيَه عليها، فدعا بالاسم الأعظم
أن لا يُدخِلَ الله موسى المدينةَ، فاستُجيب له، ووقع بنو إسرائيل في التِّيه، فقال
موسى: يا رب بأي ذنب هذا؟ فقال سبحانه: بدعاء بلعام، فقال: ربِّ كما سمعتَ
دعاءَه عليَّ، فاسمَعْ دعائي عليه، فدعا اللهَ جلَّ شأنه أن ينزعَ عنه الاسم الأعظم
والإيمان، فنزع اللهُ عنه المعرفةَ، وسلَخَه منها، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء.
ورُدَّ هذا بأن التيه كان روحاً وراحةً لموسى عليه السلام، وإنما عُذِّب به بنو
إسرائيل، وقد كان ذلك بدعائه عليه السلام، على أنَّ في الدعاء بسلبِ الإيمان
مقالاً(١).
(١) أورد الخازن فى تفسيره ٣١٢/٢-٣١٣ هذا الإشكال، وهو أنه كيف يجوز لموسى عليه
:

سُورَةُ الأَغَرَافِ
٤٧٦
الآية : ١٧٥
وأنا أعجب لِمَ لم يدعُ هذا الشقيُّ بالاسم الأعظم الذي كان يعلَمُه على ملك
البَلقاء ليخلُصَ من شرِّه، ودعا على موسى عليه السلام؟! ما هي إلا جهالةٌ سوداء.
وجاء في كلام أبي المعتمر أنه كان قد أُوتي النبوةَ، ويردُّه أنَّ الأنبياء عليهم
السلام لا يجوز عليهم الكفرُ عند أحدٍ من العقلاء، وكأنَّ مرادَه من النبوة ما أُوتِيَهُ
من الآيات، وذلك كقوله وَلَّ: ((مَنْ حفظ القرآنَ فقد طوى النبوَّةَ بين جَنْبيه))(١).
وأخرج ابنُ المنذر عن مالك بن دينار أنه كان من علماء بني إسرائيل، وكان
موسى عليه السلام يُقدِّمُه في الشدائد ويكرمه(٢)، ويُنعِم عليه، فبعثه إلى ملك مَدْيَنَ
يدعوهم إلى الله تعالى، وكان مجابَ الدعوة، فترَكَ دين موسى عليه السلام واتَّبع
دينَ الملك(٣). وهذه الروايةُ عندي أولى مما تقدَّم بالقَبول.
وأما على القول بأنه أُميَّة فهو أنه كان قد قرأ الكتبَ القديمة وعلِمَ أنَّ الله تعالى
مرسلٌ رسولاً، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فاتفَقَ أن خرج إلى البحرين، وتنبّأ
رسولُ الله ◌ََّ، فأقام هناك ثماني سنين، ثم قدِمَ فلقي رسولَ الله وَّر في جماعة من
أصحابه، فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه سورةَ (يس))، حتى إذا فرغ منها وثَبَ أميةٌ
يجرُّ رجليه، فتبعته قريشٌ تقول: ما تقول يا أُمية؟ فقال: أشهد أنه على الحقِّ.
قالوا: فهل تَتَّبعه؟ قال: حتى أنظُرَ في أمرِه، فخرج إلى الشام، وقدم بعد وقعة بدرٍ
يريدُ أن يُسلم، فلما أُخبر بها ترَكَ الإسلام، وقال: لو كان نبيًّا ما قَتَل ذَوِي قرابته،
فذهب إلى الطائف ومات به، فأتت أخته الفارعةُ إلى رسول الله بَّ، فسألها عن
وفاته، فذكرت له أنه أنشد عند موته:
صائرٌ مرةً إلى أن يزولا
كلُّ عيشٍ وإن تطاوَلَ دهرا
في قلال الجبال أرعى الوُعُولا
ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي
= السلام - مع علو منصبه في النبوة - أن يدعو على إنسان بالكفر بعد الإيمان، أو يرضى له
بذلك؟ ثم أجاب رحمه الله عن ذلك بأجوبة أولها وأهمها: منع صحة هذه القصة، لأنها من
الإسرائيليات، ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخبار إذا خالف الأصول.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٤٤)، والحاكم في المستدرك ٥٥٢/١ عن عبد الله بن عمرو
(٢) تحرفت في (م) إلى: يكرهه.
(٣) الدر المنثور ١٤٦/٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٦١٨/٥.

الآية : ١٧٥
٤٧٧
سُورَةُ الأَغْرَافِ
شابَ فيه الصغيرُ يوماً ثقيلا (١)
إنَّ يومَ الحساب يومٌ عظيم
ثم قال لها عليه الصَّلاة والسلام: ((أنشديني من شعر أخيك))، فأنشدَتْه:
ولا شيءَ أعلى منك جَدّاً وأمجدُ
لك الحمدُ والنَّعماءُ والفضلُ ربَّنا .
لعزَّته تعنو الوجوهُ وتسجُدُ
مليكٌ على عرش السماء مهیمنٌ
من قصيدةٍ طويلة أَتَتْ على آخرها (٢)، ثم أنشدته قصيدته التي يقول فيها:
وقَفَ الناسُ للحساب جميعاً فشقيٌّ معذَّبٌ وسعيدُ(٣)
والتي فيها (٤):
يعلمُ الجهرَ والسِّرار الخفيًّا
عند ذي العرش يُعرضون عليه
إنه كان وعدُه مَأْتِيًّا
يوم يأتي الرحمنُ وهو رحيمٌ
أو تعاقِبْ فلم تعاقِبْ بَرِيًّا
ربِّ إن تعفُ فالمعافاةُ ظني
فقال رسول الله وَله: ((إنَّ أخاك آمَنَ شعرُه وكفَرَ قلبُه))(٥). وأنزل الله تعالى
الآية.
وأما على القول بأنه النعمانُ(٦)، فهو أنه كان قد ترهَّبَ في الجاهلية ولبِسَ
المُسُوحَ، فقدم المدينةَ فقال للنبيٍّ وَلِّ: ما هذا الذي جئتَ به؟ فقال عليه الصلاة
(١) ديوان أمية ص٩٦ -٩٧.
(٢) القصيدة في ديوانه ص٣٨ وما بعدها .
(٣) جاء هذا البيت في ديوانه ص ٦٠ مفرداً، وأورده الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٦٥
على أنه من قصيدة لأمية، كما ذكر المصنف.
(٤) القصيدة في ديوانه ص١٥٥ - ١٥٦ .
(٥) أخرج القصّة ابن عساكر في تاريخه ٢٨٢/٩ عن سعيد بن المسيب مرسلة. وأخرج كذلك
في تاريخه ٩/ ٢٧٢ قول النبي ◌َّ فيه: ((آمن شعره وكفر قلبه)) من حديث ابن عباس رق ◌ُه،
وضعف سنده العجلوني في كشف الخفاء ١٩/١، وكذلك أخرجه ابن عبد البر في التمهيد
٧/٤، وله شاهد عند مسلم (٢٢٥٥) من حديث عمرو بن الشريد، ولفظه: ((فلقد كاد يسلم
في شعره)). ومن حديث أبي هريرة عند مسلم كذلك (٢٢٥٦) (٣) أن رسول الله وَ لي قال:
((أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكاد أمية بن
أبي الصلت أن يسلم)).
(٦) انظر ما سلف قريباً من التعليق على اسمه.

سُورَةُ الْأَّغَافِ
٤٧٨
الآية : ١٧٥
والسلام: ((الحنيفيةُ دينُ إبراهيم)) عليه السلام. قال: فأنا عليها، فقال عليه الصَّلاة
والسلام: ((لستَ عليها، ولكنَّك أدخلتَ فيها ما ليس منها)). فقال: أماتَ اللهُ تعالى
الكاذبَ منَّا طريداً وحيداً. ثم خرج إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا
السلاح، ثم أتى قيصَرَ، وطلب منه جنداً ليُخرِجَ النبيَّ وَّر من المدينة، فمات
بالشام طريداً وحيداً(١).
وأما على القول بأنه زوجُ البَسُوس، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم، وأبو الشيخ عن
ابن عباس ﴿ًا أنه رجلٌ أُعطي ثلاثَ دعوات مستجابات، وكانت له امرأةٌ تدعى
البسوس له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدةً. قال: فما الذي تريدين؟
قالت: ادعُ الله تعالى أن يجعلني أجملَ امرأةٍ في بني إسرائيل. فدعا الله تعالى،
فجعلها أجملَ امرأةٍ فيهم، فلما عِلِمَتْ أن ليس فيهم مثلُها رغبَتْ عنه، وأرادت شيئاً
آخر، فدعا الله تعالى أن يجعلها كلبةً، فصارت كلبةً، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها
فقالوا: ليس بنا على هذا قرارٌ، قد صارت أُمُّنا كلبةً يُعيِّرنا الناس بها، فادعُ الله
تعالى أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا فعادت كما كانت، فذهبت
الدعواتُ الثلاثُ فيها(٢). ومن هنا يقال: أشأمُ من البسوس.
وفي ((الخازن)) أن البسوس اسمٌ لذلك الرجل(٣)، وليس بشيء.
وهذه الروايةُ لا يساعد عليها نظمُ القرآن الكريم كما لا يخفى. والذي نعرفه أن
البسوس التي يُضرب بها المثلُ هي بنتُ منقذ التميمية خالةُ جسَّاس بن مرة بن ذُهْل
الشَّيباني قاتل كُلَيب، وفي قصَّتها طولٌ، وقد ذكرها الميدانيُّ(٤) وغيرُه.
وعن الحسن وابن كَيْسان أن المراد بهذا الذي أُوتي الآيات فانسلخ منها منافقو
أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيَّ وَّر كما يعرفون أبناءهم، ولم يؤمنوا به وَّل
إيماناً صحيحاً، ويُبعِدُ ذلك إفرادُ الموصول.
(١) قصته مذكورة في سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤-٥٨٥، وسبل الهدى والرشاد ٦١١/٣ -٦١٢.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٦١٧/٥-١٦١٨، وفي إسناده أبو سعد الأعور سعيد بن المرزبان،
وهو ضعيف.
(٣) تفسير الخازن ٣١٣/٢.
(٤) في مجمع الأمثال ١/ ٣٧٤.

الآية : ١٧٦
٤٧٩
سُوَّةُ الأَّغَافِ
وعن قتادة أن هذا مَثَلٌ لمن عُرِض عليه الهدى واستعدَّ له، فأعرض عنه وأبى
أن يقبَلَه، وفيه بعدٌ، ومخالفةٌ للروايات المشهورة.
وأوهنُ الأقوال عندي قولُ أبي مسلم: إن المراد به فرعونُ، والمرادُ بالآيات
الحُجَجُ والمعجزات الدالَّةُ على صِدْق موسى عليه السلام، وكأنه قيل: واتل عليهم
نبأَ فرعونَ إذ آتيناه الحججَ الدالّة على صدق موسى عليه السلام، فلم يقبَلْها.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَفَعْنَهُ بِهَا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان ما ذُكِر من الانسلاخ
وما يتبَعُه، وضمير ((رفعناه)) لـ ((الذي))، وضميرُ ((بها)) للآيات، والباءُ سببية، ومفعولُ
المشيئة محذوفٌ هو مضمون الجزاء، كما هو القاعدة المستمرة، أي: لو شئنا رَفْعَه
لرفعناه إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات والعمل بما فيها، وقيل: الضمير
المنصوبُ للكفر المفهوم من الكلام السابق، أي: لو شئنا لأزلنا الكفرَ بالآيات،
فالرفعُ من قولهم: رفَعَ الظلمَ عنَّا، وهو خلافُ الظاهر جدًّا، وإن رُوي عن
مجاهد، ومثله - بل أبعدُ وأبعدُ - ما نُقِلَ عن البَلْخِيِّ والزجَّاج من إرجاع ضمير ((بها))
للمعصية(١).
﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: رَكَن إلى الدُّنيا ومالَ إليها، وبذلك فسَّره
السُّدي وابن جبير. وأصلُ الإخلاد اللزومُ للمكان، من الخلود، ولما في ذلك من
المَيْلِ فُسِّر به، وتفسيرُ ((الأرض)) بالدنيا؛ لأنها حاويةٌ لملاذِّها وما يُطلب منها.
وقال الراغب: المعنى: ركَنَ إلى الأرض ظانًّا أنه مخلَّدٌ فيها(٢). وفسَّر غيرُ واحد
((الأرض)) بالسّفالة(٣).
﴿وَأَتَّبَعَ هَوَئِهُ﴾ في إيثار الدنيا، وأعرض عن مقتضى تلك الآيات الجليلة.
(١) كذا حكى المصنف عن البلخي والزجاج، وما نقله عنهما الطبرسي في مجمع البيان
٩ (تتمة)/ ٦٦ - وعنه أخذ الآلوسي رحمه الله فتصرف في عبارته - لا يؤدي المعنى الذي أفاده
كلام المصنف، بل إن ما حكاه الطبرسي مطابق لما ذكره الزجاج في بيان معنى الآية، فقد
قال في معاني القرآن ٣٩١/٢: أي: ولو شئنا أن نحول بينه وبين المعصية لفعلنا.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (خلد).
(٣) السُّفالة بالضم: نقيض العلو، وبالفتح: النَّذَالة. الصحاح: (سفل)، وانظر حاشية الشهاب
٢٣٦/٤.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٨٠
الآية : ١٧٦
وفي تعليق الرفع بالمشيئة، ثم الاستدراك عنه بفعل العبد، تنبيهٌ - كما قال ناصرُ
الدين - على أن المشيئةَ سببٌ لفعله المؤدِّي إلى رفعه، وأن عدَمَه دليلُ عدمها دلالةً
انتفاء المسبّب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقيَّ هو المشيئة، وأن ما نشاهده
من الأسباب وسائطُ معتبرةٌ في حصول المسبَّب من حيثُ إنَّ المشيئةَ تعلَّقت به
كذلك، وكان من حقِّه - كما قال - أن يقول: ولكنه أعرَضَ عنها، فأوقع موقِعَه
ما ذُكر مبالغةً؛ لأنَّه كنايةٌ عنه، والكناية أبلغُ من التصريح، وتنبيهاً على ما حمَلَه
عليه، وأن حبَّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة(١).
وما ألطّفَ نسبةً إتيان الآيات والرفع إليه تعالى، ونسبةَ الانسلاخَ والإخلاد إلى
العبد، مع أن الكلَّ من الله تعالى؛ إذ فيه من تعليم العباد حُسْنَ الأدب ما فيه، ومن
هنا قال ◌َّ: ((اللهم إنَّ الخير بيديك، والشرُّ ليس إليك))(٢).
والزمخشريُّ(٣) لما رأى أنَّ ظاهر الآية مخالفٌ لمذهبه، دالٌّ على وقوع
الكائنات بمشيئة الله تعالى، أخلَدَ إلى التأويل، فجعل المشيئةَ مجازاً عن سببها،
وهو لزومُ العمل بالآيات، بقرينةِ الاستدراك بما هو فعلُ العبد المقابِلُ للزوم
الآيات وهو الإخلادُ إلى الأرض، أي: ولو لزِمَها لرفعناه، وهو من قبيل نَزْع
الخفّ قبل الوصول إلى الماء، والمصيرِ إلى المجاز قبل أوانه؛ لجواز أن يكون «لو
شئنا)) باقياً على حقيقته، و((أخلد إلى الأرض)) مجازاً عن سببه الذي هو عدمُ مشيئة
الرفع بل الإخلاد، ولم يعتمد على عكازته؛ لفوت المقابلة حينئذٍ(٤).
وفي ((الكشف)) أن حمل المشيئة على ما هي مسبَّة عنه في زعمه ليس أولى من
حمل الإخلاد على ما هو مسبَّبٌ عنه في زعمنا، كيف وقولُه سبحانه وتعالى: ((ولو
شئنا)) استدراكٌ لقوله: ((فانسلخ منها)»؟ على أن الإخلاد هو الميل، والإرادة والميل
ونحوهما من المعاني ليست من أفعال العباد بالاتفاق. نعم الجزمُ المقارنُ من فعل
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٣٦/٤.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٨٠٣)، ومسلم (٧٧١) (٢٠١) من حديث علي ظه، في سياق
حديث طويل فيما كان يدعو به وَّة في الصلاة.
(٣) في الكشاف ١٣٠/٢-١٣١.
(٤) أي: لأن الاستدراك بقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ، أَخْلَدَ﴾ لا يلائمه ويعني بالاعتماد على عكازته: حَمْلَ
المشيئة على مشيئة القسر والإلجاء. حاشية الشهاب ٤/ ٢٣٧ .