النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ١٦٩
٤٤١
سُورَةُ الأَعْرَافِ
والعَرَض: ما لا ثباتَ له، ومنه استعارَ المتكلِّمون العَرَض لمقابِلِ الجَوْهر.
وفي ((النهاية)): العَرَض بالفتح: متاعُ الدُّنيا وحُطامُها(١). وقال أبو عُبَيدة: هو غيرُ
الَّقدين من متاعها، وبالسُّكون: المال والقِيَم.
و((الأدنى)) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: الشيء الأدنى، والمراد به الدُّنيا، وهو من
الدنوِ؛ للقرب بالنسبة إلى الآخرة، وكونُها من الدناءة خلافُ الظاهر - وإن كان ذلك
ظاهرًا فيها - لأنه مهموزٌ، والمراد بهذا العرض: ما يأخذونَه من الرِّشا في
الحكومات، وعلى تحريف الكلام.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ولا يؤاخِذُنا الله تعالى بذلك، ويتجاوزُ عنَّا. والجملةُ
عطفٌ على ما قبلَها، واحتمالُ الحالية يحتاجُ إلى تقديرٍ مبتدأ من غير حاجةٍ
ظاهرة، والفعلُ مسندٌ إلى الجارِّ والمجرور، وجُوِّز أن يكون مسندًا إلى ضمير
((يأخذون)).
﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عٌَ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ في موضع الحال، قيل: من ضمير ((يقولون))،
والقولُ بمعنى الاعتقاد، أي: يرجون المغفرةَ وهم مُصِرُّون على الذنب، عائدون
إلى مثله، غيرَ تائبين عنه. وقيل: من ضمير ((لنا))، والمعنى على نحو ذلك، والأول
أظهر. والقول بأن تقييد القول بذلك لا يستلزمُ تقييدَ المغفرة به، والمطلوب الثاني،
والثاني متكفّلٌ = لا يخلو عن نَظَر.
واختار الحَلبيُّ(٢) والسَّفاقُسيُّ أن الجملة مستأنفةٌ، لا لأنَّ الجملة الشرطية
لا تقعُ حالاً؛ إذ وقوعُها ممَّا لا شكَّ في صحَّته، بل لأنَّ في القول بالحالية نزغةٌ
اعتزاليةٌ، ولا يخفى أن الأمر وإن كان كذلك إلا أنَّ الحالية أبلغُ؛ لأنَّ رجاءهم
المغفرةَ في حالٍ يضادُّها أوفقُ بالإنكار عليهم، فافهم.
﴿أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ اَلْكِتَبِ﴾ أي: الميثاق المذكور في التوراة، فالإضافةُ على
معنى في، ويجوزُ أن تكون اختصاصيةً على معنى اللام، ويؤولُ المعنى إلى ما ذُكِر،
و((أل)) في ((الكتاب)) للعهد.
(١) النهاية (عرض).
(٢) في الدر المصون ٥٠٤/٥ .
٠٠

سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
٤٤٢
الآية : ١٦٩
وقوله سبحانه: ﴿أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطفُ بيانٍ للميثاق، وقيل: بدلٌ
منه، وقيل: إنَّه مفعولٌ لأجله، وقيل: إنه متعلِّق بـ ((ميثاق)) بتقدير حرف الجرِّ، أي:
بأن لا يقولوا، وجُوِّز في ((أن)) أن تكون مصدرية، وأن تكون مفسِّرة لـ ((ميثاق)»، لأنه
بمعنى القول، وفي ((لا)) أن تكون ناهيةً، وأن تكون نافيةً، واعتبار كلٌّ مع ما يصحُّ
معه مفوّضٌ إلى ذهنك.
والمراد من الآية توبيخُ أولئك الورثة على بَنِّهم القولَ بالمغفرة مع إصرارهم
على ما هم عليه. وعن ابن عباس ﴿يا أنهم وُبِّخوا على إيجابهم على الله تعالى
غفرانَ ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها، وجاء البتُّ من السِّين؛
فإنها للتأكيد كما نصَّ عليه المحقّقون.
وقد عرَّض الزمخشريُّ - عامَلَه الله تعالى بَعْدلِه - في تفسير هذه الآية بأهل
السنة، وزعم أنَّ مذهبَهم هو مذهبُ اليهود بعينه(١)، حيث جوَّزوا غفرانَ الذنب من
غير توبةٍ، ونقل عن التوراة: من ارتكب ذنبًا عظيمًا فإنه لا يُغفر له إلا بالتوبة.
وأنت تعلمُ أن اليهود أكَّدوا القول بالغُفران، وأهلُ السُّنة لا يَجْزِمون بالغُفران في
المطيع، فضلاً عن العاصي، بما هو حقُّ الله تعالى، فضلاً عمَّن عصاه سبحانه فيما
هو من حقوق العباد، فالموجبون على الله تعالى وإن كان بالنسبة إلى التائب أقربُ
إليهم، فهل ما ادَّعاه إلَّا من قبيل ما جاء في المثل: رَمَتْني بدائها وانسلَّتْ(٢)؟!
وما نقله عن التوراة إن كان استنباطًا من الآية، فلا تدلُّ - على ما في
((الكشف)) - إلا على تحريفهم ما في التوراة من نعتِ النبي ◌َّ، وآيةِ الرَّجم، ونحوِ
ذلك من تسهيلاتهم على الخاصَّة، وتخفيفاتهم على العامَّة، يأخذون الرِّشا بذلك،
والتقوُّلُ على الله عظيمةٌ، وإن كان قد قرأ التوراةَ التي لم تُحرَّف، وأنها هي، تعيّن
الحملُ على الشِّرك بقواطعَ من كتاب الله تعالى الكريم، أو يكون ذلك لهم، وهذا
لهذه الأمة المرحومة خاصَّةً، وقد سلَّم هو نحوًا منه في قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرْ
لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾(٣).
(١) وعبارته في الكشاف ١٢٨/٢: والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه.
(٢) مثل يضرب لمن يُعيِّر صاحبه بعيب هو فيه. مجمع الأمثال ٢٨٦/١.
(٣) جزء من الآية (٣١) من سورة الأحقاف، والآية (٤) من سورة نوح، والزمخشريُّ إنما تكلم
=

الآية : ١٦٩
٤٤٣
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
وقد أطبق أهلُ السنة على ذمِّ المتمنِّي على الله، ورَوَوا عن شدَّاد بن أوسِ أنَّ
رسول الله وَّه قال: ((الكيِّس من دان نفسَه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبَعَ
نفسَه هواها وتمنَّى على الله تعالى))(١).
ومن هنا قيل: إن القوم ذُّوا بأكلهم أموال الناس بالباطل، وإتباعٍ أنفسِهم
هواها، وتمنِّهم على الله سبحانه، ووُبِّخوا على افترائهم على الله في الأحكام التي
غيَّروها وأخذوا عَرَضَ هذا الأدنى على تغييرها، فكأنه قيل: ألم يُؤْخَذْ عليهم
الميثاقُ المذكورُ في كتابهم أن لا يقولوا على الله تعالى في وقتٍ من الأوقات
إلا الحقَّ الذي تضمَّنه الكتابُ؟ فلِمَ حكموا بخلافه، وقالوا: هو من عند الله -
وما هو من عند الله - ليشتروا به ثمنا قليلاً؟ وفيه مع مخالفته لما رُوي عن الحَبْر
مخالفةٌ للظاهر.
وقرأ الجَحْدريُّ: ((أن لا تقولوا)) (٢) بالخطاب على الالتفات.
﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيةٍ﴾ أي: قرؤوه، فهم ذاكرون لذلك، وهو عطفٌ على ((ألم يُؤخذ))
من حيث المعنى، وإن اختلفا خبرًا وإنشاءً؛ إذ المعنى: أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتاب
ودَرَسوا .. إلخ.
وجُوِّز كونُه عطفًا على ((لم يُؤخذ)»، والاستفهامُ التقريريُّ داخلٌ عليهما، وهو
خلافُ الظاهر، أو على ((ورثوا))، وتكون جملة ((ألم يُؤخذ)) معترضةً، وما قبلها
حالية، أو يكون المجموع اعتراضًا كما قيل، ولا مانع منه، خلا أنَّ الطبرسيَّ نقل
عن بعضهم تفسير ((درسوا)) على هذا الوجه من العطف بـ: تركوا وضيَّعوا(٣)، وفيه
بعدٌ.
= عن ذلك عند تفسير قوله تعالى في الآية (١٠) من سورة إبراهيم: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن
ذُنُوبِكُمْ﴾، وأورد ما جاء في كتاب الله مما يتعلق بالمسألة، ومنه ما أورده المصنف.
(١) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وفيه أبو بكر بن
أبي مريم؛ قال فيه الحافظ في التقريب: ضعيف، وكان قد سُرِق بيته فاختلط. قلنا: ومع
ذلك قال الترمذي عقب الحديث: هذا حديث حسن.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٧، والبحر ٤/ ٤١٧.
(٣) مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٥٧ .

سُوَرَّةُ الأَغْرَافِ
٤٤٤
الآية : ١٧٠
وقيل: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ((يقولوا)) بإضمار قد، أي: أُخِذ
عليهم ميثاقُ الكتاب بأن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ الذي تضمَّنه كتابُهم في حال
دراستهم ما فیه وتذگرهم له. وهو كما ترى.
وقرأ السُّلَميُّ: ((ادَّارسوا)) بتشديد الدال وألف بعدها (١)، وأصلُه تدارسوا،
فأُدغمت التاء في الدال، واجتُلبت لها همزةُ الوصل.
﴿وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَنَّقُونُ﴾ الله تعالى ويخافون عقابَه، فلا يفعلون ما فعل
هؤلاء.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (3َ﴾ فتعلَّموا ذلك، ولا تستبدلوا الأدنى المؤذِّي إلى العذاب
بالنعيم المقيم، وهو خطابٌ لأولئك المأخوذ عليهم الميثاق، الآخذين لعَرَض هذا
الأدنى.
وفي الالتفات تشديدٌ للتَّوبيخ، وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين، ولا التفاتَ فيه.
وقرأ جمعٌ بالياء على الغَيبة، وبالتاء قرأ نافعٌ وابنُ عامر وابنُ ذَكوان وأبو جعفر
وسَهْل ويعقوبُ وحفصٌ(٢).
وهذه الآيةُ ظاهرةٌ في التوبيخ على الأخذ، وجعل بعضُهم قوله سبحانه: ﴿أَلَـ
يُؤْخَذْ عَلَيْهِم﴾ إلخ توبيخًا على ذلك القول، ففي الآية ما هو من قبيل ما فيه اللفُّ
والنَّشر.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبِ﴾ أي: يتمسَّكون به في أمور دينهم. يقال: مَسَكَ
بالشيء وتمسّك به بمعنّی.
قال مجاهد وابنُ زيد: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام
وأصحابه، تمسَّكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام، فلم يُحرِّفوه، ولم
يكتُموه، ولم يتَّخِذوه مأكلةً.
وقال عطاء: هم أمةُ محمد نَّهِ. والمراد من ((الكتاب)) القرآنُ الجليل الشأن.
(١) المحتسب ٢٦٧/١، وزاد أبو حيان ٤/ ٤١٧ نسبتها إلى علي
(٢) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢، ولم نقف على من نسب هذه القراءة إلى سهل.

الآية : ١٧٠
٤٤٥
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
وقرأ أبو بكر وحمَّاد: ((يُمْسِكون))(١) بالتخفيف من الإمساك، وابنُ مسعود:
(استمسكوا))(٢)، وأبيٍّ: ((مَسَّكوا))(٣)، وفي ذلك موافقةٌ لقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُواْ
الصَّلَوَةَ﴾، ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن التمسُّك أمرٌ مستمرٌّ في جميع
الأزمنة، بخلاف الإقامة؛ فإنها مختصَّة بالأوقات المخصوصة، وتخصيصُها بالذِّكر
من بين سائر العبادات مع دخولها في التمسُّك بالكتاب؛ لإنافتها عليها(٤)؛ لأنها
عماد الدين.
ومحلُّ الموصول إمَّا الجرُّ عطفًا على ((الذين يتقون))، وقولُه تعالى: ((أفلا
تعقلون)) اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله، والاعتراضُ قد يُقْرَنُ بالفاء، كقوله:
فاعلم فعِلْمُ المرءِ ينفعُهُ أَنْ سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِرا(٥)
وإمَّا الرفعُ على الابتداء، والخبرُ قوله سبحانه: ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِينَ
والرابطُ إمَّا الضميرُ المحذوف كما هو رأي جمهور البصريين، أي: أجرَ المصلحين
منهم، وإمَّا الألفُ واللام كما هو رأي الكوفيين؛ فإنها كالعوض عن الضمير، فكأنه
قيل: مُصْلِحيهم، وإمَّا العموم في ((المصلحين))؛ فإنه - على المشهور - من الروابط،
ومنه: نِعْم الرجلُ زيدٌ، على أحد الأوجه، أو وُضِعَ الظاهرُ موضع المضمر بناءً
على أنَّ الأصل: لا نُضِيع أجرهم، إلا أنه غُيِّرَ لِمَا ذُكِر تنبيهًا على أن الصَّلاحِ
كالمانع من التضييع؛ لأن التعليق بالمشتقِّ يُفيد عِلِّيةَ مأخذ الاشتقاق، فكأنَّه قيل:
لا نضيع أجرَهم لصلاحهم (٦).
(١) التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٣/٢، ولم نقف على من نسب هذه القراءة إلى حماد.
(٢) البحر المحيط ٤١٨/٤، والدر المصون ٥٠٩/٥ .
(٣) قراءة أُبيِّ هذه في الكشاف ٢/ ١٢٨، غير أن أبا حيان في البحر ٤١٨/٤، والسمين في الدر
٥٠٩/٥، وابن عادل في اللباب ٩/ ٣٧٤ نسبوا إليه أنه قرأ: ((تمسّكوا)).
(٤) أي: لشرفها على سائر العبادات. انظر تفسير أبي السعود ٢٨٨/٣، وحاشية الشهاب
٠٢٣٣/٤
(٥) البيت في معاهد التنصيص ٣٧٧/١، وسلف ٤٢٨/١.
(٦) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٢٣٣/٤ - ومنه أخذ المصنف -: تنبيهًا على أن
الإصلاح كالمانع ... لا نضيع أجرهم؛ لإصلاحهم. اهـ. وهو الأقرب.

سُوْدَّةُ الأَغْرَافِ
٤٤٦
الآية : ١٧١
وقيل: الخبر محذوفٌ، والتقدير: والذين يمسِّكون بالكتاب مأجورون أو
مثابون. وقوله سبحانه: ((إنا لا نضيع)) إلخ حينئذٍ(١) اعتراضٌ مقرِّر لما قبله.
﴿وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ عطفٌ على ما قبلُ بتقدير: اذكر.
والنَّتقُ: الرفع كما رُوي عن ابن عباس، وإليه ذهب ابنُ الأعرابيِّ. وعن
أبي مسلم أنه الجَذْب، ومنه نتقتُ الغَرْبَ(٢) من البئر. وعن أبي مُبيدة أنه القَلْع(٣).
وما رُوي عن الحَبْر أوفَقُ بقوله سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]، وعلى
القولين الأخيرين يُضمَّن معنى الرفع ليتطابق الآيتان.
والمراد بـ ((الجبل)) الطور، أو جبلٌ غيرُه، وكان فرسخًا في فرسخ كمعسكر
القوم، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام لما توقَّفوا عن أخذ التوارة وقَبولها إذ
جاءتهم جملةً مشتملة على ما يستثقلونَه، فقلَعَه من أصله ورَفَعَه عليهم.
﴿كَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: غمامة أو سقيفةٌ، وفُسِّرت بذلك مع أنها كلُّ ما علا وأظلَّ
لأجل حرف التشبيه؛ إذ لولاه لم يكن لدخوله وجه.
و((فوق)) ظرفٌ لـ ((نتقنا))، أو حالٌ من ((الجبل)) مخصّصةٌ - على ما قيل - للرَّفع
ببعضٍ جهات العلوِّ، والجملةُ الاسمية بعدُ في موضع الحال أيضًا، أي: مشابهًا
ذلك.
﴿وَظَنُواْ﴾ أي: تيقّنوا ﴿أَنَّهُ، وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: ساقطٌ عليهم إن لم يقبلوا؛ فإنَّهم
كانوا يُؤْعَدون بذلك بهذا الشرط، والصادقُ لا يتخلَّفُ ما أخبر به، لكن لمَّا لم
يكن المفعولُ واقعًا لعدم شرطه أَشبَهَ المظنونَ الذي قد يتخلَّف، فلهذا سُمِّ ذلك
ظنًّا .
وقيل: تيقَّنوا ذلك؛ لأنَّ الجبل لا يثبُتُّ في الجوِّ. واعتُرِض بأنَّ عدمَ ثبوته فيه
لا يقتضي التيقُّنَ؛ لأنَّه على جَرْي العادة، وأمَّا على خَرْقها فالثابتُ الثبوتُ،
(١) قوله: حينئذ، ليس في (م).
(٢) الغَرْب: الدلو العظيمة. الصحاح (غرب).
(٣) عزاه لأبي عبيدة الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمة)/٥٨، والرازي ٤٥/١٥، والقرطبي
١٦٤/٢، وجاء في مجاز القرآن تفسير ((نتقنا)) بـ: رفعنا.

الآية : ١٧١
٤٤٧
سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
والواقعُ عدُ الوقوع، ويكونُ ذلك كرَفْعه فوقَهم ووقوفِهِ هناك حتى كان ما كان
منهم.
والحقُّ أن المتيقّن لهم الوقوعُ إن لم يقبلوا؛ لكونه المعلَّق عليه؛ ففي الأثر أنَّ
بني إسرائيل أَبَوا أن يقبلوا التوراةَ، فرُفِع الجبلُ فوقهم، وقيل: إن قبلتُم، وإلا
ليَقعنَّ عليكم، فوقَعَ كلٌّ منهم ساجدًا على حاجِهِ الأيسرِ وهو ينظُرُ بعينه اليمنى إلى
الجبل فَرَقًا من سقوطه - فلذلك لا ترى يهوديًّا يسجُدُ إلا على حاجبه الأيسر،
ويقولون: هي السجدةُ التي رُفعت عنَّا بها العقوبةُ - وامتثلوا ما أُمروا به. ولا يقدح
في ذلك احتمالُ الثبوت على خَرْق العادة، كما لا يقدح فيه عدمُ الوقوع إذا قبلوا،
ألا ترى إلى أنه يُتَقَّن احتراقُ ما وقع في النار مع إمكان عدمه كما في قصَّة الخليل
عليه الصلاة والسلام ؟
وذهب الرُّمَّانِيُّ والجُبَّائي(١) إلى أن الظنَّ على بابه، والمراد: قَوِيَ في نفوسهم
أنه واقعٌ، واختاره بعضُ المحقّقين.
والجملةُ مستأنَفَةٌ، وجُوِّز أن تكون معطوفةً على ((نتقنا)»، أو حالاً بتقدير قد،
كما قال أبو البقاء(٢) .
﴿خُذُواْ﴾ أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا ﴿مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾ من الكتاب
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجِدٍّ وعزم على تحمُّل مشاقٌّه. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ وقع
حالاً من الواو، والمرادّ: خذوا ذلك مجدِّين.
﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ أي: اعملوا به، ولا تتركوه كالمنسيِّ، وهو كنايةٌ عن ذلك،
أو مجاز.
وقرأ ابنُ مسعود: ((وتَذَكَّروا)). وقُرئ: ((واذَّكَّروا))(٣) بمعنى وتَذَكَّروا.
﴿لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ ﴾﴾ بذلك قبائحَ الأعمال، ورذائلَ الأخلاق، أو راجين أن
تنتظموا في سِلْك المتقين.
(١) نقل قولهما الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٥٨.
(٢) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٨٠/٣.
(٣) الكشاف ١٢٩/٢، والبحر المحيط ٤٢٠/٤. وقراءة: ((واذَّكَّروا)) نسبها أبو حيان للأعمش.

سُورَةُ الأَّعَرَافِ
٤٤٨
الآية : ١٧٢
وجُوِّز أن يراد بـ ((ما آتيناكم)) الآيةُ العظيمة، أعني: نَتْقَ الجبلِ، أي: خذوا
ذلك إن كنتم تطيقونَه، كقوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
فَانْفُذُواْ﴾ [الرحمن: ٣٣]، واذكروا ما فيه من القدرةِ الباهرة والإنذار، وعلى هذا
فالمراد من نَتْق الجبل إظهارُ العجز لا غير، والكلامُ نظير قولك لمن يدَّعي الصُّرَعة
والقوّة بعد ما غلبتَه: خُذْه مِنِّي. وحاصلُه: إن كنتم تطلبون آيةً قاهرةً وتقترحُونَها،
فخذوا ما آتيناكم إن كنتُم تُطيقونَه. ولا يخفى أنَّ ذلك خلافُ الَّاهر، والآثار على
خلافه .
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ على طِرْز ما سلف في نظائره، وهو معطوفٌ
على ما قبل، مسوقٌ لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العامِّ؛ فإنَّ منهم من أشرك
فقال: عُزيرٌ ابن الله، عزَّ اسمُه، بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاجِ
عليهم بالحُجَج السمعيَّة والعقلية، ومَنْعِهم عن التقليد.
وبعضُهم جوَّز أن يكون تذييلاً؛ تعميمًا بعد التخصيص، وإظهارًا لتمادي هؤلاء
اليهود في الغَيِّ بعد أخذ الميثاق الخاصِّ المدلول عليه بقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ نَكَقْنَا
اَلْجَبَلَ﴾؛ لقوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اْلُوَرَ﴾ في سورة البقرة
[الآية: ٦٣]، وعليه فلا عطفَ، وهو أظهرُ من التذييل نظرًا إلى ظاهر اللفظ، وأَولى
منه إذا خُصَّ العامُّ بالمشركين كما قيل.
وقد يقال: إنَّ الآية مسوقةٌ لبيان أخذ ميثاقٍ سابقٍ من جميع الخلق مؤمنِهم
وكافرهم قبل هذه النَّشأة بما هو أهمُّ الأمور، والأصلُ الأصيل لجميع التكليفات،
على وجهٍ خالٍ ممَّا يشبه الإكراه، متضمِّنٍ لإلزامِ المشركين المعاصرين له وَّر،
ورفعٍ احتجاجهم ما كانوا، بعد الإشارة إلى أَخْذ ميثاقٍ من قوم مخصوصين في هذه
النشأة على وجهٍ هو أشبَهُ الأشياء بالإكراه بما الظاهرُ فيه أنَّه من الأعمال؛ لأن
القوم إذ ذاك كانوا مُقِّرِّين بالربوبية، بل بها وبرسالة موسى عليه السلام، فلم يكن
حاجةٌ إلى نَتْق الجبل فوقهم لذلك.
ولو قال قائل: إنَّ ذِكْر ذلك خلال الآيات المتعلّقة باليهود من باب الاستطراد،
والمناسبةُ فيه ظاهرةٌ، لم يَبْعُد، لكنَّ الأولَ هو الذي جَرَى عليه أكثرُ متأخِّري
المفسِّرین .

الآية : ١٧٢
٤٤٩
سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ
أي: واذكُر لهم أو للناس إذ أَخَذَ رَبُّك ﴿مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ﴾ المرادُ بهم الذين وُلِدَ
لهم، مؤمنين كانوا أو كفَّارًا، نسلاً بعد نسل، سوى مَنْ لم يُولد له بسببٍ من
الأسباب. وتخصيصُهم بأسلاف اليهود الذين أشركوا بالله تعالى حيث قالوا
ما قالوا، ممَّا لا يكاد يُلتَفتُ إليه.
وإيثارُ الأَخْذِ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك؛ لما فيه من الإنباء
والاجتباء والاصطفاء، وهو السببُ في إسناده إلى اسم الربِّ بطريق الالتفات، مع
ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي، وإضافتُه إلى ضميره عليه الصَّلاة والسلام
للتشريف .
وقيل: إنَّ إيثار الأَخْذ على الإخراج لمناسبةٍ ما تضمَّنته الآيةُ من الميثاق؛ فإنَّ
الذي يُناسِبُه هو الأخذُ دون الإخراج، والتعبيرُ بالربِّ لِمَا أنَّ ذلك الأَخْذَ باعتبار
ما يتبَعُه من آثار الرُّبوبية.
واستأنس بعضُهم بمغايرةٍ أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبلَه من
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا﴾، ولما بعدَه من قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ
ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا﴾ = لكونه استطراديًّا .
وقوله تعالى: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدلٌ من ((بني آدم))، بدلَ البعض من الكلِّ بتكرير
الجارِّ، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ﴾ [الأعراف:
٧٥]، وقيل: بدلَ اشتمالٍ، وإليه ذهب أبو البقاء (١)، وبيَّنه بعضُهم بأنَّ بدل
الاشتمال ما يكون بينَه وبين المبدَلِ منه ملابسةٌ بحيث توجب النسبةُ إلى المتبوع
النسبةَ إلى التابع إجمالاً، نحو: أعجبني زيدٌ علمُه؛ فإنَّه يُعلم ابتداءً أن زيدًا معجِبٌ
باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته، وتتضمَّن نسبةُ الإعجابِ إليه نسبَتَه إلى صفةٍ من
صفاته إجمالاً، ونسبةُ الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا إلى بني آدم نسبةٌ إلى
ظهورهم إجمالاً؛ لأنه يُعلم ابتداءً أنَّ بني آدم ليسوا مأخوذين باعتبار ذواتهم، بل
باعتبار أجسادهم وأعضائهم، وتتضمَّن نسبةُ الأَخذ إليهم نسبَتَه إلى أعضائهم
إجمالاً، وادَّعى أنَّ القولَ به أولى من القول ببدل البعض؛ لأنَّ النسبةَ إلى المبدَلِ
(١) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٣/ ٨٠-٨١.

سُورَةِ الأَغْراف
٤٥٠
الآية : ١٧٢
منه الكلِّ تكون تامَّةً، وتحصُلُ بها الفائدةُ بدون ذِكْر البدل، نحو: أكلت الرغيفَ
نصفَه؛ فإنَّ النسبةَ تامةٌ لو لم يذكر النِّصف، ولا شكَّ أنَّ النسبةَ هنا ليست تامةً بدون
ذِكْر البدل، وأيضًا إنَّ الظّهور ليس بعضَ بني آدم حقيقةً، بل بعضُ أعضائهم،
ولا يخفى ما في ذلك من النظر.
و ((من)) في الموضعين ابتدائيةٌ، وفيه مزيدُ تقريرٍ؛ لابتنائه على البيان بعد
الإبهام، والتفصيلِ غِبَّ(١) الإجمال، قيل: وتنبيهٌ على أنَّ الميثاقَ قد أُخذ منهم
وهم في أصلاب الآباء ولم يُستَودَعوا في أرحام الأمَّهات.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ مفعولُ ((أخذ»، أُخِّر عن المفعول بواسطة الجارِّ؛
لاشتماله على ضميرٍ راجع إليه، فيلزَمُ بالتقديم رجوعُ الضمير إلى متأخِّرٍ لفظًا
ورتبةً، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ ليس هذا منها، ولمراعاة أصالته ومنشئيَّته،
ولِمَا مرَّ غير مرَّةٍ من التشويق إلى المؤخَّر.
وقرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامر، ويعقوبُ: ((ذُرِّياتِهم))(٢)، والمرادُ أولادُهم
على العموم.
ومَن خصَّ ((بني آدم)) بأسلافِ اليهود على ما مرَّ خصَّ هذا بأخلافهم، وفيه
ما فيه(٣).
والإشكالُ المشهورُ، وهو أنَّ كلَّ الناس يصدُقُ عليه بنو آدم وذريَّتُه، فيتَّحِدُ
المُخرَجُ والمُخرَجُ منه، مدفوعٌ بظهورِ أنَّ المرادَ إخراجُ الفروع من الأصول حسب
ترتُّب الوِلادِ، ولا يتوقَّفُ التخلَّص عنه على القول بذلك التخصيص.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَّ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: أشهد كلَّ واحدٍ من أولئك الذُّرية المأخوذين من
ظهور آبائهم على أنفسهم، لا على غيرهم، تقريراً لهم بربوبيَّته سبحانه وتعالى
(١) أي: بغدَ. معجم متن اللغة (غبب).
(٢) التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٣/٢.
(٣) قال أبو السعود في تفسيره ٢٨٩/٣ في بيان ذلك: وتخصيصهما باليهود سلفًا وخلفًا، مع أن
ما أريد بيانه من بديع صنع الله تعالى عز وجل شامل للكل كافة = مُخِلٌّ بفخامة التنزيل
وجزالة التمثيل.

الآية : ١٧٢
٤٥١
سُورَةُ الأَغْرَافِ
التامَّةِ، قائلاً لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي: مالكِ أمرِكم ومربِّيكم على الإطلاق من
غير أن يكون لأحدٍ مدخلٌ في شأنٍ من شؤونكم.
﴿قَالُوا﴾ في جوابه سبحانه وتعالى: ﴿بَُّ شَهِدْنَاْ﴾ أي: على أنفسنا بأنك ريُّنا،
لا ربَّ لنا غيرُك. والمراد: أَقرَرْنا بذلك. وجاء أنَّ القاضيَ شُرَيح(١) قال لمُقِرِّ
عنده: شَهِدَ عليك ابنُ أختِ خالتك(٢). ومن هنا قال الجلالُ السُّيوطيُّ(٣): إنَّ هذه
الآيةَ أصلٌ في الإقرار.
و (بلى)) حرفُ جوابٍ، وألفُها أصليةٌ عند الجمهور، وقال جمعٌ: الأصل بل،
والألفُ زائدةٌ، وبعضُ أولئك يقول: إنَّها لتأنيث الكلمة، كالتاء في ثمَّتَ ورُبَّت؛
لأنها أُمِيلت، ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدةً لمجرّدِ التکثیر، کألف قبعثرى،
وتلك لا تُمال، وتختصُّ بالنفي فلا تقع إلا في جوابه، فتفيد إبطالَه، سواءٌ كان
مجرَّداً أو مقروناً بالاستفهام، حقيقيًّا كان أو تقريريًّا، وقد أَجْرَوا النَّفيَ مع التقرير
مجرى النَّفي المجرَّد في ردِّه ببلى كما في هذه الآية، ولذلك قال ابنُ عباس
وغيرُه: لو قالوا: نعم، لكَفَروا. ووجهُه أنَّ نعم تصديقٌ للمخبِر بنفي أو إيجاب،
ولذلك قال جماعةٌ من الفقهاء: لو قال: أليس لي عليك ألفٌ؟ فقال: بلى،
لزمته، و: نعم، لا. وقال آخرون: تلزَمُه فيهما، وجَرَوا فيه على مقتضى العُرف
لا اللغة.
ونازَعَ السُّهيليُّ وجماعةٌ في المحكيِّ عن الحَبْرِ وغيرِهِ متمسِّكين بأن الاستفهامَ
التقريريَّ موجِبٌ، ولذلك امتنع سيبويه (٤) من جَعْل أم مثَّصلةً - على ما قيل - في
قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اُلْأَنْهَرُ
تَّجْرِى مِن تَحْنِىِّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِينُ﴾
[الزخرف: ٥١-٥٢]؛ فإنَّها لا تقع بعد الإيجاب، وإذا ثبَتَ أنه إيجابٌ فنعم بعد
الإيجاب تصدیقٌ له.
(١) كذا في الأصل و(م).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٠١).
(٣) في الإكليل في استنباط التنزيل ص١٣١.
(٤) في الكتاب ١٧٣/٣ .

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٤٥٢
الآية : ١٧٢
قال ابنُ هشام(١): ويُشكِلُ عليهم أنَّ بلى لا يُجاب بها الإِيجاب، وذلك متَّفَقٌ
عليه، ﴿بَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِى﴾ [الزمر: ٥٩] متقدِّم فيه ما يدلُّ على النفي، لكن وقع
في الحديث ما يقتضي أنَّها يُجاب بها الاستفهامُ المجرَّد؛ ففي ((صحيح البخاري))
أنه وَلّ قال لأصحابه: ((أترضَونَ أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)) قالوا: بلى(٢). وفي
((صحيح مسلم)) أنه وَلّه قال: ((أنتَ الذي لقيتَني بمكة؟)) فقال له المُجيب: بلى(٣).
وليس لهؤلاء أن يحتجُّوا بذلك؛ لأنه قليلٌ، فلا يتخرَّجُ عليه التنزيل. انتهى.
وأجاب البدر الدّمامينيُّ(٤) بأنه لا إشكال في الحقيقة؛ فإنَّ هؤلاء راعَوا صورةً
النفي المنطوق به، فيُجاب ببلى حيث يُراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة، وجوَّزوا
الجوابَ بنعم على أنه تصديقٌ لمضمون الكلام جميعِه؛ الهمزة ومدخولها، وهو
إيجابٌ كما سلف، ودعواه الاتفاقَ مناقَشٌ فيها، أمَّا إنْ أراد الإيجابَ المجرَّد من
النفي بالمرَّة فقد حكى الرَّضيُّ(٥) الخلافَ فيه، وذكر أنَّ بعضَهم أجازَ استعمالَها
بعده تمسُّكاً بقوله:
وقد بَعُدتْ بالوصل بيني وبينَها
بلى إنَّ من زار القبورَ لَيَبعُدا(٦)
وإن أراد ما هو الأعمُّ حتى يشمَلَ التقريرَ المصاحِبَ للنفي فالخلافُ فيه موجودٌ
مشهورٌ، ذكره هو في حرف النون. انتهى.
(١) في المغني ص١٥٤. واعتراض السهيلي مذكور فيه.
(٢) صحيح البخاري (٦٦٤٢)، وأخرجه أحمد (٤٢٥١)، وهو من حديث عبد الله بن مسعود،
وأخرجه أيضاً مسلم (٢٢١) (٣٧٧)، غير أن جوابهم فيه: نعم.
(٣) صحيح مسلم (٨٣٢)، وأخرجه أحمد (١٧٠١٩)، وهو حديث طويل في قصة إسلام
عمرو بن عَبَسة ـ
(٤) في شرحه على مغني اللبيب ٢٣٦/١.
(٥) في شرحه على الكافية ٤/ ٤٢٨.
(٦) قال البغدادي في الخزانة ٢١٢/١١ عند شرحه له: وهذا البيت لم أعرفه، ولم أنظره إلا في
هذا الشرح، والله أعلم، وجاء في شعر الظُّهويّ:
فلا تبعَدنْ يا خيرَ عمرو بن جُندب بلى إنَّ من زار القبور لَيبعدا
قلنا: وهذا البيت الذي نسبه إلى الطهوي أورده ابن قتيبة في المعاني الكبير ٧٨٤/٢ من غير
نسبة .

الآية : ١٧٢
٤٥٣
سُورَةُ الأَغرافِ
ولا يخفى أنَّ البيتَ شاذٌّ كما صرَّح به الرضيُّ(١)، والمذكور في بحث النون أنَّ
جماعةً من المتقدِّمين والمتأخِّرين منهم الشَّلَوْبِين قالوا: إنه إذا كان قبل النفي
استفهامٌ، فإن كان على حقيقته، فجوابُه كجوابٍ النفي المجرَّد، وإن كان مراداً به
التقريرُ، فالأكثرُ أن يُجاب بما يُجاب به النفيُ رَعْياً للفظِهِ، ويجوز عند أمن اللَّبْس
أن يُجابَ بما يُجابُ به الإيجاب رَعْياً لمعناه، وعلى ذلك قول الأنصار للنبيِّ وَّ:
نعم، وقد قال لهم: ((ألستُم تَرَون لهم ذلك؟))(٢) وقولُ جحدر (٣):
وإيَّانا فذاك بنا تَداني
أليسَ الليلُ يجمع أُمَّ عمرٍو
ويعلُوها النهارُ كما عَلاني (٤)
نعم وأرى الهلالَ كما تراه
وعلى ذلك جرى كلامُ سيبويه، وقال ابنُ عصفور: أَجْرتِ العربُ التقرير في
الجواب مجرى النفي المحضٍ وإن كان إيجاباً في المعنى، فإذا قيل: ألم أُعطِكَ
درهماً؟ قيل في تصديقِه: نعم، وفي تكذيبِهِ: بلى، وذلك لأنَّ المقرِّرَ قد يوافِقُك فيما
تدَّعيه، وقد يُخالفُك، فإذا قال: نعم، لم يُعلم هل أراد: نعم لم تُعطني على اللفظ،
أو: نعم أعطيتني على المعنى، فلذلك أجابوه على اللفظ، ولم يلتفتوا إلى المعنى.
وأما نعم في بيت جحدر فجوابٌ لغيرِ مذكورٍ، وهو ما قرَّره اعتقادُه من أنَّ
الليل يجمعُه وأُمَّ عمرٍو، وجاز ذلك لأَمنِ اللَّبْس؛ لعلمه أنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ الليل
يجمعُه مع أُمّ عمرٍو، أو هو جوابٌ لقوله: وأرى الهلال، قُدِّم عليه.
وأما قولُ الأنصار فجاز لأَمْن اللَّبْس؛ لأنَّه قد عُلِم أنهم يريدون: نعم يُعرف
لهم ذلك، وعلى هذا يُحمل استعمالُ سيبويه لها بعد التقرير. انتهى.
(١) وقد ذكر أنه شاذٌّ لاستعمال ((بلى)) فيه لتصديق الإيجاب.
(٢) لم نقف على من أخرجه، وقد أورده ابن هشام في المغني ص٢٠٣ - وعنه نقل المصنف -
ولم يعزه إلى مصدر.
(٣) هو جحدر بن مالك من بني حنيفة، كان لصًّا فتاكاً شجاعاً، سجنه الحجاج، فقال جحدر
قصيدة طويلة يتشوق فيها إلى أهله وبلاده، ومنها البيتان الآتيان، وقد أوردها السيوطي في
شرح شواهد المغني ٤٠٧/١-٤٠٩، والبغدادي في شرح شواهد المغني ٢٠٨/٣-٢١٠،
وساقا قصة جحدر مع الحجاج.
(٤) البيتان منسوبان إلى جحدر في الأمالي ١/ ٢٨١، والمغني ص٤٥٣، والخزانة ٢٠١/١١،
ونسبهما ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١/ ٤٤٢ إلى المَعْلُوط.

سُورَةُ الأَّغَافِ
٤٥٤
الآية : ١٧٢
والأحسن أن تكون نعم في البيت جواباً لقوله: فذاك بنا تَداني.
ثم قال ابنُ هشام(١): ويتحرَّر على هذا أنه لو أُجِيب ((ألست بربكم؟)) بنعم، لم
يكفِ في الإقرار؛ لأنَّه سبحانه وتعالى أَوجَبَ في الإقرار بما يتعلَّق بالرُّبوبية
ما لا يَحتمل غيرَ المعنى المراد من المُقِرِّ، ولهذا لا يدخل في الإِسلام بقوله: لا إلهُ
إلا الله، برفع إلهُ؛ لاحتماله لنفي الوحدة، ولعلَّ ابنَ عباس ◌َّ إنما قال: إنهم لو
قالوا: نعم، لم يكن إقراراً وافياً، وجوَّز الشَّلوبين أن يكون مرادُه ◌َُّه أنهم لو
قالوا: نعم جواباً للملفوظ على ما هو الأفصح، لكان كفراً؛ إذ الأصلُ تطابُقُ
السؤال والجواب لفظاً، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ التكفيرَ لا يكون بالاحتمال(٢).
والكلامُ عند جمع تمثيلٌ لخلقه تعالى الخلقَ جميعاً في مبدأ الفِطْرة مستعدِين
للاستدلال بالأدلَّة الآفاقية والأنفسية المؤدِّية إلى التوحيد، كما نطق به قولُه ◌َلّى:
(كلُّ مولودٍ يُولَد على الفِطْرة )) الحديث(٣)، مبنيٌّ على تشبيهِ الهيئةِ المنتزَعةِ من
تعريضه سبحانه وتعالى إياهم لمعرفة ربوبيَّته ووحدانيَّته بعد تمكينهم منها بما رَكَزَ
فيهم من العقول والبصائر ونَصَبَ لهم في الأفاق والأنفس من الدلائل تمكيناً تامًّا،
ومِنْ تمكّنِهم منها تمكّناً كاملاً، وتعرُّضهم لها تعرُّضاً قويًّا = بهيئة منتزعة من حملِهِ
تعالى إيَّاهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير
تلعثُم أصلاً، من غير أن يكون هناك أَخْذٌ وإشهادٌ، وسؤالٌ وجواب، ونظيرُ ذلك
- في قول - ما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرّهَا قَالَتَآَ أَنَبْنَا
طَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ومن ذلك سائرُ ما يُحكى عن الحيوان والجماد، كقوله:
مهلاً رويداً فكلانا مُبتلى(٤)
شكا إليَّ جَمَلي طُول السُّرى
وقوله :
مهلاً رويداً قد ملأتَ بطني(٥)
امتلأ الحوضُ وقال قَطْني
(١) في المغني ص ٤٥٤.
(٢) انظر المسألة مبسوطة في خزانة الأدب ٢٠١/١١ وما بعدها، وقد أخذ المصنف عنه كثيراً
مما أورده فيها .
(٣) أخرجه أحمد (٧١٨١)، والبخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٢) من حديث أبي هريرة ◌ُ ..
(٤) سلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.
(٥) سلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام.

الآية : ١٧٣
٤٥٥
سُورَةُ الْأَّغْرَافِ
وجعلوا قولَه سبحانه وتعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ من تلوين الخطاب، وصَرْفَه عن
رسول الله وَّيقول إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام، أو إليهم وإلى متقدِّميهم
بطريق التغليب، وهو مفعولٌ له لما قبله من الأخذ والإشهاد، أو لمقدَّر يدلُّ عليه
ذلك، والمعنى على ما يقول البصريُّون: فَعَلْنا ما فَعَلْنا كراهةَ أن تقولوا، وعلى
ما يقول الكوفيُّون: لئلا تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عند ظهور الأمر، وإحاطةِ العذاب
بمن أَشرك: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: وحدانيَّة الربوبيَّة ﴿غَفِلِينَ (®)﴾ لم نُنَبَّه
عليه .
وإنما لم يَسَعْهم هذا الاعتذارُ حينئذٍ - على ما قيل - لأنَّهم نُبِّهوا بنَصْب الأدلة،
وجُعِلوا متهيِّئين تهيُّؤاً تامًّا لتحقيق الحقِّ، وإنكارُ ذلك مكابرةٌ، فكيف يمكنُهم أن
يقولوا ذلك؟
﴿أَوْ نَقُولُواْ﴾ في ذلك اليوم: ﴿إِنَّ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: إنَّ آباءنا هم
اخترعوا الإِشراكَ، وهم سَنُّوه من قبل زماننا، ﴿وَكُنَا﴾ نحن ﴿ذُرِّيَّةُ مِّنْ بَعْدِهِمْ﴾
لا نهتدي إلى سبيلِ التوحيد. ﴿أَفَّلِكُنَا﴾ أي: أَتُؤَاخِذُنا، فتهلكُنا اليومَ بالعذاب ﴿يِمَا
من آبائنا المُضِلِّين؟ لا نراكَ تفعل.
فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
و((أو)) لمنع الخُلُوِّ دون الجمع، وفعلُ القول عطفٌ على نظيره.
وقرأهما أبو عمرو بالياء على الغَيبة(١)؛ لأنَّ صدرَ الكلام عليها، ووجهُ قراءةِ
الخطاب ما علمتَ.
وقال البعضُ: إن ذاك لقول الربِّ تعالى: ((ربكم))، وإنما لم يسعِ القومَ هذا
القولُ لأنَّ ما ذُكر من استعدادهم يُضيِّق عليهم المسالكَ إليه؛ إذ التقليدُ عند قيامٍ
الدَّلائل والقدرة على الاستدلال بها ممَّا لا مساغَ إليه أصلاً .
هذا والذي عليه المحدِّثون والصوفيةُ قاطبةً أنَّ الله تعالى أخذ من العباد بأسرهم
ميثاقاً قاليّاً قبل أن يظهروا بهذه البنيةِ المخصوصة، وأنَّ الإخراجَ من الظُّهور كان
قبلُ أيضاً؛ فقد أخرج أحمدُ، والنسائيُّ، وابنُ جرير، وابنُ مَرْدويه، والحاكم
وصحَّحه، والبيهقيُّ في (الأسماء والصفات)) عن ابن عباس عن النبيِّ وَّ قال:
(١) التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٣/٢.

سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
٤٥٦
الآية : ١٧٣
((إنَّ الله تعالى أخذ الميثاقَ من ظهر آدم بنَعْمان يومَ عرفة، فأخرج من صُلْبه كلَّ ذُرِيَّة
ذَرَأْها، فنثرَها بين يديه كالذَّرِّ، ثمَّ كلَّمهم قَبَلاً: ألستُ بربّكم؟ قالوا: بلى، شَهِدنا))(١).
وأخرج مالك في ((الموطأ))، وأحمد، وعَبْد بنُ حُميد، والبخاري في
(التاريخ))، وأبو داود، والترمذيُّ وحسّنه، والنَّسائيُّ، وابنُ جرير، وخلقٌ كثير، عن
مسلم بن يسار الجُهَنيِّ أنَّ عمر بن الخطاب ◌َُّهُ سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ﴾ إلخ، فقال: سمعتُ رسول الله وَّه سُئل عنها فقال: ((إنَّ الله تعالى خلَقَ آدم،
ثم مسَحَ ظهرَه بيمينه، فاستخرج منه ذُرِّيّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهلِ
الجنَّة يعملون، ثم مسَحَ ظهرَه، فاستخرج منه ذُرِّيّةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار،
وبعمل أهل النارِ يعملون))، فقال الرجل: يا رسول الله، ففيمَ العملُ؟ فقال: ((إذا
خُلِقَ العبد للجنة استعمَلَه بعمل أهل الجنة، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل
الجنة، فيُدخلَه الله الجنةَ، وإذا خُلِقِ العبدُ للنار استعمَلَه بعمل أهل النار، حتى
يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخلَه النار))(٢).
والبيضاويُّ حمَلَ الآيةَ في ((تفسيره)) على التمثيل(٣)، وكذا في ((شَرْحه
للمصابيح))، وذكر فيه أنَّ ظاهر حديث عمر رَظُهُ لا يُساعد ذلك، ولا ظاهرُ الآية؛
لأنَّه سبحانه وتعالى لو أراد أن يَذْكر أنه استخرَجَ الذَّرية من صُلْب آدم دفعةً واحدةً،
(١) مسند أحمد (٢٤٥٥)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٢٧)، وتفسير الطبري ١٠/ ٥٤٧،
والمستدرك للحاكم ٢/ ٥٤٤، والأسماء والصفات للبيهقي (٤٤١). ورجح ابن كثير في
تفسيره ٣/ ٥٠٢ كونه موقوفاً على ابن عباس.
ونَعْمان: واد بجنب عرفة بين مكة والطائف، كما في حاشية الشهاب ٢٣٥/٤، وقوله قَبَلاً:
أي: عِيَاناً. مفردات ألفاظ القرآن (قبل).
(٢) الموطأ ٨٩٨/٢-٨٩٩، والمسند (٣١١)، والتاريخ الكبير ٩٧/٨، وسنن أبي داود
(٤٧٠٣)، وسنن الترمذي (٣٠٧٥)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١٢٦)، وتفسير الطبري
٥٥٣/١٠. قال ابن عبد البر في التمهيد ٣/٦: هذا الحديث منقطع بهذا الإسناد؛ لأن
مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر ظلبه، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة [وكذا أخرجه
أبو داود (٤٧٠٤)، وهي رواية التاريخ الكبير] وهو أيضاً مع هذا الإسناد لا تقوم به حجة،
ومسلم بن يسار هذا مجهول ... ، لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي بَّر من وجوه
كثيرة ثابتة يطول ذكرها، من حديث عمر وغيره.
(٣) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٢٣٤/٤.

الآية : ١٧٣
٤٥٧
سُورَةُ الأَغْرَافِ
لا على توليدِ بعضهم من بعض على مرِّ الزمان، لقال: وإذ أخذ ربُّك من ظهرِ آدمَ
ذُرِّيَّته، والتوفيقُ بينهما أن يقال: المرادُ من ((بني آدم)) في الآية آدمُ وأولادُه، وكأنه
صار اسماً للنَّوع، كالإنسان والبَشَر، والمراد بالإخراج توليدُ بعضهم من بعض على
مرِّ الزمان، واقتصر في الحديث على ذِكْر آدم اكتفاءً بذِكر الأصل عن ذِكْر الفرع،
وقولُه عليه الصَّلاة والسلام في الحديث: ((مسَحَ ظهرَ آدم)) يَحتمِلُ أن يكون الماسحُ
المَلَكُ الموثَّل على تصوير الأجنّة وتخليقها وجمع موادها، وأُسند إلى الله تعالى
لأنه الآمر، كما أُسند التوفِّي إليه في قوله تعالى: ﴿يَتَوَلَّ اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾
[الزمر: ٤٢]، والمتوفِّي لها هو المَلَك لقوله تعالى: ﴿تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]،
ويحتمل أن يكون الماسحُ هو الله تعالى، ويكون المسحُ من باب التمثيل، وقيل:
هو من المِسَاحة بمعنى التقدير، كأنه قال: قدَّر ما في ظهره من الذَّرية. انتهى
كلامُه.
وقال بعضُهم: ليس المعنى في الحديث أنه تعالى أخرج الكلَّ من ظهر آدم عليه
السلام بالذات، بل أخرَجَ من ظهره أبناءه الصّلبيّة، ومن ظهورهم أبناءهم الصّلبيَّة،
وهكذا إلى آخر السلسلة، لكن لما كان المُظهَر الأصليُّ ظهرَه عليه الصَّلاة
والسلام، وكان مساقُ الحديث بيانَ حال الفريقين إجمالاً من غير أن يتعلَّق بذِكْر
الوسائط غرضٌ علميٌّ، نَسَبَ إخراجَ الكلِّ إليه، وأمَّا الآيةُ الكريمة فحيث كانت
مسوقةً للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله وَّر، وبيانِ عدم إفادةِ الاعتذار
بإسناد الإشراك إلى آبائهم، اقتضى الحالُ نسبةَ إخراج كلِّ واحدٍ منهم إلى ظهرٍ
أبيه، من غير تعرُّضٍ لإخراج الأبناء الصّلبيَّة لآدم عليه السلام من ظهرِه قطعاً،
وعدَمُ بيانِ الميثاق في الخبر العُمَريِّ ليس بياناً لعدمه، ولا مستلزِماً له. اهـ.
وأنتَ تعلم أن التأويلَ الذي ذكره البيضاويُّ يأبى عنه كلَّ الإباء حديثُ ابن
عباس ﴿ّ، وأنَّ ما ذكره البعضُ من أن مساقَ الحديث بيانُ حال الفريقين إجمالاً
يأباه ظهورُ عدم كون السؤال عن حالهما ليُساق الحديثُ لبيانه؛ فإنَّ الظاهر أنَّ
الصحابيَّ إنما سأَلَه - عليه الصلاةُ والسلام - عما أشكلَ عليه من معنى الآية: أن
الإِشهاد هل هو حقيقةٌ أم على الاستعارة؟ فلمَّا أجابه وَّ بما عرف منه ما أرادَه
سكتَ؛ لأنَّه كان بليغاً، ولو أشكَلَ عليه من جهة أخرى لكان الواجبُ بيانَ تلك
الجهة، وكذا فَهِمَ الفاروقُ څته.

سُوَرَةُ الأَعْرَافِ
٤٥٨
الآية : ١٧٣
ومن هنا يُعلم أنَّ قولَ الإمام(١): إنَّ ظاهر الآية يدلُّ على إخراج الذُّرِّية من
ظهر بني آدم، وليس فيها ما يدلُّ على أنهم أُخرجوا من صُلْب آدم، ولا ما يدلُّ على
نفيه، إلا أنَّ الخبرَ دلَّ عليه، فيثبُتُ خروجُهم من آدم بالحديث، ومن بنيه
بالآية = لا يُطابِقُ سياقَ الحديث كما لا يخفى.
وقال الشيخ شهاب الدِّين التُّوْرِبِشْتيُّ(٢): إنما جدًّ كثيرٌ من أهل العلم في
الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهرُ خبر الحَبْر لمكان قوله سبحانه:
﴿أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِينَ﴾، فقالوا: إن كان هذا الإقرارُ عن
اضطرار، حيث كُوشِفوا بحقيقة الأمر، وشاهدوه عينَ اليقين، فلهم ذلك اليوم أن
يقولوا: شَهِدنا يومئذٍ، فلما زال عنَّا علمُ الضَّرورة ووُكِلْنا إلى آرائنا كان منَّا مَنْ
أصاب، ومنَّا مَنْ أخطأ. وإن كان عن استدلال، ولكنهم عُصِموا عنده من
الخطأ، فلهم أيضاً أن يقولوا: أُيِّدنا يومَ الإقرار بتوفيقٍ وعصمةٍ، وحُرِمناهما من
بعدُ، ولو أُمْدِدنا بهما أبداً لكانت شهادتُنا في كلِّ حينٍ كشهادتنا في اليوم الأول،
فيتعيَّنُ حينئذٍ أن يرادَ بالميثاق ما رَّبَ الله تعالى فيهم من العقول، وآتاهم من
البصائر؛ لأنها هي الحجّة البالغة، والمانعة عن قولهم: ((إنا كنا)) إلخ؛ لأن الله
تعالى جعَلَ الإقرارَ والتمكّنَ من معرفة ربوبيَّته ووحدانيَّته سبحانه حجَّةً عليهم في
الإشراك، كما جعل بعثَ الرسول حجةً عليهم في الإيمان بما أَخبر عنه من
الغيوب. انتهى.
وحاصلُه أنه لو لم تُؤَوَّل الآيةُ بما ذُكِر يلزمُ أن لا يكونوا مَحْجوجين يوم القيامة
بما ذُكِر (٣)، وقد أُجيب عنه باختيار كلٍّ من الشِّقَين ورَفْع محذُوره:
(١) تفسير الرازي ١٥/ ٥١-٥٢.
(٢) هو أبو عبد الله، فضل الله بن حسن، من أهل شيراز، محدث، فقيه، له كتب بالفارسية
والعربية، منها: الميسر في شرح مصابيح السنة للبغوي، ومطلب الناسك في علم المناسك،
ترجم له السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٣٤٩/٨، وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون
١٧١٩/٢ أنه حنفي، وتابعه جلُّ من ترجم له بعده، غير أن محققي الطبقات ذكرا أنهما لم
يجدا له ترجمة في كتب طبقات الحنفية المطبوعة. توفي سنة (٦٦١هـ). انظر ديوان الإسلام
لابن الغزي ١٩/٢، ومعجم المؤلفين ٦٢٥/٢، والأعلام ١٥٢/٥.
(٣) قوله: بما ذكر. سقط من (م).

الآية : ١٧٣
٤٥٩
سُوَرَّةُ الأَغْرَافِ
أما الأولُ: فبأَنْ يقال إذا قالوا: شهدنا يومئذٍ فلمَّا زال علمُ الضرورة وُكِلْنا
إلى آرائنا كان كذا: أيها الكذَّابون، متى وُكِلْتُم إلى آرائكم؟ ألم نُرسل رسُلَنا تترى
ليوقظوكم عن سنّة الغفلة؟
وأما الثاني: فبأن يقال: إن هذا مشتركُ الإلزام؛ فإنه إذا قيل لهم: ألم نمنَحْكم
العقولَ والبصائر؟ فلهم أن يقولوا: فإذا حُرِمنا اللطفَ والتوفيقَ فأيُّ منفعةٍ لنا في
العقل والبصيرة؟
وذكر محيي السُّنة(١) في جواب أنه كيف تلزَمُ الحجةُ ولا أحَدَ يَذْكُر ذلك
الميثاقَ؟ أن الله تعالى قد أوضَحَ الدلائلَ على وحدانيته، وصِدْقٍ رسله فيما أَخبروا
به، فمن أنكَرَه كان معانداً، ناقضاً للعهد، ولزمَتْه الحجّة، ونسيانُه وعدمُ حفظه
لا يُسقط الاحتجاجَ بعد إخبار المخبِرِ الصَّادق.
ولا يخفى ما فيه، ولهذا أجاب بعضُهم بأنَّ قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُوا﴾ إلخ ليس
مفعولاً له لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ وما يتفرَّع عليه من قولهم: ((بلى شهدنا)) حتى
يجب كونُ ذلك الإشهاد والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم، بل لفعلٍ مضمرٍ
ينسحِبُ عليه الكلامُ، والمعنى: فعَلْنا ما فَعَلْنا من الأمر بذِكْر الميثاق وبيانِهِ كراهةَ
أن تقولوا، أو لئلا تقولوا أيُّها الكَفَرة يوم القيامة: إنا كنّا غافلين عن ذلك الميثاق،
لم نُنَبَّه عليه في دار التكليف، وإلا لعمِلْنا بموجبه. هذا على قراءة الجمهور، أمَّا
على القراءة الأخرى فهو مفعولٌ له لنفس الأمر المضمرِ العاملِ في ((إذ أخذ))،
والمعنى: اذكُر لهم الميثاقَ المأخوذَ منهم فيما مضى؛ لئلا يعتذروا يوم القيامة
بالغفلة عنه، أو بتقليد الآباء. ثم قال: هذا على تقدير كون ((شهدنا)) من كلام
الذُّرية، وهو الظاهر، فأمَّا على تقدير كونه من كلام الله تعالى فهو العامل في ((أن
تقولوا))، ولا محذورَ أصلاً، والمعنى: شهدنا قولَكم هذا لئلا تقولوا يوم
القيامة .. إلخ، لأنَّا نردُّكم ونكذِّبُكم حينئذٍ. انتهى.
ولا يخفى أنَّ ما ذكره أولاً من تعلُّق ((أن)) وما بعدها بفعل مضمرٍ ينسحِبُ عليه
(١) تفسير البغوي ٢١٣/٢.

سُورَةُ الأَّْرَافِ
٤٦٠
الآية : ١٧٣
الكلامُ، أو بنفس الفعل المضمر العاملِ في ((إذ»، واضحٌ في دفع السؤال الذي
أشرنا إليه، وإنه لَعَمْري في غاية الحُسْن، إلا أنَّ الظاهر تعلُّقه بالإشهاد وما يتفرَّع
عليه، وأرى الجوابَ مع عدمِ العدول عنه لا يخلو عن العدول عنه.
ويُؤيِّد ما ذَكَره ثانياً من كون ((شهدنا)) من كلام الله تعالى، وكونه العاملَ،
ما أخرجه ابنُ عبدالبَرِّ في ((التمهيد)) من طريق السُّدي عن أبي مالك، وعن
أبي صالح عن ابن عباس ﴿ه، وعن مرَّة الهمداني عن ابن مسعود وناسٍ من
الصحابة(١) أنهم قالوا في الآية: لمَّا أخرجَ الله تعالى آدم من الجنَّة قبل تهبيطه من
السَّماء مسَحَ صفحةَ ظهرِه اليمنى، فأخرج منه ذُرِّيةً بيضاءَ مثلَ اللؤلؤ كهيئة الذَّرِّ،
فقال لهم: ادخُلُوا الجنةَ برحمتي، ومسَحَ صفحةَ ظهرِه اليسرى، فأخرج منه ذُرِيةً
سوداءَ كهيئة الذَّرِّ، فقال: ادخلوا النارَ ولا أبالي، فذلك قوله تعالى: ﴿أَضْحَبُ
الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿أَضْحَبُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] ثم أخذ منهم الميثاقَ، فقال:
ألستُ بربّكم؟ قالوا: بلى. فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفةٌ كارهين على وجهِ التقيَّة،
فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الحديثَ. وفيه مخالفة لما رُوي
عن الحَبْر أولاً من أنَّ الأخذَ كان بنَعْمانَ؛ إذ هو ظاهرٌ في كون ذلك بعد الهبوط،
وهذا ظاهرٌ في كونه كان قبلُ.
وفي بعض الأخبار ما يقتضي أنه كان إذ كان عرشُه سبحانه على الماء؛ فقد
أخرج عَبْد بنُ حُميد، والحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول))، والطبرانيُّ،
وأبو الشيخ في ((العظمة))، وابن مردويه، عن أبي أمامة أنَّ رسول اللهِ نَِّ قال:
((خلَقَ الله تعالى الخَلْقَ، وقضى القضيةَ، وأخذ ميثاقَ النبيِّين وعرشه على الماء،
فأخذ أهلَ اليمين بيمينه، وأخذ أهلَ الشمال بيده الأخرى - وكلتا يدي الرَّحمن
يمينٌ - فقال: يا أصحابَ اليمين، فاستجابوا له، فقالوا له: لبيكَ ربَّنا وسَعْدَيك،
قال: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال، فاستجابوا له، فقالوا
(١) التمهيد ٥٨/١٨-٨٦. قال ابن كثير عند تفسير الآية (٣٣) من سورة البقرة: هذا الإسناد إلى
هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج
ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة.