النص المفهرس

صفحات 421-440

التفسير الإشاري (١٤٤ -١٥٩)
٤٢١
سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
نعم ذكر رحمه الله تعالى في الفعل الكثير المبطِل للصَّلاة، وهو ثلاثةُ أفعال،
أنه لو ابتُلي بحركة اضطرارية نشأ عنها عملٌ كثير فمعذورٌ، وقال أيضاً: إنه لا يضرُّ
الصوتُ الغير المشتمِلِ على النطق بحرفين متواليين من أنف أو فم، وإن اقترنَتْ به
همهمةُ شفتي الأخرس، ولو لغير حاجةٍ، وإن فَهِم الفَطِن كلاماً، أو قصَدَ محاكاةً
بعض أصوات الحيوانات إن لم يقصِدِ التلاعب، وإلا بطَلَت.
وينبغي التحرِّي في هؤلاء القوم؛ فإنَّ حالَهم في ذلك متفاوتٌ، لكنَّ أكثرَ
ما شاهدناه على الطّرْز الذي ذكرناه، وتمامُ الكلام في هذا المقام يُطلب من الكتب
الفقهية .
﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإَِّ﴾ وذلك من شدَّة غلبة
الشَّوق، و((لو)) هذه للتمنِّي.
﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ بعذاب الحجاب والحرمان ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ من عبادة العجل؟
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ﴾ لا مدخل فيها لغيرك، وهذا مقتضى مقام تجلِّ الأفعال.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبَ صفاتِنا وذواتِنا كما غفرتَ ذنوبَ أفعالنا ﴿وَأَرْحَمْنَا﴾ بإفاضة
أنوار شهودك ورفع حجاب الأنية بوجودك.
﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِىِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهي حسنةُ الاستقامة بالبقاء بعد الفناء.
﴿وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ حسنةَ المشاهدة.
والكلامُ في بقية الكلام لا يخفى على مَنْ له أدنى ذوق، خلا أنَّ بعضَهم أوَّل
العذابَ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَذَابِّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ﴾ بعذابِ الشوق
المخصوص الذي يُصيب أهلَ العناية من الخواصِّ، وهو الرَّحمة التي لا يُكتَنَهُ
كُنْهُهَا، ولا يُقْدَرُ قَدْرِها، وإنَّها لأعزُّ من الكبريت الأحمر، وأهلُ الظاهر يرونَه
بعيداً، والقوم يقولون: نراه قريباً ..
وقالوا: ((الأُمِّي)): نسبة إلى الأُمّ، لكن على حدٍّ أحمريّ، وقيل للنبي ◌َّ ذلك
لأنَّه أُمُّ الموجودات، وأصلُ المكوّنات(١)، واختير هذا اللفظُ لما فيه من الإشارة
(١) في (م): المكنونات.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٢٢
الآية : ١٦٠
إلى الرحمة والشَّفقة، وهو الذي جاء رحمةً للعالمين، وإنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام
لأشفَقُ على الخلق من الأُمِّ بولدها؛ إذ له وَِّ الحظّ الأوفَرُ من التخلُّق بأخلاق الله
تعالى، وهو سبحانه أرحم الراحمين، وذكروا أنَّ أَتباعَه من حيث النبوّة الخواصُ،
ومن حيث الأُمِّية خواصُّ الخواصِّ، ومن حيث الرسالة هؤلاء المذكورون كلُّهم
والعوامُّ، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لاتِّباعه ێ في سائر شؤونه.
﴿وَقَطَّعْنَهُمْ﴾ أي: قومَ موسى عليه السلام، لا الأُمة المذكورة كما يوهمُه القربُ.
و (قطع)) يُقرأ مشدّداً ومخفَّفاً(١)، والأولُ هو المتواتر، ويتعدَّى لواحدٍ، وقد
يُضمَّن معنى صيّر فيتعدَّى لاثنين، فقوله تعالى: ﴿أَثْنَ عَثْرَةَ﴾ حالٌ أو مفعولٌ ثان،
أي: فرَّقناهم معدودين بهذا العدد، أو صيَّرناهم اثنتي عشرةَ أُمةً يتميَّز بعضُها عن
بعض .
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَسْبَاطًا﴾ - كما قال ابنُ الحاجب في ((شرح المُفضَّل)) -
بدلٌ من العدد، لا تمييز له، وإلا لكانوا ستةً وثلاثين، وعليه فالتمييز محذوفٌ، أي:
فرقةً أو نحوه، قال الحوفي: إنَّ صفةَ التمييز أُقيمت مقامَه، والأصل فرقةً أسباطاً،
وجُوِّز أن يكون تمييزاً لأنه مفردٌ تأويلاً، فقد ذكروا أن السِّبط مفرداً ولدُ الولد، أو
ولدُ البنت، أو الولد، أو القطعة من الشيء، أقوالٌ ذكرها ابنُ الأثير(٢)، ثم استُعمِل
في كلِّ جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، ولعلَّه تسميةٌ لهم باسم أصلِهم،
كتميم، وقد يُطلق على كلِّ قبيلة منهم أسباط أيضاً، كما غلَبَ الأنصارُ على جمعٍ
مخصوصٍ، فهو حينئذٍ بمعنى الحيِّ والقبيلة، فلهذا وقعَ موقعَ المفرد في التمييز،
وهذا كما تُنِّيَ الجمعُ في قول أبي النَّجم (٣) يصفُ رَمَكَة تعوَّدت الحرب:
(١) قرأ بالتخفيف أبو حيوة فيما ذكر ابن خالويه ص٤٦، وهي رواية المفضل عن عاصم فيما
ذكر القرطبي ٩/ ٣٦٠، وقراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة.
(٢) في النهاية في غريب الحديث (سبط).
(٣) هو الفضل بن قدامة، من عِجْل، وهو من رُجَّاز الإسلام الفحول المقدَّمين، وفي الطبقة
الأولى منهم، بقي إلى أيام هشام بن عبد الملك، وله معه أخبار. الشعر والشعراء ٦٠٣/٢،
ومعجم الشعراء للمرزباني ص ١٨٠، والأغاني ١٠/ ١٥٠.

الآية : ١٦٠
٤٢٣
سُوَدَةُ الأَغَرَافِ
بين رماحَي مالكٍ ونَهْشَل(١)
تبثَّلتْ في أول التبقُّل
وتأنيثُ (اثنتي)) مع أنَّ المعدود مذكَّر، وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث
والتذكير، لتأويل ذلك بمؤنَّثٍ، وهو ظاهرٌ مما قرَّرنا.
وقرأ الأعمشُ وغيرُه: ((عَشِرة)) بكسر الشين، ورُوي عنه فتحُها أيضاً، والكسر
لغةُ تميم، والسُّكون لغةُ الحجاز(٢).
وقوله سبحانه: ﴿أُمَمَّا﴾ بدلٌ بعدَ بدلٍ من ((اثنتي عشرة))، لا من ((أسباط)) على
تقدير أن يكون بدلاً، لأنَّه لا يُبْدَل من البدل، وجُوِّز أن يكون بدلاً منه إذا لم يكن
بدلاً؛ ونعتاً إن کان کذلك، أو لم یکن.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اُسْتَسْقَنْهُ قَوْمُهُ﴾ حين استولى عليهم(٣) العطشُ في
التِّيه ﴿أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ﴾ تفسير لفعل الإيحاء، فـ((أَنْ)) بمعنى أي،
وجوَّز أبو البقاء(٤) كونَها مصدريَّةً.
(١) ديوان أبي النجم ص١٧٥- ١٧٦. وقبلهما: كُوْمَ الذُّرى من خول المخول، وبعدهما: يدفع
عنها العِزُّ جهل الجُمَّل.
وقوله: تبقلت: أي: رعت البقل. والبيتان يفخر فيهما أبو النجم، ويذكر أن الموضع الذي
جاءت بنو عجل ترعى فيه إبلها، كان الجميع قد تحاموا الرعي فيه بسبب ما جرى بين بني
مالك ونهشل من حروب، أما قومه فلعزهم رعوا ذلك الموضع ولم يخافوا هذين الحيين.
الأغاني ١٥٢/١٠.
وأما قول المصنف: يصف رمكة - وهي الفرس، أو البرذون التي اتخذت للنسل - فغير
صحيح في تأويل البيتين، تابع فيه المصنف من نقل عنه من شراح شواهد التفسير. قال
البغدادي في الخزانة ٣٩٤/٢-٣٩٥: زعم بعض شراح شواهد التفسير أن هذا البيت في
وصف رمكة مرتاضة اعتادت ممارسة الحروب، حتى تحسب أرض الحرب روضة تتبقَّل
فيها، ولا يخفى أن هذا كلام من لم يقف على سياق هذا البيت ولا سباقه، مع أن هذا
الزاعم أورد غالب الأرجوزة، ولم يتفهم المعنى !.
(٢) البحر المحيط ٤٠٦/٤، وزاد نسبة القراءة بالكسر إلى أبي حيوة وطلحة بن مصرف،
وبالكسر والفتح معاً إلى ابن وثاب وطلحة بن سليمان.
(٣) تحرفت في (م) إلى: عليه.
(٤) إملاء ما منَّ به الرحمن ٧٣/٣.

سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
٤٢٤
الآية : ١٦٠
﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ أي: انفجرت كما قال ابن عباس، وزعم الطبرسيُّ(١) أنَّ
الانبجاس خروجُ الماء بقلَّة، والانفجار خروجُه بكثرة، والتعبير بهذا تارةً وبالأخرى
أخرى باعتبار أولِ الخروج وما انتهى إليه.
والعطفُ على مقدَّر ينسحب عليه الكلامُ، أي: فضرب فانبجست، وحذف
المعطوف عليه لعدم الإلباس، وللإشارة إلى سرعة الامتثال، حتى كأنَّ الإيحاء
وضَرْبه أمرٌ واحد، وأن الانبجاس بأمر الله تعالى، حتى كأنَّ فِعْلَ موسى عليه
السَّلام لا دخلَ له فيه. وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ هذه الفاء - على ما قرِّر - فصيحةٌ،
وبعضُهم يقدِّر شرطاً في الكلام: فإذا ضربتَ فقد انبجسَتْ ﴿مِنْهُ أَثْنَا عَثْرَةَ عَيْنًا﴾،
وهو غيرُ لائق بالنَّظم الجليل.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ أي: سبطٍ، والتعبيرُ عنهم بذلك للإيذان بكثرة كلِّ واحد
من الأسباط، و((أناس)) إما جمعٌ أو اسمُ جمعٍ، وذكر السَّعد أنَّ أهل اللغة يسمُّون
اسم الجمع جمعاً، و((علم)) بمعنى عرَفَ الناصب مفعولاً واحداً، أي: قد عرف.
﴿َثْرَبَهُمْ﴾ أي: عينَهم الخاصَّة بهم، ووجهُ الجمع ظاهرٌ.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيَّهِمُ الْغَمَمَ﴾ أي: جعلنا ذلك بحيث يُلقي عليهم ظلَّه ليَقيهم من حرِّ
الشمس، وكان يسيرُ بسَيْرهم، ویسکُنُ بإقامتهم.
﴿وَأَنَزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَ وَالسَّلْوَىِ﴾ أي: الترنجبين والسُّمانى، فكان الواحدُ منهم
یأخُذُ ما يكفيه من ذلك.
﴿كُلُواْ﴾ أي: قلنا، أو قائلين لهم: كلوا ﴿مِن طََّتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ أي:
مستلَذَّاته، و((ما)) - موصولةً كانت أو موصوفة - عبارةٌ عن المنِّ والسَّلوى.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عطفٌ على محذوفٍ للإيجاز والإشعار بأنَّه أمرٌ محقَّق غنيٌّ عن
التصريح، أي: فظلموا بأن كفروا بهذه النِّعم الجليلة، وما ظلمونا بذلك، ﴿وَلَكِن
بالكفر؛ إذ لا يتخطَّاهم ضَرَرُه، وتقديمُ المفعول
١٦٠)
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
لإفادة القصر الذي يقتضيه النفيُ السَّابق، وفي الكلام من التهكّم والإشارةِ إلى
تماديهم على ماهم فيه ما لا يخفى.
(١) في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٤٦.

الآية : ١٦١
٤٢٥
سُورَةُ الأَشْرَافِ
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ معمولٌ لـ: اذكُر، وإيراد الفعل هنا مبنيًّا للمفعول جرياً على
سنن الكبرياء، مع الإيذان بأنَّ الفاعل غنيٌّ عن التصريح به، أي: اذكر لهم وقتَ
قولنا لأسلافهم: ﴿أَسْكُنُواْ هَذِهِ اُلْقَرْيَةَ﴾ القريبةَ منكم، وهي بيتُ المقدس، أو
أريحاء، والنصبُ مبنيٌّ على المفعولية، كسكنتُ الدار، أو على الظرفية اتِّساعاً.
والتعبير بالسُّكنى هنا للإيذان بأنَّ المأمور به في ((البقرة)) الدخولُ بقصد الإقامة،
أي: أقيموا في هذه القرية.
﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: مطاعمها وثمارها، أو منها نفسِها على أنَّ ((من))
تبعيضيَّةٌ، أو ابتدائية. ﴿حَيْثُ شِئْتٌ﴾ أي: من نواحيها من غير أن يزاحمَكم أحدٌ،
وجيء بالواو هنا وبالفاء في ((البقرة)) لأنَّ قيل هناك: ﴿وَآَدْخُلُواْ﴾ [الآية: ٥٨]، فحسُنَ
ذِكْرُ التعقيب معه، وهنا: ((اسكنوا))، والسُّكْنى أمر ممتدٌّ، والأكل معه لا بعده،
وقيل: إنه إذا تفرَّع المسبَّب على السبب اجتمعا في الوجود، فيصحُّ الإتيان بالواو
والفاء، وفيه أنَّ هذا إنما يدلُّ على صحة العبارتين، وليس السُّؤال عن ذلك.
وذكر ﴿رَغَدًا﴾ هناك [البقرة: ٣٥] لأنَّ الأكل في أول الدُّخول يكونُ ألذَّ، وبعد
السُّكنى واعتيادِه(١) لا يكونُ كذلك، وقيل: إنه اكتَفَى بالتعبير بـ ((اسگُنوا)) عن ذِكْره؛
لأنَّ الأكل المستمرَّ من غير مزاحم لا يكونُ إلا رغداً واسعاً، وإلى الأول ذهب
صاحبُ ((اللباب))(٢)، ويَرِدُ على القُولين أنه ذكر ﴿رَغَدًا﴾ مع الأمر بالسُّكنى في
قصّة آدم عليه السلام، ولعلَّ الأمر في ذلك سهلٌ.
﴿وَقُولُواْ حِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ مرَّ الكلامُ فيه في ((البقرة)) [الآية: ٥٨]،
غيرَ أنَّ ما فيها عكسُ ما هنا في التقديم والتأخير، ولا ضيرَ في ذلك، لأنَّ المأمور
به هو الجمعُ بين الأمرين من غير اعتبارِ الترتيب بينهما، وقال القطب: فائدةٌ
الاختلاف التَّنبيهُ على حُسْن تقديم كلٍّ من المذكورين على الآخر؛ لأنه لمّا كان
المقصودُ منهما تعظيمَ الله تعالى، وإظهارَ الخشوع والخضوع، لم يتفاوت الحالُ في
التقديم والتأخير.
﴿ِتَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيّئَتِكُمْ﴾ جزمٌ في جواب الأمر.
(١) تحرفت في (م) إلى: واعتباره.
(٢) اللباب لابن عادل ٩/ ٣٥٤.

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٤٢٦
الآية : ١٦٢
وقرأ نافعٌ، وابنُ عامر، ويعقوب: (تُغفَر)) بالتاء والبناء للمفعول، و((خطيئاتُكُمْ))
بالجمع والرَّفع غير ابن عامر؛ فإنه وحَّد، وقرأ أبو عمرو: ((خطاياكم)) كما في
سورة البقرة(١)، وبيَّن القطبُ فائدة الاختلاف بين ما هناك وما هنا على القراءةِ
المشهورة بأنها الإشارةُ إلى أنَّ هذه الذنوب سواءٌ كانت قليلةً أو كثيرةً فهي مغفورةٌ
بعد الإتيان بالمأمور به.
وطَرْح الواو هنا من قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (®﴾ إشارةٌ إلى
أنَّ هذه الزيادة تفضُّلٌ محضٌ ليس في مقابلة ما أُمِروا به كما قيل، والمراد أنَّ
امتثالَهم جازاه الله تعالى بالغفران وزاد عليه، وتلك الزيادةُ فضلٌ محضّ منه تعالى،
فقد يَدْخُل في الجزاء صورةً لترتُّبِهِ (٢) على فعلهم، وقد يخرُجُ عنه؛ لأنَّه زيادةٌ على
ما استحقُّوه، ولذا قُرِنَ بالسِّين الدالّة على أنه وعدٌ وتفضُّلٌ، ومفعولُ ((نزيد))
محذوفٌ، أي: ثواباً .
وزيادةُ ((منهم)) في قوله تعالى شأنه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ لزيادة البيان،
أي: بدَّل الذين ظلموا من هؤلاء بما أُمروا به من التوبة والاستغفار؛ حيث أعرضوا
عنه، ووضعوا موضعَه ﴿قَوْلًا﴾ آخر مما لا خيرَ فيه ﴿غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ﴾ وأُمروا
بقوله. و((غير)) نعتٌ للقول، وصرَّح بالمغايرة مع دلالة التبديل عليها تحقيقاً
للمخالفة، وتنصيصاً على المغايرة من كلِّ وجه.
﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إثرَ ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير ﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾
عذاباً كائناً منها، وهو الطاعون في رواية. ﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي:
بسببٍ ظلمهم المستمرِّ السابق واللاحق، وهذا بمعنى ما في ((البقرة)) [الآية: ٥٩]؛
لأنَّ ضميرَ ((عليهم)) لـ ((الذين ظلموا))، والإرسال من فوق إنزالٌ، والتصريحُ بهذا
التعليل لما أنَّ الحكم ها هنا مرتَّب على المضمَرِ دون الموصول بالظلم كما في
((البقرة))، وأما التعليل بالفسق بعد الإشعار بعلِيَّة الظلم هناك فللإيذان بأنَّ ذلك فسقٌ
وخروجٌ عن الطاعة، وغلوٌّ في الظلم، وأن تعذيبَهم بجميع ما ارتكبوا من القبائح
كما قيل.
(١) التيسير ص١١٤، والنشر ٢١٥/٢ و٢٧٢.
(٢) في الأصل: لترتيبه، والمثبت من (م)، وحاشية الشهاب ٢٢٨/٤، والكلام منه.

الآية : ١٦٣
٤٢٧
سُورَةُ الأَغرافى
وقال القطب في وجه المغايرة: إنَّ الإرسال مشعِرٌ بالكثرة، بخلاف الإنزال،
فكأنَّه أنزَلَ العذابَ القليل، ثم جعَلَه كثيراً، وإن الفائدةَ في ذكر الظّلم والفِسْق في
الموضعين الدلالةُ على حصولهما فيهم معاً.
وقد تقدَّم لك في وجوه المغايرة بين آية ((البقرة)) وهذه الآية ما ينفعُكَ تذكُّرُه،
فتذگَّر.
﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ عطفٌ على اذكر المشار إليه فيما تقدَّم آنفًا(١)، والخطابُ
للنبيِّ وَّهِ، وضميرُ الغَيبة لمن بحضرته عليه الصلاة والسلام من نسل اليهود، أي:
واسأل اليهودَ المعاصرين لك سؤالَ تقريعٍ وتقريرٍ (٢) بتقدُّم تجاوزهم لحدودِ الله
تعالى، والمرادُ إعلامُهم بذلك؛ لأنَّهم كانوا يُخفونِهِ، وفي الاطلاع عليه مع كونه
عليه الصَّلاة والسَّلام ليس ممَّن مارس كتُبَهم أو تعلَّمه من علمائهم ما يقضي بأنَّ
ذلك عن وحي، فيكونُ معجزةً شاهدةً عليهم.
﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن خبرِها وحالها وما وقع بأهلها من ثالثة الأثافيِّ،
والمراد بالسؤال عن ذلك ما يعمُّ السؤال عن النفس وعن الأهل، أو الكلامُ على
تقدير مضاف، والمراد: عن حال أهل القرية، وجُوِّز التجوُّزُ فيها. وهي عند ابن
عباس وابن جُبَير أَيْلَة: قريةٌ بين مَذْيَن والظُور. وعن ابن شهاب: هي طَبَرِية.
وقيل: مَذْين. وهي رواية عن الحَبْر. وعن ابن زيد أنَّها مَقْنا بين مَدْين وعَيْنونا(٣).
﴿اَلَّى كَانَتْ حَاضِرَةَ أَلْبَحْرِ﴾ أي: قريبةً منه، مُشْرِفَةً على شاطئه.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ أي: يظلمون ويتجاوزون حدودَ الله تعالى بالصيد يوم
السبت، أو بتعظيمه، و((إذ)) بدلٌ من المسؤول عنه بدلَ اشتمالٍ، أو ظرفٌ للمضاف
المصدر (٤)، قيل: واحتمالُ كونه ظرفاً لـ ((كانت)) أو ((حاضرة)) ليس بشيء؛ إذ
لا فائدةَ بتقييد الرُّكون أو الحضور بوقت العدوان، وضمير((يَعْدون)» للأهل المقدَّر،
أو المعلوم من الكلام، وقيل: إلى ((القرية)) على سبيل الاستخدام.
(١) يعني المقدر عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أُسْكُنُواْ ... ﴾. حاشية الشهاب ٢٢٨/٤.
(٢) هو الحمل على الإقرار، سواء كان بالاستفهام، أو بنحو: أسألكم عن كذا. قاله الشهاب.
(٣) ويقال: هي عين أُنا، وأنا: وادٍ على الساحل بين الصلا ومدين. معجم البلدان ٤/ ١٨٠ .
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: المقدَّر، وهو: أهل. ينظر حاشية الشهاب ٢٢٩/٤.

سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
٤٢٨
الآية : ١٦٣
وقُرِىء: (يَعَدُّون))(١) بمعنى يعتدون، أُدغِمت التاء في الدال، ونُقلت حركتُها
إلى العين. و: ((يُعِدُّون))(٢) من الإعداد، حيث كانوا يعدون آلات الصَّيد يوم السبت
وهم منهُّون عن الاشتغال فيه بغير العبادة.
﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ ظرف لـ (يَعْدُون))، أو بدلٌ بعد بدلٍ، وإلى الأول ذهبَ
أكثرُ المعربين، وهو الأولى؛ لأنَّ السؤال عن عدوانهم أبلغُ في التقريع.
و ((حيتان)) جمعُ حوتٍ، أُبدِلت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلَها، كنون
ونينات لفظاً ومعنى، وإضافتُها إليهم باعتبار أنَّ المراد الحيتان الكائنة في تلك
الناحية التي هم فيها. وقيل: للإشعار باختصاصها بهم؛ لاستقلالها بما لا يكاد
يوجد في سائر أفراد الجنس من الخواصِّ الخارقة للعادة. ولا يخفى بعدُه.
﴿يَوْمَ سَبّتِهِمْ﴾ ظرف لـ ((تأتيهم))، أي: تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السبت، وهو
مصدر سَبَتَتِ اليهودُ: إذا عظّمت يومَ السبت بترك العمل، والتفرُّغ للعبادة فيه.
وقيل: اسمٌ لليوم، والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه.
ويؤيد الأولَ قراءةُ عُمَر بن عبد العزيز: (يوم إسباتهم))(٣)، وكذا النفي الآتي.
﴿شُرَّعًا﴾ أي: ظاهرةً على وجه الماء كما قال ابن عباس ﴿ُمًا، قريبةً من
الساحل، وهو جمعُ شارعٍ، من شرع عليه: إذا دنا وأشرَفَ، وفي الشَّرع معنى
الإظهار والتبيين، وقيل: حيتان شُرَّع: رافعةٌ رؤوسَها، كأنه جعل ذلك إظهاراً
وتبييناً. وقيل: المعنى: متتابعةً، ونُسِب إلى الضخَّاك. والظاهرُ أنها ظاهرةٌ، وهو
نصبٌ على الحال من الحيتان.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ أي: لا يُراعون أمرَ السبت، وهو على حدٍّ قوله:
على لاحِبٍ لا يُهتَدَى بمنارِهِ(٤)
إذ المقصودُ انتفاءُ السبت والمراعاة.
(١) القراءات الشاذة ص٤٦، والمحتسب ٢٦٤/١، والبحر ٤١٠/٤.
(٢) الكشاف ٢/ ١٢٥، والبحر ٤/ ٤١٠.
(٣) القراءات الشاذة ص٤٧، وتفسير القرطبي ٩/ ٣٦٣.
(٤) صدر بيت لامرئ القيس، وقد سلف ١/ ٤٥٧.

الآية : ١٦٤
٤٢٩
سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((لا يُسْبِتون)) بضمِّ حرف المضارعة، من
أسبت: إذا دخل في السَّبت، كأصبح: إذا دخل في الصَّباح. وعن الحسن أنه قرأ:
((لا يُسْبَتون)) على البناء للمفعول(١)، بمعنى لا يدخلون في السبت، ولا يُؤْمرون فيه
بما أُمروا به يومَ السبت. وقرئ: ((لا يَسْبُتُون)) بضمِّ الباء (٢).
والظرفُ متعلِّق بقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ أي: لا تأتيهم يومَ لا يسبتون
كما كانت تأتيهم يومَ السبت؛ حذراً من صيدهم؛ لاعتيادها أحوالَهم، وأنَّ ذلك
المحضٍ تقدير العزيز العليم، وتغييرُ السَّبْك حيث قدَّمَ الظرف على الفعل ولم
يعكس؛ لِمَا أنَّ الإتيانَ يوم سَبْتهم مَظِنَّةٌ - كما قيل - لأَنْ يقال: فماذا حالُها يوم
لا يَسْبِتُون؟ فقيل: ((يوم لا يَسِتُون لا تأتيهم)).
كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نعاملُهم معاملةَ المختبرِين لهم؛ ليظهر منهم ما يظهر،
فنؤاخِذَهم به. وصيغةُ المضارع لحكاية الحال الماضية؛ لاستحضار صورتها
والتعجيبٍ منها، والإشارةُ إما إلى الابتلاء السابق، أو إلى الابتلاء المذكور بعدُ
كما مرَّ غير مرَّةٍ، وقيل: الإشارةُ إلى الإتيان يوم السبت، وهي متَّصلةٌ بما قبلُ،
أي: لا تأتيهم كذلك الإتيان يومَ السبت، والكافُ في موضع نصبٍ على الحال عند
الطَّبرسي(٣)، وجُوِّز أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لمصدر مقدَّر، أي: إتيانًا
كائناً كذلك، وجملةُ(نبلوهم)) استئنافٌ مبنيٌّ على السُّؤال عن حكمة اختلاف حال
الحيتان بالإتيان تارةً وعَدمِه أخرى.
﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٣)﴾ أي: بسبب فِسْقِهم المستمرِّ في كلِّ ما يأتون
ويَذَرون، وهو متعلِّق بما عنده. وتعلَّق ((إذ يعدون)) بـ ((نبلوهم))، و ((بما)) بـ ((يعدون))،
على معنى: نبلوهم وقتَ العدوان بالفِسْق، ممَّا لا ينبغي تخريجُ كتابِ الله تعالى
الجلیل علیه .
﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ عطفٌ على ((إذ يعدون))، مسوقٌ لبيان تماديهم في العدوان، وعدمٍ
(١) قراءة علي والحسن في القراءات الشاذة ص٤٧، والبحر ٤/ ٤١١.
(٢) البحر ٤ / ٤١١.
(٣) في مجمع البيان ٩ (تتمة)/٤٨، وقد أورده احتمالاً، ورجح كونها في موضع نصب
بـ ((نبلوهم)).

سُوَّةُ الْأَّغَرَافِ
٤٣٠
الآية : ١٦٤
انزجارهم عنه بعد العِظات والإنذارات. قال العلَّامتان الطَّيبيُّ والتفتازانيُّ:
ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ((إذ تأتيهم)) وإن كان أقربَ لفظًا؛ لأنه إمَّا بدلٌ أو
ظرفٌ، فيلزَمُ أن يدخُلَ هؤلاء القائلون في حكم أهل العدوان، وليس كذلك، وهذا
- على ما قيل - على تقدير الظرفية ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير الإبدال فلأنَّ البدلَ أقربُ
إلى الاستقلال، واستُظهِرَ في بيان وجه ذلك أنَّ زمانَ القول بعد زمان العدوان،
ومغايرٌ له، واعتبارُ كونه ممتدًّا كسنةٍ مثلاً يقع فيه ذلك كلُّه تكلُّفٌ من غير مقتضٍ،
والقولُ بأن العطفَ على ذاك يُشعر أو يوهم أنَّ القائلين من العادين في السبت لا من
مطلق أهلِ القرية، فيه ما فيه.
﴿أُنَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: جماعةٌ من صُلَحائهم الذين لم يألوا جُهداً في عِظَتهم
حين يئسوا من احتمال القَبول لآخرين لم يُقلعوا عن التَّذكير رجاءَ النفع
والتأثير: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أي: مستأصِلُهم بالكلِّية، ومطهّرٌ وجهَ
الأرض منهم، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دون الاستئصال بالمرَّة.
وقيل: مهلكُهم في الدنيا، أو معذِّبُهم في الآخرة؛ لعدم إقلاعهم عمَّا هم عليه
من الفِسق. والترديدُ لمنع الخلوِّ على هذا.
وإيثارُ صيغة اسم الفاعل في الشِّقَّين للدّلالة على تحقّق كلٍّ من الإهلاك
والتعذيب وتقرُّرِهما البتّةَ، كأنَّهما واقعان، وإنَّما قالوا ذلك مبالغةً في أنَّ الوعظ
لا ينجَعُ فيهم؛ إذ المقصودُ: لا تَعِظوا، أو: أَتَعِظون، فعَدَل عنه إلى السُّؤال عن
السبب؛ لاستغرابه، لأنَّ الأمر العجيبَ لا يُدرَى سببُه. أو سؤالاً عن حكمةِ الوعظ
ونفعِهِ. وقيل: إنَّ هذا تقاوُلٌ وقع بين الصُّلحاء الواعظين، كأنه قال بعضُهم لبعض :
لم نَشتغِلُ بما لا يُفيد؟ ويَحتمِل على كلا القولين أنَّ ذلك صدَرَ من القائل بمحضرٍ
من القوم، فيكون متضمِّنًا لحثِّهم على الاتِّعاظ؛ فإنَّ بتَّ القول بهلاكهم أو عذابهم
ممَّا يُلقي في قلوبهم الخوفَ والخشيةَ.
وقيل: قائلو ذلك المعتدون في السبت، قالوه(١) تهكُّماً بالنَّاصحين المخوِّفين
لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعدٌ كما ستقفُ عليه قريبًا إن شاء الله تعالى.
(١) في (م): قالوا.

الآية : ١٦٥
٤٣١
سُورَةُ الأَغْرَافِ
﴿قَالُواْ﴾ أي: المقولُ لهم ذلك: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: نعِظُهم معذرةً إليه
تعالى، على أنه مفعول له، وهو الأنسَبُ بظاهر قولهم: ((لم تعِظُون)). أو: نعتذِرُ
معذرةً، على أنه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ. وقيل: هو مفعولٌ به للقول، وهو
- وإن كان مفردًا - في معنى الجملة؛ لأنه الكلامُ الذي يُعتَذَر به.
والمعذرةُ في الأصل بمعنى العُذْر: وهو التنصُّلُ من الذَّنب، وقال الأزهريُّ:
إنه بمعنى الاعتذار(١)، وعدَّاه بـ ((إلى)) لتَضْمينه معنى الإنهاء والإبلاغ. وفي إضافة
الربِّ إلى ضمير المخاطبين نوعُ تعريضٍ بالسائلين، وهذا الجوابُ على القولين
الأوَّلين ظاهرٌ، وعلى الأخير؛ قيل: إنه من تلقِّي السائل بغير ما يترقَّب، فهو من
الأسلوب الحكيم.
وقرأ مَنْ عدا حفص والمفضَّل: ((معذرةٌ)) بالرفع(٢) على أنه خبرُ مبتدأ محذوف،
أي: موعظتُنا معذرةٌ إليه تعالى حتى لا نُنسَبَ إلى نوعِ تفريط في النَّهي عن المنكر.
﴿وَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ (٣)﴾ عطفٌ على (معذرة))، أي: ورجاءَ أنْ يتَّقوا بعضَ التُّقاة؛
فإنَّ اليأس المحقَّق لا يحصُلُ إلا بالهلاك. قال شيخُ الإسلام: وهذا صريحٌ في أن
القائلين: ((لم تعظون)) إلخ ليسوا من الفرقة الهالكة، وإلا لوجَبَ الخطاب(٣). اهـ.
وقد يُوجَّه ذلك على ذلك القول بأنَّه التفاتٌ أو مشاكلةٌ؛ لتعبيرهم عن أنفسهم في
السؤال(٤) بـ ((قوم))، وإما لجعله باعتبار غير الطائفة القائلين، إلا أنَّ كلَّ ذلك خلافُ
الظاهر.
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهٍِ﴾ أي: تركوا ما ذكَّرهم به صلحاؤهم تَرْكَ الناسي
للشيء، وأعرضوا عنه إعراضًا كلِّيًّا، فـ ((ما)) موصولةٌ. وجُوِّز أن تكون مصدريةً،
وهو خلافُ الظاهر.
والنسيانُ مجازٌ عن التَّرك، واستُظهِرَ أنَّه استعارةٌ، حيث شبَّه التركَ بالنِّسيان
بجامع عدم المبالاة، وجُوِّز أن يكون مجازًا مرسلاً؛ لعلاقة السَّببية. ولم يُحمَلْ
(١) تهذيب اللغة ٣٠٦/٢.
(٢) التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٢/٢، ولم نقف على من نسب القراءة للمفضل.
(٣) تفسير أبي السعود ٣٨٥/٣.
(٤) في الأصل: بالسؤال، والمثبت من (م).

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٣٢
الآية : ١٦٥
على ظاهره - كما قال بعضُ المحققين - لأنَّه غيرُ واقع، ولأنَّه لا يُؤاخَذُ بالنسيان،
ولأنَّ التركَ عن عمدٍ هو الذي يترتَّبُ عليه إنجاءُ الناهين في قوله سبحانه وتعالى:
﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾ إذ لم يمتثلوا أمرَهم، بخلاف ما لو نسوه، فإنَّه كان
یلزَمُھم تذکیرُهم.
وظاهرُ الآية ترتُّبُ الإنجاء على النسيان، وهو في الحقيقة مرتَّب على
النسيان والتَّذكير، وما في حيِّز الشَّرط مشيرٌ إليهما، فكأنَّه قيل: فلما ذكّر
المذكِّرون، ولم يتذكَّر المعتدون، وأعرضوا عمَّا ذُكِّروا به، أنجينا الأولين
وأخذنا الآخرين.
وعنوانُ النهي عن السُّوء شاملٌ للذين قالوا: ((لم تعظون)) إلخ، وللمقول لهم
ذلك، أما شمولهُ للمقول لهم فواضحٌ، وأما شمولُه للقائلين فلأنَّهم نَهَوا أيضًا،
إلا أنَّهم رأَوا عدمَ النفع، فكفُّوا، وذلك لا يضرُّهم، فقد نصُّوا على أنه إذا عَلِم
الناهي حالَ المنهيِّ، وأن النهيَ لا يؤثِّر فيه سقَطَ عنه النهيُ، وربَّما وجب التركُ .
على ما قال الزمخشريُّ - لدخوله في باب العَبَث، ألا ترى أنك لو ذهبتَ إلى
المَّاسين القاعدين على الطُرق لأَخْذ أموالِ الفقراء وغيرهم بغير حقِّ لِتعظَهم
وتكُفَّهم عمَّا هم عليه، كان ذلك عَبَثًا منك، ولم يكن إلا سببًا للتلهِّي بك(١).
ولم يُعرِض أولئك كما أعرض هؤلاء؛ لعدم بلوغهم في اليأس كما بلغ
إخوانُهم، أو لفَرْط حِرْصهم وجِدِّهم في أمرهم، كما وصف الله تعالى رسولَه وَه
بقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَدَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ﴾ [الكهف: ٦].
ورُوي عن ابن عباس ﴾ّ أنه قال: لا أدري ما فعلت الفرقةُ الساكتة، وعَنَى
بهم القائلين، ومنشأُ قوله هذا - كما نطقت به بعض الروايات - أنه سَمِعَ قولَه
تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾
أي: بالاعتداء ومخالفة الأمر، ولم يَغُصْ رَّه مع أنه الغوَّاص، فقال له عكرمة:
جعلني الله فداكَ، ألا تراهم كيف أنكروا وكرهوا ما القومُ عليه، وقالوا ما قالوا؟
وإن لم يقل الله سبحانه: أنجيتُهم، لم يقل: أهلكتُهم. فأعجَبَه قولُه، وأمر له
(١) الكشاف ١٢٦/٢.

الآية : ١٦٥
٤٣٣
سُورَةُ الأَّغرافِ
بِبُرْدَين، وقال: نجت الساكتةُ(١). ونسَبَ الطبرسيُّ إليه رَُّه قولين آخرين في
الساكتة: أحدُهما: القول بالتوقُّف، وثانيهما: القولُ بالهلاك، وبه قال ابنُ زيد،
ورُوي عن أبي عبد الله رَّهُ(٢)، فالمأخوذُ حينئذٍ الساكتون والظالمون.
﴿يَعَذَابِ بَئِيٍ﴾ أي: شديد، وفسَّره الحَبْر بما لا رحمةً فيه، ويرجع إلى
ما ذُكِر، وهو فَعِيل إما وصفٌ، أو مصدر، كالنكير، وصف به مبالغةً، والأكثرون
على كونه وصفًا، من بَؤُسَ يَبْؤُسُ بأسًا: إذا اشتدَّ. وقال الراغب: البؤس والبأس
والبأساء: الشدّة والمكروه، إلا أنَّ البؤسَ في الفقر والحرب أكثر، والبأس
والبأساء في النكاية(٣).
وقرأ أبو بكر: ((بَيْأَس)) على فَيْعَل كضَيْغَم، وهو من الأوزان التي تكون في
الصِّفات والأسماء، والياءُ إذا زِيْدت في المصدر هكذا تُصَيِّره اسمًا أو صفةً،
كصَفْلِ وصَيْقَل (٤)، وعينُه مفتوحةٌ في الصحيح، مكسورةٌ في المعتلِّ كسيِّد، ومن هنا
قيل في قراءة عاصم في روايةٍ عنه: ((بَيْئِسٍ)) بكسر الهمزة: إنها ضعيفةٌ روايةً
ودرايةً، ويخفّفُها أنَّ المهموز أخو المعتل.
وقرأ ابنُ عامر: ((بِئْسٍ)) بكسر الباء وسكون الهمزة، على أنَّ أصلَه بَئِسٍ بباءِ
مفتوحة وهمزة مكسورة، کخَدِر، فسُگِّن للتخفيف، كما قالوا في کبِدٍ : كِبْد، وفي
كَلِمة: كِلْمة، وقرأ نافع: ((بِيسٍ)) بقلب الهمزة ياء كما قُلبت في ذيب(٥)؛ لسكونها
وانكسارٍ ما قبلَها. وقيل: إنَّ هاتين القراءتين مخرَّجتان على أنَّ أصل الكلمة بِنسَ التي
هي فعلُ ذمِّ، جُعلت اسمًا كما في قيلٍ وقالٍ(٦)، والمعنى: بعذابٍ مذمومٍ مكروه.
(١) أخرجه بنحوه مطولاً عبد الرزاق ١/ ٢٤٠، والطبري ٥١٥/١٠ - ٥١٦.
(٢) مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٥٢ .
(٣) مفردات ألفاظ القرآن: (بؤس).
(٤) الصيقل: شخّاذ السيوف وجَلَّاؤها. القاموس: (صقل).
(٥) القراءات في التيسير ص١١٤، والنشر ٢٧٢/٢، عدا قراءة: ((بَيْئِس)) بكسر الهمزة فإنها
شاذة. ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٤٧٠، والبحر ٤١٣/٤، والدر المصون ٤٩٨/٥.
(٦) وقد وردت هاتان الكلمتان في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد (١٨١٩٢)، والبخاري
(٦٤٧٣)، ومسلم (٥٩٣) و(١٤) [١٣٤١/٣]، وفيه: وكان ينهى عن قيل وقالٍ. وانظر
الحجة للفارسي ٤ / ١٠٠ .

سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
٤٣٤
الآية : ١٦٦
وقُرئ: ((بَيِّس)) كريِّس وكيِّس على قلب الهمزة ياءً، ثم إدغامها في الياء،
وقيل: على أنه من البُؤْسِ بالواو، وأصلُه بَيْوِس كمَيْوِت، فأُعِلَّ إعلالَه. و: ((بَيْسِ))
على التخفيف كهين. و: ((بائِس)) بزِنَة اسم الفاعل، أي: ذو بأسٍ وشدَّة. وقُرئ
غيرُ ذلك، وأوصل بعضُهم ما فيه من القراءات إلى ستٍّ وعشرين(١).
وتنكيرُ العذاب للتفخيم والتهويل.
﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أخذنا)) كالباء الأولى، ولا ضيرَ فيه؛
لاختلافهما معنىّ، أي: أخذناهم بما ذُكِر من العذاب بسبب فسقهم المستمرِّ،
ولا مانعَ من أن يكون ذلك سببًا للأخذ كما كان سببًا للابتلاء(٢)، وكذا لا مانع من
تعليله بما ذُكِر بعد تعليله بالظلم الذي في حيِّز الصلة؛ لأنَّ ذلك ظلمٌ أيضًا، ولم
یکتف بالأول لما لا يخفى.
﴿فَلَمَّا عَنَوْ﴾ أي: تكبّروا ﴿عَن ◌َّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: تركِ ذلك، ففي الكلام تقديرُ
مضافٍ؛ إذ التكبُّر والإباءُ عن المنهيّ عنه لا يُذَمُّ.
﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً خَسِينَ (٦) صاغرين أذِلَّاء، مُبعَدين عن كلِّ خير،
والأمرُ تكوينيٌّ لا تكليفيّ؛ لأنه ليس في وسعهم حتى يُكلَّفوا به، وهذا كقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن تَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] في أنه
يَحتمِل أن يكون هناك قولٌ، وأن يكون الغرضُ مجرَّد التمثيل.
والظاهرُ أن الله تعالى أوقع بهم نَكالاً في الدنيا غيرَ المسخ، فلم يُقلعوا عمّا
كانوا عليه، فمسَخَهم قردةً، وجُوِّز أن يكون المرادُ بالعذاب البَئيس هو المَسْخ،
وتكون هذه الآية تفصيلاً لما قبلها .
رُوي عن ابن عباس أن اليهود إنما افتُرِضَ عليهم اليومُ الذي افتُرِضَ علیکم،
(١) قراءة: (بَيِّس)) نسبها القرطبي ٣٦٨/٩ إلى نصر بن عاصم، وقراءة ((بَيْس)) نسبها الفارسي في
الحجة ٩٩/٤، وأبو حيان في البحر ٤١٣/٤ إلى خارجة عن نافع، وطلحة بن مصرف،
وقراءة: ((بائس)) نسبها أبو حيان ٤١٣/٤ إلى أبي رجاء عن علي ظُه، والقراءات الثلاث
من الشواذ، وانظر ما ورد من قراءات أخر في المصادر السابقة، وفي التذكرة لابن غلبون
٤٢٧/٢، وجامع البيان لأبي عمرو الداني ٦٦/٢، واللباب ٣٦٢/٩ وما بعدها.
(٢) تحرفت في (م) إلى: للابتداء.

الآية : ١٦٦
٤٣٥
سُوَدَّةُ الأَغْرَاقِ
وهو يومُ الجمعة، فخالفوا إلى يوم السبت واختاروه، فحُرِّم عليهم الصَّيد فيه،
وابتُلُوا به، فكانت الحيتانُ تأتيهم يوم السبتِ شُرَّعًا بِيْضًا سِمانًا، حتى لا يُرى الماءُ
من كَثْرتها، فمكثوا ما شاء الله تعالى لا يصيدون، ثم أتاهم الشيطان فقال: إنَّما
نُهيتُم عن أخذها يوم السبت، فاتَّخذوا الحياضَ والشَّبكات، فكانوا يَسُوقون الحيتان
إليها فيه، ثم يأخُذُونَها يوم الأحد.
وفي رواية أنَّ رجلاً منهم أخذ حوتًا، فحَزَمَه بخيطٍ، ثم ضرب له وتدًا في
الساحل وربَطَه به، وتركه في الماء، فلما كان الغدُ جاء فأخَذَه وأكلَه، فلاموه على
ذلك، فلما لم يأتِهِ العذابُ أَخَذَ في السبت القابل حوتين، وفعل ما فعل، ولم يُصِبْه
شيءٌ، فلما رأوا أن العذاب لا يعاجِلُهم تَجاسَروا، فأخذوا، ومَلَّحوا، وباعوا،
وكانوا نحوًا من اثني عشر ألفًا، أو من سبعين ألفًا، فصار أهلُ القرية أثلاثًا
كما قصَّ الله تعالى، فقال المسلمون للمعتدين: نحنُ لا نُساكِنُكم، فقسموا القريةَ
بجدارٍ، للمسلمين بابٌ، وللمعتدين بابٌ، وكانت القصَّة في زمن داود عليه
السلام، فلعَنَهم، فأصبح المسلمون ذاتَ يومٍ ولم يخرج من المعتدين أحدٌ، فقالوا :
إنَّ لهؤلاء لشأنًا، لعلَّ الخمر غلبَتْهم، فعَلَواً على الجدار، فإذا القومُ قردة، ففتحوا
البابَ ودخلوا عليهم، فعرفت القردةُ أنسابَها من الإنس، ولم تعرف الإنسُ أنسابَهم
منها، فجعلت تأتي إلى نسيبها، فتَشَمُّ ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم؟ فتقول
القِرَدَةُ برأسها: نعم، ثم ماتوا بعد ثلاثٍ(١).
وعن قتادة أن الشُّبَّان صاروا قردةً، والشيوخ خنازير.
وعن مجاهد أنه مُسِخَت قلوبُهم، فلو يوقَّقوا لفهم الحقِّ.
وأخرجٍ ابنُ جريرٍ (٢) وغيرُه عن الحسن قال: كان حوتًا حرَّمه الله عليهم في
يومٍ، وأحلّه لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله تعالى
عليّهم كأنَّه المخاض، ما يمتنع من أحدٍ، فجعلوا يهمُّون ويُمسِكون - وقلَّ ما رأيتَ
أحدًا أكثرَ الاهتمامَ بالذَّنب إلا واقَعَه - حتى أخذوه، فأكلوا - واللهِ - أَوْخَمَ أَكْلةٍ
(١) أخرجه بنحوه مطولاً عبد الرزاق ١/ ٢٤٠، والطبري ٥١٥/١٠.
(٢) في تفسيره ١٠/ ٥٢٣.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٤٣٦
الآية : ١٦٦
أكلَها قومٌ، أثقَلَها خِزْيًا في الدنيا، وأطولَها عذابًا في الآخرة، وايمُ الله تعالى
ما حوتٌ أخَذَه قومٌ فأكلوه أعظمَ عند الله تعالى من قتلِ رجل مؤمن، ولَلْمؤمنُ أعظمُ
حرمةً عند الله سبحانه من حوتٍ، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل موعِدَ قومِ الساعةَ
﴿وَالسّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾ .
وأخرج عَبْد بنُ حُمَيد عن عكرمة، أنه كان على شاطئ البحر الذي هم عندَه
صنمان من حجارةٍ مستقبلان الماء، يقال لأحدهما: لقيم، وللآخر: لقمانة،
فأوحى الله تعالى إلى السَّمك أن حُجَّ يوم السبت إلى الصَّنمين، وأوحى إلى أهل
القرية: إني قد أمرتُ السَّمك أن يَحُوا إلى الصَّنمين يوم السبت، فلا تتعرَّضوه
فيه، فإذا ذهب اليومُ فشأنكم به فصيدوه، فابتُلي القومُ، ووقع منهم ما مُسِخوا به
قردةٌ(١). وفي القلب من صحَّة هذا الأثر شيءٌ، ولعلَّه لا صحَّة له، كما لا يخفى
على من يعرف معنى الحجّ من المصلِّين.
ويشبه هذين الصَّنمين عين حوّلان(٢) قرب جزيرة الحَدِيثة من العراق، وهي
قريبةٌ من شاطئ الفرات، فإنَّ السمك يزورُها في أيام مخصوصةٍ من السَّنة، حتى
يُخَيَّل أنه لم يبق في بطن الفرات حوتٌ إلا قُذِف إليها، فيصيدُ أهلُ ذلك الصُّفْع منه
ما شاء الله تعالى، وينقلونَه إلى الجزائر والقرى القريبة منهم، كآلوس، وجُبَّة،
وعانات، وهِيْت، ثم ينقَطع فلا ترى سمكةً في العين بعد تلك الأيام إلى مثلها من
قابل، وسبحان الفعَّال لما يريد.
واستدلَّ بعضُ أهل العلم بقصة هؤلاء المعتدين على حرمةِ الحِيّل في الدِّين،
وأَيَّد ذلك بما أخرجه ابنُ بّة(٣) عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل قال: ((لا ترتكبوا
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٣٨/٣ مطولاً.
(٢) في (م): حق لان، وجاء عليها حاشية نصها: قوله: عين حق لان إلخ كذا بالأصل، ونص
في مسودة المؤلف مطموسة، لا يعلم هل هي حقلان، أو عفلان، أو لا، فحرر. اهـ.
(٣) هو أبو عبد الله، عبيد الله بن محمد، العُكبَريُّ الحنبلي، شيخ العراق، صاحب كتاب الإبانة،
إمام، عابد، فقيه، محدِّث، لكنه ذو أوهام. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ١٥: ومع قلة
إتقان ابن بطة في الرواية، فكان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابة
دعوة. اهـ. توفي سنة (٣٨٧هـ). السير ١٦/ ٥٢٩.

الآية : ١٦٧
٤٣٧
سِوَرَةُ الْأَغْرَافِ
ما ارتكبَ اليهودُ، فتستحِلُّوا محارم الله تعالى بأدنى الحِيَل))(١).
﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ معطوف على قوله سبحانه: ﴿وَسْتَلْهُمْ﴾ .
و(تأذَّن)) تفعّل من الإذن، وهو (٢) بمعنى آذَنَ، أي: أعلم، والتفعُّل يجيءُ بمعنى
الإفعال، كالتوعُد والإيعاد، وإلى هذا يَؤُوْل ما رُوي عن ابن عباس من أنَّ المعنى:
قال ربُّك. وفسَّره بعضُهم بعَزَمَ، وهو كنايةٌ عنه، أو مجازٌ؛ لأن العازم على الأمر
يُشاور نفسَه في الفعلِ والترك، ثم يجزِمُ، فهو يطلُبُ من النفس الإذنَ فيه.
وفي ((الكشف)): لو جُعل بمعنى الاستئذان دون الإيذان، كأنَّه يطلبُ الإذنَ من
نفسه، لكان وجهًا، وحيثُ جُعِلَ بمعنى عَزَم، وكان العازم جازمًا فُسِّر عَزَم بجَزَم
وقضَى، فأفاد التأكيد، فلذا أُجري مجرى القسم وأُجيب بما يُجاب به، وهو هنا:
﴿لَّعَثَنَّ﴾ وجاء: عزمتُ عليك لَتفعلنَّ(٣)، ولا يرِدُ على هذا أنه مقتضٍ(٤) لجواز
نسبة العزم إليه تعالى، وقد صُرِّح بمنع ذلك؛ لأنَّ المنع مدفوعٌ، فقد ورد: ((عَزْمةً
من عَزَمات الله تعالى))(٥) .
﴿عَلَيَّهِمْ﴾ أي: اليهود، لا المعتدين الذين مُسِخوا قردةً؛ إذ لم يَبْقوا
كما علمتَ، ويحتمل عود الضَّمير عليهم بناءً على ما رُوي عن الحسن، والمراد
حينئذٍ هم وأخلافُهم، وعودُه إلى اليهود والنصارى ليس بشيء، وإن ورد عن
مجاهد. والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((يبعثنَّ) على معنى: يُسلِّط عليهم البتّة.
﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: إلى انتهاء الدنيا، وهو متعلق بـ ((يبعث))، وقيل:
(١) أورده ابن كثير في تفسيره ٤٩٣/٣ بإسناد ابن بطة، وقال بعده: وهذا إسناد جيد.
(٢) قوله: وهو، ليس في الأصل.
(٣) يشير إلى قول عمر رَظُه لمعاوية عندما وجد منه ريح طيب في الحج: عزمت عليك لَتَرْجعَنَّ
فلَتَغْسلنَّه. أخرجه مالك في الموطأ ٣٢٩/١، وينظر حاشية الشهاب ٢٣١/٤.
(٤) في الأصل و(م): مقتضي، والمثبت هو الجادة. وينظر حاشية الشهاب ٢٣١/٤.
(٥) جزء من حديث معاوية بن حَيْدة في بيان زكاة الإبل، وفيه: ((ومن منعها فإنا آخذوها منه
وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا)) أخرجه أحمد (٢٠٠١٦)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي
في المجتبى ٢٥/٥. قال السندي في حاشيته على المسند في معنى قوله وَطيار:
((عزمة .... )): أي: حقًّا من حقوقه، وواجبًا من واجباته.

سُوَرَّةُ الأَّغَرَافِ
٤٣٨
الآية : ١٦٨
بـ ((تأذَّن))، وليس بالوجه. ولا يصحُّ - كما لا يخفى - تعلَّقه بالصّلة في قوله سبحانه:
﴿مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ يُذِيقُهم ويُوليهم ﴿سُوَءَ الْعَذَابِ﴾ كالإذلال، وضَرْبِ الجِزية،
وعدمٍ وجود مَنَعة لهم، وجَعْلِهم تحتَ الأيدي، وغير ذلك من فنون العذاب، وقد
بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصَّلاة والسلام بخت نصَّر، فخرَّب
ديارَهم، وقتل مقاتِلَتَهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضَرَبَ الجِزية على من بقي
منهم، وكانوا يؤدُّونها إلى المجوس، حتى بعث النبيُّ وَّر، ففعل ما فعل، ثم
ضرب الجِزية عليهم، فلا تزالُ مضروبةً إلى آخر الدَّهر، ولا ينافي ذلك رفعُها عند
نزول عيسى عليه الصَّلاة والسلام؛ لأنَّ ذلك الوقت ملحقٌ بالآخرة لقُربِهِ منها، أو
لأنَّ معنى رَفْعِه عليه السلام إِيَّاها عنهم أنه لا يَقبَلُ منهم إلا الإسلام، ويُخيِّرهم بينه
وبين السيف، فالقومُ حينئذٍ إما مسلمون، أو طُعْمةٌ لسيوفهم، فلا إشكال،
وما يحصُّلُ لهم زمن الدجّال ــ مع كونه ذلَّا في نفسه - غمامةُ صيفٍ، على أنهم
ليسوا يهود حين التبعيَّة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء،
وقيل: في الآخرة، وقيل: فيهما. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (9)﴾ لمن تاب وآمن.
﴿وَقَطَّعْنَهُ﴾ أي: فرَّقنا بني إسرائيل، أو صيّرناهم ﴿فِى الْأَرْضِ﴾، وجعلنا كلَّ
فرقةٍ منهم في قطر من أقطارها، بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم، تكملةً لإدبارهم
حتى لا يكون لهم شوكةٌ، وهذا من مغيَّيات القرآن، كالذي تضمنته الآيةُ قبلُ،
وقوله سبحانه: ﴿أُمَمَّاً﴾ إما مفعولٌ ثانٍ لـ ((قطّعنا))، وإما حالٌ من مفعوله.
﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾ وهم - كما قال الطبريُّ - من آمن بالله تعالى ورسوله، وثَبَتَ
على دينه قبل أن يُبْعث عيسى عليه الصَّلاة والسلام(١). وقيل: هم الذين أدركوا
النبيَّ بَّه وآمنوا به، ونُسِب ذلك إلى ابن عباس ومجاهد.
وقيل: هم الذين وراء الصِّين. وهو عندي وراء الصِّين.
والجارُّ متعلّق بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّم، و((الصالحون)) مبتدأ، وجُوِّز أن يكون فاعلاً
للظرف. والجملةُ في موضع النصب صفة لـ ((أُمم)) على الاحتمالين، وجُوِّز أن
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٣٤.

الآية : ١٦٩
٤٣٩
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
تكون في موضع الحال، وهي بدل من ((أمم)) على الاحتمال الثاني، وأن تكون
صفةً موصوفٍ مقدَّر هو البدل على الأول، أي: قومًا منهم الصالحون.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي منحظُون عن أولئك الصالحين، غيرَ بالغين منزلَتَهم في
الصلاح، وهم الذين امتثلوا بعض الأوامر وخالفوا بعضًا مع كونهم مؤمنين، وقيل :
هم الكَفَرة منهم، بناءً على أن المراد بالصلاح الإيمان، وقيل: المراد بهم ما يشمل
الكَفَرَة والفَسَقة .
والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٍ مقدَّم، و(دون)) على ما ذكره الطبرسي(١) مبتدأ،
إلا أنه بقي مفتوحًا لتمكّنه في الظرفية مع إضافته إلى المبنيِّ، ومثله على قول
أبي الحسن ﴿بَيْنَكُمْ﴾ في قوله سبحانه: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أو المبتدأ
محذوفٌ، والظرفُ صفتُه، أي: ومنهم أُناسٌ أو فرقةٌ دون ذلك، ومن المشهور عند
النُّحاة أن الموصوفَ بظرفٍ أو جملة يطَّرد حذفُه إذا كان بعضَ اسم مجرورٍ بـ ((من)) أو
(في)) مقدَّم عليه، كما في: منَّا أقام ومنَّا ظَعَن، ومَحَظُ الفائدة الانقسامُ، أي أنَّ هؤلاء
منقسمون إلى قسمين. ومن الناس من تكلّف في مثل هذا التركيب لجَعْل الظرف الأول
صفةً محذوفٍ وجَعْل الظرف الثاني خبرًا؛ لِمَا ظَّ داعيًا لذلك، وليس بشيء.
والإشارة للصالحين، وقد ذكروا أنَّ اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنَّی
والمجموع، وقد مرَّت الإشارة إليه، وقيل: أُشير به إلى الصَّلاح، كما يقتضيه ظاهرُ
الإفراد، ويُعدَّرُ حينئذٍ مضافٌ وهو ((أهل)) مثلاً .
﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْخَسَنَتِ﴾ الخِصْب والعافية ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ الجَدْبِ والشِّدَّة ﴿لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ﴾ أي: يتوبون عمَّا كانوا عليه مما نُهُوا عنه.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: المذكورين، وقيل: الصالحين ﴿خَلْفٌ﴾ أي: بدل
سَوْء، مصدرٌ نُعِتَ به، ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: هو اسم جمعٍ، وهو
مراد مَنْ قال: إنه جمعٌ، وهو شائع في الشَّر، ومنه: سكتَ ألفًا ونطق خلفًا(٢).
والخَلَف بفتح اللام في الخير، واذَّعى بعضُهم الوضعَ لذلك.
(١) في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٥٣.
(٢) مجمع الأمثال ٣٣٠/١، وجاء في شرحه: الخَلْف: الرديء من القول وغيره، ونصب ألفًا
على المصدر، أي: سكت ألفَ سكتةً، ثم تكلم بخطأ .

سُوْدَّةُ الأَعْرَافِ
٤٤٠
الآية : ١٦٩
وقيل: هما بمعنّى، وهو مَن يخلُفُ غيرَه، صالحًا كان أو طالحًا، ومن مجيء
الساكن في المدح قولُ حسان(١):
لنا القدمُ الأُولى إليك وخَلْفُنا لأوَّلنا في طاعة الله تابعُ
ومن مجيء المتحرك في الذمِّ قولُ لَبِيد(٢) :
ذهب الذین یُعاش في أکنافهم
وبقيتُ في خَلَفٍ كجلد الأجرب
وعن البصريين أنه يجوز التحريكُ والسكونُ في الرديء، وأمَّا الجيِّد فبالتحريك
فقط، ووافَقَهم أهلُ اللغة إلا الفرَّاء وأبا عبيدة(٣)، واشتقاقُه إما من الخلافة، أو من
الخُلُوف: وهو الفساد والتغيُّر، ومنه خُلُوف فم الصَّائم.
وقال أبو حاتم: الخَلْف بالسكون: الأولاد، الواحدُ والجمع فيه سواءٌ،
والخَلَف بالفتح: البَدَل، ولدًا كان أو غريبًا .
والأكثرون على أنَّ المراد بهؤلاء الخَلْف: الذين كانوا في عصر النبي ◌َّرَ،
وحينئذٍ لا يصحُّ تفسير الصالحين بمن آمن به عليه الصَّلاةُ والسلام، والظاهرُ أنهم
من اليهود، وعن مجاهد أنهم النصارى، وليس بذاك.
﴿وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: التوراةَ، والوراثةُ مجازٌ عن كونها في أيديهم، وكونهم
واقفين على ما فيها بعد أسلافهم.
وقرأ الحسن: ((وُرِّثوا)) بالضمِّ والتشديد مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعلُه(٤). والجملةُ
على القراءتين في موضع الصفة لـ ((خَلْف)).
وقوله سبحانه: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما يصنعون
بالكتاب بعد ورائتهم إيَّاه، وقال أبو البقاء: حالٌ من الضمير في ((ورثوا))(٥)،
واستظهره بعضُهم، ويكفي مقارنتُه لبعض زمان الوراثة لامتداده.
(١) ديوانه ص ٣١٠.
(٢) ديوانه ص١٥٣ .
(٣) معاني القرآن للفراء ٣٩٩/١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٣٢/١.
(٤) القراءات الشاذة ص٤٧، والبحر المحيط ٤ /٤١٦.
(٥) إملاء ما منَّ به الرحمن ٧٨/٣.