النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ١٥٠
٣٨١
سُورَةُ الأَغرافى
أبي حاتم، وابن حبان، والطبرانيُّ، وغيرهم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله:
((يرحَمُ الله تعالى موسى، ليس المُعايِنُ كالمُخبَرِ، أخبَرَه ربُّه تبارك وتعالى أنَّ قومَه
فُتِنوا بعدَه فلم يُلق الألواح، فلمَّا رآهم وعايَنَهم ألقى الألواح، فتكسَّر منها
ما تكسَّر))(١). فتأمَّل ولا تغفل.
وما رُوي عن ابن عباس أنَّ موسى عليه السلام لمَّا ألقى الألواح رُفِعَ منها ستةُ
أسباعٍ، وبقي سُبُع(٢)، وكذا ما رُوي عن غيره نحوُه = منافٍ لما رُوي فيما تقدَّم من
أنَّ التوراة نزلت سبعين وِقْرًا، يُقرأ الجزءُ منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعةُ نفرٍ:
موسى، ويُوشَع، وعُزَير، وعيسى عليهم السلام. وكذا لما يُذكر بعدُ من قوله
تعالى: ﴿أَخَذَ اَلْأَلْوَاحٌ﴾ [١٥٤] فإنَّ الظاهر منه العهد. والجوابُ بأن الرفعَ لما فيها
من الخطّ دون الألواح خلافُ الظاهر، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشعرٍ رأس هارون عليه السلام؛ لأنَّه الذي يؤخَذُ
ويُمسَكُ عادةً، ولا ينافي أخذَه بلحيته كما وقع في سورة ((طه))، أو أُدخِل فيه
تغليبًا .
﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ ظنًّا منه عليه السلام أنَّه قصَّر في كفِّهم، ولم يتمالك لشدَّة غضبه
وفَرْط غيظِهِ أَنْ فعل ذلك، وكان هارون أكبرَ من موسى عليهما السلام بثلاث سنين،
إلا أنَّ موسى أكبَرُ منه مرتبةً، وله الرسالةُ والرياسةُ استقلالاً، وكان هارون وزيرًا
له، وكان عليه السلام حمولاً، ليِّنًا جدًّا، ولم يقصِدْ موسى بهذا الأخذ إهانَتَه
والاستخفافَ به، بل اللومَ الفعليَّ على التقصير المظنون بحكم الرِّياسة وفَرْط
الحميَّة.
· والقولُ بأنه عليه السلام إنَّما أخَذَ رأسَ أخيه ليسارَّه، ويستكشفَ منه كيفيةً
الواقعة، ممَّا يأباه الذوق كما لا يخفى على ذَوِيه، ومثلُه القولُ بأنَّه إنما كان
لتسكين هارون؛ لما رأى به من الجَزَع والقلق.
(١) مسند أحمد (٢٤٤٧)، وكشف الأستار عن زوائد البزار (٢٠٠)، وتفسير ابن أبي حاتم ٥٪
١٥٧٠، وصحيح ابن حبان (٦٢١٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢٤٥١). وأخرجه كذلك
الحاكم ٣٢١/٢.
(٢) أخرجه الطبري ٤٥٦/١٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٠، وفيه أنها رفعت إلا سدسها.

ـورَةُ الأَغْرَافِ
٣٨٢
الآية : ١٥٠
وقال أبو علي الجُبَّائيُّ: إنَّ موسى عليه السلام أجرى أخاه مجرى نفسه، فصنَعَ
به ما يصنَعُ الإنسانُ بنفسه(١) عند شدَّة الغضب. وقال الشيخ المفيد من الشِّيعة: إن
ذلك للتألُّم من ضلال قومه، وإعلامِهم على أبلغ وجهٍ عِظَمَ ما فعلوه، لينزجروا عن
مثله. ولا يخفى أنَّ الأمر على هذا من قبيل :
غيري جَنَى وأنا المعاقَبُ فيكم فكأنَّني سبَّابة المتندِّم(٢)
ولعلَّ ما أشرنا إليه هو الأولى.
وجملة ((يجرُّه)) في موضع الحال من ضمير ((موسى))، أو من ((رأس))، أو من
((أخيه))؛ لأنَّ المضاف جزءٌ منه، وهو أحدُ ما يجوز فيه ذلك، وضعَّفه أبو البقاء(٣).
﴿قَالَ﴾ أي: هارون مخاطبًا لموسى عليه السلام؛ إزاحةً لظنّه: ﴿أَبْنَ أُمَّ﴾
بحذفٍ حرف النداء؛ لضيق المقام.
وتخصيصُ الأمّ بالذِّكْر (٤) مع كونهما شقيقين - على الأصحِّ - للترقيق، وقيل:
لأنها قامت بتربيته، وقاست في تخليصه المخاوفَ والشدائد.
وقيل: إن هارون عليه السلام كانت آثارُ الجمال والرحمة فيه ظاهرةً كما يُنبئُ
عنه قوله تعالى: ﴿وَوَهَبَّنَا لَهُ، مِن رَّحْمَيِّنَآ أَخَاهُ هَدُرُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وكان موردُه
ومصدرُه ذلك، ولذا كان يلهَجُ بذِكْر ما يدلُّ على الرحمة، ألا ترى كيف تلطّفَ
بالقوم لما قدموا على ما قدموا، فقال: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّهْمَنُ﴾؟
[طه: ٩٠]، ومن هنا ذَكَر الأم ونسب إليها؛ لأنَّ الرحمة فيها أتمُّ، ولولاها ما قدرتْ
على تربية الولد وتحمُّلِ المشاقٌّ فيها، وهو منزِعٌ صوفيٍّ كما لا يخفى.
واختلف في اسم أُمِّهما عليهما السلام: فقيل: لخيانة بنتُ يصهر بن لاوي،
وقيل: يوخابَذْ، وقيل: يارخا، وقيل: يازخت، وقيل غير ذلك، ومن النَّاس من زعم
(١) في الأصل و(م): به، بدل: بنفسه، والمثبت من مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٣٠، والكلام منه.
(٢) البيت لمحمد بن شرف القيرواني، شبه نفسه بسبابة المتندم؛ لأنها أول شيء يتألم في
المتندم. انظر الإيضاح في علوم البلاغة ١/ ٢١١، وخزانة الأدب ٤٦٣/٢-٤٦٤.
(٣) في الإملاء ٣/ ٦٤.
(٤) تحرفت في (م) إلى: بالمذكر.

الآية : ١٥٠
٣٨٣
سُورَةُ الَّغَرَافِ
أنَّ لاسمها ◌ُِّها خاصيَّةً في فتح الأقفال، وله رياضةٌ مخصوصةٌ عند أرباب الطَّلاسم
والحروف، وما هي إلا رهبانيَّةٌ ابتدعوها، ما أنزل الله تعالى بها من كتاب.
وقرأ ابنُ عامر، وحمزةٌ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصم هنا وفي ((طه)) [٩٤]:
((ابنَ أمِّ)) بالكسر، وأصله: ابن أمِّي، فحُذِفت الياءُ اكتفاءً بالكسرة تخفيفًا،
كالمنادى المضاف إلى الياء، وقرأ الباقون بالفتح زيادةً في التخفيف، أو تشبيهًا
بخمسة عشر (١).
﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ الذين فعلوا ما فعلوا ﴿اُسْتَضْعَفُونِ﴾ أي: استذلَّوني وقهروني، ولم
يُبالوا بي لقلَّة أنصاري ﴿وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ﴾ وقاربوا قتلي حين نهيتُهم عن ذلك،
والمراد أنِّي بذلتُ وسعي في كفِّهم، ولم آلُ جهدًا في منعهم.
﴿فَلَا تُقْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ﴾ أي: فلا تفعل ما يشمَتُون بي لأجله؛ فإنهم
لا يعلمون سِرَّ فعلك، والشماتة: سرورُ العدوِّ بما يصيبُ المرءَ من مكروه.
وقرئ: ((فلا تَشمُتْ بي الأعداءُ)) بفتح حرف المضارعة، وضمِّ الميم(٢)، ورفع
((الأعداء)» - حطّهم الله تعالى - وهو كنايةٌ عن ذلك المعنى أيضًا على حدٍّ: لا أرينَّكَ
هاهنا .
والمراد من الأعداء القومُ المذكورون، إلا أنه أُقيم الظاهرُ مقامَ ضميرهم،
ولا یخفی سِرُّه.
﴿وَلاَ تَّجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْرِ الظَّالِمِينَ (٣)﴾ أي: لا تجعلني معدودًا في عدادهم،
ولا تَسلُكْ بي سلوكَكَ بهم في المعاتبة، أو: لا تعتقدني واحدًا من الظالمين مع
براءتي منهم ومن ظلمهم، فالجَعْلِ مثلُه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَتَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ
عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتًّا﴾ [الزخرف: ١٩].
(١) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧٢/٢. وانظر تفسير البيضاوي ٢٢١/٤، والحجة للقراء السبعة
٨٩/٤ وما بعدها .
(٢) كذا نقل المصنف عن الشهاب الخفاجي ٢٢١/٤، والمذكور في كتب التفسير وكتب القراءات
الشاذة: ((تَشْمَتْ)) بفتح التاء والميم، و: ((تَشْمِتْ)) بفتح التاء وكسر الميم. ينظر القراءات
الشاذة لابن خالويه ص٤٦، والمحتسب ٢٥٩/١، وتفسير القرطبي ٣٤٣/٩-٣٤٤، والبحر
المحيط ٣٩٦/٤، والدر المصون ٤٦٩/٥.

سُؤَدَّةُ الأَغَرَافِ
٣٨٤
الآية : ١٥١ - ١٥٢
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكاية الاعتذار، كأنَّه قيل: فماذا قال
موسى عليه السلام عند اعتذار أخيه؟ فقيل: قال: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ﴾ ما فعلتُ بأخي
قبل جليَّة الحال. وحسناتُ الأبرار سيِّئاتُ المقرَّبين. ﴿وَلِأَخِى﴾ إن كان اتَّصف
بما يعدُّ ذنبًا بالنسبة إليه في أمر أولئك الظّالمين، وفي هذا الضمِّ ترضيةٌ له عليه
السلام، ورفعٌ للشماتة عنه.
والقولُ بأنَّه عليه السلام استغفرَ لنفسه ليُرضيَ أخاه ويُظهِرَ للشَّامِتِين رضاه؛ لئلّا
تتمَّ شماتتُهم به، ولأخيه؛ للإيذان بأنه محتاجٌ إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه
أن يقاتِلَهم = لي فيه توقُّفٌ لا يخفى وجهُهُ.
﴿وَأَدْخِلْنَا﴾ جميعًا ﴿فِى رَحْمَتِكٌ﴾ الواسعة بمزيد الإنعام علينا، وهذا ما يقتضيه
المقابلةُ بالمغفرة، والعدولُ عن: ارحمنا، إلى ما ذُكِر.
فلا غَرْوَ في انتظامنا في سِلْك رحمتك الواسعة
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَِّينَ
١٥١
في الدنيا والآخرة. والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلَه، وادعى بعضُهم
أنَّ فيه إشارةً إلى أنه سبحانه استجابَ دعاءه، وفيه خفاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ أي: بقوا على اتّخاذه واستمرُّوا عليه كالسامريِّ
وأشياعه، كما يُفصح عنه كونُ الموصول الثاني عبارةً عن التائبين، فإنَّ ذلك صريحٌ
في أنَّ الموصولَ الأولَ عبارةٌ عن المُصِرِّين.
وَسَيَنَالَهُمْ﴾ أي: سيلحقُهم ويصيبُهم في الآخرة جزاءَ ذلك ﴿غَضَبٌ﴾ عظيمٌ
لا يُقَادَرُ قَدْرُه، مستتبعٌ لفنون العقوبات؛ لعظم جريمتهم، وقُبح جريرتهم.
﴿مِّن رَّيِّهِم﴾ أي: مالكهم، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((ينالُهم))، أو بمحذوف
وقع نعتًا لـ ((غضب)) مؤكّداً لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية،
أي: كائنٌ من ربِّهم.
﴿وَزِلَةٌ﴾ عظيمةٌ ﴿فِى الْحَيَوةِ الذُّنْيَا﴾ وهي على ما أقول: الذّلَّة التي عَرَتهم عند
تحريق إلهِهم ونسفِه في اليَمِّ نسفًا، مع عدم القدرة على دفع ذلك عنه. وقيل: هي
ذِلَّة الاغتراب التي تُضرَبُ بها الأمثالُ، والمسكنةِ المنتظِمَةِ لهم ولأولادهم جميعًا،
والذلَّة التي اختُصَّ بها السامريُّ من الانفراد عن الناس، والابتلاء بـ ((لا مِساس)).

الآية : ١٥٢
٣٨٥
سُوَرَةُ الَّغْرَفِ
ورُوي أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مسَّ أحدَهم أحدٌ غيرُهم حُمَّا جميعًا في
الوقت، ولعلَّ ما ذكرناه أولى، والرواية لم نَرَ لها أثرًا. وإيرادُ ما نالَهم بالسِّين
للتغليب .
وقيل - وإليه يشير كلامُ أبي العالية -: المرادُ بهم التائبون، وبالغضب ما أُمِرُوا
به من قتل أنفسهم، وبالذلَّة إسلامُهم أنفسَهم لذلك، واعترافُهم بالضَّلال. واعتُذر
عن السين بأنَّ ذلك حكايةٌ عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبرَه
بافتتانِ قومه واتِّخاذهم العجلَ؛ فإنه قال له: ((سينالهم غضبٌ)» إلخ، فيكون سابقًا
على الغضب. وجُعلَ الكلامُ جوابَ سؤال مقدَّرٍ، وذلك أنه تعالى لما بيَّن أن القوم
ندِموا على عبادتهم العجلَ بقوله سبحانه: ﴿وَلَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ
صَلُوا﴾ والندم توبةٌ، ولذلك عقَّبوه بقولهم: ((لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا))، وذَكَرَ
عتابَ موسى لأخيه عليهما السلام، ثم استغفارَه، اتَّجه لسائلٍ أن يقول: يا ربِّ إلى
ماذا يصيرُ أمرُ القوم وتوبتهم، واستغفارُ نبيِّ الله تعالى؟ وهل قَبِلَ الله تعالى توبَتَهم؟
فأجاب: ((إنَّ الذين اتَّخذوا العجلَ سينالهم غضبٌ)) أي: نقمٌ قبل توبة موسى
وأخيه، وغفر لهما خاصَّةً. وكان من تمام توبة القوم أن الله سبحانه أمرَهم بقتل
أنفسهم، فسلَّموها للقتل، فوضع الذين اتَّخذوا العجل موضعَ القوم؛ إشعارًا
بالعِلِّيَّة.
وتُعقِّب بأن سياقَ النظم الكريم وكذا سِبَاقُه نابٍ عن ذلك نبؤًّا ظاهرًا، كيف
لا وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ (٣)﴾ ينادي على خلافه؛ فإنَّهم شهداءُ
تائبون، فكيف يمكن وصفُهم بعد ذلك بالافتراء؟ وأيضًا ليس يَجْزي الله تعالى كلَّ
المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهرُهُ قهرٌ، وباطنه لطفٌ ورحمةٌ، إلا أن يقال: يكفي
في صحَّة التشبيه وجودُ وجهِ الشَّبَه في الجملة، ولابدَّ من التزام ذلك على الوجه
الذي ذكرناه أيضًا.
وما ذُكِر في تحرير السؤال والجواب مما تمجُّه أسماع ذوي الألباب.
وقال عطيّة العوفيُّ: المرادُ سينال أولادَ الذين عبدوا العجلَ، وهم الذين كانوا
على عهد رسول الله وَله، وأُريد بالغضب والذِّلَّة ما أصاب بني النَّضير وقُرَيظة من
القتل والجَلاء، أو ما أصابَهم من ذلك، ومن ضَرْب الجِزْية عليهم. وفي الكلام

سُوَّةُ الأَّغَرَافِ
٣٨٦
الآية : ١٥٣
على هذا حذفُ مضافٍ وهو الأولادُ، ويحتمِلُ أن لا يكون هناك، وهو من تعيير
الأبناء بما فعل الآباءُ، ومثله في القرآن كثير.
وقيل: المرادُ بالموصول المتَّخِذون حقيقةً، وبالضَّمير في ((ينالُهم)) أخلافُهم،
وبالغضب الغضبُ الأخرويُّ، وبالذِّلَّة الجزيةُ التي وضَعَها الإسلامُ عليهم، أو
الأعمُّ منها؛ ليشمل ما ضَرَبَه بُختنصَّر عليهم.
وتُعقِّب ذلك أيضًا بأنه لا ريب في أن توسيط حالٍ هؤلاء في تضاعيف بيان
حال المتَّخذين من قبيل الفصل بين الشجر ولِحائه.
والمرادُ بـ ((المفترين)): المفترون على الله تعالى، وافتراءُ أولئك عليه سبحانه
قولُ السامريِّ في العجل: هذا إلهكم وإله موسى، ورضاهم به، ولا أعظمَ من هذه
الفرية، ولعلَّه لم يَفْتَرِ مثلَها أحدٌ قبلَهم ولا بعدَهم.
وعن سفيان بن عُيَينة أنه قال: كلُّ صاحبٍ بدعةٍ ذليلٌ، وتلا هذه الآية.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ أيَّ سيئةٍ كانت؛ لعموم المغفرة، ولأنَّه لا داعيَ
للتَّخصيص ﴿ثُمَّ تَابُواْ﴾ عنها ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد عملها، وهو تصريحٌ
بما تقتضيه (ثم)).
﴿وَءَامَنُواْ﴾ أي: واشتغلوا بالإيمان وما هو مقتضاه وبه تمامُه من الأعمال
الصالحة، ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا كالطائفة الأولى، وهو عطفٌ على ((تابوا))،
ويحتمِلُ أن يكون حالاً بتقدير قد. وأيَّاما كان فهو - على ما قيل - من ذكر الخاصِّ
بعد (١) العامّ للاعتناء به؛ لأنَّ التوبة عن الكفر هي الإيمان، فلا يقال: التوبةُ بعد
الإيمان، فكيف جاءت قبله؟
وقيل: حيث كان المراد بالإيمان ما تدخُلُ فيه الأعمال يكون بعد التوبة.
وقيل: المرادُ به هنا التصديقُ بأنَّ الله تعالى يغفرُ للتائب، أي: ثم تابوا
وصدَّقوا بأن الله تعالى يغفِرُ لمن تابَ.
﴿إِنَّ رَبِّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد التوبة المقرونة بما لا تُقبَلُ بدونه، وهو
(١) تحرفت من (م) إلى: بعدم.

الآية : ١٥٣
٣٨٧
سُوَّةُ الَّغَافِ
الإيمان. ولم يجعَل الضميرَ للسَّيِّئَات؛ لأنَّه - كما قال بعضُ المحقّقين - لا حاجةَ له
بعد قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا﴾، لا لأنَّه يحتاجُ إلى حذفِ مضافٍ
ومعطوف، [أي:](١) من عملها والتوبةِ عنها؛ لأنَّه لا معنى لكونه من بعدها
إلَّا ذلك.
مبالغٌ في إفاضة فنون
١٥٣
﴿لَغَفُورٌ﴾ لذنوبهم وإن عظُمَت وكَثُرَت، ﴿رَحِيمٌ
الرَّحمة عليهم.
والموصولُ مبتدأٌ، وجملة ((إن ربك)) إلخ خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ عند
أبي البقاء(٢): لغفورٌ لهم، رحيمٌ بهم.
والتعرُّض لعنوان الرُّبوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتَّشريف،
وقيل: الخطابُ للتائب، ولا يخفى لطفُ ذلك أيضًا.
وفي الآية إعلامٌ بأنَّ الذنوبَ، وإن جلَّت وعظُمت، فإنَّ عَفْوَ الله تعالى وكَرَمَه
أعظمُ وأجلُّ، وما ألطفَ قول أبي نُواس(٣) غَفَرَ الله تعالى له:
فلقد علمتُ بأنَّ عفوَكَ أعظمُ
يا ربِّ إن عظُمَت ذنوبي كثرةً
فبمن يلوذُ ويستجِيرُ المجرِمُ
إن كان لا يرجوكَ إلا محسنٌ
وممَّا يُنسب للإمام الشافعي رضيُه(٤):
جعلتُ الرَّجا ربي لعفوك سُلَّما
ولمَّا قسا قلبي وضاقَتْ مذاهبي
بعفوكَ ربي كان عفوكَ أعظَما
تعاظَمَني ذنبي فلمَّا قرنتُه
ويعجبني قولُ بعضهم، وما أولى هذا المذنبَ به:
هو غافرٌ هو راحمٌ هو عافي
أنا مذنبٌ أنا مخطئ أنا عاصي
وستغلبَنْ أوصافُه أوصافي
قابلتُهنَّ ثلاثةً بثلاثةٍ
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٢٢/٤، والكلام منه.
(٢) إملاء ما من به الرحمن ٦٨/٣.
(٣) ديوانه ص٥٨٧ .
(٤) دیوانه ص٧٨.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
٣٨٨
الآية : ١٥٤
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ﴾ شروعٌ في بيان بقيةِ الحكاية إِثر ما بَيَّنَ تحرُّبَ
القوم إلى مُصِرٍّ وتائبٍ، والإِشارةُ إلى ما لكلٍّ منهما إجمالاً، أي: ولما سكن(١)
عنه الغضبُ باعتذار أخيه وتوبةِ القوم، وهذا صريحٌ في أنَّ ما حُكي عنهم من الَّدم
وما يتفرَّع عليه، كان بعد مجيء موسى عليه السلام.
وقيل: المرادُ: ولما كُسِرت سَوْرةُ غضبهِ عليه السلام وقلَّ غيظُه باعتذار أخيه
فقط، لا أنَّه زال غضبُه بِالكليّة، لأنَّ توبةَ القوم ما كانت خالصةً بعدُ.
وأصل السكوت قطعُ الكلام، وفي الكلام استعارةٌ مكنيَّةٌ، حيث شبّه الغضبَ
بشخصٍ ناهٍ آمرٍ، وأثبتَ له السكوتَ على طريق التخييل، وقال السَّكاكيُّ(٢): إنَّ فيه
استعارةً تبعيَّةً، حيث شبَّ سكونَ الغضب وذهابَ حدَّته بسكوت(٣) الآمرِ الناهي،
والغضبُ قرينتُها. وقيل: الغضبُ استعارةٌ بالكناية عن الشخص الناطق، والسكوت
استعارةٌ تصريحيَّةٌ لسكون هَيَجانه وغَلَيانه، فيكون في الكلام مكنيَّة قرينتُها تصريحيّة
لا تخبيليَّة. وأيًّا ما كان ففي الكلام مبالغةٌ وبلاغةٌ لا يخفى علوُّ شأنهما.
قال الزجَّاج: مصدر سكَتَ الغضبُ: السَّكْتَة، ومصدر سكَتَ الرجلُ:
السُّكوتُ (٤). وهو يقتضي أن يكون سكتَ الغضبُ فِعْلاً على حِدَةٍ.
وقيل - ونُسِبَ إلى عكرمة -: إن هذا من القَلْب، وتقديرُه: ولما سكَتَ موسى
عن الغضب. ولا يخفى أن السكوتَ كان أجمَلَ بهذا القائل؛ إذ لا وجهَ لما ذكره.
وقرأ معاويةُ بن قُرَّة: ((سكن))، والمعنى على ذلك ظاهرٌ، إلا أنه على قراءة
الجمهور أعلى كعبًا عند كلِّ ذي طبعٍ سليم، وذوقٍ صحيح، وقُرئ: ((سُكِّت)) بالبناء
لما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه، والتشديدُ للتعديّة(٥)، و((أُسِكِتَ))(٦) بالبناء لذلك أيضًا على أن
المسكِتَ هو الله تعالى، أو أخوه، أو التائبون.
(١) في (م): سكت.
(٢) ينظر مفتاح العلوم ص٣٨٩- ٣٩٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٢٢/٤.
(٣) في (م): بسكون، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في الحاشية.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٧٩/٢ والكلام من حاشية الشهاب ٢٢٢/٤.
(٥) القراءتان في القراءات الشاذة ص٤٦.
(٦) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٣٩٨/٤.

الآية : ١٥٥
٣٨٩
سُؤَدَّةُ الْأَّغْرَافِ
﴿أَخَذَ اُلْأَلْوَاحٌ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِ نُشْخَتِهَا﴾ أي: فيما نُسِخَ فيها وكتب، ففُعْلة
بمعنى مفعول كالخطبة، والنَّسخ: الكتابةُ، والإضافةُ بيانيَّةٌ، أو بمعنى في، وإلى
هذا ذهب الجُبَّائيُّ وأبو مسلم (١) وغيرهما، وقيل: معنى منسوخة: ما نُسخ فيها من
اللَّوح المحفوظ، وقيل: النَّسخ هنا بمعنى النقل، والمعنى: فيما نقل من الألواح
المنكسرة.
ورُوي عن ابن عباس، وعمرو بن دينار أن موسى عليه السلام لما أَلقى الألواح
فتكسَّر منها ما تكسَّر صام أربعين يومًا، فردّ عليه ما ذَهب في لوحين، وفيهما ما في
الأول بعينه، فكأنه نُسِخَ من الأول.
﴿هُدَى﴾ أي: بيانٌ للحقِّ عظيمٌ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ جليلةٌ بالإرشاد إلى ما فيه الخيرُ
(#)﴾ أي: يخافون أشدَّ الخوف.
والصَّلاح ﴿لَّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ
واللامُ الأولى معلَّقةٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لما قبله، أو هي لام الأَجْل، أي:
هدى ورحمةً لأَجْلهم، والثانيةُ لتقوية عمل الفعل المؤشّر، كما في قوله سبحانه:
﴿إِن كُمْ لِلرَِّيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٢]، أو هي أيضًا لامُ العِلَّة، والمفعول
محذوفٌ، أي: يرهبون المعاصي لأجل ربِّهم، لا للرِّياء والسُّمعة. واحتمالُ تعلُّقها
بمحذوفٍ، أي: يخشعون(٢) لربهم، كما ذهب إليه أبو البقاء (٣)، بعيدٌ.
﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ تتمةٌ لشرح أحوال بني اسرائيل، وقال البعض: إنَّه شروعٌ
في بيان كيفيةِ استدعاء التوبة، وكيفيةٍ وقوعها .
و((اختار)) يتعدَّى إلى اثنين، ثانيهما مجرورٌ بـ ((من))، وقد حُذِفت هنا وأُوصِلَ
الفعلُ، والأصل: من قومه، ونحوُه قولُ الفرزدق(٤):
ومِنَّا الذي اخْتِير الرجالَ سماحةً وجودًا إذا هبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ
وقولُ(٥) الآخر:
(١) نقله عنهما الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٣٣.
(٢) تحرفت في (م) إلى: يخشون.
(٣) في إملاء ما من به الرحمن ٦٨/٣ .
(٤) ديوانه ٤١٨/١ .
(٥) تحرفت في (م) إلى: وقوله.

سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
٣٩٠
الآية : ١٥٥
فقلت له اخترها قَلُوصًا سمینةٌ
ونابًا عِلابًا مثل نابك في الحیا (١)
وقوله سبحانه: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ مفعولٌ أول لـ ((اختار)) على المختار، وأُخِّر عن
الثاني لما مرَّ مرارًا، وقيل: بدلُ بعضٍ من كلٍّ، ومنعَه الأكثرون بناءً على أنَّ المبدَلَ
منه في نية الطَّرح، والاختيارُ لا بدَّ له من مختارٍ ومختار منه، وبالطَّرح يسقطٌ
الثاني، وجوَّزه أبو البقاء (٢) على ضعفٍ، ويكون التقدير: سبعين منهم، وقيل: هو
عطفُ بيانٍ.
﴿لَّمِيقَئِنًا﴾ ذهب أبو عليٍّ، وأبو مسلم(٣)، وغيرُهما من مفسِّري السُّنة والشّيعة
إلى أنه الميقات الأول، وهو الميقات الكلاميُّ، قالوا: إنه عليه السلام اختار لذلك
من اثني عشر سِبْطًا، من كلِّ سِبطٍ ستة، حتى تتامُّوا اثنين وسبعين، فقال عليه
السلام: ليتخلّفْ منكم رجلان، فتشاخُوا، فقال: لمن قعَدَ منكم مثلُ أجر من
خرج، فقعَدَ كالب ويوشع.
ورُوي أنه لم يصب إلا ستين شيخًا، فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبَّان
عشرةً، فاختارهم، فأصبحوا شيوخًا. وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم
يتجاوزوا الأربعين، فذهب عنهم الجهل والصِّبا.
فأمرهم موسى عليه السلام أن يصوموا، ويتطهَّروا، ويُطهِّروا ثيابهم، ثم خرج
بهم إلى طُور سيناء، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغَمام حتى تغشَّى الجبلَ
كلَّه، ودنا موسى ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، فدَنَوا، حتى إذا دخلوا الغَمام
وقعوا سجَّدًا، فسمعوه وهو سبحانه يكلم موسى يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، ثم
انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤيةَ، فوَعَظَهم وكان ما كان.
وذهب آخرون - وهو المرويُّ عن الحسن - إلى أنه غيرُ الميقات الأول، قالوا :
(١) البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص٥، ومعاني القرآن للفراء ٣٩٥/١، وتفسير
الطبري ٤٧٤/١٠، والدر المصون ٤٧٣/٥، واللباب لابن عادل ٣٣١/٩، وجاء في هذه
المصادر: علينا، بدل: علاباً. وفي بعضها: ونابٌ. وصدره في الديوان: فقلت لربِّ الناب
خذها ثنية. والقلوص: الفتية من الإبل، والناب: المسنَّة.
(٢) إملاء ما من به الرحمن ٦٨/٣.
(٣) نقل قولهما الطبرسي في مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ٣٤.

الآية : ١٥٥
٣٩١
سُورَةُ الَّغَرَافِ
إن الله سبحانه أمَرَ موسى عليه السلام أن يأتيه في أناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون
إليه من عبادة العجل، فاختار من اختاره، فلما أَتَوا الظُور قالوا ما قالوا. ورُوي
ذلك عن السُّدي. وعن ابن إسحاق أنه عليه السلام إنما اختارهم ليتوبوا إلى الله
تعالى، ويسألوه التوبةَ على مَنْ تركوا وراءهم من قومهم. ورجَّح ذلك الطّيبيُّ مدَّعيًا
أن الأولَ خلافُ نظم الآيات وأقوال المفسرين:
أما الأولُ: فلما قال الإمام (١): إنه تعالى ذكر قصةَ ميقات الكلام وطلبٍ
الرؤية، ثم أتبعها بقصَّة العجل وما يتَّصل بها، فظاهرُ الحال أن تكون هذه القصةُ
مغايرةً للمتقدمة؛ إذ لا يليقُ بالفصاحة ذِكْرُ بعض القصّة، ثم النَّقل إلى أخرى، ثم
الرجوع إلى الأولى، وإنه اضطرابٌ يصانُ عنه كلامه تعالى. وأيضاً ذكر في الأولى
خرورَ موسى عليه السلام صَعِقًا، وفي الثانية قوله بعد أَخْذ الرَّجْفة: ﴿لَوْ شِئْتَ
أَهْلَكْنَهُمْ﴾. وأيضًا لو كانت الرَّجْفة بسبب طلبِ الرؤية لقيل: أَتُهلِكُنا بما قال
السفهاء؟ وضمَّ إليه الطّيبيُّ أنه تعالى حيث ذكر صاعقَتَهم لم يذكُرْ صعقَ موسى عليه
السلام، وبالعكس، فدلَّ على التغاير.
وأما الثاني: فلِمَا نُقِل عن السُّدي مما ذكرناه آنفًا .
وتعقّبَ ما ذُكر في الترجيح أولاً صاحبُ (الكشف)) بأنَّ الإنصاف أن المجموعَ
قصةٌ واحدة في شأن ما مَنَّ على بني إسرائيل بعد إنجائهم من تحقيق وعد إيتاء
الكتاب، وضَرْبٍ ميقاته، وعبادةُ العجل، وطلبُ الرؤية كان في تلك الأيام، وفي
ذلك الشأن، فالبعض مربوطٌ بالبعض، بقي إيثار هذا الأسلوب وهو بَيِّن؛ لأنَّ
الأول في شأن الامتنان عليهم وتفضيلهم، كيف وقد عطف ((واعدنا)) على
((أنجيناكم))؟ وقد بيَّنَ أنه تبيينٌ للتفضيل، وتعقيبُ حديثِ الرؤية مستطرِدٌ للفرق بين
الطلبين عندنا، ولِيُلقِمَهم الحَجَر عند المعتزلة. والثاني في شأن جنايتهم - بعد ذلك
الإحسان البالغ - باتخاذ العجل(٢). والملاحةُ والافتراقُ من لوازم النظم.
وتعقّب ما ذُكِر فيه ثانيًا بأنَّ قول السُّدي وحدَه لا يصلح ردًّا، كيف وهذا
(١) في تفسيره ١٧/١٥، ويعني بالأول: نظم الآيات.
(٢) قوله: باتخاذ العجل، ليس في الأصل.

سُؤَدَّةُ الْأَغْرَافِ
٣٩٢
الآية : ١٥٥
يخالفُ ما نقله محيي السُّنة(١) في قوله سبحانه: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم﴾ أنَّهم كانوا له
وزراءَ مطيعين، فاشتدَّ عليه - عليه السلام - فَقدُهم، فرحمَهم، وخاف عليهم
الفوتَ؟ وأين ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] من الطاعة وحسن الاستيزار؟!
قال: ثم الظاهر من قوله تعالى ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ
ثُمَّ أَخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ [النساء: ١٥٣] أنَّ اتِّخاذَ العجل متأخِّر عن مقالتهم تلك، خلاف
ما نُقل عن السُّدِّي، والحملُ على تراخي الرُّتبة لابدَّ له من سندٍ، كيف ولا ينافي
التراخي الزماني؟ فلا بدَّ من دلیل یخصُّه به.
هذا وقد اعترف المفسِّرون في سورة ((طه)) بأنه اختار سبعينَ لميقات الكلام،
ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾ [الآية: ٨٣]، وما اعتذر عنه
الطَّبيُّ بأنَّ اختيار السبعين كان مرَّتين، وليس في النقل أنهم كانوا معه عند المكالمة
وطلبِ الرؤية، فظاهرٌ للمنصف سقوطه. انتهى.
وذكر القطب في توهين ما نُقل عن السُّدِّي بأنَّ الخروجَ للاعتذار إن كان بعد
قتلهم أنفسَهم ونزول التوبة، فلا معنى للاعتذار، وإن كان قبل قتلهم فالعجبُ من
اعتذارٍ ثمرتُه قتلُ الأنفس! ثم قال: ولا ريبَ أن قصةً واحدةً تتكرَّر في القرآن يُذكر
في سورةٍ بعضُها، وفي أخرى بعضٌ آخرُ، وليس ذلك إلا لتكرارِ اعتبار المعتبرين
بشيء من تلك القصة، فإذا جاز ذِكْر قصةٍ في سورٍ متعدِّدةٍ في كلِّ سورةٍ شيءٌ منها،
فلمَ لا يجوز ذلك في مواضعَ من سورةٍ واحدةٍ لتكرُّر الاعتبار؟ !. اهـ. وهو ظاهرٌ
في ترجيح ما ذهَبَ إليه الأولون.
وأنا أقول: إنَّ القول بأنَّ هذا الميقاتَ هو الميقاتُ الأولُ ليس بغاطلٍ من
القول، وبه قال جمعٌ كما أشرنا إليه، وكلامُنا في ((البقرة)) ظاهرٌ فيه. إلا أن
الإنصاف أن ظاهرَ النظم هنا يقتضي أنه غيرُه، وما ذكره صاحبُ ((الكشف))
لا يقتضي أنه ظاهرٌ في خلافه .
وإلى القول بالغَيرية ذهب جلٌّ من المفسرين؛ فقد أخرج عَبْد بن حُميد من طريق
أبي سَعْد، عن مجاهد أنَّ موسى عليه السلام خرج بالسَّبعين من قومه يدعون الله
(١) تفسير البغوي ٢٠٣/٢.

الآية : ١٥٥
٣٩٣
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
تعالى، ويسألونَه أن يكشِفَ عنهم البلاءَ، فلم يستجب لهم، فعلم موسى أنهم أصابوا
من المعصية ما أصاب قومُهم. قال أبو سعد: فحدَّثني محمد بنُ كعب القُرَظيُّ أنه لم
يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهَوهم عن المنكر، ولم يأمروهم بالمعروف(١).
وأخرج عَبْد بن حُميد عن الفَضْل بن عيسى بن أخي الرَّقاشيِّ أن بني إسرائيل
قالوا ذات يوم لموسى عليه السلام: ألستَ ابنَ عمِّنا ومِنَّا، وتزعمُ أنك كلَّمتَ ربَّ
العزَّة؟ فإنَّا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً. فلما أبوا إلا ذلك أوحى الله تعالى
إلى موسى أنِ اخْتَر من قومك سبعين رجلاً، فاختار سبعين خيرة، ثم قال لهم:
اخرجوا، فلما برزوا جاءهم ما لا قِبَل لهم به، الخبرَ(٢). وهو ظاهرٌ في أنَّ هذا
الميقاتَ ليس هو الأول. نعم إنه مخالفٌ لما رُوي عن السُّدي، لكنهما متَّفقان على
القول بالغَيرِيَّة .
ويوافق السديَّ في ذلك الحسنُ أيضًا، فليس هو متفرِّدًا بذلك كما ظنّه صاحب
((الكشف))، وما ذكره من مخالفة كلام السديِّ لما نقله محيي السُّنة في حيِّز المنع.
وقوله: وأين(٣) ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] .. إلخ، يظهر جوابُه ممَّا ذكرناه في
(البقرة)) عند هذه الآية من الاحتمالات، والقولُ بأنَّ الخيار كان مرَّتين غيرُ بعيدٍ،
وبه قال بعضُهم.
وما ذكره القطب من الترديد في الخروج للاعتذار، ظاهرُ بعضٍ الروايات عن
السُّدي يقتضي تعيُّنَ الشقِّ الأول منه؛ فقد أخرج ابنُ أبي حاتم عنه أنه قال: انطلق
موسى إلى ربِّه فكلَّمَه، فلما كلَّمه قال: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٨٣]،
فأجابه موسى بما أجابه، فقال سبحانه: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ الآية [طه: ٨٥] فرجَعَ
موسى إلى قومه غضبانَ أسِفًا، فأبى الله تعالى أن يقبل توبَتَهم إلا بالحال التي
كرِهوا، ففعلوا، ثم إنَّ الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيَه في ناسٍ من بني
إسرائيل يعتذرون من عبادة العجل، فوعَدَهم موعدًا، فاختار موسى سبعينَ
رجلاً، إلخ. وهو كما ترى ظاهرٌ فيما قلناه.
(١) الدر المنثور ١٢٨/٣، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ١٠/ ٤٧٢.
(٢) الدر المنثور ١٢٨/٣.
(٣) تحرفت في (م) إلى: فإنا، والعبارة سلفت ص٣٩٢.

سُورَةُ الأَّغْرَافِ
٣٩٤
الآية : ١٥٥
والقولُ بأنه لا معنى للاعتذار بعد قتل أنفسِهم ونزول التوبة، أُجيب عنه بأن
المعنى يَحتمِل أن يكون طلبًا لزيادة الرِّضى، واستنزال مزيدِ الرحمة، ويَحتمِل أن
يكونوا أُمِروا بذلك تأكيدًا للإيذان بعِظَم الجناية، وزيادة فيه، وإشارة إلى أنه بلغ
مبلغًا في السُّوء لا يكفي في العفو عنه قتلُ الأنفس، بل لا بدَّ فيه مع ذلك
الاعتذار، ويمكن أن يقال: إنه كان قبل قتلهم أنفسَهم، والسِّرُّ في أنهم أُمِروا به أن
يعلموا أيضًا عِظَم الجِناية على أتمٍّ وجهٍ بعدم قَبوله، والله تعالى أعلم.
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: الصَّاعقةُ، أو رجفةُ الجبل، فصَعِقوا منها، والكثيرُ
على أنهم ماتوا جميعًا ثم أحياهم الله تعالى، وقيل: غشي عليهم ثم أفاقوا. وذلك
لأنهم قالوا: لن نُؤْمنَ لك حتى نرى الله جهرةً، على ما في بعض الروايات، أو
ليتحقَّقَ عند القائلين ذلك من قومهم مزيدُ عظمته سبحانه، على ما في البعض الآخر
منها، أو لمجرَّد التأديب على ما في خبر القُرَظيّ(١).
والظاهر أن قولهم: (لن نؤمن)) إلخ صدَرَ منهم في ذلك المكان، لا بعد
الرُّجوع كما قيل، ونقلناه في ((البقرة))، وحينئذٍ يبعُدُ - على ما قيل - القولُ بأنَّ هذا
الميقاتَ هو الميقاتُ الأولُ، لأنَّ فيه طلبَ موسى عليه السلام الرؤيةَ بعد كلام الله
تعالى له من غير فصلٍ، على ما هو الظاهرُ، فيكونُ هذا الطلبُ بعده، وبعيدً أن
يطلبوا ذلك بعد أن رأوا ما وقَعَ لموسى عليه السلام.
وما أخرجه ابنُ أبي الدُّنيا وابنُ جريرٍ وغيرُهما عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه
أنه قال: لمَّا حضَرَ أجلُ هارون أَوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أن
انطلِقْ أنت وهارون وابنَه إلى غارٍ في الجبل، فإنَّا قابضو روحه، فانطلقوا جميعاً،
فدخلوا الغار، فإذا سريرٌ فاضطجع عليه موسى، ثم قام عنه، فقال: ما أحسَنَ
هذا المكان يا هارون! فاضطجع عليه هارون، فقُبِض روحه، فرجع موسى وابنُ
أخيه إلى بني إسرائيل حَزِينَين، فقالوا له: أين هارون؟ قال: مات. قالوا: بل
قتلتَه، كنتَ تعلمُ أنَّا نحبُه. فقال لهم: ويلكم! أقتُلُ أخي وقد سألتُه الله تعالى
وزيرًا؟! ولو أني أردت قتلَه أكان ابنهُ يدَعني؟! قالوا: بلى، قتلتَه حسدًا، قال:
(١) سلف ص٣٩٢.

الآية : ١٥٥
٣٩٥
سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
فاختاروا سبعين رجلاً، فانطلق بهم، فمرِضَ رجلان في الطريق، فخطّ عليهما
خطًا، فانطلق هو وابنُ هارون وبنو إسرائيل حتى انتهَوا إلى هارون، فقال:
يا هارون، من قتلَكَ؟ قال: لم يقتلني أحدٌ، ولكني متُّ، قالوا: ما تُعصَى
يا موسى، ادعُ لنا ربَّك یجعلْنا أنبياءَ، فأخذتهم الرجفةُ، فصَعِقوا وصَعِقِ الرجلان
اللذان خُلِّفوا، وقام موسى عليه السلام يدعو ربَّه، فأحياهم الله تعالى، فرجَعُوا
إلى قومهم أنبياء(١) = لا يكاد يصِحُّ فيما أرى؛ لتَضافُر الآثار بخلافه، وإباءِ
ظواهر الآيات عنه.
﴿قَالَ رَبٍّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ﴾ عرضٌ للعفو السابق؛ لاستجلاب العفو
اللاحق، يعني: إنَّك قدرتَ علی إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون علی إهلاكهم،
وبإغراقهم في البحر، وغيرهما، فترحَّمتَ عليهم ولم تهلكهم، فارحَمهم الآن
كما رحمتَهم من قبل جرياً على مقتضى كَرَمِك. وإنما قال: ﴿وَإِتَّ﴾ تسليماً منه
وتواضعاً.
وقيل: أراد بقوله: ((من قبل)) حين فرَّطوا في النهي عن عبادة العجل، وما فارقوا
عبَدَتَه حين شاهدوا إصرارهم عليها، أي: لو شئتَ إهلاكهم بذنوبهم إذ ذاك وإيَّايَ
أيضاً حين طلبتُ منك الرؤية - وقيل: حين قتل القِبطيّ - لأهلكتنا.
وقيل: هو تَمَنِّ منه عليه السلام للإهلاك جميعًا بسبب محبَّته أن لا يرى ما رأى
من مخالفتهم له مثلاً، أو بسبب آخر. وفيه دغدغة.
﴿َهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الشُّفَهَءُ مِنَّأْ﴾ من العِناد وسوء الأدب، أو من عبادة العجل.
والهمزةُ إما لإنكار وقوع الإهلاك ثقةً بلطفِ الله عز وجل كما قال ابنُ
الأنباريِّ، أو للاستعطاف كما قال المبرِّد، أي: لا تهلكنا.
وأيَّاما كان فهو من مقُول موسى عليه السلام كالذي قبله. وقولُ بعضهم: كان
ذلك قالةَ بعضهم، غيرُ ظاهرٍ، ولا داعيَ إليه، والقول بأنَّ الداعيَ إليه(٢) ما فيه من
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٧٠، وهو من طريق عمارة بن عبد السلولي عن علي ظُه. قال ابن
كثير عند تفسير هذه الآية: هذا أثر غريب جدًّا، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه.
(٢) قوله: إليه، سقط من (م).

سُؤَدَّةُ الأَشْرَافِ
٣٩٦
الآية : ١٥٥
التضُجُّر الذي لا يليقُ بمقام النُّبوة لا يخفى ما فيه، ولعلَّ مرادَ القائل بذلك أن هذا
القولَ من موسى عليه السلامُ يُشبِه قولَ أحدِ السَّبعين، فكأنه قاله(١) على لسانهم؛
لأنّهم الذين أُصيبوا بما أصيبوا به دونه، فافهم.
﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا فِتْنَنْكَ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله، واعتذارٌ عمَّا وقع منهم، و((إنْ))
نافيةٌ، وهي للفتنة المعلومة من السِّياق، أي: ما الفتنةُ إلا فتنتُك، أي: محنتُك
وابتلاؤك حيث أسمعتَهم كلامَك، فطمِعُوا في رؤيتك، واتَّبعوا القياسَ في غير
محلِّه، أو أوجدتَ في العجل خُوارًا فزاغوا به.
أخرج ابنُ أبي حاتم عن راشد بن سَعْد، أن الله تعالى لما قال لموسى عليه
السلام: إنَّ قومَك اتَّخذوا عجلاً جسدًا له خوار، قال: يا ربِّ فمن جعل فيه
الروحَ؟ قال: أنا. قال: فأنتَ أضللتَهم يا رب، قال: يا رأسَ النبيِّين،
يا أبا الحكماء، إنِّي رأيتُ ذلك في قلوبهم فيسَّرتُه لهم(٢). ولعل هذا إشارة إلى
الاستعدادِ الأزليِّ الغير المجعول.
وقيل: الضمير راجعٌ إلى الرَّجفة، أي: ما هي إلا تشديدُك التعبُّد والتكليف (٣)
علينا بالصبر على ما أنزلتَه بنا، ورُوي هذا عن الرَّبيع وابن جُبَير وأَبي العالية.
وقيل: الضميرُ لمسألة الإراءة، وإنْ لم تُذْكر.
﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَةٌ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لحكم الفتنة، وقيل: حالٌ
من المضاف إليه أو المضاف، أي: تُضِلُّ بسببها من تشاء إضلالَه بالتجاوز عن
الحدِّ، أو باتباع المَخَايل(٤)، أو بنحو ذلك، وتهدي من تشاء هداه، فيَقْوَى إيمانُه
بها. وقيل: المعنى تصيبُ بهذه الرجفةِ من تشاءُ، وتصرِفُها عمَّن تشاء، وقيل:
تُضِلُّ بترك الصبر على فتنتك وتركِ الرِّضا بها مَنْ تشاء عن نيل ثوابِك ودخولِ
جنَّتك، وتهدي بالرِّضا لها والصَّبر عليها مَنْ تشاء، وهو كما ترى.
(١) في الأصل: قال، والمثبت من (م).
(٢) أورده السيوطي في الدر ١٢٩/٣.
(٣) في (م): التكلف.
(٤) المخايل: الظنون، مفردها: مَخِيلة. القاموس: (خيل).

الآية : ١٥٦
٣٩٧
سُوَّةُ الأَغْرَافِ
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ أي(١): القائمُ بأمورنا الدُّنيوية والأُخروية لا غيرُك، ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا﴾
ما يترتَّبُ عليه مؤاخذتُك ﴿وَأَرْحَمَنًا﴾ بإفاضة آثارِ الرحمة الدنيوية والأخروية علينا.
والفاءُ لترتيب الدعاء على ما قبلَه من الولاية؛ لأنَّ من شأن من يلي الأمور
ويقومُ بها دفعَ الضُّرِّ وجلب النَّفع، وقدَّم طلبَ المغفرة على طلب الرحمة؛ لأن
الثَّخلية أهمُّ من التَّحلية، وسؤالُ المغفرة لنفسه عليه السلام في ضمن سؤالها لمن
سألها له ممَّا لا ضيرَ فيه، وإنْ لم يصدُرْ منه نحو ما صدَرَ منه، كما لا يخفى.
والقولُ بأنَّ إقدامَه عليه السلام على أن يقول: ((إنْ هي إلا فتنتُك)) جرأةٌ عظيمةٌ،
فطلبَ من الله تعالى غفرانَها والتجاوزَ عنها = ممَّا يأباه السَّوق عند أرباب الذَّوق،
ولا أظنُّ أن الله تعالى عدَّ ذلك ذنباً منه ليستغفرَه عنه، وفي ندائه السَّابق ما يؤيِّد
ذلك.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ ﴾﴾ إذ كلُّ غافرِ سواك إنما يغفِرُ لغرضٍ نفسانيٌّ، كحبِّ
الثناء، ودَفْع الضَّرر، وأنت تغفِرُ لا لطلبٍ عوضٍ ولا غرضٍ، بل لمحضٍ الفضل
والكرم. والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لما قبل، وتخصيصُ المغفرة بالذِّكر لأنها
الأهمُ. وفسَّر بعضُهم ما ذكر بغفران السَّيئة وتبديلها بالحسنة؛ ليكون تذييلاً لـ ((اغفِرْ))
و (ارحَمْ)) معاً.
﴿وَأَكْتُبْ لَنَا﴾ أي: أَثبِتْ وأقسِم لنا ﴿فِى هَذِهِ الدُّنَا﴾ التي عَرانا فيها ما عرَانا
﴿حَسَنَةٌ﴾ حياةً طيبةً وتوفيقاً للطاعة. وقيل: ثناءً جميلاً. وليس بجميل.
وعن ابن عباس ها أنَّ المراد: إِقبل وِفَادَتَنَا، ورُدَّنا بالمغفرةِ والرَّحمة.
﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ أي: واكتُبْ لنا أيضاً في الآخرة حسنةً، وهي المثوبةُ
الحسنى والجنة، قيل: إنَّ هذا كالتأكيدِ لقوله: ((اغفِرْ)) و((ارحم)).
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبنا إليك، من هادَ يَهُود: إذا رجع وتاب، كما قال:
إني امرؤٌ مما جنيتُ هائد(٢)
(١) بعدها في (م): أنت.
(٢) الزاهر لأبي بكر الأنباري ٢١٤/٢، والمحرر الوجيز ١٠٧/١، والصحاح واللسان (هود)،
والدر المصون ٤٧٦/٥، ورواية المصادر عدا الدر: إن امرؤ من مدحه هائد.

سُورَةُ الأَّغْرَافِ
٣٩٨
الآية : ١٥٦
ومن كلام بعضهم :
يا راكبَ الذَّنبِ هُدْهُدْ واسجُدْ كأنكِ هُدْهُدْ(١)
وقيل: معناه مالَ.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿﴾: ((هِدْنا)) بكسر الهاء(٢)، من هاد يهيد: إذا حرّك،
وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن أبي وجزة السَّعديِّ أنه أنكر الضمَّ، وقال: والله
لا أعلمُه في كلام أحدٍ من العرب، وإنما هو هِذْنا بالكسر، أي: مِلْنا(٣). وهو
محجوبجٌ بالتواتر، وجُوِّز على هذه القراءة أن يكون الفعلُ مبنيًّا للفاعل والمفعول،
بمعنى: حرَّكْنا أنفسَنا، أو: حرَّكَنا غيرُنا، وكذا على قراءة الجماعة، والبناءُ
للمفعول عليها على لغةٍ مَنْ يقول: عُوْدَ المريضُ، ولا بأس بذلك إذا كان الهود
بمعنى الميل، سوى أنَّ تلك لغةٌ ضعيفة، وممَّن جوَّز الأمرين على القراءتين
الزمخشريُّ(٤)، وتعقَّبه السَّمينُ(٥) بأنه متى حصَلَ الالتباسُ وجب أن يُؤْتى بحركة
تُزِيله، فيقال: عِقْتُ: إذا عاقَكَ غيرُك، بالكسر فقط، أو الإشمام، إلا أن سيبويه(٦)
جوَّز في نحو قيل الأوجهَ الثلاثةَ من غير احترازٍ.
والجملةُ تعليلٌ لطلبِ المغفرة والرحمة، وتصديرُها بحرفِ التحقيق لإظهار
كمال النَّشاط والرَّغبة في مضمونها .
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى له بعد دعائه؟ فقيل:
قال: ﴿عَذَابِىّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ﴾ أي: شأني أُصيب بعذابي مَنْ أشاء تعذيبَه من
غیر دخلٍ لغيري فيه.
(١) لم نقف على قائله، وهو في الكشاف ١٢١/٢ .
(٢) البحر المحيط ٤ /٤٠١ .
(٣) الدر المنثور ١٣٠/٣، وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم ١٥٧٧/٥، وذكر القراءة عنه ابن
خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦، وأبو حيان ٤٠١/٤، وتحرف: وجزة في الأصل و(م)
إلى: وجرة.
(٤) في الكشاف ٢/ ١٢٢.
(٥) في الدر المصون ٥/ ٤٧٧ .
(٦) في الكتاب ٣٤١/٤-٣٤٢.

الآية : ١٥٦
٣٩٩
سُورَةُ الأَغَافِ
وقرأ الحسنُ وعَمرو الأسواريُّ(١): ((مَنْ أساءَ)) بالسِّين المهملة، ونُسبت إلى
زيد بنٍ عليٍّ ﴿ّ(٢)، وأنكر بعضُهم صحَّتها(٣).
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: شأنُها أنَّها واسعةٌ تبلغُ كلَّ شيء، ما من
مسلمٍ ولا كافٍ ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلِّبٌ في الدُّنيا بنعمتي.
وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع، ونسبة السَّعة إلى الرحمة
بصيغة الماضي إيذانٌ بأنَّ الرحمةَ مقتضى الذات، وأمَّا العذابُ فمقتضى معاصي
العباد. والمشيئةُ معتبرةٌ في جانب الرحمة أيضاً، وعدمُ التَّصريح بها، قيل: تعظيماً
الأمر الرحمة، وقيل: للإشعار بغاية الظهور، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فإنه متفرِّع على اعتبار المشيئة، كما لا يخفى، كأنَّه قيل: فإذا كان
الأمر كذلك، أي: كما ذُكِرَ من إصابة عذابي وسَعَة رحمتي لكلِّ من أشاء، فسأُثبتُها
إثباتاً خاصاً ﴿لَلَّذِينَ يَتَّقُونٌ﴾ أي: الكفر والمعاصي إما ابتداءً أو بعد الملابسة
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ المفروضة عليهم في أموالهم. وقيل: المعنى: يُطيعون الله
ورسولَهِ وَلِّ، والظاهرُ خلافُه.
وتخصيصُ إيتاء الزكاة بالذِّكر مع اقتضاء التقوى له للتَّعريض بقوم موسى عليه
السلام؛ لأن ذلك كان شاقًّا عليهم؛ لمزيد حبِّهم للدنيا، ولعل الصلاةَ إنما لم تُذكّر
مع إنافتها على سائر العبادات وكونها عمادَ الدين، اكتفاءً منها بالاتقاء الذي هو
عبارةٌ عن أداء الواجبات بأَسْرها، وتركِ المنهيَّات عن آخرها .
﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا﴾ كلِّها، كما يفيدُه الجمعُ المضاف ﴿يُؤْمِنُونَ
مستمرًّا من غير إخلال بشيء منها .
إيمانًا
١٥٦)
(١) في (م): الأسود، وهو تحريف. وعمرو: هو ابن فائد الأسواري.
(٢) البحر ٤٠٢/٤، وزاد أبو حيان نسبتها لطاوس، ونسبت لبعضهم في القراءات الشاذة
ص٤٦، والكشاف ١٢٢/٢، والدر المصون ٥/ ٤٧٧. ونقل صاحب القراءات الشاذة عن
الحسن أنه قرأ بالشين كذلك.
(٣) نقل أبو حيان في البحر ٤/ ٤٠٢ عن أبي عمرو الداني قوله: لا تصح هذه القراءة عن
الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء. قال أبو حيان: وللمعتزلة تعلُّقٌ بهذه القراءة
من جهة إنفاد الوعيد، ومن جهةٍ خَلْقِ المرء أفعالَه.

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٤٠٠
الآية : ١٥٦
وتكريرُ الموصول مع أنَّ المرادَ به عينُ ما أُرِيد بالموصول الأول دون أن يقال:
ويؤمنون بآياتنا، عطفاً على ما قبلَه كما سلك في سابقه؛ قيل: لِمَا أُشير إليه من
القَصْر بتقديم الجارِّ والمجرور، أي: هم بجميع آياتنا يؤمنون، لا ببعضها دون
بعض، وفيه تعريضُ بمَنْ آمَنَ ببعضٍ وكفر ببعضٍ، كقوم موسى عليه السلام.
واختلف في توجيه هذا الجواب: فقال شيخ الإسلام(١): لعلَّ الله تعالى حين
جعل توبةَ عَبَدَةِ العجل بقتلهم أنفسَهم - وكان الكلام الذي أطمَعَ السبعين في الرؤية
في ذلك - ضمَّن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث قال: ((واكتب لنا
في هذه الدنيا حسنة)) أي: خصلةً حسنةً عاريةً عن المشقّة والشدّة؛ فإنَّ في القتل من
العذاب الشديد ما لا يخفى، فأجابه سبحانه بأن «عذابي أُصيب به من أشاء)»،
وقومُك ممَّن تناولَتْه مشيئتي، ولذلك جعلتُ توبتَهم مَشُوبةً بالعذاب الدنيويِّ،
(ورحمتي وسعَتْ كلَّ شيء))، وقد نالَ قومَك نصيبٌ منها في ضمن العذاب
الدنيويِّ، وسأكتبُ الرحمةَ خالصةً غيرَ مشوبةٍ بالعذاب الدنيويِّ كما دعوتَ لمن
صفتُهم كيت وكيت لا لقومك؛ لأنَّهم ليسوا كذلك، فيكفيهم ما قُدِّر لهم من
الرحمة، وإن كانت مقارنةً العذابَ.
وعلى هذا فموسى عليه السلام لم يُستَجَبْ له سؤالُه في قومه، ومَنَّ الله تعالى
بما سألَه على مَنْ آمن بمحمدٍ بَّهِ. وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما أُجيب
بما ذُكر قال: أتيتُكَ يا ربِّ بوفدٍ من بني إسرائيل، فكانت وِفادَتنا لغيرنا. وعن ابن
عباس ◌ًَّا: دعا موسى ربَّه سبحانه، فجعَلَ دعاءه لمن آمَنَ بمحمدٍ عليه الصَّلاة
والسلام واتَّبَعه. وفي رواية أخرى رواها جمعٌ عنه: سأل موسى ربَّه مسألةٌ،
فأعطاها محمدًاَ نَّه. وتلا الآيةَ(٢). لكن لا يخفى أنَّ ما قرَّره هذا الشيخ بعيدٌ.
وقال صاحب ((الكشف)) في ذلك: كأنه لمَّا سأل موسى عليه السلام لنفسه
ولقومه خيرَ الدارين أُجيب بأنَّ عذابي لغير التائبين إن شئتُ، ورحمتي الدُّنيويةُ تعمُّ
التائبَ وغيرَه، وأمَّا الجمعُ بين الرحمتين فهو للمستعدِّين، فإن تاب مَنْ دعوتَ لهم
وثبتوا كأعقابهم نالتْهُم الرحمةُ الخاصَّةُ الجامعةُ، وأثَّرَ فيهم دعاؤُك، وإن داوموا
(١) تفسير أبي السعود ٢٧٨/٣.
(٢) أخرج الأولى الحاكم ٣٢٢/٢، والثانية البزار (٢٢١٣ - كشف).