النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ١٤٣ ٣٤١ سُورَةُ الأَّغرافِ كون الأنبياء عليهم السلام أعلمَ ممَّن عَدَاهم بذاته تعالى وصفاته العُلا مما لا ينبغي أن ینتطِحَ فیه کبشان. وكونُ الرؤية في الدنيا غيرَ واقعةٍ عند الفريقين؛ إنْ أُريد به أنها غيرُ ممكنةٍ الوقوع، فهو أولُ المسألة، وإن أُريد أنها ممكنةٌ لكنها لا تقع لأحد، فلا نسلِّم أنه أجمع على ذلك الفريقان، أما المعتزلةُ فلأنهم لا يقولون بإمكانها، وأما أهلُ السنة فلأنَّ كثيرًا منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبيِّنا وَّه ليلةَ الإسراء، وهو قول ابن عباس(١)، وأنس(٢)، وغيرِهما، وقولُ عائشة ﴿ّ: مَنْ زعم أن محمدًا - وَلّ - رأى ربَّ فقد أعظَمَ على الله سبحانه الفِرْية(٣) = مدفوعٌ، أو مؤوَّل بأن المراد: من زعم أن محمدًا وَّه رأى ربَّه (٤) في نوره - أعني النورَ الشعشعاني الذي يذهب بالأبصار، وهو المشار إليه في حديث: («لأَحرقَتْ سُبحاتٌ وجههِ ما انتهى إليه بصرُه))(٥) - فقد أعظمَ الفِرْية، ومن هذا يُعلم ما في احتمال إرادةِ عدم الوقوع، مع قَطْع النظر عن الإمکان وعدمه. وقولهم: إنه يجوزُ أن لا يكون ذلك الطلبُ محرَّمًا في شرعه، فلا يمتنع، يَرِدُ عليه أن دليلَ الحرمةِ ظاهر؛ فإنَّ طلبَ المحالِ لو لم يكن حرامًا في شرعه عليه السلام لما بالغ في التشنيع على قومِه حين طلبوا ما طلبوا، على أنَّا لو سلّمنا أنه ليس بحرام يقال: إنه لا فائدةً فيه، وما كان كذلك فمنصبُ النبوةِ منزَّه عنه، ومن هذا يُعلم مَا في قولهم الأخير. (١) أخرجه أحمد (١٩٥٦)، ومسلم (١٧٦)، غير أن فيهما أن النبي ◌َّ رآه بقلبه. وقد أخرجه الترمذي (٣٢٧٩) من غير تقييد برؤية القلب، والصحيح أن يحمل هذا الإطلاق على التقييد الوارد في الروايات الصحيحة. وانظر الكلام على ذلك في المسند عند الرقم (٢٥٨٠). (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١٢٤/٦ لابن مردويه، وعزاه ابن كثير في تفسيره ١١/٥ إلى البزار، وقال عقبه: هذا غريب. قلنا: وعلى احتمال صحته فهو محمول على أنه رآه بقلبه. وانظر كلام ابن كثير في تفسيره ٧/ ٤٤٨ . (٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٢٧)، والبخاري (٣٢٣٤)، ومسلم (١٧٧). (٤) قوله: رأى ربه، سقط من (م). (٥) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ظُه، وسلف عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام. سُورَةُ الَّغْرَافِ ٣٤٢ الآية : ١٤٣ وأُجيب عن قولهم: إن المعلَّق عليه هو استقرارُ الجبل حالَ حركته، بأنهم إن أرادوا أن الشرطَ هو الاستقرارُ حالَ وجود الحركةِ مع الحركة، فهو زيادةُ إضمارٍ، وتركٌ لظاهر اللفظ من غير دليل، فلا يصحُّ، وإن أرادوا أن الشرطَ هو الاستقرارُ في الحالة التي وُجدت فيها الحركةُ بدلاً عن الحركة، فلا يخفى جوازُه، فكيف يُدَّعى أنه محالٌ لذاته؟ وبعضهم قال في الردِّ: إن المعلَّق عليه استقرارُ الجبل بعد النظر، بدليل الفاء، وحين تعلَّقت إرادةُ الله تعالى بعدم استقراره عَقِيب النظرِ استحال استقرارُه وإن كان بالغير، فعدَلَ عن القول بالمحالِ بالذات إلى القولِ بالمحالِ بالغير؛ لأن الغرضَ يتُّ به أيضًا. وتعقّبه السيالكوتي وغيرُه بأنه ليس بشيء؛ لأن استقرارَ الجبل حين تعلَّقِ إرادتِهِ تعالى بعدم استقراره أيضًا ممكنٌ بأن يقع بدَلَه الاستقرارُ، إنما المحالُ استقرارُه مع تعلَّقِ إرادته سبحانه بعدم الاستقرار. ولبعض فضلاء الروم هاهنا كلامٌ نقله الشهاب(١) لا تغرَّنَّك قَعْقَعَتُه؛ فإن الظواهر لا تُترك لمجرَّد الاحتمال المرجوح. وأجيب عن قولهم: لا نسلِّم أن المعلَّق بالممكن ممكنٌ .. إلخ، بأن المراد بالممكن المعلَّقِ عليه الممكنُ الصِّرْف، والخالي عن الامتناع مطلقًا، ولا شكَّ أن إمكانَ المعلول فيما امتنع عدمَ علَّته ليس كذلك، بل التعليق بينهما إنما هو بحسَب الامتناعِ بالغير؛ فإنَّ استلزامَ عدم الصفات وعدم العقل الأول عدمَ الواجب من حيث إنَّ وجود كلٌّ منهما واجبٌ، وعدمُهُ ممتنعٌ بوجود الواجب، وأما بالنظر إلى ذاته مع قَطْع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام؛ بخلاف استقرار الجبل؛ فإنه ممكنٌ صِرْف غيرُ ممتنع لا بالذات ولا بالعَرَض كما لا يخفى، على أن بعضهم نظر في صحّة المثال لغةً، وإن كان فيه ما فيه. وما قيل: إنه ليس المقصودُ في الآية بيانَ جواز الرؤية وعدم جوازها؛ إذ هو غير مسؤول عنه، بل المقصودُ إنما هو بيانُ عدمٍ وقوعها، وعدَمُ الشرط متكفِّل (١) قال الشهاب الخفاجي ٢١٥/٤: ويحتمل أن يكون حين إلقائه (أي اللفظ) إليه قرينةٌ حاليةٌ أو مقالية دالة على التعليق باستقرار الجبل المقيد بالحركة، ولا تكون تلك القرائن منقولة إلينا، ومجملات كتاب الله من هذا القبيل، كما حققه بعض علماء الروم. الآية : ١٤٣ ٣٤٣ سُوَرَةُ الأَغْرَافِ بذلك = كلامٌ لا طائل تحته؛ إذ الجوازُ وعدمُ الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين. وما ذكروه في المعارضة من أن ((لن)) تفيد تأبيد النفي غيرُ مسلّم، ولو سُلِّم فيحتمل أن ذلك بالنسبة إلى الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَثَّوْهُ أَبَدَا﴾ [البقرة: ٩٥] فإن إفادة التأبيد فيه أظهرُ، وقد حملوه على ذلك أيضًا؛ لأنهم يتمنَّونه في الآخرة للتخلّص من العقوبة، ومما يهدي إلى هذا أن الرؤيةَ المطلوبة إنما هي الرؤيةُ في الدنيا، وحقُّ الجواب أن يطابقَ السؤال. وقد ورد عنه ◌ََّ ما يدلُّ على أن نفي الرؤية مقيَّد لا مطلق، فليُتَّبَع بيانُه عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول))، وأبو نعيم في (الحلية)) عن ابن عباس قال: تلا رسول الله ◌َّ ر هذه الآية: ﴿رَبِّ أَرِ﴾ إلخ، فقال: ((قال الله تعالى: يا موسى، إنه لا يراني حيٌّ إلا مات، ولا يابسٌ إلا تَدَهْدَه، ولا رطبٌ إلا تفرَّق، وإنما يراني أهلُ الجنة الذين لا تموت أعينُهم، ولا تبلى أجسادُهم))(١). وهذا ظاهرٌ في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا، مع بقائه على حالته التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صَعْق؛ لأن قوله عزَّ وجل: ((إنه لن يراني حيٌّ)) إلخ، لا ينفي إلا الرؤيةَ في الدنيا مع الحياة، لا الرؤيةَ مطلقًا، فمعنى ((لن تراني)) في الآية: لن تراني وأنت باقٍ على هذه الحالة، لا لن تراني في الدنيا مطلقًا، فضلاً عن أن يكون المعنى: لن تراني مطلقًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. نعم إن هذا الحديث مخصَّصٌ بما صحَّ مرفوعًا وموقوفًا أنه وَلِّ رأى ربَّه ليلة (١) نوادر الأصول ص١٤٢، والحلية ٢٣٥/١٠ من طريق الحكيم الترمذي. وقد كان الأجدر بالمصنف أن لا يورد مثل هذا الحديث، فضلاً عن أن يحتج به في مثل هذه المسألة، ويجعله بيانًا من النبي ◌َّر فيها، ثم يتكلَّف - فيما سيرد - في الجمع بينه وبين ما صح من الأحاديث؛ إذ إن في إسناده محمد بن رِزام الأبلي البصري، وهو متهم بوضع الحديث، وقال الدارقطني: يحدث بالأباطيل. وسلف الحديث عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة الأنعام. سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ ٣٤٤ الآية : ١٤٣ الإسراء مع عدم الصَّعْق(١)، ولعل الحكمة في اختصاصِه و ﴿ بذلك أنَّ نشأته عليه الصلاة والسلام أكملُ نشأة وأعدَلُها صورةً ومعنّى؛ لجامعيَّتَه وَّ للحقائق على وجه الاعتدال، وهي فيه متجاذبة، ومقتضى ذلك الثباتُ بإذن الله تعالى، ومع ذلك فلم يقع له التجلِّ إلا في دار البقاء، فاجتمَعَ مقتضى الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة، وقد يقال أيضًا على سبيل التنزُّل: لو سلَّمنا دلالةَ ((لن)) على التأبيد مطلقًا لكان غايةُ ذلك انتفاءَ وقوع الرؤية، ولا يلزم منه انتفاءُ الجواز، والمعتزلةُ يزعمون ذلك. وقولهم: قولُه عليه السلام: ((تبتُ إليك)) يدلُّ على كونه مخطئًا، ليس بشيء؛ لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وإن لم يتقدّمها ذنبٌ، وعلى هذا فلا يبعُدُ أن يكون المراد من ((تبت إليك)) أي: رجعتُ إليك عن طلب الرؤية. وذكر ابنُ المنير(٢) أن تسبيحَ موسى عليه السلام لِمَا تبيَّن له من أن العلم قد سَبَقَ بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدَّس عن وقوع خلافِ معلومه، وأما التوبةُ في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن ذنب؛ لأن منزلتَهم العَلِيَّة تُصان عن كلِّ ما يحظُ عن مرتبة الكمال، وكان عليه - عليه السلام - نظرًا إلى علوِّ شأنه أن يتوقّف في سؤال الرؤية على الإذن، فحيث سأل من غير إذنٍ كان تاركًا الأَولى بالنسبة إليه، وقد ورد: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين(٣). وذكر الإمامُ الرازيُّ نحو ذلك (٤). وقال الآمديُّ: إن التوبة وإن كانت تستدعي سابقيَّة الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدلُّ قطعًا على أن الذنبَ في سؤاله، بل جاز أن تكون التوبةُ عما تقدَّم قبل (١) أخرج الإمام أحمد في مسنده (٢٥٨٠) عن ابن عباس ◌ًّا قال: قال رسول الله مَله: ((رأيت ربي تبارك وتعالى)). وانظر التعليق عليه في المسند، وكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦٠٨/٨ - ٦٠٩. وقد سبق تخريج الموقوف عن الصحابة في ذلك ص ٣٣٣. (٢) في الانتصاف ١١٥/٢ . (٣) هذا من كلام أبي سعيد الخراز أحد كبار الصوفية المتوفى سنة ٢٨٠، أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣٧/٥، وانظر كشف الخفاء ٤٢٨/١ . (٤) تفسير الرازي ١٤/ ١٣٤. الآية : ١٤٣ ٣٤٥ سُورَةُ الأَعَرَافِ السؤال مما يعدُّه هو عليه السلام ذنبًا، والداعي لذلك ما رأى من الأهوالِ العظيمة من تَدَكْلُك الجبل، على ما هو عادةُ المؤمنين الصُّلحاء من تجديد التوبة عمَّا سلف إذا رأوا آية وأمرًا مَهُولاً . وذكر أن قوله عليه السلام: ((وأنا أول المؤمنين)) ليس المرادُ منه ابتداءَ الإيمان في تلك الحالة، بل المراد به إضافةُ الأولية إليه لا إلى الإيمان، ولعلَّ المراد من ذلك الإخبارِ الاستعطافُ لقَبول توبته عليه السلام عمَّا هو ذنبٌ عنده، وأراد بـ ((المؤمنین)) قومه، على ما رُوي عن مجاهد. وما يشير إليه كلامُ الزمخشريِّ من أن الآية أبلغُ دليل على عدم إمكان الرؤية (١) لا يخفى ما فيه على من أحاط خُبْرًا بما ذكرناه. ومن المحقّقين من استند في دلالةِ الآية على إمكانها بغير ما تقدَّم أيضًا، وهو أنه تعالى أحالَ انتفاءَ الرؤية على عَجْزِ الرائي وضَعْفِه عنها، حيث قال له: ((لن تراني))، ولو كانت رؤيتُه تعالى غيرَ جائزة لكان الجواب: لستُ بمرئيٍّ، ألا ترى لو قال: أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسُنْ في الجواب أن يقال: لن ترى صورتي ولا مكاني، بل الحسنُ: لست بذي صورةٍ ولا مكان؟ وقال بعضُهم بعد أن بيَّن كونَ الآية دليلاً على أن الرؤية جائزةٌ في الجملة ببعض ما تقدم: ولذلك ردَّه سبحانه بقوله: ((لن تراني)) دون: لن أُرى، و: لن أُريَكَ، و: لن تنظر إليَّ؛ تنبيهًا على أنه عليه السلام قاصرٌ عن رؤيته تعالى؛ لتوقُّفها على معدٍّ في الرائي، ولم يوجد فيه بعد، وذلك لأنَّ لن أُرى يدلُّ على امتناع الرؤية مطلقًا، ولن أُرِيَكَ يقتضي أن المانع من جهته تعالى، وليس في لن تنظر تنبيهٌ على المقصود؛ لأن النظر لا يتوقف على معدٍّ، وإنما المتوقّف عليه الرؤيةُ والإدراك. وعلَّل النيسابوريُّ(٢) عدمَ كون الجواب: لن تنظر إليَّ، المناسبِ لـ ((أَنْظُرْ إليك))، بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظرَ المطلق، وإنما طلب النظرَ الذي معه الإدراكُ، بدليل ((أرني)). (١) انظر الكشاف ٢/ ١١٥. (٢) في غرائب القرآن ٤٥/٩. سُوَدَّةُ الأَّغَافِ ٣٤٦ الآية : ١٤٣ وانتصر بعضُهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا: إن طلبَ الإراءة متضمِّن لطلب رفع الموانع من الرؤية، وإيجاد ما تتوقّف هي عليه؛ لأن معنى ذلك: مكِّني من الرؤية، والتمكينُ إنما يتمُّ بما ذُكر من الرفع والإيجاد، وكان الظاهرُ في ردِّ هذا الطلب: لن أُمِّنكَ من رؤيتي، لكن عدَلَ عنه إلى ((لن تراني)) إشارةً إلى استحالة الرؤية وعدمٍ وقوعها بوجهٍ من الوجوه، كأنه قيل: إن رؤيتَكَ لي أمرٌ محال في نفسه، وتمكيني إنما يكون من الممكن، ولو لم يكن المرادُ ذلك، بل كان المرادُ: إنك لا قابليةً لك لرؤيتي، لكان لموسى عليه السلام أن يقول: يا رب أنا أعلمُ عدم القابلية، لكنِّي سألتُك التمكين، وهو متضمِّن لسؤال إيجادها؛ لأنها مما تتوقّف الرؤية عليه، فعلى هذا لا يكون الجوابُ مفيدًا لموسى عليه السلام، ولا مقنعًا له، بخلافه على الأول، فيكون حينئذٍ هو المتعيِّن. فإن قيل: القابليةُ وعدمُ القابلية من توابعِ الاستعدادِ وعدم الاستعداد، وهما غير مجعولين. قلنا: هذا - على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل - مستلزمٌ لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على مَنْ له أدنى استعدادٍ لفهم الحقائق. وأُجيب بأن طلبَ التمكين من شيء إنما يتضمَّن طلب رَفْع الموانع التي في جانب المطلوبٍ منه فقط على ما هو الظاهر، لا مطلقًا بحيث يشملُ ما كان في جانب المطلوب منه وما كان في جانب الطالب، ويُرشد إلى ذلك أن قولك: لم يُمَكِّنِّي زيدٌ من قتل عَمرو - مثلاً - ظاهر في أنه حالَ بينك وبين قَتْله، مع تهيُّئُك له وارتفاع الموانع التي من قِبَلك عنه، فكأنَّ موسى عليه السلام لما كلَّمه ربُّه هاج به الشوقُ إلى الرؤية كما قال الحسن، لا أن (١) عدوَّ الله إبليسَ غاصَ في الأرض حتى خرج من بين قدميه، فوسوس إليه: إنَّ مكلِّمَك شيطان، فعند ذلك سألها - كما قال السُّدي، وأعوذ بالله من اعتقاده - فذَهَلَ عن نفسه وما فيها من الموانع، فلم يخطُرْ بياله إلا طلبُ رفع الموانع عنها من قِبَل الربِّ سبحانه، فنبّهه جلَّ شأنه بقوله: ((لن تراني)) على وجودِ المانع فيه عن الرؤية، وهو الضعفُ عن تحمُّلها، وأراه ضعفَ مَنْ هو أقوى منه عن ذلك بدكٌ الجبل عند تجلِّيه له، ففائدةُ الاستدراك على هذا أن يتحقَّق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلِّي الرؤية وهو على ما هو (١) تحرفت في (م) إلى: لأن. الآية : ١٤٣ ٣٤٧ سُوَّةُ الَّْرَافِ عليه، ويمكن أن تكون التوبةُ منه عليه السلام بعد أن أفاق من هذه الغفلة، وحينئذٍ لا شكَّ أن الجواب بـ ((لن تراني)) إلخ مفيدٌ مقنع. هذا، وذكر بعض المحقّقين أن حاصلَ الكلام في هذا المقام أنَّ موسى عليه السلام كان عالمًا بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى من عباده عقلاً، والشروطُ التي تُذكر لها ليست شروطًا عقلية، وإنما هي شروطٌ عادية، ولم يكن عالمًا بعدم الوقوع مع عدم تغيُّرِ الحال حتى سمع ذلك من الربِّ المُتعال، وليس في عدم العلم بما ذُكر نقصٌ في مرتبته عليه السلام؛ لأنه من الأمور الموقوفةِ على السمع، والجهلُ بالأمور السمعية لا يعدُّ نقصًا؛ فقد صحَّ أن أعلمَ الخلق على الإطلاق نبيَّنَا وَّرَ سُئل عن أشياء فقال: ((سأسألُ جبريل)) عليه السلام، وأن جبريل عليه السلام سُئل فقال: ((سأسألُ ربَّ العزّة))(١)، وقد قالت الملائكة: ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاْ﴾ [البقرة: ٣٢]. وأن الآيةَ لا تصلحُ دليلاً على امتناع الرؤية على ما يقولُه المعتزلة، بل دلالتُها على إمكانها في الجملة أظهرُ وأظهر، بل هي ظاهرةٌ في ذلك دون ما يقولُه الخصوم. وما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ أنه قال في تفسير ((لن تراني)): إنه لا يكونُ ذلك أبدًا، لا حجَّة لهم فيه؛ لأنه غيرُ وافٍ بمطلوبهم، مع أن التأبيدَ فيه بالنسبة إلى عدم تغيُّرِ الحال، كما يدلُّ عليه الخبر المرويُّ عنه سابقًا، وكذا ما رواه عنه أبو الشيخ؛ إذ فيه: يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا. قال موسى: ربِّ أن أراك ثم أموتَ أحبُّ إليَّ من أن لا أراكَ ثم أحيا (٢). وما ذكره الزمخشريُّ عن الأشياخ أنهم قالوا: إنه تعالى يُرى بلا كيف(٣)، هو المشهور. (١) ينظر حديث ابن عمر في صحيح ابن حبان (١٥٩٩)، وحديث جبير بن مطعم عند أحمد (١٦٧٤٤). ونقل ابن مفلح في الآداب الشرعية ٦١/٢ عن الإمام أحمد قوله في رواية المروذي: ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه، وذكر أحاديث النبي ◌َ ﴿ كان يسأل فيقول: «لا أدري حتی أسأل جبريل)). (٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٣. (٣) الكشاف ١١٦/٢ . سُوَرَّةُ الْأَغْرَافِ ٣٤٨ الآية : ١٤٣ ونقل المناوي أن الكمال بن الهُمام سُئل عما رواه الدارقطنيُّ وغيرُه عن أنس من قوله وَلّى: ((رأيتُ ربي في أحسن صورة))(١) بناء على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة، فأجاب بأن هذا حجابُ الصورة(٢). انتهى، وهو التجلِّي الصُّوري الشائع عند الصوفية، ومنه عندهم تجلّي الله تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام، وتجلِيه جلَّ وعلا للخلق يوم يُكشَفُ عن ساق، وهو سبحانه وإن تجلَّى بالصورة لكنه غيرُ متقيِّد بها، والله من ورائهم محيط، والرؤيةُ التي طَلَبها موسى عليه السلام غيرُ هذه الرؤية، وذكر بعضُهم أن موسى كان يرى الله تعالى، إلا أنه لم يعلم أنَّ ما رآه هو هو، وعلى هذا الطّرْز يُحمل ما جاء في بعض الروايات المطعونِ بها: ((رأيتُ ربي في صورة شابٍّ))، وفي بعضها زيادةُ: ((له نعلانِ من ذهب(٣))، ومن الناس من حَمَلَ الرؤيةَ في رواية الدارقطنيِّ على الرؤيةِ المنامية، وظاهرُ كلام السيوطيّ(٤) أن الكيفيةَ فيها لا تضرُّ، وهو الذي سمعتُه من المشايخ قدَّس الله تعالى أسرارهم، والمسألةُ خلافيةٌ. وإذا صحَّ ما قاله المشايخُ وأفهمَه كلامُ السيوطيِّ فأنا ولله تعالى الحمدُ قد رأيتُ ربي منامًا ثلاث مرات، وكانت المرةُ الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمئتين والألف بعد الهجرة، رأيتُه جلَّ شأنه وله من النور ما له(٥) متوجِّهًا جهة (١) كتاب الرؤية للدارقطني (٢٤٧)، ولفظه: ((أتاني ربي عز وجل البارحة في منامي في أحسن صورة ... )). وباللفظ الذي ساقه المصنف أخرجه الدارقطني كذلك في الرؤية (٢٤١) من حديث ابن عباس ◌ًّا. وهو حديث ضعيف اضطرب فيه الرواة، وقد فُصِّل القول في علله في ((المسند)) (٣٤٨٤)، فانظره ثمة . (٢) فيض القدير ٦/٤. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٥/ (٣٤٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٩)، ونقل ابن الجوزي عقبه قول مهنّا: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فحوَّل وجهه عني، قال: هذا حديث منكر. وكذلك أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٤٤٧، وحكم بوضعه، وقال: في إسناده وضاع وكذاب ومجهول. وقد فضَّل الشيخ عبدالرحمن المعلِّمي حال رواته في تعليقه عليه، فانظره ثمة . (٤) في تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، مطبوع ضمن الحاوي للفتاوي ٤٥٠/٢. (٥) في الأصل: ما هو. الآية : ١٤٣ ٣٤٩ سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ المشرق، فكلَّمني بكلماتٍ أُنسيتُها حين استيقظتُ، ورأيتُ مرةً في منامٍ طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى، وبيني وبينه سترٌ حَبِيٌ بلؤلؤ مختلفٍ ألوانُه، فأمر سبحانه أن يُذهب بي إلى مقام(١) عيسى عليه السلام، ثم إلى مقام محمد وَّ، فذهب بي إليهما، فرأيتُ ما رأيت، والله تعالى الفضل والمِنَّة. ومنهم من حمل الصورةَ على ما به التميُّزُ(٢)، والمراد بها ذاتُه تعالى المخصوصةُ المنزَّهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء، البالغة إلى أقصى مراتبٍ الكمال، وما ذكره من البيتين لبعض العَدْلية فهو في ذلك عُثَيثة تقرِمُ جلدًا أملسًا(٣)، والقولُ ما قاله تاجُ الدين السُّبكي فيهم: بالعَدْل ما فيهم لَعَمْري معرفهْ عجبًا لقوم ظالمين تلقّبوا تعطيلُ ذاتِ الله مع نفي الصِّفهْ قد جاءهم من حيث لا يدرونه عَدَلُوا بربِّهمُ فحسبهمُ سَفَهْ (٤) وتلقَّبوا عَدْلِيَّة قلنا نعم وقال ابن المنير(٥): هذا ووعد الله ما لن يُخْلِفَه وجماعةٍ كفروا برؤيةٍ ربهم عَدَلوا بربِّهمُ فحسبهمُ(٦) سَفَه وتلقَّبوا عَدْلِيَّة قلنا أجل إن لم يكونوا في لَظَى فعلى شَفَه وتنقَّتوا الناجين كلا إنهم وبعد هذا كلِّه نقول: إن الناس قد اختلفوا في أن موسى عليه السلام هل رأى ربَّه بعد هذا الطلبِ أم لا؟ فذهب أكثرُ الجماعة إلى أنه عليه السلام لم يَرَهُ لا قبل (١) في الأصل: مكان. (٢) في الأصل: التمييز. (٣) العُثَيْئَةُ: تصغير عُثَّة: وهي دابة صغيرة تقع في الجلد فتفسده، والقَرْم: الحزُّ. وقوله: عثيثة تقرم جلداً أملساً: مثل يضرب للرجل المَهِين يقع في الرجل الشريف، وكذلك للرجل يجتهد أن يؤثِّر في الشيء فلا يقدر عليه، وكذلك عند احتقار الرجل واحتقار كلامه. جمهرة الأمثال للعسكري ٥٤/٢-٥٥، ومجمع الأمثال ٢٩/٢. (٤) ذكرها الشهاب في حاشيته ٤/ ٥٢. (٥) في الانتصاف ١١٦/٢. (٦) تحرفت في (م) إلى: فحسبوهم. سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ ٣٥٠ الآية : ١٤٣ الصَّعق ولا بعدَه، وقال الشيخُ الأكبر قدس سره: إنه رآه بعد الصَّعق، وكان الصعقُ موتًا، وذكر قدِّس سرُّه أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذُكر! والآية عندي غيرُ ظاهرةٍ في ذلك. وإلى الرؤية بعد الصَّعق ذهب القطبُ الرازيُّ في تقرير كلام للزمخشريٌّ(١)؛ إلا أن ذلك على احتمال أن تفسّر بالانكشاف التامِ الذي لا يحصُل إلا إذا كانت النفس فانيةً مقطوعةً النظر عن وجودها، فضلاً عن وجود الغير؛ فإنه قال: إنَّ موسى عليه السلام لمَّا طلب هذه المرتبةَ من الانكشاف، وعبَّر عن نفسه بأنا، دلَّ على أن نظَرَه كان باقيًا على نفسه، وهي لا تكون كذلك إلا متعلِّقةً بالعلائق الجِسمانيَّة، مشوبةً بالشوائب المادِّية، لا جرم منَعَ عنه هذه المرتبةَ، وأُشير إلى أنَّ منعَها إنما كان لأجل بقاء أنا وأنت في قوله: ((أرني)) و((لن تراني))، ثم لمَّا لم يُرد حرمانَه عن حصولِ هذه المرتبة - مع استعداده وتأهُّله لها - عُلِّم طريقَ المعرفة بقوله سبحانه: (ولكن انظُرْ إلى الجبل))؛ فإنَّ الجبل مع عدم تعلُّقه لمَّا لم يطِقْ نظرةً من نظرات التجلِّي فموسى عليه السلام مع تعلُّقه كيف يُطيق ذلك؟! فلما أدرك الرمزَ خَرَّ صعقًا مغشيًّا عليه، متجرِّدًا عن العلائق، فانيًا عن نفسه، فحصَلَ له المطلوبُ، فلما أفاق عَلِمَ أن طلب الرؤية في تلك الحالة التي كان عليها كان سوءَ أدبٍ، فتاب عنه. وذهب الشيخ إبراهيم الكورانيُّ إلى أنه عليه السلام رأى ربَّه سبحانه حقيقةً قبل الصَّعق، فصَعِقَ لذلك، كما دُكَّ الجبل للتجلِّي، وأيَّده بما أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((لما تجلَّى الله تعالى لموسى عليه السلام كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصَّفا في الليلة الظَّلْماء من مسيرة عشرة فراسخ))(٢). وبما أخرجه عن أبي مَعْشَر أنه قال: مكث موسى عليه السلام أربعين ليلةً لا ينظُرُ إليه أحدٌ إلا مات من نور ربِّ العالمين(٣) . (١) الكشاف ١١٦/٢. (٢) الدر المنثور ١١٩/٣. وأخرجه أيضاً القاضي عياض في الشفا ١/ ٣٨٠ (بشرح الشهاب الخفاجي)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: في صحته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل. اهـ. قلنا: وفي إسناده أيضاً الحسن بن أبي جعفر الجفري، وهو ضعيف. (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٥٨/٥ من طريق أبي معشر عن أبي الحويرث، قوله. الآية : ١٤٣ ٣٥١ سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ وجمَعَ بين هذا وبين قوله ◌َّهِ: ((إنَّ الله تعالى أعطى موسى الكلامَ، وأعطاني الرؤيةَ، وفضَّلني بالمقام المحمودِ والحوضِ المورود))(١)، بأنَّ الرؤيةَ التي أعطاها لنبيِّنا وَِّ هي الرؤيةُ مع الثباتِ والبقاء من غير صعقٍ، كما أن الكلامَ الذي أعطاه موسى كذلك؛ بخلاف رؤيةٍ موسى عليه السلام؛ فإنها لم تُجمَعْ له مع البقاء، وعلى هذا فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الدجّال: ((إنه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموتَ))(٢) هو: أن أحدًا لا يراه في الدنيا مع البقاء، ولا يُجمَعُ له في الدنيا بينهما، وفسَّر الآيةَ بما لا يخلو عن خفاء. والذاهبون إلى عدم الرؤية مطلقًا يجيبون عمَّا ذَكَره من حديث أبي هريرة وخبر أبي مَعْشَر بأنَّ الثاني ليس فيه أكثرُ من إثبات سُطوع نور الله تعالى على وجهِ موسى عليه السلام، وليس في ذلك إثباتُ الرؤية؛ لجواز أن يُشرقَ نورٌ منه تعالى على وجهه عليه السلام من غير رؤيةٍ؛ فإنه لا تلازمَ بين الرؤية وإشراقِ النور، وبأنَّ الأول ليس نصًّا في ثبوت الرؤيةِ المطلوبة له عليه السلام؛ لأنها - كما قال غيرُ واحدٍ - عبارةٌ عن التجِّي الذاتيّ، ولله تعالى تجلِّاتٌ شتَّى غيرُ ذلك، فلعل التجلِّي الذي أشار إليه الحديثُ - على تقدير صحَّته(٣) - واحدٌ منها، وقد يُقطَّع بذلك؛ فإنه سبحانه تجلَّى عليه - عليه السلام - بكلامه واصطفائه وقُرْبِه منه على الوجه الخاصِّ اللائقِ به تعالى، ولا يبعُدُ أن يكون هذا سببًا لذلك الإبصار، وهذا أولى ممَّا قيل: إنَّ اللام في ((لموسى)) للتعليل، ومتعلَّق ((تجلَّى)) محذوفٌ، أي: لما تجلَّى الله تعالى للجبل لأجلِ إرشادِ موسى كان عليه السلامُ يُصِرُ بسببٍ إشراق بعضٍ أنواره تعالى عليه حين التجلِّي للجبل ما يُبْصِرُ: تضوَّعَ مسكًا بطنُ نَعْمانَ إذ مشَتْ به زينبٌ في نسوةٍ خَفِراتٍ (٤) (١) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٦٠٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (٥٥١) من حديث جابر بن عبد الله ظًا. وقال عَقبه: هذا حديث موضوع على رسول الله وَّر، والمتهم به محمد بن يونس وهو الكُدَیمي، وكان وضاعًا للحدیث. (٢) أخرجه أحمد (٢٣٦٧٢)، ومسلم ٢٢٤٥/٤ عقب (٢٩٣١) (١٦٩)، من حديث عمر بن ثابت الأنصاري عن بعض أصحاب النبيِّ وَطّر. (٣) وهو ضعيف كما أسلفنا، ووقع في (م): صحة. (٤) البيت لمحمد بن عبد الله النميري، وهو في الأغاني ١٩٣/٦، والكامل للمبرد ٦٢٩/٢، وفيهما: نسوة عطرات. وخفرات، من الخَفَر: وهو شدة الحياء. الصحاح: (خفر). سُورَةُ الأَّغَرَافِ ٣٥٢ التفسير الإشاري (١٤٢ - ١٤٣) فالحقُّ الذي لا ينبغي المحيصُ عنه أنَّ موسى عليه السلام لم يحصُلْ له ما سألَ في هذا الميقات، والذي أقطعُ به أنه نال مقامَ قربِ النوافل والفرائض الذي يذكره الصُّوفية بالمعنى الذي يذكُرونه كيفما كان، وحاشا لله من أن أُفضِّل أحدًا من أولياء هذه الأمة - وإن كانوا هم هم - على أحدٍ من أنبياء بني إسرائيل، فضلاً عن رسلهم مطلقًا، فضلاً عن أولي العزم منهم. وقد ذكر بعضُ العارفين من باب الإشارة في هذه الآيات أنَّ الله تعالى واعَدَ موسى عليه السلام ثلاثين ليلةً للتخلّص من حجاب الأفعال والصِّفات والذات، كلُّ عشرةٍ للتخلُّص من حجابٍ، واختيرت العشرةُ؛ لأنَّها عددٌ كامل، كما تقدَّم الكلامُ عليه عند قوله سبحانه: ﴿يَلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لكن بقيتْ منه بقيةٌ ما خلَصَ عنها، واستعمالُ السِّواك في الثلاثينِ الذي نطقَتْ به بعضُ الآثار إشارةٌ إلى ذلك، فضمَّ إلى الثلاثين عشرةً أخرى؛ للتخلّص من تلك البقيَّة. وجاء أنه عليه السلام أُمِرَ بأن يتقرَّبَ إليه سبحانه بما يتقرَّب به في ثلاثين، وأُنزِلت عليه التوراةُ في العشرة التي ضُمَّت إليها لتكملَ أربعين، وهو إشارةٌ إلى أنه بلغ الشهودَ الذاتيَّ التامَّ في الثلاثين بالسلوك إلى الله تعالى، ولم يبقَ منه شيءٌ، بل فنيَ بالكليَّة، وفي العشرة الرابعة كان سلوكُه في الله تعالى حتى رُزِقَ البقاءَ بعد الفناء بالإفاقة، قالوا: وعلى هذا ينبغي أن يكون سؤالُ الرؤية في الثلاثين، والإفاقة بعدَها، وكان التكليمُ في مقام تجلِّ الصِّفات، وكان السؤالُ عن إفراط شوقٍ منه عليه السلام إلى شهودِ الذات في مقام فناء الصِّفات مع وجود البقيَّة. و﴿لَنْ تَرَِ﴾ إشارةٌ إلى استحالة الاثنينيَّة وبقاء الأَنيَّة في مقام المشاهدة، وهذا معنى قول من قال: رأيتُ ربِّي بعين ربِّي. وقوله سبحانه: ﴿وَلَكِنْ أَتُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إشارةٌ إلى جبل الوجود، أي: انظُرْ إلى جبل وجودِك ﴿فَإِنِ اسْتَفَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَكِ﴾ وهو من باب التعليق بالمُحال عندهم(١). (١) في (م): عنده. التفسير الإشاري (١٤٢-١٤٣) ٣٥٣ سُوَرَّةُ الأَّغَرَافِ ﴿فَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ، لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ, دَكًا﴾ أي: متلاشيًا لا وجودَ له، ﴿وَخَرَّ مُؤَسَى﴾ عن درجة الوجود ﴿صَعِقًا﴾ أي: فانيًا، ﴿فَلَمَّ أَفَاقَ﴾ بالوجود الموهوبِ الحقَّانِيِّ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أن تكون مرئيًّا لغيركَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عن ذنب البقيَّة، أو رجعتُ إليك بحسب العلم والمشاهدة؛ إذ ليس في الوجود سواكَ، ﴿وَأَنَأْ أَوَّلُ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ بحسب الرُّتبة، أَي: أنا في الصفِّ الأول من صفوفٍ مراتب الأرواح الذي هو مقامُ أهلِ الوحدة. وقد يقال: إن ﴿مُوسَى﴾ إشارةٌ إلى موسى الرُّوح، ارتاض أربعين ليلةً لتظهَرَ منه ينابيعُ الحكمة، وقال ﴿لِأَخِهِ مَرُونَ﴾ القلبِ: ﴿أَخْلُفْنِ فِ قَوّى﴾ من الأوصافِ البشرية، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ذاتَ بينهم على وَفْق الشريعة وقانون الطّريقة، ﴿وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ من القوى الطبيعية. ولمَّا حصَلَ الروحُ على بساط القُرب بعد هاتيك الرياضة، وتتابعتْ عليه في روضات الأُنس كاساتُ المحبةِ، غرَّد بلبلُ لسانه في قفصٍ فم وجودِهِ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، فقال له: هيهاتَ ذاكَ، وأين الثُّريا من يد المتناول؟ أنتَ بَعْدُ في بُعْدِ الاثنينية، وحجابٍ جبلِ الأنانيَّة، فإن أردتَ ذلك فخلِّ نفسَكَ وائتني: وها أنتَ حيٌّ إن تكنْ صادقًا مُتٍ وجانِبْ جنابَ الوصل هیھاتَ لم یکن من الحبِّ فاختَرْ ذاكَ أو خلِّ خلَّتي هو الحبُّ إن لم تقضِ لم تقضِ مأُرَبا فهانَ عليه الفناءُ في جانب رؤية المحبوب، ولم يعزَّ لديه كلُّ شيء إذ رأى عزَّة المطلوب، ونادى: إليكِ ومن لي أن تكون بقبضتي فقلتُ لها رُوحي لديكِ وقبضُها وشأني الوفا تأبَى سواه سَجِيَّتي(١) وما أنا بالشاني الوفاة على الهوى فبذل وجودَه، وأعطى موجودَه، فتجلَّى ربُّه لجبل أنانيَّتِه، ثم مَنَّ عليه برؤيته، وكان ما كان، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورٍ رَتِهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، وطَفِئ المصباحُ إذ طلع الصباح، وصدَحَ هزارُ الأُنس في رياض القُدْس بنغم: (١) البيتان واللذان قبلهما لابن الفارض من تائيته الكبرى المسماة بنظم السلوك، وهي في ديوانه ص٥٦. سُورَةُ الََّرَافِ ٣٥٤ الآية : ١٤٤ سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرى ولقد خلوتُ مع الحبيب وبيننا فغدوتُ معروفًا وكنت منَكَّرا وأباح طَرْفي نظرة أمَّلْتُها وغدا لسانُ الحال عنِّي مخبِرًا (١) فدهشتُ بین جلاله وجماله هذا والكلامُ في الرؤية طويل، وقد تكفَّل علمُ الكلام بتحقيق ذلك على الوجه الأكمل، والذي علينا إنما هو كشفُ القناع عمَّا يتعلَّق بالآية، والذي نظنُّه أنَّا قد أدَّينا الواجبَ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجِيْد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿قَالَ يَمُوسَى﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤاله على ما اقتضته الحكمةُ، كأنه قيل: إنْ منعتُكَ الرؤيةَ فقد أعطيتُكَ من النعم العظام ما أعطيتُك، فاغتنِمْه، وثابر على شكرِهِ. ﴿إِنِ اصْطَفَيْتُكَ﴾ أي: اخترتُكَ، وهو افتعالٌ من الصَّفوة بمعنى الخِيار، والتأكيدُ للاعتناء بشأن الخبر. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ الموجودين في زمانك. وهذا كما فُضِّل قومُه على عالمي زمانهم في قوله سبحانه: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]. ﴿بِسَلَتِ﴾ أي: بأسفار التوراة. وقرأ أهلُ الحجاز، ورَوٌْ: ((برسالتي))(٢). ﴿وَبِكَنِى﴾ أي: بتكليمي إياكَ بلا واسطة. أو الكلامُ على حذفِ مضاف، أي: بإسماع كلامي. والمرادُ فضَّلتُكَ بمجموع هذين الأمرين، فلا يرِدُ هارون عليه السلام لأنه لم يكن كليمًا، على أنَّ رسالتَهَ كانت تبعيةً أيضًا، وكان مأمورًا باتباع موسى عليه السلام، وكذلك لا يرِدُ السبعون الذين كانوا معه عليه السلام في هذا الميقات في قولٍ؛ لأنهم وإن سمعوا الخطاب إلا أنهم ليس لهم من الرِّسالة شيءٌ، على أن المقصود بالتكليم، الموجّه إليه الخطابُ، هو موسى عليه السلام دونهم. (١) الأبيات لابن الفارض، وهي في ديوانه ص١٦٩ - ١٧٠. (٢) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧٢/٢. الآية : ١٤٤ ٣٥٥ سُورَةُ الأَغْرَافِ وبتخصيصٍ الناس بما علمتَ خرِجَ النبيُّ ◌َِّ، فلا يرِدُ أن مجموعَ الرسالة والتكليم بغير واسطةٍ وُجِدَ له عليه الصلاة والسلام أيضًا على الصَّحيح، على أنَّا لو قلنا بأنَّ التكليم بغيرِ واسطةٍ مخصوصٌ به عليه السلام من بين الأنبياء لا يلزمُ منه تفضيلُه من كلِّ الوجوه على غيره كنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، فقد يُوجَدُ في الفاضل ما لا يوجَدُ في الأفضل، وإنما كان الكلامُ بلا واسطةٍ سببًا للشَّرف بناءً على العرف الظاهر، وقد قالوا: شتان بين من اتخَذَه الملكُ لنفسه حبيبًا، وقرَّبه إليه بلُظْفه تقريبًا، وبين من ضَرَبَ له الحجابَ والحُجَّابَ، وحال بينه وبين المقصود بوَّابٌ ونُوَّاب، على أن من ذاق طعمَ المحبةِ ولو بطرفِ اللسان يعلم ما في تكليم المحبوب بغيرِ واسطةٍ من اللطف العظيم والبِرِّ الجسيم، وكلامُه جلَّ شأنُه لموسى عليه السلام في ذلك الميقات كثيرٌ على ما دلَّت عليه الآثار، وقد سبق لك ما يدلُّ على كمِّيته من حديث أبي هريرة (١) . وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول))، والبيهقيُّ من طريق جُوَيْيِر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس، عن النبيِّ بَِّ قال: ((إن الله تعالى شأنُه ناجى موسى عليه السلام بمئة ألفٍ وأربعين ألفَ كلمةٍ في ثلاثة أيام، فلما سمع كلامَ الآدميين مَقَتَهم؛ لِمَا وقع في مسامعه من كلام الربِّ عزَّ وجل، فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، إنه لم يتصنَّع المتصفِّعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرَّبْ إليَّ المتقرِّبون بمثل الورع عما حرَّمتُ عليهم، ولم يتعبَّدِ المتعبِّدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا ربِّ وإلهَ البريَّة كلِّها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام، ماذا أعددتَ لهم، وماذا جَزَيتهم؟ قال: أمَّا الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جثّتي حتى يتبوَّؤوا فيها حيث شاؤوا، وأما الورعون عما حرَّمتُ عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبقَ عبدٌ إلا ناقشتُه الحساب وفتَّشتُ عمَّا في يديه إلا الورعون، فإني أُجِلُّهم وأُكرمهم، وأُدخلُهم الجنةَ بغير حسابٍ، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيقُ الأعلى لا يشاركهم فيه أحدٌ))(٢). (١) تقدم ص٣٣٣ من هذا الجزء. (٢) نوادر الأصول ص٢٤١، وشعب الإيمان (١٠٥٢٧). وأورده مختصرًا ابن كثير في تفسير الآية ١٦٤ من سورة النساء، وقال عقبه: وهذا إسناد ضعيف؛ فإن جويبرًا ضعيف، والضحاك لم يدرك ابن عباس سُورَةُ الأَغرافِ ٣٥٦ الآية : ١٤٤ وأخرج آدم بنُ أبي إياس في ((كتاب العلم)) عن ابن مسعود قال: لما قرَّبَ الله تعالى موسى نجيًّا أبصَرَ في ظلِّ العرش رجلاً، فغبَطَه بمكانه، فسأله عنه، فلم يُخبره باسمه، وأخبَرَه بعمله، فقال له: هذا رجلٌ كان لا يحسُدُ الناسَ على ما آتاهم الله تعالى من فضله، برًّا بالوالدين، لا يمشي بالنميمة، ثم قال الله تعالى: يا موسى، ما جِئتَ تطلبُ؟ قال: جئتُ أطلبُ الهدى يا رب. قال: قد وجدتَ يا موسى، فقال: ربِّ اغفر لي ما مضى من ذنوبي، وما غَبَرَ، وما بين ذلك، وما أنتَ أعلم به منِّي، وأعوذُ بك من وسوسة نفسي، وسوء عملي، فقيل له: قد كُفيتَ يا موسى. قال: يا ربِّ أيُّ العمل أحبُّ إليك أن أعملَه؟ قال: اذكرني يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنع بما يُؤْتى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحقِّ ولا يتَّبعِ الهوى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلبُ علمَ الناس إلى علمه، لعلَّه يسمع كلمةً تدلُّه على هدى، أو تردُّه عن ردى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أحبُّ إليك عملاً؟ قال: الذي لا يكذِبُ لسانُه، ولا يزني فرجه، ولا يفجُرُ قلبُه. قال: ربِّ، ثم أيُّ على أَثَر هذا؟ قال: قلبٌ مؤمنٌ في خُلق حَسن. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أبغضُ إليك؟ قال: قلبٌ كافرٌ في خُلق سيِّئ. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أَثَر هذا؟ قال: جِيفةٌ بالليل بظَّال بالنهار(١). وأخرج البيهقيُّ في ((الأسماء والصفات))، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصحَّحه، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن رسول الله وَّه قال: ((قال موسى: يا ربِّ علّمني شيئًا أذكُركَ به وأدعوكَ به؟ قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا ربِّ، كل عبادك يقول هذا. قال: قل: لا إله إلا الله. قال: لا إله أنتَ يا ربِّ، إنما أريد شيئًا تخصُّني به. قال: يا موسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامرَهنَّ غيري، والأرضين السبعَ في كفَّةٍ، ولا إله إلا الله في كفَّة مالت بهنَّ لا إله إلا الله))(٢). (١) أورده السيوطي في الدر المنثور ١١٧/٣ . (٢) الأسماء والصفات (١٨٥)، ومسند أبي يعلى (١٣٩٣)، وصحيح ابن حبان (٦٢١٨)، ومستدرك الحاكم ٥٢٨/١. وهو من طريق دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. قال أبو داود فيما نقله الحافظ ابن حجر في التهذيب ٥٧٤/١ في ترجمة دراج: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. الآية : ١٤٥ ٣٥٧ سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ وأخرج الحكيم الترمذيُّ في ((نوادر الأصول)) عن أبي هريرة قال: لما ارتقى موسى طورَ سينا رأى الجبّارُ في أصبعه خاتمًا، فقال له: هل مكتوبٌ عليه شيءٌ من أسمائي أو كلامي؟ قال: لا. قال: فاكتبْ عليه: ((لكلِّ أجلٍ كتاب))(١). وأخرج ابنُ أبي حاتم عن العلاء بن كثير قال: إنَّ الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم كلَّمتُك؟ قال: لا يا ربِّ. قال: لأني لم أخلقْ خلقًا تواضَعَ لي تواضُعَك(٢). وللقُصَّاص أخبارٌ كثيرة موضوعةٌ في أسئلة موسى عليه السلام ربَّه، وأجوبتِه جلَّ شأنُه له، لا ينبغي لمسلم التصديقُ بها . ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَبْتُكَ﴾ أي: أعطيتُكَ من شرف الاصطفاء ﴿وَكُنْ مِنَ الشَِّكِينَ أي: معدودًا في عِدادهم؛ بأن يكون لك مساهمةٌ كاملةٌ فيهم، وحاصلُه: كن بليغَ الشكر؛ فإنَّ ما أنعمتُ به عليكَ من أجلِّ النعم. أخرج ابنُ أبي شيبة(٣) عن كعب أنه قال: قال موسى عليه السلام: يا ربِّ، دلَّني على عملٍ إذا عملتُه كان شكرًا لك فيما اصطنعتَ إليَّ، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. قال: فكأنَّ موسى أراد من العمل ما هو أنهَكُ لجسمه مما أُمِرَ به، فقال له: يا موسى، لو أن السماواتِ السبعَ. الخبرَ، وهو في معنى ما في خبر أبي سعید. ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ يحتاجون إليه من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح، على ما قال الرازيُّ(٤) وغيرُه. وما أخرجه الطبرانيُّ، والبيهقيُّ في ((الدلائل))(٥) عن محمد بن يزيد الثقفيِّ (١) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وأورده السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٣. وقوله: ((لكل أجل كتاب)) جزء من الآية (٣٨) من سورة ((الرعد)). (٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٣. (٣) في المصنف ٦/ ٦٠. (٤) تفسير الرازي ٢٣٧/١٤. (٥) المعجم الكبير ١٨/ (٨٧٨)، ودلائل النبوة ٤٧٦/٦ . سُوَّةُ الأَغْرَافِ ٣٥٨ الآية : ١٤٥ قال: اصطحَبَ قيس بنُ خَرَشة (١) وكعب الأحبار، حتى إذا بلغا صِفِّين وقف كعبٌ، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليُهراقنَّ بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يُهراق ببقعة من الأرض مثلُه، فقال قيس: ما يُدريك؟ فإنَّ هذا من الغيب الذي استأثَرَ الله تعالى به. فقال كعب: ما من الأرض شبرٌ إلا مكتوبٌ في التوراة التي أنزلَ اللهُ تعالى على موسى ما يكونُ عليه وما يخرجُ منه إلى يوم القيامة (٢) = ظاهرٌ في أنَّ ((كل شيء)) أعمُّ مما ذُكر. ولعلَّ ذِكْر ذلك من باب الرَّمز، كما ندَّعيه في القرآن. ﴿َّوْعِظَةً وَتَّفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ بدلٌ من الجارِّ والمجرور، أي: كتبنا له كلَّ شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام. وإلى هذا ذهبَ غيرُ واحدٍ من المعربين، وهو مشعرٌ بأن ((من)) مزيدةٌ لا تبعيضيَّة، وفي زيادتها في الإثبات كلامٌ. قيل: ولم تُجعل ابتدائيةً حالاً من ((موعظة))، و((موعظة)) مفعولٌ به؛ لأنه ليس له كبيرُ معنى، ولم تجعل ((موعظة)) مفعولاً له، وإن استوفى شرائطَه؛ لأنَّ الظاهر عطف ((تفصيلاً)) على ((موعظة))، وظاهرٌ أنه لا معنى لقولك: كتبنا له من كلِّ شيء لتفصيل كلِّ شيء، وأما جعْلُه عطفًا على محلِّ الجارِّ والمجرور فبعيدٌ من جهة اللفظ والمعنى. والطّيبي اختار هذا العطف، وأنَّ ((من)) تبعيضيةٌ، و((موعظة)) وحدَها بدلٌ، والمعنى: كتبنا بعضَ كلِّ شيء في الألواح، من نحو السُّور والآيات وغيرِهما موعظةً، وكتبنا فيها تفصيلَ كلِّ شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام ونحو ذلك، وفي ذلك اختصاصُ الإجمال والتفصيل بالموعظة؛ للإيذان بأن الاهتمامَ بها أشدُّ، والعنايةَ بها أتمُّ - ولكونها كذلك كثر مدحُ النبيِّ وَ لَّهَ بالبشير النذير - وإشعارٌ بأن الموعظة ممَّا يجبُ أن يُرجع إليه في كل أمرٍ يذكَّرُ به، ألا يُرى إلى أن أكثر الفواصل التنزيلية والردودِ على هذا النمط، نحو ﴿أَفَلاَ نَتَّقُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وإلى سورة الرحمن كيف أُعيدَ فيها ما أُعيد؟ وذلك ليستأنفَ السامعُ به ادِّكارًا واتِّعاظًا(٣)، ويجدِّد تنبيهًا واستيقاظًا. وأنتَ تعلم أن البُعدَ الذي أشرنا إليه باقٍ على حاله. (١) هو القيسي من بني قيس بن ثعلبة، ذكره الحافظ في الإصابة ٨/ ١٨١. (٢) أورده الحافظ في الإصابة ٨/ ١٨١، وقال عقبه: رجاله ثقات، لكن في السند انقطاع، ورجل لم يسمَّ. (٣) في الأصل: وإيقاظًا. الآية : ١٤٥ ٣٥٩ سُوَرَّةُ الأَغْرَاقِ وقوله سبحانه: ((لكلِّ شيء)) إما متعلُّقٌ بما عنده، أو بمحذوف - كما قال السَّمين - وقع صفةً له(١). واختلف في عدد الألواح، وفي جوهرها ومقدارها وكاتبها: فقيل: كانت عشرةً ألواح، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين - قال الزجَّاج (٢): ويجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح - وأنها كانت من زُمُرُّد أخضر، أمر الربُّ تعالى جبريل عليه السلام فجاء بها من عدن، ورُوي ذلك عن مجاهد، وأخرج أبو الشيخ عن ابن جُرَيج قال: أُخبِرتُ أن الألواحَ كانت من زَبَرْجَد (٣). وعن سعيد بن جُبَير قال: كانوا يقولون: إنها كانت من ياقوتة، وأنا أقول: إنها كانت من زُمُّد(٤). وأخرج ابنُ أبي حاتم وغيره عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ◌َّر أنه قال: ((الألواح التي أُنزلت على موسى كانت من سِدْرِ الجنة، كان طولُ اللوح اثني عشر ذراعًا)»(٥). وعن الحسن أنها كانت من خشبٍ نزلت من السماء، وأن طولَ كلٍّ عشرةٌ أذرع. وقيل: أمَرَ الله تعالى موسى عليه السلام بقطعها من صخرةٍ صمَّاء ليَّنها له، فقطعها بيده، وسقفها بأصابعه. ولا يخفى أن أمثالَ هذا يحتاج إلى النقل الصحيح، وإلا فالسكوتُ أَولى؛ إذ ليس في الآية ما يدلُّ عليه، والمختار عندي أنها من خشبِ السِّدر إن صحَّ السندُ إلى سلسلة الذهب. والمشهور عن ابن جُرَيج أن كاتبَها جبريلُ عليه السلام، كتبها بالقلم الذي كتب به الذِّكر، والمرويُّ عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وخلقٍ كثير أن الله تعالى كتبها بيده. وجاء أنها كُتبت وموسى عليه السلام يسمعُ (١) الدر المصون ٥/ ٤٥٢ . (٢) في معاني القرآن ٣٧٥/٢. (٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٢٠/٣. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٦٣ . (٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٦٣/٥. وزاد السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٢٠ نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه . سُوْدَةُ الأَّغرافِ ٣٦٠ الآية : ١٤٥ صَرِيفَ الأقلام التي كُتبت بها، وهو المأثور عن الأمير كرَّم الله تعالى وجهه. وجاء عن ابن عمر ظًّا أنه قال: خلق الله تعالى آدمَ بيده، وخلق جنةَ عَدْنٍ بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لأشياء: كوني، فكانت. وأخرج عبد بن حُمَيد عن وَرْدان أبي(١) خالد قال: خلق الله تعالى آدم بيده، وخلق جبريلَ بيده، وخلق القلم بيده، وخلق عرشَه بيده، وكتب الكتاب الذي عنده لا يطَّلع عليه غيره بيده، وكتب التوراة بيده. وهذا كلَّه من قبيل المتشابه. وفي بعض الآثار أنها كُتبت قبل الميقات، وأُنزلت - على ما قيل - وهي سبعون وِقْر بعير، يُقرأ الجزءُ منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويُوشَع، وعُزَير، وعيسى عليهم السلام. ومما كُتب فيها - كما أخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس - ذِكْرُ النبيِّ وَّرَ، وذِكْرُ أُمته، وما اذَّخَر لهم عنده، وما يسَّر عليهم في دينهم، وما وسَّع عليهم فيما أحلَّ لهم(٢)، حتى إنه جاء أنَّ موسى عليه السلام عجِبَ من الخير الذي أعطاه الله تعالى محمدًا بَّهِ وأمَّته، وتمنَّى أن يكون منهم. وأخرج ابن مَرْدويه، وأبو نُعَيم في ((الحلية))(٣)، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((كان فيما أعطى الله تعالى موسى في الألواح: يا موسى لا تُشرك بي شيئًا، فقد حقَّ القولُ منِّي: لتلفَحَنَّ وجوهَ المشركين النارُ، واشكر لي ولوالديك أقِكَ المتالف، وأُنسِئْكَ في عمرك، وأُحيكَ حياةً طيبةً، وأقلبْكَ إلى خير منها، ولا تقتلِ النفسَ التي حرم الله تعالى إلا بالحقِّ فتضيق عليك الأرضُ برُخْبها، والسماءُ بأقطارها، وتبوءً بسخطي والنار، ولا تحلفْ باسمي كاذبًا ولا آئمًا؛ فإني لا أُطهّر ولا أُزِّي من لم ينزِّهْني ويعّم (١) في الأصل و(م): بن، وكذا في الدر المنثور ١٢١/٣، والمثبت من السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (٣٩٩)، والإبانة لابن بطة (٢٣٠)، ووردان روى عنه عوف الأعرابي، وترجمته في التاريخ الكبير للبخاري ١٨٠/٨ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٦٣/٥. (٣) الحلية ٢٦٥/٣-٢٦٦ وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٣٣/٥، وأخرجه أيضاً ابن عساكر ١٢٨/٦١.