النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ١٣٧
٣٢١
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أي: خرَّبنا وأهلكنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ في أرض
مصر من العمارات والقصور، أي: دمَّرنا الذي كان هو يصنعه فرعون، على أن
((ما)) موصولة، واسم ((كان)) ضميرٌ راجع إليها، وجملةُ ((يصنع فرعون)) من الفعل
والفاعل خبر ((كان))، والجملة صلةُ الموصول، والعائد إليه محذوفٌ.
وجُوِّز أن يكون ((فرعون)) اسم ((كان))، و((يصنع)) خبر مقدَّم، والجملة الكونية
صلةُ ((ما))، والعائد محذوف أيضًا. وتعقّبه أبو البقاء (١) بأن ((يصنع)) يصلُح أن يعمل
في ((فرعون))، فلا يقدَّر تأخيرُه كما لا يُقدَّر تأخيرُ الفعل في قولك: قام زيد. وفيه
غفلةٌ عن الفرق بين المثال وما نحن فيه، وهو مثل الصُبح ظاهر.
وقيل: ((ما)) مصدرية، و((كان)) سيفُ خطيب، والتقدير: ما يصنع
فرعون .. إلخ، وقيل: ((كان)) كما ذكر، و((ما)) موصولة اسمية، والعائد محذوفٌ،
والتقدير: ودمرنا الذي يصنعه فرعون .. إلخ، أي: صَنَعه، والعدول إلى صيغة
المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة.
﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
من الجثَّات، أو: ما كانوا يرفعونه من البنيان،
١٣٧
كصَرْح هامان، وإلى الأول يُشير كلام الحسن، وإلى الثاني كلام مجاهد.
وقرأ ابنُ عامر وأبو بكر هنا وفي ((النحل)) [٦٨]: ((يعرُشون)) بضم الراء،
والباقون بالكسر (٢)، وهما لغتان فصيحتان، والكسر ـ على ما ذكر اليَزيديُّ
وأبو عبيدة - أفصح(٣).
وقُرئ في الشواذِّ: ((يغرسون)) من غرس الأشجار، وفي ((الكشاف)) أنَّها
تصحیف(٤). ولیس به.
(١) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٥٨/٣.
(٢) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧١/٢.
(٣) قول اليزيدي ذكره الزمخشري في الكشاف ٢/ ١١٠، وأما أبو عبيدة فقد اقتصر في مجاز
القرآن ٢٢٧/١ على قوله: مجازه: يبنون، ويعرِش ويعرُش لغتان. وعريش مكة: خيامها.
(٤) الكشاف ١١٠/٢.

سُوَّةُ الْأَّغَرَافِ
٣٢٢
التفسير الإشاري (١٠٣-١٣٧)
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات ما وجدتُه لبعض أرباب التأويل من
العارفين: أن العصا إشارةٌ إلى نفسه التي يتوّأ عليها، أي: يعتمد في الحركات
والأفعال الحيوانية، ويهشُّ بها على غنم القوة البهيميَّة السليمة، ورق الملكات
الفاضلة، والعادات الحميدة من شجرة الفكر، وكانت بتقدُّسها منقادةً لأوامره،
مرتدعةً عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا، وإذا أرسلها عند الاحتجاج على
الخصوم صارت كالثعبان تلقَفُ ما يأفكون من الأكاذيب، ويُظهرون من حبال
الشبهات، وعصا المغالطات، فيغلبهم ويقهرهم، وأن نَزْعَ اليد إشارةٌ إلى إظهار
القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق.
وجعل بعضُهم فرعون إشارةً إلى النفس الأمَّارة، وقومَه إشارةً إلى صفاتها،
وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح، وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر،
وعلى هذا القياسُ.
وأوَّلَ النيسابوري ((الطوفان)) بالعلم الكثير، و((الجراد)» بالواردات، و((القُمَّل))
بالإلهامات، و((الضفادع)) بالخواطر، و((الدم)) بأصناف المجاهدات والرياضات(١)،
وهو كما ترى.
وقد ذكر غير واحدٍ أن السِّحر كان غالبًا في زمن موسى عليه السلام، فلهذا
كانت معجزتُه ما كانت، والطب كان غالبًا في زمن عيسى عليه السلام، فلهذا كانت
معجزتُه من جنس الطبِّ، والفصاحة كانت غالبًا في زمن نبيِّنا نَّهِ، والتفاخُرُ بها
أشهر من قِفا نَبْكِ(٢)، فلهذا كانت معجزتُه القرآن، وإنما كانت معجزةُ كلِّ نبيٍّ من
جنس ما غَلَبَ على زمانه ليكون ذلك أَدْعى إلى إجابة دعواه.
﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْبَحْرَ﴾ شروعٌ بعد انتهاء قصَّة فرعون في قصَّة بني
إسرائيل، وشَرْح ما أحدثوه بعد أن مَنَّ الله تعالى عليهم بما مَنَّ، وأراهم من الآيات
ما أراهم، تسليةً لرسول الله وَ ﴿ عما رآه من اليهود بالمدينة؛ فإنهم جَرَوا معه على
(١) غرائب القرآن ٣٩/٩.
(٢) صدر معلقة امرئ القيس، وهو كما في الديوان ص٨:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخول فحومل

الآية : ١٣٨
٣٢٣
سُورَةُ الأَغَافِ
دأبٍ أسلافهم مع أخيه موسى عليه السلام، وإيقاظًا للمؤمنين أن لا يغفلوا عن
محاسبةِ أنفسهم، ومراقبةِ نِعَم الله تعالى عليهم؛ فإن بني إسرائيلَ وقعوا فيما وقعوا
لغفلتهم عما مَنَّ الله تعالى به عليهم.
و((جاوز)) بمعنى جاز، وقُرئ: ((جوَّزنا)) بالتشديد(١)، وهو أيضًا بمعنى جاز،
فعُدِّي بالباء، أي: قطعنا البحر بهم، والمراد بـ ((البحر)) بحر القَلْزَم، وفي ((مجمع
البيان))(٢) أنه نيل مصر، وهو - كما في ((البحر))(٣) - خطأ .
وعن الكلبيِّ أن موسى عليه السلام عَبَرَ بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون
وقومه، فصاموه شكرًا لله تعالى.
﴿فَأَتَوَا﴾ أي: مرُّوا بعد المجاوزة ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ قال قتادة: كانوا من لخم، اسم
قبيلة، يُنْسَبون - كما صحَّحه ابن عبد البرِّ - إلى لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ(٤)،
وقيل: كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين أُمِرَ موسى عليه السلام بقتالهم.
﴿يَعَكُفُونَ عَلَىَّ أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ أي: يواظبون على عبادتها ويلازمونها، وكانت -
كما أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جُرَيج - تماثيل بَقَر من نحاس، وهو أولُ شأن
العجل(٥)، وقيل: كانت من حجارة، وقيل: كانت بقرًا حقيقة.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يعكِفون)) بكسر الكاف(٦).
﴿قَالُواْ﴾ عندما شاهدوا ذلك: ﴿يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا﴾ مثالاً نعبده ﴿كَمَا لَمْ
ءَالِهَةٌ ﴾ الكاف متعلِّقة بمحذوفٍ وقع صفة لـ ((إلهًا))، و((ما)) موصولة، و((لهم))
(١) وهي قراءة الحسن وإبراهيم وأبي رجاء ويعقوب. القراءات الشاذة ص ٤٥، والبحر المحيط
٤/ ٣٧٧.
(٢) مجمع البيان ٩ (تتمة)/ ١٠ .
(٣) البحر المحيط ٤/ ٣٧٧.
(٤) نقله المصنف عن الشهاب الخفاجي ٢١١/٤، وعزاه الشهاب لكتاب النسب لابن عبد البر،
ولعله يعني به كتاب ((الإنباه على قبائل الرواة)) وقد ذكر فيه ابن عبد البر هذا القول وغيره،
ولکنه لم يصحح أيًّا منها.
(٥) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١١٤. وأخرجه أيضاً الطبري ٤٠٩/١٠.
(٦) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧١/٢.

سُوَّةُ الأَغَرَاقِ
٣٢٤
الآية : ١٣٩
صلتها، و((آلهة)) بدلٌ من الضمير المستتر فيه، والتقدير: اجعل لنا إلهًا كائنًا كالذي
استقرَّ هو لهم.
وجوَّز أبو البقاء(١) أن تكون ((ما)) كانَّة للكاف، ولذا وقع بعدها الجملةُ
الاسمية، وأن تكون مصدرية، و((لهم)) متعلِّق بفعل، أي: كما ثبت لهم.
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (﴿يَ
تعجّب عليه السلام من قولهم هذا بعدما شاهدوه
من الآية الكبرى والبيِّنة العُظمى، فوصفَهم بالجهل على أتمٍّ وجه؛ حيث لم يَذكر له
متعلَّقًا ومفعولاً؛ لتنزيله منزلةَ اللازم، أو لأن حذفَه يدلُّ على عمومه، أي: تجهلون
كلَّ شيء، فيدخل فيه الجهلُ بالربوبية بالطريق الأَولى، وأكّد ذلك بـ ((إنَّ)، وتوسيط
((قوم))، وجَعْلِ ما هو المقصود بالإخبار وصفًا له، ليكون ــ كما قال العلامة -
كالمتحقِّق المعلوم. وهذه - كما ذكر الشهاب(٢) - نكتةٌ سَرِيَّةٌ في الخبر الموطِّئ
لادِّعاء أن الخبر لظهور أمره وقيامِ الدليل عليه كأنه معلومٌ متحقِّق، فيفيد تأكيدَه
وتقريره، ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجهٌ من البلاغة.
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ أي: القوم الذين يعكُّفون على هذه الأصنام ﴿مُنَبِرٌ﴾ أي: مدمّر
مُهْلَكٌ، كما قال ابن عباس. ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ من الدِّين، يعني: يدمر الله تعالى دينَهم
الذي هم عليه على يدي، ويُهلِك أصنامَهم ويجعلها فتاتًا .
﴿وَنَطِلٌ﴾ أي: مضمحِلٌّ بالكلية، وهو أبلغ من حمله على خلافِ الحق. ﴿مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (3)﴾ أي: ما استمرُّوا على عمله من عبادتها، وإن قَصَدوا بذلك
التقرُّب إلى الله تعالى، والمرادُ(٣) أن ذلك لا ينفعُهم أصلاً، وحملُ ((ما كانوا
يعملون)) على الأصنام لأنها معمولةٌ لهم خلافُ(٤) الظاهر جدًّا، والجملةُ تعليل
لإثبات الجهل المؤگّد للقوم.
وفي إيقاع اسم الإشارة - كما في ((الكشاف))(٥) - اسمًا لـ ((إنَّ))، وتقديم خبر
(١) في الإملاء ٣/ ٦٠.
(٢) في الحاشية ٢١١/٤ .
(٣) في (م): وأن المراد.
(٤) في الأصل: على خلاف.
(٥) الكشاف ١١٠/٢.

الآية : ١٤٠
٣٢٥
سُورَةُ الأَغْرَافِ
المبتدأ من الجملة الواقعة خبرًا لها، وَسْمٌ لعَبَدة الأصنام بأنهم هم المعرَّضون
للتَّبَار، وأنه لا يعدوهم البَّة، وأنه لهم ضربةُ لازب؛ ليُحَذِّرهم عاقبةَ ما طلبوا،
ويبغّضَ إليهم ما أحبُّوا. ووَجْهُ ذلك - على ما في ((الكشف)) - أن اسم الإشارة بعد
إفادة الإحضار وأكملِ التمييز يفيد أنهم أحقَّاءُ بما أخبر عنه به بواسطة ما تقدَّم من
العكوف، والتقديم يؤذنُ بأن حال ما هم فيه ليست غير التَّبار، وحال عملهم ليست
إلا البطلان، فهم لا يَعْدونهما، فهما لهم ضربةُ لازب.
وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكون ((ما هم فيه)) فاعلَ ((متَبَّر))؛ لاعتماده على المسند
إليه، وهو في نفسه مساوٍ لاحتمال أن يكون ((ما هم فيه)) مبتدأ و((متَبَّر)) خبر له، أو
أرجح منه، إلا أن المقام - كما قال القطب وغيره - اقتضى ذلك(٢)، فليُفهم.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيَكُمْ إِلَهًا﴾ قيل: هذا هو الجواب، وما تقدَّم مقدمةٌ له
وتمهيد، ولعله لذلك أُعيد لفظ ((قال)).
وقال شيخ الإسلام: هو شروعٌ في بيان شؤون الله تعالى الموجبةِ لتخصيص العبادة
به سبحانه بعد بيان أنَّ ما طلبوا عبادته مما لا یمکن طلبُه أصلاً؛ لكونه هالكا باطلاً
أصلاً، ولذلك وسَّط بينهما ((قال)) مع كون كلِّ منهما كلام موسى عليه السلام(٣) .
وقال الشهاب: أُعيد لفظ ((قال)) مع اتحاد ما بين القائلين لأن هذا دليلٌ خطابيٌّ
بتفضيلهم على العالمين، ولم يستدلَّ بالتمانع العقلي؛ لأنهم عوامٌّ(٤). انتهى.
وفي إقامة برهان التمانع على الوثنية القائلين: إنما نعبُدُهم ليقرِّبونا إلى الله
زلفى، والمجيبين إذا سُئلوا: من خلق السماوات والأرض؟(٥) بـ : خلقهنَّ الله = خفاءٌ،
والظاهر إقامتُه على التنويه كما لا يخفى.
(١) في الإملاء ٣/ ٦٠.
(٢) أي: جعل ((متبر)) خبراً مقدماً، و((ما هم فيه)) مبتدأ مؤخراً لاقتصاء المقام الحصر المستفاد
من التقديم.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٦٨/٣.
(٤) حاشية الشهاب ٤/ ٢١٢.
(٥) قوله: ((إنما نعبدهم ليقربونا ... )) من الآية (٣) من سورة الزمر، وقوله: ((من خلق السموات
والأرض)) من الآية (٣٨) من سورة الزمر.

سُوَدَّةُ الأَشْرَافِ
٣٢٦
الآية : ١٤١
والاستفهام للإنكار، وانتصاب ((غير)) على أنه مفعول ((أبغيكم))، وهو على
الحذف والإيصال، والأصل: أبغي لكم، وعلى ذلك يُخرَّج كلامُ الجوهريِّ، وإن
كان ظاهره أن الفعل متعدٍّ لمفعولين(١). و((إلهًا))(٢) تمييز، وجوَّز أبو البقاء(٣) أن
يكون مفعولاً به لـ ((أبغي))، و((غير)) صفة له قُدِّمت فصارت حالاً، وأيًّا ما كان
فالمقصودُ هنا اختصاصُ الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص، والمعنى:
أُغيرَ المستحقِّ للعبادة أطلبُ لكم معبودًا؟!
﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: عالمي زمانكم، أو جميع العالمين،
وعليه يكون المرادُ تفضيلَهم بتلك الآيات، لا مطلقًا حتى يلزم تفضيلُهم على أمة
محمد بَّر، وأما الأنبياء والملائكة عليهم السلام فلا يدخلون في المفضَّل عليهم
بوجه، بل هم خارجون عن ذلك بقرينة عقلية. والجملةُ حالية مقرِّرة لوجه
الإنكار، أي: والحال أنه تعالى خصَّ التفضيل بكم، فأعطاكم نعمًا لم يُعطِها
غيرَكم.
وفيه تنبيهٌ على ما صنعوا من سوء المعاملة والمقابلة، حيث قابلوا التفضُّلَ
بالتفضيل، والاختصاصَ بأن قصدوا أن يشركوا به أخسَّ مخلوقاته، وهذا
الاختصاصُ مأخوذٌ من معنى الكلام، وإلا فليس فيه ما يفيد ذلك، وتقديمُ الضمير
على الخبر لا يفيده، وإن كان اختصاصًا آخر على ما قيل، أي: هو المخصوصُ
بأنه فضَّلكم على مَنْ سواكم، وجوَّز أبو البقاء كونَ الجملة مستأنفة (٤).
﴿وَإِذْ أَنَّيْنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ بإهلاكهم وتخليصكم منهم، و(إذا إما مفعولٌ
به لـ ((اذكروا)) محذوفًا بناء على القول بأنها تخرُجُ عن الظرفية، أي: اذكروا ذلك
الوقت، ويكون ذلك كنايةً عن ذكر ما فيه، وإما ظرفٌ لمفعول ((اذكروا)) المحذوف،
أي: اذكروا صنيعنا معكم في ذلك الوقت، وهو تذكيرٌ من جهته تعالى بنعمتِهِ
العظيمة .
(١) يعني قوله في الصحاح: (بغى): بغيتُكَ الشيءَ: طلبتُه لك.
(٢) تحرفت في (م) إلى: والهاء.
(٣) في الإملاء ٦١/٣.
(٤) المصدر السابق.

الآية : ١٤١
٣٢٧
سُورَةُ الأَغْرَافِ
وقُرئ: ((نجَّيناكم)) من التنجية(١)، وقرأ ابنُ عامر: ((أنجاكم))(٢)، فيكون من
مقولِ موسى عليه السلام. وقال بعضُهم: إنه على قراءة الجمهور أيضًا كذلك، على
أنَّ ضمير ((أنجينا)) لموسى وأخيه عليهما السلام، أو لهما ولمن معهما، أو له وحده
عليه السلام مشيرًا بالتعظيم إلى تعظيم أمر الإنجاء، وهو خلافُ الظاهر، وقيل: إنه
من كلام الله تعالى تتميمًا لكلام موسى عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا
◌ِهِ أَزْوَجًا﴾ بعد قوله سبحانه: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾(٣) [طه: ٥٣]، وهو
كالتفسير لقوله سبحانه: ((وهو فضلكم)).
وقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يُؤْلُونكم ذلك ويكلِّفونكم إياه،
إما استئنافٌ بيانيّ، كأنه قيل: ما فُعل بهم؟ أو: ممَّ أُنجوا؟ فأُجيب بما ذكر، وإما حالٌ
من ضمير المخاطبين، أو من ((آل فرعون))، أو منهما معًا؛ لاشتماله على ضميرهما .
وقوله عزَّ اسمه: ﴿يُقَطِلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بدلٌ من ((يسومونكم)) مبيِّن
له، ويحتمل الاستئنافَ أيضًا.
﴿وَفِ ذَلِكُمْ﴾ الإنجاء أو سوء العذاب ﴿بَلَاءٌ﴾ نعمةٌ أو محنة، وقيل: المراد
به ما يشمَلُهما. ﴿مِّن رَّيِّكُمْ﴾ أي: مالك أموركم ﴿عَظِيمٌ
﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُه.
وفي الآية التفاتٌ على بعض ما تقدم.
ثم إن هذا الطلب لم يكن - كما قال محيي السُّنة البغويُّ(٤) - عن شكٌّ منهم
بوحدانية الله تعالى، وإنما كان غرضُهم إلهًا يعظّمونه ويتقرَّبون بتعظيمه إلى الله
تعالى، وظنوا أن ذلك لا يضرُّ بالديانة، وكان ذلك لشدَّة جهلهم كما أَذِنت به
الآيات. وقيل: إن غرضَهم عبادةُ الصنم حقيقةً، فيكون ذلك ردةً منهم. وأيَّاما
كان، فالقائل بعضُهم لا كلَّهم.
(١) البحر ٣٧٩/٤.
(٢) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧١/٢.
(٣) جاء في الأصل و(م) لفظة: هو، في بداية الآية، وهي مقحمة في هذا الموضع. وقراءة
((مهادًا)) التي ساقها المصنف قرأ بها غير الكوفيين، وقرأ الكوفيون: ((مهدًا)). انظر التيسير
ص١٥١، والنشر ٣٢١/٢.
(٤) تفسير البغوي ١٩٤/٢ .

سُوَدَّةُ الْأَّغرافِ
٣٢٨
الآية : ١٤١
وقد اتفق في هذه الأمة نحو ذلك؛ فقد أخرج الترمذيُّ وغيره(١) عن أبي واقد
الليثيّ، أن رسول الله وَلَّ خرج في غزوة حُنَين، فمرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا
يعلِّقون عليها أسلحَتَهم، ويعكُّفُون حولَها، يقال لها: ذاتُ أنواط، فقالوا:
يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطِ كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله وَالّ :
((سبحان الله - وفي رواية: ((الله أكبر))(٢) - هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه
السلام: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَمُمْ ءَالِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده، لتركبنَّ سُنَنَ من كان
قبلكم)).
وأخرج الطبراني وغيره من طريق كثير بن عبد الله بن [عمرو بن] عوف(٣)، عن
أبيه، عن جدِّه قال: غزونا مع رسول الله وَّر عام الفتح ونحن ألفٌ ونِّف، ففتح الله
تعالى مكة وحنيناً، حتى إذا كنّا بين حُنَين والطائف [مررنا] في أرض فيها سِدْرة
عظيمة كان يُناط بها السِّلاحُ، فسُمِّيت ذات أنواط، فكانت تُعبَدُ من دون الله، فلما
رآها رسول الله وََّ صَرَف عنها في يومٍ صائفٍ إلى ظلِّ هو أدنى منها، فقال له
رجل: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواطِ كما لهم ذاتُ أنواط. فقال
رسول الله وَلّ: ((إنها السّنن، قلتم - والذي نفسُ محمد بيده - كما قالت بنو
إسرائيل: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَمُمْ ءَاِهٌَ﴾)). وفي هذا الخبر تصريحٌ بأن القائل رجلٌ
واحد، ولعل ذلك كان عن جهل يُعذَرُ به، ولا يكون به كافرًا، وإلا لأمره وَيه
بتجديد الإسلام، ولم يُنقل ذلك فيما وقفتُ عليه.
والناسُ اليوم قد اتَّخذوا من قبيل ذاتِ الأنواط شيئًا كثيرًا لا يحيط به نطاقُ
الحصر، والآمِرُ بالمعروف أعزُّ من بِيض الأَنْوُق، والامتثالُ بفرض الأمر منوظٌ
بالعَيُّوق(٤)، والأمر لله الواحد القهار.
(١) سنن الترمذي (٢١٨٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (٢١٨٩٧).
(٢) هي عند أحمد (٢١٩٠٠).
(٣) المعجم الكبير ١٧/ (٢٧) وتفسير ابن أبي حاتم ١٥٥٤/٥، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن
عوف المزني ضعيف فيما ذكر الحافظ في التقريب. وما بين حاصرتين ساقط من الأصل
و(م)، والدر المنثور ١١٤/٣، وعنه نقل المصنف.
(٤) العَيُّوق: نجم أحمر مضيء، يتلو الثُّرَيًّا لا يتقدمها. القاموس: (عوق).

الآية : ١٤٢
٣٢٩
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ﴾ رُوي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم
بمصر: إنْ أهلَكَ الله عدوًّهم أتاهم بكتابٍ فیه بیانُ ما يأتون وما یذرون، فلما هلك
فرعونُ سأل موسى عليه السلام ربَّه الكتاب، فأمَرَه أن يصوم ثلاثين، وهو شهر ذي
القعدة، فلما أتمَّ الثلاثين أنكر خلوفَ فمه، فتسؤَّك، فقالت الملائكة: كنّا نشمُ من
فيك رائحة المسك، فأفسدتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرةَ أيام من
ذي الحجة .
وأخرج الدَّيلميُّ عن ابن عباس(١) يرفعه: ((لما أَتى موسى عليه السلام ربَّه عز
وجل، وأراد أن يكلِّمه بعد الثلاثين وقد صام ليلهنَّ ونهارهنَّ، كَرِهِ أن يكلِّم ربه
سبحانه وريحُ فمه ريحُ فم الصائم، فتناول من نبات الأرض فمضَغَه، فقال له ربه :
لم أفطرتَ؟ وهو أعلم بَالذي كان، قال: أي ربّ، كرهتُ أن أكلِّمك إلا وفمي
طيِّب الريح، قال: أَوَما علمتَ يا موسى أن ريحَ فم الصائم عندي أطيب من ريح
المسك؟ ارجعْ فصم عشرةَ أيام ثم ائتني، ففعل موسى عليه السلام الذي أمره ربُّه،
بعشر﴾
وَأَتْمَمْنَهَا
وذلك قوله سبحانه :
والتعبيرُ عنها بالليالي - كما قيل - لأنها غُرَرُ الشهور.
وقيل: إنه عليه السلام أمرَه الله تعالى أن يصوم ثلاثين يومًا، وأن يعمل فيها
بما يقرِّبُه من الله تعالى، ثم أُنزلت عليه التوراة [في العشر] (٢) وكلِّم فيها. وقد
أُجمل ذِكْر الأربعين في ((البقرة))، وفُصِّل هنا.
و((واعدنا)) بمعنى وعدنا، وبذلك قرأ أبو عمرو ويعقوب(٣)، ويجوز أن تكون
الصيغةُ على بابها بناءً على تنزيل قَبول موسى عليه السلام منزلة الوعد، وقد تقدَّم
تحقيقه .
(١) في مسند الفردوس (٥٣٠٩) وهو قطعة من حديث طويل جدًّا أخرجه النسائي في الكبرى
(١١٢٦٣)، وأبو يعلى (٢٦١٨). وقال ابن كثير عند تفسير الآية (٣٩) من سورة طه: وهو
موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس مما أبيح
نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا المزي يقول
ذلك أيضاً .
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٦٩/٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) التيسير ص٧٣، والنشر ٢١٢/٢.

سُورَةُ الأَّغْرَافِ
٣٣٠
الآية : ١٤٢
و («ثلاثين)) - كما قال أبو البقاء(١) - مفعولٌ ثانٍ لـ ((واعدنا)) بحذف المضاف،
أي: إتمامَ ثلاثين ليلة أو إتيانها .
﴿فَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِةٍ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ من قبيل الفذلكة لما تقدَّم، وكأن النكتةَ في
ذلك أن إتمام الثلاثين بعشرٍ يحتمل المعنى المتبادر، وهو ضمُّ عشرة إلى ثلاثين
لتصير بذلك أربعين، ويحتمل أنها كانت عشرين فتمَّت بعشرة ثلاثين، كما يقال:
أتممتُ العشرة بدرهمين على معنى أنها لولا الدرهمان لم تصِرْ عشرة، فلدَفْع توهُّم
الاحتمال الثاني جيء بذلك.
وقيل: إن الإتمام بعشر مطلقٌ، يحتمل أن يكون تعيينُها بتعيين الله تعالى، أو
بإرادة موسى عليه السلام، فجيء بما ذُكِر ليفيد أن المراد الأول، وقيل: جيء به
رمزًا إلى أنه لم يقع في تلك العشر ما يوجب الجبر.
والميقاتُ بمعنى الوقت، وفرَّق جمعٌ بينهما بأن الوقت مطلقٌ، والميقات وقت
قُدِّر فيه عملٌ من الأعمال، ومنه مواقيت الحج.
ونصبُ ((أربعين)) قيل: على الحالية، أي: بالغًا أربعين، وردّه أبو حيان بأنه
على هذا يكون معمولاً للحال المحذوف لا حالاً (٢)، وأُجيب بأن النحويين يطلقون
الحكم الذي للعامل لمعموله القائم مقامَه، فيقولون في: زيدٌ في الدار: إن الجارّ
والمجرور خبر، مع أن الخبر إنماَ هو متعلَّقه. وتُعقِّب بأنَّ الذي ذكره النحاة في
الظرف دون غيره، فالأحسنُ أنه حال بتقدير معدودًا. وفيه أن دعوى تخصيص
الذِّكر في الظرف خلافُ الواقع كما لا يخفى على المتتبِّع، وأنَّ ما زعمه أحسنَ
مما تقدم يرِدُ عليه ما يَرِدُ عليه .
وقيل: إنه تمييزٌ. وقيل: إنه مفعولٌ به بتضمين ((تم)) معنى بلَغَ. وقيل: إن ((تمَّ))
من الأفعال الناقصة، وهذا خبره! وهو خبرٌ غريب.
وقيل: إنه منصوب على الظرفية. وأُورد عليه أنه كيف تكون الأربعين ظرفًا
للتمام، والتمام إنما هو بآخرها، إلا أن يُتْجوَّز فيه؟
(١) في إملاء ما من به الرحمن ٣/ ٦١.
(٢) البحر المحيط ٤ / ٣٨٠.

الآية : ١٤٣
٣٣١
سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين توجَّه إلى المناجاة حسبما أُمر به: ﴿لِأَخِيهِ هَرُونَ﴾ اسم
أعجميٌّ عبراني لم يقع في كلام العرب بطريق الأصالة، ويُكتب بدون ألف، وهو
هنا بفتح النون على أنه مجرور بدلاً من ((أخيه)»، أو بيانًا له، أو منصوب مفعولاً به
المقدَّر، أعني: أعني.
وقُرئ شاذًا بالضم (١) على أنه خبر مبتدأ محذوف هو: هو، أو منادى حُذِف منه
حرف النداء، أي: يا هارون.
﴿أَخْلُفْنِىِ﴾ أي: كن خليفتي ﴿فِ قَوْمِى﴾ وراقِبْهم فيما يأتون وما يَذَرون.
واستخلافُه عليه السلام لأخيه مع أنه عليه السلام كان نبيًّا مرسلاً مثله؛
قيل: لأن الرياسة كانت له دونه، واجتماعُ الرياسةَ مع الرسالة والنبوة ليس أمرًا
لازمًا كما يرشد إلى ذلك سَبْر قصص أنبياء بني إسرائيل، وذكر الشيخ الأكبر
قدِّس سرُّه في ((فتوحاته)) أن هارون ذُكر له أنه نبيٌّ بحكم الأصالة، ورسول
بحكم التبعيَّة، فلعلَّ هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعيَّة، وقيل: إن هذا
كما يقول أحدُ المأمورين بمصلحة للآخر إذا أراد الذهاب لأمر: كُنْ عوضًا
عنِّي، على معنى: ابذُلْ غايةَ وسعك، ونهايةَ جهدك، بحيث يكون فعلُك فعل
شخصین .
﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يحتاج إلى الإصلاح من أمور دينهم، أو: كن مصلحًا، على أنه
منزَّل منزلةَ اللازم من غير تقدير مفعول. وعن ابن عباس أنه يريد الرفق بهم
والإحسان إليهم، وقيل: المراد: إِحمِلْهم على الطاعة والصلاح.
﴾ أي: ولا تتَّبع سبيلَ مَن سلَكَ الإفسادَ بدعوةٍ
١٤٢
﴿وَلَا تَنَِّعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
وبدونها، وهذا من باب التوكيد كما لا يخفى.
﴿وَلَمَّا سَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ أي: لوقتنا الذي وقَّتناه، أي: لتمام الأربعين، واللامُ
للاختصاص، كما في قوله سبحانه: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وهي بمعنى
((عند)) عند بعض النحويين.
(١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ١١١/٢ غير منسوبة.

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٣٣٢
الآية : ١٤٣
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ من غير واسطةٍ بحرف وصوت، ومع هذا لا يشبِهُ كلامَ
المخلوقين، ولا محذورَ في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة، وإلى ما ذُكر
ذهب السلف الصالح.
وقد أخرج البزار، وابنُ أبي حاتم، وأبو نعيم في ((الحلية))، والبيهقي في
((الأسماء والصفات)) عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((لما كلِّم الله تعالى موسى
يوم الطور كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا ربِّ، أهذا
كلامُك الذي كلَّمتني به؟ قال: يا موسى: أنا كلَّمتُك بقوةٍ عشرة آلاف لسان، ولي
قوةُ الألسُن كلها وأقوى من ذلك، فلمَّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا:
يا موسى، صِفْ لنا كلام الرحمن، فقال: لا تستطيعونه، ألم تَرَوا إلى صوتٍ
الصواعق الذي يُقبل في أحلى حلاوة، سمعتُموه؟ فذاك قريب منه، وليس به))(١).
وأخرج ابن المنذر، وابنُ أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه عن أبي الحُوَيرث
عبد الرحمن بن معاوية قال: إنما كلَّم الله تعالى موسى بقَدْر ما يطيقُ من كلامه،
ولو تكلّم بكلامه كلِّه لم يُطِفْه شيءٍ(٢).
وأخرج جماعة عن كعب قال: لما كلَّم الله تعالى موسى كلَّمه بالألسنة كلِّها،
فجعل يقول: يا ربّ، لا أفهم، حتى كلَّمه آخرَ الألسنة بلسانه بمثل صوته.
الخبرَ(٣) .
وأخرجوا عن ابن كعب القُرَظيّ أنه قال: قيل لموسى عليه السلام: ما شبّهتَ
كلام ربك مما خلَقَ؟ فقال عليه السلام: بالرعدِ الساكن(٤).
(١) كشف الأستار (٢٣٥٣)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٥٥٧/٥-١٥٥٨، والحلية ٢١٠/٦،
والأسماء والصفات (٦٠١). وضعفه البيهقي؛ لأن فيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وقد
جرحه أحمد والبخاري، وقال عنه الحافظ في التقريب: منكر الحديث، وقد رُمي بالقدر.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٥٨/٥، ولم أقف عليه في مطبوع المستدرك، وقد نسبه له السيوطي
في الدر المنثور ١١٥/٣، وعنه نقل المصنف هذه الآثار.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٧/ ٦٩٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ١٥٥٨/٥، والطبراني في
الأوسط (٩٩١).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٧/ ٦٩٠، وزاد السيوطي في الدر المنثور ١١٥/٣ نسبته إلى ابن
المنذر.

الآية : ١٤٣
٣٣٣
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وأخرج الدَّيلميُّ عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربِّه
كلَّمه ألفَ كلمةٍ ومئتي كلمة، فأول ما كلَّمه بالبربرية)»(١).
ونُقل عن الأشعريِّ أن موسى عليه السلام إنما سمعَ الكلامَ النفسيَّ القائم
بذات الله تعالى، ولم يكن ما سمِعَه مختصًا بجهة من الجهات، وحملُه على السماع
بالفعل مشكلٌ مع الأخبار الدالّة على خلافه، والظاهر أن ذلك إن صحَّ نقلُه فهو
قولٌ رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في ((الإبانة))(٢).
﴿قَالَ رَبٍّ أَرِفِ﴾ أي: ذاتَك أو نفسك، فالمفعول الثاني محذوفٌ لأنه معلوم،
ولم يصرِّح به تأدُّبًا .
﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ مجزومٌ في جواب الدعاء. واستُشكل بأن الرؤية مسبَّبة عن
النظر، متأخِّرة عنه، كما يريك ذلك النظرُ إلى قولهم: نظرتُ إليه فرأيتُه، ووجهُهُ أن
النظر: تقليبُ الحَدَقة نحو الشيء؛ التماسًا لرؤيته، والرؤية: الإدراك بالباصرة بعد
التقليب، وحينئذٍ كيف يُجعل النظر جوابًا لطلب الرؤية مسبَّبًا عنه وهو عكس
القضية؟ وأُجيب بأن المراد بالإراءة ليس إيجادَ الرؤية، بل التمكُّن منها مطلقًا، أو
بالتجلِّي والظهور، وهو مقدَّم على النظر وسببٌ له، ففي الكلامِ ذِكْر الملزوم وإرادةٌ
اللازم، أي: مكِّنِّي من رؤيتك، أو تجلَّ لي فأنظرَ إليك وأراك.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بياني، كأنه قيل: فماذا قال ربُّ العزَّة حين قال موسى عليه
السلام ذلك؟ فقيل: قال: ﴿لَنْ تَرَنِ﴾ أي: لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنتَ
عليه، وهو نفيٌ للإراءة المطلوبة على أتمِّ وجه.
﴿وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ استدراكٌ لبيان أنه عليه السلام لا يطيقُ الرؤية، والمرادُ
من ((الجبل)) طور سيناء كما ورد في غير ما خبر، وفي ((تفسير الخازن)) وغيره أن
اسمه زَبِير بزاي مفتوحة، وباء موحدة مكسورة، وراء مهملة، بوزن أمير(٣).
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ ولم يُفَتِّته التجلِّي ﴿فَسَوْفَ تَرَبِىِّ﴾ إذا تجلَّيتُ لك.
(١) الحديث في مسند الفردوس (٥٣٠٤) من مسند ابن عباس، وليس من مسند أبي هريرة، وهو
عند السيوطي في الدر ١١٥/٣ بمثل ما عند المصنف.
(٢) انظر الإبانة ص ٢٢.
(٣) تفسير الخازن ٢٨٤/٢.

سُوَّةُ الأَغَرَافِ
٣٣٤
الآية : ١٤٣
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ, لِلْجَبَلِ﴾ أي: ظهر له على الوجه اللائقِ بجنابه تعالى بعد جعله
مدرِكًا لذلك ﴿جَعَلَهُ, دَكًا﴾ أي: مدكوكًا متفتًّا، والدُّ والدقُّ أَخَوان، كالشكِّ
والشقِّ.
وقال شيخنا الكوراني: إن الجبل مندرجٌ في الأشياء التي تسبِّحُ بحمد الله بنصِّ
﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] المحمولِ على ظاهره عند التحقيق،
المستلزم لكونه حيًّا مدركًا حياة وإدراكًا لائقین بعالمه ونشأته.
وقيل: هذا مَثَلٌ لظهور اقتداره سبحانه، وتعلُّق إرادته بما فعل بالجبل، لا أن ثَمَّ
تَجَلًِّا، وهو نظير ما قرِّر في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]،
من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونَه يدخلُ تحت الوجود من غير توقُّف،
لا أن ثمةَ قولاً .
وتعقَّبه صاحب ((الفرائد)) بأن هذا المعنى غيرُ مفهوم من الآية؛ لأنَّ ((تجلَّى))
مطاوعُ جلَّيته، أي: أظهرتُه، يقال: جلَّيته فتجلَّى، أي: أظهرتُه فظهر، ولا يُقدَّر:
تجلَّى اقتدارُه؛ لأنه خلاف الأصل، على أن هذا الحملَ بعيدٌ عن المقصود
بمراحل.
وأخرج أحمد، وعَبْد بن حُمَيد، والترمذيُّ والحاكم وصححاه، والبيهقيُّ،
وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك، أن النبيَّ وَ له قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَّجَلَّى
رَبُّهُ﴾ إلخ، قال: ((هكذا - وأشار بأصبعيه، ووضع طرفَ إبهامه على أنملة
الخنصر. وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر، - فساخ الجبل))(١).
وعن ابن عباس أنه قال: ما تجلَّى منه سبحانه للجبل إلا قدرُ الخنصر، فجعله
ترابًا .
وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يُسلك فيها طريق التسليم، وهو أسلم
وأحكم، أو التأويل بما يليقُ بجلال ذاته تعالی.
(١) مسند أحمد (١٢٢٦٠) و(١٣١٧٨)، وسنن الترمذي (٣٠٧٤) وقال: حديث حسن غريب
صحيح، والحاكم ٣٢٠/٢-٣٢١ و٥٧٧. وقال: صحيح على شرط مسلم.

الآية : ١٤٣
٣٣٥
سُوَرَّةُ الْأَغْرَافِ
وقرأ حمزة والكسائي: (دَكَّاء)) بالمد(١)، أي: أرضًا مستوية، ومنه قولهم: ناقة
دَّاء، للتي لم يرتفع سَنامها .
وقرأ يحيى بنُ وثاب: (دُّا)) بضم الدال والتنوين(٢)، جمع دَّاء، كحُمْر
وحمراء، أي: قِطَعًا دًُا، فهو صفةٌ جمعٍ.
وفي ((شرح التسهيل)) لأبي حيان أنه أُجري مجرى الأسماء، فأجري على المذكَّر.
﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ أي: سقط من هول ما رأى، وفرَّق بعضُهم بين السقوط والخُرور
بأن الأول مطلق، والثاني سقوطٌ له صوت كالخَرِير.
﴿صَعِقًا﴾ أي: صاعقًا وصائحًا من الصَّعْقة، والمراد أنه سقط مغشيًّا عليه عند
ابن عباس والحسن ﴿ه، وميِّتًا عند قتادة. رُوي أنه بقي كذلك مقدار جمعة، وعن
ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغَشْية عشيّة يوم الخميس يوم عرفة إلى عشيّة يوم
الجمعة .
ونقل بعض القصَّاصين أن الملائكة كانت تمرُّ عليه حينئذ، فيلكزونَه بأرجُلِهم
ويقولون: يا ابنَ النساء الخُيَّض، أطمعتَ في رؤية ربِّ العزة! وهو كلامٌ ساقط
لا يعوَّل عليه بوجه؛ فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتُهم من إهانة الكليم
بالوَكْز بالرِّجل والغضِّ في الخطاب.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ بأن عاد إلى ما كان عليه قبلُ، وذلك بعَوْد الروح إليه على ما قال
قتادة، أو بعود الفهم والحسِّ على ما قال غير واحد (٣).
والمشهور أن الإفاقة: رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب
من الأسباب، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحُه: أفاق، وإنما يقال ذلك
للمغشيِّ عليه، ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحَبْر (٤).
(١) التيسير ص١١٣، والنشر ٢٧١/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٤٥ .
(٣) في (م): غيره.
(٤) يعني ابن عباس ◌ًا، حيث ذهب إلى أنه سقط مغشيًا عليه، لا ميتًا كما قال قتادة. على أن
القرطبي ذكر في تفسيره ٣٢٥/٩ أن قتادة قال بمثل قول ابن عباس.

سُوَدَّةُ الأَغَرَافِ
٣٣٦
الآية : ١٤٣
﴿قَالَ﴾ تعظيمًا لأمر الله سبحانه: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك من مشابهة
خلقك في شيء، أو من أن يثبُتَ أحدٌ لرؤيتك على ما كان عليه قبلَها، أو من أن
أسألك شيئًا بغير إذنٍ منك.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: من رؤية وجودي،
والميل مع إرادتي.
﴿وَنَأْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
بعظمتِكَ وجلالك، أو بأنه لا يراك أحدٌ في هذه
١٤٣)
النشأة فيثبُتَ، على ما قيل. وأراد - كما قال الكورانيُّ - أنه أولُ المؤمنين بذلك عن
ذوقٍ مسبوقٍ بعين اليقين في نظره. وقيل: أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوزُ السؤال
بغير إذنٍ منك.
واستدلَّ أهلُ السُّنة المجوِّزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في
الجملة، واستدلَّ بها المعتزلةُ النُّفاة على خلاف ذلك، وقامت الحرب بينهما على
ساق، وخلاصةُ الكلام في ذلك أن أهل السُّنة قالوا: إن الآية تدلُّ على إمكان
الرؤية من وجهين :
الأول: أن موسى عليه السلام سألها بقوله: ((رب أرني)) إلخ، ولو كانت
مستحيلةً؛ فإن كان موسى عليه السلام عالمًا بالاستحالة فالعاقلُ، فضلاً عن
النبيِّ مطلقًا، فضلاً عمن هو مِنْ أولي العزم، لا يسأل المُحال ولا يطلبُه، وإن
لم يكن عالمًا بذلك لزم أن يكون آحادُ المعتزلة ومن حصَّل طرفًا من علومهم
أعلمَ بالله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، من النبيِّ الصَّفيِّ، والقول
بذلك غايةُ الجهل والرُّعونة، وحيث بطَلَ القول بالاستحالة تعيَّنَ القول
بالجواز.
والثاني: أنَّ فيها تعليقَ الرؤية على استقرار الجبل، وهو ممكنٌ في نفسه،
وما ◌ُلِّقَ على الممكن ممكنٌ.
واعترض الخصومُ الوجهَ الأول بوجوه: الأول: أنا لا نُسلِّم أن موسى عليه
السلام سأل الرؤية، وإنما سأل العلم الضروريَّ به تعالى، إلا أنه عبّر عنه بالرؤية
مجازًا؛ لما بينهما من التلازم، والتعبيرُ بأحد المتلازمين عن الآخر شائعٌ في

الآية : ١٤٣
٣٣٧
سُوَرَةُ الأَّغَرَافِ
كلامهم، وإلى هذا ذهب أبو الهُذَيل العلَّاف(١)، وتابَعَه عليه الجبائيُّ وأكثر
البصريين.
الثاني: أنَّا سلَّمنا أنه لم يسأل العلم، بل سأل الرؤية حقيقة، لكنَّا نقول: إنه
سأل رؤية عَلَمٍ من أعلام الساعة، بطريق حذفِ المضاف وإقامة المضاف إليه
مقامَه، فمعنى ((أرني أنظرْ إليك)): أرني أنظرُ إلى عَلَمٍ من أعلامك الدالَّةِ على
الساعة، وإلى هذا ذهب الكعبيُّ والبغداديون.
الثالث: أنا سلَّمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسَه حقيقةً، ولكن لم يكن ذلك
لنفسه عليه السلام، بل لدفع قومه القائلين: ﴿أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وإنما
أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعُه أبلغَ في دفعهم ورَدْعهم عما سألوه؛ تنبيهًا
بالأعلى على الأدنى، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتَّبعوه (٢).
الرابع: أنا سلَّمنا أنه سأل لنفسه، لكن لا نسلِّم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة؛
إذ المقصودُ من سؤالها إنما هو أن يعلمَ الإحالةَ بطريق سمعيٍّ مضافٍ إلى ما عنده
من الدليل العقلي؛ لقصد التأكيد، وذلك جائز كما يدلُّ عليه طلبُ إبراهيم عليه
السلام إراءةَ كيفية إحياء الموتى، وقوله: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]،
وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصمُّ.
الخامس: أنا سلَّمنا أن سؤالَ الرؤية ينافي العلمَ بالإحالة، لكنَّا نلتزمُ القولَ
بعدم العلم، وهو غيرُ قادحٍ في نبؤَّته عليه السلام؛ فإن النبوَّةَ لا تتوقّفُ على العلم
بجميع العقائد الحقَّة، أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، بل على
ما يتوقَّفُ عليه الغرضُ من البعثة والدعوة إلى الله تعالى، وهو وحدانيَّته، وتكليفُ
عبادِه بالأوامر والنواهي تحريضًا لهم على النَّعيم المُقيم، وليس امتناعُ الرؤيةِ من
هذا القبيل، ويؤيدُ ذلك أنه سأل وقوعَ الرؤية في الدنيا، وهي غيرُ واقعةٍ عندنا
وعندكم. ونُسِبَ هذا القولُ إلى الحسن منّا، وهو غريبٌ منه.
السادس: أنا سلَّمنا العلم بالإحالة، لكن لا نسلِّم امتناعَ السؤال، وإنما يمتنعُ
(١) في الأصل و(م): أبو الهذيل بن العلاف، والمثبت هو الصواب. ينظر السير ١٧٣/١١ .
(٢) انظر هذه الأقوال وما سبق في المواقف بشرح الإيجي ١١٧/٨ وما بعدها.

سُوَدَّةُ الأَْرَافِ
٣٣٨
الآية : ١٤٣
أن لو كان محرَّمًا في شَرْعه، لم لا يجوز أن لا يكون محرَّمًا؟
السابع: أنا سلَّمنا الحُرْمة، لكن لا نُسلِّم أن ذلك كبيرةٌ، لم لا يجوز أن يكون
صغيرة؟ وهي غيرُ ممتنعةٍ على الأنبياء عليهم السلام.
وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين:
الأول: أنا لا نسلِّم أنه علَّقَ الرؤيةَ على أمرٍ ممكن؛ لأن التعليقَ لم يكن على
استقرار الجبل حالَ سكونه، وإلا لوُجِدت الرؤية ضرورةً وجود الشرط؛ لأن الجبل
حالَ سكونه كان مستقرًّا، بل على استقراره حالَ حركته، وهو محالٌ لذاته.
والثاني: أنَّا وإن سلَّمنا أن استقرار الجبل ممكنٌ، لكن لا نسلِّم أن المعلَّقَ
بالممكن ممكن؛ فإنَّه يصحُّ أن يقال: إن انعدمَ المعلولُ انعدمَ العلَّة، والعلَّة قد
تكون ممتنعةً العدم مع إمكان المعلول في نفسه، كالصِّفات بالنسبة إلى الذات عند
المتكلمين، والعقلِ الأولِ بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء، فيجوز أن تكون الرؤيةٌ
الممتنعة متعلِّقة بالاستقرار الممكن، والسرُّ في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلَّق
والمعلَّق عليه إنما هو بحَسَبِ الوقوع، بمعنى أنه إن وقَعَ عدمُ المعلولِ وقع عدمُ
العلَّة، والممكنُ الذاتيُّ قد يكون ممتنعَ الوقوعِ كالممتنع الذاتي، فيجوز التعليق
بينهما، وليس الارتباط بينهما بحسَب الإمكان، حتى يلزم من إمكان المعلَّق عليه
إمكانُ المعلَّق.
ثم إنَّا وإن سلَّمنا دلالةَ ما ذكرتموه من الوجهين على جوازِ الرؤية، فهو معارض
بما يدلُّ على عدم الجواز؛ فإنَّ ((لن)) في الآية لتأبيد النفي وتأكيده، وأيضًا قول
موسى عليه السلام: ((تبتُ إليك)) دليلُ كونه مخطئًا في سؤاله، ولو كانت الرؤيةُ
جائزةً لما كان مخطئًا .
والزمخشريُّ - عامَلَه الله تعالى بعدله - زعم أن الآيةَ أبلغُ دليلٍ على عدم إمكان
الرؤية(١)، وذكر في ((كشافه)) ما ذكر، وقال(٢): ثم اعْجَبْ من المتّسمين بالإسلام،
المسمّين بأهل السنة والجماعة كيف اتَّخذوا هذه العظيمةَ مذهبًا، ولا يغرَّنك
(١) نقل قوله في المواقف بشرح الإيجي ١١٩/٨.
(٢) الكشاف ١١٥/٢-١١٦.

الآية : ١٤٣
٣٣٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
تستُّرُهم بالبَلْكَفة (١)؛ فإنه من منصوبات أشياخهم، والقولُ ما قال بعضُ العدلية
فیهم :
لجماعةٌ حُمُرٌ لَعَمْرِي مُؤْكَفَهْ
وجماعةٍ سمَّوا هواهم سنَّةً
شنعَ الورى فتستَّروا بالبَلْكَفَهْ
قد شبَّهوه بخلقِهِ وتخوَّفوا
وأُجيب عن قولهم: إنه عليه السلام إنما سأل العلمَ الضروريَّ، بأنه لو كانت
الرؤيةُ بمعنى العلم الضروريِّ لكان النظر المذكورُ بعدُ أيضًا بمعناه، وليس
كذلك؛ فإن النظر الموصول بـ ((إلى)) نصٌّ في الرؤية لا يحتمل سواه، فلا يُترك
للاحتمال.
وفي ((شرح المواقف)»(٢) أن طلب العلم الضروريِّ لمن يخاطِبُه ويناجيه غیرُ
معقول، وأُورد عليه أنَّ المراد هو العلم بهَويَّته الخاصة، والخطابُ لا يقتضي
إلا العلمَ بوجه، كمن يخاطبُنا من وراء الجدار، والمراد بالعلم بالهوية الخاصَّة
انكشافُ هويته تعالى على وجهٍ جزئيٍّ، بحيث لا يمكنُ عند العقل صِدْقُه على
كثيرين كما في المرئيِّ بحاسَّة البصر، ولا شكَّ في كونه ممكنًا في حقه تعالى؛ لأنه
قادرٌ على أن يخلق في العبد علمًا ضروريًا بهويَّته الخاصَّة على الوجه الجزئيِّ بدون
استعمال الباصرة كما يخلق بعده، وفي عدم لزومه الخطاب؛ فإنه يقتضي العلمَ
بالمخاطبِ بأمور كلية يمكن صِدْقها على كثيرين عند العقل، وإن كانت في الخارج
منحصرةً في شخص واحد، فهو من قبيل التعقُّل.
وبهذا التحرير يُعلم رصانةُ الإيراد، ودَفْعُ ما أُورد عليه، ويظهر منه ركاكةُ ما قاله
الآمديُّ من أنَّ حمل الرؤية على العلم يلزمُ منه أن يكون موسى عليه السلام غيرَ
عالم بربه؛ لئلا يلزم تحصيلُ الحاصل، ونسبةُ ذلك إلى الكليم من أعظم
الجهالات = لأنا نقول: العلم بالهويّة الخاصَّة ۔ على ما ذكرنا - ليس من ضروريات
النبوّة ولا المكالمة كما لا يخفى. نعم يأبى هذا الحملَ التعديةُ كما علمت، ويُبعده
الجوابُ بـ ((لن تراني ولكنِ انْظُر)) إلخ، كما هو ظاهر، وإن تكلَّف له الزمخشريُّ(٣)
(١) البلكفة: نحت كالبسملة، أي القائلين بأن الرؤية بلا كيف. حاشية الشهاب ٢١٦/٤.
(٢) شرح المواقف ١١٨/٨، وانظر حاشية المولى حسن جلبي الفناري عليه.
(٣) في الكشاف ٢/ ١١٢-١١٤.

سُوَدَّةُ الْأَغْرَافِ
٣٤٠
الآية : ١٤٣
بما تمجُّه الأسماع. وقيل: إنه لو ساغ هذا التأويلُ لساغ مثلُه في ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾
[النساء: ١٥٣]، لتساوي الدلالة، وهو ممتنعٌ بالإجماع، و((جهرة)) لا يزيد على كون
النظر موصولاً بـ ((إلى)).
وأُجيب عن قولهم: إنما سألَه أن يُربه عَلَمًا من أعلام الساعة بأنه لا يستقيم؛
لثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خلاف الظاهر من غير دليل.
ثانيها: أنه أجيب بـ ((لن تراني))، وهو إن كان محمولاً على نفي ما وقع السُّؤال
عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف؛ فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات وهو
تَدَكْدُكُ الجبل، وإن كان محمولاً على نفي الرؤية لزم أن لا يكون الجوابُ مطابقًا
للسؤال.
ثالثها: أن قوله سبحانه: ﴿فَإِنِ أُسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَى﴾ إن كان محمولاً
على رؤية الآية فهو محالٌ؛ لأن الآيةَ ليست في استقرارِ الجبل، بل في تَدَكْذُكِهِ،
وإن كان محمولاً على الرؤية لا يكون مرتبطًا بالسؤال، فإذن لا ينبغي حملُ ما في
الآية على رؤيةِ الآية.
وعن قولهم: إن الرؤيةَ وقعت لدَفْع قومه، بأنَّ ذلك خلافُ الظاهر من غيرِ
دليل، وكونُ الدليل أَخْذ الصَّعْقة ليس بشيء، وأيضًا كان يجبُ عليه - عليه السلام -
أن يبادِرَ إلى رَدْعهم وزَجْرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال: ((إنكم
قوم تجهلون)) عند قولهم: ((اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)).
وقولُهم: إن المقصود ضمُّ الدليل السمعيِّ إلى العقليِّ، ليس بشيء؛ إذ ذلك
كان يمكن بطلبٍ إظهار الدليل السمعيِّ له من غير أن يطلب الرؤيةَ مع إحالتها،
وقصته تقدّم الكلام فيها .
وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهرٌ ردُّه من تقرير الوجه الأول من الوجهين
اللذين ذكرهما أهلُ السنة، وحاصلُه أنه يلزمُهم أن يكون الكليم عليه السلام دون
آحاد المعتزلة عِلمًا، ودون من حصّل طرفًا من الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى
وما لا يجوز، وهذه كلمةٌ حمقاءُ، وطريقةٌ عوجاء لا يسلكها أحدٌ من العقلاء؛ فإنَّ