النص المفهرس

صفحات 201-220

الآية : ٧٣
٢٠١
سُورَةُ الَّغَرَافِ
وقال وهب: هو ابنُ عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوح، بُعِثَ إلى
قومه حين راهقَ الحلم، وكان رجلاً أحمرَ إلى البياض، سبط الشعر، فلبثَ فيهم
أربعين عاماً.
وقال الشاميّ (١): إنَّه بعث شابّاً، فدعا قومه حتى شَمِطَ وكَبِر، ونقل النوويُّ(٢)
أنه أقام فيهم عشرين سنة، ومات بمكّة وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنة.
﴿قَالَ يَنَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَحِكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَةٌ﴾ قد مرَّ الكلام في نظائره.
﴿قَدْ جَنْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ أي: آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرةُ الدلالة، شاهدةٌ بنبوَّتي، وهي
من الألفاظ الجارية مجرى الأَبْطَح والأَبْرَق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالةً
الإفراد والجمع. والتنوينُ للتفخيم، أي: بينةٌ عظيمةٌ.
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقعَ صفةً لبيِّنةٍ على ما مرَّ غير مرَّة، أو
بـ ((جاءتكم)) و(من)) لابتداء الغاية مجازاً، أو للتبعيض إن قُدِّرَ: من بَيِّئات ربّكم.
والمرادُ بهذه البينة الناقة، وليس هذا الكلام منه عليه السلام أوَّلَ ما خاطبهم به
إثر الدعوة إلى التوحيد، بل إنَّما قاله بعدما نصحَهم وذكّرهم بنعم الله تعالى، فلم
يقبلوا كلامَه وكذَّبوه، كما ينبىُ عن ذلك ما في سورة هود.
وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَابَةٌ﴾ استئنافٌ نحويٌّ مسوقٌ لبيان البينة
والمعجزة، وجُوِّزَ أنْ يكون استئنافاً بيانيّاً جواباً لسؤالٍ مقدَّرٍ، تقديره: أين هي؟
= ثمود ... هكذا نسبه الشريف النسابة الجواني، وهو المنتهى إليه في علم النسب. ووقع في
بعض التفاسير بين صالح وآسف زيادة أب، وهو عبيد، فقالوا: صالح بن عبيد بن آسف
ونقصٌ في الأجداد، وتصحيف جائر بقولهم: عابر. اهـ.
(١) هو محمد بن يوسف بن علي الشامي الصالحي، نزيل القاهرة، من مؤلفاته: سبل الهدى
والرشاد في سيرة خير العباد. قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: وهي من أحسن كتب
المتأخرين في السيرة النبوية وأبسطها، انتخبها من أكثر من ثلاثمئة كتاب. اهـ.
وله أيضاً: عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان، والفوائد المجموعة في بيان الأحاديث
الموضوعة، وغيرها. توفي سنة (٩٤٢هـ). انظر شذرات الذهب ٣٥٣/١٠-٣٥٥، والرسالة
المستطرفة ص١٩٩ - ٢٠٠، والأعلام للزركلي ٧/ ١٥٥ .
(٢) في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٥٨١ .

سُوْدَةُ الْأَّغْرَافِ
٢٠٢
الآية : ٧٣
وعلى التقديرين لا محلّ للجملة من الإعراب. وجوِّزَ أنْ يكون بدلاً من ((بينة)) بدلَ
جملةٍ من مفردٍ؛ للتفسير، ولا يخفى بُعده.
وإضافةُ الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها، كما يقال: بيتُ الله، للمسجد. بيدَ
أنَّ الإضافة فيه لأدنى ملابسة، ولا كذلك ما نحن فيه، أو لأنَّها ليست بواسطة نتاج
معتادٍ، وأسبابٍ معهودة - كما سيتضح إنْ شاء الله تعالى لك - ولذلك كانت آيةً وأيّ
آية .
وقيل: لأنَّها لم يملكها أحدٌ سواه سبحانه.
وقيل: لأنَّها كانت حُجَّة الله على قوم صالح.
وانتصاب ((آية)) على الحالية من ((ناقةٍ))، والعاملُ فيها معنى الإشارة، وسمَّاه
النحاةُ العامل المعنويَّ، و((لكم)) بيانٌ لمن هي آيةٌ له، كما في: سُقْيًا لك، فيتعلَّق
بمقدَّر.
وجوز أن يكون (ناقة)) بدلاً من «هذه)»، أو عطفَ بيانٍ له، أو مبتدأً ثانياً،
و(لكم)) خبراً، فـ ((آية)) حينئذٍ حالٌ من الضمير المستتر فيه، والعامل هو أو متعلقه.
﴿فَذَرُوهَا﴾ تفريعٌ على كونها آيةً من آيات الله تعالى. وقيل: على كونها ناقةً له
سبحانه، فإنَّ ذلك ممَّا يوجبُ عدمَ التعرُّضِ لها، أي: فاتركوها ﴿تَأْكُلْ فِى أَرْضِ
اللَّهِ﴾ العشب، وحُذِف للعلم به. والفعلُ مجزومٌ لأنَّه جوابُ الأمر.
وقرأ أبو جعفر في روايةٍ عنه: ((تأكلُ)) بالرفع(١)، فالجملة حالية، أي: آكلة.
والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بما عنده، أو بالأمر السابق، فهما متنازعان فيه(٢).
وأضيفت الأرضُ إلى الله سبحانه قطعاً لعذرِهم في التعرُّض، كأنَّه قيل:
الأرضُ أرض الله تعالى، والناقةُ ناقة الله تعالى، فذروا ناقةَ الله تأكل في أرضه،
فليست الأرضُ لكم، ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، فأيُّ عذرٍ لكم في
منعها؟
(١) الكشاف ٩٠/٢، والبحر المحيط ٣٢٨/٤. والقراءة المشهورة عنه كقراءة الجمهور.
(٢) قوله: فيه، ليس في (م).

الآية : ٧٤
٢٠٣
سُورَةُ الَّغْرَافِ
وعدم التعرُّض للشرب؛ للاكتفاء عنه بذكر الأكل. وقيل: لتعميمه له أيضاً،
كما في قوله :
علفتُها تبناً وماءً باردا(١)
وقد ذكر ذلك في قوله(٢) سبحانه: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُرْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
﴿وَلَا تَعَُّوهَا بِسُوْءٍ﴾ نهى عن المسِّ الذي هو مقدِّمةُ الإصابة بالشرِّ الشامل لأنواع
الأذى، مبالغةً في الزجر، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَّقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَّتِ﴾
[الأنعام: ١٥٥].
والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بالفعل، والتنكير للتعميم، أي: لا تتعرَّضوا لها بشيءٍ
ممَّا يسوءُها أصلاً، كالطرد والعقر وغير ذلك.
وقيل: الجار والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل الفعل، والمعنى:
لا تمسُّوها مع قصد السوء بها فضلاً عن الإصابة، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ
الصََّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣].
﴾ منصوبٌ في جواب النهي، والمعنى: لا تجمعوا بين
﴿فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
المسِّ وأخذ العذاب إياكم. والأخيرُ وإنْ لم يكن من صنيعهم حقيقةً، لكن
لتعاطيهم أسبابَه كأنَّه من صنيعهم.
﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَاٍ﴾ أي: خلفاء في الأرض، أو
خلفاء لهم. قيل: ولم يقل: خلفاء عادٍ، مع أنَّه أخصرُ؛ إشارةً إلى أنَّ بينهما
زماناً طويلاً .
﴿وَبَوََّكُمْ﴾ أي: أنزلكم، وجعل لكم مباءةً ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ أي: أرض الحِجْر
بين الحجاز والشام.
﴿َتَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون في سهولها مساكنَ رفيعةً، فـ ((من))
بمعنى ((في)) كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]
(١) سلف ٢٩١/٥.
(٢) في (م): بقوله.

سُوَدَّةُ الأَعْرَافِ
٢٠٤
الآية : ٧٤
ويجوزُ أنْ تكون ابتدائيةً أو تبعيضيةً، أي: تعملون القصورَ من مادَّةٍ مأخوذةٍ من
السهل، كاللبِن والآجرِّ المتَّخَذَيْنِ من الطين.
والجار والمجرور - على ما قال أبو البقاء(١) - يجوز أن يتعلق بمحذوف وقع
حالاً مما بعده، وأنْ يكون مفعولاً ثانياً لـ ((تتخذون))، وأنْ يكون متعلِّقاً به وهو متعدٍّ
لواحدٍ .
والسهلُ خلاف الحَزْن، وهو موضعُ الحجارة والجبال.
والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفيَّة التبوئة، فإنَّ هذا الاتخاذ بإقداره سبحانه.
﴿وَنْحِنُونَ الْجِبَالَ﴾ أي: تنجُرونها، والنحتُ معروفٌ في كلِّ صلب، ومضارعُه
مكسور الحاء، وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق(٢)، وفي ((القاموس))(٣) عنه أنَّه
قرأ: ((تنحاتون)) بالإشباع كينباع.
وانتصابُ ((الجبال)) على المفعولية. وقولُه سبحانه: ﴿يُثَّ﴾ نُصِبَ على أنَّه
حالٌ مقدَّرةٌ منها؛ لأنَّها لم تكن حالَ النحت بيوتاً، كـ : خِظْتُ الثوبَ جُبَّةٌ،
والحاليَّة - كما قال الشهاب(٤) - باعتبار أنها بمعنى: مسكونة، إنْ قيل بالاشتقاق
فيها .
وقيل: انتصابُ ((الجبال)) بنزع الخافض، أي: من الجبال. ويرجِّحه أنَّه وقعَ
في آية أخرى كذلك(٥)، ونصب ((بيوتاً)) على المفعولية. وجُوِّزَ أنْ يضمَّنَ النحتُ
معنى الاتخاذ، فانتصابُهما على المفعوليَّة.
روي عن ابن عباس ﴿ها أنهم اتخذوا القصورَ في السهول ليصيِّفوا فيها،
ونحتُوا من الجبال بيوتاً ليشتُّوا فيها. وقيل: إنَّهم نحتوا الجبال بيوتاً لطول
أعمارهم، وكانت الأبنية تَبلى قبلَ أنْ تبلَى أعمارهم.
(١) في الإملاء ٣٢/٣-٣٣.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٤، وزاد نسبتها للأعرج.
(٣) مادة (نحت). وأوردها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٤.
(٤) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٤/ ١٨٤ .
(٥) في قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِنُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُونًّا،َامِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢].

الآية : ٧٥
٢٠٥
سُورَّةُ الَّغَرَافِ
فَاذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ الَّهِ﴾ أي: نعمَه التي أنعم بها عليكم ممَّا ذُكر، أو جميعَ
نعمِه، ويدخل فيها ما ذُكر دخولاً أوليًّا. وليس المراد مجردَ الذكر باللسان
كما علمت.
فإنَّ حقَّ آلائه تعالى أنْ تُشْكَرَ ولا يُغْفَلَ
٧٤
﴿وَلَا نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
عنها، فكيف بالكفر؟
والعِثِيُّ الإفساد، فـ ((مفسدين)) حالٌ مؤكِّدة، كما في ﴿وَلَّوْ مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ ﴾ أي: الأشرافُ الذين عتوا وتكبَّروا،
والجملة استئنافٌ كما مرَّ غيرَ مرة.
وقرأ ابنُ عامر: ((وقال)) بالواو(١)، عطفاً على ما قبلَه من قوله تعالى: ﴿قَالَ
يَقَوْمِ﴾ إلخ.
واللام في قوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ﴾ أي: عُدُّوا ضعفاءَ أذلَّاءَ، للتبليغ
كما في: ﴿أَلَرْ أَقُل لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الموصول بإعادة العامل بدَل الكلِّ من
الكل، كقولك: مررت بزيدٍ بأخيك، والضميرُ المجرور راجعٌ إلى قومه.
وجُوِّز أن يكون بدلَ بعضٍ من كلٍّ، على أنَّ الضميرَ للذين استضعفوا، فيكون
المستضعفونَ قسمين؛ مؤمنين وكافرين، ولا يخفى بعدُه.
والاستفهام في قوله جلَّ شأنُه: ﴿أَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِّن زَيِّهِ﴾
للاستهزاء؛ لأنَّهم يعلمون أنهم عالمونَ بذلك، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى
الظاهر، كما حكى سبحانه عنهم بقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ
٧٥
فإنَّ الجواب الموافقَ لسؤالهم: نعم، أو: نعلمُ أنَّه مرسلٌ منه تعالى؛ ومن هنا قال
غيرُ واحدٍ : إنَّه من الأسلوب الحكيم، فكأنَّهم قالوا: العلمُ بإرساله وبما أرسل به
ما لا كلام فيه، ولا شبهةَ تَدْخُلُه؛ لوضوحه وإنارته، وإنَّما الكلامُ في وجوبٍ
الإيمان به، فنخبرُكم أنَّا به مؤمنون.
(١) التيسير ص ١١١، والنشر ٢٧٠/٢.

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٠٦
الآية : ٧٦ - ٧٧
واختار في ((الانتصاف))(١) أنَّ ذلك ليس إخباراً عن وجوب الإيمان به، بل
عن امتثال الواجب، فإنَّه أبلغُ من ذلك، فكأنَّهم قالوا: العلمُ بإرساله وبوجوب
الإيمان به لا نُسألُ عنه، وإنَّما الشأن في امتثال الواجبٍ والعمل به، ونحن قد
امتثلنا .
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوَا﴾ استئنافٌ كما تقدم، وأعيدَ الموصولُ مع صلته مع
كفاية الضمير إيذاناً بأنَّهم قالوا ما قالوه بطريقِ العتوِّ والاستكبار.
عدولٌ عن مقتضى الظاهر أيضاً، وهو:
﴿إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ
إنَّا بما أرسلَ به كافرون، وفائدته - كما قالوا - الردُّ لما جعلَه المؤمنون معلوماً
وأخذوه مسلَّماً، كأنهم قالوا: ليس ما جعلتموه معلوماً مسلَّماً من ذلك القبيل.
وقال في ((الانتصاف))(١): عدلوا عن ذلك حذراً ممَّا في ظاهره من إثباتهم
لرسالته، وهم يجحدونَها. وليس هذا موضعَ التهكُم ليكون كقول فرعون: ﴿إِنَّ
رَسُولُكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] فإنَّ الغرضَ إخبارُ كلِّ واحدٍ من
المؤمنين والمكذِّبين عن حاله، فلذا خلَّصَ الكافرونَ قولَهم عن إشعار الإيمان
بالرسالة احتياطاً للكفر وغلوّاً في الإصرار.
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ أي: نحروها. قال الأزهريُّ: أصلُ العقرِ عند العرب قطعُ
عرقوبِ البعير، ثم استعملَ في النحرِ؛ لأنَّ ناحر البعير يعقرُه ثمَّ ينحرُهُ(٢). وإسنادُه
إلى الكلِّ مع أنَّ المباشِر البعضُ مجازٌ لملابسة الكلِّ لذلك الفعل؛ لكونه بين
أظهرهم، وهم متَّفِقون على الضلال والكفر، أو لرضا الكلِّ به، أو لأمرهم كلِّهم
به، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿فَادَوْاْ صَاحِهُمْ فَعَاطَى فَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].
وقيل: إنَّ العقرَ مجازٌ لغويُّ عن الرضا بالنسبة إلى غير فاعله، وليس بشيءٍ .
﴿وَعَتَّوْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهِمْ﴾ أي: استكبروا عن امتثاله، وهو ما بلَّغهم صالحٌ عليه
السلام من الأمر السابق، فالأمرُ واحدُ الأوامر. وجوِّزَ أنْ يكون واحدَ الأمور،
أي: استكبروا عن شأن الله تعالی ودینه، وهو بعید.
(١) الانتصاف ٢ / ٩١.
(٢) تهذيب اللغة ٢١٥/١.

الآية : ٧٨
٢٠٧
سُورَةُ الأَغْرَافِ
وأوجب بعضهم على الأول أن يُضمَّن ((عَتَوا)) معنى التولِّي، أي: تولَّوا عن
امتثال أمره عاتين، أو معنى الإصدار، أي: صَدَر عتوُّهم عن أمر ربهم وبسببه؛
لأنَّه تعالى لما أمرَهم بقوله: ((فذروها)) إلخ ابتلاهم، فما امتثلوا، فصاروا عاتين
بسببه، ولولا الأمر ما ترتَّب العقرُ، والداعي للتأويل بتولَّوا أو صَدَر أنَّ عتا لا يتعدَّى
بـ ((عن))، فتعديتُهُ به لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلَنُهُ, عَنْ أَمْرِئٍ﴾ [الكهف: ٨٢]
وبعضُهم لا يقول بالتضمين؛ بناءً على أنَّ عتا بمعنى استكبرَ كما في ((القاموس))(١)،
وهو يتعدى بـ ((عن))، فافهم.
﴿وَقَالُواْ﴾ مخاطِبين له عليه السلام بطريق التعجيز والإفحام على زعمهم
الفاسد: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب، وأُطلِقٍ للعلم به ﴿إِن كُنْتَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ
فإنَّ كونَك منهم يقتضي صدقَ ما تقول من الوعد والوعيد.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قال الفرَّاء والزجَّاج: أي الزلزلةُ الشديدة(٢).
وقال مجاهدٌ والسدِّيُّ: هي الصيحة.
وجمع بين القولين بأنَّه يحتملُ أنَّه أخذتهم الزلزلةُ من تحتهم، والصيحةُ من فوقهم.
وقال بعضهم: الرجفةُ خفقانُ القلب واضطرابُه حتى ينقطع.
وجاء في موضع آخر: ((الصيحة))(٣)، وفي آخر: ((بالطاغية))(٤). ولا منافاةً بين
ذلك كما زعم بعضَ الملاحدة، فإنَّ الصيحةَ العظيمةَ الخارقة للعادة حصل منها
الرجفة لقلوبهم، ولعظَمها وخروجِها عن الحدِّ المعتاد تسمَّى: الطاغية؛ لأنَّ
الطغيانَ مجاوزةُ الحدِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا طَغَا أَلْمَاءُ حَمَلْتَكُمْ﴾ [الحاقة: ١١].
أو يقال: إن الإهلاك بذلك بسبب طغيانهم، وهو معنى ((بالطاغية)).
وهذا الأخذُ ليس إثرَ ما قالوا ما قالوا، بل بعدَ ما جرى عليهم ما جرى من مبادي
العذاب في الأيام الثلاثة، كما ستعلمُه إنْ شاء الله تعالى، والفاء لا تأبى ذلك.
(١) مادة (عتو).
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٨٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٥١/٢.
(٣) في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِينَ﴾ [هود: ٦٧].
(٤) في قوله تعالى: ﴿فَأَا ثَمُودُ فَأُهَلِكُواْ بِالطّائِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥].

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٠٨
الآية : ٧٩
﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَئِثِمِينَ
هامدينَ موتى لا حَرَاكَ بهم، وأصلُ الجثوم:
٧٨
البروكُ على الركب.
وقال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، فجثومُ الطير هو
وقوعُه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل.
و((أصبح)) يحتملُ أنْ تكون تامَّة، فـ ((جاثمين)) حالٌ، وأنْ تكون ناقصةً،
فـ (جاثمين)) خبر، والظرفُ على التقديرين متعلِّقٌ به. وقيل: هو خبر، و((جاثمين))
حالٌ. وليس بشيءٍ؛ لإفضائه إلى كون الإخبار بكونهم في دارهم مقصوداً بالذات.
والمرادُ من الدار البلد، كما في قولك: دارُ الحرب ودار الإسلام. وقد جمع
في آية أخرى(١)، بإرادة مَنزل كلِّ واحدٍ الخاصِّ به.
وذكر النيسابوريُّ(٢) أنّه حيثُ ذكرت الرجفة وُحِّدتِ الدار، وحيثُ ذكرت الصيحة
جمعت؛ لأنَّ الصيحةَ كانت من السماء، كما في غالب الروايات، لا من الأرض،
كما قيل، فبلوغُها أكثر وأبلغ من الزلزلة، فقُرن كلٌّ منهما بما هو أليقُ به، فتدبر.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ بعد أن جرى عليهم ما جرى - على ما هو الظاهرُ - مغتمّاً متحسِّراً
على ما فاتهم من الإيمان متحزِّناً عليهم.
﴿وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بالترغيب والترهيب، ولم
آلُ جهداً، فلم يُجدِ نفعاً، ولم تقبلوا منِّي.
حکایةُ حالٍ
وصيغة المضارع في قوله سبحانه: ﴿وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِينَ (بَ
ماضيةٍ، أي: شأنُكم الاستمرار على بغض الناصحين وعدواتهم.
وخطابُه عليه السلام لهم كخطابٍ رسول الله وَلّر قتلى المشركين حين أُلقُوا في
قليب بدر، حين نادى: (يا فلان يا فلان)) بأسمائهم ((إنّا وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا،
فهل وجدتم ما وعدَ ربكم حقًّا؟))(٣) وذلك مبنيٌّ على أنَّ اللهَ تعالى يردُّ أرواحَهم
إليهم فيسمعونَ، وذلك مما خُصَّ به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(١) في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَئِينَ﴾ [هود: ٦٧].
(٢) في غرائب القرآن ١٦٧/٨ .
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٧٤)، وأحمد (١٤٠٦٤) عن أنس

الآية : ٧٩
٢٠٩
سُورَةِ الأَغَرَافِ
ويحتملُ أنَّه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التحزُّن والتحسُّر، كما تخاطب
الديار والأطلال.
وجُوِّز عطفُ ((فتولَّى)) على ((فأخذتهم الرجفة))، فيكون الخطابُ لهم حين
أشرفوا على الهلاك، لكنَّه خلافُ الظاهر.
وأبعدُ من ذلك ما قيل: إنَّ الآيةَ على التقديم والتأخير، فتقديرها: فتولَّى عنهم
وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحتُ لكم، ولكن لا تحبون الناصحین،
فأخذتهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وقصةُ ثمود ـ على ما ذكر ابنُ إسحاق وغيره - أنَّ عاداً لمَّا هلَكوا عَمِرتْ ثمودُ
بعدها، واستُخلفوا في الأرض، وعُمِّروا حتى جَعل أحدُهم يبني المسكن من
المدر، فينهدمُ والرجل حيٍّ، فلما رأوا ذلك اتَّخذوا من الجبال بيوتاً، وكانوا في
سَعةٍ من معاشهم، فعتوا في الأرض، وعبدُوا غيرَ الله تعالى، فبعثَ الله تعالى إليهم
صالحاً، وكانوا قوماً عرباً، وكان صالحٌ عليه السلام من أوسطهم نسباً، وبُعِثَ
إليهم وهو شابٌّ، فدعاهم إلى الله تعالى حتى شَمِط وكَبِر، ولم يتَّبِعِه منهم إلَّا قليلٌ
مستضعفون، فلمَّا ألَّ عليهم بالدعاء والتخويف سألوه أنْ يريهم آيةً تُصَدِّقُ ما يقول،
فقال لهم: أيَّةَ آيةٍ تريدون؟ فقالوا: تخرج غداً معنا إلى عيدنا - وكان لهم عيدٌ
يخرجون فيه بأصنامهم - فتدعو إلهك، وندعوا آلهتنا، فإن استجيب لك اتَّبعناك،
وإن استجيبَ لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا وخرج معهم، فدعوا
أوثانهم، وسألوها أنْ لا يستجاب لصالح في شيءٍ ممَّا يدعو به.
ثم قال جُنْدَع بن عمرو بن حراش(١) - وهو يومئذٍ سيِّد ثمودٍ -: يا صالح أخرج
لنا من هذه الصخرة - لصخرةٍ منفردةٍ ناحيةَ الحِجْر، يقال لها: الكائِبة - ناقةً مخترجةً
- أي: تشاكل البُخْت، أو مخرجة على خلقةِ الجمل - جوفاءَ وبراء، فإنْ فعلتَ
صدَّقناك وآمنا بك. فأخذَ عليهم صالح مواثيقَهم: لئن فعلتُ لتصدقُنِّي ولتؤمِنُنَّ بي،
قالوا: نعم. فصلى ركعتين، ودعا ربَّه، فتمخَّضتِ الصخرة تمخُّضَ النَّتُوج بولدها،
(١) كذا في الأصل و(م) وتفسير البغوي ٢/ ١٧٥. وجاء في تفسير الطبري ٢٨٧/١٠، وعرائس
المجالس ص ٦٨، والبداية والنهاية ٣١١/١: جواس.

سُوَّةُ الْأَغْرَافِ
٢١٠
الآية : ٧٩
فانصدعت عن ناقة عشراءَ وجوفاءَ وبراءَ كما وَصفوا، لا يَعلم ما بينَ جنبيها إلَّ الله
تعالى عِظَماً، وهم ينظرون، ثمَّ نَتَجَتْ ولداً مثلها في العِظَم، فآمن به جُنْدَع ورَهْطٌ
من قومه، وأرادَ أشرافهم أنْ يؤمنوا به، فمنعَهم ذؤاب بنُ عمرو(١) بن لبيد،
والحبابُ صاحب أوثانهم، ورباب بن صعر(٢) كاهنهم.
فلمَّا خرجَت الناقة قال لهم: ﴿هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
[الشعراء: ١٥٥]. فمكثت الناقةُ ومعها سَقْبها(٣) في أرضهم، ترعى الشجر، وتشربُ
الماء، وكانت تَرِدُه غبّاً، فإذا كان يومُها وضعتْ رأسها في بئرٍ في الحِجْر يقال له
الآن: بئرُ الناقة، فما ترفع رأسها حتى تشربَ كلَّ ما فيها. ثم ترفعُ رأسها
وتتفخَّجُ(٤) لهم، فيحلبون ما شاؤوا من اللبن، فيشربون ويدَّخرون، ثم تصدرُ من
غير الفجِّ الذي وردت منه، لا تقدرُ تصدرُ من حيث تردُ؛ لضيقه عنها، حتى إذا كان
الغد يومهم، فيشربون ما شاؤوا، ويدَّخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، ولم يزالوا في
سعة ورغد.
وكانت الناقةُ تَصِيفُ إذا كان الحرُّ بظهر الوادي، فتهربُ منها مواشيهم،
وتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجدبه، وتشتو في بطن الوادي، فتهربُ
مواشيهم إلى ظهره في بردٍ وجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للأمر الذي يريدُه الله
تعالى بهم والبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم، فعتَوا عن أمر ربِّهم، فأجمعوا
على عقرها .
وكانت امرأتان من ثمود، يقال لإحداهما: عُنيزة بنت غنم بن مجلز(٥)، وتكنى
بأمِّ غنم، وكانت امرأةَ ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزاً مسنَّةً ذات بناتٍ حسان،
(١) كذا في الأصل و(م). وتفسير الطبري ٢٨٧/١٠، وعرائس المجالس ص ٦٩، وتفسير ابن
كثير ٤٤٠/٣، ووقع في تفسير البغوي ١٧٦/٢، والبداية والنهاية ٣١١/١: ذؤاب بن عمر.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ووقع في تفسير الطبري ٢٨٧/١٠، وعرائس المجالس ص ٦٩،
وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٠: صمعر. وفي تفسير البغوي: صمغر.
(٣) السَّقْب: ولد الناقة. لسان العرب (سقب).
(٤) أي: تفرج ما بين رجليها للحلب. حاشية الخفاجي ٤/ ١٨٥ .
والفحج كما في اللسان (فحج): تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة.
(٥) في عرائس المجالس: مخلد.

الآية : ٧٩
٢١١
سُورَةُ الأَشْرَافِ
وذات مالٍ من إبلٍ وبقرٍ وغنم. ويقال للأخرى: صدوق(١) بنت المختار(٢)، وكانت
جميلةً غنيَّةً ذاتَ مواشٍ كثيرة، وكانت من أشدِّ الناس عداوةً لصالح عليه السلام،
وكانتا تحبَّان عقرَ الناقة لمَا أضرَّت من مواشيهما، فدعت صدوقُ رجلاً يقال له:
الحباب، لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسَها إنْ هو فعل، فأبى، فدعت ابنَ عمِّ لها
يقال له: مِصْدَع بن مَهْرج، وجعلت له نفسَها إنْ هو فعل، فأَجابَها إلى ذلك،
ودعت عنيزة أم غنم قُدَار بن سَالف، وكان رجلاً أحمرَ أزرقَ قصيراً، يزعمون أنه
لزنْيَةٍ ولم يكن لسالف، لكنَّه وُلِد على فراشه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئتَ على
أنْ تعقر الناقة، وكان عزيزاً منيعاً في قومه، فرضي، وانطلقَ هو ومصدع،
فاستغويا غواةً ثمود، فاتَّبعهم سبعة، فكانوا تسعةَ رهط، فانطلقوا ورصدوا الناقة،
حتى صدرت عن الماء، وقد كمن لها قُدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن
لها مصدعٌ في أصل أخرى، فمرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلةً
ساقها، وخرجت أم غنم، فأمرت إحدى بناتها، وكانت من أحسن الناس وجهاً،
فسفرت عن وجهها؛ ليراها قُدار، ثم حثَّته على عقرها، فشدَّ على الناقة بالسيف،
فكشفَ عن عرقوبها(٣)، فخرَّت ورغت رَغَاةً واحدة، فتحدَّر سَقْبها من الجبل(٤)،
ثَّ طعن قُدَار في لبَّتها، فنحَرها، فخرجَ أهل البلدة فاقتسموا لحمها .
فلمَّا رأى سَفْبها ذلك انطلق هارباً، حتى أتى جبلاً منيعاً(٥)، يقال له: قارة،
فرغا ثلاثاً.
(١) كذا في الأصل و(م) وعرائس المجالس، ونسخة كما في هامش البداية والنهاية ٣١٣/١.
وفي بقية المصادر: صدوف.
(٢) كذا في الأصل و(م). وفي المصادر: بنت المحيًّا.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والبداية والنهاية ٣١٣/١، وفي عرائس المجالس ص ٧١، وتفسير
ابن أبي حاتم ١٥١٥/٥، وتفسير البغوي ١٧٧/٢: فكشف عرقوبها. ووقع في تفسير
الطبري ١٠/ ٢٩٢، وتفسير ابن كثير ٤٤١/٣: فكسف.
ورحج العلامة محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري ٥٣٤/١٢: فخشف، وذكر أنها
جاءت غير منقوطة في النسخة الخطية، وأن معنى الخشف: الشدخ. والله أعلم.
(٤) والسياق كما في المصادر: ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن ...
(٥) في تفسير الطبري ٢٩٢/١٠: منيفاً.

سُوَّةُ الأَغْرَافِ
٢١٢
الآية : ٧٩
وكان صالحٌ عليه السلام قال لهم: أدركوا الفصيلَ عسى أنْ يدفع عنكم
العذاب، فخرجوا في طلبه، فرأوه على الجبل، وراموه فلم ينالوه، وانفجَّت(١)
الصخرةُ بعد رغائه فدخلها، فقال لهم صالح: لكلِّ رَغوةٍ أجلُ يوم ﴿تَمَتَّعُواْ فِى
دَارِكُمْ ثَثَةَ أَاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
وعن ابن إسحاق أنَّه تبع السقب من التسعة أربعةٌ، وفيهم مصدع، فرماه بسهم
فأصاب قلبه، ثمَّ جرَّ برجله فأنزله، وألقوا لحمه مع لحم أمه.
وقال لهم صالح: انتهكتم حرمةَ الله تعالى، فأبشروا بعذابه ونقمته. فكانوا
يهزؤون به، ويقولون: متى هو، وما آيته؟ فقال: تصبحون غداً - وكان يوم الخميس -
ووجوهكم مصفرَّة، وبعد غدٍ ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة،
ثم يُصبِّحكم العذابُ. فهمَّ أولئك الرهط بقتله، فأتوه ليلاً، فدمغتهم الملائكةُ
بالحجارة، فلمَّا أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم قد رُضِخوا
بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتَهم، ثمَّ هُّوا به، فمنعَ عنه عشيرته، ثمَّ لمَّا رأوا
العلامات طلبوه ليقتلوه، فهرب ولحقَ بحيٍّ من ثمود يقال لهم: بنو غنم، فنزل على
سيِّدهم واسمه نفيل، ويكنى بأبي هدب، فطلبوه منه، فقال: ليس لكم إليه سبيل،
فترکوه، وشغلهم ما نزل بهم.
ثمَّ خرج عليه السلام ومن معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين.
ولمَّا كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنَّطوا بالصَّبِرِ(٢)، وتكفَّنوا بالأنطاع(٣)،
فأتتهم صيحةٌ من السماء، فتقطّعت قلوبُهم وهلكوا جميعاً، إلَّا جاريةً مقعدةً، يقال
(١) بتشديد الجيم بعد الفاء، أي انشقت. حاشية الشهاب ١٨٥/٤. ووقع في عرائس المجالس
ص ٧٢، وتفسير البغوي ٢/ ١٧٧ : وانفجرت.
(٢) تحنطوا من الحنوط، وهو ما يطيب به الميت، والصبر، بكسر الباء: صمغ مرٌّ، وإنما
تحنطوا به لئلا تأكلهم الهوام والسباع. حاشية الشهاب ١٨٥/٤.
(٣) جمع نِطَع، بكسر النون، وفتح الطاء، وقد تسكَّن، وهو بساط من الجلد، كثيراً ما كان يقتل
فوقه المحكوم عليه بالقتل، يقال: علي بالسيف والنطع، وكسا بيت الله بالأنطاع. انظر
حاشية الشهاب ١٨٥/٤، والمعجم الوسيط (نطع).

الآية : ٧٩
٢١٣
سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
لها: ذريعة بنت سلف(١)، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام،
فأطلقَ الله تعالى رجليها بعد أن عاينت العذاب، فخرجت مسرعةً حتى أتت وادي
القرى، فأخبرتهم الخبرَ، ثمَّ استسقت ماء فسقيت، فلمَّا شربت ماتت.
وكان رجلٌ منهم يقال له: أبو رغالٍ - وهو أبو ثقيف - في حرم الله تعالى،
فمنعه الحرمُ من عذابِ الله تعالى، فلمَّا خرجَ أصابَه ما أصابهم، فدفن ومعه غصنٌ
من ذهب.
بأسيافهم،
ورويَ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ مرَّ بقبره فأخبر بخبره، فابتدرَه الصحابة ◌َّ
فحفروا عنه، واستخرجوا ذلك الغصن(٢).
وروي أنَّه عليه السلام خرجَ في مئةٍ وعشرين من المسلمين وهو يبكي، فالتفت
فرأى الدخانَ ساطعاً، فعلم أنَّهم قد هلكوا، وكانوا ألفاً وخمسَ مئة دار. وروي أنَّه
رجع بمن معه فسكنوا ديارهم.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إنَّ صالحاً لمَّا نجا هو والذين معه قال:
يا قوم إنَّ هذه دارٌ قد سخط الله تعالى عليها وعلى أهلها، فاظعنوا والحَقوا بحرم الله
تعالى وأمنه، فأهلُّوا من ساعتهم بالحجِّ، وانطلقوا حتى وردوا مگّة، فلم يزالوا بها
حتى ماتوا، فتلكَ قبورُهم في غربيِّ الكعبة.
(١) اضطربت المصادر في اسمها. انظر عرائس المجالس ص ٧٣، وتفسير البغوي ١٧٨/٢،
وانظر تعليق العلامة محمود شاكر على تفسير الطبري ١٢/ ٥٣٦.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٨٨) من حديث عبد الله بن عمرو، ولفظه: فابتدره الناس فاستخرجوا
الغصن. وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٦٥: وأمَّا لفظ: ((فبحثوا عنه
بأسيافهم)) فأخرجه عبد الرزاق في تفسيره [٢٣٢/١] عن معمر مرسلاً. اهـ.
وذكر ابن كثير في تفسيره ٤٤٣/٣ حديث أبي داود، ثم نقل عن شيخه المزي أنه قال: وهو
حدیث حسن عزيز.
ثم قال: قلت: تفرد بوصله بُجير بن أبي بجير، وهو شيخٌ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال
يحيى بن معين: ولم أر أحداً روى عنه غير إسماعيل بن أمية، قلت: وعلى هذا، فيخشى أن
يكون وهم في رفع الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، ممَّا أخذه من
الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج [وهو المزي] بعد أن عرضت عليه هذا: وهذا محتمل،
والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير.

سُوَدَّةُ الأَّْرَافِ
٢١٤
الآية : ٧٩
وروى ابن الزبير عن جابر أنَّ نبينا ◌ََّ لمَّا مرَّ بالحجر في غزوة تبوك قال
لأصحابه: ((لا يدخلنَّ أحدٌ منكم القريةَ، ولا تشربوا من مائها، ولا تدخلوا على
هؤلاء المعذّبين إلَّا أنْ تكونوا باكين، أنْ يصيبكم مثل الذي أصابهم))(١).
وذكر محيي السنَّة البغوي أنَّ المؤمنين الذين مع صالح كانوا أربعة آلاف، وأنه
خرجَ بهم إلى حضرموت، فلمَّا دخلَها مات عليه السلام، فسميت لذلك
حضرموت، ثم بنى الأربعة آلاف مدينةً يقال لها: حاضوراء، ثمَّ نقلَ عن قومٍ من
أهل العلم أنَّه توفي بمكّة وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنة (٢). ولعله المعول عليه.
وجاء أنَّ أشقى الأولين عاقرُ الناقة، وأشقى الآخرين قاتلُ عليٍّ كرمَ الله تعالى
وجهَه، وقد أخبر ◌َّله بذلك عليّاًّ ◌َ﴾(٣). وعندي أنَّ أشقى الآخِرِين أشقى من أشقى
الأولين، والفرق بينهما كالفرق بين عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والناقة. وقد أشارت
الأخبار بل نطقت بأنَّ قاتلَ الأمير كان مستحلًّا قتله، بل معتقداً الثوابَ عليه، وقد
مدحَه أصحابُه على ذلك، فقال عمران بن حطّان(٤) غضب الله تعالى عليه:
إلَّا ليبلغَ من ذي العرش رضوانا
يا ضربةً من تقيّ ما أراد بها
أوفى البريّة عند الله ميزانا(٥)
إني لأذكرُه يوماً فأحسِبه
(١) أورده أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره ٢٥٧/٤، وفيه بدل ابن الزبير: أبو الزبير، وزاد بعده:
((أما بعد، لا تسألوا رسولكم الآيات ... إلخ)) وهذه الزيادة أخرجها أحمد في مسنده (١٤١٦٠)
من طريق أبي الزبير عن جابر له. والقسم الأول أخرجه البخاري (٣٣٨٠)، ومسلم (٢٩٨٠)
من حديث ابن عمر با. ولعل جعله من حديث جابر وهم من الثعلبي رحمه الله.
(٢) تفسير البغوي (على هامش تفسير الخازن) ٢/ ٢٦٠.
(٣) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده (٤٨٥)، والطبراني في الكبير (٧٣١١) من حديث
صهيب. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٦/٩: وفيه رشدين بن سعد، وقد وثق، وبقية
رجاله ثقات. اهـ. وله شاهد من حديث علي وعمار بن ياسر. انظر تخريج أحاديث
الكشاف لابن حجر ص ٦٥، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٠٨٨).
(٤) السدوسي البصري، كان من شعراء الخوارج ودعاتهم، وكان من القعدة، لأن عمره طال
فضعف عن الحرب، فاقتصر على الدعوة والتحريض، وكان قبل أن يفتن مشتهراً بطلب
العلم والحديث، فروى عن عائشة وأبي موسى الأشعري وابن عباس، ثم ابتلي فضلَّ. (ت
٨٤هـ). الأغاني ١٠٩/١٨- ١٢٠، وسير أعلام النبلاء ٢١٤/٤-٢١٦.
(٥) خزانة الأدب ٣٥١/٥، وشعراء الخوارج - جمع إحسان عباس - ص ١٤٧.

الآية : ٨٠
٢١٥
سُورَةُ الأَغْرَافِ
ولله درُّ من قال:
فسوف يلقى بها الرحمنَ غضبانا
يا ضربةً من شقيٍّ أَوْرَدَتْه لظى
إلا ليصلَى غداً في الحشر نيرانا
كأنَّه لم يُرِد شيئاً بضربته
كذاك ألعن عمران بن حطانا(١)
إنِّي لأذكرُه يوماً فألعنُه
وكون فعله كان عن شبهةٍ تنجيه؛ ممَّا لا شبهةً في كونه ضرباً من الهذيان، ولو
كان مثلُ تلك الشبهةِ منجياً من عذاب مثل هذا الذنب، فليفعل الشخصُ ما شاء.
سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.
وقد ضُربت بقُدار عاقرِ الناقة الأمثال، وما ألطف قول عمارة اليمني(٢):
لا تعجبا لقُدار ناقة صالح فلكلِ عصر ناقةٌ وقُدار (٣)
وفي هذه القصَّة رواياتٌ أُخَرُ، تركناها اقتصاراً على ما تقدَّم؛ لأنه أشهر.
﴿وَلُوطّا﴾ نصب بفعلٍ مضمر، أي: أرسلنا، معطوف على ما سبق، أو به من
غير حاجةٍ إلى تقدير، وإنما لم يذكر المرسل إليهم على طرز ما سبق وما لحق؛ لأن
قومَه - على ما قيل - لم يُعْهَدوا باسم معروف يقتضي الحالُ ذكرَه عليه السلام مضافاً
إليهم، كما في القصص من قبل ومن بعد.
وهو ابن هاران بن تارخ، وابنُ إسحاق ذكرَ بدل تارخ (٤) آزر، وأكثرُ النسَّابين
على أنَّه عليه السلام ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ورواه في ((المستدرك))(٥) عن
ابن عباسٍ
(١) البيتان الأولان لبكر بن حماد التاهرتي من قصيدة طويلة، ذكرها - باختلاف يسير - السبكي
في طبقات الشافعية الكبرى ٢٨٨/١-٢٨٩، وعنه البغدادي في الخزانة ٣٥٢/٥-٣٥٣.
والبيت الأخير هو للقاضي أبي الطيب الطبري، كما في المصدرين السابقين.
(٢) هو أبو محمد، عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المَذْحِجي، الشاعر الفقيه، من
مؤلفاته: أخبار اليمن، والنكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية، (ت ٥٦٩هـ)،
وفيات الأعيان ٤٣١/٣، والأعلام للزركلي ٣٧/٥.
(٣) النكت العصرية لعمارة ص ٦٣- ٦٥، والروضتين ٣٩٦/١.
(٤) في العرائس ص ١٠٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١٥٣/٢: تارَح، بالمهملة. وفيهما أن
تارح هو آزر.
(٥) ٥٦١/٢.

سُوَّةُ الأَغَافِ
٢١٦
الآية : ٨٠
وأخرج ابنُ عساكر عن سليمان بن صرد أنَّ أبا لوط عليه السلام عمُّ إبراهيم
(١)
عليه السلام(١).
وقيل: إن لوطاً كان ابن خالة إبراهيم، وكانت سارة زوجتُه أختَ لوطٍ .
وكان في أرض بابل من العراق مع إبراهيم، فهاجر إلى الشام، ونزل فلسطين،
وأنزل لوطاً الأردن، وهو كُورةٌ (٢) بالشام، فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، وهي
بلدةٌ بحمص.
وأخرج إسحاقُ بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: أُرسِل لوظٌ إلى
المؤتفكات، وكانت قرى لوطٍ أربع مدائن: سدوم، وأمورا، وعامورا، وصبوير،
وكان في كلِّ قريةٍ مئة ألف مقاتل، وكانت أعظم مدائنهم سدوم، وكان لوطٌ
يسكنُها، وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرةٌ يومٍ وليلة(٣) .
وهذا اللفظ ـ على ما قال الزجَّاج(٤) - اسمٌ أعجميُّ غيرُ مشتقٌّ؛ ضرورةَ أنَّ
العجميَّ لا يشتقُّ من العربيّ، وإنما صُرِف لخفته بسكونِ وسطه.
وقيل: إنَّه مشتقٌّ من لطتُ الحوضَ: إذا ألزقتُ عليه الطين، ويقال: هذا ألوَطُ
بقلبي من ذلك، أي: ألصقُ به، ولاطَ الشيء: أخفاه.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرفٌ لـ ((أرسلنا)) كما قال غير واحد. واعتُرِضَ
بأنَّ الإرسال قبلَ وقت القول، لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية. ودُفِع بأنَّه يعتبر
الظرف ممتدّاً، كما يقال: زيدٌ في أرض الروم، فهو ظرفٌ غير حقيقي، يُعتَبر وقوعُ
المظروفِ في بعض أجزائه، كما قرره القطب.
وجُوِّز أن يكون ((لوطاً)) منصوباً بـ ((اذكر)) محذوفاً، فيكون من عطف القصّة على
القصة، و((إذ)) بدلٌ من ((لوط)) بدل اشتمال؛ بناءً على أنَّها لا تلزم الظرفية. وقال
(١) تاريخ دمشق ٣٠٨/٥٠.
(٢) في الأصل و(م): الكرة. والتصويب من تفسير أبي السعود ٢٤٤/٤. وعنه نقل المصنف.
والكورة بالضم: المدينة والصقع. القاموس (كور).
(٣) الدر المنثور ٣/ ١٠٠، وتاريخ ابن عساكر ٣٠٩/٥٠.
(٤) في معاني القرآن له ٣٥٢/٢.

الآية : ٨٠
٢١٧
سُورَةُ الأَغْرَافِ
أبو البقاء(١): إنَّه ظرف الرسالة محذوفاً، أي: واذكر رسالةَ لوطِ إذ قال: ﴿أَتَأْتُونَ
اُلْفَحِشَةَ﴾ استفهامٌ على سبيل التوبيخ والتقريع، أي: أتفعلونَ تلك الفعلة التي بلغت
أقصى القبح وغايته .
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي: ما عملها أحدٌ قبلكم في زمنٍ
من الأزمان، فالباء للتعدية كما في ((الكشاف))، من قولك: سبقته بالكرة، إذا
ضربتَها قبله، ومنه ما صحَّ من قوله ◌َليهِ: ((سبقَك بها عكاشة))(٢).
وتعقّبُهُ أبو حيَّان بأن معنى التعدية هنا قلقٌ جدًّا؛ لأنَّ الباءَ المعدِّيّة في الفعل
المعدَّى إلى واحد تجعلُ المفعولَ الأول يفعلُ ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء،
فهي كالهمزة، فإذا قلت: صككتُ الحجرَ بالحجرَ، كان معناه: أصكَكْت الحجرَ
الحجرَ، أي: جعلت الحجرَ يصُّ الحجرَ، وكذلك: دفعتُ زيداً بعمروٍ عن خالد،
معناه: أَدْفَعْتُ زيداً عمراً عن خالد، أي: جعلت زيداً يدفعُ عمراً عن خالدٍ،
فللمفعول الأوَّل تأثيرٌ في الثاني، ولا يصحُّ هذا المعنى فيما ذُكر إلَّا بتكلُّفٍ (٣).
فالظاهرُ أنَّ الباء للمصاحبة، أي: ما سبقَكم أحدٌ مصاحباً وملتبساً بها.
ودُفِع بأنَّ المعنى على التعدية، ومعنى سبقتُه بالكرة: أسبقْتُ كرتي كرتَه، لأنَّ
السبق بينهما، لا بين الشخصين أو الضربين، وكذا في الآية، ومثله يُفهَم من غير
تكلُّف.
وقال القطب الرازي: إنَّ المعنى: سبقتُ ضربَه الكرة بضربي الكرة، أي:
جعلت ضربي الكرةَ سابقاً على ضربه الكرة. ثم استَظْهَر جَعْلَ الباء للظرفية لعدم
احتياجِه إلى ما يحتاجه جَعْلُها للتعدية، أي: ما سبقكم في فعل الفاحشة أحدٌ.
ولعلَّ الأمر كما قال.
و ((من)) الأولى صلةٌ لتأكيد النفي، وإفادةٍ معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض،
والجملةُ مستأنفةٌ استئنافاً نحويّاً، مسوقةٌ لتأكيد النكير، وتشديد التقريع والتوبيخ.
(١) في الإملاء ٣٤/٣.
(٢) الكشاف ٩٢/٢. والحديث أخرجه البخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠) مطوَّلاً من حديث ابن
عباس رضي
(٣) البحر المحيط ٣٣٣/٤-٣٣٤.

سُورَّةُ الأَشْرَافِ
٢١٨
الآية : ٨٠
وجُوِّزَ أن يكون بيانيًّا، كأنَّه قيل: لم لا نأتيها؟ فقال: ما سبقَكم بها أحدٌ،
فلا تفعلوا ما لم تُسبَقوا إليه من المنكرات؛ لأنَّه أشد.
ولا يُتوهّم أنَّ سببَ إنكار الفاحشة كونُها مخترعةً، ولولاه لَمَا أُنكرت، إذ
لا مجالَ له بعد كونها فاحشة.
ووجهُ كون هذه الجملة مؤكِّدة للنكير أنَّها مؤذنةٌ باختراع السوء، ولاشكَّ أنَّ
اختراعَه أسوأ، إذ لا مجالَ للاعتذار عنه، كما اعتذروا عن عبادتهم الأصنام مثلاً
بقولهم: إنَّا وجدنا آباءنا .
وجوَّز أبو البقاء(١) كونَ الجملة في موضع الحال من المفعول أو الفاعل،
والنيسابوريُ(٢) جوَّز كونَها صفةً للفاحشة على حدٍّ:
ولقد أَمُرُّ على اللئيم يسبُّني(٣)
ورُدَّ بأنَّ الفاحشةَ هنا متعيَّةٌ دون اللئيم.
وكيفما كان، فالمراد من نفي سبق أحدٍ بها إِيَّهم كونُهم سابقين بها كلَّ أحدٍ
ممن عداهم من العالمين، لا مساواتهم الغيرَ بها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن
عمرو بن دينار قال: ما نزا ذكرٌ على ذَكرٍ حتى كان قومُ لوط (٤).
والذي حملهم على ذلك - كما أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عباس .
أنَّهم كانت لهم ثمارٌ في منازلهم وحوائطهم، وثمارٌ خارجةٌ على ظهر الطريق،
وأنهم أصابهم قحطٌ وقلَّةٌ من الثمار، فقال بعضهم لبعض: إنَّكم إن منعتم ثمارَكم
هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش، قالوا: بأيِّ شيءٍ نمنعُها؟ قالوا:
اجعلوا سُنَّتكم أنْ تنكحوا من وجدتم في بلادكم غريباً، وتغرِّموه أربعةَ دراهم، فإنَّ
الناسَ لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك، ففعلوه واستحكم فيهم(٥).
(١) في الإملاء ٣٤/٣.
(٢) في غرائب القرآن ٨/ ١٧٠.
(٣) عجزه: فمضيت ثُمَّت قلت لا يعنيني. وسلف عند تفسير الآية (١٠٧) من سورة المائدة.
(٤) شعب الإيمان للبيهقي ٣٥٨/٤.
(٥) تاريخ ابن عساكر ٣١٣/٥٠، وذكره الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٦٢.

الآية : ٨١
٢١٩
سُوَّةُ الَّغَافِ
وفي بعض الطرق أنَّ إبليس عليه اللعنة جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة
صبيٍّ أجمل صبيٍّ رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه، فنكحوه ثم جرؤوا على ذلك(١).
وجاء من رواية ابن أبي الدنيا عن طاوس أنَّ قومَ لوط إنَّما أتوا أولاً النساء في
أدبارهنَّ، ثم أتوا الرجال.
وفي قوله: ((من العالمين)) دونَ: من الناس، مبالغةٌ لا تخفى.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ لَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ يحتملُ الاستئناف البيانيَّ والنحويّ،
وهو مبيِّنٌ لتلك الفاحشة، والإتيان هنا بمعنى الجماع. وقرأ ابن عامر وجماعةٌ:
((أئنكم)) بهمزتين صريحتين، ومنهم من قرأ بتليين الثانية بغير مدٍّ، ومنهم من مدَّ(٢)،
وهو حينئذٍ تأكيدٌ للإنكار السابق، وتشديدٌ للتوبيخ.
وفي الإتيان بـ ((إنَّ) واللام مزيدُ تقبيح وتقريع، كأنَّ ذلك أمرٌ لا يتحقَّقُ صدوره
عن أحدٍ، فيؤكّدُ تأكيداً قويّاً، وفي إيراد لفظ ((الرجال)) دون الغلمان والمردان
ونحوهما - كما قال شيخ الإسلام - مبالغةٌ في التوبيخ(٣)، كأنه قال: لتأتون
أمثالکم.
﴿شَهْوَةٌ﴾ نصب على أنَّه مفعول له، أي: لأجل الاشتهاء لا غير، أو على
الحالية، بتأويل: مشتهين، وجُوِّز أنْ يكون منصوباً على المصدرية، وناصبه
(تأتون))؛ لأنَّه بمعنى: تشتهون.
وفي تقييد الجماع الذي لا ينفكُ عن الشهوة بها إيذانٌ بوصفهم بالبهيمية
الصرفة، وأنْ ليس غرضُهم إلَّا قضاءُ الشهوة. وفيه تنبيهٌ على أنَّه ينبغي للعاقل أنْ
يكون الداعي [له](٤) إلى المباشرة طَلَبَ الولد، وبقاء النوع، لا قضاء الشهوة.
(١) المستدرك ٢/ ٥٦٢، وتاريخ ابن عساكر ٣١٣/٥٠.
(٢) قرأ بهمزة واحدة نافع وأبو جعفر وحفص. وقرأ بتحقيق الهمزتين ابن عامر وشعبة وحمزة
والكسائي وخلف وروح عن يعقوب. وقرأ بتسهيل الثانية بغير مدِّ ابن كثير ورويس، ومع مدٌ
أبو عمرو. انظر التيسير ص ٣٢، ١١١. والنشر ٣٧٠/١-٣٧٢.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٤٥/٤.
(٤) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ١٨٦/٤، وتفسير أبي السعود
٢٤٥/٣.

سُورَةُ الأَغَافِ
٢٢٠
الآية : ٨٢
وجُوِّز أنْ يكون المراد الإنكار عليهم، وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة
ج
القذرة الخبيثة، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: متجاوزين
النساء اللاتي هنَّ محلُّ الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة، كما يؤذن به قوله
فالجارُّ والمجرور في موضع الحال من
سبحانه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
ضمير ((تأتون)). وجُوِّز أنْ يكون حالاً من ((الرجال)) على ما قاله أبو البقاء (١) أي:
تأتونهم منفردين عن النساء. وأنْ يكون في موضع الصفة لـ ((شهوة»، على ما قيل.
واستبعد تعُّقه به .
و((بل)) للإضراب، وهو إضرابٌ انتقاليٍّ عن الإنكار المذكور إلى الإخبار
بما أدَّى إلى ذلك؛ وهو اعتيادُ الإسراف في كلِّ شيءٍ، أو إلى بيان استجماعِهم
للعيوب كلها .
ويحتمل أنْ يكون إضراباً عن غير مذكور، وهو ما توقَّموه من العذر في
ذلك، أي: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قومٌ عادتكم الإسراف والخروجُ عن
الحدود، وهذا في معنى ذمِّهم بالجهل كما في سورة النمل(٢)، إلَّا أنَّه عبَّر
بالاسم هنا وبالفعل هناك؛ لموافقة رؤوس الآي المتقدِّمة في كلِّ. والله تعالى
أعلم بأسرار كلامه.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ أي: المستكبرين منهم المتصدِّين للعقد والحلِّ
﴿إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ استثناء مفرغ من أعمِّ الأشياء، أي: ما كان جوابَهم شيءٌ من
الأشياء إلَّا قولُهم، أي: لبعضِهم الآخرين المباشرين للأمور، أو: ما كان جوابَ
قومه الذين خاطبهم بما خاطبهم شيءٌ من الأشياء إلَّا قولُ بعضهم لبعض معرضين
عن مخاطبته عليه السلام: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطاً ومن معه ﴿مِّن قَرْبَيْكُمْ﴾ أي:
بلدتكم التي اجتمعتم(٣) فيها وسكنتم بها. والنظم الكريم من قبيل:
تحية بينهم ضربٌ وجيع (٤)
(١) في الإملاء ٣٥/٣-٣٦.
(٢) في قوله تعالى: ﴿أَيِنَّكُمْ لَتَأْنُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَلَّمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الآية: ٥٥].
(٣) في (م): أجمعتم.
(٤) سلف ٥/ ٦٤.