النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٦٤
١٨١
سِوَرَّةُ الأَّغْرَافِ
إلى التقدير. وقيل: تعلَّقه به لأنَّ معناه: أنزل، كما يشير إليه كلامُ أبي البقاء(١)، أو
لأنَّهِ ضُمِّن معناه. وجُوِّزَ أنْ يكون متعلِّقاً بمحذوف وقع حالاً من ((ذِكْرٌ))، أي: نازلاً
على رجلٍ منكم.
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ علَّة للمجيء، أي: ليحذِّركم العذاب والعقاب على الكفر
والمعاصي ﴿وَلِنَنَّقُواْ﴾ عطفٌ على ((لينذركم))، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ
٦٣
على ما هو الظاهر، فالمجيءُ معلَّلٌ بثلاثة أشياء، وليس من توارد العلل على معلولٍ
واحد الممنوعِ، وبينها ترتُّبٌ في نفس الأمر، فإنَّ الإنذار سببٌ للتقوى، والتقوى
سببٌ لتعلُّق الرحمة بهم. وليس في الكلام دلالةٌ على سببية كلٍّ من الثلاثة لما بعده،
ولو أريدت السببيَّة لجيءَ بالفاء. وبعضهم اعتبرَ عطف ((لتتقوا)) على ((لينذركم))،
و((لعلَّكم ترحمون)) على ((لتثَّقوا)) مع ملاحظة الترتّب، أي: لتتقوا بسبب الإنذار،
ولعلكم ترحمون بسبب التقوى، فليتأمَّل.
وجيء بحرف الترجِّي على عادة العظماء في وعدهم، أو للتنبيه على عزَّة
المطلب، وأنَّ الرحمة منوطةٌ بفضل الله تعالى، فلا اعتماد إلا عليه.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: استمرُّوا على تكذيبه، وأصرُّوا بعد أن قال لهم ما قال،
ودعاهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً ﴿فَأَنَجَيْتَهُ﴾ من الغرق، والإنجاء في ((الشعراء))
من قصدٍ أعداء الله تعالى وشُؤم ما أضمروه له عليه السلام(٢).
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين، وكانوا ـ على ما قيل - أربعين رجلاً وأربعين
امرأةً. وقيل: كانوا عشرةً، أبناؤه الثلاثة، وستَّةٌ ممَّن آمنَ به عليه السلام. والفاء
للسبيَّة باعتبار الإغراق، لا فصيحة.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِىِ اٌلْفُلْكِ﴾ أي السفينة، متعلِّقٌ بما تعلَّق به الظرفُ
الواقع صلةً، أي: استقرُّوا معه في الفلك. وجوز أن يكون هو الصلة، ((ومعه))
(١) إملاء ما من به الرحمن ٢٥/٣.
(٢) قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالُواْ لَيْن لَّمْ تَنْتَهِ يَلْنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (19) قَالَ رَبٍ إِنَّ قَوْمِى
فَأَنْجَيْنَهُ وَمَن مَّعَدُ فِ اَلْفُلْكِ
كَذَّبُنِ ﴿ فَأَفْنَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْمًا وَجْنِى وَمَنْ قَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِينَ
الْمَشْحُونِ﴾ [الآيات: ١١٦-١١٩].

سُورَةُ الأَّغرافى
١٨٢
الآية : ٦٥
متعلق بما تعلَّق به، وأنْ يكونَ متعلِّقاً بـ ((أنجينا)) و(في)) ظرفية، أو سببية(١). وأن
يكون متعلّقاً بمحذوف وقع حالاً من ((الذين)» نفسه، أو من ضميره.
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِشَايَئِنَا﴾ أي: استمرُّوا على تكذيبها، والمراد به ما يعمُّ
أولئك الملأ وغيرهم من المكذبين المصرِّين.
وتقديمُ الإنجاء على الإغراق؛ للمسارعة إلى الإخبار به، والإيذان بسبق
الرحمة على الغضب.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ (٣)﴾ أي: عُميَ القلوب عن معرفة التوحيد والنّبَّوة
والمعاد، كما روي عن ابن عباس، أو عن نزول العذاب بهم، كما نقل عن مقاتل.
وقرئ: ((عامين))(٢). والأوَّلُ أبلغ؛ لأنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ، فتدلُّ على الثبوت، وأصلُه
عَمِيِين فخُفِّف، وفرَّق بعضُهم بين عم وعامٍ، بأنَّ الأوَّل لعَمِي البصيرة، والثاني
الأعمى(٣) البصر، وأنشدوا قول زهير:
وأعلمُ علم اليومِ والأمسِ قبلَه
ولكنّني عن علم ما في غدٍ عمي(٤)
وقيل: هما سواءٌ فيهما .
﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ متعلِّقٌ بمضمر معطوفٍ على ((أرسلنا)) فيما سبق، وهو الناصبُ لقوله
تعالى: ﴿أَنَاهُ﴾ أي: وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم.
وقيل: لا إضمار، والمجموعُ معطوفٌ على المجموع السابق، والعاملُ الفعل
المتقدم.
وغَيَّر الأسلوبَ لأجل ضمير ((أخاهم))، إذ لو أتى به على سَنَن الأول عادَ
الضميرُ على متأخِّرٍ لفظاً ورتبةً.
(١) أي: بسبب الفُلك، كقوله وَ له: ((إن امرأة دخلت النار في هرة)). أخرجه البخاري (٣٣١٨)،
ومسلم (٢٢٤٢) (٢٢٤٣) عن أبي هريرة وابن عمر
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٤، والكشاف ٨٦/٢.
(٣) في (م): لعمى، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في حاشية الخفاجي ٤/ ١٨٠،
والكلام منه .
(٤) ديوان زهير ص ٢٩، وفيه: وأعلم ما في اليوم. بدل: وأعلم علم اليوم.

الآية : ٦٥
١٨٣
سُوَدَّةُ الأَغْرَافِ
و((عاد)» في الأصل اسمٌ لأبي القبيلة، ثمَّ سُمِّيت به القبيلة، أو الحيُّ، فيجوزُ
فيه الصرف وعدمه، کما ذكره سيبويه(١).
وقوله تعالى: ﴿هُودًا﴾ بدلٌ من ((أخاهم)) أو عطفُ بيانٍ له. واشتهر أنَّه اسمٌ
عربي، وظاهر كلام سيبويه أنَّه أعجميٌّ (٢)، وأُيِّدَ بما قيل: إنَّ أوَّلَ العرب
يعرب .
وهو هود بن شالخ بن أرفَخْشَد بن سام بن نوح، وعليه محمدُ بن إسحاق(٣).
وبعض القائلين بهذا قالوا: إنَّ نوحاً ابنُ عم أبي عاد. وقيل: ابن عَوْص بن إِرَم بن
سام بن نوح، وقيل: ابنُ عبد الله بن رياح بن الخُلُود(٤) بن عاد بن عَوْص بن إرَم بن
سام بن نوح عليه السلام.
ومعنى كونه عليه السلام أخاهم أنَّه منهم نسباً، وهو قولُ الكثير من النسَّابين،
ومن لا يقول به يقول: إنَّ المراد صاحبُهم، وواحدٌ في جملتهم، وهو كما يقال:
يا أخا العرب.
وحكمةُ كون النبيِّ يُبعَث إلى القوم منهم أنَّهم أفهمُ لقوله من قول غيره، وأعرفُ
بحاله في صدقه وأمانته وشرفٍ أصله.
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنه قيل: فماذا قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل:
قال .. إلخ.
ولم يُؤتَ بالفاء، كما أُتي بها في قصّة نوح؛ لأنَّ نوحاً كان مواظباً على دعوة
قومه غيرَ مؤخِّرٍ لجوابٍ شبهتهم لحظةً واحدة، وهودٌ عليه السلام لم يكن مبالغاً إلى
هذا الحدِّ، فلذا جاء التعقيبُ في كلام نوح، ولم يجئ هنا.
وذكر صاحبُ ((الفرائد)) في التفرقة بين القصَّتين: أنَّ قصةَ نوح عليه السلام
ابتداء كلام، فالسؤالُ غير مقتضى الحال، وأما قصّة هود فكانت معطّوفةً على قصَّة
(١) في الكتاب ٢٥٢/٣.
(٢) الكتاب ٢٣٥/٣.
(٣) تفسير البغوي ١٦٩/٢ .
(٤) في مطبوع البحر ٣٢٣/٤: بن رياح بن الجلود.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
١٨٤
الآية : ٦٥
نوح، فيمكن أن يقع في خاطر السامع: أقال هودٌ ما قال نوحٌ أم قال غيرَه؟ فكان
مظنّة أنْ يسألَ: ماذا قال لقومه؟ فقيل: قال .. إلخ.
وقيل: اختير الفصلُ هنا لإرادة استقلال كلٍّ من الجمل في معناه، حيثُ إنَّ كفرَ
هؤلاء أعظمُ من كفر قوم نوح من حيثُ إنهم علموا ما فعل الله تعالى بالكافرين
وأصرُّوا، وقومُ نوحٍ لم يعلموا، ويدلُّ على علمهم بذلك ما سيأتي في ضمن
الآيات. وفيه نظر.
﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحدَه، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَّهِ
غَيْرُهُ﴾ فإنَّه استئنافٌ جارٍ مجرى البيانِ للعبادة المأمور بها والتعليلِ لها، أو
للأمرٍ، كأنَّه قيل: خُصُّوه بالعبادة، ولا تشركوا به شيئاً، إذ ليسَ لكم إلهُ سواه.
وقُرِئ: ((غير)) بالحركات الثلاث كالذي قبل(١).
٦,٥
إنكارٌ واستبعادٌ لعدم اتقائهم عذابَ الله تعالى بعد ما علموا
﴿أَفَلَا نَتَّقُونَ
ما حلَّ بقوم نوحٍ عليه السلام.
وقيل: الاستفهامُ للتقرير، والفاء للعطف، وقد تقدَّم الكلام فيه آنفاً .
وفي سورة هود: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الآية: ٥١] ولعلَّه عليه السلام - كما قال شيخُ
الإسلام - خاطبَهم بكلٌّ منهما، واكتفي بحكايةِ كلِّ منهما في موطنٍ عن حكايته في
موطنٍ آخر، كما لم يُذكر هنا ما ذُكِر هناك من قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾
[هود: ٥٠]، وقِسْ على ذلك حالَ بقيّة ما ذُكر وما لم يذكر من أجزاء القصّة، بل
حالَ نظائره في سائر القصص، لاسيَّما في المحاورات الجارية في الأوقات
المتعددة(٢).
وقال غير واحد: إنَّما قيل ها هنا: ((أفلا تتقون))، وفيما تقدَّم من مخاطبة
نوح عليه السلام قومَه: (إِنِّي أخافُ عليكم عذابَ يوم عظيم))؛ لأنَّ هؤلاء قد
علموا بما حلَّ بغيرهم من نظرائهم، ولم يكن قبلَ واقعة قوم نوح عليه السلام
واقعةٌ.
(١) ينظر ما سلف ص ١٧٣ من هذا الجزء.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٣٨/٤.

الآية : ٦٦
١٨٥
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
وقيل: لأنَّ هؤلاء كانوا أقربَ إلى الحقِّ وإجابةِ الدعوة من قوم نوحٍ عليه
السلام، وهذا دون ((إني أخاف عليكم)) إلخ في التخويف، ويُرشِدُ إلى ذلك ما تقدَّم
مع قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ حيث قيَّد هنا الملأَ المعاندَ بمن
كفر، وأطلقَ هناك، وقد صرَّحوا بأنَّ هذا الوصف لأنَّه لم يكن كلُّهم على الكفر،
بل من أشرافهم من آمنَ به عليه السلام، كمرثد بن سعد الذي كان يكتمُ إيمانه،
ولا كذلك قومُ نوحٍ، ومن آمنَ به عليه السلام منهم لم يكن من الأشراف، كما هو
الغالب في أتباع الرسل عليهم السلام.
وقيل: إنَّه وقتَ مخاطبة نوح عليه السلام لقومه لم يكونوا آمنوا؛ بخلاف
قوم هود، ومثلُه - كما قال الشهاب(١) - يحتاج إلى نقل.
واعترضَ المولى بهاء الدين على تلك التفرقة بين القومين بأنه قد جاء في سورة
المؤمنين وصفُ قوم نوح بما وصف به قوم هود هنا، فكيف تتأتَّى هذه التفرقة.
وأجيبَ بأنَّ الوصفَ هناك محمول على أنَّه للذمِّ لا للتمييز، وإنَّما لم يذمّ هاهنا
للإشارة إلى التفرقة .
وقال الطيبيُّ: يمكن أن يقال: إنَّ الوصفَ هنا للذمِّ أيضاً، ومقتضى المقام
يقتضي ذمَّهم لشدَّة عنادِهم، كما يدلُّ عليه جوابهم بما حكاه الله تعالى من قولهم:
﴿إِنَّا لَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ﴾ أي: متمكِّناً في خفَّة عقلٍ، راسخاً فيها، حيثُ فَارِقْتَ
دينَ آبائك ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِينَ ﴾﴾ حيثُ ادعيتَ الرسالة، وهو أبلغ من
((كاذباً))، كما مرَّت الإشارةُ إليه - والظنُّ إمَّا على ظاهره، كما قال الحسن
والزجَّاج(٢). وإمَّا بمعنى العلم، كما قيل - وذلك لأنَّهم قالوا ما قالوا مع كونه عليه
السلام معروفاً بينهم بضدٍّ ذلك، ولا يقتضي ذمَّ قوم نوح عليه السلام، وحيث اقتضَى
في سورة المؤمنين ذمَّهم ذمَّهم؛ لأنَّهم قالوا كما قصَّهُ سبحانه وتعالى هناك: ﴿فَقَالَ
الْعَلَوَّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِ، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ
◌َ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِه ◌ِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ، حَتَّى
مَكَبِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهذَا فِيّ ◌َبَآيِنَا الْأَوَّلِينَ
[المؤمنون: ٢٤ -٢٥].
(١) في حاشيته ٤ / ١٨١.
(٢) في معاني القرآن له ٣٤٧/٢.

سُورَةُ الأَغْرَافِ
١٨٦
الآية : ٦٧ - ٦٩
وقال بعضهم: إنَّ الظاهرَ أنَّ ما نُقِل هنا عن قوم نوح عليه السلام مقالتُهم في
مجلس، أو مقالةُ بعضهم، وما نُقِل في سورة المؤمنين مقّالتُهم في مجلسٍ آخر، أو
مقالةُ آخرين، فرُوعي في المقامين مقتضى كلٍّ من المقالتين.
﴿قَالَ﴾ عليه السلام مستعطفاً لهم، ومستميلاً(١) لقلوبهم: ﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِ
سَفَاهَةٌ﴾ أي: شيءٌ منها، فضلاً عن تمكُّني فيها كما زعمتم ﴿وَلَكِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
اُلْعَلَمِينَ ﴾﴾ والرسالةُ من قِبله تعالى تقتضي الاتِّصاف بغاية الرشد والصدق.
ولم يصرِّح عليه السلام بنفي الكذب؛ اكتفاءً بما في حيِّز الاستدراك. وقيل:
الكذبُ نوعٌ من السفاهة، فيلزم من نفيها نفيُه.
و ((من)) لابتداء الغاية مجازاً، وهي متعلّقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لـ ((رسول))،
مؤكّدةً لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتيّة بالفخامة الإضافيّة.
وقوله تعالى: ﴿أُبِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ﴾ على طرز ما في قصة نوح عليه السلام.
وقرأ أبو عمرو: ((أُبْلِغُكم)). بالتخفيف(٢) من الإفعال.
﴿وَنَاْ لَكُنْ نَائِعُ أَمِينٌ ﴾﴾ معروفٌ بالنصح والأمانة، مشهورٌ بين الناس بذلك،
فما حقِّي أن أُتَّهم بشيء مما ذكرتموه؛ وعلى هذا لا يقدَّرُ للوصفين متعلِّق، ويحتمل
تقديرهما، أي: ناصحٌ لكم فيما أدعوكم إليه، أمينٌ على ما أقولُ لكم لا أكذبُ فيه.
وعلى الأول - كما قال الطيبيّ - فالجملة مستأنفةٌ وقعت معترضةً، وعلى الثاني حاليةٌ.
وفي العدول عن الفعليَّة إلى الاسميَّة ما لا يخفى، ولعل التعبيرَ بها هنا
وبالفعلية فيما تقدَّم، لتجدُّد النصح من نوحِ دونَ هود عليهما السلام.
﴿أَمْتُمْ أَن ◌َكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيِّكُمْ عَ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِسُنْذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ﴾ الكلامُ فيه
كالكلام في سابقه. وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام مَن يشافههم من الكفرة
بالكلمات الحمقاء بما حكي عنهم، والإعراض عن مقابلتهم بمثل كلامهم = كمال
النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، وفي حكاية ذلك تعليمٌ للعباد
كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضُّون عنهم ويُسبِلُونَ أذيالهم على ما يكون منهم.
(١) في (م): أو مستميلاً.
(٢) التيسير ص ١١١، والنشر ٢/ ٢٧٠.

الآية : ٦٩
١٨٧
سُورَةُ الَّغْرَافِ
وفي الآية دلالةٌ على جواز مدح الإنسان نفسَه للحاجة إليه.
﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ﴾ شروعٌ في بيان ترتيب أحكام النصح والأمانة
والإنذار وتفصيلها. و((إذ)) ــ على ما يُفهم من كلام البعض، وصرَّح به آخرون -
ظرفٌ منصوب بـ ((آلاء)) المحذوف هنا بقرينة ما بعدَه؛ لتضمُّنه معنى الفعل.
واختارَ غيرُ واحدٍ تبعاً للزمخشريِّ(١) أنَّه مفعولٌ لـ ((اذكروا))، أي: اذكروا هذا
الوقت المشتملَ على هذه النعم الجسام، وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دونَ
ما وقعَ فيه، مع أنَّه المقصود بالذات؛ للمبالغة في إيجاب ذكره، ولأنَّه إذا استُحضِر
الوقتُ كان هو حاضراً بتفاصيله، وهذا مبنيٌّ على الاتساع في الظرف، أو أنه غيرُ
لازمٍ للظرفَّة، على خلاف المشهور عند النحويين.
والواو العطف، وما بعده قيل: معطوفٌ على قوله تعالى: ((اعبدوا)). ولا يخفى
بُعْدُه.
وقال شيخ الإسلام: لعلَّه معطوفٌ على مقدَّر، كأنَّه قيل: لا تعجبوا من ذلك،
أو تدبَّروا في أمركم، واذكروا إذ جعلكم خلفاء(٢) .
﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: في مساكنهم، أو في الأرض، بأن جعلكم ملوكاً،
فإنَّ شداد بن عاد ممَّن ملكَ معمورةَ الأرض، فالإسناد على هذا مجاز، وفي ذكر
نوح - علی ما قیل - إشارةٌ إلى رفع التعُّب، يعني: هذا الذي جئتُ به لیس ببدع،
فاذكروا نوحاً وإرساله إلى قومه، وإلى الوعيد والتهديد، أي: اذكروا إهلاكَ قومه
لتکذیبھم رسول ربھم.
﴿وَزَادَكُمْ فِىِ الْخَلْقِ﴾ أي: الإبداع والتصوير، أو في المخلوقين، أي: زادَكم
في الناس على أمثالكم ﴿بَصْطَّةُ﴾ قوةً وزيادةَ جسم، قال الكلبيُّ: كانت قامةٌ
الطويل منهم مئة ذراع، وقامةُ القصير ستين ذراعاً .
وأخرج ابنُ عساكر عن وهب أنه قال: كانت هامةُ الرجل منهم مثلَ القبَّة
العظيمة، وعينُه يفرِّغُ فيها السباع.
(١) في الكشاف ٢/ ٨٧.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٣٩/٤.

سُورَةُ الأَغَرَفِ
١٨٨
الآية : ٦٩
وأخرج عبدُ بن حميد عن قتادة أنَّه قال: ذُكِرَ لنا أنَّهم كانوا اثني عشر
ذراعاً (١).
وعن الباقر ◌َّرُّه: كانوا كأنَّهم النخلُ الطوال، وكان الرجلُ منهم يأتي الجبلَ،
فيهدمُ منه بيدِه القطعةَ العظيمة.
وأخرج عبد الله بن أحمد وابنُ أبي حاتم عن أبي هريرة: إنْ كانَ الرجلُ منهم
ليتَّخِذُ المِصْراع(٢) من الحجارة، لو اجتمعَ عليه خمسُ مئةٍ من هذه الأمَّة لم
يستطيعوا أنْ يقلّوه، وإنْ كان أحدُهم ليُدخِلُ قدَمه في الأرضِ فتدخلُ فيها(٣).
وعن بعضهم أنَّ أحدَهم كان أطولَ من سائر الخلق بمقدار ما يمُّ الإنسان يدَه
فوق رأسه باسطاً لها، فطولُ كلٌّ منهم قامةٌ وبسطة. وهذا أقربُ عند ذوي العقول
القصيرة عن إدراك طول يد القدرة.
وأخرج إسحاق بن بشر وغيره عن ابن عباس ها أنَّ هوداً عليه السلام كان
أصبحَهم وجهاً، وكان في مثل أجسامهم، أبيض جَعْداً، بادي العَنْفَقَّة، طويلَ
اللحية صلى الله تعالى عليه وسلم(٤).
ونصب ((بسطةً)) على أنَّه مفعولٌ به للفعل قبلَه، وقيل: تمييز. و((في الخلق))
متعلَّقٌ بالفعل، وجَوَّزَ أبو البقاء تعلُّقه بمحذوفٍ وقع حالاً من ((بسطة)) (٥).
﴿فَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمهُ سبحانه وتعالى، وهي جمع ((إِلْي)) بكسرٍ
فسكون، كحِمْل وأحمال، أو (ألْي)) بضمٌّ فسكون، كفُفْل وأقفال، أو ((إِلَى)) بكسرٍ
ففتحِ مقصور، كمِعِى وأمعاء، أو بفتحتين مقصوراً، كقفا وأقفاء، وبهما ينشدُ قول
الأعشى :
(١) الدر المنثور ٩٦/٣.
(٢) المصراع: هو أحد جُزأي الباب، وهما مصراعان إلى اليمين وإلى اليسار. المعجم الوسيط
(صرع).
(٣) الدر المنثور ٩٦/٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٩٨/٩ (١٥٨٣٧).
(٤) الدر المنثور ٩٥/٣، وقوله: بادي العنفقة، العنفقة: هي شعرات من مقدمة الشفة السفلى،
ورجل بادي العنفقة: إذا عري موضعها من الشعر. اللسان (عنفق).
(٥) إملاء ما من به الرحمن ٢٨/٣.

الآية : ٧٠
١٨٩
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
يقطعُ رحماً ولا يخونُ إلَا(١)
أبيضُ لا يَرهبُ الهُزال ولا
وقيل: إنَّ ما في البيت إلَّ المشددة، لكنَّها خُفِّفَتْ، ومعناها العهدُ. وفيه بعد.
وهذا تكريرٌ للتذكير؛ لزيادة التقرير، وتعميمٌ إثر تخصيص، أي: اذكروا الآلاء
التي من جملتها ما تقدَّم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾ أي: لكي يفضي بكم ذكرُ النعم إلى شكرها الذي من
جملته العملُ بالأركان والطاعةِ المؤدّي إلى النجاة من الكروب، والفوز بالمطلوب،
وهذا لأنَّ الفلاحَ لا يترتَّب على مجرَّد الذكر.
ومن الناس من فسَّر ذكرَ الآلاء بشكرِها، وأمرُ الترتُّبِ عليه ظاهر.
﴿قَالُواْ﴾ مجيبين عن تلك النصائح العظيمة المتضمِّنة للإنذار على ما أشيرَ إليه:
﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ أي: لنخُصَّه بالعبادة ﴿وَنَذَرَ﴾ أي: نترك ﴿مَا كَانَ
يَعْبُدُ ءَابَآؤُنّ﴾ من الأوثان. وهذا إنكارٌ واستبعادٌ لمجيئه عليه السلام بذلك،
ومنشؤُه إنهماكُهم في التقليد والحبِّ لما أَلِفُوه، وأَلْفَوا عليه أسلافَهم.
ومعنى المجيء، إمَّا مجيئه عليه السلام من مكانٍ كان يتحتَّثُ فيه، كما كان
رسولُ الله ◌َلهَ يفعلُ بحراء قبل المبعث، أو مجيئه من السماء، أي: أنزلت علينا
من السماء، ومرادُهم التهكّم والاستهزاء، وجاء ذلك من زعمهم أنَّ المرسلَ
من الله تعالى لا يكون إلَّا مَلَكاً من السماء. أو هو مجازٌ عن القصدِ إلى الشيء
والشروع فيه، فإنَّ جاء، وقام، وقعد، وذهب - كما قال جماعة - تستعملُها
العرب لذلك تصويراً للحال، فتقول: قعد يفعلُ كذا، وقام يشتمني، وقعد يقرأ،
وذهب يسبُّني.
ونصب ((وحده)) على الحاليَّة، وهو عند جمهور النحويين، ومنهم الخليل
وسيبويه(٢): اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدر، أعني: إيحاداً (٣)، الموضوع موضعَ
الحال، أعني: مُؤْحَداً .
(١) ديوان الأعشى ص ٢٨٥.
(٢) في الكتاب ٣٧٣/١.
(٣) في (م): إيحاد.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
١٩٠
الآية : ٧٠
واختلفَ هؤلاء فيما إذا قلت: رأيتُ زيداً وحدَه مثلاً، فالأكثرون يُقدِّرون: في
حال إيحادٍ(١) له بالرؤية، فيجعلونه حالاً من الفاعل، والمبرِّد يقدِّره في حالٍ أنَّه
مفردٌ بالرؤية، فيجعلُه حالاً من المفعول.
ومنع أبو بكر بن طلحة(٢) جَعْلَه حالاً من الفاعل، وأوجبَ كونه حالاً من
المفعول لا غير؛ لأنَّهم إذا أرادوا الحالَ من الفاعل قالوا: رأيتُه وحدي، ومررتُ
به وحدي، كما قال الشاعر:
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا(٣)
وهذا الذي قاله في البيت صحيحٌ، ولا يمتنعُ من أجله أنْ يأتي الوجهان
المتقدِّمان في: رأيتُ زيداً وحدَه، فإنَّ المعنى يصحُّ معهما.
ومنهم من يقول: إنَّه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحال، ولم يوضع له فعلٌ عند
بعضهم.
وحكى الأصمعيُّ: وَحَدَ یحِدُ.
وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنَّه منتصبٌ انتصابَ الظروف، فـ : جاء
زيدٌ وحدَه، في تقدير: جاءَ على وحدِهِ، ثمَّ حُذفَ الجارُّ، وانتصبَ على الظرف،
وقد صُرِّح بـ ((على)) في كلام بعض العرب. وإذا قيل: زيدٌ وحده، فالتقدير: زيدٌ
موضع التفرُّدِ، ولعلَّ القائل بما ذُكر يقول: إنَّه مصدرٌ وضِع موضع الظرف، وعن
البعض أنَّه في هذا منصوب بفعلٍ مضمر، كما يقال: زيدٌ إقبالاً وإدباراً.
هذا خلاصةُ كلامهم في هذا المقام، وإذا أحطت به خبراً فاعلم أنَّ: ((نعبد الله
وحده)) في تقدير: موحدين إياه بالعبادة، عند سيبويه، على أنَّه حالٌ من الفاعل،
والحاء في موحِدين مكسورةٌ. وعلى رأي ابن طلحة موحَداً هو، والحاءُ مفتوحة،
(١) في الأشباه والنظائر للسيوطي ١٧٢/٧ (والكلام منه): إيحادي، بياء المتكلم.
(٢) هو عبد الله بن طلحة الأندلسي، اليابري، نحويٌّ أصوليٌّ فقيه، قرأ عليه الزمخشري بمكة
كتاب سيبويه، وشَرَح رسالة ابن أبي زيد، وردًّ على ابن حزم. مات سنة (٥١٨هـ). العقد
الثمين في تاريخ البلد الأمين ١٨٢/٥، وبغية الوعاة ٤٦/٢ .
(٣) البيت للربيع بن ضبع الفزاري كما في الكتاب ٨٩/١، وخزانة الأدب ٣٨٤/٧.

الآية : ٧١
١٩١
سُورَةُ الأَّغَرَافِ
وهو من أَوْحَدَ الرباعيّ. والتقدير على رأي هشام: نعبدُ الله تعالى على انفرادٍ، وهو
من وَحَدَ الثلاثي، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلفُ إلَّا يسيراً، والكلام الذي
هو فيه متضمِّنٌ للإيجاب والسلب، وله احتمالاتٌ نفياً وإثباتاً، وتفصيلُ ذلك في
رسالةٍ (١) مولانا تقي الدين السبكي المسمَّاة بـ ((الرفدة في معنى وحده))(٢). وفيها
يقول الصفديُّ :
وانتبه للرِّفدة
خلِّ عن ك الرَّقدة
فـ اقَ ط ـ م الـ شُ ﴾ دة(٣)
تجنِ منها علماً
وأراد بـ ((ما)) في قوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ العذابَ المدلولَ عليه بقوله
تعالى: ((أفلا تتقون)).
﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾ بالإخبار بنزوله. وقيل: بالإخبار بأنَّك رسولُ الله
تعالى إلينا، وجوابُ ((إن)) محذوفٌ؛ لدلالة المذكور عليه، أي: فأتِ به.
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: وجبَ وثبت. وأصلُ استعمال الوقوع في نزول
الأجسام، واستعمالُه هنا فيما ذكر مجازٌ من إطلاق السبب على المسبّب، ويجوزُ
أنْ يكون في الكلام استعارةٌ تبعيَّة، والمعنى: قد نزلَ عليكم.
واختار بعضُهم أنَّ ((وقع)) بمعنى قُضِيَ وقُدِّر؛ لأن المقدرات تضافُ إلى
السماء، وحرف الاستعلاء على ذلك ظاهر.
وفي «الكشف)) أنَّ الوقوع بمعنى الثبوت، وحرف الاستعلاء إمَّا لأنَّه ثبوتٌ قويٌّ
آكَدَ ما يكون وأوجبه، أو لأنَّه ثبوتٌ حسيٍّ لأمرٍ نازلٍ من علو، وعذابُ الله تعالى
موصوفٌ بالنزول من السماء، فتدبر.
والتعبيرُ بالماضي لتنزيل المتوقَّع منزلةَ الواقع، كما في قوله تعالى: ﴿َ أَمْرُ
[النحل: ١].
اللَّهِ﴾
(١) بعدها في (م): في.
(٢) وساق السيوطي هذه الرسالة بتمامها في الأشباه والنظائر ١٧١/٧- ١٨٢، وهي مطبوعة
مفردة في دار البلاغة، بيروت. والله أعلم.
(٣) أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي ٤٣٠/٣.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
١٩٢
الآية : ٧١
﴿مِّن رَّبَّكُمْ﴾ أي: مِن قِبَلِ مالِكِ أمركم سبحانه وتعالى. والجارُّ والمجرور
قيل: متعلّقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً مما بعد، والظاهر أنَّه متعلِّقٌ بالفعل قبله، وتقديمُ
الظرف الأول عليه، مع أنّ المبدأ متقدِّمٌ على المنتهى - كما قال شيخ الإسلام -
للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم، وكذا تقديمُهما على الفاعل، وهو قوله
تعالى: ﴿رِجْسُ﴾، مع ما فيه من التشويق إلى المؤثّر، ولأنَّ فيه نوعَ طولٍ
بما عُطِفَ عليه من قوله تعالى: ﴿وَغَضَبُّ﴾ فربَّما يُخِلُّ تقديمُهما بتجاوبِ النظم
الكريم(١).
والرجسُ: العذاب، وهو بهذا المعنى في كلِّ القرآن عند ابن زيد(٢)، من
الارتجاس، وهو والارتجاز بمعنى، حتى قيل: إن أصلَه ذلك، فأُبدِلت الزاي سيناً
كما أبدلت السين تاءً في قوله :
أَلَا لَحَى الله بني السِّعلات
عمرَو بنَ يربوع شرارَ النات
ليسوا بأعفافٍ ولا أكيات(٣)
فإنَّه أرادَ: الناس وأكياس. وأصلُ معناه: الاضطراب، ثمَّ شاع فيما ذكر؛
لاضطرابٍ من حلَّ به، وعليه فالعطف في قوله:
(١) إرشاد العقل السليم ٢٣٩/٤.
(٢) أخرجه عنه ابن أبي حاتم ١٥١١/٥ (٨٦٦٠).
(٣) جاء الرجز في المصادر بروايات متعددة، وهو لعلباء بن أرقم كما في النوادر لأبي زيد
ص ١٠٤، والجمهرة ٣٣/٣، ولسان العرب (نوت)، وشرح شواهد شرح الشافية
ص٤٦٩ - ٤٧٠.
وذكره دون نسبة أبو علي القالي في الأمالي ٦٨/٢، وابن جني في سر صناعة الإعراب
١/ ١٥٥. وأورده الطبري في تفسيره ٥٢٢/١٢ - طبعة محمود شاكر - بمثل رواية
المصنف .
قال العلامة محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: قوله: ليسوا بأعفاف، هكذا جاء
في المطبوعة والمخطوطة، ورواية أبي زيد وغيره: ليسوا أعفاء. وهي القياس، جمع
عفيف. وكأن أعفاف جمع عف. وقد أجمعوا على أنهم لم يجمعوا ((عفَّا))، أو يكون
كما جمع شريف على أشراف في غير المضعف.

الآية : ٧١
١٩٣
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وكان عليهم رجسُها وعذابُها (١)
إذا سنةٌ كانت بنجدٍ محيطةً
للتفسير .
والغضب عند كثيرٍ بمعنى إرادة الانتقام.
وعن ابن عباس أنَّه فسَّر الرجسَ باللعنة، والغضبَ بالعذاب، وأنشدَ له البيت
السابق، وفيه خفاء.
والذاهبونَ إلى ما تقدَّم إنَّما لم يفسِّروه بالعذاب؛ لئلا يتكرَّر مع ما قبله،
ولا يبعد أنْ يُفَسَّر ((الرجسُ)) بالعذاب، والغضبُ باللعن والطرد، على عكس ما نُسِب
إلى ابن عباس ظُّها، ويكون في الكلام حينئذٍ إشارةٌ إلى حالهم في الأولى
والأخرى. ويمكنُ إرجاع ما ذكره الكثير من المفسِّرين إلى هذا، وإلا فالظاهر أنَّه
لا لطافة في قولك: وقع عليهم عذابٌ وإرادةُ انتقام. على ظاهر كلامهم.
وأيَّما كان، فالتنوينُ للتفخيم والتهويل.
﴿أَتُجَادِلُونَنِى فِي أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لإنكارهم مجيئه
عليه السلام، داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وتركِ ما كان يعبدُ آباؤهم من
الأصنام.
والأسماء عبارةٌ عن تلك الأصنام الباطلة، وهذا كما يقال لما لا يليق: ما هو
إلَّا مجرد اسم. والمعنى: أتخاصمونني في مسمياتٍ وضعتم لها أسماءً لا تليقُ
بها، فسميتموها آلهةً من غير أنْ يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما؛ لأنَّ
المستحقَّ للمعبوديَّةِ ليس إلَّا من أوجدَ الكلَّ، وهي بمعزلٍ عن إيجادِ ذرَّةٍ، وإنها لو
استحقَّت لكان ذلك بجعله تعالى، إمّا بإنزال آيةٍ، أو نصبٍ حجَّة، وكلاهما
مستحيل، وذلك قوله تعالى: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: حجَّة ودليل،
وحيثُ لم يكن ذلك في حيِّز الإمكان تحقَّق بطلانُ ما هم عليه.
والذمُّ الذي يُفهمه الكلام متوجّةٌ إلى التسمية الخالية عن المعنى، المشحونةِ
(١) ذكره ابن عطية في المحرر ٢/ ٤٢٠، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٩٦/٣ وعزاه للطستي
عن ابن عباسٍ؛ في جوابه عن سؤالات نافع بن الأزرق، وسيشير إلى ذلك المصنف قريباً،
وهو في مسائل نافع بن الأزرق (٢٨٤).

سُورَةُ الأَغرافِ
١٩٤
الآية : ٧٢
بمزيد الضلالة والغواية والافتراء العظيم، وقيل: إنَّهم سمَّوها خالقةً، ورازقةً،
ومُنزلةَ المطر، ونحو ذلك.
والضميرُ المنصوب في ((سميتموها)): راجعٌ لـ ((أسماء))، وهو - على ما قيل -
المفعولُ الأول، والمفعولُ الثاني محذوفٌ حسبما أشير إليه.
وقيل: المفعولُ الأول محذوفٌ، والضمير هو المفعول الثاني، والمراد: سميتُم
أصنامگُم بها .
وقيل: المرادُ من ((سمَّيتموها)) وصفتموها، فلا حاجةً له إلى مفعولين.
وحملُ الآية على ما ذُكِر أوَّلاً في تفسيرها هو الذي اختارهُ جمعٌ. وجوَّزَ
بعضُهم أنْ يكون الكلامُ على حذف مضاف، أي: أتجادلونني في ذوي أسماء.
وادعى آخرون جوازَ أنْ يكون فيه صنعة الاستخدام(١).
واستدلَّ بالآية من قال: إن الاسم عينُ المسمَّى، ومن قال: إنَّ اللغات
توقيفيَّة، إذ لو لم تكن كذلك لم يتوجَّه الإنكار والإبطال بأنَّها أسماء مخترعة لم
يُنزِل الله تعالى بها سلطاناً. ولا يخفى عليك ما في ذلك من الضعف.
﴿فَظِرُوا﴾ نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم: ((فأتنا بما تعدنا)) لمَّا وضح الحق
وأنتم مصرُّون على العناد والجهالة ﴿إِنِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ ﴾﴾ لنزوله بكم.
والفاء في ((فانتظروا)) للترتيب على ما تقدَّم، وفي قوله تعالى: ﴿فَيَّنَهُ﴾
فصيحةٌ، أي: فوقعَ ما وقع، فأنجيناه ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: متابعيه في الدين
﴿بَحْمَةٍ﴾ عظيمةٍ لا يقادر قدرها ﴿مِّنَا﴾ أي: من جهتنا.
والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوف وقع نعتاً لـ ((رحمة)) مؤكّداً لفخامتها على
ما تقدَّم غير مرة.
﴿وَقَطَعْنَا دَايِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَئِنً﴾ كنايةٌ عن الاستئصال، والدابر: الآخر، أي:
أهلكناهم بالكليّة ودقّرناهم عن آخرهم. واستدلَّ به بعضُهم على أنَّه لا عقب لهم.
(١) الاستخدام: هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به
المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.

الآية : ٧٢
١٩٥
سُورَةُ الأَغرافِ
عطفٌ على (كذبوا)) داخلٌ معه في حكم الصلة، أي:
﴿وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
أَصَرُّوا على الكفر والتكذيب، ولم يرعووا عن ذلك أصلاً .
وفائدة هذا النفي عند الزمخشريِّ التعريضُ بمن آمن منهم(١). وبيانه - على
ما قال الطيبيُّ -: أنَّه إذا سمعَ المؤمنُ أنَّ الهلاكَ اختصَّ بالمكذِّبين، وعلم أنَّ سبب
النجاةِ هو الإيمان، تزيدُ رغبتُه فيه، ويعظمُ قدرُه عنده، ونظيرُه في اعتبارٍ شرف
الإيمان: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ﴾ الآية [غافر: ٧].
وقال بعضُهم: فائدةُ ذلك بيانُ أنَّه كان المعلومُ من حالهم أنَّه سبحانه لو لم
يهلكهم ما كانوا ليؤمنوا، كما قال جلَّ شأنه في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ مِن
قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ [يونس: ١٣] فهو كالعذر عن
عدم إمهالهم والصبر عليهم.
وسرُّ تقديم حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك يعلم ممَّا تقدَّم.
وقصتهم - على ما ذكره السُّدِّيُّ ومحمد بن إسحاق وغيرهما - أنَّ عاداً قومٌ كانوا
بالأحقاف، وهي رمالٌ بين عُمَان وحضرموت، وكانوا قد فشوا في الأرض كلِّها،
وقهروا أهلَها، وكانت لهم أصنامٌ يعبدونَها، وهي صداء، وصَمُود، والهباء،
فبعثَ الله تعالى إليهم هوداً عليه السلام نبيًّا، وهو من أوسطِهم نسباً، وأفضلهم
حسباً، فأمرهم بالتوحيد والكفّ عن الظلم، فكذَّبوه وازدادوا عتوّاً وتجبُّراً، وقالوا:
من أشدُّ منَّا قوَّةً؟ فأمسكَ الله عنهم المطرَ ثلاثَ سنين حتى جهدهم ذلك، وكان
الناسُ إذ ذاك إذا نزلَ بهم بلاءٌ، طلبوا رفعَه من الله تعالى عندَ بيته الحرام؛ مسلمهم
ومشركهم، وأهلُ مَّةَ يومئذٍ العمالقة، أولادُ عمليق بن لاوذ بنِ سام بن نوح،
وسيِّدُهم معاوية بنُّ بكر، وكانت أمُّه كهلدة(٢) من عاد.
فجهزت عادٌ إلى الحرم من أماثلهم سبعين رجلاً، منهم قَيْل بن عنز(٣)،
ولقيم بن هزال، ولقمان بن عاد الأصغر. ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه.
(١) الكشاف ٨٨/٢.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ووقع عند الطبري في تاريخه ٢١٩/١، وفي تفسيره ٢٧٠/١٠، وعند
ابن كثير في تفسيره ٤٣٦/٣ وغيرها : كلهدة.
(٣) في تاريخ الطبري ٢١٩/١، والبداية والنهاية ٢٩٥/١: عتر.

سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ
١٩٦
الآية : ٧٢
وجلهمة خالُ معاوية بن بكر، فلمّا قدموا مكَّة نزلُوا على معاوية، وكان خارجاً من
الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، إذ كانوا أخوالَه وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً، يشربون
الخمرَ، وتغنِّيهم قينتانِ لمعاوية، اسمُ إحداهما وردة، والأخرى جرادة، ويقال لهما
الجرادتان على التغليب، فلمَّا رأى طولَ مقامهم وذهولَهم باللهو عمَّا قدموا له، شقَّ
ذلك عليه، وقال: هلك أصهاري وأخوالي، وهؤلاء على ما هم عليه، وكان
يستحيي أنْ يكلِّمهم خشيةَ أن يظنُّوا به ثقلَ مقامهم عنده، فشكا ذلك لقينتيه، فقالتا :
قل شعراً نغنيهم به، ولا يدرون من قاله، لعلَّ ذلك أن يحرِّكهم. فقال:
ألا يا قَيْلُ ويحكَ قم فهينم(١)
لعلَّ الله يسقينا(٢) غماما
فتُسقى أرضُ عادٍ إِنَّ عاداً
قد امسَوا ما يُبينونَ الكلاما
من العطشِ الشديد فليس نرجو
به الشيخَ الكبير ولا الغلاما
فقد أمست نساؤهم عيامى(٣)
وقد كانت نساؤهم بخيرٍ
ولا تخشى لعاديِّ سهاما
وإنَّ الوحشَ تأتيهم جهاراً
نهارَكمُ وليلَكمُ التماما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم
ولا لُقُّوا التحيةَ والسلاما
فقُبِّحَ وفدُكم من وفدِ قومٍ
فلما غنّتا بذلك قال بعضهم لبعض: يا قوم إنَّما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم من
البلاء الذي نزلَ بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخُلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم،
فقال مرثد بن سعد: والله لا تُسْقَون بدعائكم، ولكن إنْ أطعتم نبيَّكم وأَنَبْتُم إلى
ربّكم سُقيتم، فأظهر إسلامَه عند ذلك وقال:
عطاشاً ما تبلُّهم السماءُ
عصت عادٌّ رسولَهُمُ فأمسَوا
يقابله صداءٌ والهباءُ
لهم صنمٌ يقال له صَمودٌ
فأبصَرْنا الهدى وخلا العماءُ
فبَصَّرَنا الرسولُ سبيلَ رشدٍ
(١) الهينمة: الكلام الخفي لا يفهم. وهانمه بحديث: ناجاه. انظر اللسان (هنم).
(٢) في تفسير الطبري ٢٧١/١٠، وتفسير ابن كثير ٤٣٦/٣، والبداية والنهاية ٢٩٥/١:
يصبحنا .
(٣) العيمة: شهوة اللبن والعطش، عام يَعيم ويَعام عَيْماً وعيمة، فهو عيمان، وهي عيمى.
القاموس (عیم).

الآية : ٧٢
١٩٧
سُورَةُ الَّغَرَافِ
وإنَّ إله هودِ هُوْ إلهي على الله التوكُّلُ والرجاءُ
فقالوا لمعاوية: احبس عنا مَرْئَداً فلا يقدمنَّ معنا مكَّة، فإنَّه قد اتَّبعَ دين هود
وترك ديننا، ثم دخلوا مكّة يستسقون، فخرجَ مرئد من منزل معاوية حتى أدركهم قبلَ
أنْ يدعوا بشيءٍ ممَّا خرجوا له، فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله تعالى ويقول:
اللهمَّ سؤلي وحدي، فلا تدخلني في شيءٍ مما يدعوك به وفدُ عاد، وكان قَيْلٌ رأسَ
الوفد، فدعا وقال: اللهمَّ اسقِ عاداً ما كنتَ تسقيهم، وقال القوم: اللهمَّ أعطِ قَيْلاً
ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله، فأنشأ الله تعالى سحائبَ ثلاثاً بيضاء وحمراء
وسوداء، ثمَّ نادى منادٍ من السماء: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك من هذه
السحائب ما شئت، قيل: وكذلك يفعلُ الله تعالى بمن دعاه إذ ذاك، فقالَ قَيْلٌ:
اخترتُ السوداءَ فإنَّها أكثرهنَّ ماء، فناداه منادٍ: اخترتَ رماداً رِمْدداً(١)، لا تبقي من
آل عادٍ أحداً، وساقَ الله تعالى تلك السحابةَ بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى
خرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارضٌ
ممطرنا، فجاءتهم منها ريحٌ عقيم، وأوَّل من رأى ذلك امرأةٌ منهم يقال لها:
مهدر (٢)، ولما رأته صَعقت، فلمَّا أفاقت قالوا: ما رأيت، قالت: رأيتُ ريحاً فيها
كشهب النار، أمامَها رجالٌ يقودونها. فسخَّرها الله تعالى عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ
أيَّامِ حسوماً، فلم تدع منهم أحداً إلَّا أهلكته، واعتزلَ هودٌ عليه السلام ومن معه في
حظّيرةٍ، ما يصيبُهم من الريح إلَّا ما تلينُ به الجلود، وتلتذُّ الأنفس.
ثَّ إِنَّه عليه السلام أتى هو ومن معه مكَّة، فعبدوا الله تعالى فيها إلى أنْ ماتُوا .
وقبرُه عليه السلام قيل: هناك في البقعة التي بينَ الركن والمقام وزمزم. وفيها -
كما أخرج ابنُ عساكر عن عبد الرحمن بن سابط - قبورُ تسعةٍ وسبعينَ نبيّاً، منهم
أيضاً نوح وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم السلام(٣).
(١) في الأصل و(م): رمدا، والمثبت من المصادر. والرُّمْدد، بالكسر: المتناهي في الاختراق
والدقة. النهاية (رمد).
(٢) كذا في الأصل و(م)، وجاء في تاريخ الطبري ٢٢٢/١، ومطبوع تفسير ابن كثير ٤٣٧/٣ :
مهدد. وفي تفسير الطبري ٢٧٤/١٠، وبعض نسخ ابن كثير - كما أشار محققه -: مهد.
(٣) تاريخ ابن عساكر ٢٨٨/٦٢.

سُورَةُ الأَشْرَافِ
١٩٨
التفسير الإشاري (٥٤-٦٤)
وأخرج البخاريُّ في ((تاريخه)) وابن جرير وغيرهما عن عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه أنَّ قبره عليه السلام بحضرموت في كثيبٍ أحمر، عند رأسه سدرةٌ (١).
وأخرج ابنُ عساكر عن ابن أبي العاتكة(٢) قال: قبلةُ مسجد دمشق قبرُ هود عليه
السلام. وعُمِّر كما أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رَظُّه أربعَ مئةٍ واثنتين وسبعين
سنة(٣). والله تعالى أعلم.
﴿ه -: ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى
ومن باب الإشارة في الآيات - على ما قاله القوم .
خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ أي سماوات الأرواح ﴿وَالْأَرْضَ﴾ أي: أرض الأبدان ﴿فِي سِنَّةٍ
أَيَّامٍ﴾ وهي ستة آلاف سنة، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَكْرٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾
[الحج: ٤٧]، وهي من لدن خلق آدم عليه السلام إلى زمان النبي ◌َّز، وهي في
الحقيقة من ابتداءٍ دور الخفاء، إلى ابتداء الظهور، الذي هو زمانُ ختم النبوة
وظهور الولاية ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو القلبُ المحمديُّ بالتجلِّي التام، وهو
التجلِّ باسمه تعالى الجامع لجميع الصفات. وللصوفية عدَّةُ عروشٍ نبهنا عليها في
كتابنا ((الطراز المذهب في شرح قصيدة الباز الأشهب)) وتمامُ الكلام عليها في
((شمس المعارف))(٤) للإمام البوني قدِّس سرُّه(٥) .
﴿يُغْشِى الَِّلَ﴾ أي: ليل البدن ((النهار)) أي: نهار الروح ﴿يَطْبُهُ﴾ بالتھيُّو
والاستعداد لقبوله باعتدال مزاجه ﴿حَدِيثًا﴾ أي: سريعاً. ﴿وَالشَّمْسَ﴾ أي: شمس
الروح. ﴿وَالْقَمَّرْ﴾ أي: قمر القلب. ﴿وَالنُّجُومَ﴾ أي: نجوم الحواسِّ ﴿مُسَخَّرَتِ
بِأَمْرِهِ﴾ الذي هو الشأنُ المذكور في قوله تعالى ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
(١) التاريخ الكبير ١٣٥/١، وتفسير الطبري ٢٦٨/١٠-٢٦٩، وأخرجه أيضاً ابن عساكر في
تاريخ دمشق ١٣٨/٣٦.
(٢) عثمان بن أبي العاتكة، أبو حفص الدمشقي القاص، توفي سنة (١٥٢هـ). التهذيب ٦٢/٣.
(٣) الدر المنثور ٣/ ٩٧.
(٤) ص ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٥) هو أحمد بن علي بن يوسف، أبو العباس، توفي سنة (٦٦٢هـ). انظر ترجمته في كشف
الظنون ص ١٠٦٢، وهدية العارفين ١/ ٩٠، وجامع كرامات الأولياء ٣٠٦/١.

التفسير الإشاري (٥٤-٦٤)
١٩٩
سِوَرَّةُ الأَغْرَافِ
﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ أي: اعبدوه ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ إشارة إلى طريق الجلوة والخلوة،
أو ادعوه بالجوارح والقلب، أو بأداء حقِّ العبوديّة ومطالب حق الربوبيَّة، ﴿إِنَّهُ، لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين عما أمروا به بترك الامتثال، أو الذين يطلبون منه سواه.
﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: أرض البدن ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ بالاستعداد
﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ لئلا يلزم إهمال إحدى صفتي الجلال والجمال.
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ﴾ أي: رياحَ العناية. ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِّهٍ﴾ أي:
تجلياته ﴿حَّةَ إِذَا أَقَلَّتْ﴾ حملت ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ بأمطار المحبة ﴿سُقْنَهُ لِبَلَدٍ﴾ قلبٍ
﴿مَيِّتٍ فَأَزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ﴾ ماءَ المحبة ﴿فَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَنِ﴾ من المشاهدات
والمكاشفات ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ﴾ القلوبَ الميتة من قبور الصدور ﴿لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ أيام حياتكم في عالم الأرواح، حيثُ كنتم في رياض القدس وحياض
الأنس.
﴿وَالْبَلَدُ اَلَّيْبُ﴾ وهو ما طابَ استعداده ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِِّ﴾ حسناً غزيراً
نفعُه ﴿وَالَّذِى خَبُثَ﴾ وهو ما ساءَ استعداده ﴿لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا﴾ لا خير فيه.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ أي: نوحَ الروحِ ﴿إِلَى قَوْمِهِ،﴾ من القلب وأعوانه، والنفس
وأعوانها .
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ كالقلب وأعوانه ﴿فِي الْقُلْكِ﴾ وهو سفينةُ الاتِّباع
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَيِنَا﴾ في بحار الدنيا ومياه الشهوات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا
عَمِينَ﴾ عن طريق الوصول ورؤية الله تعالى.
وعلى هذا المنوال يُنسج الكلام في باقي الآيات.
ولمولانا الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه في هؤلاء القوم ونحوهم كلامٌ تقفُ الأفكار
دونَه حسرى، فمن أراده فليرجع إلى ((الفصوص))(١) يرَ العجب العجاب، والله
تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.
(١) منع كثير من العلماء نظر العوامٌّ في كتب ابن عربي؛ لما فيها من الألفاظ الموهمة التي
تحتاج إلى تأويل، والله أعلم.

سُؤَدَّةُ الْأَغْرَافِ
٢٠٠
الآية : ٧٣
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ عطفٌ على ما سبق من قوله تعالى: ((وإلى عادٍ
أخاهم)) موافقٌ له في تقديم المجرور على المنصوب، و((ثمود)» قبيلةٌ من العرب
كانت مساكنُهم الحِجْر، بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وسمِّيت باسم أبيهم
الأكبر ثمود بن عابر(١) بن إرم بنٍ سام بن نوح، وقيل: ابن عاد بن عوص بن
إرم إلخ، وهو المنقولُ عن الثعلبيّ(٢) .
وقال [أبو] عمرو بن العلاء: إنَّما سمُّوا بذلك لقلَّة مائهم (٣)، فهو من ثمدَ الماء
إذا قلَّ، والثمد(٤) الماءُ القليل. ووردَ فيه الصرفُ وعدمُه؛ أمَّا الأولُ فباعتبارٍ
الحيِّ، أو لأنَّه لما كان في الأصل اسماً للجدِّ أو للقليل من الماء كان مصروفاً؛
لأنَّه عَلَمٌ مذكَّرٌ، أو اسمُ جنس، فبعد النقل حَكى أصلَه. وأمَّا الثاني فباعتبارٍ أنَّه
اسمُ القبيلة، ففيه العلميَّةُ والتأنيث.
وصالحٌ عليه السلام من ثمود، فالأخوَّة نسبيَّةٌ، وهو على ما قال محيي السنة
البغوي(٥): ابن عبيد بن آسف بن ماشح (٦) بن عبيد بن حاذر(٧) بن ثمود(٨)،
وهو أخو طسم وجديس فيما قيل.
(١) في (م): عامر، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في تفسير البغوي ١٧٣/٢،
والكشاف ٨٩/٢، وتفسير البيضاوي ١٦/٣، وتفسير أبي السعود ٢٤١/٣.
وجاء في المحبر ص ٣٨٤، وتفسير الطبري ٢٨٢/١٠، وتاريخ الطبري ٢٢٦/١، وغيرها:
جائر .
(٢) والذي في مطبوع عرائس المجالس ص ٦٨: ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح.
(٣) تفسير البغوي ١٧٤/٢، وتفسير الرازي ١٦١/١٤، وزاد المسير ٢٢٣/٣، وما بين
حاصرتين من هذه المصادر.
(٤) بسكون الميم، ويحرك. القاموس (ثمد).
(٥) في تفسيره ٢/ ١٧٤ .
(٦) في مطبوع تفسير البغوي: ماسح، بالسين والحاء المهملتين، وكذا وقع في عرائس المجالس
ص ٦٨، وجاء في تهذيب الأسماء واللغات - طبعة دار الفيحاء، ١/ ٥٨٠ - نقلاً عن
الثعلبي: ماشج. وكذا وقع في تاريخ الطبري ٢٢٦/١.
(٧) وقع في تاريخ الطبري، وتفسير البغوي: خادر، وفي مطبوع عرائس المجالس ص ٦٨ :
حاذر، وفي تهذيب الأسماء واللغات: جاذر، وفي نسخة كما ذكر محققه: جادر. ورجح
أبو حيان في البحر ٣٢٧/٤: جائر. وانظر التعليق التالي.
(٨) قال أبو حيان في البحر المحيط ٣٢٧/٤: هو صالح بن آسف بن كاشح بن أروم بن