النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٥٧ ١٦١ سُورَةُ الأَغْرَافِ والإيمان والعمل الصالح، فكأنَّ ((من تاب وآمن)) إلخ تفسيرٌ للمحسنين. وهو إشارةٌ إلى ما يزعمه قومُه من أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ صاحب الكبيرة لا يخلُصُ من النار؛ لأنَّه ليس من المحسنين، والتخليصُ من النار بعدَ الدخول فيها رحمةٌ. وأجيبَ بأنَّ صاحبَ الكبيرة مؤمنٌ بالله تعالى ورسوله وَّرَ، ومن يكونُ كذلك فهو محسنٌ، بدلیل أنَّ الصبيَّ إذا بلغ ضحّى، وآمن، وماتَ قبل الظهر، فقد اجتمعت الأمَّة على أنَّه داخلٌ تحت قوله تعالى: ﴿لَلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] فهو محسنٌ بمجرَّد الإيمان، والقول بأنَّ المحسنين هم الذين أتوا بجميع أنواع الإحسان، على ما يؤذن به الآية الممثَّل بها أوَّل البحث أوَّل المسألة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنَّه فسَّر ((المحسنين)) بالمؤمنين. وعن بعضهم تفسيرُه بالداعين خوفاً وطمعاً؛ لقرينة السباق على ذلك، ونُظِرَ فيه . ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ﴾ عطفٌ على الجملة السابقة، أو على حديث خلق السماوات والأرض. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ((الريح)) على الوحدة(١)، وهو متحمّلٌ لمعنى الجنسيَّة، فيطلق على الكثير. وخبر: ((اللهمَّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))(٢) مخرَّجٌ على قراءة الأكثرين. ﴿بُثْرًّا﴾ بضمِّ الموحّدة وسكون الشين مخفَّف ((بُشُراً)) بضمتين جمع بشير، كنُذُر ونذير، أي: مبشرات، وهي قراءةُ عاصم (٣). وروي عنه أيضاً: ((بُشُراً)) على (٤) الأصل(٤). وقُرئ بفتح الباء على أنَّه مصدر بَشَره بالتخفيف بمعنى بَشَّره المشدَّد، والمراد: باشراتٍ، أو: للبشارة. (١) التيسير ص ٧٨، والنشر ٢٢٣/٢. وهي أيضاً قراءة خلف من العشرة. (٢) سلف ٧١/٣. (٣) التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٦٩/٢ -٢٧٠. (٤) المحتسب ٢٥٥/١ وهي خلاف المشهور عنه. سُوْدَةُ الأَّغَرَافِ ١٦٢ الآية : ٥٧ وقُرئ: ((بُشرى)) كحبلى، وهو مصدرٌ أيضاً من البشارة(١). وقرأ أهل المدينة والبصرة: ((نُشُراً)) بضمِّ النون والشين(٢)، جمع نَشور بفتح النون بمعنى ناشر، وفعول بمعنى فاعل يطَّرِدُ جمعه كذلك، کصبور وصُبُر، ولم يجعل جمع ناشر، كبازل وبُزُل؛ لأنَّ جمع فاعل على فُعُل شاذ. واختلف في معنى ناشر، ففي ((الحواشي الشهابية))(٣): قيل: هو على النسب؛ إمَّا إلى النَّشْر ضد الطيِّ، وإمَّا إلى النُّشور بمعنى الإحياء؛ لأنَّ الريحَ توصف بالموت والحياة، كقوله: إني لأرجو أنْ تموت الريح فأقعد اليوم وأستريح(٤) كما يصفها المتأخّرون بالعلَّة والمرض، ومما يَحكي النسيمَ من ذلك قولُ بعضهم في شدّة الحرِّ : أظنُّ نسيمَ الروضِ ماتَ لأنَّه له زمنٌ في الروض وهو عليل(٥) وقيل: هو فاعل من نشر، مطاوعُ أنشرَ الله تعالى الميِّتَ فنشر، وهو ناشر، كقوله: حتى يقولَ الناس ممَّا رأوا يا عجباً للميت الناشرِ(٦) وقيل: ناشر بمعنى مُنشِر، أي: محيي. وقيل: فَعولٌ هنا بمعنى مفعول، كرسول ورُسُل، وقد جوَّزَ ذلك أبو البقاء(٧)، إلّا أنَّه نادرٌ مفرده وجمعه. وقرأ ابنُ عامر: ((نُشْراً)) بضمِّ النون وسكون الشين(٨) حيثُ وقع، والتخفيفُ في فُعُل مظَّرد. (١) المحتسب ٢٥٥/١. (٢) هي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين، وأبي عمرو ويعقوب البصريين، وقرأ بها أيضاً ابن كثير المكي ١٤٥/٨. التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٧٠/٢. (٣) ٤ /١٧٦. (٤) هو دون نسبة في البحر المحيط ٣١٧/٤، والدر المصون ٣٤٨/٥، واللسان وتاج العروس (موت) و(نشر). (٥) هو دون نسبة في حاشية الخفاجي ٤/ ١٧٦ . (٦) هو للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٩١. (٧) في الإملاء ١٩/٣. (٨) التيسير ص ١١٠، والنشر ٢٧٠/٢. الآية : ٥٧ ١٦٣ سُورَةُ الأَغْرافِ وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (نَشراً)) بفتح النون (١) حيث وقع، على أنَّه مصدرٌ في موقع الحال بمعنى ناشرات، أو مفعولٌ مطلق، فإنَّ الإرسالَ والنشرَ متقاربان. ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٍ﴾ أي: قُدَّام رحمته، وهو من المجاز كما نُقِل عن أبي بكر الأنباريِّ. والمرادُ بالرحمةِ كما ذهبَ إليه غالبُ المفسِّرين المطر، وسُمِّيَ رحمةً لما يترتَّبُ عليه بحسب جري العادة من المنافع، ولا يخفى أنَّ الرحمةَ في المشهور عامَّةٌ، فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجازٌ، لكونه استعمالَ اللفظ في غيرِ ما وضع له، إذ اللفظُ لم يوضع لذلك الخاصِّ بخصوصه. وإنْ كان إطلاقُها عليه لا بخصوصه بل باعتبارٍ عمومه وكونه فرداً من أفراد ذلك العامِّ، فهو حقيقةٌ؛ لأنَّه استعمالُ اللفظ فيما وُضِع له على ما بُيِّنَ في ((شرح التلخيص» وغيره. وادَّعى الشهابُ(٢) إثباتَ بعض أهل اللغة كونَ المطر من معاني الرحمة، وقولُ ابن هشام في رسالته التي ألَّفها في بيان وجهِ تذكير («قريب» المارِّ عن قريب: إنَّا لا نجدُ أهل اللغة حيثُ يتكلَّمون على الرحمة يقولون: ومن معانيها المطر، فلو كانت موضوعةً له لذكروه(٣). قُصارى ما فيه عدمُ الوجدان، وهو لا يستدعي عدم الوجود، وممّا اشتُهر أنَّ المثبتَ مقدَّم على النافي، ومَن حَفِظَ حجَّةٌ على مَن لم يحفظ، والمقامُ ظاهرٌ في إرادة هذا المعنى. وبيان كون الرياح مرسلةً أمام ذلك ما قيل: إنَّ الصَّبا تثيرُ السحاب، والشمالَ تجمعُه، والجنوبَ تُدِرُّه، والدبورَ تفرَّقُه. وهذه أحدُ أنواع الريح المشهورة عند العرب، وعن ابن عمر (٤) ﴿ّ أنَّ الرياح ثمانيةٌ؛ أربعٌ منها عَذاب، وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم، وأربعٌ منها رحمةٌ؛ وهي الناشرات والمبشِّرات والمرسلات والذاريات. (١) التيسير ص ١١٠، والنشر ٢/ ٢٧٠، وقرأ بها أيضاً خلف من العشرة. (٢) في الحاشية ٤ /١٧٦ . (٣) الأشباه والنظائر ٢٧١/٥. (٤) كذا في الأصل و(م). والصواب: ابن عمرو. وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٣٢٣/٦. سُوْدَةُ الأَغَرَافِ ١٦٤ الآية : ٥٧ والريح من أعظم مِنن الله تعالى على عباده، وعن كعب الأحبار: لو حَبس الله تعالى الريحَ عن عباده ثلاثةَ أيام لأنتن أكثرُ أهل الأرض. وفي بعض الآثار أنَّ الله تعالى خلقَ العالمَ وملأَه هواءً، ولو أمسك الهواءَ ساعةً لأنتنَ ما بين السماء والأرض. وذكر غيرُ واحدٍ من العلماء أنَّه يُكره سبُّ الريح، فقد روى الشافعيُّ عن أبي هريرةَ قال: أخذت الناسَ ريحُ بطريق مكة، وعمرُ نَظُله حاجٌ، فاشتدَّت، فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فلم يرجعُوا إليه شيئاً، وبلغني الذي سأل عمرُ عنه من أمرِ الريح، فاستحثثتُ راحلتي حتى أدركت عمر، وكنت مؤشّر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبرتُ أنَّك سألتَ عن الريح، فإِنِّي سمعتُ رسول الله وَّل يقول: ((الريحُ من رَوْحِ الله تعالى، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّها، واسألوا الله تعالى من خيرها، واستعيذُوا بالله سبحانه من شرها))(١). ولا منافاةً بين الآية وهذا الخبر، إذ ليس فيها أنَّه سبحانه لا يرسلُها إلا بينَ يدي الرحمة، ولئن سُلِّم، فهو خارجٌ مجرى الغالب، فإنَّ العذابَ بالريح نادرٌ. وقيل: ما في الخبر إنَّما هو الإيتاء بالرحمة والإيتاء بالعذاب، لا الإرسال بين يدي كلِّ. ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ﴾ غايةٌ لقوله سبحانه: ((يرسل))، والإقلالُ كما في ((مجمع البيان)): حملُ الشيء بأسره (٢). واشتقاقُه من القِلَّة، وحقيقةُ أَقَلَّه كما قال بعض المحقّقين: جعله قليلاً، أو وجدَه قليلاً، والمرادُ: ظنّه كذلك، كأكذبه إذا جعله كاذباً في زعمه، ثم استُعمل بمعنى حَمَله؛ لأنَّ الحامل يستقلُّ ما يحملُه، أي: يَعُدُّه قليلاً، ومن ذلك قولهم: جَهد المُقِلّ، أي: الحامل. ﴿سَحَابًا﴾ أي: غيماً، سُمِّيَ بذلك لانسحابه في الهواء، وهو اسم جنسٍ جمعيّ، يُفرَّق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة، وهو يذكَّر ويؤنَّث، ويُفرَد وصفُّه ويجمع . (١) مسند الشافعي ص ٨١- ٨٢، وأخرجه أحمد (١٠٧١٤). (٢) مجمع البيان ٨/ ٨٢. الآية : ٥٧ ١٦٥ سُوَّةُ الأَغْرَافِ وأهل اللغة كالجوهريّ(١) وغيره تسمِّيه جمعاً، فلذا رُوعيَ فيه الوجهان في وصفه وضميره، وجاء في الجمع: سُحب وسحائب. ﴿ثِقَالًا﴾ من الثّقَل، كعنب، ضدُّ الخفّة، يقال: ثقُل، ككرم، ثِقَلاً وثَقالة فهو ثقيل، وثَّقُلَ السحاب بما فيه من الماء. ﴿سُقْنَهُ لِبَلَدٍ نَّيِّتٍ﴾ أي: لأَجْله ومنفعته، أو لإحيائه، أو لسَقِْهِ، كما قيل. وفي ((البحر)) أنَّ اللام للتبليغ كما في: قلت لك، وفَرَّقَ بين: سقتُ لك مالاً، و: سقتُ لأجلك مالاً. بأنَّ الأوَّلَ معناه: أوصلتُ لك ذلك وأبلغتُكَه، والثاني: لا يلزم منه وصوله إليه(٢). والبلدُ كما قال الليث: كلُّ موضعٍ من الأرض عامرٍ أو غير عامر، خالٍ أو مسكون، والطائفةُ منه بلدةٌ، والجمعُ بلاد، وتُطلَق البلدةُ على المفازة، ومنه قول الأعشى : وبلدةٍ مثلٍ ظهر التُّرسِ موحشةٍ للجنِّ بالليل في حَافَاتها زجلُ(٣) ﴿فَلْنَا بِهِ آلْمَآءَ﴾ أي: بالبلد، أو السَّحاب، كما قال الزجَّاجِ(٤) وابن الأنباريّ. أو بالسّوق أو الرياح، كما قيل. والتذكيرُ بتأويل المذكور، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ويحتملُ أنْ يعودَ الضمير إلى الماء، وهو الظاهر؛ لقربه لفظاً ومعنَى - ومطابقةُ النظائر وانفكاكُ الضمائر لا بأسَ به إذا قام الدليلُ عليه - وحسنِ الملاءمة. وإذا كان للبلد، فالباءُ للظرفيَّة في الثاني، وللإلصاق في الأول؛ لأنَّ الإنزال ليس في البلد، بل المُنْزَل، وجوز الظرفية أيضاً، كما في: رميتُ الصيد في الحرم، على ما علمت فيما مرَّ. وإذا كان لغيره، فهي للسبيَّة، وتشملُ القريبة والبعيدة. ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ أي: من كلِّ أنواعها؛ لأنَّ الاستغراقَ غيرُ مراد ولا واقع، (١) في الصحاح (سحب). (٢) البحر المحيط ٣١٧/٤. (٣) ديوان الأعشى ص ١٠٩ . (٤) في معاني القرآن له ٣٤٥/٢. سُورَةُ الأَغَرَافِ ١٦٦ الآية : ٥٧ وهذا أبلغُ في إظهار القدرة المرادِ. وقيل: إنَّ الاستغراقَ عرفيٍّ، والظاهر أنَّ المرادَ التكثيرُ. وجَوَّزَ بعضهم أن تكون ((من)) للتبعيض، وأنْ تكونَ لتبيين الجنس. ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ﴾ إشارةٌ إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميت، أي: كما نحييه بإحداث القوى النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات، نخرجُ الموتى من الأرض ونحييها بِرَدّ النفوس إلى موادٌّ أبدانها بعد جمعِها وتطريتِها بالقوى والحواسِّ، كذا قالوا، وهو إشارةٌ - كما قيل - إلى طريقي القائلين بالمعاد الجسمانيّ؛ وهما إيجادُ البدن بعد عدمه، ثمَّ إحياؤه، وضمُّ بعض أجزائه إلى بعض على النمط السابق بعد تفرُّقها، ثم إحياؤه. واستُظهِر الأوَّل بأنَّ المتبادرَ من الآية كونُ التشبيه بين الإخراجين من كتم العدم. والثاني يحتاجُ إلى تمثّلِ تقديرِ الإحياء، واعتبارٍ جمع الأجزاء، مع أنَّه غيرُ معتَبرٍ في جانب المشبّه به. وجُوِّزَ أنْ يَرجع ما في الشقِّ الثاني من الإحياء بردِّ النفوس .. إلخ إلى الأول، وأنتَ تعلم أنَّه لا مانعَ من الإخراج من كتم العدم، وأدلَّة استحالةِ ذلك مما لا تقوم على ساق وقدم، إلَّا أنّ الأدلَّة النقليَّة على كلٍّ من الطريقين متجاذبةٌ، وإذا صحَّ القولُ بالمعاد الجسمانيِّ، فلا بأس بالقول بأيٌّ كان منهما . وكون إخراج الثمرات من كتم العدم قد لا يُسلَّم، فإنَّ لها أصلاً في الجملة، على أنَّ إخراجَ الموتى عند القائلين بالطريق الأول إعادةٌ، وليس إخراجُ الثمرات كذلك؛ إذْ لم يكن لها وجودٌ قبل، نعم كونُ الأظهر أنَّ التشبيهَ بين الإخراجين ممَّا لا مریةً فیه. وفي ((الخازن)): واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إنَّ الله تعالى كما يخلقُ النباتَ بواسطةٍ إنزال المطر، كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال المطر أيضاً، فقد روي عن أبي هريرة وابن عباس ◌ِّه، أنَّ الناس إذا ماتوا في النفخةِ الأولى مُطِر(١) عليهم ماءٌ من تحت العرش يُدعى ماءَ الحياة أربعينَ سنةً، فينبتونَ كما ينبتُ الزرع من الماء - وفي رواية: أربعين يوماً فينبتون في قبورهم نبات الزرع - حتى إذا (١) في (م): أمطر. الآية : ٥٨ ١٦٧ سُوَدَّةُ الأَغرافِ استكملت أجسادهم تُنفخ فيهم الروح، ثم يُلقى عليهم النوم، فينامون في قبورهم، فإذا نُفِخَ في الصور النفخة الثانية، عاشوا، ثم يحشرون من قبورهم، ويجدونَ طعمَ النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجدُ النائم حين يستيقظُ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَوَيِّنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنّ﴾ فيناديهم المنادي: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢](١). وأخرج غيرُ واحدٍ عن مجاهد أنَّه إذا أرادَ الله تعالى أنْ يُخرجَ الموتى أمطرَ السماء حتى تشقَّق عنهم الأرض، ثم يرسلُ سبحانه الأرواحَ، فتعودُ كلُّ روحٍ إلى جسدها، فكذلك يحيي الله تعالى الموتى بالمطر، كإحيائه الأرض (٢). وقيل: إنَّما وقع التشبيهُ بأصل الإحياء من غير اعتبارٍ كيفيَّةٍ، فيجبُ الإيمان به، ولا يلزمُنا البحثُ عن الكيفيَّة، ويفعلُ الله سبحانه ما يشاء. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ فتعلمونَ أنَّ من قَدَرَ على ذلك، فهو قادرٌ على هذا من غير شبهة. والأصل: تتذكَّرون، فطُرحت إحدى التاءين. والخطابُ قيل: للنّار مطلقاً. وقيل: لمنكري البعث. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيْبُ﴾ أي: الأرض الكريمةُ التربةِ التي لا سبِخةٌ ولا حرَّة، واستعمالُ البلد بمعنى القرية عرفٌ طارٍ، ومن قبيل ذلك إطلاقُه على مكّة المكرمة. ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِِّ﴾ بمشيئته وتيسيره، وهو في موضع الحال، والمرادُ بذلك أنْ يكون حسناً وافياً غزيرَ النفع؛ لكونه واقعاً في مقابلة قوله: ﴿وَلَّذِى خَبُثَ﴾ من البلاد كالسبخَة والحرَّة ﴿لَا يَخْرُ إلَّا نَكِدًا﴾ أي: قليلاً لا خيرَ فيه، ومن ذلك قوله : لا تنجزُ الوعدَ إِن وَعَدْتَ وإنْ أعطيتَ أعطيتَ تافهاً نَكِدا(٣) ونصبه على الحال، أو على أنَّه صفةُ مصدرٍ محذوف، وأصلُ الكلام: لا يخرجُ (١) تفسير الخازن ٢٤٣/٢-٢٤٤. (٢) أخرجه الطبري ٢٥٦/١٠، وابن أبي حاتم ١٥٠٣/٥. (٣) البيت دون نسبة في مجاز القرآن ٢١٧/١، وتفسير الطبري ٢٥٧/١٠، ولسان العرب (تفه). سُورَّةُ الأَغْرَافِ ١٦٨ الآية : ٥٨ نباته، فحُذفَ المضاف وأقيمَ المضاف إليه مقامَه(١)، فصارَ مرفوعاً مستتراً. وَجُوِّز أنْ يكون الأصل: ونباتُ الذي خبث. والتعبير أولاً بالطيِّب وثانياً بالذي خَبُثَ دون الخبيث؛ للإيذان بأنَّ أصلَ الأرض أنْ تكون طيِّةً منبتةً، وخلافُه طارٍ عارض. وقرئ: ((يُخْرَجُ نباتُه)) ببناء ((يخرج)) لما لم يسمَّ فاعلُه، ورفع ((نبات)) على النيابة عن الفاعل(٢). و: ((يُخرِج نباتَه)) ببناء ((يُخْرِج)) للفاعل من باب الإخراج، ونصب (نباتَه)) على المفعولية، والفاعل ضميرُ البلد(٣)، وقيل: ضمير الله تعالى، أو الماء. وكذا قُرِئ في ((يخرج)) المنفيّ(٤)، ونصبُ ((نكداً)) حينئذٍ على المفعوليَّة. وقرأ أبو جعفر: ((نَكَداً)) بفتحتين على زنة المصدر(٥)، وهو نصبٌ على الحال، أو على المصدريَّة، أي: ذا نَكَدٍ، أو: خروجاً نَكَداً. وقُرئ: ((نَكْداً)) بالإسكان للتخفيف(٦)، كـ : نَزْوٍ في قوله: فقال لي قولَ ذي رأيٍ ومقدرةٍ مجرّبٍ عاقلٍ نَزْوٍ عن الريب(٧) ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك التصريف البديع ﴿نُصَرِّفُ الْآَيَتِ﴾ أي: نردِّدُ الآيات الدالّة على القدرة الباهرة ونكرِّرها. وأصلُ التصريف: تبديل حالٍ بحال، ومنه تصريف الرياح. (١) في الأصل و(م): فحذف المضاف إليه وأقيم المضاف مقامه، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الكشاف ٢/ ٨٥، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٧٧/٤، وتفسير أبي السعود ٢٣٤/٣. (٢) البحر المحيط ٣١٩/٤. (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣٣/٢، والقراءات الشاذة ص ٤٤. (٤) أوردها العكبري في الإملاء ٢١/٣-٢٢، وذكرها صاحب النشر ٢/ ٢٧٠ من رواية الفضل عن ابن وردان عن أبي جعفر. وهي خلاف المشهور عن أبي جعفر. (٥) النشر ٢٧٠/٢. (٦) القراءات الشاذة ص ٤٤، والبحر المحيط ٣١٩/٤. (٧) اختلف في نسبة هذا البيت، قال عبد القادر البغدادي في الخزانة ٣٤٣/١ بعد أن ذكره ضمن قصيدة: وهذا الشعر قد نسب إلى عمرو بن معد يكرب، وللعباس بن مرداس، ولزرعة بن السائب، ولُفاف بن ندبة. اهـ. الآية : ٥٨ ١٦٩ سُورَّةُ الأَّغَافِ ٥٨ نِعَمَ الله تعالى، ومنها تصريفُ الآياتِ. وشكرُ ذلك ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ بالتفكر فيها والاعتبار بها، وخصَّ الشاكرين لأنَّهم المنتفعون بذلك. وقال الطيبي: ذكرُ ((لقومٍ يشكرون)) بعد ((لعلكم تذكّرون)) من باب الترقي؛ لأنَّ من تذكَّر آلاءَ الله تعالى عرفّ حقَّ النعمة فشكر، وهذا - كما قال غيرُ واحد - مثلٌ لمن ينجعُ فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثِّر فيه شيءٌ من ذلك. أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس أنَّ قوله سبحانه وتعالى: ((والبلد الطيب)) إلخ مثلٌ ضربَه الله تعالى للمؤمن(١)، يقول: هو طيِّبٌ وعملُه طيب، و((الذي خَبُث)» إلخ مَثلٌ للكافر، يقول: هو خبيثٌ وعمله خبيث(٢). وأخرج ابنُ جرير عن مجاهد: أنَّ هذا مثلٌ ضربَه الله تعالى لآدمَ عليه السلام وذريَّته كلِّهم، إنَّما خُلقوا من نفسٍ واحدةٍ، فمنهم من آمن بالله تعالى وكتابه، فطابَ، ومنهم من كفرَ بالله تعالى وكتابه، فخَبُث(٣). أخرج أحمد والشيخان والنسائيُّ عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّه: ((مَثَلُ ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمَثَلِ غيثٍ أصابَ أرضاً، فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ قبلت الماءَ، فأنبتت الكلأ والعشبَ الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكت الماء، فنفعَ الله تعالى بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصابَ منها أخرى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمسكُ ماءً، ولا تنبتُ كلاً، فذلك مَثَلُ مَن فَقِهَ في دين الله تعالى، ونفعَه ما بعثني الله تعالى به، فعَلِمَ وعلَّم، ومَثَلُ مَن لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى اللهِ تعالى الذي أُرسِلت به)) (٤). وإيثارُ خصوص التمثيل بالأرض الطيبة والخبيثة استطرادٌ عَقيبَ ذكر المطر وإنزالِهِ بالبلد، وموازنةٌ بين الرحمتين، كما في ((الكشف))، ولقربه من الاعتراض (١) في (م): للمؤمنين. (٢) نسبه السيوطي في الدر المنثور لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري ١٠/ ٢٥٨ وابن أبي حاتم ١٥٠٣/٥ - ١٥٠٤. (٣) تفسير الطبري ٢٥٩/١٠ -٢٦٠. (٤) مسند أحمد (١٩٥٧٣)، وصحيح البخاري (٧٩)، وصحيح مسلم (٢٢٨٢)، والسنن الكبرى للنسائي (٥٨١٢). سُؤَدَّةُ الأَغَرَافِ ١٧٠ الآية : ٥٩ جيء بالواو في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وفيه إشارةٌ إلى معنى ما ورد في ((صحيح مسلم)) عن عياض المجاشعيّ ◌َظُبه، أنَّ رسولَ الله وَ لِّ قال في خطبته عن الله عزَّ وجلّ: ((إني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنَّهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم))(١) . وفي ((صحيح البخاريّ)) عن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: ((ما من مولودٍ إلَّا يولدُ على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصرانه))(٢). ووجهُ الإشارة قد مرَّت الإشارة إليه. ثمَّ إنه سبحانه وتعالى عقَّبَ ذلك بما يحقّقُه ويقرِّره من قصص الأمم الخالية والقرون الماضية، وفي ذلك أيضاً تسليةٌ لرسوله عليه الصلاة والسلام، فقال جلَّ شأنه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهو جوابُ قَسم محذوف، أي: والله لقد أرسلنا .. إلخ، واطّرد استعمالُ هذه اللام مع قد في الماضي - على ما قاله الزمخشريُ(٣) - وقلَّ الاكتفاءُ بها وحدها، نحو قوله: لنَاموا فما إنْ من حديثٍ ولاصالي(٤) حلفتُ لها بالله حَلْفَةَ فاجرٍ والسرُّ في ذلك أنَّ الجملةَ القسميَّةَ لا تُساقُ إلَّا تأكيداً للجملة المقسَم عليها التي هي جوابُها، فكانت مظنَّةً لتوقُّع المخاطب حصولَ المقسم عليه؛ لأنَّ القسمَ دلَّ على الاهتمام، فناسبَ ذلك إدخالَ قد، ونُقِل عن النحاة أنَهم قالوا: إذا كان جوابُ القسم ماضياً مثبتاً متصرِّفاً؛ فإمّا أنْ يكون قريباً من الحال، فيؤتى بقد، وإلَّا أتيت(٥) باللام وحدها، فجوَّزوا الوجهين باعتبارين. (١) صحيح مسلم (٢٨٦٥) واجتالتهم: أي استخفَّتهم فجالوا معهم في الضلال. النهاية (جول). (٢) صحيح البخاري (١٣٨٥)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٦٥٨)، وسلف ١٤٢/٤. (٣) في الكشاف ١٤٨/٢ . (٤) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٣٢. قال شارحه: الفاجر هنا الكاذب، والصالي: الذي يصطلي بالنار. يقول: لما خوَّفَتْني من السُّمَّار أقسمت لها كاذباً أنْ ليس منهم أحدٌ إلا نائماً . (٥) في الأصل و(م): أثبت. والمثبت من حاشية الخفاجي ١٧٨/٤، والدر المصون ٣٥٣/٥، وانظر البحر المحيط ٣٢٠/٤. الآية : ٥٩ ١٧١ سُورَّةُ الْأَّغرافِ ولم يُؤْتَ هنا بعاطفٍ وأَتَيَ به في ((هود)) و((المؤمنين)) - على ما قال الكرمانيُّ - التقدُّم ذكر نوح صريحاً في ((هود)»، وضمناً في ((المؤمنين))، حيثُ ذُكِر فيها قبلُ: ﴿وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [الآية: ٢٢]، وهو عليه السلام أوَّل من صنعَها، بخلاف ما هنا . ونوح بن لمك بفتحتين - وقيل: بفتح فسكون، وقيل: مَلْكان، بميم مفتوحة ولام ساكنة ونون آخره. وقيل: لامك كهاجر - بن مُتَوشْلخ بضمِّ الميم وفتح التاء الفوقية والواو وسكون الشين المعجمة، على وزن المفعول، كما ضبطه غيرُ واحد. وقيل: هو (١) بفتح الميم وضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة وسكون الواو ولام مفتوحة وخاءٍ معجمة، ابنُ أخنوخ، بهمزةٍ مفتوحة أوَّله وخاءٍ معجمةٍ ساكنة ونونٍ مضمومة وواو ساكنة وخاء أيضاً، ومعناه في تلك اللغة على ما قيل: القراء. وقيل: خنوخ بإسقاط الهمزة. وهو إدريس عليه السلام. أخرج ابنُ إسحاق(٢) وابن عساكر عن ابن عباس ﴿ما قال: بُعثَ نوحٌ عليه السلام في الألف الثاني، وإنَّ آدم عليه السلام لم يمت حتى وُلِد له نوحٌ في آخر الألف الأول. وأخرجا(٣) عن مقاتل وجويبر أنَّ آدم عليه السلام حين كبر ودقَّ عظمه(٤) قال: يا رب إلى متى أكدُّ وأسعى؟ قال: يا آدم حتى يولد لك ولدٌ مختون، فولدَ له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذٍ ابن ألف سنةٍ إلَّا ستين عاماً. وبعث - على ما روي عن ابن عباس - على رأس أربع مئة سنة، وقال مقاتل: وهو ابنُ مئة سنة. وقيل: وهو ابنُ خمسين سنة. وقيل: وهو ابنُ مئتين وخمسين (١) ليست في (م). (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: إسحاق بن بشر، كما في الدر المنثور ٩٤/٣ وعنه نقل المصنف، وقد أخرجه من طريقه ابن عساكر في تاريخه ٢٤٣/٦٢. وإسحاق بن بشر هو صاحب كتاب ((المبتدأ)) كذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك. توفي سنة ست ومئتين. ينظر لسان الميزان ٢/ ٤٤ . (٣) أي: إسحاق بن بشر وابن عساكر، كما في الدر المنثور ٩٤/٣. وهو في تاريخ دمشق ٢٤٢/٦٢. (٤) في تاريخ دمشق والدر المنثور: ورقَّ عظمه. سُورَةُ الأَّغَافِ ١٧٢ الآية : ٥٩ سنة، ومكث يدعو قومه تسعَ مئةٍ وخمسينَ سنة، وعاش بعد الطوفان مئتين وخمسين، فكان عمره ألفاً وأربعَ مئةٍ وخمسين سنة. وبُعثَ - كما رَوى ابن أبي حاتم وابنُ عساكر عن قتادة - من الجزيرة(١). وهو أوَّل نبيِّ عَذَّب الله تعالى قومَه؛ وقد لقيَ منهم ما لم يلقَه نبيُّ من الأنبياء عليهم السلام. واختلف في عموم بعثته عليه السلام ابتداءً، مع الاتِّفاق على عمومها انتهاءً، حيثُ لم يبقَ بعد الطوفان سوى من كان معه في السفينة، ولا يقدحُ القولُ بالعموم في كون ذلك من خواصِّ نبينا وَّر؛ لأنَّ ما هو من خواصِّه عليه الصلاة والسلام عمومُ البعثة لكافَّة الثقلين، الجنِّ والإنس، وذلك مجمعٌ عليه معلومٌ من الدين بالضرورة، فيكفَّر منكره، بل وكذا الملائكة كما رجحه جمعٌ محقِّقون، كالسبكي ومن تبعهُ، وردُّوا على من خالف ذلك. وصريحُ آية ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] إذ العالم ما سوى الله تعالى، وخبرُ مسلم: ((وأرسلتُ إلى الخلق كافة))(٢) = يؤيِّدُ ذلك، بل قال البارزي: إنه ◌َِّ أرسل حتى للجمادات بعدَ جعلها مدركة. وفائدةُ الإرسالِ للمعصوم وغيرِ المكلَّف طلبُ إذعانهما لشرفِه، ودخولهما تحتَ دعوته وأتباعِه؛ تشريفاً على سائر المرسلين، ولا كذلك بعثة نوح عليه السلام. والفرق مثل الصبح ظاهر. وهو - كما في القاموس (٣) - اسم أعجميٍّ صُرِف لحقّته. وجاء عن ابن عباس وعكرمة وجويبر ومقاتل أنَّه عليه السلام إنَّما سُمِّيَ نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه. واختُلِف في سبب ذلك؛ فقيل: هو دعوتُه على قومه بالهلاك. وقيل: مراجعته ربَّه في شأن ابنه كنعان. (١) الدر المنثور ٣/ ٩٤، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٥٠٤/٥ (٨٦٢٣). (٢) صحيح مسلم (٥٢٣): (٥) من حديث أبي هريرة ة عَنْه . (٣) مادة (نوح). الآية : ٥٩ ١٧٣ سُوَرَّةُ الأَّغَرَافِ وقيل: إنَّه مرَّ بكلبٍ مجزوم، فقال له: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: أَعِبْتَني أم عبت الكلب؟ وقيل: هو إصرارُ قومه على الكفر، فكان كلَّما دعاهم وأعرضُوا بكى وناحَ علیهم. قيل: وكان اسمه قبلُ: السكن، لسكون الناس إليه بعدَ آدم عليه السلام. وقيل: عبد الجبار. وأنا لا أعوِّل على شيءٍ من هذه الأخبار، والمعوَّل عليه عندي ما هو الظاهرُ من أنَّه اسمٌ وُضِع له حين ولد، وليس مشتقًّا من النياحة، وأنَّه كما قال صاحب ((القاموس)». ﴿فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي: وحده، وترك التقييد به؛ للإيذان بأنَّها العبادة حقيقةً، وأمَّا العبادة مع الإشراك فَكَلًا عبادة، ولدلالة قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ﴾ أي: مستحقٌّ للعبادة ﴿غَيْرُهُ﴾ عليه، وهو استئنافٌ مسوقٌ لتعليل العبادة المذكورة، أو الأمرِ بها، و((من)) صلة و((غير)) بالرفع - وهي قراءة الجمهور - صفةٌ ((إله)) أو بدلٌ منه، باعتبار محلِّه الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية. وقرأ الكسائيُّ بالجرِّ(١) باعتبار لفظه، وقُرِئ شاذاً بالنصب على الاستثناء(٢)، وحُكم ((غير)) - كما في ((المفضَّل))(٣) - حكمُ الاسم الواقع بعدَ إلَّا، وهو المشهورُ، أي: ما لكم إلهٌ إلَّا إِيَّاه، كقولك: ما في الدار أحدٌ إلَّا زيداً، و: غيرَ زيد. و((إله)) إن جُعل مبتدأ فـ ((لكم)) خبرُه، أو خبره محذوفٌ، و(لكم)) للتخصيص والتبيين، أي: ما لكم في الوجود - أو في العالم - إلهٌ غيرُ الله تعالى. ﴿إِنّ ◌َغَفُ عَلَيَّكُمْ﴾ إنْ لم تعبدوا حسبما أمرت به. وتقدير: إن لم تؤمنوا؛ لما أنَّ عبادتَه سبحانه وتعالى تستلزمُ الإيمان به، وهو أهمُّ أنواعها. وإنَّما قال عليه السلام: ((أخاف)) ولم يقطع؛ حنوّاً عليهم، واستجلاباً لهم بلطف. (١) حيث وقع، كما في التيسير ص ١١٠، والنشر ٢/ ٢٧٠، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر من العشرة. (٢) القراءات الشاذة ص ٤٤، والبحر المحيط ٣٢٠/٤. (٣) ٢/ ٨٧ (شرح المفصل لابن يعيش). سُورَةُ الَّغَرَافِ ١٧٤ الآية : ٦٠ - ٦١ ﴾ هو يوم القيامة، أو يوم الطوفان؛ لأنَّه أعلم بوقوعه ٥٩٦ وَعَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إن لم يمتثلوا، والجملةُ - كما قال شيخ الإسلام(١) - تعليلٌ للعبادة ببيان الصارفِ عن تركها إثرَ تعليلها ببيان الداعي إليها، ووصف اليوم بالعِظَم (٢)؛ لبيان عِظَم ما يقع فیه وتکمیل الإنذار. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ=﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأً من حكاية قوله عليه السلام ونصحِه لقومه، كأنَّه قيل: فماذا قالوا بعدَ ما قيل لهم ذلك؟ فقيل: قال .. إلخ. و ((الملأ)) على ما قاله الفراء (٣): الجماعة من الرجال خاصَّةً، وفسَّره غيرُ واحدٍ بالأشراف الذين يملؤون القلوبَ بجلالهم، والأبصارَ بجمالهم؛ والمجالسَ باتباعهم. وقيل: سمُّوا ملاً؛ لأنهم مليُّون قادرونَ على ما يُرَادُ منهم من كفاية الأمور. ﴿إِنَّا لَرَكَ فِ ضَلَلٍ﴾ أي: ذهابٍ عن طريق الحق. والرؤيةُ قلبيَّةٌ، ومفعولاها الضميرُ والظرف، وقيل: بصريَّةٌ. فيكونُ الظرف في موضع الحال. أي: بِّنِ کونُه ضلالاً . ﴿مُبِینٍ ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ على طرز سابقه ﴿يَقَوْمِ﴾ ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لهم نحو الحقِّ ﴿لَيْسَ بِ ضَلَلَةٌ﴾ نفيٌ للضَّلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه، فإنَّ التاءَ للمرَّة؛ لأنَّ مقام المبالغة في الجواب لقولهم الأحمق يقتضي ذلك، والوحدةُ المستفادة منه باعتبار أقلِّ ما ينطلق، فيرجعُ حاصل المعنى: ليس بي أقلُّ قليلٍ من الضلال فَضْلاً عن الضلال المبين، وما يتخايل من أنَّ نفيَ الماهية أبلغُ - فإنَّ نَفيَّ الشيء مع قيد الوحدة قد يكونُ بانتفاء الوحدة إلى الكثرة - مضمحلٌّ بما حُقِّقَ أنَّ الوحدةَ ليست صفةً مقيِّدة، بل اللفظُ موضوعٌ للجزءِ الأقل؛ وهو الواحدُ المتحقِّق مع الكثرة ودونَها، على أنَّ ملاحظةَ قيد الوحدة في العامٌّ في سياق النفي مدفوعٌ، وكفاكَ: لا رجل شاهداً. فإنَّه موضوعٌ للواحد من الجنس، وبذلك فُرِّقَ بينه وبين (١) في إرشاد العقل السليم ٢٣٥/٤. (٢) في الأصل: بالعظيم. (٣) في معاني القرآن له ٣٨٣/١. الآية : ٦١ ١٧٥ سُوَدَّةُ الَّغْرَافِ أسامة، فإذا وقعَ عامًّا لا يلحظ ذلك، ولو سَلم جوازُ أنْ يقال: ليس به ضلالة، أي: ضلالةٌ واحدة، بل ضلالاتٌ متنوعة ابتداءً؛ لكن لا يجوزُ في مقام المقابلة، كما نحن فيه. قاله في ((الكشف)). وبه يندفعُ ما أورد على ((الكشاف)) في هذا المقام. وفي ((المثل السائر))(١): الأسماء المفردةُ الواقعةُ على الجنس التي تكون بينها وبين واحدها تاءُ التأنيث متى أريد النفيُ كان استعمالُ واحِدها أبلغ، ومتى أريدَ الإثباتُ كان استعمالُها أبلغ، كما في هذه الآية. ولا يظنُّ أنَّه لما كان الضَّلالُ والضَّلالةُ مصدرين من قولك: ضلَّ يضلُّ ضلالاً وضلالةً، كان القولان سواء؛ لأنَّ الضلالةَ هنا ليست عبارةً عن المصدر، بل عن المرَّة، والنفي كما علمت. وإنَّما بالغَ عليه السلام في النفي؛ لمبالغتهم في الإثبات، حيث جعلوه - وحاشاه ـ مستقرّاً في الضلال الواضح كونُه ضلالاً . وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ استداركٌ على ما قبلَه رافعٌ لما يُتوهم منه، وذلك ـ على ما قيل - أنَّ القومَ لمَّا أثبتوا له الضلال أرادوا به: تركَ دين الآباء ودعوى الرسالة، فحين نَفَى الضلالةَ تُوهِّمَ منه أنَّه على دين آبائه وتَركَ دعوى الرسالة، فوقع الإخبار بأنَّه رسولٌ وثابتٌ على الصراط المستقيم استدراكاً لذلك. وقيل: هو استدراكٌ ممَّا قبله باعتبار ما يستلزمُه من كونه في أقصى مراتب الهداية، فإنَّ رسالتَه من ربِّ العالمين مستلزمةٌ له لا محالة، كأنه قيل: ليس بي شيءٌ من الضلالة، لكنِّي في الغاية القاصية من الهداية. وحاصلُ ذلك - على ما قرَّرهُ الطيبيّ - أنَّ (لكن)) حقُّها أن تتوسّط بين كلامين متغايرين نفياً وإثباتاً، والتغايرُ هنا حاصلٌ من حيث المعنى، كما في قولك: جاءني زيدٌ لكنَّ عمراً غاب، وفائدةُ العدول عن الظاهر إرادةُ المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك. وسلكَ طريق الإطناب، لأنَّ هذا الاستدراكَ زيادةٌ على الجواب، إذ قوله: ((ليس بي ضلالة)) كان كافياً فيه، فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلَّص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنويّ؛ (١) ٣٤/٢. سُؤَدَّةُ الأَغْرَافِ ١٧٦ الآية : ٦١ لأنَّه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى، فلمَّا أرادَ إثباتَ الرسالة لم يتمكّن؛ لما اعترضوا عليه من قولهم: ((إنَّا لنراكَ في ضلالٍ مبين))، فانتهزَ الفرصة وأدمجَ مقصوده في الجواب على أحسن وجه، حيثُ أخرجه مخرجَ الملاطفة والكلام المنصف، يعني: دعوا نسبةَ الضلال إليَّ، وانظروا ما هو أهمُّ لكم؛ من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول ربِّ العالمين، ألا ترى أنَّ صالحاً عليه السلام لمَّا لم يعترضوا عليه، عقَّبَ بإثبات الرسالة إثباتَ التوحيد؛ ففي هذه الآيةِ خمسةٌ من أنواع البديع، فإذا اقتضى المقامُ هذا الإطنابَ، كان الاقتصارُ على العبارة الموجزة تقصيراً. انتهى. ولا يخفى أنَّ هذا الاستدراك غيرُ الاستدراك بالمعنى المشهور، وقد ذكر غيرُ واحدٍ من علماء العربية أنَّ الاستدراك في ((لكنَّ)) أن تَنسبَ لمَا بعدها حكماً مخالفاً لما قبلَها، سواءٌ تَغايرا إثباتاً ونفياً أو لا، وفسَّرهُ صاحب ((البسيط))(١) وجماعةٌ برفع ما تُوهِّم ثبوتُه. وتمامُ الكلام فيه في ((المغني)»(٢) . واعتبارُ اللازم لتحصيل الاستدراك بالمعنى الثاني ممَّا لا يكادُ يُقبل؛ لأنَّه لا يَذهبُ وهمُ واهم من نفي الضلالة إلى نفي الهداية، حتى يحتاجَ إلى تداركه. ووجَّهه بعضُهم من دون اعتبار اللازم بأنَّه عليه السلام لمَّا نفى الضلالةَ عن نفسه، فربَّما يتوهّم المخاطبُ انتفاء الرسالة أيضاً، كما انتفى الضلالة، فاستدركه بـ (لكنّ))، كما في قولك: زيدٌ ليس بفقيهٍ لكنَّه طبيب. وأنت تعلمُ أنَّ هذا إن لم يرجع إلى ما قُرِّر أولاً فليس بشيء. وقيل: إنه إذا انتفَى أحدُ المتقابلين يسبقُ الوهمُ إلى انتفاء المقابل الآخر، لا إلى انتفاء الأمور التي لا تعلّقَ لها به، ولهذا يُؤَوَّلُ ما وقع في معرض الاستدراك بما يقابل الضلال مثلاً، يقال: زيدٌ ليس بقائم لكنَّه قاعد. ولا يقال: لكنَّه شاربٌ، إلا بعدَ التأويل بأنَّ الشاربَ يكون قاعداً . (١) هو الإمام العالم ضياء الدين أبو عبد الله، محمد بن علي الإشبيلي، ويعرف بابن العلج، وكان ممن أقام باليمن، البحر المحيط ٤٧/٨، وسلف ذكره ٣٩/٢، وسيأتي اسمه بتمامه عند تفسير الآية (٢١) من سورة الجاثية. (٢) مغني اللبيب ص ٣٨٣. الآية : ٦٢ ١٧٧ سُورَةُ الأَشْرَافِ وقال بعضُ فضلاء الروم: النظرُ الصائبُ في هذا الاستدراكِ أنْ يكون مثلَ قوله: بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائب(١) ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم وقوله : هو البدرُ إلَّا أنه البحرُ زاخراً سوى أنَّه الضرغامُ لكنَّه الوبل(٢) كأنه قيل: ليس بي ضلالةٌ وعيبٌ سوى أنِّي رسولٌ من ربِّ العالمين. وأنت تعلم أنَّ هذا النوعَ يُقال له عندهم: تأكيدُ المدح بما يشبه الذمَّ، وهو قسمان: ما يستثنى فيه من صفة ذمِّ منفيَّةٍ عن الشيء صفةٌ مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها في صفة الذمِّ المنفيَّة، وما يثبتُ فيه لشيءٍ صفةُ مدحٌّ، ويتعقَّبُ ذلك بأداة استثناء يليها صفةٌ مدح أخرى لذلك. والظاهر أنَّ ما في الأَيةِ من القِسم الأوَّل، إلَّا أنه غيرُ غنيٍّ عن التأويل. فتأمل. و (من)) فيها لابتداء الغاية مجازاً، متعلِّقةٌ بمحذوف وقع صفةً لـ ((رسول)) مؤكِّدةً ما يفيدُه التنوين من الفخامة الذاتيّة، كأنه قيل: إنِّي رسولٌ وأيُّ رسولٍ کائن من رب العالمين. ﴿أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير رسالته، وتفصيلٍ أحكامها وأحوالها. وجوَّزَ أبو البقاء(٣) وغيره أن يكون صفةً أخرى لـ ((رسول)) على المعنى؛ لأنه عبارةٌ عن الضمير في ((إِنِّي))، وهذا كقول عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه حين بارزَ مرحباً اليهوديّ يوم خيبر: أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدرَه كليثِ غاباتٍ كريهِ المَنْظَرِه أُوفيهمُ بالصاع كيلَ السَّندره(٤) (١) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١١، وقد سلف ٥/ ٤٠٧. (٢) هو لبديع الزمان الهمذاني، كما في يتيمة الدهر ٣٤٤/٤، ومعاهد التنصيص ١١١/٣، وورد دون نسبة في مفتاح العلوم للسكاكي ص ٤٢٧ . (٣) في الإملاء ١٢٣/٣. (٤) ورد هذا الرجز في قصة غزوة ذي قرد في صحيح مسلم (١٨٠٧)، وسلف الأول منه ٢٨٧/٢. سُورَةُ الأَغَرَافِ ١٧٨ الآية : ٦٢ حيث لم يقل: سمته؛ حملاً له على المعنى، لأمن اللبس. وأوجبَ بعضهم الحملَ على الاستئناف؛ زعماً منه أنَّ ما ذكر قبيحٌ، حتى قال المازنيُّ: لولا شهرتُه لرددته. وتعقّب ذلك الشهاب(١) بأنَّ ما ذكره المازني في صلة الموصول لا في وصف النكرة، فإنَّه واردٌ في القرآن مثل: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، وقد صُرِّحَ بحسنه في كتب النحو والمعاني، على أنَّ ما ذكره في الصلة أيضاً مردودٌ عند المحققين وإن تبعه فيه ابنُ جني، حتى استرذلَ قول المتنبي: أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي (٢) وفي ((الانتصاف))(٣) أنَّه حسنٌ في الاستعمال، وكلام أبي الحسن أصدقُ شاهدٍ على ما قال، وعلى حُسْنٍ كلام ابن الحسين(٤)، وهذا - كما قال الشهاب - إذا لم يكن الضمير مؤخّراً، نحو: الذي قَرى الضيوفَ أنا، أو كان للتشبيه، نحو: أنا في الشجاعة الذي قتل مرحباً . وقرأ أبو عمرو: ((أبْلِغُكم)) بتسكين الباء وتخفيف اللام(٥)، من الإبلاغ. وجمعَ الرسالات - مع أنَّ رسالةَ كلِّ نبيِّ واحدة، وهو مصدر والأصلُ فيه أنْ لا يجمع - رعايةً لاختلاف أوقاتها، أو تنوُّع معاني ما أُرسِل عليه السلام به، أو أنَّه أرادَ رسالته ورسالةَ غيره ممَّن قبلَه من الأنبياء، كإدريس عليه السلام، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفةً، وشيث عليه السلام، وقد أُنزِل عليه خمسون صحيفة. ووضْعُ الظاهِرِ موضع الضمير، وتخصيصُ ربوبيَّته تعالى له (٦) عليه السلام بعد (١) في حاشيته على البيضاوي ٤/ ١٨٠ . (٢) ديوان المتنبي ٨٣/٤، وعجزه: وأسمعت كلماتي من به صمم وانظر المحتسب لابن جني ٣٧٥/٣. (٣) ٢/ ٨٥. (٤) جاء في هامش الأصل: أبو أحمد المتنبي. اهـ منه والصواب: أبو الطيب، واسمه أحمد بن الحسين . (٥) التيسير ص ١١١، والنشر ٢٧٠/٢. (٦) في تفسير أبي السعود ٢٣٦/٤ - والكلام منه -: به. الآية : ٦٢ ١٧٩ سُوَّةُ الأَغْرَافِ بيان عمومها للعالمين؛ للإشعار بعلَّة الحكم الذي هو تبليغُ رسالته تعالى إليهم، فإنَّ ربوبيَّته تعالى له من موجباتِ امتثاله بأمره تعالى بتبليغ رسالته. ﴿وَأَصَحُ لَكُمْ﴾ أي: أتحرَّى ما فيه صلاحُكم بناءً على أنَّ النصح تحرِّي ذلك قولاً أو فعلاً. وقيل: هو تعريفُ وجه المصلحة، مع خلوص النية من شوائب المكروه. والمعنى هنا: أبلغكم أوامرَ الله تعالى ونواهيه، وأرغِّبكم في قبولها، وأحذِّركم عقابَه إن عصيتموه. وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحتُ العسلَ، إذا خلَّصته من الشمع، ويقال: هو مأخوذ من: نصحَ الرجلُ ثوبَه، إذا خاطه، شبَّهوا فعلَ الناصح فيما يتحرَّاه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسدُّ من خلل الثوب، وقد يستعملُ لخلوصِ المحبَّة للمنصوحِ له، والتحرِّي فيما يستدعيه حقُّه، وعلى ذلك حُمِل ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداريّ أن رسول الله وَ له قال: ((إنَّ الدين النصيحة)) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))(١). ويقال: نصحتُه ونصحتُ له، كما يقال: شكرتُه وشكرت له. قيل: وجيء باللام هنا؛ ليدلَّ الكلامُ على أنَّ الغرض ليس غيرَ النصح، وليس النصحُ لغيرهم، بمعنى أنَّ نفعَه يعودُ عليهم، لا عليه عليه السلام، كقوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ (٢) مِنْ أَجْرٍ﴾ [سبأ: ٤٧] وهذا مبنيٌّ على أنَّ اللامَ للاختصاص لا زائدة، وظاهرُ كلام البعض يُشعرُ بأنَّها مع ذلك زائدة. وفيه خفاء. وصيغةُ المضارع للدلالة على تجدُّد نصحه عليه السلام لهم، كما يفصح عنه قوله: ﴿رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْىِ لَيْلًا وَنهارًا﴾ [نوح: ٥]. عطفٌ على ما قبله، وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنََ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ وتقريرٌ لرسالته عليه السلام، أي: أعلم من قِبَله تعالى بالوحي أشياءَ لا علمَ لكم بها من الأمور الآتية؛ فـ ((من)) لابتداء الغاية مجازاً، أو: أعلمُ من شؤونه (١) صحيح مسلم (٥٥)، وسنن أبي داود (٤٩٤٤)، وسنن النسائي ((المجتبى)) ١٥٦/٧ - ١٥٧. (٢) بعدها في الأصل و(م): عليه. انظر حاشية الخفاجي ٤/ ١٨٠ وعنه نقل المصنف. سُوَدَّةُ الأَّغْرَافِ ١٨٠ الآية : ٦٣ عزَّ وجلَّ وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدِّق برسله ما لا تعلمونه؛ فـ ((من)) إمَّا للتبعيض، أو بيانية لـ ((ما))، ولا بدَّ في الوجهين من تقدير المضاف. قيل: كانوا لم يسمعوا بقوم حلَّ بهم العذاب قبلَهم، فكانوا آمنين غافلين، لا يعلمونَ ما علمه نوح عليه السلام، فهم أوَّلُ قومٍ عُذُّبوا على كفرهم. ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّنْ زَيِّكُمْ﴾ ردٌّ لما هو منشأٌ لقولهم: ((إنَّا لنراكَ في ضلالٍ مبين))، والاستفهامُ للإنكار، أي: لِمَ كان ذلك ولا داعي له؟ والواو للعطف على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام، ويُقَدَّر عند الزمخشريِّ وأتباعِه بين الهمزة وواو العطف، كأنَّه قيل: أَستبعدتم وعجبتم(١). ومذهبُ سيبويه والجمهور أنَّ الهمزةَ من جملةِ أجزاء المعطوف، إلّا أنَّها قُدِّمت على العاطف تنبيهاً على أصالتها في التصدير (٢). وضُعِّفَ قولُ الأوَّلين بما فيه من التكلُّفِ(٣)؛ لدعوى حذفِ الجملة، فإنْ قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال: إنَّه أسهل منه؛ لأنَّ المتجوَّز فيه أقلُّ لفظاً، وفيه تنبيهٌ على أصالة شيءٍ في شيءٍ(٤)، وبأنَّه غيرُ مطَّردٍ في نحو: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِرُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ وتحقيقه في محلِّه. و((أن جاءكم)) بتقدير: بأن؛ لأنَّ الفعلَ السابق يتعدّى بها . والمراد بالذِّكر ما أُرسل به، كما قيل للقرآن ذِكر، ويفسَّر بالموعظة. و(من)) للابتداء، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((جاء))، أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً لـ ((ذكر))، أي: ذكرٌ كائنٌ من مالك أموركم ومربِّیکم . ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، تعرفون مولده ومنشأه، أو: من جنسكم. فـ (من)) تبعيضية أو بيانية، كما قيل. و((على)) متعلِّقة بـ ((جاء)) بتقدير مضاف، أي: على يد أو لسان رجلٍ منكم، أي: بواسطته. وقيل: ((على)) بمعنى ((مع))، فلا حاجةً (١) الكشاف ٨٦/٢، وتفسير أبي السعود ٢٣٦/٤، وقدره البيضاوي: أكذَّبتم وعجبتم. (٢) ينظر الكتاب ١٨٧/٣-١٨٨، ومغني اللبيب ص ٢٢-٢٣، والبحر المحيط ٣٢٢/٤. (٣) في الأصل: التكليف، والمثبت من (م) وهو الموافق لمغني اللبيب ص ٢٣، وعنه نقل المصنف . (٤) أي: أصالة الهمزة في التصدير. مغني اللبيب ص ٢٣.