النص المفهرس

صفحات 121-140

الآية : ٤٩
١٢١
سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
وقرئ: ((تستكثرون)) من الكثرة (١)، و((ما)) على هذه القراءة تَحتملُ أنْ تكونَ
اسم موصول، على معنى: ما أغنى عنكم أتباعكم والذي كنتم تستكثرونه من
الأموال.
ويحتمل عندي أن تكون في القراءة السبعية كذلك(٢)، والمراد بها حينئذ
الأصنام، ومعنى استكبارِهم إِيَّها: اعتقادُهم عظمَها وكبرها، أي: ما أغنى عنكم
جمعُكم وأصنامكم التي كنتم تعتقدونَ كبرَها وعظمها .
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ من تتمة قولهم للرجال، فهو في
محل نصب مفعول القول أيضاً، أي: قالوا: ما أغنى، وقالوا: أهؤلاء.
والإشارةُ إلى ضعفاء أهل الجنَّة الذين كان الكفرة يحتقرونَهم في الدنيا،
ويحلفونَ أنَّهم لا يصيبُهم اللهُ تعالى برحمةٍ وخير، ولا يدخلُهم الجنَّة، كسلمان
وصهيب وبلال ، أو يفعلون ما ينبىءُ عن ذلك، كما قيل ذلك في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
من كلام أصحاب الأعراف
٤٩
﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَّحْزَنُونَ
أيضاً، أي: فالْتَفَتُّوا إلى أولئك المشارِ إليهم من أهل الجنَّة، وقالوا لهم: دُوموا في
الجنَّة غيرَ خائفين ولا محزونين، على أكمل سرورٍ وأتمٍّ كرامة.
وقيل: هو أمرٌ بأصل الدخول بناءً على أن يكون كونُهم على الأعراف وقولُهم
هذا قبلَ دخول بعض أهل الجنَّةِ الجنَّةَ.
وقال غير واحد: إنَّ قوله سبحانه: ((أهؤلاء)) إلخ استئنافٌ، وليس من تتمَّة قول
أصحاب الأعراف، والمشارُ إليهم أهلُ الجنَّة، والقائلُ هو الله تعالى، أو بعضُ
الملائكة، والمقول له أهل النار في قول.
وقيل: المشارُ إليهم هم أهل الأعراف، وهم القائلون أيضاً، والمقولُ لهم أهل
النار. و((ادخلوا الجنَّة)) من قول أهل الأعراف أيضاً، أي: يرجعون فيخاطبُ
بعضُهم بعضاً، ويقول: ادخلوا الجنَّة. ولا يخفى بعدُه.
(١) الكشاف ٨٢/٢، والبحر المحيط ٣٠٣/٤.
(٢) أي: أن تكون ((ما)) موصولة.

سُورَةُ الْأَّغَافِ
١٢٢
الآية : ٥٠
وقيل: لمَّا عَيَّرَ أصحابُ الأعراف أصحابَ النار أقسمَ أصحابُ النار أنَّ
أصحابَ الأعراف لا يدخلونَ الجنَّة، فقال الله تعالى أو بعضُ الملائكة خطاباً لأهل
النار: ((أهؤلاء الذين أقْسَمتُم لا ينالُهم الله برحمة)) اليوم، مشيراً إلى أصحاب
الأعراف، ثمَّ وُجِّه الخطابُ إليهم فقيل: ((ادخلوا الجنَّة)) إلخ.
وقرئ: ((أُدْخِلوا)) و((دَخَلو)) (١) بالمزيد المجهول، وبالمجرَّد المعلوم، وعليهما
فلا بدَّ أنْ يكون ((لا خوفٌ عليكم)) إلخ مقولاً لقولٍ محذوف وقع حالاً؛ ليتَّجه
الخطاب ويرتبطَ الكلام، أي: أُدْخِلوا أو دَخَلوا الجنَّة مقولاً لهم: لا خوفٌ .. إلخ.
وقُرِئَ أيضاً: (أَدْخِلوا))(٢) بأمر المزيد للملائكة، والظاهرُ أنَّها تحتاجُ إلى زيادة
تقدیر.
﴿وَنَدَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ بعد أن استقرَّ بكلِّ من الفريقين القرارُ،
واطمأنَّتْ به الدار ﴿أَنْ أَفِيضُواْ﴾ أي: صبُّوا ﴿عَلَيَّنَا﴾ شيئاً ﴿مِنَ الْمَآءِ﴾ نستعينُ به
على ما نحن فيه. وظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ الجنَّة فوقَ النار.
﴿أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللّهُ﴾ أي: أو من الذي رزقَكُموه الله تعالى من سائر الأشربة؛
ليُلائم الإفاضة. أو من الأطعمة، كما رُوي عن السُّدِّيِّ وابن زيد. ويقدَّرُ في
المعطوف عاملٌ يناسبه، أو يؤوَّل العامل الأوَّل بما يلائم المتعاطفين، أو يضمَّن
ما يعملُ في الثاني، أو يجعل ذلك من المشاكلة، ويكون في الآية دليلٌ على نهاية
عطشهم وشدَّةِ جوعهم، وأنَّ ما هم فيه من العذاب لا يمنعُهم عن طلب أكلٍ
وشرابٍ. وبهذا ردَّ موسى الكاظم عظَّه - فيما يُروَى - على هارون الرشيد إنكارَه
أكلَ أهل المحشر، محتجًّاً بأنَّ ما هم فيه أقوى مانعٍ لهم عن ذلك(٣).
واختلف العلماءُ في أنَّ هذا السؤال هل كان مع رجاء الحصول، أو مع اليأس
منه حيث عَرفوا دوامَ ما هم فيه؟ وإلى كلِّ ذهبَ بعضُ.
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٨/٢، والمحتسب ٢٤٩/١.
(٢) البحر المحيط ٤/ ٣٠٤.
(٣) لم أقف عليها بهذا السياق، وأخرج القصة الفاكهيُّ في أخبار مكة (١٣٥٦)، ومن طريقه ابن
عساكر في تاريخ دمشق ٢٧٩/٥٤، ولكن وقع عندهما أن القصة جرت بين هشام بن
عبد الملك ومحمد بن علي بن الحسين ٨/ ١٢٧ .

الآية : ٥١
١٢٣
سُوَرَّةُ الأَشْرَافِ
﴿قَالُواْ﴾ استئنافُ مبنيٌّ على السؤال؛ كأنَّه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا في
أي: منع كلَّا منهما، أو منعَهما
جوابهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ
مَنْعَ المحرَّم عن المكلَّف، فلا سبيل إلى ذلك قطعاً، ولا يحملُ التحريمُ على معناه
الشائع؛ لأنَّ الدارَ ليست بدار تكليف.
﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾ الذي أمرهم الله تعالى به، أو الذي يلزمهم التديُّن به
﴿لَهْوَّا وَلَعِبًّ﴾ فلم يتديَّنوا به، أو فحرَّموا ما شاؤوا واستحلَّوا ما شاؤوا، واللهو
- كما قيل - صرفُ الهمِّ إلى ما لا يحسنُ أنْ يصرف إليه، واللعبُ طلبُ الفرحِ
بما لا يحسنُ أن يُطلب، وقد تقدم تفصيل الكلام فيهما، فتذكر.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ شغلتهم بزخارِفِها العاجلة ومواعيدِها الباطلة، وهذا
شأنُها مع أهلها قاتلها الله تعالى، تَغُرُّ وتَضرُّ وتَمرُّ.
﴿فَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعلَ الناسي بالمنسيِّ من عدم الاعتدادِ بهم وتركهم
في النار تركاً كُلِّيّاً، فالكلامُ خارجٌ مخرجَ التمثيل، وقد جاء النسيانُ بمعنى الترك
كثيراً، ويصحُّ أنْ يفسَّر به هنا، فيكون استعارةً أو مجازاً مرسلاً .
وعن مجاهد أنَّه قال: المعنى نؤخِّرهم في النار، وعليه فالظاهر أنَّ (ننساهم))
من النسءٍ لا من النسيان.
والفاء في قوله تعالى: ((فاليوم)) فصيحة، وقوله عزَّ وعلا: ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ
يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ قيل: في محلِّ النصب على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: ننساهم
نسياناً مثلَ نسيانهم لقاءَ هذا اليوم العظيم الذي لا ينبغي أن يُنسى، وليس الكلامُ
على حقيقته أيضاً؛ لأنَّهم لم يكونوا ذاكري ذلك حتى ينسَوه، بل شَبَّه عدمَ إخطارهم
يومَ القيامة بيالهم، وعدمَ استعدادهم له بحالِ مَن عرفَ شيئاً ثم نسيه.
وعن ابن عباس ومجاهد والحسن أنَّ المعنى: كما نسُوا العملَ للقاءِ يومهم
هذا. وليس هذا التقديرُ ضروريّاً كما لا يخفى.
وذهب غيرُ واحدٍ إلى أن الكاف للتعليل، متعلِّقٌ بما عنده، لا للتشبيه، إذ يَمنعُ
لأنَّه عطفٌ على ((ما نسوا))،
٥١
منه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ بِئَايَظِنَا يَجْحَدُونَ
وهو يستدعي أنْ يكون مشبَّهاً به النسيانُ مثله، وتشبيهُ النسيان بالجحود غيرُ ظاهر،

سُوَدَّةُ الأَّغَافِ
١٢٤
الآية : ٥٢
ومن ادَّعاه قال: المرادُ: نتركهم في النار تركاً مستمرّاً كما كانوا منكرين أنَّ الآيات
من عند الله تعالى إنكاراً مستمرّاً .
وقال القطب: الجحودُ في معنى النسيان، وظاهرُ كلام كثيرٍ من المفسِّرين أنَّ
كلامَ أهل الجنَّة إلى ((وغرتهم الحياة الدنيا))، لا ((إنَّ الله حَرَّمهما على الكافرين))
فقط. وقال بعضُهم: إنَّه ذلك لا غير، وعليه فيجوزُ أنْ يكون ((الذين) مبتدأ، وجملةُ
((اليومَ ننساهم)) خبرُه، والفاء فيه مثلُها في قولك: الذي يأتيني فله درهم، كما قيل.
﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ يَكِنٍَ فَضَّلْنَهُ﴾ بيَّنًا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ
مفصّلةً، والضميرُ للكفرة قاطبةً، وقيل: لهم وللمؤمنين، والمراد بالكتاب الجنس.
وقيل: للمعاصرين من الكفرة، أو منهم ومن المؤمنين، والكتابُ هو القرآن،
وتنوينه للتفخيم. وقد نَظم بعضُهم ما اشتمل عليه من الأنواع بقوله :
بشيرٌ نذيرٌ قصَّةٌ عظةٌ مَثَلْ (١)
حلالٌ حرامٌ محكمٌ متشابهٌ
والمراد منعُ الخلوِّ كما لا يخفى.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ منا بوجهٍ تفصيله، وهو في موضع الحال من فاعل («فصَّلناه))،
وتفكيره للتعظيم، أي: عالمين على أكمل وجه بذلك حتى جاء حكيماً متقناً.
وفي هذا - كما قيل - دليلٌ على أنَّه سبحانه يعلمُ بصفةٍ زائدةٍ على الذات، وهي
صفةُ العلم، وليس علمُه سبحانه عينَ ذاته، كما يقولُه الفلاسفة ومن ضاهاهم،
وللمناقشة فيه مجال.
ويجوزُ أنْ يكون في موضع الحال من المفعول، أي مشتملاً على علمٍ كثير.
وقرأ ابنُ محيصن: ((فضلناه)) بالضاد المعجمة(٢). وظاهرُ كلام البعض أنَّ
الجارَّ والمجرور على هذه القراءة في موضع الحال من الفاعل، ولا يُجعلُ حالاً
من المفعول، أي: فضَّلناه على سائر الكتب عالمين بأنَّه حقيقٌ بذلك. وجَوَّزَ
بعضُهم أن يُجعل حالاً من المفعول على نحو ما مرَّ. وقيل: إنَّ ((على)) للتعليل،
(١) ذكره دون نسبة الإمام الجمل في الفتوحات الإلهية ١٤٨/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٤، والبحر المحيط ٣٠٦/٤، وزاد أبو حيان نسبته للجحدري.

الآية : ٥٣
١٢٥
سُوَرَّةُ الَّغَرَافِ
كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهي متعلِّقةٌ
بـ («فضَّلناه)) أي: فضَّلناه على سائرِ الكتب لأجلِ علم فيه، أي: لاشتماله على علم
لم يشتمل عليه غيرُه منها .
وقيل: إنَّ ((على)) في القراءتين متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعول ((جئناهم))
أي: جئناهم بذلك حالَ كونهم من ذوي العلم القابلينَ لفهم ما جئناهم به. فتأمَّل.
﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ حالٌ من مفعول ((فصلناه)»، وجُوِّزَ أنْ يكون مفعولاً لأجله،
وأن يكون حالاً من الكتاب؛ لتخصيصه بالوصف، والكلامُ في وقوع مثل ذلك
حالاً مشهور.
وقُرِئ بالجرِّ على البدليَّة من ((علم))، وبالرفع على إضمار المبتدأ(١)، أي: هو
هدّى عظيمٌ ورحمةٌ كذلك.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ لأنَّهم المقتبسونَ من أنواره، المنتفعونَ بِنُؤَّاره.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرُ هؤلاء الكفرةُ بعدم إيمانهم به شيئاً ﴿إِلَّا تَأْوِيٌَّ﴾
أي: عاقبتَه، وما يؤول إليه أمرُه من تبيُّن صدقِه بظهورٍ ما أخبر به من الوعد
والوعيد، والمرادُ أنَّهم بمنزلةِ المنتظرين وفي حكمهم، من حيثُ أنَّ ما ذُكِر يأتيهم
لا محالة. وحينئذٍ فلا يقال: كيف ينتظرونَه وهم جاحدونَ غيرُ متوقِّعين له.
وقيل: إنَّ فيهم أقواماً يشُون ويتوقعون، فالكلامُ من قبيل: بنو فلانٍ قتلوا
زيداً.
يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ وهو يومُ القيامة، وقيل: هو ويومُ بدر ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾
أي: تركوه تركَ المنسيِّ، فأعرضوا عنه، ولم يعملوا به ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل
إتيان تأويله ﴿قَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: قد تبيَّن أنَّهم قد جاؤوا بالحقِّ، وإنَّما
فُسِّر بذلك لأَنَّه الواقع هناك، ولأنه الذي يترتَّب عليه طلبُ الشفاعة المفهومُ من
قوله سبحانه: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاةَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ اليوم، ويدفعوا عنَّا ما نحنُ فيه ﴿أَوْ
نُرَّةٌ﴾ عطف على الجملة قبلَه، داخلٌ معه في حكم الاستفهام، و((من)) مزيدةٌ في
المبتدأ، وجُوِّزَ أن تكون مزيدةً في الفاعل بالظرف، كأنَّه قيل: هل لنا من شفعاءَ أو
(١) البحر المحيط ٣٠٦/٤.

سُوَدَةُ الأَّْرَافِ
١٢٦
الآية : ٥٣
هل نردُّ إلى الدنيا؟ ورافعُه وقوعُه موقعاً يصلحُ للاسم، كما تقول ابتداءً: هل
يضرب زيدٌ، ولا يطلبُ له فعلٌ آخر يُعطف عليه، فلا يقدَّر: هل يشفع لنا شافعٌ أو
نردُّ؛ قاله الزمخشريُّ(١). وأرادَ - كما في ((الكشف)) -: لفظاً؛ لأنَّ الظرفَ مقدَّرٌ
بجملةٍ، و((هل)) ممَّا له اختصاصٌ بالفعل، والعدولُ للدَّلالة على أنَّ تمنِّي الشفيع
أصلٌ، وتمنِّي الردِّ فرعٌ؛ لأنَّ تركَ الفعل إلى الاسم مع استدعاء ((هل)) للفعل يفيدُ
ذلك، فلو قُدِّر لَفاتتْ نكتةُ العدولِ معنّى، مع الغنى عنه لفظاً.
وقرأ ابن أبي إسحاق: ((أو نردًّ)) بالنصب(٢)، عطفاً على ((فيشفعوا لنا))
المنصوب في جواب الاستفهام، أو لأنَّ (أو)) بمعنى: إلى أنْ، أو: حتى أنْ، على
ما اختاره الزمخشريُّ إظهاراً لمعنى السبيَّة. قال القاضي(٣): فعلى الرفع المسؤولُ
أحدُ الأمرين: الشفاعةُ، والردُّ إلى الدنيا، وعلى النصب المسؤول أنْ يكونَ لهم
شفعاء؛ إمَّا لأحدِ الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم والردِّ، إنْ كانت ((أو))
عاطفةً، وإمَّا لأمرٍ واحدٍ إذا كانت بمعنى: إلى أن؛ إذ معناه حينئذٍ: يشفعونَ إلى
الردِّ، وكذا إذا كانت بمعنى: حتى أن، أي: يشفعون حتى يحصلَ الردُّ.
﴿فَعَمَلَ﴾ بالنصب جوابُ الاستفهام الثاني، أو معطوفٌ على ((نردّ)) مسبَّبٌ عنه
على قراءة ابن أبي إسحاق.
وقرأ الحسنُ بنصب ((نردّ) ورفع (نعمل))(٤)، أي: فنحن نعمل.
﴿ِغَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أي: في الدنيا من الشرك والمعصية.
﴿قَدْ خَسِرُوّاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بصرف أعمارهم التي هي رأسُ مالهم إلى الشرك
أي: الذين كانوا
(٥٣)
والمعاصي ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غاب وفُقد ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (
يفترونه من الأصنام شركاء لله سبحانه وشفعاءهم يوم القيامة؛ والمراد أنَّه ظهرَ
بطلانُه، ولم يفدهم شيئاً .
(١) في الكشاف ٢/ ٨٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٤٤، والمحتسب ٢٥١/١.
(٣) هو البيضاوي، ينظر تفسيره مع حاشية الشهاب ١٧٣٫٤ .
(٤) الكشاف ٨٢/٢، والبحر المحيط ٣٠٦/٤ نقلاً عن الكشاف.

التفسير الإشاري (١٩-٥٣)
١٢٧
سُوَّةُ الْأَّغَرَافِ
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿ وَبَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ أي: النفس، وسُميت
حواء لملازمتها الجسم الظلمانيّ، إذ الحُوَّةُ اللونُ الذي يغلبُ عليه السواد.
وبعضهم يجعلُ ((آدم)) إشارة إلى القلب؛ لأنَّه من الأُدمة، وهي السمرة، وهو لتعلُّقه
بالجسم دونَ النفس سُمِّيَ بذلك، ولشرفِ آدم عليه السلام وجَّه النداءَ إليه، وزوجُه
تبعٌ له في السُّكنی.
﴿الْجَنَّةِ﴾، هي عندهم إشارةٌ إلى سماءِ عالم الأرواح التي هي روضة القدس.
﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ لا حجرَ عليكما في تَلقِّي المعاني والمعارف والحكم؛
التي هي الأقوات القلبيَّةُ والفواكهُ الروحانيَّةُ.
﴿وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي: شجرةَ الطبيعة والهوى التي بحضرتكما ﴿فَتَكُونَا مِنَ
اُلَّلِينَ﴾ الواضعين النور في محلِّ الظَّلمة، أو الناقصين من نورِ استعدادكما.
وأوَّلَ بعضُهم الشجرةَ بشجرة المحبَّة المورقة بأنواع المحنة، أي: لا تقرباها
فتَظلِما أنفسَكما؛ لِمَا فيها من احتراقِ أنانية المحبِّ، وفناءِ هويَّته في هويّة
المحبوب، ثم قال: إنَّ هذه الشجرة غرسَها الرحمن بيده لآدم عليه السلام،
کما خمّر طينته بيده لها .
فلم تكُ تصلحُ إلَّا له ولم يكُ يصلحُ إلَّا لها(١)
وإنَّ المنع كان تحريضاً على تناولها، فالمرءُ حريصٌ على ما مُنع، واختار هذا
النيسابوريُّ وتكلَّفَ في باقي الآية ما تكلّف، فإنْ أردتَه فارجع إليه(٢).
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُدْرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَتِهِمَا﴾ أي: ليُظهرَ لهما
بالميل إلى شجرةٍ الطبيعة ما حُجب عنهما عندَ التجرُّدِ من الأمور الرذيلة التي هي
عوراتٌ عند العقل.
﴿وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْخَلِينَ﴾ أوهَمهما
أنَّ في الاتِّصافِ بالطبيعة الجسمانيَّة لذَّاتٍ ملكيةً، وخلوداً فيها، أو مُلْكاً ورِياسةً على
القوى بغير زوال؛ إنْ قُرِئ: ((ملكين)) بكسر اللام.
(١) هو لأبي العتاهية. انظر ديوانه (التكملة) ص ٦١٢ .
(٢) غرائب القرآن ٨/ ٩٤.

سُؤَدَّةُ الأَغَرَافِ
١٢٨
التفسير الإشاري (١٩-٥٣)
﴿فَدَلَّهُمَا﴾ فنزَّلهما من غُرَف القدس إلى التعلُّق بها والركون إليها ﴿بِغُرُورٍ﴾
بما غرَّهما من كأسِ القَسَم المترعَةِ من حُمِيًّا ذكرِ الحبيب.
﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ والقليلُ منها بالنسبة إليهما كثيرٌ ﴿وَطَفِقًا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ﴾ أي: يكتمانِ هاتيكَ السوآت والفواحش الطبيعيَّة
بالآدابِ الحسنة والعادات الجميلة التي هي من تفاريع الآراءِ العقليَّة ومستنبطاتٍ
القوَّةِ العاقلةِ العلميَّة، ويخفيانِها بالحيلِ العملية .
﴿وَنَادَنُهُمَا رَبُّهُمَا أَمْ أَنْهَكُمَا﴾ بما أودعتُ في عقولكما من الميلِ إلى التجرُّد
وإدراكِ المعقولات ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌ مُِّينٌ﴾ وذلك
القولُ بما أُلهم العقلُ من منافاة أحكام الوهم، ومضادَّةٍ مدركاته، والوقوفٍ على
مخالفاته ومکابراته إيَّاه.
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ بالميل إلى جهة الطبيعةِ، وانطفاءِ نورِها، وانكسارِ قوَّتها
﴿وَإِن لَّوْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ بإلباسِنا الأنوارَ الروحانيَّة، وإفاضتِها علينا ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ بإفاضةٍ
المعارفِ الحقيقيّة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ الذين أتلفوا الاستعدادَ الذي هو مادَّةُ
السعادة، وحُرِموا عن الكمالِ التجرُّدِيِّ بملازمة النقصِ الطبيعيّ.
﴿قَالَ أَهْبِطُواْ﴾ إلى الجهة السفلى التي هي العالم الجسمانيُّ ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌ﴾ لأنَّ مطالبَ الجهةِ السفليَّةِ جزئيَّةٌ لا تحتملُ الشركة، فكلَّما حظيَ(١) بها أحدٌ
حُرِمِ منها غيرُه، فيقعُ بينهما العداوةُ والبغضاء، بخلافِ المطالب الكليّة.
وجَمعَ الخطاب؛ لأنَّه في قوّةِ خطاب النوع.
﴿يَقِيَ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ وهو لباسُ الشريعة ﴿يُوَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ يسترُ قبائحَ
أوصافكم وفواحشَ أفعالكم بشعارِه ودثاره ﴿وَرِيثًا﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر
والباطن تمتازونَ به عن سائرِ الحيوانات.
﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾ أي: صفةُ الورع والحذر من صفات النفس ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ من
سائر أركانِ الشرائع، والحِميةُ رأسُ الدواء.
(١) في الأصل: خطى.

التفسير الإشاري (١٩-٥٣)
١٢٩
سُورَةُ الْأَّغَرَافِ
ويقال: لباس التقوى هو لباسُ القلبِ والروح، والسرِّ والخفيّ؛ ولباسُ الأول
منها: الصدقُ في طلب المولى، ويَتوارى به سوءةُ الطمع في الدنيا وما فيها.
ولباسُ الثاني محبَّةُ ذي المجد الأسنى، ويتوارى به سوءةُ التعلَّق بالسوى. ولباسُ
الثالثِ رؤيةُ العَليِّ الأعلى، ويَتوارى به سوءةُ رؤيةٍ غيره في الأُولى والأُخرى.
ولباسُ الرابع: البقاءُ بهويَّة ذي القدس الأسنى، ويَتوارى به سوءةُ هويَّة ما في
السماوات وما في الأرض وما تحت الثرى.
قيل: وهذا إشارةٌ إلى الحقيقة، وربَّما يقال: اللباسُ المواري للسوآت إشارةٌ
إلى الشريعة، والريشُ إشارةٌ إلى الطريقة؛ لما أنَّ مدارَها على حُسن الأخلاق،
وبذلك يتزيَّنُ الإنسان، ولباسُ التقوى إشارةٌ إلى الحقيقة؛ لما فيها من ترك السِّوى،
وهو أكملُ أنواع التقوى.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: لباسُ التقوى ﴿مِنْ ءَايَتِ اللَّهُ﴾ أي: من أنوارٍ صفاته سبحانه؛ إذ
التَّوَقي من صفات النفس لا يتيسرُ إلا بظهورٍ تجليات صفاتِ الحقِّ. أو إنزالُ
الشريعةِ والحقيقةِ مما يدلُّ على الله سبحانه وتعالى.
((لعلَّكم تذكرون))(١) عند ظهورِ تلكَ الأنوار لباسَكم الأصليَّ النوريَّ، أو
تذكرونَ معرفتكم له عند أخذِ العهد، فتتمسّكون بأذيالها اليوم.
﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْنِنَنَّكُ الشَّيْطَنُ﴾ بنزع لباسِ الشريعة والتقوى، فتحرمُوا من
دخولِ الجنَّة ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا﴾ الفطريَّ النوريَّ.
﴿إِنَّهُ, يَرَّنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ وذلك بمقتضى البشريَّة، وقد يرونَ
بواسطة النورِ الربانيِّ.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، وهو الصراط المستقيم ﴿وَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ﴾
أي: ذواتكم بمنعِها عن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
أي: مقام سجودٍ، أو وقته. والسجودُ عندهم - كما قاله البعضُ - أربعةُ أقسام:
سجودُ الانقياد والطاعة، وإقامةُ الوجه عنده بالإخلاص، وتركِ الالتفاتِ إلَى
السِّوى، ومراعاةِ موافقةِ الأمر، وصدقِ النّيَّة، والامتناع عن المخالفة في جميع
(١) كذا في الأصل و(م). ونصُّ الآية: ((لعلّهم يذكرون)).

سُورَةُ الأَّغْرَافِ
١٣٠
التفسير الإشاري (١٩ -٥٣)
الأمور. وسجودُ الفناء في الأفعال، وإقامةُ الوجه عنده بأنْ لا يرى مؤثِّراً غير الله
تعالى أصلاً. وسجودُ الفناء في الصفات وإقامةُ الوجه عنده؛ بأنْ لا يَكره شيئاً،
من غير أن يميلَ إلى الإفراط بترك الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولا التفريط بالتسخُّط على المخالفِ، والتعبير له، والاستخفافِ به. وسجودُ
الفناء في الذات، وإقامةُ الوجه عندَه بالغَيبة عن البقيَّة، والانطماسِ بالكليَّة،
والامتناع عن إثبات الأنيَّة والإثنينية؛ فلا يَطغى بحجاب الأنيَّة، ولا يتزندقُ
بالإباحة وتركِ الطاعة(١).
﴿وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ بتخصيص العمل لله تعالى، أو برؤية العمل منه، أو
به جلَّ شأنه ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ أظهرَكم بإفاضة هذه التَعيّنات عليكم ﴿تَعُوُدُونَ﴾ إليه، أو
كما بدأكم لطفاً أو قهراً تعودونَ إليه، فيعاملكم حسبما بدأكم.
﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ كما ثبتَ ذلك في علمه ﴿إِنَّهُمُ أَخَذُواْ
الشَّيَطِينَ﴾ من القوى النفسانيَّة الوهمية والتخيليَّة ﴿أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ للمناسبة التامَّة
بين الفريقين ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لقوَّة سلطان الوهم.
﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فأخلصوا العملَ لله تعالى، وتوگَّلوا عليه،
وقوموا بحقِّ الرِّضا وتمكَّنوا في التحقُّق بالحقيقة ومراعاة حقوق الاستقامة، ولكلِّ
مقام مقال. ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ بالإفراط والتفريط، فإنَّ العدالةَ صراط الله
تعالى المستقيم.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ أي: منعَ عنها وقال: لا يمكن التزين
بها ﴿وَالطَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ كعلوم الإخلاص، ومقام التوكُّل والرِّضا والتمكين ﴿قُلّ
هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةُ يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ﴾ الكبرى عن التلوُّن وظهورِ شيءٍ من
بقايا الأفعال والصفات والذات.
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ﴾ رذائل القوة البهيميَّة ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِنَّمَ
وَالْبَغَىَ﴾ رذائل القوة السبعيَّة ﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
نَعَلَمُونَ﴾ رذائل القوّة النطقيَّة، وكلُّ ذلك من موانع الزينة.
(١) في (م): الإطاعة.

التفسير الإشاري (١٩-٥٣)
١٣١
سُورَةُ الأَغْرَافِي
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ ينتهون عنده إلى مبدئهم ﴿فَإِذَا جَآَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِعُونَ﴾ لأنَّ وقوعَ ما يخالفُ العلم محالٌ.
﴿وَفِىّ ءَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ من جنسِكُم، وقيل: هي العقول. وقال
النيسابوريُّ: التأويل: إمَّا يأتينكم إلهاماتٌ من طريقِ قلوبكم وأسراركم، وفيه أنَّ
بني آدم كلَّهم مستعدُّون لإشارات الحقِّ وإلهاماته(١).
﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ في الفناء ﴿وَأَصْلِحْ﴾ بالاستقامةِ عند البقاء ﴿فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ لوصولهم إلى مقامِ الولاية.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾ أخفَوا صفاتِنا بصفات أنفسهم ﴿وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾
بالانِّصاف بالرذائل ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ نارِ الحرمان ﴿هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾ لسوءِ
ما طُبعوا عليه .
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ قال: أكرمني اللهُ تعالى بالكرامات،
وهو الذي بالكرى مات ﴿أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهُ﴾ بأنْ أنكرَ على أولياءِ الله سبحانه،
الفائزينَ من الله تعالى بالحظّ الأوفى ﴿أُوْلَكَ يَنَالَهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ﴾ ممَّا كتبَ
لهم في لوح القضاء والقدر.
وقيل: الكتابُ الإنسانُ الكامل، ونصيبُهم منه نصيبُ الغرض من السهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا﴾ الدالَّة علينا ﴿وَأَسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ ولم يلتفتُوا إليها؛
الوقوفِهم مع أنفسهم ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّماءِ﴾، فلا تعرجُ أرواحهم إلى الملكوت ﴿وَلَا
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي: جنَّة المعرفة والمشاهدة والقربة ﴿حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ أي: جمل
أنفسِهم المستكبرة ﴿فى سَمِّ الْخِيَالِطِ﴾ أي: خياط أحكام الشريعة الذي به يُخاط
ما شقّته يدُ الشقاق، وسَمُّه آداب الطريقة؛ لأنَّها دقيقةٌ جدًّا.
وقد يقال: الخياطُ إشارةٌ إلى خياط الشريعة والطريقة، وسَمُّه ما يلزمُه العمل به
من ذلك، وولوجُ ذلكَ الجمل لا يمكنُ مع الاستكبارِ، بل لابدَّ من الخضوعِ
والانقياد وترك الحظوظ النفسانيَّة، وحينئذٍ يكونُ الجملُ أقلّ من البعوضة، بل أدقّ
من الشعرةٍ، فحينئذٍ يلجُ في ذلك السَّمِّ.
(١) غرائب القرآن ١٢٦/٨.

سُؤَدَّةُ الأَغَرَافِ
١٣٢
التفسير الإشاري (١٩- ٥٣)
﴿لَّمْ مِّن جَهََّ﴾ الحرمان ﴿مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ أي: إنَّ الحرمانَ أحاطَ
بهم.
وقيل: لهم من جهنم المجاهدةِ والرياضة فراشٌ، ومن فوقهم من مخالفاتٍ
النفس وقطع الھوی لحافٌ، فتذیبُهم وتحرق أنانیتهم.
﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ المرحومون ﴿أَصْحَبَ النَّارِ﴾ المحرومون(١) ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا
وَعَدَنَا رََّا﴾ من القربِ ﴿حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من البعد ﴿حَقًّا قَالُواْ نَعَمَّ فَأَذَّنَ
مُؤَذِّنٌ﴾ وهو مؤذِّنُ العزَّةِ والعظمة ﴿بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِينَ﴾ الواضعين الشيءَ
في غير موضعه.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ السالكين ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: الطريق الموصلة إليه سبحانه.
وقيل: يصدُّونَ القلب والروح عن ذلك ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ بأنْ يصفوها بما ينفِّر
السالكَ عنها من الزيغ والميل عن الحقِّ. وقيل: يطلبونَ صرفَ وجوههم إلى
الدنيا وما فيها .
﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ﴾ أي: الفناء بالله تعالى، أو بالقيامة الكبرى ﴿كَفِرُونَ﴾ لمزيد
احتجابهم بما هم فيه.
﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي: بين أهل الجنَّة، وهي جنَّةُ ثوابِ الأعمال من العباد والزمَّاد،
وبين أهل النار ﴿حَجَائٍ﴾، فكلٌّ منهم محجوبٌ عن صاحبه.
﴿وَعَلَى الْأَغْرَافِ﴾ أي: أعالي ذلك الحجاب الذي هو حجابُ القلب ﴿رِجَالٌ﴾
وأيُّ رجالٍ، وهم العرفاء أهلُ الله سبحانه وخاصته.
قيل: وإنَّما سُمُّوا رجالاً لأنَّهم يتصرَّفون بإذن الله تعالى فيما سواه عزَّ وجلَّ
تصرُّفَ الرجال بالنساء، ولا يتصرَّفُ فيهم شيءٌ من ذلك.
﴿يَعرِفُونَ كُلّ ◌ِسِيمَنْهُمَّ﴾ لما أُعطوا من نور الفراسة.
﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَّةِ﴾ أي: جنة ثوابِ الأعمال ﴿أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ بما مَنَّ الله تعالى
عليكم به من الخلاصٍ من النار.
(١) كذا في الأصل و(م). والجادة: المحرومين.

التفسير الإشاري (١٩-٥٣)
١٣٣
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وقيل: إنَّ سلامَهم على أهل الجنَّة بإمدادهم بأسباب التزكية والتخلية، والأنوارِ
القلبيّة، وإفاضة الخيرات والبركات عليهم.
وَلَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ أي: لم يدخل أولئك الرجال الجنَّة؛ لعدم احتياجهم إليها ﴿رَهُمْ
يَطْمَعُونَ﴾ في كلِّ وقتٍ بما هو أعلى وأغلى.
وقيل: هم - أي أهلُ الجنَّة - يطمعونَ في دخول أولئك الرجال ليقتبسُوا من
نورِهم، ويستضيؤوا بأشغَّة وجوهِهم، ويستأنسوا بحضورهم.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَعَْبِ النَّارِ﴾ ليعتبروا ﴿قَالُواْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾
بأنْ تحفظَ قلوبنا من الزيع.
﴿وَدَ أَصَْبُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ من رؤساء أهل النار، وإطلاقُ الرجال عليهم وعلى
أصحاب الأعراف كإطلاق المسيح على الدجال اللعين، وعلى عيسى عليه السلام.
﴿أَهَؤُلَاءٍ﴾ إشارةٌ إلى أهل الجنَّة.
﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ﴾ أي: الحياة التي أنتم
فيها ﴿أَوْ مِنَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: النعيم الذي مَنَّ الله تعالى به عليكم، أو أفيضُوا
علينا من العلم أو العمل؛ لنتنال به ما نلتم.
﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرََّهُمَا﴾ في الأزل ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ لسوءِ استعدادهم. وقيل:
إنَّ الكفارَ لمَّا كانوا عبيدَ البطون، حِراصاً على الطعام والشراب، فماتُوا على
ما عاشوا، وحُشروا وأدخِلوا النَّار على ما ماتوا، طلبوا الماءَ أو الطعام.
﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ﴾ وهو النبيُّ ◌َِّ الجامعُ لكلِّ شيءٍ، والمظهرُ الأعظمُ لنا
﴿فَصَّلْتَهُ﴾ أي: أظهرنا منه ما أظهرنا ﴿عَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم
المنتفعون منه، وإن كان من جهةٍ أخرى رحمةً للعالمين.
﴿هَلْ يَتُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَّةٌ﴾ أي: ما يَؤول إليه عاقبةُ أمره.
وقيل: الكتابُ الذي فُصِّل على علم إشارةٌ إلى البدن الإنسانيِّ المفضَّلِ إلى
أعضاءٍ وجوارحَ وآلاتٍ وحواسَّ تَصلُح للاستكمال على ما يقتضيه العلمُ الإلهيُّ،

سُورَةُ الأَغْرَافِ
١٣٤
الآية : ٥٤
وتأويلُه ما يؤول إليه أمرُه في العاقبة من الانقلابِ، إلّا ما لا يصلحُ لذلك عند
البعث من هيئاتٍ وصورٍ وأشكالٍ تناسبُ صفاتِهم وعقائدهم، على مقتضى قوله
سبحانه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وكما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧] انتهى.
ويحتملُ أنْ يكونَ الكتابُ المذكورُ إشارةً إلى الآفاق والأنفس، وما يؤول إليه
كلٌّ ظاهرٌ. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ شروعٌ في بيان مبدأ
الفطرة إثر بيان معاد الكفَرة، ويحتملُ أنَّه سبحانه لمَّا ذكر حال الكفّار وأشار إلى
عبادتهم غيرَه سبحانه، احتجَّ عليهم بمقدوراته ومصنوعاته جلَّ شأنه، ودلَّهم بذلك
على أنَّه لا معبودَ سواه، فقال مخاطباً بالخطاب العام: ((إنَّ ربكم)) أي: خالقكم
ومالككم ((الذي خلقَ السماوات)) السبع ((والأرض) بما فيها، كما يدلُّ عليه ما في
سورة السجدة على ما يأتي إن شاءَ الله تعالى تحقيقُه ((في ستة)) أوقات كقوله تعالى:
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] أو في مقدارِ ستّة أيام، كقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ
رِزْقُّهُمْ فِيَهَا بُكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، فإنَّ المتعارفَ أنَّ اليومَ من طلوع الشمس إلى
غروبها، ولم تكنْ هي حينئذٍ.
نعم العرشُ - وهو المحدَّد على المشهور - موجودٌ إذ ذاك على ما يدلُّ عليه
بعض الآيات، وليس بقديمٍ كما يقول من ضلَّ عن الصراط المستقيم، لكن ذاك
ليس نافعاً في تحقّق اليوم العرفي. وإلى حَمْلِ اليوم على المتعارف وتقدير المضاف
ذهبَ جمعٌ من العلماء، واذَّعَوا - وهو قول عبد الله بن سلام وكعب الأحبار
والضَّخَّاك ومجاهد واختاره ابنُ جرير الطبري(١) - أنَّ ابتداءَ الخلق كان يومَ الأحد،
ولم يكن في السبت خلقٌ؛ أخذاً له من السبت بمعنى القطع؛ لقطع الخلق فيه،
ولتمام الخلق في يوم الجمعة واجتماعه فيه سُمِّي بذلك.
(١) في تفسيره ٢٤٥/١٠.

الآية : ٥٤
١٣٥
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وأخرج ابن أبي حاتم وغيرُه عن ابن عباس أنَّه سمَّى تلك الأيام بأبو جاد
وهوَّاز وحِّي وكلمون وسعفص وقريشات(١) .
وقال محمد بن إسحاق وغيره: إنَّ ابتداء الخلق في يوم السبت، وسُمَِّ سبتاً
لقطع بعض خلق الأرض فيه، على ما قال ابن الأنباريّ، أو لما أنَّ الأمرَ كأنَّه قُطِع
وشُرِع فيه على ما قيل. واستُدِلَّ لهذا القول بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة
قال: أخذ رسول الله وَله بيدي فقال: ((خلق الله تعالى التربةَ يوم السبت، وخلقَ
فيها الجبال يوم الأحد، وخلقَ الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء،
وخلق النورَ يوم الأربعاء، وخلق فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر
من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر
إلى الليل)»(٢).
ولا يخفى أنَّ هذا الخبر مخالفٌ للآية الكريمة، فهو إمَّا غيرُ صحيح وإنْ رواه
مسلم، وإمَّا مؤوَّل.
وأنا أرى أنَّ أوَّل يوم وقعَ فيه الخلقُ يقال له: الأحد، وثاني يومٍ: الإثنين،
وهكذا، ويوم جمع فيه الخلقَ: الجمعة، فافهم.
وإلى حَمْلِه على اللغوي وعدم التقدير ذهبَ آخرون وقالوا: كان مقدارُ كلِّ یوم
ألفَ سنة، ورُوي ذلك عن زيد بن أرقم.
وفي خَلْقِهِ سبحانه الأشياءَ مدرَّجاً - على ما روي عن ابن جبير - تعليمٌ للخلق
التثبُّتَ والتأنِّيَ في الأمور، كما في الحديث: ((التأنِّي من الله تعالى، والعجلةُ من
الشيطان))(٣).
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٩١/٣، وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.
وجاء في الأصل عند هذا الموضع ما نصه: وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في هذه
الأسماء وبيان حالها من الإعراب. منه.
(٢) صحيح مسلم (٢٧٨٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٣٤١). وانظر تتمة تخريجه ثمة وكلامَ
العلماء في أن الأصح أنه موقوف على كعب الأحبار.
(٣) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٨٦٨-زوائد)، وأبو يعلى (٤٢٥٦)، والبيهقي في السنن
الكبرى ١٠٤/١٠ من حديث أنس بن مالك له وفي إسناده سعد بن سنان - ويقال: سنان بن
=

سُوَدَّةُ الَّغَافِ
١٣٦
الآية : ٥٤
وقال غير واحد: إنَّ في خلقها مدرَّجاً مع قدرته سبحانه على إبداعها دفعةً دليلٌ
على الاختيار، واعتبارٌ للتُّظَّار. واعتُرض عليه بأنَّه يجوزُ أنْ يكون الفاعلُ موجباً،
ويكون وجودُ المعلول مشروطاً بشرائطَ توجدُ وقتاً فوقتاً، وبأنَّ ذلك يتوقَّفُ على
ثبوت تقدُّم خلق الملائكة على خلق السماوات والأرض، وليس ذلك بالمحقَّق.
وأجيبَ بأنَّ الأول مبنيٌّ على الغفلة عن قوله: مع القدرة على إبداعها دفعةً،
وبيانُه: أنَّ الفاعلَ إذا كان مختاراً - كما يقوله أهل الحق - يتوقفُ وجودُ المعلول
على تعلُّق الإرادة به، فهو جزء العلَّة التامَّة حينئذٍ، فيجوزُ أنْ يتخلَّفَ المعلولُ عن
الفاعل لانتفاءِ تعلُّق الإرادة، فلا يلزمُ من قِدمه قِدمُ المعلول.
وأمَّا إذا كان الفاعلُ موجِباً مقتضياً لذاته فيضانَ الوجود على ما تمَّ استعدادُه،
فإنْ كان المعلولُ تامًّ الاستعداد في ذاته، كالكبريت بالنسبة إلى النار، يجبُ وجوده
ويمتنعُ تخلُّفه، وإلّا لزمَ التخلُّف عن العلَّة التامَّةِ، فيلزمُ من قِدَم الفاعل حينئذٍ قدمُه،
والأجرام الفلكيَّةُ من هذا القبيل عند الفلاسفة.
وإن توقَّفَ تمامُ استعدادِه على أمرٍ متجدِّدٍ، فما لم يحصل يمتنع إيجادُه،
كالحطب الرطب، فإنَّه ما لم ييبس لم تحرقه النار، والحوادثُ اليوميَّةُ من هذا
القبيل عندهم، ولهذا أثبتوا برزخاً بين عالمي القدم والحدوث؛ ليتأتَّى ربط
الحوادث بالمبادىء القديمة، ففي صورة كون الفاعل موجباً مشروطاً وجودُ معلوله
بشرائطَ متعاقبة يَمتنعُ الإبداع دفعةً، فإمكانُ وجودِ هذه الأشياء المنبىء عن عدم
التوقُّف على شيءٍ آخر أصلاً دفعةً، مع الخلقِ التدريجيِّ المستلزم لتأخّر وجودٍ
المعلول عن وجود الفاعل، لا يجامعُ الوجوبَ المستلزمَ لامتناعِ التأخّر حينئذٍ،
ويستلزمُ الاختيارَ المصحِّحَ لذلك التأخّر كما علمت.
= سعد - مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه الدارقطني،
وقال النسائي: منكر الحديث. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال ابن حجر: صدوق
له أفراد. ينظر تهذيب الكمال ٢٦٦/١٠، والميزان ١٢١/٢، والتقريب ص١٧١ .
وله شاهد عند الترمذي (٢٠١٢) من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد
الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّر، قال الترمذي: هذا حديث غريب - وفي
بعض النسخ: حسن غريب - وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن وضعَّفه من قِبَل
حفظه. اهـ، وينظر تحفة الأحوذي ١٥٣/٦، والمقاصد الحسنة ص١٥١ .

الآية : ٥٤
١٣٧
سُورَّةُ الأَغَرَافِ
وبأنَّ الإبداعَ التدريجيَّ للأشياء عبارةٌ عن إيجاداتٍ يتعلَّقُ كلٌّ منها بشيءٍ، فيدلُّ
على تعلَّقِ العلم والإرادة والقدرة بكلِّ منها تفصيلاً، بخلاف الإيجاد الدفعيِّ لها،
فإنَّه إيجادٌ واحدٌ متعلِّقٌ بالمجموع، فيدلُّ على تعلُّق ما ذُكِر بالمجموع من حيث هو
مجموعٌ إجمالاً، واستوضِح ذلك من الفرق بين ضربِ الخاتم على نحو القرطاس،
وبينَ أن تكتبَ تلك الكلمات، فإنَّك في الصورة الثانية تتخيَّلُها كلمةً فكلمة، بل
حرفاً فحرفاً، وتريدُها كذلك، فتوقعها في الصحيفة، بخلاف الصورة الأولى. وهو
ظاهر، فالنُّظَّار يعتبرونَ من الخلق التدريجي، ويفهمونَ شمولَ علمه سبحانه وإرادته
وقدرته للأشياء تفصيلاً قائلين: سبحان من لا يَعزُبُ عن علمه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرض
ولا في السماء.
وأيضاً قالوا: إنَّا إذا فعلنا شيئاً تصوَّرناه أولاً، ثم اعتقدنا له فائدةً، ثم تحصلُ
لنا حالٌ شوقيَّةٌ، ثم ميلانٌ نفسانيُّ؛ هي الإرادة، ثم تنبعثُ القوَّةُ الباعثةُ للقوَّةِ
المحرِّكةِ للأعضاء نحو إيجاده، فيحصلُ لنا ذلك الشيءُ، فلكلِّ واحدٍ من تلك
الأمورِ دخلٌ في وجود ذلك الشيء. ثم قالوا: فكما لابدَّ في صدور الأفعال
الاختياريَّة فينا من هذه الأمور، كذلك لابدَّ في صدور الأفعال الاختياريَّة للواجب
من نحو ذلك ممَّا لا يمتنعُ عليه سبحانه، فأثبتُوا له تعالى علماً وإرادة وقدرةً وفائدةً
لأفعاله، واستدلُّوا على ذلك من كونه سبحانه مختاراً، فالخلقُ التدريجي لمَّا كان
دالا على الاختيار الدالٌّ على ما ذُكر صَدقَ أنَّ فيه اعتباراً للنُّظَّار.
وحاصلُ هذا أنَّ المرادَ من النُّظَّار أصحابُ النظرِ والبصيرة من العقلاء،
فلا يتوقَّف ما ذُكِرَ على تَقدُّم خلق الملائكة، على أنَّ من قالَ بتقدُّم خلقِ العرش
والكرسيِّ على خلقِ الأرض والسماوات قائلٌ بتقدُّم خلقِ الملائكة، بل قيل: إنَّ من
الناس من قال بتقدُّم خلقِ نوعٍ من الملائكة قبل العرش والكرسيِّ، وسمَّاهم
المهیمین .
وأنت تعلمُ أنَّ هذا لا يفيد؛ لأنَّ المهيمين عند هذا القائل لا يشعرونَ بسماءٍ
ولا أرض، بل هم مستغرقون فيه سبحانه، على أنَّ ذلك ليس بالمحقَّق كما يقوله
المعترِض أيضاً .
وقيل: إنَّ الشيء إذا حدث دفعةً واحدةً، فلعلَّه يخطرُ بالبال أنَّ ذلك الشيء إنَّما

سُوَدَّةُ الأَّغَرَافِ
١٣٨
الآية : ٥٤
وقعَ على سبيل الاتفاق، فإذا أُحدث شيئاً فشيئاً على سبيل المصلحة والحكمة، كان
ذلك أبلغ في القدرة، وأقوى في الدلالة.
وقيل: إنَّ التعجيلَ في الخلق أبلغُ في القدرة، والتثبتَ أبلغُ في الحكمة،
فأراد الله تعالى إظهارَ حكمته في خلق الأشياء بالتثبُّت، كما أظهرَ قدرته في خلق
الأشياء بـ ((کن)) .
﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو في المشهور: الجسمُ المحيط بسائر الأجسام، وهو
فلكُ الأفلاك، سُمِّي به إمَّا لارتفاعه، أو للتشبيه بسريرِ الملك، فإنَّه يقالُ له:
عرش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] لأنَّ الأمورَ
والتدبيرات تنزلُ منه، ويكنى به عن العزِّ والسلطان والمُلك، فيقال: فلانٌ ثُلَّ
عرشُه، أي: ذهبَ عُّه ومُلْكه، وأنشدُوا قوله:
إذا ما بنو مروانَ ثُلَّت عروشُهم وأودَتْ كما أودَتْ إيادٌ وحمير(١)
وقوله :
إنْ يقتلُوك فقد ثَلَلْتَ عروشَهم
بعيينةً بن الحارث بن شهاب(٢)
وذكر الراغبُ أنَّ العرشَ ممَّا لا يعلمُه البشرُ إلَّا بالاسم، وليسَ هو كما تذهبُ
إليه أوهامُ العامَّة، فإنَّه لو كان كذلك، لكان حاملاً له، تعالى عن ذلك. وليس
كما قال قوم: إنَّه الفلك الأعلى، والكرسيُّ فلك الكواكب(٣). وفيه نظر.
والناس في الكلام على هذه الآية ونحوها مختلفون، فمنهم من فسَّر العرشَ
بالمعنى المشهور، وفسَّر الاستواء بالاستقرار، وروي ذلك عن الكلبيِّ ومقاتل،
ورواه البيهقيُّ في كتابه ((الأسماء والصفات)) برواياتٍ كثيرةٍ عن جماعةٍ من السلف،
وضعَّفَها كلَّها(٤).
(١) البيت دون نسبة في البدء والتاريخ لأبي زيد البلخي ١٦٦/١ .
(٢) البيت لأبي ذؤاب؛ ربيِّعة بن عبيد الأسدي، وهو في المؤتلف والمختلف ص ١٨٣، والمثل
السائر ١/ ٢٨٠. وفيهما: بعتيبة، بدل: بُعُيَينة.
(٣) مفردات الراغب (عرش).
(٤) الذي في الأسماء والصفات للبيهقي برقم (٨٧٣) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن
أبي صالح عن ابن عباس ﴿يا، فذكره. ثم قال: وأبو صالح هذا والكلبي ومحمد بن مروانٍ

الآية : ٥٤
١٣٩
سُورَةُ الْأَغْرَافِ
وما رُوي عن مالكِ رَظُهُ أَنَّه سئل كيف استوى؟ فأَطرقَ رأسَه مليّاً حتى عَلَتْه
الرُّحَضاءُ(١)، ثم رفع رأسه فقال: الاستواءُ غيرُ مجهول، والكيفُ غير معقول،
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال للسائل: وما أظنَّك إلَّا ضالًا، ثم
أمر به فأُخرِج(٢) = ليس نصّاً في هذا المذهبٍ؛ لاحتمالٍ أنْ يكون المراد من قوله:
غيرُ مجهول. أنَّه ثابتٌ معلومُ الثبوت، لا أنَّ معناه - وهو الاستقرار - غير مجهول.
ومن قوله: والكيفُ غير معقول. أنَّ كلَّ ما هو من صفات(٣) الله تعالى لا يُدرِك
العقلُ له كيفيَّةً؛ لتعاليه عن ذلك، فَكَفُّ الكيف عنه مشلولةٌ.
ويدلُّ على هذا ما جاءَ في روايةٍ أخرى عن عبد الله بن وهب أنَّ مالكاً سُئِل عن
الاستواءِ فأطرقَ وأخذته الرحضاء، ثم قال: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ [طه: ٥]
كما وصف نفسه، ولا يقال له: كيف، وكيف عنه مرفوع، إلى آخرِ ما قال(٤).
ثم إنَّ هذا القولَ إنْ كان مع نفي اللوازم، فالأمر فيه هيِّنٌ. وإنْ كان مع
القول بها - والعياذ بالله تعالى - فهو ضلالٌ وأيُّ ضلال، وجهلٌ وأيُّ جهلٍ
بالملك المتعال، وما أعرفَ ما قالَه بعضُ العارفين الذين كانوا من تيار المعارف
غارفين، على لسان حال العرش موجّهاً الخطابَ إلى النبيِّ وَّ ليلةَ المعراج،
حين أشرقتْ شمسُه عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى، فتضاءلَ معها كلُّ
نورٍ وسراج، كما نقله الإمام القسطلانيّ(٥)، معرِّضاً بضلالٍ مثل أهل هذا
المذهب الثاني، ولفظه مع حذف: ولمَّا انتهى نَّه إلى العرشِ تمسَّك بأذياله(٦)،
كلهم متروك عند أهل العلم بالحديث، لا يحتجون بشيءٍ من رواياتهم؛ لكثرة المناكير فيها،
=
وظهور الكذب منهم في رواياتهم. اهـ.
ولم أقف على غير هذه الرواية عند البيهقي بهذا المعنى. وانظر تفسير الخازن ٢٣٨/٢ وعنه
نقل المصنف.
(١) هو عَرَقٌ يغسل الجلد كثرة. القاموس (رحض).
(٢) الأسماء والصفات (٨٦٧).
(٣) في (م): صفة.
(٤) الأسماء والصفات (٨٦٦)، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري ١٣/ ٤٠٦-٤٠٧ .
(٥) في المواهب اللدنية (مع شرحه للزرقاني) ١٠٦/٦-١٠٨.
(٦) قال الزرقاني عند شرح هذه العبارة من المواهب ١٠٦/٦: قال في ((سبل الرشاد)»: لم يرد
في أحاديث المعراج الثابتة أنه وَّهر عرج به إلى العرش ... بل وصوله إلى ذروة العرش لم

سُوَرَةُ الأَّغَرَافِ
١٤٠
الآية : ٥٤
وناداه بلسان حاله: يا محمد أنت في صفاءٍ وقتك، آمناً من مقتك. إلى أن
قال: يا محمد أنت المرسلُ رحمةً للعالمين، ولابدَّ لي من نصيبٍ من هذه
الرحمة، ونصيبي يا حبيبي أنْ تشهدَ لي(١) بالبراءة ممَّا نسبه أهل الزور إليَّ،
وتقوَّله أهل الغرور عليَّ؛ زعموا أنِّي أسع من لا مثل له، وأحيط بمن لا كيفيَّةً
له، يا محمد من لا حدَّ لذاته، ولا عدَّ لذاته، ولا عدَّ لصفاته، كيف يكون
مفتقراً إليَّ، ومحمولاً عليّ؟ إذا كان الرحمنُ اسمه، والاستواء صفته، وصفتُه
متَّصِلةٌ بذاته، كيف يتَّصل بي أو ينفصل عنِّي، يا محمَّد وعزَّته لست بالقريب منه
وصلاً، ولا بالبعيدِ عنه فصلاً، ولا بالمطيق له حملاً، أوجدني منه رحمةً
وفضلاً، ولو محقني لكان حقّاً منه وعدلاً، يا محمد أنا محمولُ قدرته،
ومعمولُ حكمته. اهـ.
وذهب المعتزلة وجماعةٌ من المتكلِّمين إلى أنَّ العرش على معناه، و((استوى))
بمعنى استولى، واحتجُوا عليه بقوله:
قد استوى بشرٌ على العراق
من غير سيفٍ ودمٍ مهراق(٢)
وخُصَّ العرشُ بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه؛ لأنَّه أعظمُ المخلوقات.
ورُدَّ هذا المذهب بأنَّ العربَ لا تعرف ((استوى)) بمعنى استولى، وإنَّما يقال:
استولَى فلانٌ على كذا، إذا لم يكنْ في مُلكه، ثمَّ ملكَه واستولى عليه، والله تعالى
لم يزلْ مالكاً للأشياء كلِّها ومستولياً عليها .
ونسب ذلك للأشعرية، وبالغ ابن القيِّم في ردِّهم، ثم قال: إن لام الأشعرية
كنون اليهوديّة(٣). وهو ليس من الدين القيِّم عندي.
= يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلاً، وإنما صحَّ في الأخبار انتهاؤه إلى سدرة
المنتهى فحسب، وأما إلى ما وراءها فإنما ورد ذلك في أخبارٍ ضعيفةٍ ومنكرةٍ لا يعرج
عليها .
(١) لفظة: لي، ليست في (م).
(٢) هو للأخطل، وسلف ٣٨/٤.
(٣) عندما قيل لهم: ((قولوا حطة)) [البقرة: ٥٨] فأبوا وقالوا: حنطة. ينظر شرح نونية ابن القيم
٢٦/٢.