النص المفهرس

صفحات 1-20

◌ُوَجُ المجاني
في
تَفِي القُرآن العَظِيمُ والسَُّنْع المثَانى
تأليفُ
شِهَابُ الدِّينُ أبِيُ الثَّنَاء
◌َجٌمُودِ بْن عَبْدُاللَّهِ الأَلْوُسيْ الْبُعْدَادِيْ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّة هَذَا الجزء
أُنْتَ طَالِنْ
فَاوي المغربي
سَاهُمْ في تحقيقه
أحمد حبًّ اعبدو
عادل السَّائِر ◌ُويُ
ملاحقة
مَاهِرْ جَبُوش
المَجَدَد التّاسع
مؤسسة الرسالة

一

◌ُوَجُ المَعَانِى
ويدبوا
ف
تفِي القرآن العَظِيمُ والِسُنْ المشَانِ
(٩)

جَمِيعُ الْحُقُوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْرَوَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الَّغَرَافِ
أخرج أبو الشيخ وابن حبَّان(١) عن قتادة قال: هي مكِّيَّةٌ إلَّا آيةً: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ
اٌلْقَرْيَةِ﴾ [١٦٣]. وقال غيره: إنَّ هذا إلى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الآية: ١٧٢] مدنيٌّ.
وأخرجَ غيرُ واحدٍ عن ابن عباس وابن الزبير أنَّها مكِيَّةٌ، ولم يستثنيا شيئاً (٢).
وهي مئتان وخمسُ آياتٍ في البصريِّ والشاميِّ، وستٌّ في المدنيِّ والكوفيِّ؛
فـ ﴿الّصّ﴾ [الآية: ١]، ﴿بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الآية: ٢٩] كوفيٍّ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[الآية: ٢٩] بصريٌّ شاميٌّ، ﴿ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الآية: ٣٨]، ﴿الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾
[الآية : ١٣٧] مدنيّ.
وكلُّها محكمٌ، وقيل: إلَّا موضعين؛ الأوَّل: ﴿وَأَمَلِى لَهُمَّ﴾ [الآية: ١٨٣]، فإنه
نُسِخَ بآية السيف، والثاني: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الآية: ١٩٩]، فإنَّه نُسِخَ بها أيضاً عند ابن
زيد، وادَّعى أيضاً أنَّ: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الآية: ١٩٩] كذلك. وفيما ذكر نظرٌ،
وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
ومناسبتُها لما قبلها على ما قاله الجلال السيوطيُّ عليه الرحمة: أنَّ سورةً
الأنعام لمَّا كانت لبيان الخلق، وفيها: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ [الآية: ٢]، وقال
سبحانه في بيان القرون: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ [الآية: ٦]، وأُشيرَ إلى ذكر
المرسلين، وتعدادِ الكثير منهم، وكان ما ذُكِر على وجه الإجمال = جيءَ بهذه
السورة بعدَها مشتملةً على شرحه وتفصيله، فبسط فيها قصَّة آدم، وفُصِّلت قصصُ
(١) كذا في الأصل و(م). ولعلها تحرفت عن: أبو الشيخ بن حيان. ينظر الإتقان في علوم
القرآن ١/ ٤٤، والدر المنثور ٦٧/٣ .
(٢) أخرجه عن ابن عباس ابن الضريس ص٣٣، والنحاس في ناسخه ٣٥٨/٢، وابن مردويه،
والبيهقي في الدلائل ٧/ ١٤٤ وعن ابن الزبير ابن مردويه كما في الدر المنثور ٣/ ٦٧ .

سُورَةُ الَّغَرَافِ
٦
الآية : ١
المرسلين وأممهم وكيفيَّ هلاكهم أكملَ تفصيلٍ، ويصلحُ هذا أنْ يكون تفصيلاً لقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، ولهذا صدَّر السورةَ
بخلقِ آدم الذي جعله في الأرض خليفةً، وقال سبحانه في قصَّة عاد: ﴿جَعَلَكُمْ
غُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وفي قصَّة ثمود: ﴿جَمَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ
عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤].
وأيضاً فقد قال سبحانه فيما تقدَّم: ﴿كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]،
ج
وهو كلامٌ موجزٌ، وبسطَّه سبحانه هنا بقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ إلخ [الأعراف: ١٥٦].
وأمَّا وجهُ ارتباطِ أوَّلِ هذه السورة بآخرِ الأولى؛ فهو أنَّه قد تقدَّم: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ﴾
[الأنعام: ١٥٥]، وافتتحَ هذه بالأمر باتِّباع الكتاب.
وأيضاً لمَّا تقدَّم: ﴿ثُمَّ يُنِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّْجِئُكُتْ
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ فِهِ تَخْذَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال جلَّ شأنه في مفتتح هذه: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ
الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ إلخ [الأعراف: ٦]، وذلك من شرح التنبئة المذكورة.
وأيضاً لمَّا قال سبحانه: ﴿مَن جَّةَ بِالْحَسَنَةِ﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠]، وذلك لا يظهرُ
إلَّا في الميزان، افتتح هذه بذكر الوزنِ، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيدٍ الْحَقّ﴾
[الأعراف: ٨] ثمَّ: ﴿فَمَنْ ثَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾، وهو من زادت حسناته على سيئاته، ثمَّ
﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾ وهو على العكس، ثمَّ ذكر سبحانه بعدُ ((أصحابَ الأعراف))، وهم في
أحد الأقوال: من استوت حسناتهم وسيئاتهم (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴾ سبق الكلامُ في مثله وبيانِ ما فيه، فلا حاجةً إلى الإعادة،
﴿ الْمَصّ ◌ِ
خلا أنَّه قيل هنا: إنَّ معنى ذلك: المصوِّر، وروي ذلك عن السُّدِّيِّ.
(١) تناسق الدرر في تناسب السور ص ٥٤-٥٥ .
١

الآية : ٢
٧
سُورَةُ الأَّْرَافِ
وأخرج البيهقيُّ وغيرُه عن ابن عباس أنَّ المعنى: أنا اللهُ أَعْلَمُ وأُفصّل(١).
واختاره الزجاج(٢)، ورُوي عن ابن جبير .
وفي روايةٍ أخرى عن الحَبْرِ أنَّه - وكذا نظائرُه ـ قَسَمٌ أقسمَ الله تعالى به، وهو
من أسمائه سبحانَه. وعن الضَّحَاك أنَّ معناه: أنا الله الصادق. وعن محمد بن كعب
القُرَظيِّ أنَّ الألف واللام من الله، والميم من الرحمن، والصَّاد من الصمد. وقيل:
المرادُ به ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الانشراح: ١].
وذكر بعضُهم أنَّه ما من سورة افتتحت بـ ((الم)) إلَّا وهي مشتملةٌ على ثلاثةِ
أمورٍ: بدء الخلق، والنهاية التي هي المعاد، والوسط الذي هو المعاش. وإليها
الإشارةُ بالاشتمال على المخارج الثلاثة: الحلق، واللسان، والشفتين، وزيدَ في
هذه السورة على ذلك الصاد؛ لما فيها مع ما ذُكِر من شرح القصص. وهو
كما ترى، والله تعالى أعلم بمراده (٣).
وقوله سبحانه: ﴿كِتَبُّ﴾ على بعض الاحتمالات خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي:
هو، أو ذلك کتاب.
وقوله سبحانه: ﴿أَنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: من عنده تعالى، صفةٌ له مشرِّفةٌ لقَدْرِهِ وقَدْرِ
من أنزِل إليه وَّهِ. وبني الفعلُ للمفعول جرياً على سَنَنِ الكبرياء، وإيذاناً بالاستغناء
عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورٍ تعيُّنه، وهو السُّ في تركِ ذكر مبدأ الإنزال.
والتوصيفُ بالماضي إنْ كان الكتابُ عبارةً - كالقرآن - عن القَدْرِ المشترك بين
الكلِّ والجزء: ظاهرٌ. وإن كان المجموعَ؛ فلتحقُّقه جُعِلَ كالماضي.
واختارَ الزمخشريُّ(٤) ومن وافقه أنَّ المرادَ بالكتاب هنا السورة، وفيه من
(١) الأسماء والصفات للبيهقي (١٦٧)، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٢/١٠. ولفظه عندهما: أنا الله
أفصل. وذكره بلفظ المصنف أبو حيان في البحر ٢٦٦/٤ .
(٢) في معاني القرآن له ٣١٣/٢.
(٣) قال أبو حيان في البحر ٢٢٦/٤ بعد أن ذكر أوجُهاً لتفسير الحروف: وهذه الأقوال في
الحروف المقطعة لولا أنَّ المفسرين شحنوا بها كتبهم خلفاً عن سلف لضربنا عن ذكرها
صفحاً، فإن ذكرها يدلُّ على ما لا ينبغي ذكره من تأويلات الباطنية وأصحاب الألغاز والرموز.
(٤) في الكشاف ٢/ ٦٥ .

سُوْدَّةُ الَّغَرَافِ
٨
الآية : ٢
المبالغةِ ما لا يخفى إنْ قلنا: إنَّه لم يُطلق على البعض، وإذا قلنا بإطلاقه على
ذلك، كما في قولهم: ثبت هذا الحكم بالكتاب، فالأمرُ واضح.
ومن الناس من جوَّزَ جعل ((كتاب)) مبتدأ، والجملة بعده خبره، على معنى:
كتابٌ أيُّ كتابٍ أنزلَ إليك. ولا يخفى أنَّ الأول أولى؛ لأنَّ هذا خلافُ الأصل،
وحذفُ المبتدأ أكثرُ من أن يحصى.
﴿فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: شكٌّ، كما قال ابنُ عباس وغيره. وأصله
الضيق، واستعماله في ذلك مجازٌ - كما في (الأساس))(١) - علاقتُه اللزوم، فإنَّ
الشالَّ يعتريه ضيقُ الصدر، كما أنَّ المتيقِّن يعتريه انشراحُه وانفساحُه، والقرينةُ
المانعةُ هو امتناعُ حقيقة الحرج والضيق من الكتاب، وإنْ جوَّزتَها فهو كناية. وعلى
التقديرين هو قد صَار حقيقةً عرفيَّةً في ذلك، كما قاله بعض المحققين.
وجوِّزَ أنْ يكون باقياً على حقيقته، لكن في الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، كخوف عدم
القبول والتكذيب، فإنَّه ◌ِوَّرَ كان يخافُ قومَه، وتكذيبَهم، وإعراضَهم عنه، وأذاهم
له. ويشهدُ لهذا التأويل قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَابِقٌ بِه
صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُ، مَلَكٌ﴾ الآية [هود: ١٢]، وللأوَّل قولُه
تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧].
وقد يقال: إنَّه كنايةٌ عن الخوف، والخوفُ كما يقعُ على المكروه يقعُ على
سببه .
وتوجيهُ النهي إلى الحرج بمعنى الشكِّ(٢) . مع أنَّ المرادَ نهيُه عليه الصلاة
والسلام عن ذلك - قيل: إمَّا للمبالغة في تنزيه ساحة الرسول وَّر عن الشكِّ، فإنَّ
النهيَ عن الشيء ممَّا يُوهم إمكانَ صدورِ المنهي عنه عن المنهي، وإمَّا للمبالغةِ في
النهي، فإنَّ وقوعَ الشكِّ في صدره عليه الصلاة والسلام سببٌ لاتِّصافه - وحاشاه -
به، والنهيُ عن السبب نهيٌّ عن المسبّب بالطريق البرهانيِّ، ونفيٌ له بالمرَّة، كما في
قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْرٍ﴾ [المائدة: ٢]، وليس هذا من قبيل: لا أرينَّك
(١) مادة (حرج).
(٢) في الأصل و(م): الشرك. وهو خطأ. وينظر تفسير أبي السعود ٢١٠/٣.

الآية : ٢
٩
سُورَةُ الأَغْرَافِ
هاهنا، فإنَّ النهيَ هناك واردٌ على المسبّب، مراداً به النهي عن السببِ، فيكونُ
المآل نهيَه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يُورثُ الحرجَ، فتأمَّل. اهـ.
والذي ذهبَ إليه بعضُ المحقّقين أنَّ المرادَ نهيُ المخاطَب عن التعرُّض للحرج
بطريق الكناية، وأنَّه من قبيل: لا أرينَّك هاهنا، في ذلك؛ لما أنَّ عدمَ كون الحرج
في صدره من لوازم عدم كونه متعرِّضاً للحرج، كما أنَّ عدمَ الرؤية من لوازم عدم
الكون هاهنا. فالنّافي لكونه من قبيل ذلك؛ إنْ أرادَ الفرقَ بينهما باعتبار أنَّ المراد
في أحدهما النهيُ عن السبب، والمراد المسبَّب، وفي الآخر بالعكس، فلا ضيرَ
فيه، ولهذا عبَّر البعضُ باللزوم دون السببيَّة. وإنْ أرادَ أنَّه ليسَ من الكناية أصلاً،
فباطلٌ. نعم جُوِّزَ أنْ يكونَ من المجاز. والمشهورُ أنَّ الداعي لهذا التأويل أنَّ
الظاهر يستدعي نهي الحرج عن الكون في الصدر، والحرجُ مما لا يُنهَى. وله وجهٌ
وجیه، فلیفهم.
والجملةُ على تقدير كونِ الحرج حقيقةً - كما يفهمه كلام ((الكشاف))(١) - كنايةٌ
عن عدم المبالاة بالأعداء.
وأيًّا ما كان فالتنوين في ((حرج)) للتحقير. و((من)) متعلّقةٌ بما عندها، أو
بمحذوفٍ وقعَ صفةً له، أي: حرجٌ ما كائنٌ منه، والفاء تحتملُ العطفَ؛ إمَّا على
مقدَّرٍ، أي: بلِّغهُ فلا يكنْ في صدرك .. إلخ، وإمَّا على ما قبلَه بتأويلِ الخبر
بالإنشاء، أو عكسه، أي: تحقَّق إنزاله من الله تعالى إليك. أو: لا ينبغي لك
الحرجُ. وتحتملُ الجواب، كأنَّه قيل: إذا أنزل إليك فلا يكن .. إلخ. وقال الفرَّاء:
إِنَّها اعتراضيَّةٍ(٢) .
وقال بعضُ المشايخ: هي لترتيبِ النهي أو الانتهاء على مضمون الجملة إنْ
كان المراد: لا يكنْ في صدرك شكٌّ مّا في حقِّيَّته، فإنَّه ممَّا يوجبُ انتفاءَ الشكِّ
فيما ذكر بالكليَّة، وحصولَ اليقين به قطعاً. ولترتيب ما ذُكِرَ على الإخبار بذلك
لا على نفسه، إنْ كان المراد: لا يكنْ فيه شكٌّ في كونهِ كتاباً منزلاً إليك. وللترتيبٍ
(١) ٢ /٦٥ - ٦٦.
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٧٠/١.

سُوْدَّةُ الأَغرافِ
١٠
الآية : ٢
على مضمون الجملة، أو على الإخبار به، إذا كانَ المراد: لا يكنْ فيكَ ضيقُ صدرٍ
من تبليغه مخافةً أنْ يكذِّبوك، أو أنْ تُقصِّر في القيام بحقِّه، فإنَّ كلَّا منهما موجبٌ
للإقدام على التبليغ وزوال الخوفِ قطعاً، وإنْ كان إيجابُ الثاني بواسطةِ الأول.
ولا يَخفى ما في أوسطِ هذه الشقوق من النظر. فتدبّر.
﴿لُِّنْذِرَ بِ﴾ أي: بالكتاب المنزل، والفعل - قيل - إمَّا منزَّل منزلةَ اللازم، أو
أنَّه حُذِفَ مفعولُه لإفادةِ العموم، وقد يقال: إنه حُذِف المفعول لدلالة ما سيأتي
عليه .
واللامُ متعلِّقةٌ بـ ((أنزل)) عند الفرَّاء، وجملةُ النهي معترضةٌ بين العلة ومعلولها،
وهو المعنيُّ بما نُقِلَ عنه أنَّه على التقديم والتأخير(١).
قيل: وهذا مما ينبغي التنبيهُ(٢) له، فإنَّ المتقدمين يجعلونَ الاعتراضَ على
التقديم والتأخير؛ لتخلَّله بينَ أجزاء كلامٍ واحد، وليس مرادهم أنَّ في الكلام قلباً.
ووجهُ التوسيط؛ إمَّا أنَّ الترتيبَ على نفسِ الإنزال، لا على الإنزال للإنذار،
وإمَّا رعايةُ الاهتمام، مع ما في ذلك - على ما قيل - من الإشارة إلى كفاية كلٍّ من
الإنزال والإنذار في نفي الحرج، أمَّا كفايةُ الثاني فظاهرةٌ؛ لأنَّ المخوِّفَ لا ينبغي
أنْ يخافَ مَنْ يخوفُه؛ ليتمكَّن من الإنذار على ما يجب. وأما كفايةُ الأوَّل فلأنَّ
كونَ الكتاب البالغ غايةً الكمال منزلاً عليه عليه الصلاة والسلام خاصَّةً من بين سائر
إخوانه الأنبياء عليهم السلام يقتضي كونَه رحيبَ الصدر غير مبالٍ بالباطل وأهله.
وعن ابن الأنباريِّ أنَّ اللام متعلِّقةٌ بمتعلَّق الخبر، أي: لا يكن الحرجُ مستقرّاً
في صدرك لأجل الإنذار.
وقيل: إنَّها متعلِّقةٌ بفعل النهي، وهو الكون؛ بناءً على جواز تعلَّق الجارِّ بـ ((كان))
الناقصة لدلالتها على الحدثِ على الصحيح.
وقيل: يجوزُ أنْ يتعلَّق بـ ((حرج))، على معنى أنَّ الحرجَ للإنذار والضيقَ له
لا ينبغي أن یکون.
(١) ينظر معاني القرآن للفراء ٣٧٠/١.
(٢) في حاشية الشهاب ١٤٧/٤: التنبه.

الآية : ٢
١١
سُورَةُ الأَغَرَافِ
وقال العلامةُ الثاني: إنَّه معمولٌ للطلب أو المطلوب، أعني: انتفاء الحرج.
وهذا أظهرُ، لا للمنهي(١)، أي: الفعلِ الداخل عليه النهي - كما قيل - لفساد
المعنى .
وأطلق الزمخشريُّ(٢) تعلقه بالنهي. واعتُرِض بأنَّه لا يتأتَّى على التفسير الأول
للحرج؛ لأنَّ تعليلَ النهي عن الشكِّ بما ذُكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه لإمكان
صدوره عنه ◌َّ﴿ مشعرٌ بأنَّ المنهيَّ عنه ليسَ بمحذورٍ لذاته، بل لإفضائه إلى فواتٍ
الإنذار والتذكير، لا أقلّ من الإيذان بأنَّ ذلك معظمُ غائلته. ولا ريبَ في فساده.
وأمَّا على التفسير الثاني، فإنَّما يتأتَّى التعليلُ بالإنذار لا بتذكيرِ المؤمنين، إذ ليس
فيه شائبةُ خوفٍ حتى يُجعل غايةً لانتفائه.
وأنت خبيرٌ بأنَّ كونَ المنهيِّ عنه محذوراً لذاته ظاهرٌ ظهورَ نار القِرى ليلاً على
عَلَمِ، فلا يكاد يتوهّم نقيضُه، والقولُ بأنَّه لا أقلّ من الإيذان بأنَّ ذلك معظمُ
غائلته. لا فسادَ فيه؛ بناءً على ما يقتضيه المقام، وإن كان بعضُ غوائله في نفس
الأمر أعظمَ من ذلك، وأنَّ الآيةَ ليست نصّاً في تعليل النهي بالإنذار والتذكير -
كما سيتَّضحُ لك قريباً إن شاء الله تعالى - حتَّى يتأتَّى الاعتراضُ نظراً للتفسير الثاني.
سلَّمنا أنَّها نصٌّ، لكنَّا نقول: لم لا يجوز أنْ يكونَ ذلك من قَبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْعًا مُبِينًا ﴿﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُبِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الآية [الفتح: ١- ٢].
﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ نصب بإضمار فعله عطفاً على ((تنذر))، أي: وتُذكِّرَ
المؤمنين تذكيراً. ومنعَ الزمخشريُّ - فيما نُقِلَ عنه(٣) - العطفَ بالنصب على محلِّ
(لتنذر))، معلِّلاً بأنَّ المفعولَ له يجبُ أنْ يكونَ فاعلُه وفاعلُ المعلَّلِ واحداً حتى
يجوز حذفُ اللام منه.
ويمكن - كما في ((الكشف)) - أنْ يقال: لا منعَ من أنْ يكون التذكيرُ فعلَ المنزِّل
(١) في حاشية الشهاب: لا للمنهي عنه.
(٢) في الكشاف ٦٦/٢ .
(٣) نقل ذلك عنه الشهاب في الحاشية ١٤٧/٤، وينظر غرائب القرآن النيسابوري ٦٩/٨،
والكشاف ٦٦/٢.

سُورَةُ الأَغَرَافِ
١٢
الآية : ٣
الحقِّ تعالى، إلَّا أنَّه يفوتُ التقابل بين الإنذار والتذكير. نعم يَحتملُ الجرَّ بالعطف
على المحلِّ، أي: للإنذارِ والتذكير، ويحتملُ الرفعَ على أنَّه معطوفٌ على ((كتاب))،
أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو ذكرى. والفرقُ بين الوجهين - على ما في
((الكشف)) -: أنَّ الأول معناه: أنَّ هذا جامعٌ بين الأمرين؛ كونه كتاباً كاملاً في
شأنه بالغاً حدَّ الإعجاز في حسن بيانه، وكونه ذكرى للمؤمنين يذكِّرهم المبدأ
والمعاد. والثاني: يفيدُ أنَّ هذا المقيَّد بكونه كتاباً من شأنه كيت وكيت هو ذكرى
للمؤمنين، ويكونُ من عطفِ الجملة على الجملة، فيفيدُ استقلالَه بكلِّ من الأمرين،
وهذا أولى لفظاً ومعنى.
وتخصیصُ التذکیر بالمؤمنين؛ لأنَّهم المنتفعون به، أو للإيذانِ باختصاص
الإنذار بالكافرين. وتقديمُ الإنذار لأنَّه أهمُّ بحسب المقام.
﴿أَنَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ زَّيَّكُمْ﴾ خطابٌ لكافَّة المكلَّفين. والمراد بالموصول
الكتابُ المنزلُ إليه بَّهِ كما روي عن قتادة، إلَّا أنَّه وُضع المُظْهَرُ موضع المُضْمَر
وجُعل مُنزلاً إليهم لتأكيد وجوب الاتِّباع.
وقيل: المراد به ما يعمُّ الكتاب والسنَّة، فليس من وضع المظهر موضع
المضمر، وإيثارُه لفائدة التعميم، وتشميمٌ من أسلوب قول الأنماريّة: هم كالحلقة
المفرغة لا يُدْرَى أين طرفاها (١)، وتتميمٌ لشرح الصدر، فإنَّه لمَّا شجّع أَمَرَ الجميع
باتِّباع جميع ما يرسمُه؛ ليكون أَدعى لانشراح صدره عليه الصلاة والسلام ورحب
ذراعه .
ولا يخفى أنَّ هذا الحملَ بعيدٌ. نعم يعمُّ السنَّةَ بأقسامِها الحكمُ بطريق الدلالة،
لا بطريق العبادة.
و((من)) متعلِّقةٌ بـ ((أنزل)) على أنَّها لابتداءِ الغاية مجازاً، أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً
من الموصول، أو من ضميره في الصِّلة.
(١) هو مثلٌ يضرب للقوم يجتمعون ولا يختلفون. والأنمارية هي فاطمة بنت الخُرْشُب، منجبة
جاهلية. وقد قالت هذا القول جواباً لمن سألها: أيُّ بنيك أفضل؟ انظر مجمع الأمثال
٣٩٧/٢، وخزانة الأدب ٣٦٤/٣ (طبعة دار صادر)، والأعلام ١٣٠/٥-١٣١.

الآية : ٣
١٣
سِوَةُ الأَغْرَافِ
وفي التعرُّضِ لعنوان الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيدُ لطفٍ بهم،
وترغيبٌ لهم في الامتثال بما أُمِروا به، وتأكيدٌ لوجوبه إثرَ تأكید.
﴿وَلَا تَنَِّعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَّةٍ﴾ الضميرُ المجرور عائدٌ إلى ((ربكم))، والجارُّ متعلّقٌ
بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل فعلِ النهي، أي: ولا تتبعوا متجاوزين ربَّكم الذي
أنزلَ إليكم ما يهديكم إلى الحقِّ ((أولياءً)) من الشياطين والكهَّان، بأنْ تَقبلوا منهم
ما يُلْقونَه إليكم من الأباطيل؛ ليضلُّوكم عن الحقِّ بعد إذ جاءكم، ويحملُوكم على
البدعِ والأهواء الزائغة.
ويجوزُ أنْ يكون الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ وقع حالاً من ((أولياء» قُدِّم عليه لكونه
نكرةً، أي: أولياءَ كائنةً غيرَه تعالى. وأنْ يكونَ متعلِّقاً بالفعل قبلَه، أي: تعدلوا عنه
سبحانه إلى غيره.
ولمّا كان اتِّباعُ ما أنزلَه سبحانه جلَّ وعلا اتِّباعاً له عزَّ شأنُه، عقَّبَ الأمرَ
السابق بهذا النهي.
وقيل: الضميرُ لـ ((ما أنزل)) على حذفٍ مضافٍ في ((أولياء)) أي: لا تتبعوا من
دونِ ما أُنزِل أباطيلَ أولياء، وكأنه قيل: ولا تتبعوا من دونِ دين ربّكم دينَ أولياء.
وذلك التقديرُ؛ لأنَّه لا يَحسُنُ وصفُ المنزَل بكونه دونَهم.
وجُوِّز كونُ الضميرِ للمصدر، أي: لا تتبعوا أولياء اتِّباعاً من دونِ اتِّباعِكم
ما أُنزِل إليكم. وفيه بعد.
وقرأ مجاهد: ((تبتغوا)) بالغين المعجمة، من الابتغاء(١).
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: تذكُّراً قليلاً، أو زماناً قليلاً تذكّرونَ لا كثيراً،
حيث لا تتأثرون بذلك، ولا تعملونَ بموجَبه، وتتركون الحقَّ، وتتبعون غيره.
فـ (قليلاً)) نعتُ مصدرٍ أو زمانٍ محذوف، أُقيم مقامَه، ونصبُه بالفعل بعده، وقُدِّم
عليه للقصر.
و ((ما)) مزيدةٌ لتأكيد القلّة؛ لأنَّها تفيدُها في نحو: أكلتُ أكلاً ما، فهي هاهنا قلَّة
(١) القراءات الشاذة ص ٤٢، والبحر المحيط ٢٦٧/٤، وزاد نسبتها لمالك بن دينار.

الآية : ٤
١٤
سُورَةُ الأَّعْرَافِ
على قِلَّة، والظاهرُ من القِلَّة معناها. وجُوِّزَ أنْ يُرَاد بها العدمُ، كما في قوله تعالى:
﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
وأجيزَ أنْ يكون ((قليلاً)) نعتَ مصدرٍ لـ ((تتَّبعوا)) أي: اتِّباعاً قليلاً. قيل: ويضعِّفُه
أنَّه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه: ((تذكَّرون)). وأمَّا النهيُ عن الاتِّباع القليل
فلا يضرُّ؛ لأنه يُفهَم منه غيرُه بالطريق البرهاني.
وأنْ يكونَ حالاً من فاعل ((لا تتبعوا))، و((ما)) مصدريَّةٌ أو موصولةٌ فاعلٌ له،
كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَتْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] والنهيُ
متوجِّهُ إلى القيد والمقيَّد جميعاً. واعتُرِض بأنَّه لا طائلَ تحت معناه، وإنْ وُجِّه
بما وُجِّه.
وأن يكون ((ما)» مصدريَّةً أو موصولةً مبتدأ، و((قليلاً)) على معنى زماناً قليلاً خبرُه.
وقيل: إنَّ ((ما)) نافية، و((قليلاً)) معمولٌ لما بعده، والكوفيون يجوِّزونَ عملَ
ما بعدَ ((ما)) النافية فيما قبلَها، والمعنى: ما تذكَّرون قليلاً، فكيف تذكرون كثيراً؟
ولیس بشيء.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وحفص: (تَذَكَّرون)) بحذفِ إحدى التاءين وذالٍ مخفَّفةٍ.
وقرأَ ابنُ عامر: ((يتذكَّرون)) بياءٍ تحتيَّةٍ، ومُثَنَّاة فوقيَّة، وذالٍ مخفَّفةٍ (١)، وفي طريقٍ
شاذَّةٍ عنه بتاءين فوقيتين(٢). وقرأ الباقون بتاءٍ فوقيَّةٍ وذالٍ مُشدَّدةٍ على إدغام التاء
المهموسة في الذال المجهورة.
والجملةُ - على ما قاله غيرُ واحد - اعتراضٌ تذييليٍّ مسوقٌ لتقبيحِ حال
المخاطبين. والالتفاتُ ــ على القراءة المشهورة عن ابن عامر - للإيذانِ باقتضاءِ سوء
حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرفَ الخطاب عنهم، وحكاية جناياتهم
لغيرهم بطريق المباثة، ولا حجَّةَ في الآية لنفاةِ القياس كما لا يخفى.
﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا﴾ شروعٌ في تذكيرهم وإنذارهم ما نَزَلَ بمن قبلَهم من
العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
(١) التيسير ص ١٠٨- ١٠٩، والنشر ٢٦٧/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص٤٢ .

الآية : ٤
١٥
سُورَةُ الأَْراف
و(كم)) خبرِيَّةٌ للتكثير في محلِّ رفع على الابتداء؛ والجملةُ بعدها خبرُها،
و((من)) سيفُ خطيب، و((قريةٍ)) تمییز.
ويجوز أنْ يكون محلُّ ((كم))، نصباً على الاشتغال، وضميرُ ((أهلكناها)) راجعٌ
إلى معنى ((كم)) فإنَّ المعنى: قرّى كثيرة أهلكناها.
والمرادُ بإهلاكها: إرادةُ إهلاكها، مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ
إِلَى الضَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦] فلا إشكالَ في التعقيب الذي تُفهمه الفاء في قوله
سبحانه: ﴿فَجَآءَهَا بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا، واعتَرضَ هذا الجوابَ بعضُ المدقِّقين
بأنَّ فيه إشكالاً أصوليّاً، وهو أنَّ الإرادة إنْ كانت باعتبارِ تعلُّقِها التنجيزيِّ،
فمجيءُ البأس مقارنٌ لها، لا متعقّبٌ لها وبعدها، وإنْ لم يُردْ ذلك، فهي
قديمةٌ، فإنْ كان البأسُ يعقبها لزِمَ قِدَمُ العالم، وإنْ تأخّر عنها لزمَ العطفُ
بـ «ثمَّ)).
وأجيبَ بأنَّ المرادَ التعلُّق التنجيزيُّ قبل الوقوع، أي: قصدنا إهلاكها. فتدبّر.
وقيل : إنَّ المرادَ بالإهلاك الخذلانُ وعدمُ التوفيق، فهو استعارةٌ، أو مِنْ إطلاق
المسبَّبِ على السبب. وإلى هذا يُشيرُ كلامُ ابن عطيّة (١). وتُعقّبَ بأنَّه اعتزاليٌّ، وأنَّ
الصوابَ أنْ يقال: معناه: خلقنا في أهلِها الفسقَ والمخالفة، فجاءها بأسُنا .
وقيل: المراد: حَكَمْنَا بإهلاكها فجاءها .
وقيل: الفاء تفسيريَّة، نحو: توضَّأ فغسلَ وجهه. إلخ.
وقيل: إنَّ الفاء للترتيب الذكريِّ.
وقال ابنُ عصفور: إنَّ المراد: أهلكناها هلاكاً من غير استئصال، فجاءها
هلاك الاستئصال.
وقال الفرَّاء(٢): الفاء بمعنى الواو، أو المراد (٣): فظهرَ مجيءُ بأسنا واشتهر.
(١) المحرر الوجيز ٣٧٤/٢.
(٢) في معاني القرآن له ٣٧٢/١.
(٣) في الأصل: والمراد، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ١٤٨/٤.
-٣ ٥٦

سُورَةُ الأَغَرَافِ
١٦
الآية : ٤
وقيل: الكلامُ على القلب، وفيه تقديمٌ وتأخير، أي: أهلكناها ﴿بَيِّنَّا أَوْ هُمْ
قَآيِلُونَ ﴾﴾ فجاءها بأسُنا، فالإهلاكُ في الدنيا، ومجيءُ البأس في الآخرة،
فيشمل الكلامُ عذابَ الدارين. ويأباه ما بعدُ إباءً ظاهراً، فإنَّه يدلُّ على أنَّ العذابَ
في الدنيا. وقَدَّرَ غيرُ واحدٍ في النظم الكريم مضافاً، أي: فجاء أهلها. وجوَّز
بعضُهم الحملَ على الاستخدام(١)؛ لأنَّ القريةَ تطلقُ على أهلها مجازاً. ومن الناس
من قدَّر في الأوَّل المضاف أيضاً، مع أنَّ القريةَ تَّصفُ بالهلاك، وهو الخراب.
والبياتُ في الأصل مصدرُ باتَ يبيتُ بيتاً وبيتةً وبياتاً وبيتوتةً، وذكر الراغبُ: أنَّ
البياتَ وكذا التبييتَ: قصدُ العدوِّ ليلاً(٢). وقال الليث: البيتوتة الدخول في الليل.
ونصبه على الحال بتأويله بِبائِتين. وجُوِّزَ أنْ يكون على الظرفيَّة، وهو خلافُ الظاهر.
واحتمالُ النصب على المفعولِيَّة له - كما زعم أبو البقاء(٣) - ممَّا لا يُلتفتُ إليه.
و((أو)) للتنويع، وما بعدها عطف على الحال، وهو في موضع الحال أيضاً،
وأضمِرَت فيه الواو - كما قال ابنُ الأنباريّ - لوضوحِ المعنى، ومن أجل أنَّ ((أو))
حرف عطف والواو كذلك، فاستثقلوا الجمعَ بين حرفين من حروف العطف،
فحَذفوا الثاني، ونُقِل ذلك عن الفرَّاء أيضاً(٤).
وتُعقِّبَ بأنَّ واو الحال مغايرةٌ لواو العطف بكلِّ حال، وهي قِسْمٌ من أقسام
الواو كواو القَسَم، بدليل أنَّها تقعُ حيث لا يمكن أنْ يكون ما قبلَها حالاً، وكونُها
للعطف يقتضي أنْ لا تقعَ إلَّا حيثُ يكون ما قبلَها حالاً حتى تعطِفَ حالاً على
حال.
وقال ابن المنيِّر(٥): إنَّ هذه الواو لابدَّ أن تمتازَ عن واو العطف بمزيَّة،
ألَّا تراها تصحبُ الجملةَ الاسميَّةَ بعد الفعليّة، ولو كانت عاطفةً مجرَّدةً لاستقبحَ
(١) مفردات ألفاظ القرآن (بيت).
(٢) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحدُ معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى
الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.
(٣) في الإملاء ٢/ ٦٦٢.
(٤) معاني القرآن ٣٧٢/١.
(٥) في الانتصاف ٦٨/٢ -٦٩.

الآية : ٤
١٧
سُورَةُ الأَغرافى
توسُّطُها بين المتغايرين، أو لكان الأفصح خلافه، وحيث رأيناها تتوسّطُ والكلام
هو الأفصح أو المتعيِّن، علمنَا امتيازَها عن واو العطف، وإذا ثبتَ ذلك فلا غروَ
في اجتماعهما، وإنْ كان فيها معنى العطف مضافاً إلى تلك الخاصيَّة، فإمّا أنْ
تُسلَبه حينئذٍ لغناء(١) العاطفة عنها، أو تستمرَّ عليه وتجامع ((أو)) كما تجامع الواو
(لكنْ)) في الفصيح لما فيها من زيادة معنى الاستدراك، وعلى هذا فالاجتماع ممكنٌ
بلا كراهية، فلو قلت: سبِّح الله تعالى وأنتَ راكعٌ، أو وأنت ساجدٌ، لكانَ فصيحاً
لا خبثَ فيه ولا كراهة، خلافاً لأبي حيَّان(٢) مدَّعياً أنَّ النحويين نصُّوا على أنَّ
الجملةَ الحاليَّة إذا دخلَ عليها حرفُ عطفٍ امتنعَ دخول واو الحال عليها، للمشابهة
اللفظيَّة، فالمثال على هذا غيرُ صحيح.
وظاهرُ كلام الزمخشريِّ(٣) أنَّ هذه الواو واو العطف في الأصل، ثمَّ استعيرتْ
للحال لما فيها من الربط، فقد خرجت عن العطف واستُعمِلت لمعنّى آخر، لكنَّها
أعطيت حكمَ أصلها في امتناع مجامعتها لعاطفٍ آخر، وعلى هذا ينبغي أنْ يُحمَل
كلام ذينك الإمامين، وهذا مذهبٌ لهما ولمن اتّبعهما.
وقال بعضُ النحاة: إنَّ الضمير هنا مُغْنٍ عن إضمار الواو، والاكتفاءُ به غير
شاذِّ كما قيل، بل هو أكثرُ من رمل يبرين(٤) ومها(٥) فلسطين. وقد نقلَ عن
الزمخشريّ الرجوع إلى هذا القول(٦).
والمسألةُ خلافيّة وفيها تفصيل، ففي ((البديع))(٧): الاسميَّةُ الحاليَّةُ لا تخلو من
أنْ تكونَ من سبب ذي الحال أو أجنبيةً، فإنْ كانت من سببه لزمَها العائد والواو،
تقول: جاء زيدٌ وأبوه منطلقٌ، وخرجَ عمروٌ ويده على رأسه. إلَّا ما شدَّ من قولهم:
(١) في الانتصاف: لإغناء.
(٢) في البحر المحيط ٢٦٩/٤، وانتهى كلام صاحب الانتصاف عند قوله: ولا كراهة.
(٣) في الكشاف ٢/ ٦٧.
(٤) هو اسم قرية كثيرة النخل والعيون العذبة بحذاء الأحساء من بني سعد، وهناك الرمل
الموصوف بالكثرة. معجم البلدان ١/ ٧١، ٤٢٧/٥.
(٥) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: وتيهاء، كما في تفسير القرطبي ٣٥٢/١٢.
(٦) البحر المحيط ٢٦٩/٤.
(٧) البديع في علم العربية لابن الأثير ١٩٥/١- ١٩٦، والكلام من حاشية الشهاب ١٤٩/٤.

سُورَةُ الأَّغْرَافِ
١٨
الآية : ٤
كلَّمتُه فوه إلى فيَّ. وإن كانت أجنبيةً لزمتها الواو، ونَابت عن العائد. وقد يُجمع
بينهما نحو: قدمَ عمروٌ وبشرٌ قام إليه. وقد جاءت بلا واوٍ ولا ضمير كما في
قوله(١) :
ثم انتصبنا(٢) جبالُ الصُّفد(٣) مُعْرِضةٌ
عن اليسارٍ وعن أيماننا جدَهُ (٤)
فإنَّ: جبالُ الصفد معرضة، حالٌ بلا واو ولا ضميرٍ .
وعن الشيخ عبد القاهر(٥) جعلُ ذلك على قسمين؛ ما يلزمه الواو مطلقاً، وهو
ما إذا صُدِّرَ بضميرٍ ذي الحال، نحو: جاء زيدٌ وهو يسرع؛ لأنَّ إعادةَ ضميره
تقتضي أنَّ الجملةَ مستأنفةٌ؛ لئلا تلغو الإعادة، فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بدَّ من
الواو، وما عداه تلزمُه الواو في الفصيح، إلَّا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل،
فإنَّه حينئذٍ قد تتركُ الواو جوازاً.
وقيل - ولم يُسلَّم -: إنَّ الضابطَ في ذلك أنَّه إذا كان المبتدأ ضميرَ ذي الحال
تجبُ الواو، وإلاّ فإنْ كان الضميرُ فيما صدِّر به الجملة، سواءٌ كان مبتدأ نحو: فوه
إلى فيَّ، ﴿بَعَضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، أو خبراً نحو:
وجدتَهُ حاضراه الجودُ والكرم(٦)
فلا يحكم بضعفه؛ لأنَّ(٧) الرابط في أول الجملة، وإلَّ فضعيفٌ قليل.
(١) هو غاسل بن غُزَيَّة الهذلي، كما في شرح أشعار الهذليين ٨٠٧/٢، والتمام في تفسير أشعار
هذيل ص١٢١، ومعجم البلدان ١١٣/٢، ٤١٣/٣. وجاء اسم الشاعر في معجم ما استعجم
٢/ ٣٧٠، ٨٣٦/٣ - والبيت فيه - وفي تاج العروس (عسل): عاسل، بالعين المهملة.
(٢) جاء في مصادر التخريج عدا البديع والحاشية : انصببنا .
(٣) كذا في الأصل و(م)، وحاشية الشهاب. وفي البديع: الصعد. والذي في مصادر التخريج:
الصفر. وجبال الصفر موضع من تهامة.
(٤) قال البكري في معجم ما استعجم ٢/ ٣٧٠: بضم أوله، وفتح ثانيه، بعده دال مثلها. ويقال
أيضاً: ذو جدد، موضع من تهامة ..
(٥) في دلائل الإعجاز ص ٢٠٢-٢٠٣، والكلام من حاشية الشهاب ١٤٩/٤.
(٦) هو عجز بيت للأخطل، وهو في ديوانه ص٣٩، وتمامه فيه:
إذا أتيت أبا مروان تسأله وجدتَه حاضراه الجود والحسبُ
(٧) في (م): لكونه. وفي حاشية الشهاب ٤/ ١٥٠ والكلام منه: لكون.

الآية : ٤
١٩
سُورَةُ الَّعْرَافِ
وقال ابن مالك(١) وتبعه ابن هشام ونُقِل عن السكاكيّ: أنَّه إذا كانت الجملةُ
الاسمية مؤكِّدةً لزمَ الضميرُ وترك الواو، نحو: هو الحقُّ لا شبهةَ فيه، ﴿ذَلِكَ
الْكِنَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ﴾ [البقرة: ٢](٢) .
واختارَ ابن المنير أنَّ المصحِّحَ لوقوع هذه الجملةِ هنا حالاً من غير واو هو
العاطفُ، إذ يقتضي مشاركة الجملةِ الثانية لما عُطِفت عليه في الحاليّة، فيستغنَى عن
واو الحال، كما أنَّك تعطفُ على المقسَم به، فتدخلُه في حكم القسم من غير واو،
وَلَهَارِ إِذَا تَجَّ﴾ [الغاشية: ١-٢] وقوله سبحانه: ﴿فَلَاَ أُقْيِمُ بِْنَّسِ
نحو ﴿وَأَّلِ إِذَا يَغْنَى
١٥
وَلَّلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٥-١٧] ويستغنى عن تكرار حرف
الْجَوَارِ الْكُنَسِ
القسم بنيابة العاطف منابَه. فليفهم (٣).
وأيَّاما كان فحاصلُ المعنى: أتاهم عذابُنا تارةً ليلاً، كقوم لوط عليه السلام،
وتارةً وقتَ القيلولة، كقوم شعيب عليه السلام.
والقيلولة: مِن قال يَقيلُ، فهو قائلٌ، ويقال: قَيْلاً وقائِلةً ومَقالاً(٤) ومَقِيلاً،
وهي - كما في ((القاموس))(٥) - نصفُ النهار، أو هي الراحة والدَّعةُ نصفَ النهار
وإن لم يكن معها نومٌ، كما في ((النهاية))(٦). واستُدِلَّ له بقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ
الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] إذ الجنَّةُ لا نوم فيها. وقال
الليث: هي نومةُ نصف النهار، ودُفِعَ الاستدلالُ بأنَّ ذلك مجاز.
وإنَّما خُصَّ إنزالُ العذاب عليهم في هذين الوقتين؛ لما أنَّ نزولَ المكروه عند
الغفلة والدَّعَة أفظعُ، وحكايتَه للسامعين أزجرُ وأردعُ عن الاغترار بأسبابِ الأمن
والراحة.
(١) في شرحه على ألفيته، كما صرح بذلك الشهاب الخفاجي في الحاشية ٤/ ١٥٠. والكلام
أيضاً في شرح ولده على الألفية ص١٣٦ .
(٢) أوضح المسالك ص٣٣٧، ومفتاح العلوم ص٢٧٤ .
(٣) الانتصاف ٦٩/٢ .
(٤) في (م): ميقالاً.
(٥) مادة (قيل).
(٦) مادة (قيل).

سُورَةُ الأَّغَرَافِ
٢٠
الآية : ٥
وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر، وجعلها عينَ البيات، وفي الحال
الثانية بالجملةِ الاسميَّة المفيدةِ في المشهور للثبوت، مع تقديم المسند إليه المفيد
للتقوِّي: ما لا يَخفى من المبالغة. وكذا في وصف الكلِّ بوصفِ البيات والقيلولةِ
مع أنَّ بعضَ المهلَكين بمعزلٍ منهما: إيذانٌ بكمالِ الأمن والغفلة، وفي هذا ذمٌّ لهم
بالغفلة عمَّا هم بصدده. وإنَّما خُولِف بين العبارتين - على ما قيل - وبُنيتِ الحالُ
الثانية على تقوِّي الحكم والدلالة على قوَّة أمرهم فيما أُسندَ إليهم؛ لأنَّ القَيلولةَ
أظهرُ في إرادة الدَّعة وخفضٍ العيش، فإنَّها من دأبِ المترفين والمتنعِّمين دونَ من
اعتادَ الكدحَ والتعب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم أربابُ أشرٍ وبطر.
﴿فَمَا كَانَ دَعْوَهُمْ﴾ أي: دعاؤهم واستغاثتهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ
دَعْوَنُهُمْ﴾ [يونس: ١٠] وقولِ بعض العرب فيما حكاه الخليل وسيبويه(١): اللهم أشركنا
في صالح دعوى المسلمين. أو: ادِّعاؤهم، كما هو المشهور في معنى الدعوى.
﴿إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا﴾ عذابُنا وشاهدوا أَمَاراته ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾ جميعاً: ﴿إِنَّا كُنَا
ظَلِينَ ﴾﴾ أي: إلَّا اعترافَهم بظلمهم فيما كانوا عليه، وشهادتَهم ببطلانه تحسُّراً
وندامةً وطمعاً في الخلاص، وهيهات ولات حينَ نجاة. وفي جعل هذا الاعتراف
عينَ ذلك مبالغةٌ، على حدٍّ قوله:
تحيةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيعُ (٢)
و(دعواهم) يجوز فيه - كما قال أبو البقاء(٣) - أنْ يكون اسمَ كان، والخبرُ:
((إلّا أنْ قالوا))، وأنْ يكونَ هو الخبر، و((إلّا أن قالوا)» الاسم.
ورُجِّحَ الثاني بأنَّ جعلَ الأعرفِ اسماً هو المعروفُ في كلامهم، والمصدرُ هنا
يشبهُ المضمر؛ لأنَّه لا يوصف، وهو أعرفُ من المضاف.
وأوردَ عليه أنَّ الاسمَ والخبر إذا كانا معرفتين، وإعرابُهما غير ظاهر، لا يجوزُ
تقديمُ أحدهما على الآخر، فتعيَّن الأول.
(١) في الكتاب ٤/ ٤٠.
(٢) هو لعمرو بن معدي كرب، وسلف ٦٤/٥.
(٣) في الإملاء ٢٦٨/١ (مصورة دار الكتب العلمية).