النص المفهرس
صفحات 521-540
الآية : ١٥٨ ٥٢١ سُؤَةُ الأَنْعَل الإيمانُ حينئذٍ نفساً لم يصدر عنها من قبل؛ إمَّا الإيمانُ المجرَّدُ، أو الخيرُ المكسوب فيه، فيتحقَّقُ الخير بأيِّهما كان حسبما تنطقُ به النصوصُ الكريمةُ من الآيات والأحاديث الصحيحة. والمعتزلةُ يقولون: إنَّ الترديدَ بين النفيين، والمرادُ نفي العموم لا عموم النفي، والمعنى أنَّه لا ينفعُ الإيمانُ حينئذٍ نفساً غيرَ مقدِّمَةٍ إيمانَها، أو مقدِّمةً إيمانها غيرَ كاسبةٍ فيه خيراً. وهذا صريحٌ فيما ذهبوا إليه من أنَّ الإيمان المجرَّدَ عن العمل لا يعتبر، ولا ينفعُ صاحبه، ولم يحملُوا ذلك على عموم النفي كما قرَّروه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] لأنَّ ذلك حيثُ لم تقم قرينةٌ حاليَّةٌ أو مقاليّةٌ على خلافه، وهنا قد قامت قرينةٌ على خلافه، فإنَّه لو اعتُبِر عمومُ النفي لغا ذكرُ اشتراطِ عدم النفع بالخلوِّ عن كسب الخير في الإيمان؛ ضرورةً أنه إذا انتفى الإيمان قبل ذلك اليوم انتفى كسبُ الخير فيه قطعاً، على أنَّ الموجبَ للخلودِ في النار هو عدمُ الإيمان من غير أنْ يكونَ لعدم كسبِ الخير دخلٌ مّا في ذلك أصلاً، فيكون ذكره بصددٍ بيان ما يوجبُ الخلودَ لغواً من الكلام أيضاً . وأجاب شيخُ الإسلام عن ذلك بأنَّه مبنيٌّ على توهُم أنَّ المقصودَ بوصف النفس بالعدمَين المذكورين مجردُ بيان إيجابهما للخلود فيها، وعدمُ نفع الإيمان الحادثِ في إنجائها عنه. وليس كذلك، وإلَّا لكفى في البيان أنْ يُقال: لا ينفعُ نفساً إيمانُها الحادثُ. بل المقصودُ الأصليُّ من وصفها بذينك العدمين في أثناءِ [بيان] عدم نفع الإيمانِ الحادث: تحقيقُ أنَّ موجب النفعِ إحدى ملكتيهما - أعني الإيمان السابق، والخير المكسوب فيه ـ لما ذُكر من الطَريقة والترغيب في تحصيلهما في ضمن التحذير من تركهما. ولا سبيل إلى أنْ يقال: كما أنَّ عدمَ الأوَّلِ مستقلٌّ في إيجاب الخلود في النار، فيلغو ذكر عدم الثاني، كذلك وجودُهُ(١) مُستقِلٌّ في إيجاب الخلاص عنها، فيكونُ ذكر الثاني لغواً؛ لما أنَّه قياسٌ مع الفارق، كيف لا، والخلودُ فيها أمرٌ لا يُتصوَّرُ فيه تعدُّد العلل، وأمَّا الخلاصُ عنها مع دخولِ الجنة، فله مراتب بعضها مترتِّبٌ على نفس الإيمان، وبعضُها على فروعه المتفاوتة كمّاً وكيفاً . (١) في الأصل و(م): وجود، والمثبت من تفسير أبي السعود. سُورَةُ الأَنْعَل ٥٢٢ الآية : ١٥٨ ولم يقتصر على إتيان ما يوجبُ أصلَ النفع، وهو الإيمانُ السابقُ، مع أنَّه المقابَلُ بما (١) لا يوجبُه أصلاً، وهو الإيمان الحادث، بل قرنَ به ما يوجبُ النفعَ الزائدَ أيضاً؛ إرشاداً إلى تحرِّي الأعلى، وتنبيهاً على كفاية الأدنى، وإقناطاً للكفرةِ عمَّا علَّقُوا به أطماعَهم الفارغة من أعمالِ البرِّ التي عملوها في الكفر ممَّا هو من بابِ المكارم، وأنَّ الإيمانَ الحادثَ كما لا ينفعُهم وحدَه لا ينفعُهم بانضِمام أعمالهم السابقة واللاحقة . ثم قال: ولك أنْ تقول: المقصودُ بوصف النفس بما ذُكر من العدمين التعريضُ بحال الكفرة في تمرُّدهم وتفريطِهم في كلِّ واحدٍ من الأمرين الواجبين عليهم، وإنْ كان وجوبُ أحدهما منوطاً بالآخر، كما في قوله سبحانه: ﴿فَلَ صَدَّفَ وَلا صَلَّى ) وَلَكِنْ كَذَّبَ رَتَوَلَ﴾ [القيامة: ٣١-٣٢] تسجيلاً عليهم بكمال طغيانهم، وإيذاناً بتضاعُفٍ عقابهم؛ لما تقرَّر من أنَّ الكفارَ مخاطبون بالفروع في حقِّ المؤاخذة، كما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٦-٧](٢). اهـ. وقيل في دفع اللَّغْويَّة غيرُ ذلك، وأجابَ بعضهم عن متمسَّك المعتزلةِ بأنَّ الآيةَ مشتملةٌ على ما سُمِّي في علم البلاغة باللفِّ التقديريِّ، كأنَّه قيل: لا ينفعُ نفساً إيمانُها، ولا كسبُها في إيمانها خيراً، لم تكن آمنت من قبلُ، أو لم تكن كسبتْ خيراً. فاقتصر للعلم به. وفيه خفاءٌ لا يخفى. ومثله ما تفطّن له بعضُ المحقّقين، وإنْ تمَّ الكلامُ به من غير لفّ ولا اعتبار اقتصار؛ وهو أنَّ معنى الآية أنَّه لا ينفعُ الإيمانُ باعتبارِ ذاته إذا لم يحصل قبلُ، ولا باعتبار العمل إذا لم يعمل قبلُ، ونفعُ الإيمان باعتبار العمل أنْ يصيرَ سبباً لقَبول العمل = فإنَّ العبارة لا تحتمله ولا يُفْهَم منها من غير اعتبارٍ تقديرٍ في نظم الكلام. وقال مولانا ابن الكمال: إنَّ المرادَ بالإيمان في الآية المعرفةُ، كما يرشدُ إليه قراءة ((لا تنفع)) بالتاء، ويكسب الخير الإذعان، ونحن معاشرَ أهل السنّة والجماعة (١) في تفسير أبي السعود: المقابل لما. (٢) تفسير أبي السعود ٢٠٤/٣-٢٠٥. وما سلف بين حاصرتين منه. الآية : ١٥٨ ٥٢٣ سُورَةُ الأَنْتَم نقول بما هو موجّبُ النصِّ من أنَّ الايمانَ النافع مجموعُ الأمرين، ولا حجَّة فيه للمخالف؛ لأنَّ مبناها حملُ الإيمان على المعنى الاصطلاحيِّ المخترع بعد نزول القرآن، وتخصيصُ الخير بما يكون بالجوارح، وكلٌّ منهما خلافُ الأصل والظاهر. ولو سُلِّم فنقول: الإيمانُ النافع لا بدَّ فيه من أمرين؛ الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان، وقد عبّر عن الأوَّل بقوله سبحانه: ((آمنتْ))، وعن الثاني بقوله تعالى: ((أو كسبتْ)) فالكسبُ يكون بالآلاتِ البدنيَّةِ، ومنها اللسان؛ فمنطوقُ الآية على مذهبنا . اهـ. ولا يخفى عليك أنَّ الألفاظَ المستعملةَ في كلام الشارع حقائقُ شرعيَّة، يتبادرُ منها ما عُلِم بلا قرينة، والإيمان وإنْ صحَّ أنَّه لم يُنقَل عن معناه اللغويِّ الذي هو تصديقُ القلب مطلقاً، وإن استعمل في التصديق الخاصِّ، إلّا أنَّ المتبادرَ منه هذا التصديق، وحينئذٍ فكلامُ هذا العلّامة لا يخلو عن نظر. وأجابَ القاضي البيضاوي(١) - بَيَّضَ الله تعالى غرَّةَ أحواله - بأنَّ لمن اعتبرَ الإيمان المجرَّدَ عن العمل، وقال بأنه ينفعُ صاحبَه حيث يخلِّصُه عن الخلود في النار، تخصيصُ هذا الحكم بذلك، أي: إنَّ هذا الحكم - أعني عدمَ نفع الإيمان المجرَّد صاحبَه - مخصوصٌ بذلك اليوم، بمعنى أنَّه لا ينفعه فيه، ولا يلزَمُ منه أنَّه لا ينفعه في الآخرة في شيءٍ من الأوقات، وليس المرادُ أنَّ المحكومَ عليه بعدمِ النفع هو ما حدثَ في ذلك اليوم من الإيمان والعمل، ولا يلزمُ من عدم نفعِ ما حدث فيه عدمُ نفع الإيمان السابق عليه وإنْ كان مجرَّداً عن العمل كما قيل؛ لأنَّ هذا ليس من تخصيص الحكم في شيءٍ، بل هو تخصيصٌ للمحکوم علیه قد يرجعُ حاصلُه إلى اشتمال الآية على اللفِّ التقديري، كما أشرنا إليه. وبَرِدُ عليه أنَّه يلزمُ منه تخصيصُ الحكم بعدم نفع الإيمان الحادث في ذلك اليوم به أيضاً. ولا قائلَ به؛ إذ هو لا ينفعُ صاحبَه في شَيءٍ من الأوقات بالاتِّفاق. ويمكن دفعُه بأنَّ التخصيصَ في حكم عدم النفع إنَّما يلاحظ بالنظر إلى الإيمان المجرَّد وباعتباره فقط، على أنْ يكون معنى الآية: يوم يأتي بعضُ آيات ربك لا ينفعُ (١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٤/ ١٤٢- ١٤٣. سُورَةُ الأَنْعَل ٥٢٤ الآية : ١٥٨ الإيمانُ الغيرُ السابق إليه صاحبُه فيه، ولا الإيمانُ الغيرُ المكتسب فيه الخير، وإنْ نَفَعَ هو بالآخرة. إلّا أنَّ في هذا تخصيصاً في الحكم والمحكوم به. فتأمل. وبأنَّ له(١) أيضاً صرفَ قوله سبحانه: ((كسبت)) عن أنْ يكون معطوفاً على ((آمَنَتْ)) إلى عطفه على(٢) ((لم تكن))، لكن بعد جعل ((أو)) بمعنى الواو، وحملٍ الإيمان في ((لا ينفع نفساً إيمانُها)) على الإيمان الحادث في ذلك اليوم، وإذا لم ينفع(٣) مع كسب الخير فيه، يُفهم منه عدمُ نفعه بدونه بالطريق الأولى. وأنت تعلمُ أنَّ مثل هذا الاحتمال يضرُّ بالاستدلال، ونحنُ بصدد الطعنِ باستدلالهم، فلا يضرُّنا أنَّ فيه نوعَ بُعدٍ . ومن عجيب ما وقفتُ عليه لبعض فضلاءِ الروم(٤) في الجواب أنَّ ((أو)) بمعنى (إلَّا)) وبعدها مضارعٌ مقدَّرٌ، مثَلُها في قول الحريري في المقامة التاسعة [عشر]: فوالله ما تمضمضتْ مقلتي بنومها، ولا تمخَّضت(٥) ليلتي عن يومها أو ألفيت أبا زيد السروجيّ(٦). والأصل: أو يكون كسبت، أي: إلّا أنْ يكون، والمراد من هذا الاستثناء المبالغةُ في نفي النفع (٧) بتعليقه بالمحال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ﴾ [النساء: ٢٣] في رأي. وقولِ الشاعر: ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب(٨) (١) عطف على قوله: بأن لمن اعتبر الإيمان المجرد عن العمل. ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤/ ١٤٣ . (٢) في الأصل و(م): إلى، والمثبت من تفسير البيضاوي. (٣) أي: الإيمان الحادث، وجاء بعدها في (م): ذلك. (٤) هو المولى الفاضل معين زاده، كما صرح به المؤلف في غرائب الاغتراب ص ٤٣٦. (٥) في الأصل: تمحضت. (٦) شرح مقامات الحريري لأبي العباس الشريشي ١٤٤/٢. وفيه: دون أن ألفيت، بدل: أو ألفيت، ولا شاهد فيه إذ ذاك. وتمضمضت العين بالنوم: إذا خالطَها ودبَّ فيها. والمعنى: أنه لم ينقض يومي الذي وردتُ فيه نصيبين حتى وجدت فيه أبا زيد قبل أن أدخل في ليلتي. (٧) في (م): النفي. (٨) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١١، وقد سلف ٥/ ٤٠٧. الآية : ١٥٩ ٥٢٥ سُورَةُ الأَنْدَم وحاصلُ المعنى فيما نحن فيه: إذا جاء ذلك إليهم لا ينفعُ الإيمانُ نفساً لم تكن آمنت من قبلِ ذلك اليوم، إلَّا أنْ تكون تلك النفسُ التي لم تكن آمنت من قبلُ كسبت في الإيمان خيراً قبلَ ذلك اليوم، وكسبُ الخير في الإيمان قبلَ ذلك اليوم للنفس التي لم تكن آمنت قبلُ ممتنعٌ، فالنفعُ المطلوبُ أولَى بأنْ يكون ممتنعاً. وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوهٍ أُخَر، وحاصلُ جميع ذلك أنَّ الآيةً لما فيها من الاحتمالات لا تكونُ معارِضةً للنصوصِ القطعيَّة المتون، القويّةِ التي لا يشوبها مثل ذلك، الصَّادحةِ بكفاية الإيمان المجرَّد عن العمل في الإنجاء من العذاب الخالد، ولو بعد اللُّنيًّا والتي. وبعدَ ذلك كلِّه يَرِدُ على المعتزلة أنَّ الخيرَ نكرةٌ في سياق النفي فيعمُّ، ويلزمُ أنْ يكونَ نفعُ الإيمان بمجرَّد الخير ولو واحداً. وليسَ ذلك مذهبهم فإنَّ جميعَ الأعمالِ الصالحةِ داخلٌ في الخير عندهم. ﴾ لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد ﴿أَنْتَظِرُواْ﴾ ما تنتظرونَه من لذلك، وحينئذٍ نفوزُ وتهلكون. قيل: في ١٥٨ إتيان أحدٍ هذه الأمور ﴿إِنَّا مُنْنَظِرُونَ هذا تأييدٌ لكون المراد بما ينتظرونَه إتيانُ ملائكة العذاب، أو إتيانُ أمره تعالى به، وعِدَةٌ ضمنيَّةٌ لرسول الله وَّ ه والمؤمنين بمعاينتِهم بما يحيق بالكفرة من العقاب، ولعلَّ ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ استئنافٌ لبيان أحوال أهل الكتابين إثْرَ بيان حال المشركين؛ بناءً على ما رُويَ عن ابن عباس وقتادة أنَّ الآيةَ نزلت في اليهود والنصارى. أي: بدَّدوا دينَهم وبعَّضُوه فتمسَّك بكلِّ بعضٍ منه فرقةٌ منهم. وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وحمزة والكسائيُّ: ((فارقوا)» بالألف(١)، أي: باينوا، فإنَّ تركَ بعضه وإنْ كان بأخذِ بعضٍ آخر منه ترٌ للكلِّ ومفارقةٌ(٢) له. (١) قراءة علي رضيه أخرجها الطبري في تفسيره ٣٠/١٠٥. وابن أبي حاتم ١٤٢٩/٥. وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. (٢) في (م): أو مفارقة. ووقع في الأصل و(م): الكل، بدل: للكل، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٠٦/٣، والكلام منه. سُؤَرَّةُ الْأَنْتَ ٥٢٦ الآية : ١٥٩ ﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ أي: فرقاً تشيِّع كلُّ فرقةٍ إماماً وتتبعه، أو تقوِّيه وتُظهرُ أمرَه. أخرج أبو داود، والترمذيُّ وصحَّحهُ، وابنُ ماجه، وابن حبان، وصحَّحه الحاكمُ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّهم في الهاوية إلَّ واحدةً، وافترقتِ النصارى على ثنتين وسبعينَ فرقةً، كلُّهم في الهاوية إلا واحدةً، وستفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةٌ، كلُّهم في الهاوية إلَّا واحدةً))(١). واستثناءُ الواحدة من فِرَقٍ كلٍّ من أهل الكتابين إنَّما هو بالنظرِ إلى العصر الماضي قبلَ النسخ، وأما بعدَه فالكلُّ في الهاوية، وإن اختلفت أسبابُ دخولهم. ومن غريب ما وقع لي(٢) أنَّ بعضَ متعصِّبي الشيعة الإماميَّة من أهل زماننا واسمُه حمد(٣) روى بدل: ((إلَّ واحدة)) في هذا الخبر: إلَّ فرقة. وقال: إن فيه إشارةً إلى نجاة الشيعة؛ فإنَّ عددَ لفظ فرقة بالجُمَّلِ، وعدد لفظ شيعة سواءٌ، فكأنَّه قال عليه الصلاة والسلام: إلَّا شيعة، والمشهورُ بهذا العنوان هم الشيعةُ الإماميَّة. فقلتُ له بعد عِدَّة تزييفاتٍ لكلامه: يلزم هذا النوعَ من الإشارة أنْ تكون كلباً؛ لأنَّ عدد كلب، وعدد حمد سواءٌ، فأُلقِمَ الكلبُ حجراً. ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ﴾ أي: من السؤال عنهم والبحثِ عن تفرُّقهم، أو: من عقابهم، أو: أنت بريءٌ منهم. وقيل: يحتملُ أنْ يكون هذا وعداً لرسول الله وَليل بالعصمة عنهم؛ أي: لست منهم في شيءٍ من الضَّرر. وعن السُّدِّيِّ أنَّه نهيٍّ عن التعرُّض لقتالهم، ثم نُسِخَ بما في سورة براءة. و(منهم)) في موضع الحال؛ لأنَّه صفة نكرةٍ قُدِّمت عليها . (١) سنن أبي داود (٤٥٩٦)، وسنن الترمذي (٢٦٤٠)، وسنن ابن ماجه (٣٩٩٢)، وصحيح ابن حبان (٦٢٤٧)، (٦٧٣١)، ومستدرك الحاكم ١٢٨/١. بألفاظ متقاربة. وهو أيضاً بنحوه في مسند أحمد (٨٣٩٦). وأورده باللفظ الذي ذكره المصنف أبو السعود ٢٠٦/٣. (٢) لفظة: لي. ليست في (م). (٣) جاء في هامش الأصل: حمد الشبلي العامري. منه. الآية : ١٥٩ ٥٢٧ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿إِنََّآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ تعليلٌ للنفي المذكور، أي: هو يتولَّى وحدَه أَمْرَ أُولاهُم وآخرتهم، ويدبِّره حسبما تقتضيه الحكمة. وقيل: المفرِّقون أهلُ البدع من هذه الأمة، فقد أخرج الحكيمُ الترمذيُّ وابنُ جرير والطبرانيُّ والشيرازيُّ في ((الألقاب)) وابنُ مردويه عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ إلخ: ((هم أهلُ البدع والأهواء من هذه الأمَّة))(١) وأخرج الترمذيُّ(٢)، وابنُ أبي حاتم، وأبو الشيخ، والطبرانيُّ، وأبو نعيم في (الحلية)) والبيهقي في ((الشعب)) وغيرهم عن عمر بن الخطاب نظُبه أنَّ رسول الله وَلّل قال لعائشة ﴿ّ: (يا عائشُ، إنَّ الذين فارقوا دينَهم وكانوا شيعاً هم أصحابُ البدع وأصحابُ الأهواء وأصحابُ الضلالة من هذه الأمَّة، ليسَ لهم توبة، يا عائشةُ، إنَّ لكلِّ صاحب ذنبٍ توبةً غيرَ أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، فإنَّهم ليس لهم توبةٌ، وأنا منهم بريءٌ، وهم منِّي برآء)»(٣). فيكونُ الكلامُ استئنافاً لبيانٍ حال المبتدعين إثرَ بيان حال المشركين؛ إشارةً إلى أنَّهم ليسوا منهم ببعيد، ولعلَّ جملة (إنَّما أمرهم)) إلخ على هذا ليست للتعليل، وإنَّما هي للوعيد على ما فعلوا، أي: إنَّ رجوعهم إليه سبحانه في الدنيا - على ثُمَّ يُنِئُهُمْ﴾ يومَ القيامة ﴿يَمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ الاستمرار - بالعقاب عليه . (١) تفسير الطبري ٣٣/١٠، والمعجم الأوسط للطبراني (٦٦٤)، ولم نقف عليه في مطبوع نوادر الأصول للحكيم الترمذي. وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٦٣/٣. وعنه نقل المصنف. والحديث أورده ابن كثير في تفسيره ٣٧٧/٣ ثم قال: لكنَّ هذا الإسناد لا يصحُّ، فإنَّ عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق الحديث، ولكنه وَهَم في رفعه ... اهـ وينظر علل الدارقطني ٣٢١/٨-٣٢٢. (٢) هو الحكيم الترمذي كما صرَّح به في الدر المنثور ٣/ ٦٣. وعنه نقل المصنف. (٣) نوادر الأصول للحكيم الترمذي ٢٠٩/١، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٣٠ (٨١٥٧)، والمعجم الصغير للطبراني (٥٦٠)، وحلية الأولياء ١٣٨/٤، وشعب الإيمان للبيهقي (٧٢٣٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٨/١: وفيه بقية ومجالد بن سعيد، وكلاهما ضعيف. اهـ. وقال ابن كثير في تفسيره ٣٧٧/٣: وهو غريبٌ أيضاً ولا يصحُّ رفعه. سُؤَدَّةُ الأَنْعَم ٥٢٨ الآية : ١٦٠ ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ استئنافٌ مبيِّن لمقاديرِ أجزيةِ العاملين،. وقد صُدِّرَ ببيان أجزية المحسنين المدلولِ عليهم بذكرٍ أضدادهم، أي: من جاء من المؤمنين بالخصلةٍ الواحدة من خِصال الطاعة أيَّ خَصْلةٍ كانت. وقيل: التوحيدُ. ونُسِبَ إلى الحسن، وليس بالحسن. ﴿فَلَهُ, عَشْرُ﴾ حسناتٍ ﴿أَمْثَالِهًا﴾ فضلاً من الله تعالى. وقرأ يعقوب: ((عشرٌ)) بالتنوين ((أمثالُها)) بالرفع على الوصف(١). وهذا أقلُّ ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعدُ بسبعين، وسبعٍ مئةٍ، وبغيرِ حساب، ولذلك قيل: المرادُ بالعَشْر الكثرةُ لا الحصر في العدد الخاص. وأخرج ابن أبي حاتم(٢) عن أبي هريرة، وأبو الشيخ عن ابن عباس(٣)، وعبدُ بن حميد وغيرُهُ(٤) عن ابن عمر أنَّ الآية نزلتْ في الأعراب خاصَّةً، وأمَّا المهاجرون، فالحسنةُ مضاعفةٌ لهم بسبعٍ مئةٍ ضعفٍ. والظاهرُ العموم. وتجريدُ ((عشر)) من التاء لكونِ المعدود مؤنَّئاً كما أشرنا إليه، لكنَّه حُذفٍ وأُقيمت صفتُه مقامَه، وقيل: إنَّه المذكور، إلَّا أنَّه اكتسبَ التأنيثَ من المضاف إليه. ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَِّئَةِ﴾ كائناً من كان من العالمين ﴿فَلَا يُجْزَّى إِلَّا مِثْلَهًا﴾ بحكم الوعدِ، واحدةً بواحدة. وإيجابُ كفرٍ ساعةٍ عقابَ الأبد؛ لأنَّ الكافرَ على عزمِ أنَّه لو عاشَ أبداً لبقيَ على ذلك الاعتقادِ أبداً . ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾ بنقصِ الثواب وزيادة العقاب، فإنَّ ذلك منه تعالى لا يعدُّ ظلماً؛ إذ له سبحانه أنْ يعذِّبَ المطيعَ، ويثيبَ العاصي. وقيل: المعنى: لا يُنقَصون في الحسنات من عشر أمثالها، وفي السيئة من مثلِها في مقام الجزاء. (١) النشر ٢٦٦/٢. (٢) في تفسيره ٥/ ١٤٣٢ (٨١٦٩). (٣) كما في الدر المنثور ٦٤/٣. (٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦٤/٣، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير [٣٦/٧ و٤٣/١٠] وابن المنذر وابن أبي حاتم [١٤٣٢/٥] وابن مردويه. الآية : ١٦٠ ٥٢٩ سُورَةُ الأَنْعَم ومن المعتزلة من استدلَّ بهذه الآية على إثبات الحُسْن والقبح العقليين، واختلفَ في تقريره، فقيل: إنَّهم لما رأوا أنَّ أحدَ أدلَّة الأشاعرة على النفي أنَّ العبدَ غيرُ مستبِدٍّ في إيجادٍ فِعله - كما بُيِّنَ في محلِّه - فلا يَحكمُ العقل بالاستقلال على ترتّبِ الثواب والعقاب عليه. قالوا: إنَّ قوله سبحانه: ﴿مَن جَّةَ بِالْحَسَنَةِ﴾ إلخ صريحٌ في أَنَّ العبدَ مستبدٌّ مختارٌ في فعله الحسن والقبيح، وإذا ثبتَ ذلك ثبتَ(١) الحسنُ والقبحُ العقليان. وأجيبَ عنه بأنَّ الآيةَ لا تدلُّ على استبدادِ العبد، غايةُ ما فيها أنَّها تدلُّ على المباشرة، وهم لا ينكرونَها . وقيل: إنَّ الآية دلَّت على أنَّ لله تعالى فعلاً حسناً، ولو كان حُسنُ الأفعال لكونها مأمورةً أو مأذوناً فيها، لما كان فعلُ الله تعالى حسناً، إذ هو غيرُ مأمور ولا مأذون، وأيضاً لو توقَّفَ معرفةُ الحسن والقبح على ورودِ الشرع، لما كانت أفعالُه تعالى حسنةً قبل الورودِ، وهو خروجٌ عن الدين. وأجيب؛ أمَّا عن الأول: فبأنَّا لا ندَّعي أنَّه لا حَسن إلَّا ما أمرَ به، أو أذنَ في فعله، حتى يقال: يلزمُ أنْ تكونَ أفعالُ الله تعالى غيرَ حسنة، إذ يستحيلُ أنْ يكون مأموراً بها، أو مأذوناً فيها، بل ما أمر الشارعُ بفعله أو أذنَ فيه فهو حسنٌ، ولا ينعكسُ كنفسه، بل قد يكونُ الفعلُ حسناً باعتبار موافقةِ الغرض، أو باعتبارٍ أنَّه مأمورٌ بالثناء على فاعله، وبهذا الاعتبارِ كان فعلُ الله تعالى حسناً، سواءٌ وافقَ الغرض أو خالف. وأمَّا عن الثاني: فبأنَّ الحُسْنَ والقبح وإنْ فُسِّرَا بورودِ الشرع بالمنع والإطلاق، لكن لا نسلِّم أنَّه لا حُسنَ ولا قُبحَ إلَّا بالشرع حتى يلزمنا ذلك، بل الحسنُ والقبح أعمُّ مما ذُكر كما عُرف في موضعه، ولا يلزمُ من تحقّق معنى الحُسن والقبح بغير ورود الشرع بالمنع والإطلاق أنْ يكون ذاتياً للأفعال. ولا يخفى على المطّلِع أنَّ قولَهْم: لو كان حُسنُ الأفعال .. إلخ. وقولهم: لو توقف معرفةُ الحسن والقبح .. إلخ، شبهتان مستقلَّتان من شبهٍ عشر إلزاميَّةٍ ذكرها الآمديُّ في ((أبكار (١) في (م): يثبت. سُؤَدَّةُ الْأَنْعَل ٥٣٠ الآية : ١٦١ الأفكار))(١)، وأنَّ كلَّا من التقريرين السابقين لا يخلو بعدُ عن نظرٍ، فتدبر. ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبٍ﴾ أمرٌ له ◌َّه بأن يبيِّن ما هو عليه من الدين الحقِّ الذي يَدَّعي المُفَرِّقون أنَّهم عليه، وقد فارقوه بالكليّة. وتصديرُ الجملة بحرفِ التحقيق لإظهارِ كمال العناية بمضمونها، والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لِمَا مرَّ غيرَ مرة (٢). أي: قل يا محمد لهؤلاء المفرِّقين أو للناس كافَّةٌ: أرشدني ربي بالوحي، وبما نصبَ في الآفاقِ والأنفس من الآيات ﴿إِلَى صِرَطٍ تُسْنَقِيمٍ﴾ موصلٍ إلى الحق. وقوله سبحانه: ﴿دِينًا﴾ بدلٌ من محلِّ ((إلى صراط))، إذ المعنى: فهداني صراطاً، نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] أو مفعولُ فعلٍ مضمرٍ دلَّ عليه المذكور، أي: هداني، أو: أعطاني، أو: عَرَّفني ديناً. وجُوِّز أنْ يكون مفعولاً ثانياً للمذكور(٣). وقولُه سبحانه: ﴿قِيَمًا﴾ مصدرٌ كالصغرِ والكبر نُعِتَ به مبالغةً. وجوِّزَ أنْ يكون التقديرُ: ذا قيم، والقياس: قِوَماً، كعِوَض وحِوَل، فأُعِلَّ تبعاً لإعلال فعلِه - أعني: قام - کالقیام. وقرأ كثير: ((قَيِّماً))(٤)، وهو فَيْعِل من قام أيضاً، كسيِّد من ساد، وهو - على ما قيل - أبلغُ من المستقيم باعتبارِ الهيئة، والمستقيمُ أبلغ منه باعتبار مجموعِ المادّة والهيئة. وقيل: أبلغيَّةُ المستقيم؛ لأنَّ السين فيه (٥) للطلب، فيفيدُ طلبَ القيام واقتضاءَه. ولا فرق بين القيِّم والمستقيم في أصل المعنى عند الكثير، وفسّروا القيِّم بالثابتِ المُقَوِّم لأمرِ المعاش والمعاد، وجعلوا المستقيمَ من استقام الأمر، بمعنى ثبتَ، وإلَّا لا يتأتَّى ما ذُكر. (١) أبكار الأفكار في أصول الدين لسيف الدين الآمدي ١٣٤/٢ -١٣٥ و١٤٠-١٤١. (٢) أي: لمزيد تشريفه عليه الصلاة والسلام. (٣) أي: ((هداني))، قال السمين الحلبي في الدر المصون ٢٣٨/٥: وهو غلط؛ لأن المفعول الثاني هنا هو المجرور بإلى، فاكتفي به. (٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٧/٢. (٥) ليست في (م). الآية : ١٦٢ ٥٣١ سُوَّةُ الأَنْعَمُ وقيل: المستقيمُ: مقابلُ المعوَجِّ، والقيِّمُ: الثابتُ الذي لا ينسخ. ﴿مِلَّةَ إَِّهِيمَ﴾ نصب بتقدير: ((أعني))، أو عطفُ بيانٍ لـ ((ديناً)) بناءً على جوازٍ تخالف البيان والمبيَّن تعريفاً وتنكيراً . ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلاً عن الأديان الباطلة، أو مُخلِصاً لله تعالى في العبادة. وهو حالٌ من ((إبراهيم))، وقد أطبقوا على جوازٍ مجيء الحالِ من المضاف إليه إذا كان المضافُ جزءاً منه، أو بمنزلةِ الجزء، حيث يصحُّ قيامُه مقامَه، والعاملُ في هذه الحال هو العامل في المضاف، وقيل: معنى الإضافة؛ لما فيه من معنى الفعلِ المشعرِ به حرفُ الجرِّ، وقد تقوَّى هذا المعنى هنا بما بين المتضايفين من الجزئيَّةِ أو شِبْهِها . وجُوِّزَ أنْ يكون مفعولاً لفعلٍ مقدَّرٍ، أي: أعني حنيفاً. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لنزاهته عليه الصلاة والسلام عمَّا عليه المبطلون. وقيل: عطف على ما تقدَّم. وفيه ردٌّ على الذين يدَّعون أنَّهم على ملَّته عليه السلام من أهلٍ مَّة القائلين: الملائكةُ بناتُ الله، واليهود القائلين: عزير ابنُ الله، والنصارى القائلين: عيسى ابن الله . ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ﴾ أي: جنسها؛ لتشملَ المفروضةَ وغيرها. وأعيدَ الأمر لمزيدٍ الاعتناء، وقيل: لأنَّ المأمورَ به متعلِّقٌ بفروع الشرائع، وما سبقَ بأصولها. ﴿وَنُسُكِ﴾ أي: عبادتي كلها، كما قال الزجَّاجُ(١) والجبائيُّ، وهو من عطف العامِّ على الخاص. وعن سعيد بن جبير ومجاهد والسُّدِّيّ: أنَّ المرادَ به الذبيحةُ للحجِّ والعمرة. وعن قتادة: الأضحية. وجمعَ بينه وبين الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] على المشهور. وقيل: المراد به الحجُّ، أي: إنَّ صلاتي وحجِّي. (١) في معاني القرآن له ٣١١/٢. سُورَةُ الأَنْقَول ٥٣٢ الآية : ١٦٣ - ١٦٤ ﴿وَحْيَاىَ وَمَمَاتٍ﴾ أي: ما يقارنُ حياتي وموتي من الإيمان والعمل الصالح. وقيل: يحتملُ أنْ يكون المرادُ بالمحيا والمماتِ ظاهرَهما. والأوَّلُ هو المناسبُ لقوله تعالى: ﴿لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ إذ المرادُ به الخلوص بحسب الظاهر، وقيل: المرادُ به نظراً لهذا الاحتمال أنَّ ذلك له تعالى ملكاً وقدرةً. ﴿لَا شَرِيكَ لَّ﴾ أي: في عبادتي، أو فيها وفي الإحياءِ والإماتة. وقرأ نافع: (محيايْ)) بإسكان الياء إجراءً للوصلِ مجرى الوقف(١)، وفي روايةٍ أنَّه كسرَ الياء(٢)، وعلى الرواية الأولى إنما جازَ التقاءُ الساكنين لنَّةِ الوقف، وفيه يجوزُ ذلك، فطعنُ بعضِهم في ذلك بأنَّ فيه الجمعَ بين الساكنين، وهو لا يجوزُ، ليس في محلِّه، وقد رَوى هذه القراءةَ عن نافعٍ جماعةٌ، وما قيل: إنَّه رجعَ عنها، وأنَّه لا يحلُّ لأحدٍ نقلُها عنه(٣). ليسَ بشيءٍ. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ أي: القول أو الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾ لا بشيءٍ غيرِه ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْلِينَ﴾ أي: المنقادين إلى امتثالٍ ما أمر الله تعالى به، وقيل: المستسلمين لقضاءِ الله تعالى وقدرِهِ. والمراد مسلمي أمَّته كما قيل، وهذا شأنُ كلِّ نبيٍّ بالنسبة إلى أمَّته، وقيل: هذا إشارةٌ إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((أوَّلُ ما خلق الله تعالى نوري))(٤). ﴿قُلْ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْغِى رَبَّ﴾ إنكارٌ لِبُغيتهِ (٥) غيرَه تعالى ربّاً لا لبغية الربِّ، ولهذا قدّم المفعول، وليس التقديمُ للاختصاص، إذ المقصودُ: أغيرَ الله أطلبُ ربّاً وأجعلُه شريكاً له، وعلى تقدير الاختصاص لا يكون إشراكاً للغير بل توحيد. وقال بعضُ المحققين: لا يبعدُ أنْ يقال: التقديمُ للاختصاص، وذُكر في ردِّ دعوته إلى الغير ردُّ الاختصاص تنبيهاً على أنَّ إشراكَ الغير بغيةُ غير الله تعالى، إذ لا بغيةً له سبحانه إلَّا بتوحيده عزَّ وجلَّ. وما في النظم الكريم أبلغُ من: أغيرَ الله أعبدُ، ونحوه، کما لا يخفى. (١) قرأ بها قالون وورش بخلفٍ عنه، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. التيسير ص١٠٨-١٠٩، والنشر ٢٦٧/٢. (٢) البحر ٢٦٢/٤. (٣) هو قول أبي شامة كما في حاشية الخفاجي ٤/ ١٤٤ . (٤) سلف ١/ ٢١٢. (٥) في (م): لبغية. الآية : ١٦٥ ٥٣٣ سُورَةُ الأَنْفَعَم ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾ جملةٌ حاليَّةٌ مؤكِّدَةٌ للإنكار، أي: والحال أنَّ كلَّ ما سواه مربوبٌ، فكيف يُتُصوَّر أنْ يكون شريكاً له؟! ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَهًا﴾ يروى أنَّهم كانوا يقولون للمسلمين: اتَّبعوا سبيلَنا ولنحملْ خطاياكم، فَرُدَّ عليهم بما ذُكر، أي: إنَّ ما كَسبَتْهُ كلُّ نفسٍ من الخطايا محمولٌ عليها لا على غيرها حتى يصَّ قولكم، وعلى هذا يكونَ قولُه سبحانه: ﴿وَلَ نَِّرُ وَازِرَةٌ﴾ أي: نفسٌ آئمة ﴿وِزْدَ أُخْرَىَّ﴾ تأكيداً لما قبله. وقيل: إنَّ قولهم ذلك يحتملُ معنيين؛ الأول: اتَّبِعوا سبيلنا وليكتبْ علينا ما عملتُم من الخطايا لا عليكم. والثاني: اتَّبعوا، لنحمل يومَ القيامة ما كُتبَ عليكم من الخطايا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ﴾ إلخ ردٌّ له بالمعنى الأول، وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا نَزِرُ﴾ إلخ ردٌّ له بالمعنى الثاني. وقيل: إنَّ جوابَ قولهم هو الثاني، وإنَّ الأوَّل من جملة الجواب عن دعواهم إلى عبادة آلهتهم، يعني: لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، لم أكن معذوراً بأنَّكم سبقتموني إليه وقد فعلتُه متابعةً لكم ومطاوعةً، فلا يفيدني(١) ذلك شيئاً، ولا ينجيني من الله تعالى، لأنَّ كسبَ كلِّ أحدٍ وعملَه عائدٌ عليه. ورجَّحه بعضُهم على الأوَّل بأنَّ التأسيسَ خيرٌ من التأكيد. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ فَرْجِئُكُمْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكلِّ؛ لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد، أي: إلى مالكِ أمرِكم رجوعُكم يومَ القيامة ﴿فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُمْ فِهِ تَخْذَلِفُونَ ( ببيانِ الرُّشدِ من الغيِّ، وتمييز الحيٍّ من الليّ (٢). ١٦٤ ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخلفُ بعضُكم بعضاً، كلَّما مضَى قرنٌ جاءَ قرنٌ، حتى تقوم الساعة، ولا يكونُ ذلك إلَّا من عالم مُدَبِّر، وإلى هذا ذهب الحسن. أو: جعلَكُم خلفاءَ الله تعالى في أرضِه تتصرَّفون فيها كما قيل. والخطابُ عليهما عامٌّ. (١) في الأصل: يفيد في. (٢) أي: الحق من الباطل. وهو يضرب مثلاً في الاستجهال ونفي العلم. يقال: ما يعرف فلانٌ الحيَّ من اللي. ينظر: الأمثال لأبي عبيد ص ٣٩٢، ومجمع الأمثال للميداني ٢٨٦/٢، والقاموس (حيا). سُورَةُ الأَنْتََّلُ ٥٣٤ الآية : ١٦٥ وقيل: الخطابُ لهذه الأمَّة، ورُوي ذلك عن السُّدِّيّ، أي: جعلكم خلفاءَ الأمم السالفة. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الفضل والغنى، كما روي عن مقاتل ﴿دَرَجَاتٍ﴾ كثيرةٍ متفاوتة ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي: ليعاملكم معاملةَ من يبتليكم؛ لينظر ماذا تعملون ممَّا يرضيه ومما لا يرضيه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ تجريد الخطابِ لرسول الله وَّر مع إضافة اسم الربِّ إليه عليه الصلاة والسلام؛ لإبرازِ مزيد اللطف به وَاجِ. ﴿سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابُه - سبحانه - الأخرويُّ سريعُ الإتيان لمن لم يراعِ حقوقَ ما آتاه؛ لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ، أو سريعُ التمام عند إرادته؛ لتعاليه سبحانَه عن استعمال المبادي والآلات. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بالعقاب عقابُ الدنيا، كالذي يَعْقُبُ التقصيرَ: من البعد عن الفطرة، وقساوة القلب، وغِشاوة الأبصار، وصمِّ الأسماع، ونحو ذلك. ﴾ لمن راعى حقوقَ ما آتاه الله تعالى كما ينبغي. ١٦٥ ﴿وَإِنَّهُ، لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين الواردين على بناءِ المبالغة، مع التأكيد باللام، مع جعلٍ خبر الأُولَى صفةً جاريةً على غير من هي له = ما لا يخفى من التنبيه على أنَّه سبحانه غفورٌ رحيمٌ بالذات، لا تتوقَّفُ مغفرتُه ورحمتُه على شيء، كما يشيرُ إليه قوله سبحانه في الحديث القدسيِّ: ((سبقتْ رحمتي غضبي))(١)، مبالغٌ في ذلك، فاعلٌ للعقوبة بالعَرَضِ، وبعد صدورٍ ذنبٍ من العبد يستحقُّ به ذلك. وما ألطفَ افتتاحَ هذه السورة بالحمدِ، وختمَها بالمغفرة والرحمة، نسألُ الله تعالى أن يجعلَ لنا الحظّ الأوفرَ منهما، إنَّه وليُّ الإنعام، وله الحمدُ في كلِّ ابتداءٍ وختام. (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١) عن أبي هريرة ـ سُؤَةُ الأَنْعَّ ٥٣٥ التفسير الإشاري (١٤٨-١٦٥) ومن باب الإشارة في الآيات: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرُواْ﴾ بالله تعالى، وأثبتوا وجوداً غيرَ وجوده: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ به سبحانَه شيئاً ﴿وَلَا﴾ أشركَ ﴿ءَابَآ ؤُنَا﴾ من قبلنا ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىٍْ﴾ قالوا ذلك تكذيباً للرسل عليهم السلام ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبِّلِهِمٌ﴾ وقالوا مثلَ قولهم ﴿حَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّ﴾ الذي حلَّ بهم لتکذیبھم، وهو الحجاب ﴿قُلّ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلَّمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ بالبيان ﴿إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ لأنكم محجوبون في مقام النفس. ﴿قُلْ فَلَِّ الْحُنَّةُ الْبَلِغَةٌ﴾ أي: إن كان الأمرُ كما قلتم، فليس لكم حجَّةٌ بل لله تعالى الحجَّةُ عليكم؛ لأنَّه تعالى لا يشاء إلَّا ما يعلمه في الأزل، ولا يعلم الشيءَ إلَّا على ما هو عليه في نفسه، فلو لم تكونوا في أنفسكم مشركين سيئي الاستعداد، لما شاءَ الله تعالى ذلك منكم ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لكنَّه لم يشأ إذ ليس في استعدادٍکم الأزليِّ ذلك. وتحتملُ الآية وجوهاً أخر لعلها غيرُ خفيَّةٍ. ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًاْ﴾ فإنَّ إثباتَ موجودٍ غير الله تعالى ظلمٌ عظيم ﴿وَلْوَالِدَيْنِ﴾ أي(١): الروح والقلب، أَحْسِنوا ﴿إِحْسَنَّ﴾ برعايةٍ حقوقهما ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ﴾ أي: تهلكوا ﴿أَوْلَدَكُمْ﴾ قواكم باستعمالها في غير ما هي له ﴿مِّنْ إِمْلَقِّ﴾ أي: من أجل فقركم من الفيض الأقدس ﴿َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ﴾ بأنْ نفيضَ عليكم وعليهم ما تتغذّون به من المعارف بمقدار إذا توجهتم إلينا . ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ﴾ الأعمالَ الشنيعة ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كأفعال الجوارح ﴿وَمَا بَطَنٌ﴾ كأفعال القلب ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ﴾ تعالى قتلَها ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: إلَّا بسببه بأنْ تزيدوا(٢) توجهها إليه، أو إلَّا قتلاً متلبساً به، وهو قتلُها إذا مالت إلى السِّوى. ﴿وَلَا نَقْرَبُوْ مَالَ الْيَقِيمِ﴾ أي: ما أُعِدَّ ليتيم القلب المنقطع عن علائق الدنيا (١) قوله: أي. ليس في الأصل. (٢) في (م): تريدوا. سُورَةُ الأَنْعَل ٥٣٦ التفسير الإشاري (١٤٨ -١٦٥) والآخرة من المعارفِ التي هي وراءَ طور العقل ﴿إِلَّ بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ﴾ وهي التصديقُ بذلك إجمالاً، وعدمُ إنكاره ﴿َّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾ فيقوى على قَبول أنواع التَّجلِّيات، وحينئذٍ يصحُّ لكم أنْ تقربوا ما أعدَّ الله تعالى له من هاتيكَ المعارفِ؛ لقوَّةٍ قلوبكم وتقدُّسٍ أرواحكم. ومن الناس من جعل اليتيمَ إشارةً إلى حضرة [صاحب](١) الرسالة عليه الصلاة والسلام، وهو كما ترى. ﴿وَأَوْفُوْ اَلْكَبْلَ﴾ أي: كيل الشرع بمراعاةِ الحقوق الظاهرة. ﴿وَالْمِيزَانٌ﴾ أي: ميزانَ الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَ إِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾ أي: لا تقولوا إلَّ الحقَّ ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ وهو التوحيد. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا﴾ غيرَ مائلٍ إلى اليمين والشمال ﴿فَاتَّبِعُهُ﴾ لتَصِلُوا إلى الله تعالى، ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ التي وضعها(٢) أهلُ الاحتجاب ﴿فَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِلِهِ﴾ فتضلُّوا ولا تَصِلُوا إليه سبحانه. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ لتَوفِّي أرواحِهِم ﴿أَوْ بَأْنِيَ رَبُّكَ﴾ بالتجلِّي الصوريِّ يومَ القيامة، كما صحَّ في ذلك الحديثُ(٣) ﴿أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيٌِّ﴾ وهو الكشفُ عن ساقٍ ﴿يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكَ﴾ وهو الكشفُ المذكور ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَئُهَا﴾ حينئذٍ؛ لانقطاع التكليف. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ أي: جعلوا دينهم أهواء متفرِّقةً، كالذين غلبَتْ عليهم صفاتُ النفس ﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ فرقاً مختلفةً بحسب غلبةِ تلك الأهواء ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾ إذ هم أهلُ التفرقةِ والاحتجاب بالكثرةِ، فلا تجتمعُ هممُهم، ولا تتَّحدُ مقاصدُهم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الَّهِ﴾ في جزاء تفرُّقهم ﴿ثُمَّ يُنِئُهُمْ﴾ عندَ ظهور هيئاتٍ أهوائهم المختلفة المتفرِّقة ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ من السيئات واتِّباع الهوى. ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن ◌َجَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزٌَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ وذلك لأنَّ (١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٢) في (م): وصفها. (٣) أخرجه البخاري (٧٤٣٧) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة بعض ◌ُه. سُؤَدَّةُ الأَنْفَيَم ٥٣٧ التفسير الإشاري (١٤٨ -١٦٥) السيئةَ من مقام النفس، وهي مرتبةُ الآحاد، والحسنةُ أوَّلُ مقامَاتها مقامُ القلب، وهي مرتبةُ العشَرات، وأقلُّ مراتِها عشرة، وقد تضاعفُ الحسنة بأكثرَ من ذلك إذا كانت من مقامِ الروح، أو مقام السر، وهذا هو السرُّ في تفاوت جزاء الحسنات التي تشير إليه النصوص. ﴿قُلْ إِنَِّ هَدَيْنِ رَبِ إِلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو طريقُ التوحيد الذاتيّ ﴿دِينًا قِيمًا﴾ ثابتاً، لا تنسخُّه الملل والنحل ﴿مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ﴾ التي أعرض بها عن السِّوى ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن كلِّ دينٍ فيه شرٌ. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ﴾ حضوري وشهودي بالروح ﴿وَنُسُكِ﴾ تقرُّبي بالقلب ﴿وَمَحْيَاىَ﴾ بالحقِّ ﴿وَمَمَانِ﴾ بالنفسِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ لا نصيبَ لأحدٍ مِنِّي في ذلك ﴿لَا شَرِيكَ لَّ﴾ في شيء أصلاً، إذْ لا وجودَ سواه ﴿وَبِذَلِكَ﴾ الإخلاصِ وعدم رؤية الغير ﴿أُمِرْتُ وَنَأْ أَوَّلُ اٌلْشُتِلِينَ﴾ المنقادين للفناء فيه سبحانه. ﴿قُلّ أَغَيْرَ اللَّهِ أَنِى رَبًّا﴾ فأطلب مستحيلاً ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىٍّ﴾(١) وما سواه باعتبارٍ تفاصيل صفاته سبحانه مربوبٌ ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَهَا﴾ إذ كسبُ النفس شركٌ في أفعاله تعالى، وكلُّ من أشركَ فوبالُه عليه ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ لعدم تجاوزِ الملائكة إلى غير صاحبها . ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ اْأَرْضِ﴾ بأنْ جعلَكم له مظاهر (٢) أسمائه ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في تلك المظهريَّةِ؛ لأنَّها حسب الاستعداد، وهو متفاوتٌ ﴿ لِيَبْلُؤَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ ويظهرَ علمُه بمن يقومُ برعاية ما آتاه وبمن لا يقوم ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن لم يُراعِ ﴿وَإِنَّهُ، لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن يراعي ذلك. نسألُ الله تعالى أنْ يوفِّقنا لمراضيه، ويجعلَ مستقبلَ حالنا خيراً من ماضيه، وأن يَنصرَ حضرةَ ظلِّ الله الأعظم، وخليفته في خليقته المسربل بذات شفقته على الأمم، مجدِّد نظام الدولة والدين، ومحدِّد جهات العدالة في العالمين، السلطان محمود خان العدلي ابن السلطان عبد الحميد خان، أيده الرحمن، ودمّر أعداءه (١) بعدها في (م): أي. (٢) في (م): مظهر. سُورَةُ الأَنْعَل ٥٣٨ التفسير الإشاري (١٤٨-١٦٥) بسيف القهر والخذلان، بحرمة من أنزل عليه القرآن وَل#9، ونسأله سبحانه كما يسَّرَ لنا التشرُّف بآخر سورة الأنعام، أن يُسِّر لنا التشرُّف بالإتمام، ويجري لنا ما عوَّدنا من بدائع الإنعام، بحرمة النبيِّ عليه من الله أفضل الصلاة وأكمل السلام، وقد جاء تاريخ إتمام هذا الجلد نثراً: أُتِمَّ ولله الحمدُ الجلد الثاني. سنة ١٢٥٥ (١). تم بعونه تعالى الجزء الثامن من تفسير روح المعاني، ويليه الجزء التاسع، ويبدأ بسورة الأعراف (١) من قوله: وأن ينصر. إلى هنا ليست في (م). وأشار ناشره إلى أنها كانت موجودة في الأصل فحذفها . وجاء بعدها في الأصل: ((يقول كاتبه الفقير إلى ربِّ العالمين، السيد محمد أمين خطيب الحضرة القادرية: لمَّا وصلت إلى هذا الموضع من التحرير ألقيت القلم، وقلت مؤرِّخاً نثراً أيضاً: كمل الجلد الثاني من روح المعاني [وهو بحساب الجُمَّل: ١٢٥٥ هـآ. وصلى الله تعالى وسلم على محمد سيد العرب والعجم)). وجاء على الهامش عند قوله: ألقيت القلم: ((فيه زيادة واحد أشار إليها بإلقاء القلم فانهم. اها. وجاء أيضاً على الهامش: بلغ مقابلة وتصحيحاً على نسخة مؤلِّفه سلَّمه الله، وكان ذلك سنة ١٢٥٥ هـ، غرَّة ربيع الثاني. فهرس الموضوعات سُورَةُ الْأَنْعَل ٥ ٩ آية رقم (١) آية رقم (٢) ٢٨ ٣٢ ٣٧ آية رقم (٣) آية رقم (٤) آية رقم (٥) ٣٨ ٤١ ٤٥ آیة رقم (٧) آیة رقم (٨) آية رقم (٦) ٤٧ ٥١ آية رقم (٩) آية رقم (١٠) آية رقم (١١) آية رقم (١٢) التفسير الإشاري ٥٧ ٦٠ ٦٢ ٦٨ آية رقم (١٣) آية رقم (١٤) ٧٢ ٧٤ آية رقم (١٥) ٧٧ آية رقم (١٦) ٧٩ ٨١ آية رقم (١٧) آية رقم (١٨) ٨٤ آية رقم (١٩) ٩١ آية رقم (٢٠) ٩٦ ٩٨ آية رقم (٢١) ١٠٠ آية رقم (٢٢) آية رقم (٢٣) ١٠٢ ٥٤٠ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني آية رقم (٢٤) ١٠٥ ١٠٧ آية رقم (٢٥) آية رقم (٢٦) ١١٠ آية رقم (٢٧) ١١٣ ١١٧ آية رقم (٢٨) ١١٩ آية رقم (٢٩) ١٢٠ آية رقم (٣٠) ١٢١ آية رقم (٣١) ١٢٥ آية رقم (٣٢) ١٢٨ آية رقم (٣٣) ١٣٣ آية رقم (٣٤) ١٣٥ التفسير الإشاري آية رقم (٣٦) ١٤٣ آية رقم (٣٧) ١٤٤ آية رقم (٣٨) ١٤٥ آية رقم (٣٩) ١٥٥ آية رقم (٤٠) ١٥٧ آية رقم (٤١) ١٥٩ آية رقم (٤٢) ١٦٢ آية رقم (٤٣) ١٦٢ ١٦٣ آية رقم (٤٤) آية رقم (٤٥) ١٦٥ ١٦٦ آية رقم (٤٦) ١٦٧ آية رقم (٤٧) آية رقم (٤٨) ١٦٩ آية رقم (٤٩) ١٧٠ آية رقم (٥٠) ١٧١ آية رقم (٥١) ١٧٥ آية رقم (٥٢) ١٧٧ آیة رقم (٣٥) ١٣٩