النص المفهرس

صفحات 501-520

الآية : ١٥٣
٥٠١
سُورَةُ الأَنْدَعَم
ويمكن أنْ يقال: إنَّ أكثرَ التكليفاتِ الأُوَل أُدِّيَ بصيغةِ النهي، وهو (١) في معنى
المنع، والمرءُ حريصٌ على ما مُنِعٍ، فناسب أن يعلَّل الإيصاء بذلك بما فيه إيماءٌ
إلى معنى المنع والحبس، وهذا بخلافِ التكليفات الأُخَر، فإنَّ أكثرَها قد أُدِّيّ
بصيغة الأمر، وليس المنعُ فيه ظاهراً كما في النهي، فيكون تأكيدُ الطلب والمبالغةُ
فيه ليستمرَّ عليه، ويتذكَّر إذا نسي. فليتدبر.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَيِى﴾ إشارةٌ إلى شرعه عليه الصلاة والسلام، على ما روي عن
ابن عباس ﴿ه، ويلائمهُ النهيُ الآتي. وعن مقاتل أنَّه إشارةٌ إلى ما في الآيتين من
الأمر والنهي. وقيل: إلى ما ذُكر في السورة، فإنَّ أكثرَها في إثبات التوحيد والنبوَّة
وبيانِ الشريعة .
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((إنَّ) بالكسر(٢). وابنُ عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف.
والباقون به مشدّدةً. وقرأ ابن عامر: ((صراطيَ)) بفتح الياءِ(٣).
وقُرئ: ((وهذا صراطي)) و((هذا صراط ربكم)) و((هذا صراط ربك))(٤).
وإضافة الصراط إلى الربِّ سبحانه من حيث الوضعُ، وإليه عليه الصلاة
والسلام من حيث السلوكُ والدعوة، أي: هذا الصراطُ الذي أسلكُه وأدعو إليه.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعوجاجَ فيه، ونصبُه على الحال ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾ أي: اقتفوا أثرَه،
واعملوا به ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ أي: الضلالات، كما أخرجه ابن جرير وابن
أبي حاتم عن ابن عباس(٥)، وفي روايةٍ عنه: أنَّها الأديانُ المختلفة، كاليهودية
والنصرانية .
وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد: أنَّها البدعُ والشبهات(٦).
(١) في الأصل: وهي.
(٢) وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢، ٢٦٧.
(٤) الكشاف ٢/ ٦٢، وتفسير الرازي ١٤/ ٢.
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٦٧٠-٦٧١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٤٢٢/٥ (٨١٠٣).
(٦) تفسير مجاهد ٢٧٧/١.

سُورَةُ الأَنْتَعَل
٥٠٢
الآية : ١٥٣
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ نصب في جواب النهي؛ والأصل: تتفرَّقَ، فحُذفت(١) إحدى
التاءین. والباء للتعدية، أي: فتُفرِّقگُم حسب تفرُّقها أيادي سبا(٢)، فهو كما ترى
أبلغ من: تُفَرِّقَكم، كما قيل من أنَّ: ذَهَبَ به - لما فيه من الدلالة على
الاستصحاب - أبلغُ من: أَذْهَبَه.
﴿عَن سَبِلِهِ﴾ أي: سبيلِ الله تعالى الذي لا اعوجاجَ فيه ولا حرجَ، وهو (٣)
دينُ الإسلام.
وقيل: هو اتِّبَاعُ الوحي واقتفاءُ البرهان. وفيه تنبيهٌ على أنَّ صراطَه عليه الصلاة
والسلام عينُ سبيل الله تعالى.
وقد أخرج أحمد وجماعةٌ عن ابن مسعود قال: خطّ رسولُ الله ◌َّلتخطاً بيده،
ثَمَّ قال: ((هذا سبيلُ الله تعالى مستقيماً)) ثمَّ خَطَّ خطوطاً عن يمين ذلك الخطّ وعن
شماله، ثمّ قال: ((وهذه السُّبلُ ليس منها سبيلٌ إلَّا عليه شيطانٌ يدعو إليه)»، ثم قرأ:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهٌ﴾ إلخ(٤).
وإنَّما أُضيف إليه ◌َِّ أَوَّلاً؛ لأنَّ ذلك أَدْعى للاتِّباع، إذ به يتَّضِحُ كونُه صراط الله
عزَّ وجلَّ.
إشارةٌ إلى انِّباع السبيل، وتركِ اتِّباع السُّبل ﴿وَضَّنكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ
﴿ذَلِكُمْ
تَنَّقُونَ
عقابَ الله تعالى بالمثابرةِ على فعل ما أمرَ به، والاستمرار على الكفّ
١٥٣
عما نھی عنه.
قال أبو حيَّان: ولمَّا كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وأمرَ سبحانه
باتِّباعه، ونهى عن اتِّباع غيره من الطرق، ختم ذلك بالتقوى التي هي اتِّقاءُ النار، إذ
مَن اتَّبع صراطه نجا النجاةَ الأبدية، وحصل على السعادة السرمديَّة(٥).
(١) في الأصل: فحذف.
(٢) مثلٌ يضرب لمن تفرق تفرقاً لا اجتماع معه. ونصه: ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيدي سبا.
مجمع الأمثال للميداني ٢٧٥/١ .
(٣) في (م): لما هو.
(٤) مسند أحمد (٤٤٣٧)، والسنن الكبرى للنسائي (١١١١٠).
(٥) البحر المحيط ٤ / ٢٥٤.

الآية : ١٥٣
٥٠٣
سُؤَدَّةُ الأَنْعَم
وكرَّر سبحانه الوصيّة لمزيد التأكيد، ويا لها من وصيَّةٍ ما أعظمَ شأنَها، وأوضحَ
برهانها!
وأخرج الترمذيُّ وحسَّنه، وابنُ المنذر، والبيهقيُّ في ((الشعب)) وغيرهم عن ابن
مسعود رَّه قال: مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى وصيّة محمدٍ عليه الصلاة والسلام بخاتمه،
فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلّ تَعَالَوَا﴾ إلى ﴿تَنَّقُونَ﴾(١).
وأخرج ابنُ حميد وأبو الشيخ والحاكمُ وصحَّحه عن عبادة بن الصامت: قال:
قال رسول الله وَلجي: ((أيُّكُم يبايعني على هؤلاء الآياتِ الثلاث))، ثم تلاهنَّ إلى
آخرِهن، ثم قال: ((فمَن وَفَّى بهنَّ فَأَجْرُه على الله تعالى، ومن انْتَقَصَ منهنَّ شيئاً
فأدركَه الله تعالى في الدنيا، كانت عقوبتَه، ومن أخّرهُ إلى الآخرة، كانَ أمرُه إلى الله
تعالى، إنْ شاءَ آخَذَهُ، وإنْ شاءَ عفا عنه))(٢).
وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عديّ قال: سمعَ كعبٌ رجلاً
يقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ﴾ إلخ فقال: والذي نفسُ كعبٍ بيده إنَّها لأوَّلُ آيَةٍ في التوراة:
بسم الله الرحمن الرحيم، قل تعالوا أتلُ ما حرَّم ربكم عليكم. إلى آخر الآيات(٣).
وعن ابن عباس ﴿ه: هذه آياتٌ محكماتٌ لم ينسخهُنَّ شيءٌ من جميع الكتب،
وهنَّ محرَّماتٌ على بني آدم كلِّهم، وهنَّ أمُّ الكتاب، من عملَ بهنَّ دخل الجنَّة،
ومن تركهنَّ دخل النار.
هذا و((أن)) في قوله سبحانه: ﴿أَنْ لا تشركوا﴾ يَحتمل أنْ تكونَ مفسِّرة، وأنْ
تكون مصدریّةً .
قال العلامة الثاني: وفي الاحتمالين إشكالٌ، فإنَّها إنْ جُعلت مصدريَّةٌ كانت
بياناً للمحرَّم، بدلاً من ((ما)) أو عائدِه المحذوف، وظاهرٌ أنَّ المحرَّمَ هو الإشراكُ
لا نفيُه، وأنَّ الأوامرَ بعدُ معطوفةٌ على ((لا تشركوا))، وفيه عطفُ الطلبيٍّ على
(١) سنن الترمذي (٣٠٧٠)، وشعب الإيمان (٧٩١٨)، وتفسير ابن أبي حاتم ١٤١٤/٥،
والطبراني في الكبير (١٠٠٦٠). وانظر الدر المنثور ٥٤/٣.
(٢) المستدرك ٣١٨/٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٤١٤/٥. وينظر الدر المنثور ٥٤/٣.
(٣) أورده السيوطي في الدر المنثور ٥٤/٣، وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (١٩٨)،
والطبري في تفسيره ٩/ ٦٦٨، والطبراني في الأوائل (٤٤).

سُورَةُ الأَنْعَمُ
٥٠٤
الآية : ١٥٣
الخبريٌّ، وجعلُ الواجبِ المأمور به محرَّماً، فاحتيجَ إلى تكلّفٍ، كجعل ((لا))
مزيدةً، وعطفِ الأوامر على المحرَّمات باعتبارٍ حُرْمةِ أضدادِها، وتضمين الخبر
معنى الطلب. وأمَّا جعلُ ((لا)) ناهيةً واقعةً موقعَ الصلة لـ ((أن)) المصدريَّة - كما جوَّزه
سيبويه، إذ عَمِل الجازمُ في الفعل والناصبُ في ((لا)) معه - فممَّا لا سبيلَ إليه هنا؛
لأنَّ زيادةَ ((لا)) الناهية ممَّا لم يقلْ به أحدٌ، ولم يَرد في كلام.
وإنْ جعلتَ ((أنْ)) مفسِّرةً، و((لا)) ناهيةً، والنواهي بيانٌ لتلاوةِ المحرَّمات، توجّهَ
إشكالان :
أحدهما: عطفُ ((أنَّ هذا صراطي مستقيماً)) على ((أنْ لا تشركوا)) مع أنَّه لا معنى
العطفِه على ((أنْ)) المفسِّرة مع الفعل.
وثانيهما: عطفُ الأوامر المذكورة [على النواهي](١)، فإنَّها لا تصلحُ بياناً
لتلاوة المحرَّمات، بل الواجبات.
واختارَ الزمخشريُّ(٢) كونَها مفسِّرة وعطف الأوامر؛ لأنَّها معنَى نَوَاهٍ، ولا
سبيلَ حينئذٍ لجعلها مصدريَّةً موصولةً بالنهي لما علمت.
وأجابَ(٣) عن الإشكال الأول بأنَّ قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى﴾ ليس عطفاً
على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ بل هو تعليلٌ للاتِّباع، متعلّقٌ بـ ((اتَّبعوه)) على حذف اللام، وجازَ
عودُ ضمير (اتَبعوه)) إلى الصراط؛ لتقدُّمِه في اللفظ.
فإن قيل: فعلى هذا يكون ((اتبعوه)) عطفاً على ((لا تشركوا))، ويكون التقدير:
وفاتَّبعوا(٤) صراطي لأنَّه مستقيم، وفيه جمعٌ بين حرفي عطفٍ؛ الواو والفاء. وليس
بمستقيم، وإنْ جعلت الواو استئنافيَّةً اعتراضيَّةً. قلنا: ورودُ الواو مع الفاء عند
تقديم المعمول فصلاً بينهما شائعٌ في الكلام مثل ﴿وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وَأَنَّ
الْمَسَِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٨] فإن أبيتَ الجمعَ البتّة، ومنعتَ زيادةً
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الخفاجي ١٣٧/٤. والكلام منه.
(٢) في الكشاف ٢/ ٦١ .
(٣) يعني الزمخشري.
(٤) في الأصل و(م): فاتبعوا، دون واو، والمثبت من حاشية الشهاب.

الآية : ١٥٣
٥٠٥
سُورَةُ الأَنْعَم
الفاء، فاجعل المعمولَ متعلقاً بمحذوف، والمذكورَ بالفاء عطفاً عليه، مثل : عظّم
فكبِّر، وادعوا الله فلا تدعوا مع الله، وآثروه فاتبعوه.
وعن الإشكال(١) الثاني بأنَّ عطفَ الأوامر على النواهي الواقعة بعد ((أن))
المفسِّرة لتلاوة المحرَّمات، مع القطع بأنَّ المأمورَ به لا يكون محرَّماً: دلَّ على أنَّ
التحريمَ راجعٌ إلى أضدادها، بمعنى أنَّ الأوامرَ كأنَّها ذُكرَت وقُصِد لوازمُها التي
هي النهي عن الأضداد، حتى كأنَّه قيل: أتلو ما حرَّم؛ أنْ لا تسيؤوا إلى الوالدين،
ولا تبخسوا الكيل والميزان، ولا تتركوا العدلَ، ولا تنكثوا العهدَ، ومثلُ هذا وإنْ
لم يجز بحسَب الأصل، لكن ربّما يجوزُ بطريق العطف.
وأمَّا جعلُ الوقف على قوله تعالى: ((ربكم))، وانتصابُ ((أن لا تشركوا))
بـ ((عليكم))، يعني: الزموا ترك = فيأباه عطفُ الأوامر، إلَّا أنْ تجعل ((لا)) ناهيةً،
و((أنْ)) المصدرية موصولةً بالأوامر والنواهي.
وقال أبو حيان(٢): لا يتعيَّن أنْ يكون جميعُ الأوامر معطوفةً على جميع ما دخلَ
عليه ((لا))، فإنَّه(٣) يصحُ عطفُ ((وبالوالدين إحساناً)) على ((تعالوا))، ويكون ما بَعدَه
عطفاً (٤) عليه.
واعترَضَ على القول بأنَّ التحريم راجعٌ إلى أضدادِ الأوامر بأنَّه بعيدٌ جداً،
وإلغازٌ في المعاني، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك. ثم قال: وأمَّا عطفُ هذه
الأوامر فيحتمل وجهين؛ أحدهما: أنَّها معطوفةٌ لا على المناهي قبلَها فيلزم
انسحابُ التحريم عليها حيثُ كانت في حَيِّز ((أن)) التفسيريَّة، بل هي معطوفةٌ على
قوله سبحانه: (([تعالوا] أتلُ ما حرَّم))، أَمَرهم أولاً بأمرٍ ترتّب عليهِ ذِكْرُ مَنَاهٍ، ثمّ
أمرهم ثانياً بأوامر، وهذا معنّى واضحٌ. والثاني: بأن تكون الأوامرُ معطوفةً على
المناهي، داخلةً تحت حكم ((أنْ)) التفسيريَّة، ويصحُّ ذلك على تقدير محذوفٍ
تكون ((أن)) مفسِّرةً له وللمنطوق قبله الذي دلَّ على حذفه، والتقدير: وما أمركم
(١) يعني وأجاب الزمخشري عن الإشكال الثاني. ينظر الكشاف ٦١/٢.
(٢) في البحر المحيط ٤/ ٢٥١.
(٣) بعدها في (م): لا. وهو خطأ.
(٤) في (م): عطف.

سُورَةُ الأَنْعَم
٥٠٦
الآية : ١٥٤
به، فحذفَ: وما أمركم به؛ لدلالة ((ما حرَّم)) عليه، لأنَّ معنى: ((ما حرَّم ربُّكم
عليكم)): ما نهاكُم ربُّكم عنه. فالمعنى: قل تعالوا أتلُ ما نهاكم عنه ربكم وما
أمركم به، وإذا كان التقديرُ هكذا، صحَّ أنْ تكون تفسيريَّةً لفعلِ النهي الدالّ عليه
التحريمُ وفعلِ الأمر المحذوف، ألا ترى أنَّه يجوزُ أن تقول: أمرتُك أنْ لا تكرمَ
جاهلاً وأكرِمْ عالماً، إذ يجوزُ(١) عطفُ الأمر على النهي والنهي على الأمر؛ لقول
امرئ القيس :
لا تهلك أسَى وتجمَّلٍ (٢)
ولا نعلم في هذا خلافاً، بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإنشاء،
فإنَّ في جواز العطف فيها خلافاً مشهوراً. اهـ.
وأنت تعلم أنَّ العطفَ على ((تعالوا)) في غاية البعد، ولا ينبغي الالتفاتُ إليه،
وما ذكره من الحذف وجَعْلِ التفسير للمحذوف والمنطوق لا يخلو عن حسن.
ونقل الطبرسيُّ جوازَ كون ((أن لا تشركوا)) بتقدير اللام، على معنى: أبيِّنُ لكم
الحرام لئلا تشركوا؛ لأنَّهم إذا حرَّموا ما أحلَّ الله، فقد جعلوا غير الله تعالى في
القبول منه بمنزلة الله سبحانه، وصاروا بذلك مشركين(٣).
ولا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى على مثل ذلك كما لا يخفى.
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى، تقريراً للوصيّة،
وتحقيقاً لها، وتمهيداً لما يعقبه(٤) من ذكر إنزال القرآن المجيد، كما ينبئُ عنه تغییرُ
الأسلوب بالالتفات إلى التكلُّم، معطوفٌ على مقدَّرٍ يقتضيه المقام ويستدعيه
النظام، كأنَّه قيل - بعدَ قوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ﴾ بطريقِ الاستئناف تصديقاً
(١) في الأصل و(م): ويجوز. والمثبت من البحر المحيط ٤/ ٢٥٠ - وما سلف بين حاصرتين
منه - والدر المصون ٢١٥/٥.
(٢) ديوان امرئ القيس ص٩، والبيت بتمامه:
يقولون لا تهلك أسىّ وتجمّل
وقوفاً بها صحبي عليٍّ مطيِّهم
(٣) مجمع البيان ٢٢٩/٨ .
(٤) في الأصل و(م): تعقبه، والمثبت من تفسير أبي السعود.

الآية : ١٥٤
٥٠٧
سُورَةُ الأَنْتَعَل
له وتقريراً لمضمونه -: فعلنا ذلك ثم آتينا .. إلخ. وإلى هذا ذهبَ شيخُ الإسلام
قُدِّس سرُّه(١).
وقيل: عطف علی ((ذلکم وضَّاکم به)).
وعن الزَّجَّاج أنَّه عطفٌ على معنى التلاوة (٢)، كأنَّه قيل: ((قل تعالوا أتلُ ما حرَّم
ربكم عليكم))، ثم اتْلُ عليهم ما آتاه اللهُ تعالى موسى عليه السلام.
وقيل: عطفٌ على ((قل)) وفيه حذف، أي: قل: تعالوا، ثم قل: آتينا موسى
الكتاب.
وعن أبي مسلم، واستحسنه المغربي: أنَّه متَّصلٌ بقوله تعالى في قصَّة إبراهيم
عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وذلك أنَّه سبحانه عدَّ
نعمته عليه بما جعل في ذريَّته من الأنبياء عليهم السلام، ثمَّ عطف عليه بذكر ما أنعمَ
عليه بما آتى موسى عليه السلام من الكتاب والنبوَّة، وهو أيضاً من ذُرِّيَّته.
والكلُّ كما ترى، وإن اختلفت مراتبه في الوهن.
و(ثمَّ) - كما قال الفرَّاء - للترتيب الإخباريّ، كما في نحو: بلغني ما صنعتَ
اليوم، ثم ما صنعت أمسٍ(٣) أعجبُ. وتعقَّبه ابنُ عصفور بأنَّه ليس بشيء؛ لأنَّ ((ثمَّ))
تقتضي تأخّر الثاني عن الأوَّل بمهلة، ولا مهلةً بين الإخبارين(٤)، فلا بدَّ من
الرجوع إلى أنَّها انسلخَ عنها معنى الترتيب، أو أنَّه ترتيبٌ رتبيٍّ كما يشير إليه قوله:
أعجب، في المثال، وهو هنا ظاهرٌ؛ لأنَّ إيتاءَ التوراة المشتملة على الأحكام
والمنافع الجمَّة أعظمُ من هذه الوصيّة المشهورة على الألسنة. وبعضُهم وجَّه
الترتيبَ الإخباريَّ المُستدعي لتأُّر الثاني عن الأول بأنَّ الألفاظَ المنقضيةَ تنزلُ
منزلةً البعيد.
(١) تفسير أبي السعود ٣/ ٢٠٠-٢٠١.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣٠٦/٢.
(٣) في الأصل و(م): اليوم. والتصويب من حاشية الخفاجي ١٣٩/٤، والكلام منه. وينظر
تفسير أبي السعود ٢٠١/٣، ومغني اللبيب ص١٦٠ .
(٤) في (م): في الإخبارين، وفي الأصل: في الاخبار. والمثبت من حاشية الخفاجي. وينظر
مغني اللبيب ص ١٦٠-١٦١، وخزانة الأدب ٣٨/١١.

سُؤَدَّةُ الأَنْعَ
٥٠٨
الآية : ١٥٤
وقيل: إنَّه باعتبار توسُّط جملة ((لعلكم تتقون)) بين المتعاطفين.
وقال بعضُهم: إنَّ (ثمَ)) هنا بمعنى الواو. وقد جاء ذلك كثيراً في الكتاب.
﴿تَمَامًا﴾ للكرامة والنعمة، وهو في موقع المفعول له، وجاز حذفُ اللام لكونه
في معنى: إتماماً. وجَوَّزَ أبو البقاء أنْ يكون مصدراً لقوله ((آتينا)) من معناه؛ لأنَّ
إيتاءَ الكتابِ إتمامٌ للنعمة، كأنَّه قيل: أتممنا النعمةَ إتماماً، فهو كـ ((نباتاً) في قوله
[نوح: ١٧]، وأنْ يكون حالاً من
تعالى: ﴿وَأَللَّهُ أَنْبَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
الكتاب(١)، أي: تامّاً .
﴿عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ أي: مَن أحسنَ القيامَ به كائناً مَن كان. فـ((الذي)) للجنس،
ويؤيِّده قراءةُ عبد الله: ((على الذين أحسنوا))(٢)، وقراءة الحسن: ((على
المحسنين)»(٣).
وعن الفرَّاء أنَّ ((الذي)) هنا مثلُها في قوله:
[و] إنَّ الذي حانت بفلجٍ دماؤهم هم القوم كلُّ القوم يا أمَّ خالد(٤)
وكلامُ مجاهدٍ مُحتمِلٌ للوجهين، أو: على الذي أحسن تبليغَه، وهو موسى
عليه السلام، أو: تماماً على ما أحسنه موسى عليه السلام، أي: أجاده من العلم
والشرائع، أي: زيادةً على علمه(٥) على وجه التتميم.
وعن ابن زيد أنَّ المراد: تماماً على إحسان الله تعالى على أنبيائه عليهم
السلام، وظاهره أنَّ ((الذي)) موصولٌ حرفيٍّ، وقد قيل به في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ
كَلَِّى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]، وضميرُ ((أحسن)) حينئذٍ لله تعالى. ومثله في ذلك
(١) الإملاء ٦٥٦/٢.
(٢) معاني القرآن للفراء ٣٦٥/١، وتفسير الطبري ٦٧٤/٩، والكشاف ٢٦٢/٢.
(٣) أوردها السيوطي في الدر المنثور ٥٦/٣. وعزاها إلى ابن الأنباري في المصاحف.
(٤) البيت لأشهب بن رميلة، وسلف ٤٤٨/٣ .
(٥) في الأصل و(م): عمله. وهو خطأ. وينظر تفسير الكشاف ٦٢/٢، وتفسير الرازي ١٤/ ٤،
وتفسير القرطبي ١٢٤/٩-١٢٥، وتفسير البيضاوي ٢١٥/٢، وتفسير أبي السعود ٢٠١/٣،
والكلام منه .
a

الآية : ١٥٤
٥٠٩
سُؤَةُ الأَنْعَل
ما نُقِل عن الجبائيّ من أنَّ المراد: على الذي أحسنَ الله تعالى به على موسى عليه
السلام من النبوَّة وغيرها. وكلاهما خلافُ الظاهر.
وعن أبي مسلم أنَّ المراد بالموصول إبراهيم عليه السلام، وهو مبنيٌّ على
ما زعمه من اتَّصال الآية بقصَّة إبراهيم عليه السلام.
وقرأ يحيى بن يعمر: ((أحسنُ)) بالرفع(١) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، و((الذي))
وصفّ الدِّين، أو للوجه يكون عليه الكتب، أي: تماماً على الدين الذي هو أحسنُ
دينٍ وأرضاه، أو: آتينا موسى الكتاب تامّاً كاملاً على الوجه الذي هو أحسنُ
ما يكون عليه الكتب، والأحسنيَّةُ بالنسبة إلى غير دين الإسلام وغير ما عليه القرآن.
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: بياناً مفضَّلاً لكلِّ ما يُحتَاجُ إليه في الدين، ولا
دلالةَ فيه على أنَّه لا اجتهادَ في شريعة موسى عليه السلام خلافاً لمن زعم ذلك،
فقد ورد مثله في صفة القرآن، كقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام:
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الآية: ١١١]، ولو صحَّ ما ذُكِر لم يكن في شريعتنا اجتهادٌ
أيضاً.
﴿وَهُدَى﴾ أي: دلالة إلى الحقِّ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ للمكلَّفين(٢).
والكلامُ في هذه المعطوفات كالكلام في المعطوف عليه من احتمال العلِّيَّةِ
والمصدريَّةِ والحاليّةِ.
والظاهرُ اشتمالُ الكتاب على التفصيل حسبما أخبَرَ الله تعالى إلى أنْ حَرَّفهُ
أهلُه. وأخرج ابنُ أبي حاتم (٣) عن مجاهد قال: لمَّا ألقى موسى عليه السلام
الألواح، بقيَ الهدى والرحمةُ وذهب التفصيل.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل المدلولَ عليهم بذكر موسى عليه السلام وإيتاء
الكتاب. ولا يجوزُ عودُ الضمير على ((الذي)) بناءً على الجنسيَّة أو على ما قاله(٤)
(١) المحتسب ٢٣٤/١، والبحر المحيط ٤/ ٢٥٥.
(٢) في (م): بالمكلفين.
(٣) في تفسيره ١٤٢٤/٥ (٨١١٥).
(٤) في (م): قال.

سُورَةُ الأَنْعَم
٥١٠
الآية : ١٥٥ - ١٥٦
بل كان المناسبُ
١٥٤
الفرَّاء؛ لأنَّه لا يناسب قوله سبحانه: ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
حينئذٍ أنْ يقال: لعلَّهم يرحمون، مثلاً .
والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بما بعده، قُدِّم لرعاية الفواصل.
والمرادُ من اللقاء؛ قيل: الجزاء. وقيل: الرجوع إلى ملك الربِّ سبحانه
وسلطانِه يومَ لا يملك أحدٌ سواه شيئاً. وعن ابن عباس: المعنى: كي يؤمنوا
بالبعث، ويصدِّقوا بالثواب والعقاب.
﴿وَهَذَا﴾ الذي تُلِيت عليكم أوامره ونواهيه، أي: القرآن ﴿كِنَبُ﴾ عظيمُ الشأن
لا يُقَادَرُ قدرُه ﴿أَنَزَلْنَهُ﴾ بواسطة الرُّوح الأمين، مشتملاً على فوائد الفنون الدينيّة
والدنيويَّة التي فَصَّلتُ عليكم طائفةً منها. والجملةُ صفةُ ((كتاب))، وقولُه سبحانه:
﴿مُبَارَكٌ﴾ - أي: كثيرُ الخير ديناً ودنيا - صفةٌ أخرى، وإنَّما قُدِّمت الأولى عليها مع
أنَّها غيرُ صريحة؛ لأنَّ الكلامَ مع منكري الإنزال. وجُوِّزَ أنْ يكون هذا وما قبله
خبرين عن اسم الإشارة أيضاً.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُهُ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ عِظَمَ شأن
الكتاب في نفسه وصفته موجبٌ لاتِّباعه، أي: فاعملُوا بما فيه، أو امتثلوا أوامره
﴿وَأَتَّقُواْ﴾ مخالفتَه، أو نواهيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ (®﴾ أي: لتُرحموا جزاءَ ذلك.
وقيل: المراد: اتَّقوا على رجاء الرحمة، أو: اتَّقوا ليكونَ الغرضُ بالتقوى رحمةَ الله
تعالى.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ علَّةٌ لمقدَّرٍ دلَّ عليه ((أنزلنا)) المذكور، وهو العامل فيه لا المذكور،
خلافاً للكسائيّ؛ لئلا يلزمَ الفصلُ بين العامل ومعموله بأجنبيٍّ. وهو بتقدير ((لا))
عند الكوفيين، أي: لأنْ لا تقولوا، وعلى حذفِ المضاف عند البصريين، أي:
كراهةَ أنْ تقولوا. وقيل: يحتمل أنْ يكون مفعول ((انَّقوا))، وعليه الفرَّاء(١)، وأنْ
تُجعلَ اللام المقدَّرةُ للعاقبة، أي: ترتّب على ((أنزلنا)»(٢) أحدُ القولين ترتّبَ الغاية
على الفعل، فيكونُ توبيخاً لهم على بعدهم عن السعادة.
(١) في معاني القرآن له ٣٦٦/١.
(٢) في (م): إنزالنا .

الآية : ١٥٧
٥١١
سُورَّةُ الأَنْتُ
والمتبادِرُ ما ذُكر أولاً، أي: أنْ تقولوا يوم القيامة لو لم ننزلْه: ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ
الْكِنَبُ﴾ الناطقُ بالأحكام، القاطعُ للحجَّةِ ﴿عَلَى طَآَيِفَتَيْنِ﴾ جماعتين كائنتين ﴿مِن
قَبْلِنَا﴾ وهما - كما قال ابن عباس(١) وغيره -: اليهودُ والنصارى، وتخصيصُ الإنزال
بكتابيهما؛ لأنَّهما اللذان اشتَهرا فيما بين الكتب السماويَّةِ بالاشتمال على
الأحكام. ﴿وَإِن كُنَّا﴾ ((إنْ)) هي المخفَّفةُ من ((إنَّ) واللامُ الآتية فارقةٌ بينها وبين
النافية، وهي مهمَلةٌ لما حقَّقهُ النحاة من أنَّ ((إن)) المخففة إذا لزمت اللام في أحد
جزأيها، ووليَها الناسخ، فهي مهملةٌ لا تعمل في ظاهرٍ ولا مضمرٍ، لا ثابتٍ ولا
محذوف، أي: وإنَّه كنَّا ﴿عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾ أي: قراءتهم ﴿لَفَفِلِينَ ﴾﴾ غير
ملتفتين، لا ندري ما هي؛ لأنَّها ليست بلغتنا، فلم يمكنًّا أنْ نتلقَّى منها ما فيه
نجاتُنا، ولعلَّهم عنَوا بذلك التوحيدَ. وقيل: تلك الأحكامَ المذكورة في قوله
تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَا﴾ إلخ؛ لأنَّها عامَّةٌ لجميعٍ بني آدم، لا تختلفُ في عصرٍ من
الأعصار. وعلى هذا حَمَلَ الآيةَ شيخ الإسلام ثم قال: وبهذا تبيَّن أنَّ معذرتَهم
هذه، مع أنَّهم غيرُ مأمورين بما في الكتابين، لاشتمالهما على الأحكام المذكورة
المتناوِلَة لكافَّة الأمم، كما أنَّ قَطْعَ تلك المعذرة بإنزال القرآن؛ لاشتماله أيضاً
عليها، لا على سائر الشرائع والأحكام فقط(٢).
﴿أَوْ تَقُولُواْ﴾ عطف على ((تقولوا)). وقُرِئ كلاهما بالياء(٣) على الالتفات من
خطاب ((فاتبعوه واتقوا))، ويكون الخطابُ الآتي بعدُ التفاتاً أيضاً، ولا يخفى موقعه.
قال القطب: إنَّه تعالى خاطبهم أولاً بما خاطبهم، ثمَّ لمّا وصل إلى حكاية
أقوالهم الرديئة أعرضَ عنهم وجرى على الغيبة، كأنَّهم غائبون، ثمَّ لما أرادَ سبحانه
توبيخَهم بعدُ خاطبهم، فهو التفاتٌ في غاية الحسن.
﴿لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ﴾ كما أُنزِل عليهم ﴿لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾ إلى الحقِّ الذي
هو المقصدُ الأقصى، أو إلى ما فيه من الأحكام والشرائع؛ لأنَّا أجودُ أذهاناً،
وأثقبُ فهماً .
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٤٢٥/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٠٢/٣.
(٣) إتحاف فضلاء البشر ص ٢٧٧ .

سُؤَةُ الأَنْعَم
٥١٢
الآية : ١٥٧
﴿فَقَدْ بَءَكُمْ﴾ متعلُّقٌ بمحذوف ينبئُ عنه الفاء الفصيحة؛ إمَّا معلَّلٌ به، أو
شرطٌ له، أي: لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم .. إلخ، أو: إنْ صدقتم فيما تَعِدُون
من أنفسكم على تقدير نزول الكتاب عليكم فقد حصلَ ما فرضتُم، وجاءكم
﴿َبَيْنَةٌ﴾ حجَّةٌ جليلةُ الشأن واضحةٌ، تعرفونَها لظهورها وكونها بلسانكم، كائنةٌ
﴿مِّنْ زَيَكُمْ﴾ على أنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفة ((بينة))، ويصحُّ تعلُّقه
بـ «جاءكم)).
وأيّاً ما كان ففيه دلالةٌ على فضلها الإضافيِّ، مع الإشارة إلى شرفها الذاتيٍّ.
وفي التعرُّض لعنوانِ الربوبيَّة مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من مزيد التأكيد
الإيجاب الاتِّباع.
١٠
﴿وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ عطف على ((بينة))، وتنوينهما كتنوينها(١) للتفخيم، والمرادُ
بجميع ذلك القرآن، وعبَّر عنه بالبينة أولاً إيذاناً بكمال تمكُّنهم من دراسته،
وبالهدى والرحمة ثانياً تنبيهاً على أنَّه مشتملٌ على ما اشتملت عليه التوراةُ من هداية
الناس ورحمتهم، بل هو عين الهداية والرحمة.
وفي ((التفسير الكبير)) (٢): فإن قيل: البيِّنةُ والهدى واحدٌ، فما الفائدةُ في
التكرير؟ قلنا: القرآن بينةٌ فيما يُعلَم سمعاً، وهو هدى فيما يُعلَم سمعاً وعقلاً، فلما
اختلفت الفائدةُ صحَّ هذا العطفُ. ولا يخفى ما فيه.
﴿فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾ الفاء لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ
مجيءَ القرآن الموصوف بما تقدَّم موجبٌ لغاية أظلميَّةٍ مَن يكذِّبه. والمرادُ مِن
الموصول أولئك المخاطبون، ووُضِعَ موضعَ ضميرِهم بطريق الالتفاتِ؛ تنصيصاً
على اتِّصافهم بما في حيِّزِ الصلة، وإشعاراً بعلَّة الحكم، وإسقاطاً لهم عن رتبةٍ
الخطاب، وعبَّر عما جاءهم بـ ((آياتِ الله)) تهويلاً للأمر.
وقرئ: ((كَذَبَ)) بالتخفيف(٣).
(١) في (م): كتنوينهما .
(٢) ١٤ /٥-٦.
(٣) القراءات الشاذة ص ٤١، والمحتسب ٢٣٥/١.

الآية : ١٥٨
٥١٣
سُؤَةُ الأَنْقَم
والجارُّ الأول متعلِّقٌ بما عنده، والثاني يحتمل ذلك(١)، وهو الظاهر، ويحتملُ
أنْ يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً، والمعنى: كذب ومعه آياتُ الله تعالى.
﴿وَصَدَنَ عَنًا﴾ أي: أعرضَ غيرَ مفگٍّ فيها، كما روي عن ابن عباس ومجاهد
وغيرهما. أو صَرَفَ الناس عنها، فجمعَ بين الضلال والإضلال، والفعلُ على
الأول لازمٌ، وعلى الثاني متعَدٍّ، وهو الأكثر استعمالاً(٢).
﴿سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا﴾ وعيدٌ لهم ببيانِ جزاء إعراضهم أو صدِّهم،
بحيثُ يفهم منه جزاءُ تكذيبهم، ووضعَ الموصول موضعَ الضمير لتحقيق مناطِ
الجزاء.
﴾ أي:
١١٥٧
﴿سُوّءَ الْعَذَابِ﴾ أي: العذابَ السيِّئ الشديد ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
بسبب ماكانوا يفعلون الصدف، على التجدُّدِ والاستمرار، وهذا تصريحٌ بما أشعرَ به
إجراءُ الحكم على الموصول من عِلِّيَّة ما في حيِّز الصلة له.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ أنَّه لا يتأتّى منهم الإيمانُ بإنزال ما ذُكِر من
البيِّنات والهدى، والإيذانِ بأنَّ من الآيات ما لا فائدةَ للإيمان عنده مبالغةً في
التبليغ والإنذار، وإزاحةِ العلل والأعذار.
و((هل)) للاستفهام الإنكاريّ، وأنكر الرضيُّ مجيئَها لذلك وقال: إنَّها للتقرير في
الإثبات. والجمهور على الأول.
والضمير لكفار أهل مكة. وزعم الجبّائِيُّ أنَّه للنبيِّلَ ه وأصحابه طيه، أي:
ما ينتظرون ﴿إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾ لقبضٍ أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يوم القيامة في
ظُلَلٍ من الغمام حسبما أَخبر(٣)، وبالمعنى الذي أراد، وإلى هذا التفسير ذهب ابن
مسعود وقتادة ومقاتل.
وقيل: إتيانُ الملائكة لإنزال العذاب والخسف بهم.
(١) أي: أن يكون متعلقاً بما عنده، وهو ((كذب)).
(٢) قال الشهاب الخفاجي في حاشيته ٤/ ١٤٠: ولذا لم يقيده بمفعولٍ لشهرته.
(٣) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى نَظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى
اللَّهِ تُرَجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠].

سُورَةُ الأَنْعَل
٥١٤
الآية : ١٥٨
وعن الحسن: إتيان الربِّ على معنى إتيان أمرِه بالعذاب.
وعن ابن عباس: المراد: يأتي أمرُ ربِّك فيهم بالقتل.
وقيل: المراد: يأتي كلُّ آياته، يعني: آيات القيامة والهلاك الكليِّ؛ لقوله
سبحانه: ﴿أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكْ﴾.
وأنت تعلم أنَّ المشهورَ من مذهب السلف عدمُ تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف
ونحوه، بل تفويضُ المراد منه إلى اللطيف الخبير، مع الجزم بعدمٍ إرادة الظاهر.
ومنهم مَن يُبقيه على الظاهر، إلَّا أنه يَدَّعي أنَّ الإتيان الذي يُنْسَبُ إليه تعالى
ليس الإتيانَ الذي يتَّصف به الحادث. وحاصلُ ذلك أنَّه يقولُ بالظواهر، وينفي
اللوازم، ويدَّعي أنَّها لوازم في الشاهد، وأين الترابُ من ربِّ الأرباب؟
وجوَّز بعضُ المحفِّقين حملَ الكلام على الظاهر المتعارَف عند الناس،
والمقصودُ منه حكايةُ مذهب الكفار واعتقادهم، وعلى ذلك اعتمدَ الإمام(١). وهو
بعيدٌ أو باطل.
والمراد بالآيات عند بعضٍ أشراط الساعة، وهي على ما يستفادُ من الأخبار
كثيرةٌ، وصحَّ من طرق عن حذيفةً بن أَسِيد قال: أشرف علينا رسول الله بَّر من
عُلِّيَّةٍ ونحن نتذاكر، فقال: ((ما تذاكرون؟)) قلنا: نتذاكر الساعة، قال: ((إنَّها لا تقومُ
حتى تروا قبلَها عشر آيات: الدخانَ، والدجَّالَ، وعيسى بنَ مريم، ويأجوجَ
ومأجوج، والدابَّةَ، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثةَ خسوف؛ خسفٌ بالمشرق،
وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخِرُ ذلك نارٌ تخرجُ من قعر عدن - أو
اليمن - تطردُ الناس إلى المحشر، تنزلُ معهم إذا نزلُوا وتقيلُ معهم إذا قَالُوا))(٢).
وببعضِها على ما قيل: الدجال، والدابةُ، وطلوع الشمس من مغربها. وهو
المراد بالبعض أيضاً في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ
تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ .
(١) تفسير الرازي ١٤/ ٧.
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٠١): (٣٩) (٤٠) (٤١)، وأحمد (١٦١٤١)، (١٦١٤٣)، (١٤١٤٤)
بألفاظ متقاربة وتقديم وتأخير، وهو باللفظ الذي ذكره المصنف في الدر المنثور ٣/ ٦٠.

الآية : ١٥٨
٥١٥
سُورَةُ الَّنَّمَل
وروى مسلم وأحمد والترمذيُّ وغيرهم عن أبي هريرة مرفوعاً ما هو صريحٌ في
ذلك(١) .
واستُشكِل ذلك بأنَّ خروجَ عيسى عليه السلام بعد الدجّال عليه اللعنة، وهو
عليه السلام يدعو الناسَ إلى الإيمان، ويقبلُه منهم، وفي زمنه خيرٌ كثيرٌ دنيويٌ
وأخرويٌّ. وأجيبَ عنه بما لا يخلو عن نظر.
والحقُّ أنَّ المرادَ بهذا البعضِ الذي لا ينفعُ الإيمانُ عنّده طلوعُ الشمسِ من
مغربها، فقد روى الشيخان: ((لا تقومُ الساعة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها، فإذا
طلعت ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، وذلكَ حين لا ينفعُ نفساً إيمانُها)» ثم قرأ
الآية(٢). بل قد روي هذا التعيين عنه وَّل في غير ما خبرٍ صحيح، وإلى ذلك ذهبَ
جِلَّةُ المفسِّرين. وما يُروى من الأخبار التي ظاهرُها المنافاة لذلك غيرُ منافٍ له عند
التحقيق، كما لا يخفى على المتأمِّل.
وسببُ عدم نفع الإيمان عند ذلك أنَّه إذا شُوهد تغيُّر العالم العلويِّ يحصلُ
العلم الضروريُّ، ويرتفعُ الإيمان بالغيب، وهو المكلَّفُ به، فيكون الإيمان حينئذٍ
كالإيمان عند الغرغرة. ومقتضى الأخبارِ في هذا المطلب أنَّه لا يُقبل الإيمان بعد
ذلك أبداً، لكن الظاهر على ما في ((الزواجر)) قَبولُ ما وقع بعد ذلك من غير
تقصيرٍ، كمن جُنَّ وأفاق بعدُ، أو أسلمَ بتبعيَّ أبويه(٣) .
وعن البلقيني أنَّه إذا تراخى الحالُ بعدَ طلوع الشمس من المغرب وطالَ العهدُ
حتى نسي، قُبِلَ الإيمان؛ لزوال الآية الملجثة. وله وجهٌ وجيه.
وقولُ العراقيّ(٤): إنَّ الظاهرَ أنَّه لا يطولُ العهدُ حتى ينسى؛ غيرُ مَّجه؛ لِمَا
(١) صحيح مسلم (١٥٨)، ومسند أحمد (٩٧٥٢)، وسنن الترمذي (٣٠٧٢). ولفظه - كما في
صحيح مسلم : ((ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في
إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابَّة الأرض)).
(٢) صحيح البخاري (٤٦٣٦)، وصحيح مسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة
(٣) الزواجر لابن حجر الهيتمي ٢٠٩/٢ نقلاً عن بعضهم، واستغربه.
(٤) في طرح التثريب ٢٦٠/٨.

سُؤُدَّةُ الأَتْفَعَم
٥١٦
الآية : ١٥٨
رواه القرطبيُّ في ((تذكرته)) عن ابن عمر(١) ﴿ًّا عن النبيِ وَّ، ونقلَه الحافظُ ابن
حجر في ((شرح البخاري)) أنَّ الناسَ يبقونَ بعدَ طلوع الشمس من مغربها مئةً
وعشرينَ سنةً(٢).
والكلامُ في كيفيَّة طلوعها من المغرب مفصّلٌ في كتب الحديث.
وفي ((سوق العروس)) لابنِ الجوزيّ أنَّ الشمسَ تطلعُ من مغربها ثلاثة أيامٍ
بلياليها، ثمَّ يقال لها: ارجعي من مطلعك.
والمشهورُ أنَّها تطلعُ يوماً واحداً من المغرب، فتسير إلى خطّ نصفِ النهار،
ثَّ ترجعُ إلى المغرب، وتطلعُ بعد ذلك من المشرق كعادتها قبل، وخبرُ عبد الله بن
أبي أوفى صريحٌ في ذلك(٣)، والكلُّ أمرٌ ممكنٌ، والله سبحانه على كلِّ شيء
قدير.
(١) كذا في الأصل و(م)، وحاشية الشهاب ١٤١/٤، وعنه نقل المصنّف، ومثله في الدر
المنثور ٥٨/٣، وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. لكن وقع في المصنَّف
لابن أبي شيبة ١٧٩/١٥، والسنن الواردة في الفتن للداني (٧١٣): عن عبد الله بن عمرو،
وهو كذلك في تذكرة القرطبي وفتح الباري، ولعله الصواب، ففي كلام الحافظ ابن حجر
ما يرجحه. وانظر التعليق التالي.
(٢) التذكرة ٧٠٥/٢، وفتح الباري ٣٥٤/١١. قال الحافظ ابن حجر: رَفْعُ هذا لا يَثْبُتْ. وقد
أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بسندٍ جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، وقد ورد عنه
ما يعارضه، فأخرج أحمد [٧٠٤٠] ونعيم بن حماد من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرو
رفعه: ((الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضاً ... )). اهـ.
قلنا: وهذا المرفوع إسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٣) وهو ما رواه عن رسول الله وَّه قال: ((ليأتين على الناس ليلةٌ بقدر ثلاث ليال من لياليكم
هذه فإذا كان ذلك يعرفها المصلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه،
ثم ينام، ثم يقوم، فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون
إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا
صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها)).
أورده ابن كثير في تفسيره ٣٧٤/٣، وعزاه لابن مردويه، وأورده السيوطي في الدر المنثور
٥٨/٣-٥٩، وعزاه لعبد ابن حميد وابن مردويه.
قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيءٍ من الكتب الستة.

الآية : ١٥٨
٥١٧
سُؤَدَّةُ الأَنْعَم
وروى البخاريُّ في ((تاريخه)) وأبو الشيخ وابن عساكر في كيفيَّة ذلك عن
كعب رُهُ أَنَّه قال: إذا أرادَ الله تعالى أنْ يطلعَ الشمس(١) من مغربها أدارها
بالقطب، فجعلَ مشرقَها مغربها، ومغربَها مشرقها(٢).
وأهل الهيئة ومن وافقهم يزعمونَ أنَّ طلوع الشمس من مغربها محالٌ، ويقولون:
إنَّ الشمس وغيرها من الفلكيَّات بسيطةٌ لا تختلفُ مقتضياتها جهةً وحركةً وغير
ذلك، ولا يتطرَّقُ إليها تغييرٌ عمَّا هي عليه، وقد بنوا ذلكَ على مثل شفا جُرُفٍ هار.
وقال الكرمانيُّ: إنَّه على تقدير تسليم قواعدهم لا امتناعَ في ذلك أيضاً؛
لقولهم بجواز انطباقٍ منطقةٍ فلك البروج، المسمَّى بفلك الثوابت، على المعدَّل،
وهي منطقة الفلك الأعظم، المسمَّى بفلك الأطلس، بحيث يصيرُ المشرقُ مغرباً
والمغربُ مشرقاً. اهـ(٣). وفيه نظرٌ يُعلم بعد بيان كيفيَّة الانطباق، وما يتبعه ويلزم
منه على ما في كتب محققيهم، فأقول: قال في ((التذكرة)) وشرحِها للسيد السند (٤):
المَيْلُ الكليُّ - وهو غايةُ التباعدِ بين منطقتي المعدّل وفلك البروج؛ الموجود
بالأرصاد القديمة والحديثة - ليس شيئاً واحداً، بل كان ما وجده القدماء أكثرَ ممَّا
وجدوه المحدثون، وقد يُظنُّ أنَّ ما وجدَه من هو أحدث زماناً كان أقلَّ مما وجده
من هو أقدمُ زماناً، مع أن أكثرَ ما وجدوه لم يبلغ أربعةً وعشرين جزءاً، وأقلَّه لم
ينقص عن ثلاثةٍ وعشرين جزءاً ونصفَ جزء. ثمَّ الظاهرُ أنَّ هذا الاختلافَ إنَّما
هو (٥) بسبب اختلال الآلات في استدارتها أو قسمتها أو نصبها في حقيقة نصف
النهار، لا بسبب تحرُّك إحدى المنطقتين إلى الأخرى، وإلّا لوجب أنْ يكون
الاختلافُ(٦) على نظام واحدٍ، ولم يوجد كذلك، كما بُيِّنَ في محلِّه، لكنَّه يجوزُ أنْ
يكون أصلُ الاختلاف(٦) بسبب التحرُّك، وعدمُ الانتظام بسبب الاختلال.
(١) في المصادر: تطلع.
(٢) التاريخ الكبير ٣٤١/٨، والعظمة لأبي الشيخ (٦٣٨)، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٢٣٧/٦٥.
(٣) شرح الكرماني على صحيح البخاري ٢٤/٢٣-٢٥.
(٤) هو الشريف الجرجاني، وكتابه هو شرح التذكرة النصيرية في علم الهيئة، لنصير الدين
محمد بن محمد الطوسي. كشف الظنون ٣٩١/١.
(٥) قوله: إنما هو، ليس في الأصل.
(٦) في الأصل: الاختلال.

سُورَةُ الأَنْعَمُ
٥١٨
الآية : ١٥٨
ولمَّا امتنعَ أنْ يكون هذا التقاربُ بحركةِ المعدَّل نحو منطقة البروج؛ إذ يلزمُ منه
أنْ تختلفَ عُرُوض البلدان عما هي عليه، وأنْ يكون خظُ الاستواء في كلِّ زمانٍ مكاناً
آخر = ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ منطقةً البروج تتحرَّكُ في العَرْض، فتقرب من معدَّل
النهار، فإنْ كان هذا حقّاً يجبُ أنْ يُثبتَ فلكاً آخر يحرِّكُ فلكَ البروج هذه الحركة.
ثمَّ إن المنطقة إنْ تحرَّكت في العرض أمكن أنْ تتمَّ الدورة، وأمكن أن
لا تتمَّها، بل تتحرَّكُ إلى غايةٍ ما ثمَّ تعود، وتلك الغاية يمكن(١) أنْ تكون بعد
انطباقها على منطقة المعدّل مرتين، أو حال انطباقها الثاني، أو فيما بين
الانطباقين، وذلك إمّا بعد قطع نصف دورتها، أو حالَ قطع النصف، أو قبله، وإنْ
لم تصل إلى ما بين الانطباقين فإمَّا أن تعودَ حال انطباقها الأوَّل، أو قبل ذلك؛
ثمانية احتمالات عقليّة لا مزيدَ عليها، وعلى التقديرات الخمس الأُوَل يتبادلُ نصفَا
سطح فلكِ البروج الشماليِّ والجنوبيِّ، فيصيرُ نصفُ سطح فلكِ البروج الذي هو
شماليٌّ عن المعدل جنوبيّاً عنه، وبالعكس، مع ما يتبعُ النصفين من الأحكام،
فتثبتُ أحكامُ النصف الشماليِّ للنصف الجنوبيِّ بعد صيرورته شماليّاً، وأحكامُ
الجنوبيِّ للشماليِّ بعد صيرورته (٢) جنوبيّاً، وفي الثلاثة الأولى منها ينطبقُ كلُّ واحدٍ
من نصفي منطقةِ البروج على كلِّ واحدٍ من نصفَي منطقة المعدَّل، وعلى التقديرات
الباقية بعد الخمسة الأولى لا يتبادلُ غير البعض من السطح المذكور، وعلى
التقديرات السبعة الأولى ينطبقُ النصفُ من منطقة فلك البروج على النصف المجاور
له من منطقة المعدّل، وعند كلِّ انطباقٍ يتساوى الليل والنهار في جميع البقاع؛ لأنَّ
مدار الشمس هو المعدّل المنصّف بالآفاق القاطعة له، وتبطلُ فصول السنة؛ لأنَّ
بُعدَ الشمس عن سمت الرأس يكون شيئاً واحداً هو مقدارُ عرض البلد، ويستمرُّ
الحال على هذا إلى أنْ تفترقَ المنطقتان بمقدارٍ يُحَسُّ به، ولا يكون ذلك إلَّا في
مدَّة طويلةٍ. وعلى التقدير الثاني لا يكون شيءٌ من الانطباق وتساوي المَلَوين
وبطلان الفصول، إلّا أنَّ الارتفاعات ومقاديرَ الأيام والليالي لأجزاء بعينها من فلك
البروج تزيدُ وتنقص في بقعة بعينها . انتهى ملخصاً .
(١) في الأصل: ثم تعود تلك الغاية ويمكن ....
(٢) من قوله: شماليًّا، إلى هنا ليس في الأصل.

الآية : ١٥٨
٥١٩
سُؤَدَّةُ الأَنْعَم
ولا يخفى أنَّه من لوازم ما ذكروه من التبادلِ الناشئ عن الانطباق مرَّتين؛
انطباقُ قطب البروج الجنوبيّ على قطب العالم الشماليِّ، وعكسه، وصيرورةُ بروجِ
الخريف بروجَ الربيع، وعكسه، وبروج الصيف بروجَ الشتاء، وعكسه، وانعكاسَ
توالي البروج إلى خلافه، فيطلع الحوثُ، ثمَّ الدلو، ثم الجدي، وهكذا إلى
الحمل، وتَوافق حركة ما حركتُه من المغرب إلى المشرق لحركة الفلك الأعظم،
إلى غير ذلك، وليس صيرورةُ المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً من لوازم الانطباق
المذكور، بل لا يُتصوَّرُ أصلاً. نعم لو كان المدَّعى انطباقَ منطقة المعدَّل على
منطقة فلك البروج بحيث تكونُ الحركة للمعدَّل نحو المنطقة، لَتُصوِّرَ ما ذكر، لكنَّه
ممتنعٌ على ما صرح به السيد السند فيما مرَّ، وقد فرض عدم الامتناع، فتدبَّر.
والانتظارُ في الآية محمولٌ على التمثيل المبنيِّ على تشبيه حال هؤلاء الكفار
في الإصرارِ على الكفر والتمادي على العناد إلى أن تأتيهم تلك الأمور الهائلة التي
لا بدَّ لهم من الإيمان عند مشاهدتها البثَّة بحال المنتظرين لها، وهذا هو الذي
يقتضيه التفسيرُ المأثور، ولا ينبغي العدول عن ذلك التفسير بعد أنْ صحَّت نسبةٌ
بعضِه إلى رسول الله وَ* والبعض الآخر إلى بعض أصحابه به، وليس في النظم
الكريم ما يأباه، ولا أنَّ المقامَ إنَّما يساعدُ على ما سواه.
وقيل: المرادُ بإتيان الملائكة وإتيان الربِّ سبحانه ما اقترحوه بقولهم: ﴿لَوْلَآً
أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١] وبقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِلَهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾
[الإسراء: ٩٢]، وبإتيان بعض الآيات غيرُ ما ذكر، كما اقترحوا بقولهم: ﴿أَوْ تُتْفِطَ
السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٣] ونحو ذلك من عظائم الآيات التي علَّقوا
بها إيمانهم.
وجوِّزَ حملُ بعض الآيات في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ بَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ على
ما يعمُّ مقترحاتهم وغيرها من الدواهي العظام السالبةِ للاختيار الذي يدورُ عليه فلكُ
التكليف، وهو كلامٌ في نفسه ليس بالدون، ولكن إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي.
والتعبيرُ بالبعض للتهويل والتفخيم، كما أنَّ إضافةً الآيات إلى اسم الربِّ - المنبئ
عن المالكيَّةِ الكليّة - لذلك، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف،
وتنکیر ((نفساً)) للتعميم.

سُؤَةُ الأَنْعَم
٥٢٠
الآية : ١٫٥٨
وجملة ((لم تكن آمنت)) في موضع النصب صفةٌ لـ ((نفساً)) فُصِلَ بينهما بالفاعل
لاشتماله(١) على ضمير الموصوف، ولا ضير فيه لأنَّه غيرُ أجنبيٍّ منه، لاشتراكهما
في العامل. وجُوِّز كونُها استئنافية، و((يوم)) منصوبٌ بـ ((لا ينفع))، وامتناعُ عمل
ما بعد ((لا)) فيما قبلها إنَّما هو عندَ وقوعها جواب القسم.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((يأتيهم)) بالياء(٢)؛ لأنَّ تأنيثَ الملائكة غيرُ حقيقيٍّ.
وقرئ: ((يومُ)) بالرفع على الابتداء(٣)، والخبرُ هو الجملة، والعائد محذوفٌ،
أي: لا ينفع فيه .
وقرأ أبو العالية وابنُ سيرين: ((لا تنفع)) بالتاء الفوقانية(٤)، وخرَّجها ابنُ جنِّي
على أنَّها من باب: قُطِعَتْ بعضُ أصابعه، فالمضافُ فيه قد اكتسبَ التأنيثَ من
المضاف إليه؛ لكونه شبيهاً بما يُستغَنَى عنه (٥).
وقال أبو حيَّان: إنَّ التأنيثَ لتأويل الإيمان بالعقيدة والمعرفة، مثل: جاءتهُ
كتابي فاحتقرهَا، على معنى الصحيفة(٦).
وقوله سبحانه: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِ إِيمَنِهَا خَيْرٌ﴾ عطفٌ على ((آمنت)). والكلامُ
محمولٌ على نفي الترديد المستلزِم للعموم، المفيدِ بمنطوقه لا شتراطِ عدم النفع بعدم
الأمرين معاً؛ الإيمان المقدَّم، والخير المكسوب فيه. وبمفهومه لاشتراط النفع
بتحقُّقِ أحدهما بطريقِ منع الخلوِ دونَ الانفصال الحقيقيّ. والمعنى أنه لا ينفع
(١) في الأصل و(م): لاشتمالها، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في تفسير أبي السعود
٢٠٤/٣، والكلام منه.
(٢) التيسير ص ١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢. وهي قراءة خلف من العشرة.
(٣) المحتسب ٢٣٦/١، والبحر المحيط ٢٦٠/٤.
(٤) المحتسب ٢٣٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٠٩/٢، والكشاف ٢/ ٦٤، والبحر المحيط
٢٦٠/٤.
(٥) ينظر المحتسب ٢٣٦/١-٢٣٧. وقوله: لكونه شبيهاً بما يستغنى عنه، يعني أن الإيمان وإن
لم يستغن عنه في ((لا تنفع نفساً إيمانها)) فإنه يُستغنى عنه في ما هو شبيه له، مثل: سرتني
إيمان الجارية، وقد اشترطوا لسريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف أن يكون
المضاف صالحاً للاستغناء عنه. ينظر مغني اللبيب ص ٦٦٧، وحاشية الشهاب ١٤٢/٤ .
(٦) البحر المحيط ٢٦٠/٤.