النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ١٢٣ ٤٢١ سُورَةُ الأَنْعَل وذهولٌ عن قاعدةٍ نحوية، وهي أنَّ أفعلَ التفضيل يلزمُ إفرادُه وتذكيرُه إذا كان بـ ((من)) ظاهرةً أو مقدَّرة، أو مضافاً إلى نكرةٍ، سواءٌ كانَ لمفردٍ مذكَّرٍ أو لغيره، فإنْ طابقَ ما هو له تأنيئاً وجمعاً وتثنيةً، لزمَهُ أحدُ الأمرين، إمَّا الألف واللام، أو الإضافة إلى معرفةٍ. و((أكابر)) في التخريجين باقٍ على الجمعية، وهو غيرُ معرَّفٍ بأل، ولا مضافٌ لمعرفة. وذلك لا يجوز. وتعقّبُهُ الشهابُ(١) فقال: إنَّه غيرُ واردٍ؛ لأنَّ ((أكابر)) و((أصاغر)) أُجريَ مجرى الأسماء؛ لكونه بمعنى الرؤساء [والسفلة] - كما نصَّ عليه الراغب(٢) - وما ذكرهُ إنَّما هو إذا بقيَ على معناه الأصلي. ويؤيِّده قولُ ابن عطيّة (٣): إنه يقال: أكابرة، كما يقال: أحمر وأحامرة، كما قال: إن الأحامرة الثلاث تولعت(٤) وإن ردَّه أبو حيان بأنَّه لم يعلم أنَّ أحداً من أهل اللغة والنحو أجازَ في جمع أفضل أفاضلة. وفيه نظر. وأما الجواب بأنَّه على حذف المضاف المعرفة للعلم به، أي: أكابر الناس، أو أكابر أهل القرية، فلا يخفى ضعفُه. اهـ. وظاهر كلام الزمخشريٌّ(٥) أنَّ الظرفَ لغوٌ، و((أكابرَ)) أولُ المفعولين مضافٌ لمجرميها، و((ليمكروا)) المفعول الثاني. (١) في حاشيته ٤/ ١٢٢. (٢) في المفردات (كبر). (٣) في المحرر الوجيز ٣٤١/٢. (٤) في (م): تعولت. وهو صدر بيت للأعشى، وروايته كما في تفسير الطبري ٥٣٩/٩، وإصلاح المنطق ص٤٣٨، والبحر المحيط ٢١٥/٤، ولسان العرب (حمر): إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بهن قدماً مولعا وجاء البيت في المحرر الوجيز ٣٤١/٢، والدر المصون ١٣٦/٥، بلفظ: أتلفت. ولم نقف عليه بالرواية التي ذكرها المصنف إلا في حاشية الشهاب ١٢٢/٣، وعنه نقل المصنف. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٤٣٧: الأحمران: الشراب واللحم، فإذا قيل: الأحامرة. ففيها الخَلوق. اهـ. وقال في اللسان بعد ذكر البيت: ثم أبدل بدل البيان فقال: الخمرَ واللحمَ السمين وأطلي بالزعفران فلن أزال مولَّعَا (٥) كما في حاشية الشهاب ١٢٣/٤، وينظر الكشاف ٤٨/٢ . سُؤَدَّةُ الأَنْعَل ٤٢٢ الآية : ١٢٣ وجَوَّزَ بعضهم كونَ ((جَعَلَ)) متعدِّياً لواحد، على أنَّ المراد بالجعل التمكينُ، بمعنى الإقرار في المكان والإسكان فيه، ومفعولُه («أكابر مجرميها)) بالإضافة. ويفهم من كلام البعض أنَّ احتمال الإضافة لا يجري إلَّا على تفسير جعلناهم بمگَّناهم، ولا يخلو ذلك عن دغدغة. وقال العلامة الثاني بعد سرد عدَّةٍ من الأقوال: والذي يقتضيه النظر الصائب أنَّ (في كلِّ قرية)) لغوٌ، و((أكابر مجرميها)) مفعولٌ أول، و((ليمكروا)) هو الثاني. ولا يخفى حسنُه، بيدَ أنَّه مبنيٌّ على جعل الإشارة لأحدِ الأمرين اللذين أُشيرَ فيما سبق إليهما . وناقش في ذلك شيخُ الإسلام، وادَّعى أنَّ الأقربَ جعلُ المشارِ إليه الكفرةَ المعهودين، باعتبار انِّصافهم بصفاتهم، والإفرادُ باعتبارِ الفريق أو المذكور، ومحلُّ الكاف النصب على أنَّه المفعول الثاني لـ ((جعلنا)) قُدِّم عليه لإفادة التخصيص، كما في قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤] والأولُ («أكابرَ مجرميها))، والظرف لغوٌ، أي: ومثلَ أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكَّة ومجرموها، جعلنا في كلِّ قريةٍ أكابرها المجرمين، أي: جعلناهم مُتَّصفين بصفات المذكورين مزيَّناً لهم أعمالُهم مصرِّين على الباطل، مجادلين به الحقَّ؛ ليمكروا فيها، أي: ليفعلوا المكر فيها اهـ(١). ولا يخفى بعدُه. وتخصيصُ الأكابرِ؛ لأنَّهم أقوى على استتباع الناس والمكرِ بهم. وقُرِئ: ((أكبرَ مجرميها))(٢). وهذا تسليةٌ لرسول اللهِوَّهُ. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ اعتراضٌ على سبيل الوعدِ له عليه الصلاة والسلام، والوعيدِ للكفرة الماكرين، أي: وما يحيقُ غائلة مكرهم إلَّا بهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (®) حالٌ من ضمير ((يمكرون)) أي: إنَّما يمكرون بأنفسهم، والحالُ أنَّهم ما يشعرون بذلك أصلاً، بل يزعمون أنَّهم يمكرون بغيرهم. (١) تفسير أبي السعود ١٨١/٣ - ١٨٢. (٢) الكشاف ٤٨/٢، والبحر المحيط ٢١٥/٤. الآية : ١٢٤ ٤٢٣ سُورَةُ الأَنْعَل ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ﴾ رجوعٌ إلى بيان حال مجرمي أهل مكَّة بعد ما بَيَّن بطريق التسلية حالَ غيرهم، فإنَّ العظيمةَ المنقولة إنما صدرت عنهم لا عن سائر المجرمين، أي: وإذا جاءتهم آيةٌ بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ حَقَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللّهِ﴾ قال شيخُ الإسلام: قال ابن عباس رطَّا: حتى يوحَى إلينا ويأتينا جبريلُ عليه السلام، فيخبرنا أنَّ محمداً عليه الصلاة والسلام صادقٌ، كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتَِ بِاللَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وعن الحسن البصريِّ مثلُه. وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ ما عُلِّق بإيتاء ما أوتي الرسل عليهم السلام هو إيمانُهم برسول اللهِ وَّ﴿ وبما أُنزِل إليه إيماناً حقيقيّاً، كما هو المتبادرُ عند الإطلاق، خلا أنَّه يستدعي أنْ يحملَ ((ما أوتي رسلُ الله)) على مطلق الوحي ومخاطبةٍ جبريل عليه السلام في الجملة، وأنْ تُصرفَ الرسالةُ في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ عن ظاهرها، وتُحمَل على رسالةٍ جبريل عليه السلام بالوجه المذكور، ويرادَ بجعلِها تبليغُها إلى المُرسَل إليه، لا وضعُها في موضعها الذي هو الرسول؛ ليتأَتَّى كونُه جواباً عن اقتراحِهم وردًّا له بأن يكون(١) معنى الاقتراح: لن نؤمن بكون تلك الآية نازلةً من عند الله تعالى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يأتينَا جبريلُ بالذات عياناً كما يأتي الرسلَ، فيخبرنا بذلك، ومعنى الردِّ: اللهُ أعلمُ بمن يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه لأمرٍ من الأمور؛ إيذاناً بأنَّهم بمعزلٍ من استحقاقِ ذلك التشريف. وفيه من التمثّل ما لا يخفى(٢). وأنت تعلم أنَّه لا تمخُلَ في حَمْلِ ما أوتي رسلُ الله على مطلقِ الوحي، بل في العدولِ عن قول: لن نؤمنَ حتى نُجعَلَ رسلاً، مثلاً، إلى ما في النظم الكريم، نوعُ تأييدٍ لهذا الحمل. نعم صرفُ الرسالةِ عن ظاهرها، وحملُ الجعل على التبليغ، لا يخلو عن بعدٍ، ولعلَّ الأمرَ فیه سهلٌ. ويُفهم من كلام البعض أنَّ مطلقَ الوحي، ومخاطبةً جبريل عليه السلام في (١) في (م): كون. (٢) تفسير أبي السعود ٣/ ١٨٢. سُورَةُ الأَنْعَهُم ٤٢٤ الآية : ١٢٤ الجملة، وإن لم يستدع ذلك(١) الرسالةَ، إلّا أنَّه قريبٌ من منصبها، فيصلحُ ما ذكر جواباً، بدونٍ حاجةٍ إلى الصرف والحمل المذكورين. وفيه ما فيه. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهلٍ حين قال: زاحَمْنَا بني عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهانٍ، قالوا منَّ نبيٌّ يُوحَى إليه. والله لا نرضَى به ولا نتَّبِعُه أبداً حتى يأتينا وحيّ كما يأتيه . وقال الضَّيحَّاك: سأل كلُّ واحدٍ من القوم أن يُخَصَّ بالرسالة والوحي، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله سبحانه: ﴿بَلْ يُرِدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْثَّ صُحُفًا مُنَشَّرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٢]. قال الشيخ: ولا يخفى أنَّ كلَّ واحدٍ من هذين القولين، وإن كان مناسباً للردِّ المذكور، لكنَّه يقتضي أن يُرادَ بالإيمان المعلَّق بإيتاءٍ مثل ما أُوتِي الرسلُ مجرَّدُ تصديقهم برسالته ربّ في الجملة، من غير شمولٍ لكافَّةِ الناس، وأنْ تكون كلمةٌ (حتى)) في قول اللعين: حتى يأتينا وحيٌّ كما يأتيه .. إلخ، غايةً لعدم الرضى، لا لعدم الانِّباع، فإنَّه مقرَّرٌ على تقديرَيْ إتيان الوحي وعدمه، فالمعنى: لن نؤمن برسالتِهِ أصلاً حتى نؤتى نحن من النبوَّة مثلَ ما أوتيَ رسلُ الله، أو إيتاءً مثلَ إيتاء رسل الله(٢). ولا يخفى أنَّه يجوزُ أنْ تكون ((حتى)) في كلام اللعين غايةً للاتِّباع أيضاً، على أنَّ المرادَ به مجرَّدُ الموافقة، وفعلُ مثل(٣) ما يفعلُه ◌َّهِ من توحيد الله تعالى وتركِ عبادة الأصنام، لا قفوَ الأثر بالائتمار، على أنَّ اللعينَ إنَّما طلب إتيان وحيٍ كما يأتي النبيَّ وَّةِ، وليس ذلك نصّاً في طلب الاستقلال المنافي للاتِّباع. ولعل مرادَه ــ عليه اللعنةُ - المشاركةُ في الشرف، بحيث لا ينحظُ عنه عليه الصلاة والسلام بالكليَّة . ويمكن أن يُذَّعَى أيضاً أنَّ هؤلاء الكفرةَ لكونِ كلِّ منهم أبا جهل بما يقتضيه منصبُ الرسالة، لا يأبونَ كونَ الرسولين يجوزُ أنْ يُبعثَ أحدُهما إلى الآخر، ويُلزمَ أحدُهما امتثالَ أمر الآخر واتِّاعَه، وإنْ كان مشاركاً له في أصل الرسالة، فليفهم. (١) في (م): تلك. (٢) تفسير أبي السعود ٣/ ١٨٢ -١٨٣. (٣) لفظة: مثل. ليست في الأصل. الآية : ١٢٤ ٤٢٥ سُورَةُ الأَنْعَل وقيل: إنَّ الوليد بن المغيرة قال لرسول الله بَّةٍ: لو كانت النبوّة حقّاً لكنتُ أولى بها منك؛ لأنِّي أكبرُ منك سنّاً، وأكثرُ مالاً وولداً. فنزلت هذه الآية. وتعقّبهُ الشيخ قُدِّس سرُّه: إنَّه لا تعلُّق له بكلامهم المردود، إلّا أنْ يرادَ بالإيمانِ المعلَّقِ بما ذُكر مجرَّدُ الإيمان بكون الآية النازلة وحياً صادقاً، لا الإيمانُ بكونها نازلةً إليه عليه الصلاة والسلام، فيكون المعنى: وإذا جاءتهم آيةٌ نازلةٌ إلى الرسول قالوا: لن نؤمن بنزولها من عند الله حتى يكونَ نزولُها إلينا لا إليه؛ لأنَّا نحن المستحقُّون دونَه. فإنَّ ملخّصَ معنى قوله: لو كانت النبوَّةُ حقّاً .. إلخ: لو كان ما تدَّعيه من النبؤَّةِ حقّاً لكنتُ أنا النبيَّ لا أنت، وإذا لم يكن الأمرُ كذلك، فليست بحقِّ. ومَلَه تعليقُ الإيمان بحقيَّة النبوَّة بكون نفسه نبيّاً (١). وأنت تعلم أنَّ إطلاقَ النبوَّة، وقولَهم: ((رسلُ الله))؛ ليس بينهما كمالُ الملاءمة بحسب الظاهر، كما لا يخفى، فالحقُّ سقوطُ هذا القول عن درجة الاعتبار، وإن رُوي مثله عن ابن جريج؛ لما في تطبيقه على ما في الآية من مزيد العناية. و ((مثلَ ما أوتي)) نصب على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، و((ما)) مصدريَّة، أي: حتى نؤتاها إيتاءً مثلَ إيتاءِ رسل الله. وإضافةُ الإيتاء إليهم لأنَّهم منكرون لإيتائه عليه الصلاة والسلام. و((حيث)) مفعولٌ لفعلٍ مقدَّرٍ (٢)، وقد خرجت عن الظرفيَّةِ بناءً على القول بتصرُّفها، ولا عبرةَ بمن أنكره. والجملةُ بعدها - كما نصَّ عليه أبو علي في ((كتاب الشعر)) - صفةٌ لها، وإضافتُها إلى ما بعدها حيث استُعمِلت ظرفاً (٣). وقال الرضيُّ: الأَولَى أنَّ ((حيثُ)) مضافٌ، ولا مانعَ من إضافتها وهي اسمٌ إلى الجملة. وبحث فيه. ولا يجوزُ فيها هنا عند الكثير أنْ تكون مجرورةً بالإضافة؛ لأنَّ ((أفعل) بعضُ ما يضاف إليه. ولا منصوبةً بـ ((أفعل)) نصبَ الظرف؛ لأنَّ علمه تعالى غيرُ مقيَّدٍ (١) تفسير أبي السعود ١٨٣/٣. (٢) بعدها في (م): أي يعلم. (٣) ينظر كتاب الشعر ١٧٩/١-١٨١. سُورَةُ الأَنْسَهُ ٤٢٦ الآية : ١٢٤ بالظرف، وممَّن نصَّ على ذلك ابنُ الصائغ(١). وجوَّز بعضهم الثاني، ورَدَّ ما عُلِّلَ به المنعُ منه بأن يجوز جعلُ تقييدٍ علمه تعالى بالظرف مجازيّاً باعتبارٍ ما تعلَّق به، بل ذلك أولى من إخراج ((حيثُ)) عن الظرفيَّة، فإنَّه إمَّا نادرٌ أو ممتنعٌ. وجملةُ ((الله أعلم)) إلخ استئنافٌ بيانيٌّ، والمعنى أنَّ منصبَ الرسالة ليس ممَّا يُنال بما يزعمونه من كثرة المال والولد، وتَعاضُد الأسباب والعُدَد، وإنَّما يُنَال بفضائل نفسانيَّة، ونفسٍ قدسيَّة أفاضَها الله تعالى بمحضٍ الكرم والجود على مَن كَمُل استعدادُه. ونصَّ بعضُهم على أنَّه تابعٌ للاستعداد الذاتيّ، وهو لا يَستلزمُ الإيجابَ الذي يقولُه الفلاسفة؛ لأنَّه سبحانه إنْ شاء أعطى ذلك، وإن شاء أمسك وإن استعدَّ المحلُّ. وما في ((المواقف)) من أنَّه لا يشترط في الإرسال الاستعدادُ الذاتيُّ، بل الله تعالى يختصُّ برحمته مَن يشاء(٢)، محمولٌ على الاستعدادِ الذاتيِّ الموجبٍ، فقد جرت عادةُ الله تعالى أنْ يَبعثَ من كلِّ قومٍ أشرفَهم وأطهرهم جِلَّةً. وتمامُ البحث في موضعه . وقرأ أكثرُ السبعة: ((رسالاته)) بالجمع(٣). وعن بعضهم أنَّه يسنُّ الوقفُ على: ((رسل الله))، وأنَّه يستجابُ الدعاءُ بين الآيتين. ولم أر في ذلك ما يعوَّلُ عليه. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ استئنافٌ آخرُ، ناعٍ عليهم ما سيلقَونَه من فنون الشرِّ بعدما نَعى عليهم حرمانَهم مما أَمَّلُوه، والسينُ للتوكيد، ووضع الموصول موضعَ الضمير؛ لمزيد التشنيع. وقيل: إشعاراً بعِلِّيَّة مضمون الصلة، أي: يصيبُهم البتّةَ مكان ما تمَّوه وعلَّقوا به أطماعَهم الفارغة من عزِّ النبوّة وشرفِ الرسالة. ﴿صَغَارُ﴾ أي: ذلِّ عظيمٌ وهوانٌ بعد كِبْرِهم ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ يومَ القيامة. وقيل: من عند الله. وعليه أكثرُ المفسِّرين كما قال الفرَّاء(٤)، واعترضَهُ بأنَّه (١) انظر حاشية الشهاب ٤/ ١٢٣. (٢) شرح المواقف للجرجاني ٢١٨/٨. (٣) قرأ ابن كثير وحفص: ((رسالته)) بالتوحيد ونصب التاء، والباقون بالجمع وكسر التاء. التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢. (٤) في معاني القرآن له ٣٥٣/١. الآية : ١٢٥ ٤٢٧ سُورَةُ الأَنْعَم لا يجوزُ في العربية أن تقول: جئتُ عند زيد، وأنت تريد: من عند زید. وقيل: المرادُ أنَّ ذلك في ضمانه سبحانه، أو ذخيرةٌ لهم عنده(١)، وهو جارٍ مجری التھگّم، کما لا يخفى. ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرةِ أو في الدنيا ﴿يِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ﴾ أي: بسبب مكرهم المستمرِّ، أو بمقابلته. وحيث كان هذا من أعظم موادِّ إجرامِهم صرَّحَ بسببه . ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ أي: يعرِّفَه طريقَ الحقِّ، ويوفِّقَه للإيمان. وقالت المعتزلة: المراد: يهديه إلى الثواب، أو إلى الجنَّة، أو يثيبه على الهدى، أو يزيده ذلك. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ فيتَّبِع له وينفسح، وهو مجازٌ أو كنايةٌ عن جعل النفس مهيَّةً لحلول الحقِّ فيها، مصفَّاةً عمَّا يمنعُه وینافيه، كما أشار إليه پژ حين قيل له: كيف الشرحُ يا رسول الله؟ فقال: ((نورٌ يقذفُ في الصدر، فينشرحُ له وينفسح)) فقيل: هل لذلك من آيةٍ يُعرَفُ بها يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((الإنابةُ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعدادُ للموت قبل لقاءٍ الموت)»(٢). ﴿وَمَن يُرِدّ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ أي: يخلقَ فيه الضلالةً؛ لسوءِ اختياره. وقيل: المراد: يضلَّه عن الثواب، أو عن الجنَّة، أو عن زيادة الإيمان، أو يخذله ويخلِّي بينه وبين ما يريده. (١) ليست في الأصل. (٢) أخرجه الطبري ٩/ ٥٤٢-٥٤٣ من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود بنحوه. وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٩٦. وأخرجه الحاكم ٤/ ٣١١، وفي إسناده عدي بن الفضل، قال الذهبي: عديٌّ ساقط. وأخرجه أيضاً الطبري ٩/ ٥٤١-٥٤٢ عن أبي جعفر المدائني مرسلاً، وأبو جعفر هذا كذبه أحمد وابن المديني والنسائي كما في الميزان ٥٠٤/٢. وقال ابن كثير بعد أن أورد طرق الحديث: فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشدُّ بعضها بعضاً. اهـ. ولكن الدارقطني في العلل ١٨٩/٥ أعلَّ ما روي منه متصلاً، وذكر أن الصواب أنه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور عن النبي ◌َّ مرسلاً، وتقدم آنفاً أن أبا جعفر هذا كذاب. سُورَةُ الأَنْتَّ ٤٢٨ الآية : ١٢٥ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بحيثُ ينبو عن قبول الحقِّ، فلا يكاد يكون فيه للخير منفذ. وقرأ ابن كثير ((ضَيْقاً)) بالتخفيف(١)، ونافع وأبو بكر عن عاصم: ((حَرِجاً)) بكسر الراء (٢). أي: شديد الضيق، والباقون بفتحها، وصفاً بالمصدر للمبالغة. وأصلُ معنى الحرج كما قال الراغب: مجتمعُ الشيء، ومنه قيل للضِّيقِ: حَرَجٌ(٣). وقال بعض المحققين: أصلُ معناه: شدَّةُ الصِّيق؛ فإنَّ الحَرَجَةَ غيضةٌ أشجارُها ملتقَّةٌ بحيث يصعبُ دخولها . وأخرج ابنُ حميدٍ وابن جريرٍ وغيرهما عن أبي الصَّلْت الثقفيّ، أنَّ عمر بنظ ◌ُته قرأ: ((حَرَجاً)) بفتح الراء. وقرأ بعضُ مَن عنده من أصحاب رسول اللهِ وَّه: (حَرِجاً)) بكسرها، فقال عمر: أَبغوني رجلاً من كنانة، واجعلوه راعياً، وليكن مُدْلِجِيّاً، فأتوه به، فقال له عمر: يا فتى، ما الحَرَجَة فيكم؟ قال: الحَرَجَة فينا الشجرةُ تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ، ولا وحشيَّةٌ، ولا شيءٌ. فقال عمر ◌َه: كذلك قلبُ المنافق لا يصلُ إليه شيءٌ من الخير (٤). ﴿كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ من ضمير الوصف، أو وصفٌ آخر. والمراد المبالغةُ في ضيق صدرِه، حيث شُبِّه بمن يزاولُ ما لا يقدرُ عليه، فإنَّ صعودَ السماء مَثَلٌ فيما هو خارجٌ عن دائرة الاستطاعة، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الإيمان يَمتنعُ منه، كما يَمتنعُ منه الصعود، والامتناعُ في ذلك عاديٌّ. وعن الزجَّاج(٥): معناه: كأنَّما يتصاعدُ على السماء، نُبُوّاً عن الحقِّ، وتباعُداً في الهرب منه. وأصلُ ((يصَّعد)): يتصعَّد، وقد قُرئ به (٦)، فأدغِمت التاءُ في الصَّاد. (١) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢. (٢) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢. وهي قراءة أبي جعفر أيضاً من العشرة. (٣) المفردات (حرج). (٤) تفسير الطبري ٩/ ٥٤٥. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٤٥/٣، وعزاه للطبري وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. (٥) في معاني القرآن ٢/ ٢٩٠. (٦) نسبها النحاس في معاني القرآن ٤٨٧/٢، والزمخشري في الكشاف ٤٩/٢، والقرطبي الآية : ١٢٦ ٤٢٩ سُؤَدَّةُ الأَنْعَل وقرأ ابنُ كثير ((يصْعَدُ))، وأبو بكر عن عاصم: ((يَصَّاعد))(١)، وأصلُه أيضاً: يتصاعد، ففعل به ما تقدَّم. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الجعل المذكور بعدَه على ما مرَّ تحقيقُه، أو إشارةٌ إلى الجعل السابق، أي: مثلَ ذلك الجَعْلِ، أي: جَعْلِ الصدر حرجاً على الوجه المذكور ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ اُلْرِّجْسَ﴾ أي: العذابَ أو الخذلان. وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن مجاهد أنَّه قال: ((الرجس)) ما لا خيرَ فيه(٢). وقال الراغب: ((الرجس)): الشيء القُذر(٣). وقال الزّجَّاج: هو اللعنةُ في الدنيا، والعذابُ في الآخرة(٤). وأصلُه - على ما قيل - من الارتجاس، وهو الاضطراب. ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: عليهم. ووضع الظاهر موضع المُضمَر للتعليل . ﴿وَهَذَا﴾ أي: ما جاء به القرآن، كما رُوي عن ابن مسعود. أو الإسلام، كما روي عن ابن عباس. أو ما سبق من التوفيق والخذلان، كما قيل. ﴿صِرَاطُ رَيِّكَ﴾ أي: طريقُه الذي ارتضاهُ، أو عادتُه وطريقته التي اقتضتها حكمتُه. ولا يخفى ما في التعرُّض لعنوان الربوبيَّة، مع الإضافة إلى ضمير المخاطَب من اللطف. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعوجاجَ فيه ولا زيغ، أو عادلاً مُطَّرداً، وهو إمَّا حالٌ مؤكّدةٌ لصاحبها، وعاملُها محذوفٌ وجوباً، مثل: هذا أبوك عطوفاً. أو مؤسِّسَةٌ، والعامل فيها معنى الإشارة، أو ((ها)) التي للتنبيه. = ٢٦/٩ لابن مسعود به. وزاد ابنُ عطية نسبتها للأعمش وابن مصرف. ونسبها البناء في إتحاف فضلاء البشر ص٢٧٣ للمطوعي. (١) التيسير ص١٠٦ -١٠٧، والنشر ٢٦٢/٢. (٢) الدر المنثور ٤٥/٣. وأخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٥٥١. (٣) المفردات (رجس). (٤) معاني القرآن ٢/ ٢٩٠. سُؤَدَّةُ الأَنْعَل ٤٣٠ الآية : ١٢٧ ﴿قَدْ فَصَلْنَا الْآَيَتِ﴾ بيَّنَّاها مفصّلةً ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾﴾ أي: يتذكرون ما في تضاعيفها، فيعلمون أنَّ كلَّ الحوادث بقضائه سبحانه وقَدَرِهِ، وأنَّه جَلَّ شأنُه حكيمٌ عادلٌ في جميع أفعاله. وتخصيصُ هؤلاء القوم بالذكر؛ لأنَّهم المنتفعون بذلك التفصيل. ﴿لَمْ﴾ أي: لهؤلاء القوم ﴿دَارُ السَّلَمِ﴾ أي: الجنة. كما قال قتادة، والسلام هو الله تعالى، كما قال الحسنُ وابنُ زيدٍ والسُّدِّيُّ. وإضافةُ الدار إليه سبحانه للتشريف. وقال الزَّجَّاج والجبائيُّ: ((السلام)) بمعنى السلامة، أي: دار السلامة من الآفات والبلايا وسائرِ المكاره التي يلقاها أهلُ النار(١). وقيل: هو بمعنى التسليم، أي: دارٌ تحيّتهم فيها سلام. ﴿عِنْدَ رَيْهِمْ﴾ أي: في ضمانه وتكفُّله التّفْضُّليّ، أو ذخيرةً لهم عنده لا يعلم كنهَ ذلك غيرُه. والجملةُ مستأنفةٌ، وقيل: صفة لقوم. ®﴾ أي: بسبب ﴿وَهُوَ وَلِتُهُمْ﴾ أي: مُحِبُّهم، أو: ناصرهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أعمالهم الصالحة، أو متولِيهم متلبّساً بجزائها؛ بأنْ يتولَّى إيصالَ الثواب إليهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا﴾ لتفاوت مراتبٍ أرواحهم في الصَّفاء والكُدورة، والنورِ والظلمة، والقرب والبعد، ومن هنا قیل : والجاهلون لأهلِ العلم أعداء(٢) وكلما اشتدَّ التفاوتُ، اشتدَّت العداوةُ، وزادَ الإيذاءُ الناشىءُ منها، ولهذا وردَ في بعض الآثار: ((ما أوذِيّ نبيٌّ مثلَ ما أوذِيْتُ))(٣). وتسبِّبُ هذه العداوةُ مزيدَ (١) معاني القرآن للزجاج ٢٩٠/٢، ومجمع البيان ١٩٣/٨. (٢) هو عجز بيت منسوب للإمام علي له، كما في ديوانه المجموع ص ١١، وصدره: وقيمة المرء ما قد كان يحسنُه (٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣٣٣/٦ من طريق وكيع عن مالك عن أنس مرفوعاً، بلفظ: ((ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله)). قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك، تفرد به وكيع. وينظر كشف الخفاء ٢٣٥/٢. التفسير الإشاري (١١٢ -١٢٧) ٤٣١ سُؤَدَّةُ الأَنْعَل التوجُّه إلى الحقِّ جلَّ شأنه، والإعراض عن الملاذِ، والحرص على الفضيلة التي يقهرُ بها العدوّ، والاحتراز عما يوشكُ أنْ يكون سبباً للطعن، إلى غير ذلك. ﴿وَلِنَصْغَى﴾ أي: تميل ﴿إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم المحجوبون؛ لوجود المناسبة. ﴿وَلِيَضَوْءُ﴾ بمحبتهم إِيَّاه ﴿وَلِيَقْتِفُوا مَا هُم مُفْتِفُونَ﴾ من إثم(١) التعاضُد والتظاهر. ﴿أَفَغَيْرَ الَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَّلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ﴾ المعجزَ الجامع ﴿مُفَصَّلَا﴾ فيه الحقُّ والباطل، بحيث لا يبقى معه مقالٌ لقائلٍ، فطلبُ ما سواه ممَّا لا يليقُ بعاقلٍ، ولا يميلُ إليه إلَّا جاهل. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ أي: تمَّ قضاؤه في الأزل بما قضى وقدَّر ﴿صِدْقًا﴾ مطابقاً لما يقع ﴿وَعَدْلًا﴾ مناسباً للاستعداد. وقيل: صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما أوعد. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾ لأنَّها على طرز ما ثبتَ في علمه، والانقلابُ محال. ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ﴾ أي: من الجهة السفليَّة؛ بالركون إلى الدنيا وعالَم النفس والطبيعة ﴿يُضِلُوكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾ لأنَّهم لا يَدْعُون إلَّا للشهوات المُبْعِدَةِ عن الله تعالى. ﴿إِن يَتَِّعُونَ﴾ أي: ما يتَّبعون؛ لكونهم محجوبين في مقام النفس بالأوهام والخيالات ﴿إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ بقياس الغائب على الشاهد. ﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ﴾ من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح ﴿وَبَاطِنَهُ؟﴾ من العقائدِ الفاسدة، والعزائم الباطلَة. وقال سهل: ظاهرُ الإثم المعاصي كيف كانت، وباطنُه حُبُّها . وقال الشبليّ: ظاهرُ الإثم الغفلة، وباطنُه نسيان مطالعة السوابق. وقال بعضهم: ظاهرُ الإثم طلبُ الدنيا، وباطنُه طلبُ الجثّة؛ لأنَّ الأمرين يشغلان عن الحقِّ، وكلُّ ما يشغلُ عنه سبحانه فهو إثم. وقيل: ظاهرُ الإثم حظوظُ النفس، وباطنُه حظوظُ القلب. (١) في (م): اسم. سُورَةُ الأَنْسَل ٤٣٢ التفسير الإشاري (١١٢ -١٢٧) وقيل: ظاهرُ الإثم حبُّ الدنيا، وباطنه حبُّ الجاه. وقيل: ظاهر الإثم رؤيةُ الأعمال، وباطنُه سكونُ القلب إلى الأحوال. ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ﴾ وهم المحجوبونَ بالظاهر عن الباطن ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآَبِهِمْ﴾ أي: مَن يواليهم من المنكرين ﴿لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ بما يتلقّونَه من الشُّبَهِ ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ وتركتم ما أنتم عليه من التوحيد ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ مثلهم. ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا﴾ بالجهل وهوى النفس، أو الاحتجاب بصفاتها، ﴿فَأَحْبَيْنَهُ﴾ بالعلم ومحبَّة الحقِّ، أو كشفِ حجب صفاتِهِ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ من هدايتنا وعلمنا، أو نوراً من صفاتنا . أو ((من كان ميتاً)) بالمجاهدات ((فأحببناه)) بروح المشاهدات. أو ((ميتاً)) بشهوات النفس ((فأحييناه)) بصفاء القلب. أو ((ميتاً)) برؤية الثواب، («فأحيينَاه)» برؤية المآب إلى الوهاب، وجعلنا له نورَ الفِراسة أو الإرشاد. وقال جعفر الصادق: المعنى: أَوَمَن كان ميتاً عنَّا، فأحييناه بنا، وجعلناه إماماً يهدي بنورِ الإجابة، ويَرجعُ إليه الضُّلَّال. وقال ابن عطاء: أومن كان ميتاً بحياة نفسه وموتٍ قلبه، فأحييناه بإماتة نفسه وحياة قلبه، وسهَّلنا عليه سُبلَ التوفيق، وكخَّلناه بأنوار القربِ، فلا يرى غيرَنا ولا يلتفتُ إلی سوانا . ﴿كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ اٌلْظُلُمَتِ﴾ أي: ظلمات نفسه وصفاته وأفعاله ﴿لَيْسَ بِخَارِچ ج فِنْهَا﴾ لسوءِ استعداده ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ﴾ المحجوبين ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فاحتجبوا به . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ ويكون ذلك سبباً لمزيد كمال العارفين، حسبما تقدَّم في جعل الأعداء للأنبياء عليهم السلام. ويمكن أنْ يكون إشارةً على ما في الأَنفُسِ، أي: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ وجود الإنسان، التي هي البدن ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ من قوى النفسِ الأمّارة التفسير الإشاري (١١٢ -١٢٧) ٤٣٣ سُورَةُ الأَنْتَم ﴿ِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ بإضلال القلب ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأنَّ عاقبة مكرهم راجعٌ إليهم، آفاقاً وأنفساً. ﴿وَإِذَا جَّمَتْهُمْ﴾ على يد الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْنَى مِثْلَ مَا أُرِّيَ رُسُلُ الِّ﴾ من الرسالة إليهم ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وذلك حيثُ خزينةُ الاستعدادِ عامرةٌ، والنفس قدسيَّةٌ. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ بالاحتجابِ عن الحقِّ ﴿صَغَارُّ عِندَ اَلَّهِ﴾ أي: ذلِّ بذهابٍ قَدْرِهم حين خراب أبدانهم ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بحرمانهم الملائم، ووصول المنافي إليهم في المعاد الجسماني. ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ إليه ويعرِّفَهُ به ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ بأن يقذفَ فيه نوراً من أنواره، فيعرفه بذلك، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ، يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجَا﴾ لا يدخلُ فيه شيءٌ من أنوار شمس العرفان ﴿كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ الشَّمَاءِ﴾ نبوّاً وهرباً عن قَبول ذلك؛ لأنَّه خلافُ استعداده. وقيل: المعنى: ((فمن يُرِدِ الله أنْ يهديَه)) للتوحيد، ((يشرح صدرَه)) لقَبول نورٍ الحقِّ وإسلام الوجودِ إلى الله سبحانه بكشفِ حُجُب صفاتِ نفسه عن وجه قلبه الذي يلي النفس، فينفسحُ لقبول نورِ الحقِّ، ((ومَن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيِّقاً حرجاً)) باستيلاء النفس عليه، وضغطها له ((كأنما يصَّعَّد)» في سماء روحه مع تلك الهيئات البدنيّة المظلمة، وذلك أمرٌ محال. وقيل غير ذلك. ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أي: رجس التلوُّث بنتن الطبيعة ﴿عَلىَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم المحجوبونَ عن الحقِّ. ﴿وَهَذَا﴾ أي: طريقُ التوحيد، أو الجعل ﴿صِرَّطُ رَيِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقه الذي ارتضاه، أو عادتُه التي اقتضتها حكمتُه ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ المعارفَ والحقائقَ المركوزةَ في استعدادهم. ﴿لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَيِهِمْ﴾ وهي ساحةُ جلاله، وحضائرُ قدسٍ صفاته، ومساقطُ وقوع أنوارٍ جماله المنزَّهةِ عن خطرِ الحجاب، وعلَّةِ العتاب، وطريانِ العذاب. سُؤْدَةُ الأَنْعَهُ ٤٣٤ الآية : ١٢٨ ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ بنعت رعايتهم، وكشفِ جماله لهم، أو وليُّهم يحفظُهم عن رؤية الغير في البين. ويجوزُ أن يكون المعنى: لهم دار السلامة من كلِّ خوفٍ وآفةٍ، حيث يكون العبد فيها في ظلِّ الذات والصفات وريفِ البقاء بعد الفناء. والكثيرُ على أنَّ السلام من أسمائه تعالى، فما ظنُّك بدارٍ تنسب إليه جلَّ شأنه: إذا نزلتْ سلمى بوادٍ فماؤُه زلالٌ وسلسالٌ وأشجارُه وردُ (١) نسأل الله تعالى أن يُدخلنا هاتيكَ الدَّار بحرمةِ نبيه المختار اَللهِ. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الظرفيَّة، والعاملُ فيه مقدَّرٌ، أي: اذكر، أو: نقول، أو: كان ما لا يُذْكَرُ لفظاعته. وجُوِّزَ أنْ يكونَ مفعولاً به لمقدَّرٍ أيضاً، أي: اذكر ذلك اليوم. والضميرُ المنصوب لمن يُحشَر من الثقلين، وقيل: للكفَّار. وقرأ حفص عن عاصم، وروح عن يعقوب: ((يحشر)) بالياء، والباقون بنون العظمة على الالتفات؛ لتهويل الأمر(٢). وقوله سبحانه: ﴿يَمَعْثَرَ الْجِنِ﴾ على إضمار القول، والمعشرُ الجماعة أَمْرُهُم واحدٌ. وقال الطبرسيّ: الجماعة التامَّة من القوم التي تشتملُ على أصناف الطوائفِ، ومنه العَشَرة؛ لأنَّها تمامُ العقد(٣) . والمراد بالجنِّ أو بمعشرهم على ما قيل: الشياطين. وذكر بعضُ الفضلاء أنَّ الجن يُقال على وجهين؛ أحدهما: للروحانيين المستترينَ عن الحواسِ كلِّها، فيدخلُ فيهم الملائكةُ والشياطين، وثانيهما: للروحانيين ممَّا عدا الملائكة. وقال آخرون: إنَّ الروحانيين ثلاثة: أخيارٌ وهم الملائكة، وأشرارٌ وهم الشياطين، وأوساطٌ فيهم أخيارٌ وأشرار. (١) لم نقف عليه عند غير المصنف. (٢) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٢/٢. (٣) مجمع البيان ١٩٩/٨ . الآية : ١٢٨ ٤٣٥ سُورَةُ الأَنْعَم وأيّاً ما كان، فالمقصودُ بالنداء الأشرار الذين يُغوونَ الناس، فإنَّهم أهلٌ للخطاب بقوله سبحانه: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ أي: أكثرتُم من إغوائهم وإضلالهم، كما قال ابنُ عباس ﴿ُّ ومجاهدٌ والزَّجَّاج (١)، فالكلامُ على حذف مضافٍ. أو: منهم بأن جعلتموهم أتباعَكم، فحُشِروا معكم، كما يقال: استكثرَ الأميرُ من الجنود. وهذا بطريقِ التوبيخ والتقريع. قيل: وإنَّما ذُكِر المعشر في جانب الجنِّ دونَ جانب الإنس؛ لما أنَّ الإغواءَ كثيراً ما يقتضي التظاهرَ والتعاون، وفي المعشرِ نوعُ إيماءٍ إليه، ولا كذلك الغِوى . ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُمْ﴾ أي: الذين أطاعوهم واتَّبعوهم ﴿مِّنَ آلْإِنسِ﴾ أي: الذين هم من الإنس، أو كائنين منهم، فـ ((مِن)) إمَّا لبيان الجنس، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من («أولياء)). ﴿رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أي: انتفعَ الإنس بالجنِّ؛ حيثُ دُّوهم على الشهوات، وما يُتوصَّلُ به إليها، والجِنُّ بالإنس، حيث اتَّخذوهم قادةً ورؤساءَ، واتَّبعوا أمرَهم، فأدخَلوا عليهم السرورَ بذلك. وعن الحسن وابن جُريج والزجَّاج(٢) وغيرهم أنَّ استمتاعَ الإنس بهم أنَّهم كانوا إذا سافرَ أحدُهم وخافَ الجِنَّ، قال: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي، واستمتاعُهم بالإنس اعترافُهم بأنَّهم قادرون على إعانتهم وإجارتهم. وعن محمد بن كعب أنَّ المرادَ باستمتاعِ بعضهم ببعض: طاعةُ بعضِهم بعضاً وموافقتُه له. وقال البلخيُّ: يَحتمل أنْ يكونَ الاستمتاعُ مقصوراً على الإنس، فيكون الإنس قد استمتعَ بعضُهم ببعضِ الجنِّ دونَ الجنِّ. ﴿وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَّ أَخَلْتَ لَنََّ﴾ وهو يومُ القيامة، على ما قالَه غير واحد. وعن الحسن والسُّدِّيِّ وابن جريج: أنَّه الموتُ. والأوَّل أولَى. (١) تفسير الطبري ٩/ ٥٥٥، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩١/٢. (٢) في معاني القرآن ٢٩١/٢. سُورَةُ الأَنْعَم ٤٣٦ الآية : ١٢٨ وإنَّما قال الأولياء ما قالوا؛ اعترافاً بما فعلُوا من طاعة الشياطين، واتِّباع الهوى، وتكذيبِ البعث، وإظهاراً للندامةِ عليها، وتحسُّراً على حالِهم، واستسلاماً لربِّهم، وإلّا ففائدةُ الخبر ولازمُها ممَّا لا تحقّقَ له. قيل: ولعلَّ الاقتصارَ على حكاية كلام الضَّالِّين؛ للإيذانِ بأنَّ المُضِلِّين قد أُفحِموا بالمرَّة، فلم يقدرُوا على التكلُّم أصلاً. وقرئ: ((آجالنا)) بالجمع(١). و((الذي)) بالتذكير والإفراد، قال أبو علي: هو جنسٌ. أَوْقَعَ(٢) ((الذي)» موقعَ ((التي)). ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذٍ؟ فقيل: قال: ﴿اَلنَّارُ مَثْوَنَّكُمْ﴾ أي: منزلكم ومحلُّ إقامتكم، أو ذاتُ ثَوائكم، على أنَّ المثوى اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ. ﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾ حالٌ من ضمير الجمع، والعاملُ فيها: ((مثوى)) إنْ كان مصدراً. وقدَّرُوا عاملاً - أي: يبوَّون خالدين - إنْ كان ((مثوى)) اسم مكان؛ لأنَّه حينئذٍ لا يَصْلُحُ للعمل . وقال أبو البقاء: إنَّ العاملَ في الحال على هذا التقدير معنى الإضافة(٣). وردُّوه بأنَّ النسبةَ الإضافيَّة لا تعمل، ولا يصحُّ أنْ تنصبَ الحال. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ نُقِل عن ابن عباس ◌ًِّا أنَّه تعالى استثنى قوماً قد سبقَ في(٤) علمه أنَّهم يُسلمون ويصدِّقون النبيَّ وَّر. وهذا مبنيٌّ على أنَّ الاستثناءَ ليس من المحكيّ، وأنَّ ((ما)) بمعنى ((مَن))، ولا يخفى أنَّ استعمال ((ما)) للعقلاء قليلٌ، فيبعدُ ذلك، كما يَبعدُ شمولُ ما تقدَّم للمستثنَى. (١) هي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص ٤٠. (٢) في الأصل و(م): أو وقع. والمثبت موافق لما في إملاء ما منَّ به الرحمن ٦٣٦/٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٢٠، والدر المصون ١٤٩/٥، واللباب ٤٢٩/٨. (٣) الإملاء ٦٣٦/٢. (٤) لفظة: في، ليست في الأصل. الآية : ١٢٨ ٤٣٧ سُورَةُ الأَنْعُ وقيل: إنَّ ((ما)) مصدريَّةٌ وَقْتِيَّةٌ على ما هو الظاهر، والمراد: إلَّ الوقتَ الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير. فقد رُويَ أنَّهم يدخلونَ وادياً من الزمهرير ما يميّزُ بعضُ أوصالهم من بعض، فيتعاوونَ ويطلبون الردّ إلى الجحيم(١). ورُدَّ بأن فيه صَرْفَ النارِ من معناها العلميِّ - وهو دار العذاب - إلى اللغويّ. وأُجيب عنه بأنَّه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة. وقيل عليه: إنَّ المعترضَ لا يُسلِّمُ الضرورةَ؛ لإمكانِ غير هذا التأويل، مع أنَّ قوله سبحانه: ((مثواكم)) يقتضي ما ذهبَ إليه المعترضُ بحسب الظاهر. وقيل: إنَّ لهم وقتاً يخرجونَ فيه من دار العذاب، وذلك أنَّه رُوي أنَّهم يُفتح لهم أبوابُ الجنَّة، ويُخرجون من النار، فإذا توجّهوا للدخول، أُغلِقت في وجوههم استهزاءَ بهم. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ [المطففين: ٣٤]. وأنت تعلم أنَّ ظواهرَ الآيات صادحةٌ بعدم تخفيفِ العذاب عن الكفار بعد دخولهم النار، وفي إخراجهم هذا تخفيفٌ أيُّ تخفيفٍ، وإنْ كان بعده ما تَشيبُ منه النواصي، ولعلَّ الخبر في ذلك غيرُ صحيح، والمشهورُ أنَّ المرائين يدنونَ من الجنَّة حتى إذا استنشقوا ريحَها، ورأوا ما أعدَّ الله تعالى لعباده فيها نُودُوا أن اصرفوهم عنها، لا نصيبَ لهم فيها. الخبر بتمامه، وقد قدَّمناه(٢). ويكونُ ذلك قبلَ إدخالهم النار، كما لا يَخْفَى على مَن راجَعَ الحديث. وقيلَ: المستثنى زمانُ إمهالهم قبلَ الدخول، كأنَّه قيل: النارُ مثواكم أبداً، إلَّا ما أمهلكم. وردّه أبو حيَّان(٣) بأنَّه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المُخْرَج والمُخْرَج منه، فإذا قلت: قام القوم إلَّا زيداً. فإنَّ معناه إلَّا زيداً ما قام، ولا يصحُّ أنْ يكون المعنى: إلَّا زيداً ما يقوم في المستقبل. وكذلك: سأضربُ القومَ إلَّا زيداً. معناه: (١) أورده الزمخشري ٢/ ٥٠، وأبو السعود ١٨٥/٣. (٢) ص٢١٢-٢١٣ من هذا الجزء، وهو حديث ضعيف. (٣) في البحر المحيط ٢٢١/٤. سُورَةُ الأَنْدَام ٤٣٨ الآية : ١٢٨ إلَّا زيداً فإِنِّي لا أضربُه في المستقبل، ولا يصحّ أنْ يكونَ المعنى: إلَّا زيداً فإنِّي ما ضربته. وأُجيب بأنَّ هذا إذا لم يكن الاستثناءُ منقطعاً، أمَّا إذا كان منقطعاً، فإنَّه يسوغُ، كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: لكن الموتة الأولى، فإنَّهم ذاقوها، فلعلَّ القائلَ بأنَّ المستثنى زمانُ إمهالهم يلتزمُ انقطاعَ الاستثناء، كما في هذه الآية، ولا محذورَ فيه مع ورود مثله في القرآن. وفيه نظرٌ ظاهر. وذهب الزَّجَّاج إلى وجهٍ لطيف إنَّما يظهرُ بالبسطِ، فقال: المراد والله تعالى أعلم: إلَّا ما شاء الله من زيادة العذاب(١). ولم يبيِّن وجهَ استقامةِ الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل، قال ابنُ المنيِّر: ونحن نبيِّته فنقول: العذابُ - والعياذ بالله عزَّ وجلَّ - على درجاتٍ متفاوتة، فكأنَّ المرادَ أنَّهم مُخلَّدون في جنس العذاب، إلَّا ما شاء ربُّك من زيادةٍ تبلغُ الغايةَ، وتنتهي إلى أقصى النهاية، حتى تكاد لبلوغها الغايةَ ومباينتها لأنواع العذاب في الشدّة، تُعدُّ خارجةً عنه ليست من جنسٍ العذاب، والشيءُ إذا بلغ الغايةَ عندهم، عبّروا عنه بالضِّدِّ، كما عبّروا عن كثرة الفعل بـ (رُبَّ)) و((قد)) وهما موضوعان لضدِ الكثرة من القلّة، وذلك أمرٌ يُعتاد في لغة العرب، وقد حَام أبو الطيِّب حوله فقال: ولَجُدْتَ حتى كدتَ تبخلُ حائلاً للمنتهى ومن السرور بكاءُ(٢) فكأنَّ هؤلاءِ إذا نُقِلوا إلى غاية العذاب ونهاية الشدَّةِ، فقد وصلوا إلى الحدِّ الذي يكاد أنْ يخرجَ عن اسم العذاب المطاق، حتى تسوغَ معاملتُه في التعبير بمعاملةِ المغاير. وهو وجهٌ حسنٌ لا يكاد يُفهَم من كلام الزَّجَّاج إلا بعدَ هذا البسط، وفي تفسيرِ ابن عباس ◌َّ ما يؤيِّده(٣). اهـ. (١) معاني القرآن للزجاج ٢٩٢/٢. (٢) ديوان المتنبي ١٥٣/١. وجاء في هامش الأصل: يقول: بلغتَ من الجود أقصاه وغايته، وكدتَ تبخل راجعاً عن آخره إذ أنهيت فيه. وأكَّد هذا بقوله: ((ومن السرور)) إلخ، فـ ((حائلاً)) حالٌ من ضمير ((تبخل)). و((المنتهى)) مصدر، كالإنهاء. واللام للتعليل. وقد عاب الثعالبيُّ هذا البيت على المتنبي في يتيمته [٢١٤/١]، وقال: إنه خرج به عن الشعر إلى الفلسفة، فتدبر. اهـ. (٣) الانتصاف ٥٠/٢-٥١ . الآية : ١٢٩ ٤٣٩ سُورَةُ الأَنْدَعَل ونُقِلَ عن بعضهم أنَّ هذا الاستثناءَ معذوقٌ بمشيئة الله تعالى رَفْعَ العذاب، أي: يخلدون إلا (١) أنْ يشاءَ الله تعالى لو شاء. وفائدتُه: إظهارُ القدرة والإعلانُ(٢) بأنَّ خلودَهم إنَّما كان لأنَّ الله تعالى شأنُه قد شاءَه، وكان من الجائز العقليِّ في مشيئِه أنْ لا يعذِّبهم، ولو عذَّبهم لا يخلِّدهم، وأنَّ ذلك ليس بأمرٍ واجبٍ عليه، وإنَّما هو مقتضَى مشيئته وإرادته عزَّ وجلَّ. وفي الآية على هذا دفعٌ في صدور المعتزلة الذين يزعمون أنَّ تخليدَ الكفّار واجبٌ على الله تعالى بمقتضى الحكمة، وأنَّه لا يجوزُ في العقل مقتضى ذلك(٣)، ولعلَّ هذا هو الحقُّ الذي لا محيصَ عنه. وفي معناه ما قيل: المراد: المبالغةُ في الخلود، بمعنى أنَّه ينتفي إلَّا وقتَ مشيئة الله تعالى، وهو ممَّا لا يكونُ، مع إيراده في صورة الخروجِ وإطماعهم في ذلك تهكُّماً وتشديداً للأمر عليهم. ومن أفاضل العصريين الأكابر(٤) من ادَّعى ذلك الوجهَ له، وأنَّه قد خلَتْ عنه الدفاتر، وهو مذكورٌ في غير ما موضع، فإنْ كان لا يدري فتلك مصيبةٌ، وإنْ كان يدري فالمصيبةُ أعظم. وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمةُ الكلام في ذلك عند قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ﴾ في التعذيب والإثابة، أو في كلِّ أفعاله ﴿عَلِيمٌ(٣٨)﴾ بأحوال الثَّقَلين وأعمالهم، وبما يليقُ بها من الجزاء، أو بكلِّ شيءٍ، ويدخلُ ما ذُكر دخولاً أوَّلِيّاً . ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ما سبق من تمكين الجنِّ من إغواء الإنس وإضلالهم، أو مثلَ ما سبق(٥) ﴿نُوَلِ بَعْضَ الَِّينَ﴾ من الإنس ﴿بَعْضَا﴾ آخَرَ منهم، أي: نجعلهم بحيث يتولّونَهم، ويتصرَّفونَ فيهم في الدنيا بالإغواء والإضلال وغير ذلك، واستُدِلَّ (١) في الأصل و(م): إلى، والمثبت من الانتصاف ٢/ ٥٠، والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): والإذعان، والمثبت من الانتصاف. (٣) في الانتصاف: وأنه لا يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك. (٤) جاء في هامش الأصل: صالح أفندي الموصلي. (٥) جاء فوقها في الأصل بخط دقيق: ((في الكلام على الإشارة)). وهو يقصد بذلك ما سبق في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ ◌َرِّيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾. والله أعلم. سُورَةُ الأَنْقَعَل ٤٤٠ الآية : ١٣٠ به على أنَّ الرعيَّة إذا كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلِّط عليهم ظالماً مثلهم، وفي الحديث: ((كما تكونوا يولَّى عليكم))(١). أو المعنى: نجعلُ بعضَهم قرناءَ بعض في العذاب، كما كانوا كذلك في الدنيا عند اقترافِ ما يؤدِّي إليه من القبائح. كما قيل، وروي مثلُه عن قتادة. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿3﴾ أي: بسبب ما كانوا مستمرِّين على كَسْبِه من الكفر والمعاصي. ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ﴾ شروعٌ في حكاية ما سيكونُ من توبيخ المعْشَرِين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلَّق بخاصَّة أنفسهم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ في الدنيا ﴿رُسُلٌ﴾ من عند الله عزَّ وجلَّ، كائنةً ﴿مِّنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، لكن لا على أنْ يأتيَ كلُّ رسولٍ كلَّ واحدةٍ من الأمم، ولا على أنَّ أولئك الرسل عليهم السلام من جنس الفريقين معاً، بل على أنْ يأتيَ كلَّ أمةٍ رسولٌ خاصٌّ بها، وعلى أنْ يكونَ من الإنس خاصَّةً؛ إذ المشهورُ أنَّه ليس من الجنِّ رسلٌ وأنبياء، ونظيرُه في هذا قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ ٢٢﴾ [الرحمن: ٢٢ ] فإنهما إنَّما يخرجان من الملح فقط، كما سيأتي تحقيقُه إنْ شاء الله تعالى. والفرَّاء قدَّر هنا مضافاً لذلك، أي: من أحدكم(٢). وقال غير واحد: المرادُ بالرسل ما يعمُّ رسلَ الرسل، وقد ثبتَ أنَّ الجنَّ استمعوا القرآن، وأَنذرُوا به قومهم، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْئًا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ إلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وعن الضَّحَّاك وغيرِهِ: أنَّ الله تعالى أرسلَ للجنِّ رسلاً منهم. وصرَّحَ بعضُهم أنَّ رسولاً منهم يسمَّى يوسف. وظاهرُ الآية يقتضي إرسالَ الرسل إلى كلٍّ من المعشَرین من جنسهم. وادَّعى (١) أخرجه ابن جميع في معجمه (١٠٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٥٧٧) من رواية المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص٢٥: وفي إسناده إلى مبارك مجاهيل. وينظر فيض القدير ٤٧/٥. (٢) معاني القرآن للفراء ٣٥٤/١.