النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١١٥
٤٠١
سُورَةُ الأَنْتُم
و((مِنْ)) لابتداءِ الغاية مجازاً، وهي متعلِّقةٌ بـ ((مُنَزَّل))، والباءُ للملابسة، وهي
متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الضمير المستكِنِّ في ((مُنَزَّل))، أي: متلبساً بالحقِّ.
وقرأ غالبُ السبعة: ((مُنْزَلٌ)) بالتخفيف من الإنزال(١). والفرقُ بين أنزل ونزَّل قد
أشرنا إليه فيما مرَّ (٢)، وأنَّ الأولَ دفعيٌّ، والثاني تدريجيٍّ، وأنَّه أكثريٌّ. والقراءةُ
بهما تدلُّ على قطع النظرِ عن الفَرْق، وليس إشارةً إلى المعنيين باعتبار إنزاله إلى
السماء الدنيا، ثمَّ إنزاله إلى الأرض؛ لأنَّ إنزاله دفعةً إلى السماء - على
ما قيل - لا يعلمه أهل الكتاب.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: المتردِّدين في أنَّهم يعلمونَ ذلك؛ لمَّا لا تشاهدُ
منهم آثار العلم وأحكام المعرفة، فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل
الكتاب. أو في أنَّه منزَّلٌ من ربِّك بالحقِّ، فليسَ المرادُ حقيقة النهي له بَّ عن
الامتراء في ذلك، بل تهييجُه وتحريضهُ عليهِ الصلاة والسلام، كقوله سبحانه: ﴿وَلَا
تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. ويَحتملُ أنْ يكونَ الخطابُ في الحقيقة للأمَّة
على طريقِ التعريض، وإنْ كان له عليه الصلاة والسلام صورة، وأن يكونَ لكلِّ أحدٍ
ممَّن يُتصوَّر منه الامتراءُ؛ بناءً على ما تقرَّر أنَّ أصل الخطاب أنْ يكون مع معيَّنٍ،
وقد يُترك لغيره، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
والفاء على هذه الأوجه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن.
﴿وَثَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ﴾ شروعٌ في بيان كمال القرآن من حيث ذاتُه، إثرَ بيان كماله
من حيث إضافتُه إليه عزَّ وجلَّ بكونه منزّلاً منه سبحانه بالحقِّ، وتحقيق ذلك بعلم
أهل الكتابین به.
وتمامُ الشيء كما قال الراغب(٣): انتهاؤُه إلى حدٍّ لا يحتاج إلى شيءٍ خارجٍ
عنه. والمرادُ بالكلمة: الكلامُ، وأريدَ به - كما قال قتادة وغيره -: القرآن، وإطلاقُهاً
عليه إمَّا من باب المجاز المرسل أو الاستعارة، وعلاقتُها تأبى أنْ تطلق الكلمةُ على
الجملة غيرِ المفيدة، وعلاقتُه لا، لكن لم يوجد في كلامهم ذلك الإطلاق.
(١) قرأ بالتشديد: ابن عامر وحفص. وقرأ البقية بالتخفيف. التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٣/٢.
(٢) ١٣/٤ عند تفسير الآية (٣) من سورة آل عمران.
(٣) في المفردات (تمم).

سُورَةُ الأَنْعَل
٤٠٢
الآية : ١١٥
واختيرَ هذا التعبيرُ لما فيه من اللطافة التي لا تَخفى على من دقَّقَ النظر. وقال
البعض: لِمَا أنَّ الكلمة هي الأصلُ في الاتصافِ بالصدق والعدل، وبها تظهر الآثار
من الحكم.
وعن أبي مسلم أنَّ المرادَ بالكلمة دينُ الله تعالى، كما في قوله سبحانه:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِى الْعُلْيَأْ﴾ [التوبة: ٤٠].
وقيل: المرادُ بها حجَّتُّه عزَّ وجلَّ على خلقه. والأول هو الظاهر.
وقرأ بالتوحيد عاصمٌ وحمزة وعليٍّ وخلف وسهل ويعقوب. وقرأ الباقون:
((كلمات))(١).
وصِدْفًا وَعَدّلًا﴾ مصدران نُصبا على الحال من ((ربِّك))، أو من ((كلمة)) كما
ذهب إليه أبو عليٍّ الفارسي(٢). وجَوَّز أبو البقاء(٣) نصبَهما على التمييز وعلى
العلَّة. والصدقُ في الأخبارِ والمواعيد منها في المشهور، والعدلُ في الأقضية
والأحكام.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِّمَتِهِ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لفضلها على غيرها إثرَ بيان فضلها في
نفسها. وقال بعضُ المحققين: إنَّه سبحانه لما أخبر بتمام كلمته، وكان التمامُ يعقبُه
النقص غالباً، كما قيل:
إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصُه توقَّعْ زوالاً إذا قيل تَمْ (٤)
ذكر هذا احتراساً وبياناً؛ لأنَّ تمامَها ليس كتمام غيرها. وجُوِّزَ أنْ يكونَ حالاً
من فاعل ((تَمَّت))، على أنَّ الظاهرَ مغنٍ عن الضميرِ الَرابط.
قال أبو البقاء(٥): ولا يجوزُ أنْ يكون حالاً من ((ربك))؛ لئلا يُفْصَل بين الحال
وصاحبها بأجنبيٍّ؛ وهو: ((صدقاً وعدلاً))، إلّا أنْ يُجْعلا حالين منه أيضاً.
(١) بعدها في (م): ربك. وانظر القراءة في النشر ٢٦٢/٢، والتيسير ص١٠٦.
(٢) في الحجة ٣٨٨/٣.
(٣) في الإملاء ٦٢٦/٢.
(٤) البيت منسوب للإمام علي ظه. كما في ديوانه ص١١٦.
(٥) في الإملاء ٦٢٦/٢ .

الآية : ١١٥
٤٠٣
سُورَةُ الأَنْسَعَل
والمعنى: لا أحدَ يُبَدِّلُ شيئاً من كلماته بما هو أصدقُ وأعدل منه، ولا بما هو
مثلُه، فكيف يتصوَّر ابتغاءُ حكم غيره تعالی.
والمرادُ بالأصدقِ: الأبينُ والأظهرُ صدقاً، فلا يَرِدُ أنَّ الصدق لا يقبل الزيادة
والنقص؛ لأنَّ النسبة إن طابقت الواقعَ فصدقٌ، وإلَّا فكذب.
وذكر الكرمانيُّ في حديث: ((أصدق الحديث)) إلخ(١) أنَّه جعلَ الحديث
كمتكلم (٢)، فوصف به، كما يقال: زيدٌ أصدق من غيره، والمتكلِّم يقبلُ الزيادة
والنقص في ذلك.
وقيل: المعنى: لا يقدرُ أحدٌ أن يحرِّفها شائعاً، كما فُعِل بالتوراة، فيكون هذا
ضماناً منه سبحانه بالحفظ، كقوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ﴾
[الحجر: ٩].
أو: لا نبيَّ ولا كتابَ بعدها يبدِّلها وينسخُ أحكامها، وعيسى عليه السلام يعملُ
بعد النزول بها، لا ينسخ شيئاً كما حُفِّقَ في محلِّه.
وقيل: المراد أنَّ أحكام الله تعالى لا تقبل التبدُّل والزوال؛ لأنَّها أزلية،
والأزليُّ لا يزول. وزعم الإمام أن الآيةَ على هذا أحد الأصول القويّة في إثبات
الجبر؛ لأنَّه تعالى لما حكم على زيدٍ بالسعادة، وعلى عمرٍو بالشقاوة، ثم قال:
لا مبدِّل لكلماته يلزمُ امتناعُ أن ينقلب السعيدُ شقيّاً، والشقيُّ سعيداً، فالسعيدُ مَن
سَعِدَ في بطن أمِّه، والشقيُّ من شقيَ في بطن أمه(٣).
(١) ذكره الكرماني - في شرحه على البخاري ١٢/ ٦٦- عند شرح حديث: ((فإنَّ الظنَّ أكذبُ
الحديث))، وقد نقل المصنف كلامه عن حاشية الشهاب ١١٧/٤ بتصرف يسير.
وحديث: ((أصدق الحديث)) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٤٣٣٤) من حديث جابر.
وحديث: ((فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث)» أورده البخاري معلقاً قبل الحديث (٢٧٤٩). وأخرجه
برقم (٥١٤٣) من حديث أبي هريرة څئه.
(٢) نص العبارة كما في شرح الكرماني ٦٦/١٢: جعل الظن كمتكلم.
(٣) تفسير الرازي ١٦٢/١٣. وقوله: ((السعيد من سعد ... )) هو لفظ حديث أخرجه البزار
(٢١٥٠ - كشف الأستار) عن أبي هريرة له. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٩٣/٧ :
رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح.

سُورَةُ الأَنْعَهُ
٤٠٤
الآية : ١١٦
وأنا أقول: لا يخفى أنَّ الشقيَّ في العلم لا يكون سعيداً، والسعيد فيه لا يكون
شقيّاً أصلاً؛ لأنَّ العلم لا يتعلَّق إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه، وحكمه سبحانه
تابعٌ لذلك العلم، وكذا إيجادُه الأشياءَ على طبق ذلك العلم. ولا يتصوَّرُ هناك جبرٌ
بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّه عزَّ شأنُه لم يُفِضْ على القوابل إلَّا ما طلبته منه جلَّ وعلا
بلسان استعدادها، كما يشيرُ إليه قوله سبحانه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] نعم
يتصوَّرُ الجبرُ لو طلبت القوابل شيئاً وأفاضَ عليها عزَّ شأنه ضدَّه. والله سبحانه
أُجلُّ وأعلى من ذلك.
﴾ بكلِّ ما يمكنُ أن
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لكلِّ ما يتعلَّق به السمع (١) ﴿الْعَلِيمُ
يُعلَم، فيدخلُ في ذلك أقوالُ المتحاكمين وأحوالُهم الظاهرةُ والباطنة دخولاً أوَّلِيّاً .
ثَّ إنه تعالى - على ما ذكر الإمام - لمَّا أجاب عن شبهات الكفار، وبيَّنَ بالدليل
صحة النبوّة، أرشدَ إلى أنَّه بعد زوال الشبهةِ، وظهور الحجَّةِ، لا ينبغي أن يَلتفتَ
العاقلُ إلى كلماتِ الجھَّال، فقال سبحانه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُوَكَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾(٢).
وقال شيخُ الإسلام: إنَّه لمَّا تحقَّق اختصاصُه تعالى بالحَكميَّةِ؛ لاستقلاله بما
يوجبُ ذلك من إنزال الكتاب الفاصلٍ بين الحقِّ والباطل، وتمام صدق كلامه،
وكمالٍ عدله في أحكامِه، وامتناع وجود من يبدِّلُ شيئاً منها، واستبدادِه سبحانه
بالإحاطة التامّة بجميع المسموعات والمعلومات، عقّب ذلك ببيانِ أنَّ الكفرةَ
متَّصفون بنقائضٍ تلك الكمالات، من النقائص التي هي الضلالُ والإضلال، واتباعُ
الظنونِ الفاسدةِ الناشئةِ من الجهل والكذب على الله تعالى؛ إبانةً لكمالِ مباينةٍ حالهم
لما يرومونه(٣)، وتحذيراً عن الركون إليهم والعملِ بآرائهم، فقال سبحانه ما قال.
ويحتملُ أنْ يكونَ هذا من باب الإرشاد إلى اتّباع القرآن والتمسُّك به بعدَ بیانِ
كماله على أكملٍ وجهِ خطابٍ له وَُّ ولُمَّتِهِ.
وقيل: خوطِب عليه الصلاة والسلام وأريد غيره.
(١) في (م): السميع.
(٢) تفسير الرازي ١٣/ ١٦٢.
(٣) في الأصل و(م): يرمونه. والتصويب من تفسير أبي السعود ١٧٨/٣. والكلام منه.

الآية : ١١٦
٤٠٥
سُورَةُ الأَنْفَعَل
والمرادُ بمَن في الأرض الناس، وبأكثرهم الكفّار، وقيل: ما يعمُّهم وغيرَهم
من الجهَّالِ وأتباعِ الهوى.
وقيل: أهلُ مَّة، والأرضُ أرضها، وأكثر أهلها كانوا حينئذٍ كفاراً.
ومن الناس مَن زعم أن هذا نهيّ في المعنى عن متابعةٍ غير الأنبياءِ عليهم
الصلاة والسلام، إذْ هم - والكرامُ قليلٌ - أقلُّ الناس عدداً، وقد قال سبحانه:
﴿فَبِهُدَئُهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهو كما ترى. ومثلُه احتمالُ أنَّه نهيٌ عن متابعةٍ
غير الله سبحانه؛ لأنَّه لو أُطيع أكثرُ مَن في الأرضِ لأضلُّوا، فضلاً عن إطاعة قليلٍ
أو واحدٍ منهم.
والمعنى: إن تطع أحداً من الكفار بمخالفةٍ ما شَرَع لك، وأَوْدعَه كلماتِهِ المنزلةَ
من عنده إليك، يضلّوك عن الحقِّ. أو: إن تُطع الكفارَ بأنْ جعلت منهم حَكَماً،
يضلُّوك عن الطريق الموصل إليه، أو عن الشريعةِ التي شَرعها لعباده.
﴿إِن يَتَِّعُونَ﴾ أي: ما يتَّبعون فيما هم عليه من الشرك والضلال ﴿إِلَّا الَّنَّ﴾
وإن الظنَّ فيما يتعلَّقُ بالله تعالى لا يُغني من الحق شيئاً، ولا يكفي هناك إلَّا العلمُ،
وأنَّى لهم به؟ وهذا بخلاف سائرٍ الأحكام وأسبابها مثلاً، فإنَّه لا يشترطُ فيها
العلم، وإلّا لفاتَ معظمُ المصالح الدنيويَّةِ وَالأخرويَّةِ، والفرقُ بينهما على ما قاله
العزُّ بن عبدِ السلام في ((قواعده الكبرى))(١)؛ أنَّ الظانَّ مجوِّزٌ لخلافٍ مظنونه، فإذا
ظنَّ صفةً من صفاتِ الإله عَزَّ شأنُه، فإنَّه يجوِّزُ نقيضَها، وهو نقصٌ، ولا يجوز
النقصُ عليه سبحانه، بخلافِ الأحكام، فإنَّه لو ظنَّ الحلال حراماً، أو الحرام
حلالاً، لم يكن في ذلك تجويزُ نقصٍ على الربِّ جلَّ شأنه؛ لأنَّه سبحانه لو أحلَّ
الحرامَ، وحرَّم الحلال، لم يكن ذلك نقصاً عليه عزَّ وجلَّ، فدار تجويزُه بين أمرين
كلٌّ منهما كمالٌ، بخلاف الصفات.
وقال غيرُ واحد: المرادُ: ما يتَّبعونَ إلَّا ظنَّهم أنَّ آباءهم كانوا على الحقِّ،
وجهالاتِهِم، وآراءَهم الباطلة. ويرادُ من الظنِّ ما يقابلُ العلمَ، أي: الجهل، فليس
في الآية دليلٌ على عدم جوازِ العمل بالظنِّ مطلقاً، فلا متمسَّك لنفاةِ القياس بها،
(١) ٣٠٩/١ (طبعة دار القلم).

سُورَةُ الأَنْعَل
٤٠٦
الآية : ١١٧
والإمامُ بعد أنْ قرَّر وجه استدلالهم قال: والجواب: لمَ لا يجوزُ أن يقال: الظنُّ
عبارةٌ عن الاعتقادِ الراجح إذا لم يستند إلى أمارةٍ، وهو مثلُ ظنِّ الكفار، أما إذا
كان الاعتقادُ الراجحُ مستنداً إليها فلا يسمَّى ظنّاً(١). وهو كما ترى.
﴿وَإِنْ هُمْ﴾ أي: وما هم ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ أي: يكذبون. وأصلُ الخرص:
القولُ بالظنِّ، وقولُ مَن لا يستيقنُ ويتحقَّق، كما قال الأزهريُّ(٢)، ومنه: خَرَصَ
النخل خَرْصاً بفتح الخاء، وهي خِرْصٌ بالكسر، أي: مخروصةٌ، والمرادُ أنَّ شأن
هؤلاء الكذبُ، وهم مستمرُّون على تجدُّده منهم مرَّةً بعد مرة، مع ما هم عليه من
اتِّاع الظنِّ في شأن خالقهم عزَّ شأنه.
وقال الإمام: المراد: إنَّ هؤلاء الكفَّارَ الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غيرُ
قاطعين بصحّة مذاهبهم، بل لا يتَّبعون إلَّا الظنَّ، وهم خرَّاصون كاذبون في ادِّعاء
القطع(٣). ولا يَخفى بُعدُ تقييد الكذب بادِّعاء القطع.
وقال غير واحد: المراد أنَّهم يكذبون على الله تعالى فيما ينسبون إليه جلَّ
شأنه، كانِّخاذ الولد، وجَعْل عبادة الأوثان ذريعةً إليه سبحانه، وتحليل الميتة
والبحائرِ، ونظير ذلك. ولعلَّ ما ذهبنا إليه أولى وأبلغُ في الذمِّ.
ويحتملُ أنْ يكون المرادُ أنَّ هؤلاء الكفار يتَّبعون في أمور دينهم ظنَّ أسلافهم،
وأنَّ شأنَهم أنفسَهم الظنُّ أيضاً، وحاصل ذلك ذمُّهم بفسادهم وفسادٍ أصولهم. إلّا
أنَّ ذلك بعيدٌ جدًّا.
تقريرٌ - كما قال
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
بعضُ المحقّقين - لمضمونِ الشَّرطِيَّة وما بعدَها، وتأكيدٌ لما يفيدُه من التحذير، أي:
هو أعلمُ بالفريقين، فاحذر أنْ تكونَ من الأوَّلين.
و ((مَنْ)) موصولةٌ أو موصوفةٌ في محلِّ النصب على المفعوليَّة بفعلٍ دلَّ عليه
(أعلم)) كما ذهب إليه الفارسيُّ - أي: يعلمُ - لا به، فإنَّ ((أَفْعَل)) لا ينصبُ الظاهر
(١) تفسير الرازي ١٣/ ١٦٤.
(٢) في تهذيب اللغة ٧/ ١٣٠ بنحوه.
(٣) تفسير الرازي ١٦٣/١٣.

الآية : ١١٧
٤٠٧
سُورَةُ الأَنْعَمُ
فيما إذا أريد به التفضيلُ على الصحيح خلافاً لبعض الكوفيين؛ لأنَّه ضعيفٌ لا يعملُ
عملَ فعله. وإذا جُرِّد لمعنى اسم الفاعل، فمنهم مَن جوَّز نصبَه كما صرح به في
((التسهيل))(١)، وحينئذٍ يؤتى بمفعوله مجروراً بالباء أو اللام. ومن الناس مَن ادَّعى
أنَّ الباءَ هنا مقدَّرةٌ؛ ليتطابق طرفا الآية. ولا يجوزُ أنْ يكون أفعل مضافاً إلى ((مَنْ))
لفسادِ المعنى.
وجُوِّزَ أن تكون استفهاميَّةً مبتداً، والخبرُ: ((يَضِلُّ))، والجملةُ معلَّقٌ عنها الفعلُ
المقدَّر، وإلى هذا ذهبَ الزّجَّاجِ (٢) ..
ولا يخفى ما في التعبيرِ في جانب الفريق الأوَّل بما عبَّر به، وفي جانب الفريق
الثاني بالمهتدين، مع عدم بيان ما اهتدوا إليهِ = من الاعتناءِ بشأن الآخرين، ومزيد
التفرقة بينهم وبين الأوَّلِين.
وقُرِئ: ((مَنْ يُضِلُّ) بضمِّ الياء(٣)، على أنَّ(مَنْ)) مفعولٌ لما أُشيرَ إليه من الفعلِ
المقدَّرِ، وفاعل ((يُضِلُّ) ضميرٌ راجعٌ إليه، ومفعوله محذوف، أي: يَعْلَم من يُضِلُّ
الناسَ، فيكون تأكيداً للتحذير عن طاعة الكفرة. وجُوِّز أنْ تكونَ مجرورةً بالإضافة،
أي: أعلمُ المضِلين، من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] أو من
قولك: أضللتُه، إذا وجدتَه ضالاً، كأحمدتُه: إذا وجدتَه محموداً. وأنْ تكون
استفهاميَّةً معلّقاً عنها الفعل أيضاً. وأنْ يكونَ فاعلُ ((يُضِلُّ) ضميرَ الله تعالى، و(مَنْ))
منصوبة بما ذُكِر من الفعل المقدَّر. أي: يعلمُ من يُضِلّه الله تعالى.
قيل: وكان الظاهر أنْ يقال: بالمهديين. وكأنَّ وجهَ العدول عنه الإشارةُ إلى أنَّ
الهداية صفةٌ سابقةٌ ثابتةٌ لهم في أنفسهم، كأنَّها غيرُ محتاجةٍ إلى جَعْلٍ؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة))(٤) بخلافِ الضلال فإنَّه أمرٌ
طارئٌ أوجدَهُ فيهم. فتأمَّل.
(١) لابن مالك ص ١٣٥ .
(٢) في معاني القرآن له ٢٨٦/٢.
(٣) هي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص ٢٤٠، والمحتسب ٢٢٨/١.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة لله. وسلف ٣١٠/٤.

سُورَةُ الأَنْعَم
٤٠٨
الآية : ١١٨
والتفضيلُ في العلم إمَّا بالنظرِ إلى المعلومات، فإنَّها غيرُ متناهيةٍ، أو إلى وجوه
العلم التي يمكن تعلَّقه بها، وإمَّا باعتبار الكيفيَّة، وهي لزوم العلم له سبحانه، أو
كونه بالذاتِ لا بالغير.
﴿فَكُوْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الَِّ عَلَيْهِ﴾ أمرٌ مترتِّبٌ على النهي عن اتِّباع المُضِّين، الذين
من جملة إضلالهم تحليلُ الحرام وتحريمُ الحلال، فقد ذكرَ الواحديُّ(١) أنَّ
المشركين قالوا: يا محمد، أخبرنا عن الشاة إذا ماتت مَن قتلها(٢)؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: ((الله تعالى قتلها)). قالوا: فتزعم أنَّ ما قتلتَ أنت وأصحابُك
حلالٌ وما قتلَ الصقر والكلبُ حلالٌ، وما قتله الله تعالى حرامٌ. فأنزلَ الله تعالى
هذه الآية.
وقال عكرمة: إنَّ المجوسَ من أهل فارس لمَّا أنزلَ الله تعالى تحريمَ الميتة،
كتبوا إلى مشركي قريش - وكانوا أولياءَهم في الجاهليَّة، وكانت بينهم مكاتبةٌ -: إن
محمداً وأصحابَه يزعمون أنَّهم يتَّبعون أمرَ الله، ثم يزعمون أنَّ ما ذبحوا فهو حلالٌ،
وما ذبحَ الله فهو حرام. فوقع في أنفس ناسٍ من المسلمين من ذلك شيءٌ، فأنزل الله
تعالى الآية.
وأخرج أبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه(٣)، وجماعةٌ عن ابن عباس رِّ قال:
جاءت اليهودُ إلى النبيِّ وَّهِ فقالوا: أنأكلُ ممَّا قتلنا، ولا نأكلُ ممَّا يقتل(٤) الله،
فأنزلَ الله تعالى الآية.
والمعنى على ما ذهب إليه غيرُ واحد: كلوا ممَّا ذُكِرِ اسمُ الله على ذبحه، لا ممَّا
ذُكِرَ عليه اسمُ غيره خاصةً، أو مع اسمِه عزَّ اسمُه، أو ماتَ حتفَ أنفه.
(١) في أسباب النزول ص٢١٩ .
(٢) في (م): قبلها.
(٣) سنن أبي داود (٢٨١٩)، وسنن الترمذي (٣٠٦٩) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن
عباس أيضاً، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي ◌َّ مرسلاً.
(٤) في الأصل وسنن أبي داود: قتل.

الآية : ١١٩
٤٠٩
سُورَةُ الأَنْعَم
والحصرُ - كما قيل - مستفادٌ من عدم اتِّباع المُضِلِّين، ومن الشرطِ، ولولا ذلك
لكان هذا الكلامُ متعرِّضاً لما لا يُحتاج إليه، ساكتاً عمَّا يُحتاج إليه.
وادَّعى بعضهم أنْ لا حصر، واستفادةُ عدم حِلِّ ما ماتَ حتف أنفِه من صريح
النظم، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا﴾ إلخ [الأنعام: ١٢١]، وهو مخالفٌ لما
عليه الجمهور.
﴿إِن كُنتُم بِحَايَتِهِ﴾ التي من جملتها الآياتُ الواردة في هذا الشأن ﴿مُؤْمِنِينَ
١١٨
فإنَّ الإيمانَ بها يقتضي استباحةَ ما أحلَّ اللهُ تعالى، واجتنابَ ما حرَّم. وقيل:
المعنى: إنْ صرتُم عالمين حقائقَ الأمور التي هذا الأمرُ من جملتها بسبب إيمانكم.
وقيل: المرادُ: إنْ كنتم متَّصفين بالإيمان، وعلى يقينٍ منه، فإنَّ التصديقَ يختلفُ
ظنّاً وتقليداً وتحقيقاً .
والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بما بعده، وقُدِّمَ رعايةً للفواصل، وجوابُ الشرط
محذوفٌ؛ لدلالة ما قبله عليه .
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنكارٌ لأَنْ يكون لهم شيءٌ
يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذُكِر اسمُ الله تعالى عليه، فـ ((ما)) للاستفهام
الإنكاريِّ، وليست نافيةً كما قيل، وهي مبتدأ، و((لكم)) الخبر، و((أنْ لا(١)
تأكلوا)) بتقديرِ حرف الجر، أي: في أن لا(٢) تأكلوا، والخلافُ في محلِّ المنسبك
بعد الحذف مشهورٌ.
وجُوِّزَ أن يكون ذلك حالاً. ورُدَّ بأنَّ المصدرَ المؤوَّلَ من أنْ والفعل لا يقعُ
حالاً كما صرَّح به سيبويه(٣)؛ لأنَّه معرفة، ولأنَّه مُصَدَّرٌ بعلامةِ حرف الاستقبال
المنافية للحالية، إلّا أن يُؤَوَّل بنكرةٍ، أو يُقَدَّرَ مضافٌ، أي: ذوي أنْ لا تأكلوا.
ومفعولُ ((تأكلوا)) - كما قال أبو البقاء(٤) - محذوفٌ، أي: شيئاً ممَّا .. إلخ.
(١) لفظة: لا. ليست في (م).
(٢) لفظة: لا. ليست في (م).
(٣) في الكتاب ١/ ٣٩٠.
(٤) في الإملاء ١/ ٦٣٠.

سُؤَةُ الأَنْدَعَل
٤١٠
الآية : ١١٩
قيل: وظاهرُ الآية مُشعرٌ بأنَّه يجوزُ الأكل ممَّا ذُكِر اسمُ الله تعالى عليه وغيرِه
معاً. وليست ((مِنْ)) التبعيضيَّة لإخراجه، بل لإخراج ما لم يُؤكل، كالروثِ والدم،
وهو خارجٌ بالحصر السابق، فلا تغفل.
وسببُ نزول الآية - على ما قاله الإمام أبو منصور(١) - أنَّ المسلمين كانوا
يتحرَّجون من أكل الطيِّبات تقتُّفاً وتزهُّداً، فنزلت.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَّا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا﴾
الآية [الأنعام: ١٤٥] فبقي ما عدا ذلكَ على الحلِّ.
وقيل: بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. واعترضَه الإمامُ
بأنَّ سورةَ المائدةِ من أواخرٍ ما نزلَ بالمدينةِ، وهذه مكيَّةٌ كما علمت، فلا يتأتَّى
ذلك. وأمَّا التأخّر في التلاوةِ فلا يوجبُ التأخّر في النزولِ، فلا يضرُّ تأخّر: ((قل
لا أجد)) إلخ عن هذه الآية في هذه السورة (٢).
وقيل: التفصيلُ بوحي غير متلوِّ. والجملةُ حاليَّةٌ مؤكِّدةٌ للإنكار السابق.
وقرأ أهل الكوفة غيرَ حفص: ((فَصَّل)) ((ما حُرِّم)) ببناء الأوَّل للفاعل، والثاني
للمفعول. وقرأ أهلُ المدينة، وحفص، ويعقوب، وسهل: ((فَصَّل)) و((حَرَّم)) كليهما
بالبناءِ للفاعل، وقرأهما(٣) الباقون بالبناء للمفعول(٤).
﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: دعتكم الضرورةُ إلى أكله بسبب شدَّة المجاعة،
وظاهر تقرير الزمخشريِّ(٥) - كما قال العلَّامة الثاني - يقتضي أنَّ ما موصولةٌ، فلا
يستقيمُ غيرُ جعل الاستثناءِ منقطعاً، أي: لكن الذي اضطررتُم إلى أكلهِ ممَّا هو
حرامٌ عليكم، حلالٌ لكم حالَ الضرورة. وجَوَّز عليه الرحمة جعلَه استثناءً من
ضمير ((حرم))، وما مصدرية في معنى المدة، أي: فَصَّل لكم الأشياء التي حُرِّمت
(١) ينظر تأويلات أهل السنة ١٦٦/٢.
(٢) تفسير الرازي ١٦٦/١٣ .
(٣) في الأصل: وقرأ.
(٤) التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢. وقراءة سهل في مجمع البيان ١٧٧/٨ .
(٥) ينظر الكشاف ٤٦/٢ -٤٧ .

الآية : ١٢٠
٤١١
سُؤَدَّةُ الأَنْعَ
عليكم إلَّا وقت الاضطرار إليها. واعتُرِض بأنَّه لا يصحُّ حينئذٍ الاستثناء من
الضمير، بل هو استثناءٌ مفرَّغٌ من الظرف العام المقدَّر، كأنه قيل: حُرِّمت عليكم
كلَّ وقتٍ إلَّا وقتَ .. إلخ.
ومن الناس مَن أوردَ هنا شيئاً لا أظنُّه ممَّا يُضطرُّ إليه، حيث قال بعد كلام:
والمهمُّ في هذا المقام بيانُ فائدة ((إلا ما اضطررتم))، وقد أغنى عنه قوله سبحانه:
﴿َقَّدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأنَّ تفصيلَ ما حُرِّم يتضمَّن قولَه تعالى: ﴿إِلَّ مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، وكأنَّ الفائدةَ فيهِ - والله تعالى أعلم - المبالغةُ في النهي عن
الامتناع عن الأكل، بأنَّ ما حُرِّم يصيرُ ممَّا لا يؤكل، بخلاف ما حلَّ فإنَّه لا يصيرُ
ممَّا لا يؤكل، فكيف يجتنب عما يؤكل. فتأمَّل.
﴿وَإِنَّ كَثِيًا﴾ من الكفار ﴿لَّغِلُونَ﴾ الناسَ بتحريم الحلال وتحليل الحرام،
كعمرو بن لُحَيٍّ وأضرابِهِ الذين اتخذوا البحائرَ والسوائب، وأحلَّوا أكل الميتة.
وعن الزَّجَّاج (١) أنَّ المرادَ بهذا الكثير الذين ناظروا في الميتة.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((ليَضِلُّون)) بفتح الياء(٢).
﴿ بِأَهْوَآئِهِم﴾ الزائغةِ، وشهواتهم الباطلة ﴿يغيّرِ عِلْمٍ﴾ مقتبسٍ من الشريعة مستندٍ
إلى الوحي، أو بغير علم أصلاً، كما قيل. وذكر ذلك للإيذان بأنَّ ما هم عليه
محضُ هويّ وشهوةٍ. وجُّوَّزَ أن يكون من قبيل قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ
حَقِّ﴾ [آل عمران: ١١٢].
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْنَدِينَ ﴾﴾ المتجاوزين الحقَّ إلى الباطل، والحلالَ
إلى الحرام، فيجازيهم على ذلك. ولعلَّ المراد بهم هذا الكثير، ووضع الظاهر
موضع ضميرِهم لوَسْمِهم بصفةِ الاعتداء.
﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ آلْإِثْمِ وَبَاِنَهُ﴾﴾ أي: ما يُعلَنُ وما يُسرُّ، كما قال مجاهدُ وقتادة
والربيعُ بن أنس. أو ما بالجوارح وما بالقلب، كما قال الجبائيُّ. أو نكاح ما نكحَ
(١) في معاني القرآن ٢/ ٢٨٧.
(٢) وهي أيضاً قراءة نافع وابن عامر من السبعة وقراءة أبي جعفر من العشرة. ينظر التيسير
ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢.

سُورَةُ الأَنْعَم
٤١٢
الآية : ١٢١
الآباء ونحوه، والزنا بالأجنبيات، كما روي عن ابن جبير. أو الزنا في الحوانيت
واتخاذ الأخدانِ كما رُوي عن الضحاكِ والسُّدِّي.
وقد روي أنَّ أهل الجاهلية كانوا يرونَ أن الزنا إذا ظهر كان إثماً، وإذا استَسَرَّ
به صاحبه فلا إثم فیه .
قال الطيبي: وهو على هذا الوجه مقصودٌ بالعطف، مسبَّبٌ عن عدم الاتِّباع،
وعلى الأول معترضٌ؛ توكيداً لقوله سبحانه: ﴿فَكُلُواْ﴾ أولاً، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ ثانياً.
وهو الوجه، ولعل الأمر على الوجه الذي قبله مثله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ اُلْإِثْمَ﴾ أي: يعملون المعاصي التي فيها الإثم، ويرتكبونَ
القبائحَ الظاهرة أو الباطنة ﴿سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَفْتَرِفُونَ ﴾ أي: يكسبون من الإثم
كائناً ما كان، فلا بدَّ من اجتناب ذلك. والجملة تعليلٌ للأمرِ.
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: من الحيوان، كما هو المتبادر.
والآيةُ ظاهرةٌ في تحريم متروك التسميةِ عمداً كان أو نسياناً. وإليه ذهب داود، وعن
أحمد والحسن وابن سيرين والجبائيّ مثلُه.
وقال الشافعيُّ بخلافه؛ لما رواه أبو داود وعبدُ بن حميد عن راشد بن سعد
مرسلاً: ((ذبيحةُ المُسْلم حلالٌ، ذَكَرَ اسمَ الله تعالى أو لم يَذْكُرْ)) (١).
وعن مالك - وهي الروايةُ المعوَّلُ عليها عند أئمة مذهبه - أنَّ متروكَ التسمية
عمداً لا يؤكلُ، سواءٌ كان تهاوناً، أو غيرَ تَهَاوُنٍ. ولأشهبَ قولٌ شاةٍّ بجوازٍ غير
المتهاوَن في ترك التسميةِ عليه .
وزعم بعضُهم أنَّ مذهبَ مالكٍ كمذهب الشافعيّ، وآخرون أنَّه كمذهب داود
ومَن معه، وما ذكرناه هو الموجودُ في كتب المالكيَّة، وأهلُ مَّة أدرى بشعابها .
(١) أخرجه عن راشد بن سعد عبد بن حميد كما في الدر المنثور ٤٢/٣، والحارث بن
أبي أسامة كما في بغية الباحث ١ / ٤٧٨-٤٧٩.
قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٢٨١/٥: هذا إسنادٌ مرسل ضعيف. اهـ.
وأخرجه أبو داود في المراسيل (٣٧٨) ولكن عن الصلت السدوسي، قال ابن القطان في
بيان الوهم والإيهام ٥٧٩/٣: وعلته مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا تعرف له حال،
ولا یعرف بغیر ھذا، ولا روی عنه إلا ثور بن زید.

الآية : ١٢١
٤١٣
سُؤَدَّةُ الأَتْعَم
ومذهبُ الإمام أبي حنيفة ظُبه التفرقةُ بين العمد والنسيان، كالصحيح من
مذهب مالك.
قال العلّامة الثاني: إنَّ الناسيَ على مذهب الإمام الأعظم رَؤُه ليس بتاركٍ
للتسمية، بل هي في قلبه، على ما رُوي أنَّهِ وَّرَ سُئِل عن متروك التسمية ناسياً،
فقال عليه الصلاة والسلام: ((كُلوه فإنَّ تسميةَ الله تعالى في قلبٍ كلِّ مسلم))(١) ولم
يُلحق به العامد؛ إمَّا لامتناع تخصيصٍ الكتاب بالقياس، وإن كان منصوصَ العلَّة،
وإمَّا لأنَّه تركَ التسمية عمداً، فكأنَّه نفى ما في قلبه.
واعتُرِضَ بأنَّ تخصيصَ العامِّ الذي خُصَّ منه البعضُ جائزٌ بالقياس المنصوص
العلَّة وفاقاً، وبأنّا لا نُسلِّم أنَّ التارك عمداً بمنزلة النافي لما في قلبه، بل ربَّما يكونُ
لوثوقه بذلك، وعدم افتقارِه لذكره.
ثم قال: فذهبوا إلى أنَّ الناسيّ خارجٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ إذ الضميرُ
عائدٌ إلى المصدر المأخوذ من مضمون: ((لم يُذكرِ اسمُ الله عليه)) وهو التركُ لكونه
الأقرب، ومعلومٌ أنَّ التركَ نسياناً ليس بفسقٍ؛ لعدم تكليف الناسي والمؤاخذة عليه،
فيتعيَّن العمدُ.
واعتُرِضَ ما ذكر بأنَّ كونَ ذلك فسقاً - لا سيَّما على وجه التحقيق
والتأكيد - خلافُ الظاهر، ولم يذهب إليه أحدٌ، ولا يلائمُ قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا
أُهِلَّ لِغَيْرِ الَِّ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] مع أنَّ القرآن يفسِّرُ بعضُه بعضاً، سيَّما في حكم
واحدٍ، وبأنَّ ما لم يذكر اسمُ الله عليه يتناول الميتة، مع القطع بأنَّ ترك التسميةً
عليها ليس بفسق، وبعضُهم أرجعَ الضميرَ إلى ((ما)) بمعنى الذبيحةِ وجعلها عينَ
الفسق على سبيل المبالغة، لكن لا بدَّ من ملاحظة كونها متروكةَ التسمية عمداً، إذ
لا فسقَ في النسيان، وحينئذٍ لا يصحُّ الحمل أيضاً. ومما تقدَّم يُعلم ما فيه.
وذكر العلّامة للشافعيَّةِ في دعوى حِلِّ متروكِ التسمية عمداً أو نسياناً، وحرمةٍ
ما ذُبحَ على النصب، أو ماتَ حتف أنفه، وجوهاً :
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٨١، والدارقطني (٤٨٠٣)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠ من حديث
أبي هريرة بنحوه. وأعلَّه ابن عدي والدارقطني بمروان بن سالم.

سُؤَّةُ الأَنْعُ
٤١٤
الآية : ١٢١
الأول: أنَّ التسميةَ على ذكر المؤمنِ وفي قلبه ما دام مؤمناً، فلا يتحقَّق منه
عدم الذكر، فلا يحرمُ من ذبيحته إلا ما أهلَّ به لغيرِ الله تعالى.
الثاني: أنَّ قولَه سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على وجه التحقيق والتأكيد لا يصحُّ
في حقِّ أكل ما لَم يُذكر اسمُ الله تعالى عليه عمداً كان أو سهواً، إذ لا فسقَ بفعل
ما هو محلُّ الاجتهاد.
الثالث: أن هذه الجملةَ في موقع الحال، إذ لا يحسنُ عطفُ الخبر على
الإنشاء، وقد بُيِّن الفسقُ بقوله عزَّ شأنه: ﴿أُهِلَّ لِغَيّرِ اللَّهِ بِ،﴾ [الأنعام: ١٤٥] فيكونُ
النهي عن الأكل مقيّداً بكون ما لم يذكر اسمُ الله تعالى عليه قد أهِلَّ به لغيرِ الله
تعالى، فيَحِلُّ ما ليس كذلك؛ إمَّا بطريق مفهوم المخالفة، وإمَّا بحكم الأصل، وإمَّا
بالعمومات الواردة في حِلِّ الأطعمة.
وهذا خلاصةُ ما ذكره الإمام في مجلسٍ تذكيرٍ عقدَه له سلطانُ خوارزم فيها
بمحضرٍ منه ومن جِلّة الأئمة الحنفيّة. وعليه لا حاجة للشافعيَّة إلى دليلٍ خارجيٍّ في
تخصيص الآية.
واعترض بأنَّه يقتضي أنْ لا يتناولَ النهيُ أكل الميتة مع أنَّه سببُ النزول. وبأن
التأكيدَ بـ ((إنَّ) و((اللام)) ينفي كونَ الجملة حاليَّةً؛ لأنَّه إنما يحسنُ فيما قُصِدَ الإعلامُ
بتحقُّقِه البتّة، والردُّ على منكرٍ تحقيقاً أو تقديراً، على ما بيِّنَ في علم المعاني.
والحال الواقع في الأمرِ والنهي مبناهُ على التقدير، كأنَّه قيل: لا تأكلوا منه إن كان
فسقاً، فلا يحسنُ: (وإنَّه لفسقٌ))، بل: وهو فسق. ومن هنا ذهب كثيرٌ إلى أنَّ
الجملةَ مستأنفٌ.
وأجيب عن الأول بأنَّه دخل في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ما أُهِلَّ به لغير الله،
وبقوله جلَّ شأنه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ﴾ إلخ الميتةُ، فيتحقَّقُ قولهم: إنَّ النهيَ مخصوصٌ
بما أهلَّ به لغير الله تعالى أو مات حتف أنفه.
وأجاب العلّامة عن الثاني بأنَّه لمّا كان المرادُ بالفسق هاهنا الإهلالَ لغير الله
تعالى، كان التأكيدُ مناسباً، كأنَّه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوعُ من الفسق
الذي الحكمُ به متحقِّقٌ، والمشرکون ینکرونه.

الآية : ١٢١
٤١٥
سُورَةُ الأَنْعَم
ومنهم مَن تأوَّل الآيةَ بالميتة؛ لأنَّ الجدالَ فيها كما ستعلمُ قريباً إن شاء الله
تعالی .
واستُظْهِر رجوعُ الضميرِ إلى الأكل الذي دلَّ عليه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ﴾. والذي
يلوحُ من كلام بعض المحقّقين أن(١) ما لم يُذكر اسمُ الله عليه عامٌّ لما أهلَّ به
لغير الله تعالى، ولمتروك التسمية عمداً أو سهواً، ولما ماتَ حتف أنفه؛ لأنَّه سببُ
نزول الآية. والتحقيقُ أنَّ العامَّ الظاهرَ متى ورد على سببٍ خاصٍّ كان نصّاً في
السبب، ظاهراً (٢) باقياً على ظهوره فيما عداه، وأنَّه لا بدَّ لمبيح منسيِّ التسمية من
مخصِّصٍ؛ وهو الخبر المشتملُ على السؤال والجواب(٣)، وَادّعى أنَّ هذا عند
التحقيق ليس بتخصيص، بل منعٌ لاندراج المنسيِّ في العموم مستندٌ بالحديث
المذكور. ويؤيَّد بأنَّ العامَّ الواردَ على سببٍ خاصٍّ، وإن قَوي تناولُه للسبب حتى
ينتهضَ الظاهر فيه نصّاً، إلا أنَّه ضعيفُ التناول لما عداه، حتى ينحطّ عن أعالي
الظواهر فيه، ويكتفى من معارضته بما (٤) لا يكتفى به منه لولا السبب. اهـ.
ولا يخفى ما فيه لمن أحاط خبراً بما ذكره العلّامةُ قبل.
وذكر كثيرٌ من أصحابنا أنَّ قولَ الشافعيِّ عليه الرحمةُ مخالفٌ للإجماع، إذ
لا خلافَ فيمن كان قبلَه في حرمة متروك التسمية عامداً، وإنَّما الخلافُ بينهم في
متروكها ناسياً، فمذهبُ ابن عمر ظًُّا أنَّه يحرم. ومذهبُ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه
وابن عباسِ رِّ أنَّه يَحلُّ. ولم يختلفوا في حرمة متروكِ التسمية عامداً، ولهذا قال
أبو يوسف والمشايخُ رحمهم الله تعالى: إنَّ متروكَ التسمية عامداً لا يسعُ فيه
الاجتهادُ، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذُ؛ لكونه مخالفاً للإجماع، وأنَّ
ظاهر الآية يقتضي شمولَها لمتروك التسمية نسياناً، إلَّا أنَّ الشارع(٥) جعل الناسيَ
ذاكراً؛ لعذرٍ من جهته، وفي ذلك رفعٌ للحرج، فإنَّ الإنسان كثيرُ النسيان.
(١) لفظة: أن، ليست في الأصل.
(٢) هو حديث أبي هريرة الذي سلف ص٤١٣.
(٣) في الأصل: الظاهر، والمثبت من (م) والانتصاف لابن المنير ٤٧/٢، والكلام منه.
(٤) في الأصل و(م): معارضة ما. والمثبت من الانتصاف.
(٥) في (م): الشرع.
٠٨٠

سُورَةُ الأَنْعَل
٤١٦
الآية : ١٢١
وقولُ بعض الشافعيَّة عليهم الرحمة: إنَّ التسمية لو كانت شرطاً للحِلِّ لما سقط
بعذر النسيان، كالطهارة في باب الصلاة، مفضٍ إلى التسوية بين العمد والنسيان،
وهي معهودةٌ فيما إذا كان على الناسي هيئةٌ مذَكِّرةٌ، كالأكل في الصلاة، والجماعِ
في الإحرام، لا فيما إذا لم يكن، كالأكل في الصيام، وهنا إنْ لم تكن هيئةٌ توجب
النسيان، وهي ما يحصلُ للذابح عند زهوق روح حيوان من تغيُّر الحال، فليس هيئةٌ
مذكِّرةٌ بموجودةِ.
والحقُّ عندي أنَّ المسألةَ اجتهاديَّةٌ، وثبوتُ الإجماع غيرُ مسلّم، ولو كان،
ما كان خرقَه الإمام الشافعيُّ رحمه الله تعالى، واستدلاله علىَ مُدَّعاهُ على
ما علمت(١) لا يخلو عن متانة.
وقول الأصفهانيِّ كما في ((المستصفى)): أفحشَ الشافعيُّ حيث خالفَ سبع
آياتٍ من القرآن، ثلاثٌ منها في سورة الأنعام؛ الأولى: ﴿فَكُلُواْ مَِّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾، والثانية: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، والثالثة: ﴿وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وثلاثٌ في سورة الحجّ؛ الأولى: ﴿لِيَشْهَدُواْ
مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ آسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾
[الآية: ٢٨]، والثانية: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ﴾ [الآية: ٣٤]،
والثالثة: ﴿وَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَيْرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَذَكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا
صَوَّآْفٌ﴾ [الآية: ٣٦] وآيةٌ في ((المائدة)»: ﴿فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
[الآية: ٤] = من الفحش في حقِّ هذا الإمام القرشيِّ، ومثارُه عدمُ الوقوف على
فضله، وسَعةِ علمه، ودقّة نظره.
وبالجملة: الكلامُ في الآية واسعُ المجال، وبها استدلَّ كلٌّ من أصحاب هاتيك
الأقوال.
وعن عطاء وطاوس أنَّهما استدلَّا بظاهرها على أنَّ متروك التسمية حيواناً كان
أو غيرَه حرامٌ، وسببُ النزول يؤيِّدُ خلاف ذلك كما علمت، والاحتياط لا يخفى.
﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ﴾ أي: إبليسَ وجنوده ﴿لَيُوحُونَ﴾ أي: يوسوسون ﴿إِلَى أَوْ لِيَآبِهِمْ﴾
(١) في (م): سمعت.

الآية : ١٢١
٤١٧
سُورَةُ الأَنْعَلِ
الذين اتبعوهم من المشركين، قاله ابنُ عباس رضيًّا. وقيل: المرادُ بالشياطين مردةٌ
المجوس، فإيحاؤهم إلى أوليائهم ما أنهوا إلى قريش حسبما حكيناه عن عكرمة (١).
◌ِيُجَدِلُوكُمْ﴾ أي: بالوساوس الشيطانيَّة، أو بما نُقِل من أباطيل المجوس ﴿وَإِنّ
أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال الحرام ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ
﴾﴾ ضرورةَ أنَّ مَن تَرَكَ طاعةَ الله
تعالى إلى طاعة غيره، واستحلَّ الحرام، واتبعه في دينه، فقد أشرگه به تعالى، بل
آثره علیه سبحانه.
ونقل الإمام عن الكعبيِّ أنه قال: الآيةُ حجَّةٌ على أنَّ الإيمان اسمٌ لجميع
الطاعات، وإنْ كان معناه في اللغة التصديقَ، كما جعل تعالى الشركَ اسماً لكل
ما كان فيه(٢) مخالفةٌ لله عزَّ وجلَّ، وإنْ كان في اللغة مختصّاً بمن يعتقدُ أنَّ لله تعالى
شأنه شريكاً، بدليل أنَّه سبحانه سمَّى طاعةً المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة
شركاً. ثم قال: ولقائلٍ أنْ يقول: لم لا يجوز أنْ يكونَ المرادُ من الشرك هاهنا
اعتقادَ أنَّ لله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير(٣) يرجعُ معنى هذا
الشرك إلى الاعتقاد فقط. اهـ.
والظاهرُ أنَّ التعبير عن هذه الإطاعةِ بالشرك من باب التغليظ، ونظائرُه كثيرةٌ.
والكلام هنا كما قال أبو حيان(٤) وغيرُه: على تقديرِ القسم وحذف لام التوطئة، أي:
ولئن أطعتموهم واللهِ إنكم لمشركون. وحذف جواب الشرط لسدِّ جواب القسم مسدَّه.
وجعل أبو البقاء(٥) - وتبعه بعضهم - المذكورَ جوابَ الشرط، ولا قسمَ، وادَّعى
أنَّ حذفَ الفاء منه حسنٌ إذا كان الشرطُ بلفظ الماضي كما هنا.
واعتُرِض بأن هذا لم يوجد في كتب العربية، بل اتَّفق الكلُّ على وجوب الفاء
في الجملة الاسمية، ولم يجوِّزوا تركها إلَّا في ضرورة الشعر. وفيه أن المبرِّد أجاز
ذلك في الاختيار كما ذكره المُراديُّ في ((شرح التسهيل)).
(١) ص٤٠٨ من هذا الجزء.
(٢) لفظة: فيه، ليست في (م). والعبارة في تفسير الرازي: لكل ما كان مخالفاً لله عز وجل.
(٣) في الأصل و(م): القدر. والمثبت من تفسير الرازي ١٣/ ١٧٠ .
(٤) في البحر المحيط ٢١٣/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٢١/٤.
(٥) في الإملاء ٢/ ٦٣١.

سُورَةُ الأَنْعَل
٤١٨
الآية : ١٢٢
﴿أَوَمَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ تمثيلٌ مسوقٌ لتنفيرِ المسلمين عن طاعة المشركين،
إثرَ تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنَّهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي، والمشركون
غارقون في ظلمات الكفر والطغيان، فكيف يعقل طاعتهم لهم(١)؟ فالآية - كما قال
الطيبيّ - متَّصلةٌ بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ .
والهمزةُ للإنكار، والواو - كما قال غير واحد - لعطفِ الجملة الاسميَّة على
مثلها الذي يدلُّ عليه الكلام، أي: أأنتم (٢) مثلهم ومن كان ميتاً فأعطيناه الحياة
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ﴾ مع ذلك من الخارج ﴿نُورًا﴾ عظيماً ﴿يَمْشِى بِهِ﴾ أي: بسببه ﴿فِى
النَّاسِ﴾ أي: فيما بينَهم آمناً من جهتهم، والجملةُ إمَّا استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ
من الكلام، كأنَّه قيل: فماذا يصنعُ بذلك النور؟ فقيل: يمشي .. إلخ. أو صفةٌ له.
و ((مَنْ)) اسمٌ موصولٌ مبتدأ، وما بعدَه صلته، والخبرُ متعلَّق الجارِّ والمجرور في
قوله تعالى: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ﴾ أي: صفتُه العجيبة. و((مَنْ)) فيه اسمٌ موصولٌ أيضاً، و((مَثَلُه))
مبتدأ. وقوله سبحانه: ﴿فِي الظُّلُمَتِ﴾ خبرُ ((هو)) محذوف، وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ
ج
بِخَارِجَ مِنْهَا﴾ في موضع الحال من المستكنّ في الظرف، وهذه الجملة(٣) خبرُ
المبتدأ - أعني ((مَثَلُه)) - على سبيل الحكاية، بمعنى: إذا وصف يقال له ذلك، وجملةُ
(مَثَلُه)) مع خبره صلةُ الموصول. وإن شئتَ جعلت ((مَنْ)) في الموضعين نكرةً موصوفةً.
ولم يجوَّز أنْ يكون ((في الظلمات)) خبراً عن ((مَثَله))؛ لأنَّ الظلمات ليسَ ظرفاً
للمَثَل. وظاهرُ كلام بعضهم كأبي البقاء (٤) أن ((في الظلمات)) هو الخبر، وليس
هناك ((هو)) مقدَّراً، ولا يلزم - كما نصَّ عليه بعض المحققين - حديثُ الظرفية(٥)؛
لأنَّ المراد أنَّ ((مَثَله)) هو كونُه في الظلمات، والمقصودُ الحكاية. نعم ما ذُكِر أولاً
أولَى؛ لأنَّ خبرَ ((مثله)) لا يكون إلَّا جملةً تامّةٌ، والظرفُ بغير فاعلٍ ظاهرٍ لا يؤدِّي
مؤدّی ذلك.
(١) في الأصل و(م): له. والمثبت من تفسير أبي السعود ٣/ ١٨٠.
(٢) في (م): أنتم.
(٣) أي جملة: هو في الظلمات ليس بخارج منها .
(٤) في الإملاء ٢/ ٦٣٢.
(٥) أي: لا يلزمه أن يكون ((في الظلمات)» ظرفاً للمثل. ينظر حاشية الشهاب ١٢١/٤-١٢٢.

الآية : ١٢٢
٤١٩
سُورَةُ الأَنْعَل
وجُوِّز كونُ جملة ((ليس بخارج)) حالاً من الهاء في ((مثلُه))، ومنَعه أبو البقاء(١)؛
للفصل. قيل: ولضعفٍ مجيء الحال من المضاف إليه.
وقرأ نافع ويعقوب: ((ميّاً)) بالتشديد(٢)، وهو أصلٌ للمخفَّفِ، والمحذوفُ من
الياءين الثانيةُ المنقلبةُ عن الواو، أعِلَّت بالحذف كما أعِلَّت بالقلب. ولا فرقَ بينهما
عند الجمهور.
ثم إنَّ هذا الأخير - كما قال شيخ الإسلام - مَثَلُ أريدَ به مَن بقيَ في الضلالة
بحيث لا يفارقُها أصلاً، كما أنَّ الأوَّلَ مثلٌ أريدَ به مَن خَلَقه الله تعالى على فطرة
الإسلام، وهداهُ بالآيات البيّنات إلى طريق الحقِّ يسلكُه كيف شاء. لكن لا على أنْ
يدلّ على كلِّ واحدٍ من هذه المعاني بما يليقُ به من الألفاظ الواردةِ في المَثَلين
بواسطة تشبيهه بما يناسبه من معانيها، فإنَّ ألفاظَ المثل باقيةٌ على معانيها الأصليّة،
بل على أنَّه قد انتزعت من الأمور المتعدِّدة المعتبرة في كلِّ واحدٍ من جانب المثلين
هيئةٌ على حِدَةٍ، ومن الأمورِ المتعدِّدة المذكورة في كلِّ واحدٍ من جانب المثلين هيئةٌ
على حِدة، فشُبِّهت بهما الأوليان، ونزلتًا منزلتهما، فاستعمِل فيهما ما يدلُّ على
الأخيرتين بضربٍ من التجوُّزِ(٣). إلى آخر ما قال.
ونصَّ القطبُ الرازيُّ على أنَّهما تمثيلان لا استعارتان، ورُدَّ - كما قال
الشهاب - بأنَّ الظاهرَ بأنَّ ((مَن كان ميتاً)) و((مَن مَثَلُه في الظلمات)) من قبيل
الاستعارة التمثيليَّة، إذ لا ذكرَ للمشبَّه صريحاً ولا دلالةً بحيث ينافي الاستعارة،
والاستعارةُ الأولى بجملتِها مشبَّهةٌ، والثانيةُ مشبَّةٌ به، وهذا كما تقول في الاستعارة
الإفرادية: أيكونُ الأسد كالثعلب؟ أي: الشجاع كالجبان. وهو من بديع المعاني
الذي ينبغي أنْ يتنبَّه له ويُحفظ (٤).
والتفسير المأثور عن ابن عباس ؤه: أنَّ المرادَ بالميتِ الكافرُ الضالُّ،
وبالإحياء الهداية، وبالنورِ القرآن، وبالظلماتِ الكفر والضلالة.
(١) في الإملاء ٢/ ٦٣٢.
(٢) وهي قراءة أبي جعفر أيضاً. ينظر النشر ٢٦٢/٢، والتيسير ص ١٠٦.
(٣) تفسير أبي السعود ١٨١/٣ .
(٤) حاشية الشهاب ٤ / ١٢١ .

سُورَةُ الأَنْتَل
٤٢٠
الآية : ١٢٣
والآيةُ - على ما أخرجَ أبو الشيخ عنه - نزلت في عمر بن الخطاب نَظُّه، وهو
المرادُ بمن أحياه الله تعالى وهذاه، وأبي جهل ابن هشام لعنه الله تعالى، وهو
المرادُ بمن مثلُه في الظلمات ليس بخارج (١). ورُوي عن زيد بن أسلم مثلُ ذلك.
وفي روايةٍ عن ابن عباس ﴿ّ أنَّها في حمزةَ وأبي جهل. وعن عكرمة أنَّها في
عمار بن ياسر وأبي جهل.
وأيًّا ما كان، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخلُ في ذلك كلُّ
مَن انقادَ لأمرِ الله تعالى، ومَن بَقي على ضلاله وُتُوِّه.
﴿ كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التزيين المذكورِ على طرزِ ما قرِّر في أمثاله، أو إشارةٌ
إلى إيحاءِ الشياطين إلى أوليائهم، أو إلى تزيين الإيمان للمؤمنين ﴿زُيِّنَ﴾ من جهته
تعالى خَلْقاً، أو من جهة الشياطين وسوسةً ﴿لِلْكَفِينَ﴾ كأبي جهلٍ وأضرابه ﴿مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: ما استمرُّوا على عمله من فنون الكفر والمعاصي التي
من جملتها ما حكي عنهم من القبائح.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ قيل: أي: كما جعلنا في مكَّة أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنَا
فِي كُلّ قَرَّبَةٍ﴾ من سائرِ القرى ﴿أَكَتِرَ مُجْرِمِيهَا لِمْكُرُواْ فِيهَا﴾. أو: كما جعلنا
أعمال أهل مّة مزيَّنةً لهم، جعلنا في كلِّ قريةٍ .. إلخ، وإلى الاحتمالين ذهبَ
الإمامُ الرازي(٢).
وجعل غيرُ واحدٍ ((جعل)) بمعنى: صَيَّر المتعدية لمفعولين، واختلف في
تعيينهما، فقيل: ((في كلِّ قريةٍ)) مفعولٌ ثان، و((أكابر مجرميها)) بالإضافة هو الأول.
وقيل: ((أكابرَ)) مفعولٌ أول و((مجرميها)) بدلٌ منه، وقيل: ((أكابر)) مفعول ثانٍ
و((مجرميها)) مفعولٌ أول؛ لأنَّه معرفةٌ، فيتعيَّن أنَّه المبتدأ بحسب الأصل. والتقدير:
جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أكابرَ، فيتعلَّق الجارُّ والمجرورُ بالفعل.
واعترض أبو حيان(٣) كون ((مجرميها)) بدلاً من ((أكابر))، أو مفعولاً، بأنَّه خطأ
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٤٣/٣، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه.
(٢) في تفسيره ١٣/ ١٧٤ .
(٣) في البحر المحيط ٤/ ٢١٥.